← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

صحيح: رواه مسلم (١٥٤٧: ١١١) عن محمد بن المثنى، حدّثنا حسين (يعني ابن حسن بن يسار)، حدّثنا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. قلت: تركهـ كان تنزيها، لا تحريما، وعليه قول ابن عباس، كما سيأتي. • عن سالم بن عبد اللَّه أن عبد اللَّه بن عمر كان يكري أَرَضِيه، حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد اللَّه، فقال: يا ابن خديج، ماذا تحدث عن رسول اللَّه ﷺ في كراء الأرض؟ قال رافع بن خديج لعبد اللَّه: سمعت عَميَّ -وكانا قد شهدا بدرا- يحدثان أهل الدار: أن رسول اللَّه ﷺ نهي عن كراء الأرض. قال عبد اللَّه: لقد كنت أعلم في عهد رسول اللَّه ﷺ أن الأرض تكرى، ثم خشي عبد اللَّه أن يكون رسول اللَّه ﷺ أحدث في ذلك شيئًا لم يكن علمه، فترك كراء الأرض. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٤٥)، ومسلم (١٥٤٧: ١٢) كلاهما من حديث الليث قال: حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني سالم بن عبد اللَّه فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصر. • عن نافع قال: ذهبت مع ابن عمر إلى رافع بن خديج حتى أتاه بالبلاط، فأخبره أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن كراء المزارع. صحيح: رواه مسلم (١٥٤٦: ١١٠) عن ابن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا عبيد اللَّه، عن نافع قال فذكره. ورواه أحمد (١٥٨١٨) عن يحيى بن سعيد، وابن نمير، كلاهما عن عبيد اللَّه قال: أخبرني نافع قال: كان ابن عمر يكري المزارع، فبلغه أن رافعا يأثر فيه حديثا عن رسول اللَّه ﷺ ، فخرج إليه ابن عمر إلى البلاط، فسأله، فأخبره أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن كراء المزارع، فترك عبد اللَّه كراءها. والبلاط مكان معروف بالمدينة مبلط بالحجارة، وهو بقرب مسجد رسول اللَّه ﷺ . ٥ - باب النهي عن كراء الأرض بالطعام • عن ظُهير بن رافع قال: لقد نهانا رسول اللَّه ﷺ عن أمر كان بنا رافقا. قلت: ما قال رسول اللَّه ﷺ فهو حق. قال: دعاني رسول اللَّه ﷺ قال: "ما تصنعون بمحاقلكم؟ ". قلت: نؤاجرها على الربيع، وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال: "لا تفعلوا، ازرعوها، أو أزرعوها، أو أمسكوها". قال رافع: قلت: سمعا وطاعة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٩)، ومسلم في البيوع (١٥٤٨: ١١٤)

стр. 3432

كلاهما من طريق الأوزاعيّ، عن أبي النجاشي مولى رافع بن خديج، قال: سمعت رافع بن خديج ابن رافع، عن عمه ظهير بن رافع، قال ظهير فذكره. واللّفظ للبخاريّ، ولم يذكر مسلم: "قال رافع: قلت: سمعا وطاعة". وأبو النجاشي هو عطاء بن صهيب الأنصاري. • عن رافع بن خديج قال: كنا نحائل الأرض على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول اللَّه ﷺ عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية اللَّه ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحافل بالأرض، فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها، أو يُزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك. صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٤٨: ١١٣) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج قال فذكره. • عن أسيد بن ظهير ابن أخي رافع بن خديج قال: كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أعطاها بالثلث والربع والنصف، ويشترط ثلاث جداول والقصارة وما يسقى الربيع، وكان العيش إذ ذاك شديدا، وكان يُعمل فيها بالحديد وما شاء اللَّه، ويصيب منها منفعة، فأتانا رافع بن خديج فقال: إن رسول اللَّه ﷺ ينهاكم عن أمر كان لكم نافعا، وطاعة اللَّه وطاعة رسوله ﷺ أنفع لكم. إن النبي ﷺ ينهاكم عن الحقل، ويقول: "من استغنى عن أرضه فليمنحها أخاه، أو ليدع". وينهاكم عن المزابنة. والمزابنة أن يكون الرجل له المال العظيم من النخل، فيأتيه الرجل، فيقول: قد أخذته بكذا وكذا وسقا من تمر. صحيح: رواه أحمد (١٥٨١٥) عن عبد الرزاق وهو في مصنفه (١٤٤٦٣) - عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبيه، عن ظهر فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن ماجه (٢٤٦٠)، ولم يذكر فيه: المزابنة. ورواه أبو داود (٣٣٩٨) من وجه آخر عن سفيان، والنسائي (٣٨٦٣، و ٣٨٦٤، و ٣٨٦٥) من أوجه عن منصور، إلا أنهما اختصرا. وقوله: "ثلاث جداول" أي ثلاث حصص من الجداول. والجدول: النهر الصغير، أي ما يخرج على أطرافها. وقوله: "القُصارة" بالضم، ما يبقى من الحب في السنبل مما لا يتخلص به بعد ما يداس. وقوله: "وما يسقي الربيع" هو النهر الصغير كأنهم يجعلون قطعة من الأرض، يسقيها الربيع.

стр. 3433

• عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المزابنة، والمحاقلة. والمزابنةُ اشتراء الثَمَر بالتمْر في رؤوس النخل. والمحاقلة كراء الأرض بالحنطة. متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٢٤) عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي سعيد الخدري فذكره. ورواه البخاريّ في البيوع (٢١٨٦)، ومسلم في البيوع (١٥٤٦) كلاهما من طريق مالك به مثله، إلا أن البخاري لم يذكر تفسير المحاقلة. وأما مسلم ففسرها بكراء الأرض، ولم يقل: بالحنطة. ٦ - باب جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، وبشطر ما يخرج من الأرض • عن حنظلة بن قيس، عن رافع بن خديج قال: حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي ﷺ بما ينبت على الأربعاء، أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم. صحيح: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٤٦) عن عمرو بن خالد، حدّثنا الليث، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس فذكره. وقال الليث: وكان الذي نهي عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة. وقوله: "الأربعاء" جمع الربيع، وهو النهر الصغير. • عن رافع بن خديج أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن كراء المزارع. قال حنظلة: فسألت رافع بن خديج بالذهب والورق؟ فقال: أما بالذهب والورق فلا بأس به. صحيح: رواه مالك في كراء الأرض (١) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن حنظلة بن قيس الزرقي، عن رافع بن خديج قال فذكره. ورواه مسلم في البيوع (١٥٤٧: ١١٥) من طريق مالك به. ورواه الأوزاعيّ -فخالف مالكا في لفظه- عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثني حنظلة بن قيس الأنصاري قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان النّاس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا. فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به. رواه مسلم (١٥٤٧: ١١٦) عن إسحاق، أخبرنا عيسى بن يونس، حدّثنا الأوزاعيّ فذكره.

стр. 3434

ورواه عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة بإسناده، ولفظه: أن النّاس كانوا يكرون المزارع في زمان رسول اللَّه ﷺ بالماذيانات، وما سقى الربيع، وشيء من التبن، فكره رسول اللَّه ﷺ كري المزارع بهذا، ونهى عنها. قال رافع: لا بأس بكرائها بالدراهم والدنانير. رواه الإمام أحمد (١٥٨٠٩)، وابن حبان (٥١٩٧) وجهين عن عبد العزيز بن محمد. ولفظهما سواء. وكذلك رواه الليث، عن ربيعة مرفوعا، كما مضى مع الاختلاف في بعض الألفاظ. وخالفهم جميعا سفيان الثوري، فروى عن ربيعة، ولم يرفعه. رواه عنه عبد الرزاق (١٤٤٥٢)، وكذا النسائي (٣٩٠١)، ولفظه: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض البيضاء، فقال: حلال، لا بأس به، إنما نُهي الإرماث: أن يعطي الرجل الأرض، ويستثني بعضها، ونحو ذلك. والحكم لمن زاد. وقال النسائي: ورواه يحيى بن سعيد، عن حنظلة بن قيس، ورفعه كما رواه مالك عن ربيعة. وقوله: "الماديانات" -بكسر الذال- وهي الأنهار، وهي ليست بعربية، ومعناه: ما ينبت على حافتيها لرب الأرض. والأقبال جمع قبل، ومعنى أقبال الجداول أوائلها ورؤوسها. والجداول جمع جدول، وهو النهر الصغير. • عن رافع بن خديج قال: كنا أكثر أهل المدينة مزروعا، كنا نكري الأرض بالناحية منها مسمى لسيد الأرض. قال: فمما يصاب ذلك، وتسلم الأرض، ومما يصاب الأرض، ويسلم ذلك، فنهينا. وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ. صحيح: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٣٣٢٧) عن محمد، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن حنظلة بن قيس الأنصاري، سمع رافع بن خديج فذكره. • عن رافع بن خديج قال: كنا أكثر الأنصار حقلا. قال: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه. فنهانا عن ذلك. وأما الورق فلم ينهنا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٢)، ومسلم في البيوع (١٥٤٧: ١١٧) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن حنظلة الزرني أنه سمع رافع بن خديج يقول فذكره. وهذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري: كنا أكثر أهل المدينة حقلا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك. فربما أخرجت ذِه، ولم تخرج ذِه، فنهاهم النبي ﷺ .

стр. 3435

وفي لفظ عنده: فربما أخرجت هذه ولم تخرج ذه، فنهينا عن ذلك، ولم نُنه عن الورق. رواه في الشروط عن مالك بن إسماعيل، حدّثنا ابن عيينة بإسناده. وقوله: "أما الورق" الظاهر من جميع الروايات أن هذا من قول رافع اجتهادا منه؛ لأنه فهم أن المنهي عن كراء الأرض سببه الجهالة، فإذا انتفت الجهالة صح. • عن ابن عمر قال: عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٠)، ومسلم في المساقاة (١٥٥١) كلاهما من حديث يحيى (وهو القطّان)، عن عبد اللَّه، أخبرني نافع، عن ابن عمر فذكره. واللّفظ للبخاريّ. قال الترمذيّ (١٣٨٣) بعد أن أخرج الحديث من طريق يحيى بن سعيد: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لم يروا بالمزارعة بأسا على الصف والثلث والربع. واختار بعضهم أن يكون البذر من رب الأرض. وهو قول أحمد، وإسحاق. وكره بعض أهل العلم المزارعة بالثلث والربع، ولم يروا بمساقاة النخيل بالثلث والربع بأسا. وهو قول مالك، والشافعي. ولم ير بعضهم أن يصح شيء من المزارعة إلا أن يستأجر الأرض بالذهب والفضة". انتهى كلام الترمذيّ. • عن ابن عمر قال: أعطى رسول اللَّه ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق: ثمانين وسقا من تمر، وعشرين وسقا من شعير. فلما ولي عمر قسم خيبر، خير أزواج النبي ﷺ أن يُقطع لهن الأرض والماء، أو يضمن لهن الأوساق كل عام، فاختلفن، فمنهن من اختار الأرض والماء، ومنهن من اختار الأوساق كل عام، فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٢٨)، ومسلم في المساقاة (١٥٥١: ٢) كلاهما من وجهين مختلفين عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه، ولم يذكر حفصة. • عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وأن رسول اللَّه ﷺ لما ظهر على خبر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها اللَّه ولرسوله وللمسلمين، فأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول اللَّه ﷺ أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها، ولهم نصف الثمر. فقال لهم

стр. 3436

رسول اللَّه ﷺ : "نقركم بها على ذلك ما شئنا". فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٨) ومسلم في المساقاة (١٥٥١: ٦) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، حدثني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره، ولفظهما سواء. • عن عبد اللَّه بن عمر قال: لما افتحت خيبر سألت يهود رسول اللَّه ﷺ أن يقرهم فيها على أن يعملوا على نصف ما خرج منها من الثمر والزرع، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أقركم فيها على ذلك ما شئنا". وفيه: وكان الثمر يقسم على السهمان من نصف خيبر، فيأخذ رسول اللَّه ﷺ الخمس. صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٥١: ٤) عن أبي الطاهر، حدّثنا عبد اللَّه بن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. • عن ابن عباس قال: افتتح رسول اللَّه ﷺ خيبر، واشترط أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء. قال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم، فأعْطِناها على أن لكم نصف الثمرة، ولنا نصف. فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين يُصْرم النخل بعث إليهم عبد اللَّه بن رواحة، فحَزَرَ عليهم النخل، وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص، فقال: في ذه كذا وكذا. قالوا: أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال: فأنا ألي حزر النخل، وأعطيكم نصف الذي قلت. قالوا: هذا الحق، وبه تقوم السماء والأرض، قد رضينا أن نأخذه بالذي قلت. حسن: رواه أبو داود (٣٤١٠)، وابن ماجه (١٨٢٠) كلاهما من حديث عمر بن أيوب، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل عمر بن أيوب، وهو العبدي، وشيخه جعفر بن برقان الرقي، وهما حسنا الحديث. ٧ - باب ما جاء في جواز المزارعة إذا لم تكن فيه الشروط الفاسدة • عن طاوس أنه كان يخابر. قال عمرو (هو ابن دينار): فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، لو تركت هذه المخابرة؛ فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة، فقال: أي عمرو، أخبرني أعلمهم بذلك -يعني ابن عباس- أن النبي ﷺ لم ينه عنها، إنما قال: "أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما".

стр. 3437

متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٠)، ومسلم في البيوع (١٥٥٠: ١٢١) كلاهما من طريق سفيان، عن عمرو -وزاد مسلم: وابن طاوس-، عن طاوس به. واللّفظ لمسلم. وفي رواية عند البخاري (٢٦٣٤) عن أيوب، عن عمرو أن النبي ﷺ خرج إلى أرض تهتز زرعا، فقال: "لمن هذه؟ " فقالوا: اكتراها فلان. فقال: "أما إنه لو منحها إياه كان خيرا له من أن يأخذ عليها أجرا معلوما". • عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ لم يحرم المزارعة، ولكن أمر أن يرفق بعضهم بعضا. حسن: رواه الترمذيّ (١٣٥٨) عن محمود بن غيلان، أخبرنا الفضل بن موسى الشيباني، عن شريك، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره. ورواه مسلم (١٥٥٠: . . .) عن الفضل بن موسى، عن شريك، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ نحو حديثهم، ولم يذكر لفظ الحديث. وشريك توبع في الأسانيد السابقة التي ذكرها مسلم، وعطف عليها هذا الإسناد. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح. وحديث رافع فيه اضطراب، يروى هذا الحديث عن رافع بن خديج عن عمومته، ويروى عنه عن ظهير بن رافع وهو أحد عمومته، وقد روي هذا الحديث عنه على روايات مختلفة". • عن عبد اللَّه بن السائب قال: دخلنا على عبد اللَّه بن معقل، فسألناه عن المزارعة، فقال: زعم ثابت أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: "لا بأس بها". صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٤٩: ١١٩) عن إسحاق بن منصور، أخبرنا يحيى بن حماد، أخبرنا أبو عوانة، عن سليمان الشيباني، عن عبد اللَّه بن السائب قال فذكره. قوله: "المؤاجرة" أي الإجارة، وهي تمليك منفعة بعوض لمدة معلومة. وروي أيضًا عن زيد بن ثابت قال: يغفر اللَّه رافع بن خديج، أنا واللَّه أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان قد اقتتلا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع". قال: فسمع رافع قوله: "لا تكروا المزارع". رواه أبو داود (٣٣٩٠)، والنسائي (٣٩٢٧)، وابن ماجه (٢٤٦١)، وأحمد (٢١٥٨٨) كلّهم من حديث إسماعيل بن علية، حدّثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت فذكره. ولكن في إسناده أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، لم يوثّقه أحد، ولم أجد له متابعا، وقد

стр. 3438

قال فيه الحافظ: "مقبول". أي إذا توبع. وشيخه الوليد بن أبي الوليد ليّن الحديث. وأما ما روي عن زيد بن ثابت قال: "نهى رسول اللَّه عن المخابرة. قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع". فهو ضعيف. رواه أبو داود (٣٤٠٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عمر بن أيوب، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن زيد بن ثابت فذكره. وإسناده ضعيف من أجل عمر بن أيوب، وهو العبدي الموصلي، وشيخه جعفر بن برقان، وهما لا بأس بهما إلا أنهما خالفا روايات الثقات في جواز المخابرة بالنصف والثلث والربع وبشيء معلوم فلا يقبل تفردهما. وفي الباب ما روي أيضًا عن معاذ بن جبل أنه أكرى الأرض على عهد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع، فهو يعمل به إلى يومك هذا. رواه ابن ماجه (٢٤٦٣) من حديث مجاهد، عن طاوس، أن معاذ بن جبل أكرى الأرض فذكره. وفيه انقطاع؛ فإن طاوسا (وهو ابن كيسان) لم يدرك معاذ بن جبل. ثم إن معاذا توفي في خلافة عمر، ولم يدرك خلافة عثمان، ففيه خطأ مركب. فقه هذه الأبواب: المزارعة هي اكتراء العامل لزرع الأرض ببعض ما يخرج منها، كما ذكرها النووي في الروضة (٥/ ١٦٨)، وهي جائزة في قول أكثر أهل العلم. قال البخاري: وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع. وزارع علي، وسعد بن مالك، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين. وقال عبد الرحمن بن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع، وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا. وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما، فينفقان جميعا، فما خرج فهو بينهما، ورأى ذلك الزهري. وقال الحسن: لا بأس أن يجتنى القطن على النصف. وقال إبراهيم، وابن سيرين، وعطاء، والحكم، والزهريّ، وقتادة: لا بأس أن يعطي الثوب بالثلث أو الربع ونحوه. وقال معمر: لا بأس أن تكون الماشية على الثلث والربع إلى أجل مسمى. انظر "الفتح" (٥/ ١٠). وفي قول ابن عباس وزيد بن ثابت بيان بأن المزارعة لا تحرم مطلقا، وإنما تحرم إذا وقع فيها الخصومة، فإذا كانت المزارعة بجزء مما يخرج من الأرض عامة دون تقييد جزء منها جاز، وكذلك إذا كان بمقابل شيء معلوم من الذهب والفضة. وقد قيد بعض الرواة الصور التي وقع فيها النهي مثل شروط الجداول والماذيانات -وهي

стр. 3439

الأنهار-، وهي ما كان يشترط على الزارع أن يزرعه على هذه الأنهار خاصة لرب المال، ونحو شرط القصارة -وهي ما بقي من الحب في السنبل بعد ما يداس-، ويقال: القصرى، ونحو شرط ما يسقى الربيع، وهو النهر الصغير مثل الجداول والسرى ونحوه، وجمعه أربعاء، وغيرها من الصور، فصار حديث رافع بألوان مختلفة في الألفاظ. وأما في الروايات فمرة يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول. ومرة يقول: سمعت عما يقولان. ولذا ضعف الإمام أحمد حديث رافع بن خديج، وقال: "هو كثير الألوان". قال البيهقي (٦/ ١٣٥): "يريد ما أشرنا إليه من الاختلاف عليه في إسناده، ومتنه". ثم رجع الإمام أحمد إلى حديث رافع بن خديج، كما نقل عنه ابنه عبد اللَّه في المسند (٢٨/ ٥٢٢) قال: سألت أبي عن حديث رافع بن خديج، فقال: "كلها صحاح، وأحبها إلي حديث أيوب". انظر أيضًا مسائله (٣/ ١٢١٦). وذلك "إذا كانت الحصص معلومة نحو النصف والثلث والربع، وكانت الشروط الفاسدة معدومة، وإلى هذه ذهب الإمام أحمد، وأبو عبيد، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وغيرهم من أهل الحديث. وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من أصحاب الرأي، والأحاديث مضت في معاملة النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر، أو زرع دليل لهم في هذه المسألة". قاله البيهقي (٦/ ١٣٥). وقال الخطابي: "وقد أنعم بيان هذا الباب محمد بن إسحاق بن خزيمة، وجوَّده، وصنف في المزارعة مسألة ذكر فيها على الأحاديث التي وردت فيها، فالمزارعة على النصف والثلث والربع وعلى ما تراضى به الشريكان جائزة إذا كانت الحصص معلومة، والشروط الفاسدة معدومة، وهي عمل المسلمين من بلدان الإسلام، وأقطار الأرض شرقها وغربها، لا أعلم أني رأيت أو سمعت أهل بلد، أو صقع من نواحي الأرض التي يسكنها المسلمون يبطلون العمل بها". انتهى كلام الخطابي. انظر للمزيد كلام الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن" (٥/ ٥٤)، فإنه أفاض الحديث في جواز المزارعة. ٨ - باب النهي عن الثنيا • عن جابر أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والثنيا إلا أن تعلم. حسن: رواه أبو داود (٣٤٠٥)، والترمذي (١٢٩٠)، والنسائي (٣٩١١) كلّهم من حديث عباد ابن العوام قال: أخبرني سفيان بن حسين، عن يونس بن عبيد، عن عطاء، عن جابر فذكره. قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث يونس بن عبيد، عن عطاء، عن جابر".

стр. 3440

وإسناده حسن من أجل الكلام في سفيان بن حسين إلا أنه يحسن حديثه في غير الزهري؛ لأنه فيه ضعيف. وأصل هذا الحديث في الصحيحين، ولكن لم يذكر "الثنيا" إلا أصحاب السنن الثلاثة. والثنيا من الاستثناء المجهول؛ لأنه يؤدي إلى النزاع. أما إذا علم فلا حرج فيه مثل أن يبيع ثمر الحائط، ويستثني منه شيئًا معلوما كالثلث والربع ونحوه، فهذا جائز بخلاف لو استثنى منه جزءا غير معلوم، فيبطل البيع؛ لأن البيع حينئذ يكون مجهولا. ٩ - باب فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم • عن رافع بن خديج قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته". حسن: رواه أبو داود (٣٤٠٣)، والترمذي (١٣٦٦)، وابن ماجه (٣٤٦٦)، وأحمد (١٥٨٢١) كلّهم من حديث شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن رافع بن خديج فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من هذا الوجه من حديث شريك بن عبد اللَّه، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق. وسألت محمد بن إسمعيل عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. وقال: لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من رواية شريك. قال محمد: حدّثنا معقل بن مالك، حدّثنا عقبة بن الأصم، عن عطاء، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ نحوه". انتهى كلام الترمذيّ. قلت: كذا قالا! أي من حديث شريك، عن أبي إسحاق. وقد رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج (٢٩٦) عن قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق به مثله. إلا أن قيس بن الربيع ضعيف عند أهل العلم، وأنه لما كبر تغير، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به، وهي متابعة ضعيفة لشريك؛ لأنه أيضًا سيء الحفظ، ولكن يستأنس به. وفي الإسناد علة أخرى، وهي الانقطاع؛ فإن عطاء، هو ابن أبي رباح، كما جاء التصريح به عند أبي عبيد في "الأموال" (٧٠٦)، وأحمد في مسنده، وكذا صرح أيضًا المزي في "تحفة الأشراف" (٣/ ١٥٢). وابن أبي رباح هذا لم يسمع من رافع بن خديج، كما قال أبو زرعة. انظر "المراسيل" (٥٦٩). وكذلك قال الشافعي، نقل عنه البيهقي (٦/ ١٣٦) بأنه منقطع. وأظهر ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٣٣٤) علة أخرى مع الانقطاع بين عطاء ورافع، وهي الإرسال بين أبي إسحاق وبين عطاء، فقال:

стр. 3441

"وكنت أظن أن عطاء عن رافع بن خديج مرسل حتى تبين لي أن أبا إسحاق أيضًا عن عطاء مرسل، فذكر الإسناد الذي فيه الواسطة بين أبي إسحاق وعطاء. ونقل الخطابي في معالم السنن عن البخاري تضعيف هذا الحديث إلا أنه نقل بالمعنى، فإن البخاري قال -كما في "العلل الكبير" (٤/ ٥٦٤) -: هو حديث شريك الذي تفرّد به عن أبي إسحاق. وقال: نا معقل بن مالك، عن عقبة بن الأصم، عن عطاء قال: نا رافع بن خديج بهذا الحديث". وليس فيه التصريح بأنه ضَعَّفَ الحديث. وأما قول ابن عدي: الإرسال بين أبي إسحاق وبين عطاء فتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي، فقال: وأخرج البخاري في كتاب الحج من صحيحه من حديث أبي إسحاق قال: سألت مسروقا وعطاء ومجاهدا، فقالوا: أعتمر رسول اللَّه ﷺ في ذي الحجة قبل أن يحج. وهذا تصريح بسماع أبي إسحاق من عطاء". انتهى. وأما قول البخاري -كما نقله الترمذيّ- بأنه حديث حسن، فإما أن يحمل على أنه قول حسن، أو حسن بمجموع طريقيه، وإن كان في الطريق الثاني عقبة بن الأصم لا يحتج به، كما قال البيهقي، وذلك إذا انفرد، ولكن هذا الطريق يصلح أن يكون متابعا للطريق الأول، وبهذا صح قول البخاري بأنه حديث حسن. ويشهد له حديث سعيد بن المسيب عن رافع، كما سيأتي. وبه يقوي أبو حاتم الرازي هذا الحديث. • عن أبي جعفر الخَطْمي قال: بعثني عمي أنا وغلاما له إلى سعيد بن المسيب. قال: فقلنا له: شيء بلغنا عنك في المزارعة؟ قال: كان ابن عمر لا يرى بأسا بها حتى بلغه عن رافع بن خديج، فأتاه، فأخبره رافع أن رسول اللَّه ﷺ أتى بني حارثة، فرأى زرعا في أرض ظُهير، فقال: "ما أحسن زرع ظهير! " قالوا: ليس الظهير. قال: "أليس أرض ظهير؟ " قالوا: بلى، ولكنه زرع فلان. قال: "فخذوا زرعكم، وردوا عليه النفقة". قال رافع: فأخذنا زرعنا، ورددنا إليه النفقة. قال سعيد: أفقر أخاك أو أكره بالدراهم. صحيح: رواه أبو داود (٣٣٩٩)، والنسائي (٣٨٨٩)، والبيهقي (٦/ ١٣٦) من طريق أبي داود - كلّهم من حديث يحيى بن سعيد، ثنا أبو جعفر الخطمي قال فذكره. وإسناده صحيح. وأبو جعفر الخطمي هو عمير بن يزيد الأنصاري، ثقة، وثقه ابن معين والنسائي وابن مهدي وابن نمير والعجلي وابن حبان وغيرهم. وأما قول البيهقي: "ولم أر البخاري ومسلما احتجا به في حديث فهو قول غير مقبول؛ فإن

стр. 3442

احتجاج البخاري ومسلم لا يشترط في توثيق الرواة. ولذا تعقبه ابن التركماني، فقال: "وهو ثقة، أخرج له الحاكم في المستدرك، فلا يضره عدم احتجاجهما به". قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: رواه حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي أن النبي ﷺ . . .، ولم يجوده، والصحيح حديث يحيى؛ لأن يحيى حافظ ثقة. وقال: هذا يقوي حديث شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن رافع بن خديج. فذكر الحديث. وقال: وأما الشافعي فإنه يدفع حديث عطاء، وقال: عطاء لم يلق رافعا. قال أبو حاتم: بلى، قد أدركه". "العلل" (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦). وقوله: "أفقر أخاك، وأكره بالدراهم" ومعنى أفقر أخاك أي أعره إياها، وأصل الإفقار في إعارة الظهر، يقال: أفقرت الرجل إذا أعرته ظهره للركوب. أفاده الخطابي. وظاهر هذه الأحاديث يدل على أن الزرع يتبع الأرض، وفقهاء الأمصار على أن الأرض يتبع البذور. هكذا قال البيهقي (٦/ ١٣٦)، راجع المسألة في كتب الفقه. ١٠ - باب الترتيب في السقي • عن عبد اللَّه بن الزبير ﵄ أنه حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي ﷺ في شِراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ للزبير: "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك". فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابن عمتك. فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فقال الزبير: واللَّه إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. [سورة النساء: ٦٥]. متفق عليه: رواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٥٩)، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٧) كلاهما من طريق الليث، عن الزّهريّ، عن عروة بن الزبير أن عبد اللَّه بن الزبير حدثه فذكره. ١١ - باب كراهية منع فضل الماء • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل

стр. 3443

مائه، فيقول اللَّه: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك". متفق عليه: رواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٦٩)، ومسلم في الأيمان (١٠٨: ١٧٤) كلاهما من طريق سفيان، عن عمرو (هو ابن دينار)، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة فذكره. • عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "يرحم اللَّه أم إسماعيل لو تركت زمزم -أو قال: لو لم تغرف من الماء- لكانت عينا معينا، وأقبل جرهم، فقالوا: أتأذنين أن ننزل عندك. قالت: نعم، ولا حق لكم في الماء. قالوا: نعم". صحيح: رواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٦٨) عن عبد اللَّه بن محمد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، وكثير بن كثير -يزيد أحدهما على الآخر-، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس فذكره. ١٢ - باب من أحيا أرضا مواتا فهي له • عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق". قال عروة: قضى به عمر ﵁ في خلافته. صحيح: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٣٥) عن يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة فذكرته. • عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له". صحيح: رواه الترمذيّ (١٣٧٩) عن محمد بن بشار، حدّثنا عبد الوهاب، حدّثنا أيوب، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن جابر فذكره. قال الترمذيّ: "حسن صحيح". وصحّحه ابن حبان (٥٢٠٥)، ورواه من وجه آخر عن عبد الوهاب الثقفي بإسناده، وزاد في آخره: "وما أكلت العوافي منها فهو له صدقة". ورواه أحمد (١٤٢٧١) من وجه آخر عن هشام بن عروة بإسناده مثله. ولهشام بن عروة شيخ آخر، وهو عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج قال: سمعت جابر ابن عبد اللَّه يقول فذكر الحديث. رواه الدارمي (٢٦٤٩)، وابن حبان (٥٢٠٣) من طريقه. ويظهر من هذا أن هشام بن عروة سمع هذا الحديث من شيخين: أحدهما وهب بن كيسان، والثاني عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع - كلاهما عن جابر بن عبد اللَّه. وعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع قيل: اسمه عبد اللَّه بن عبد الرحمن. وقيل: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن رافع. وقيل غير ذلك.

стр. 3444

وللحديث طريق آخر، وهو ما رواه أحمد (١٤٨٣٩)، وابن حبان (٢٥٠٤) كلاهما من حديث حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقال الدارقطني في "العلل" (١٣/ ٣٨٧) بعد أن ساق الروايات عن هشام، والاختلاف عليه: "ويشبه أن يكون حديث هشام بن عروة، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع محفوظا، وحديث هشام عن وهب بن كيسان أيضًا". والعوافي: جمع عافية، وهو يطلق على كل من يطلب الرزق من الطير وغير ذلك. وأما ما روي عن سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" فهو مرسل. رواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٧٤٣) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ فذكره. وتابعه يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد اللَّه بن إدريس، ويحيى بن سعيد الأموي كلّهم عن هشام، عن أبيه مرسلا، كما ذكره الدارقطني في "العلل" (٤/ ٤١٥). وكذلك رواه سفيان بن عيينة عن هشام. وكذلك رواه محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه. أخرج حديث هؤلاء البيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ١١٢). وخالفهم جميعا أيوب السختياني، فرواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، فزاد فيه: سعيد بن زيد. والوهم فيه ممن دونه، وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ومن طريقه رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، والبيهقي (٦/ ٩٩). قال الترمذي: "حديث حسن غريب. وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا". قال الدارقطني: "المرسل عن عروة أصح". وقال في موضع آخر في "العلل" (١٤/ ١١٣): "الثقفي عن أيوب وهم، والصحيح عن هشام، عن أبيه مرسلا". قلت: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ثقة ثقة، كما قال يحيى بن معين إلا أنه اختلط بأخرة قبل موته بثلاث سنين. قال الذهبي في "الميزان" (٢/ ٦٨١): "ولكن ما ضر تغيره حديثه؛ فإنه ما حدث بحديث في زمن التغير" مستدلا بقول أبي داود: "جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي تغيرا، فحجب الناس عنهم". ولكن قد يهم الثقة، كما وهم هنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٢/ ٢٨٠): "اختلف فيه على هشام، فروته عنه طائفة، عن أبيه مرسلا، وهو أصح ما قيل فيه إن شاء اللَّه. وروته طائفة عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن

стр. 3445

جابر. وروته طائفة عن هشام، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع، عن جابر. وبعضهم يقول فيه: عن هشام، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن جابر. وفيه اختلاف كثير". ومعنى قوله: "ليس لعرق ظالم حق" هو أن يغصب أرض الغير، فيغرس فيها، أو يزرع فلا حق له، ويقطع غرسه وزرعه. وأما فقه الحديث فانظره في "المنة الكبرى" (٥/ ٤٧٦). • عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أحاط حائطا على أرض فهي له". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٠١٣٠)، وعنه أبو داود (٣٠٧٧)، وابن أبي شيبة (٧/ ٧٦)، والطبراني في "الكبير" (٦٨٦٥)، والبيهقي (٦/ ١٤٨) كلّهم من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة ابن جندب فذكره. وإسناده صحيح، وقد ثبت سماع الحسن البصري من سمرة بن جندب مطلقا. وللحديث شواهد عن عمرو بن عوف، وعائشة، وعبد اللَّه بن عمر، وغيرهم. وفي أسانيد أحاديثهم مقال. انظر تخاريجها في "التلخيص" (٣/ ٥٤)، و"نصب الراية" (٤/ ١٧١)، و"المنة الكبرى" (٥/ ٣٧٩). وأما ما روي عن أسمر بن مضرس قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فقال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له". قال: فخرج النّاس يتعادون يتخاطون. فلا يصح. رواه أبو داود (٣٠٧١)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٦١ - ٦٢) عن محمد بن بشار، حدثني عبد الحميد بن عبد الواحد، حدثتني أم جنوب بنت ثميلة، عن أمها شويدة بنت جابر، عن أمها عَقيلة بنت أسمر بن مضرس، عن أبيها أسمر بن مضرس، فذكره. وفي إسناده عبد الحميد بن عبد الواحد، قال فيه الذهبي: "ما أعرف أحدا روى عنه سوى بندر" أهـ. ولم يوثّقه أحد إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته. ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي: عند المتابعة. وفيه أيضًا أم جنوب بنت نميلة وسويدة وعقيلة، لم يرو عن واحدة منهن إلا واحدة، ولم يوثّقهن أحد، ولذا جَهَّلهن الحافظ ابن حجر. وقال المنذري في "مختصر السنن" (٤/ ٢٦٤): "غريب، وقال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم بهذا الإسناد حديثا غير هذا". أهـ.

стр. 3446

١٣ - باب ما جاء في الإقطاع • عن أنس قال: أراد رسول اللَّه ﷺ أن يُقطع من البحرين، فقالت الأنصار: حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا. قال: "سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني". صحيح: رواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٧٦) عن سليمان بن حرب، حدّثنا حماد، عن يحيى ابن سعيد قال: سمعت أنسا قال فذكره. ورواه أيضًا (٣٧٩٤) من وجه آخر عن عبد اللَّه بن محمد، حدّثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها. قال: "إما لا، فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم بعدي أثرة". وفيه دليل على أنه يجوز للحاكم أن يُقطع لبعض الرعية دون بعض حسب المصلحة العامة قد تخفى على عامة النّاس. وأما الخطابي فقال: "ويشبه أن يكون إقطاعه من البحرين إنما هو على أحد الوجهين: إما أن يكون من الموات الذي لم يملكه أحد فيمتلك بالإحياء، وإما أن يكون من العمارة من حقه الخمس، فقد روي أنه افتتح البحرين، وترك أرضها، ولم يقسمها، كما قسم خيبر". أعلام الحديث (٢/ ١١٨٨ - ١١٨٩). إن كان كذلك لما كان لإقطاعها للأنصار ميزة، ولا اعتراض لهم على ذلك، وطلبهم للمهاجرين أيضًا. والبحرين ليس هو البلد المشهور الآن، بل كان يطلق على سواحل نجد بين قطر والكويت، وكانت هجر قصبته، وهي الهفوف اليوم، وأطلق على هذا الإقليم اسم المنطقة الشرقية، وجل ما جاء في كتب السيرة والسنة باسم البحرين هو ما يقع من شرق المملكة العربية السعودية. انظر "معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية" (ص ٤٠ - ٤١). • عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول اللَّه ﷺ على رأسي. متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١١٥)، ومسلم في السلام (٢١٨٢) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر فذكرته في قصة طويلة. قال البخاري: "وقال أبو ضمرة: عن هشام عن أبيه أن النبي ﷺ أقطع الزبير أرضا من أموال بني النضير".

стр. 3447

وأما ما روي عن عبد اللَّه بن عمر أن النبي ﷺ أقطع الزبير حُضر فرسه، فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: "أعطوه من حيث بلغ السوط" ففيه عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ضعيف. ومن طريقه رواه أبو داود (٣٠٧٢) -واللّفظ له-، وأحمد (٦٤٥٨)، ولفظه: "أن النبي ﷺ أقطع الزبير حُضر فرسه بأرض يقال لها ثُرير، فأجرى الفرس حتى قام، ثم رمي بسوطه، فقال" فذكره. وقوله: "حضر فرسه" الحضر العَدو، والجري. • عن علقمة بن وائل، عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ أقطعه أرضا قال: فأرسل معي معاوية أن أعطها إياه -أو قال أعلمها إياه- قال: فقال لي معاوية: أردفني خلفك. فقلت: لا تكون من أرداف الملوك. قال: فقال: أعطني نعلك. فقلت: انتعل ظل الناقة. قال: فلما استخلف معاوية أتيته، فأقعدني معه على السرير، فذكرني الحديث، فقال سماك: فقال: وددت أني كنت حملته بين يدي. حسن: رواه أبو داود (٣٠٥٨)، والترمذي (١٣٨١)، والدارمي (٢٦٥١) كلهم من حديث شعبة، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه فذكره مختصرا على قوله: "أن النبي ﷺ أقطعه أرضا بحضر موت". ورواه الإمام أحمد (٢٧٢٣٩)، وصحّحه ابن حبان (٧٢٠٥) كلاهما من هذا الوجه، واللّفظ لهما. وإسناده حسن من أجل الكلام في سماك بن حرب وعلقمة بن وائل، فإنهما حسنا الحديث. وقد قيل: إن فيه انقطاعا؛ فإن علقمة لم يسمع من أبيه، كما قال ابن المديني، ذكره العلائي في "جامع التحصيل" (ص ٢٤٠)، وكذا ذكره أيضًا أبو زرعة العراقي في "التحفة التحصيل" (ص ٢٣٣). وكذا قال البخاري أيضًا، وردّه الترمذيّ. وفي صحيح مسلم (١٦٨٠) التصريح بسماعه من أبيه. • عن أبيض بن حمال أنه وفد إلى رسول اللَّه ﷺ ، فاستقطعه، فأقطعه الملح، فلما أدبر قال رجل: يا رسول اللَّه، أتدري ما أقطعته؟ إنما أقطعته الماء العِدَّ، قال: فرجع فيه. وقال: سألته عما يحمى من الأراك، فقال: "ما لم تبلغه أخفاف الإبل". حسن: رواه أبو داود (٣٠٦٤)، والترمذي (١٣٨٠)، وابن حبان (٤٤٩٩)، والدارقطني (٤/ ٢٢١) كلّهم من طريق محمد بن يحيى بن قيس المأربي قال: حدّثنا أبي، عن ثمامة بن شراحيل، عن سمي بن قيس، عن شُمير بن عبد المدان، عن أبيض بن حمال فذكره. واللّفظ لابن حبان. وفي بعض الروايات: فانتزع منه.

стр. 3448

وسمي بن قيس وشمير بن عبد المدان "مقبولان"، لأنهما توبعا. ورواه ابن ماجه (٢٤٧٥)، والدارمي (٢٦٥٠)، والدارقطني كلهم من حديث فرج بن سعيد بن علقمة بن سعيد بن أبيض بن حمال السبائي المأربي، حدثني عمي ثابت بن سعيد بن أبيض، أن أباه سعيد بن أبيض حدثه عن أبيض بن حمال حدثه، فذكر نحوه. وزاد فيه: فقطع له النبي ﷺ أرضا ونخلا بالجوف، جوف مراد مكانه حين أقاله منه. وثابت بن سعيد بن أبيض "مقبول" لأنه توبع. وقوله: "الماء العد" هو الدائم الذي لا ينقطع مثل ماء العين وماء البئر، شبه به الملح لعدم انقطاعه وحصوله بغير كد ولا عناء. وقوله: "الجوف" هو أرض لمراد، وقيل: هو بطن الوادي. وفيه دليل على أن الحاكم إذا حكم بشيء ثم تبين له أن الحق في خلافة عليه الرجوع إليه. • عن أبيض بن حمال أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن حمى الأراك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا حمى في الأراك". فقال: أراكة في حظاري. فقال النبي ﷺ : "لا حمى في الأراك". حسن: رواه أبو داود (٣٠٦٦) عن محمد بن أحمد القرشي، حدّثنا عبد اللَّه بن الزبير، حدّثنا فرج بن سعيد، حدثني عمي ثابت بن سعيد، عن أبيه، عن جده، عن أبيض بن حمال فذكره. قال فرج: يعني بحظاري: الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها. وإسناده حسن من أجل ثابت بن سعيد وهو "مقبول" لأنه توبع، كما سبق. تنبيه: ثابت بن سعيد هو ابن أبيض بن حمال، فقوله: "عن جده، عن أبيض بن حمال" أبيض ابن حمال هو بدل عن جده، إلا أن هذا الإسناد في المصادر الأخرى: عن جده أبيض بن حمال، وليس فيه لفظة: "عن". قال الخطابي: "يشبه أن تكون هذه الأراكة يوم إحياء الأرض، وحظر عليها قائمة فيها، فملك الأرض بالإحباء، ولم يملك الأراكة إذ كانت مرعى للسارحة. فأما الأراك إذا نبت في ملك رجل فإنه محمي لصاحبه غير محظور عليه تملكه والتصرف فيه، ولا فرق بينه وبين سائر الشجر الذي يتخذه النّاس في أراضيهم". • عن عبد اللَّه بن عباس أنه قال: أعطى النبي ﷺ بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية جلسيّها وغوريّها، وحيث يصلح الزرع من قدس. حسن: رواه ابن زنجويه في "كتاب الأموال" (١٢٦٥) عن حميد، حدّثنا ابن أبي أويس، حدثني أبي، عن ثور بن زيد الديلي، وعن خاله موسى بن ميسرة، عن عكرمة مولى عبد اللَّه بن

стр. 3449

عباس، عن عبد اللَّه بن عباس فذكره. ورواه أبو داود (٣٠٦٢)، وأحمد (٢٧٨٦)، والبيهقي (٦/ ١٤٥) كلهم من وجه آخر، عن الحسين بن محمد، حدّثنا أبو أويس بإسناده إلا أنهم لم يسوقوا لفظ الحديث، وإنما أحالوا على لفظ عمرو بن عوف المزني. وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي أويس، واسمه عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، إلا أنه انفرد برواية هذا الحديث عن ثور بن زيد. وحديث ابن عباس يشهد له ما روي عن عمرو بن عوف المزني أن رسول اللَّه ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية جليها وغوريها وقال غيره: جلسيها وغوريها وحيث يصلح للزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم، وكتب له النبي ﷺ : "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول اللَّه بلال بن الحارث المزني، أعطاه معادن القبلية جلسيها وغوريها، وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم". أخرجه أبو داود (٣٠٦٢ - ٣٠٦٣)، وأحمد (٢٧٨٥)، والبيهقي (٦/ ١٤٥) كلهم من حديث محمد بن الحسين المروزي، حدّثنا أبو أويس، حدّثنا كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده فذكره. وأبو أويس اسمه عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، كما مضى. ولكن آفته شيخه كثير بن عبد اللَّه؛ فهو ضعيف باتفاق أهل العلم إلا أن البخاري كان حسن الرأي فيه، ولذا كان الترمذيّ يصحح حديثه في سنته، وكان موضع النقد من أئمة الحديث. وله شاهد آخر، وهو ما رواه الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ أقطعه العقيق أجمع. قال: فلما كان عمر قال لبلال: إن رسول اللَّه ﷺ لم يقطعك لتحتجزه عن النّاس، إنما أقطعه لتعمل، فخذ منها ما قدرت على عمارته، ورد الباقي. رواه ابن زنجويه في "الأموال" (١٠٦٩)، والحاكم (١/ ٤٠٤)، وعنه البيهقي (٤/ ١٥٢) كلهم من حديث نعيم بن حماد، ثنا عبد العزيز بن محمد (الدراوردي)، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه فذكره. قال الحاكم: "قد احتج البخاري بنعيم بن حماد، ومسلم بالدراوردي، وهذا حديث صحيح، ولم يخرجاه". ولكن فيه الحارث بن بلال لم يوثّقه أحد حتى ابن حبان مع أنه على شرطه، وفي الميزان (١/ ٤٣٢): عن أبيه في فسخ الحج لهم خاصة، روى عن ربيعة الرأي وحده، وعنه الدراوردي. قال أحمد: لا أقول به، وليس إسناده بالمعروف. قلت: ورواه مالك في الموطأ (١/ ٢٤٨) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد من

стр. 3450

علمائهم أن النبي ﷺ قطع لبلال بن الحارث معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزّكاة إلى اليوم. قال الشافعي: "ليس هذا مما يثبت أهل الحديث، ولو ثبتوه لم تكن فيه رواية عن النبي ﷺ إلا إقطاعه، فأما الزّكاة في المعادن دون الخمس فلست مروية عن النبي ﷺ فيه". قال البيهقي (٤/ ١٥٢) بعد ما نقل كلام الشافعي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روي عن عبد العزيز الدراوردي، عن ربيعة موصولا، ثم ذكر الموصول، كما سبق. والخلاصة فيه أن إقطاع النبي ﷺ لبلال بن الحارث صحيح ثابت من تعدد طرقه، وأكتفي بذكر بعضها، ولم يثبت أخذ الزّكاة من المعادن. وقوله: "معادن القبلية من ناحية الفرع" الفرع بفتح الفاء، قرب سويقة في ديار جهينة. وقوله: "جلسيها" يريد نجديها، ويقال لنجد جلس. قال الأصمعي: وكل مرتفع جلس. وقوله: "الغور" هو ما انخفض من الأرض. يريد أنه أقطعه وهادها ورباها. وقوله: "قدس" بضم القاف، وسكون الدال، جبل معروف. وقيل: هو الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة. • عن ابن مسعود قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة أقطع الدور، وأقطع ابن مسعود فيمن أقطع، فقال له أصحابه: يا رسول اللَّه، نَكِّبه عنا، قال: "فلم بعثني اللَّه إذا؟ إن اللَّه لا يقدس أمة لا يعطون الضعيف منهم حقه". حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٧٤) عن أبي خليفة الفضل بن الحباب، ثنا عبد الرحمن ابن سلام الجمحي، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن هبيرة بن يريم، عن ابن مسعود فذكره. وإسناده حسن من أجل هبيرة بن يريم؛ فإنه حسن الحديث. ويريم على وزن عظيم. قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٩٧): رجاله ثقات. وقال ابن حجر في التلخيص (٣/ ٦٣): وإسناده قوي. ورواه البيهقي (٦/ ١٤٥) من طريق الشافعي قال: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى ابن جعدة قال: لما قدم النبي ﷺ في المدينة أقطع النّاس الدور، فقال له حي من بني زهرة يقال لهم بنو عبد بن زهرة: نكب عنا ابن أم عبد، فقال رسول اللَّه ﷺ فذكر الحديث. هكذا رواه مرسلا. قال ابن حجر: "ولا يقال: لعل يحيى سمعه من ابن مسعود؛ فإنه لم يدركهـ، نعم وصله

стр. 3451

الطبراني في الكبير من طريق عبد الرحمن بن سلام". فذكره، وقوى إسناده. وقوله: "نَكِّبْه عنا" أي نَحِّه عنا. يقال: نكَّب عن الطريق إذا عدل عنه، ونكَّب غيره. • عن سبْرَة بن عبد العزيز بن الربيع الجهني، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ نزل في موضع المسجد تحت دومة، فأقام ثلاثا، ثم خرج إلى تبوك، وإن جهينة لحقوه بالرحْبَة، فقال لهم: "من أهل ذي المروة؟ " فقالوا: بنو رفاعة من جهينة. فقال: "قد أقطعتها لبني رفاعة". فاقتسموها، فمنهم من باع، ومنهم من أمسك فعمل، ثم سألت أباه عبد العزيز عن هذا الحديث، فحدثني ببعضه، ولم يحدثني به كله. حسن: رواه أبو داود (٣٠٦٨) عن سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، حدثني سبرة ابن عبد العزيز بن الربيع الجهني فذكره. وإسناده حسن من أجل سبرة بن عبد العزيز ووالده عبد العزيز، فإنهما حسنا الحديث. وقوله: "الرحبة" بفتح الراء وسكون الحاء، الأرض الواسعة. وقوله: "ذو المروة" قرية بوادي القرى، وهي بين المدينة والشام. وفي الباب ما روي أيضًا عن عمرو بن حريث قال: خط رسول اللَّه ﷺ دارا بالمدينة، وقال: "أَزْبِك، أَزْبِك". رواه أبو داود (٣٠٦٠)، وأبو يعلى (١٩٦٤)، والبيهقي (٦/ ١٤٥) كلهم من حديث فطر بن خليفة مولى عمرو بن حريث، عن أبيه أنه سمع عمرو بن حريث قال: "انطلق بي أبي إلى رسول اللَّه ﷺ وأنا غلام شاب، فدعا لي بالبركة، ومسح رأسي، وخط لي دارا بالمدينة". فذكره. وهذا لفظ البيهقي، وعندهما مختصر، كما ذكرته. وفيه خليفة والد فطر لم يوثّقه غير ابن حبان، ولذا قال ابن القطّان: "فطر ثقة، ولكن أبوه لا تعرف حاله، ولا من روى عنه غير ابنه". وقال أيضًا: "فإن عمرو بن حريث لم تدرك سنه هذا المعنى؛ فإنه إما أنه كان يوم بدر حملا حسب ما روى شريك عن أبي إسحاق، وإما نبض النبي ﷺ ، وهو ابن اثنتي عشرة سنة في قول ابن إسحاق، أو هو ابن عشر سنين، روى ذلك أيضًا شريك، عن أبي إسحاق". انتهى. ولخصه الذهبي قائلا: "خليفة ما روى عنه سوى ابنه فطر، وذكره ابن حبان على قاعدته في الثقات، وخبره عن عمرو بن حريث منكر". (الميزان ١/ ٦٦٦). ١٤ - باب جواز منع الرعي في أرض مخصوصة للمصلحة العامة إذا رأى الإمام ذلك • عن الصعب بن جثامة قال: مر بي النبي ﷺ بالأبواء أو بودان -وسئل عن

стр. 3452

أهل الدار يُبَيَّتُون من المشركين، فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: "هم منهم"، وسمعته يقول: "لا حمى إلا للَّه ولرسوله ﷺ ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٣٠١٢) ومسلم في الجهاد (١٧٤٥) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن الزّهريّ، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة، فذكره. واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم مثله إلا أنه لم يذكر قوله: وسمعته يقول: "لا حمى إلا للَّه ولرسوله". • عن الصعب بن جثامة قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا حمى إلا للَّه ولرسوله". صحيح: رواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٧٠) عن يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة قال فذكر الحديث. وقال: بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى الشرف والربذة. قال ابن حجر: والقائل هو ابن شهاب، وهو موصول بالإسناد المذكور إليه، وهو مرسل، أو معضل. فتح الباري (٥/ ٤٥). وقد صرح أبو داود (٣٠٨٣) أن ابن شهاب قال: "وبلغني أن رسول اللَّه ﷺ حمى النقيع". وأما ما رواه أبو داود (٣٠٨٤)، وأحمد (١٦٦٥٩)، والحاكم (٣/ ٦١)، وعنه البيهقي (٦/ ١٤٦) كلهم من حديث عبد العزيز بن محمد، ثنا عبد الرحمن بن الحارث بن عبد اللَّه بن عياش بن أبي ربيعة، عن الزّهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة أن النبي ﷺ حمى النقيع، وقال: "لا حمى إلا للَّه " فهو ضعيف. وقال الحاكم: "قد اتفقا على حديث يونس، عن الزّهريّ بإسناده "لا حمى إلا للَّه ولرسوله"، ولم يخرجاه هكذا، وهو صحيح الإسناد". وهو وهم منه؛ فإنه من أفراد البخاري. ونقل البيهقي قول البخاري بأن هذا وهم؛ لأن قوله: "حمى النفيع" من قول الزّهريّ، وكذلك قاله ابن أبي الزّناد، عن عبد الرحمن بن الحارث. وعبد الرحمن بن الحارث ممن لا يقبل تفرده؛ لأنه رمي بالوهم، وإن كان حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت في خبره ما ينكر عليه. وكذلك لا يصح ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين ترعى فيه. رواه أحمد (٥٦٥٥)، والبيهقي (٦/ ١٤٦) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وعبد اللَّه بن عمر ضعيف باتفاق أهل العلم. ولكن رواه ابن حبان في صحيحه (٤٦٨٣) من وجه آخر عن عاصم بن عمر، عن عبد اللَّه بن

стр. 3453

دينار، عن ابن عمر فذكر الحديث. وعاصم بن عمر وهو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ضعيف أيضًا عند جمهور أهل العلم. والنقيع -بفتح النون والقاف- على عشرين فرسخا من المدينة. وأصل النقيع هو كل موضع يستنقع فيه الماء. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا حمى إلا للَّه ولرسوله". صحيح: رواه ابن حبان (٤٦٨٥) عن أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، حدّثنا يحيى بن معين، حدّثنا علي بن عياش، حدّثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح. وقوله: "لا حمى إلا للَّه ولرسوله" أي لا يجوز لأحد أن يحمي شيئًا لنفسه، كما كان أهل الجاهلية يفعلون؛ فإن الرجل العزيز أو رئيس العشيرة كان يحمي لنفسه ما يشاء، ويمنع النّاس منه. وقوله: "إلا للَّه ولرسوله" أي إن اللَّه ورسوله وبعد الرسول من يقوم مقامه -وهم الخلفاء والملوك وولاة الأقاليم بإذن من الملك لهم- أن يحموا للمسلمين ما يشاؤون حسب المصلحة العامة. وروى مالك في "الموطأ" (٢/ ١٠٠٣)، ومن طريقه البخاري (٣٠٥٩) عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل مولى له يدعي هُنيا على الحمى، فقال: يا هُني، اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف، ونعم ابن عثمان؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع. وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه، فيقول: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك، فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وأيم اللَّه إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل اللَّه ما حميت عليهم من بلادهم شبرا". وقوله: "اضمم جناحك عن المسلمين" أي أكفف يدك عن ظلمهم. وقوله: "أدخل رب الصريمة والغنيمة" أدخل بهمزة مفتوحة، والصريمة بالمهملة مصغر، وكذا الغنيمة، أي أصحاب القطعة القليلة من الإبل والغنم. ومتعلق الإدخال محذوف، والمراد المرعى. وقوله: "أفتاركهم" استفهام إنكار، ومعناه لا أتركهم محتاجين. وقوله: "لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل اللَّه" أي من الإبل التي كان يحمل عليها من لا يجد ما يركب. وفي الحديث ما كان فيه عمر بن الخطاب ﵁ من القوة، وجودة النظر، والشفقة على المسلمين في رعاية مصالحهم.

стр. 3454

١٥ - باب جواز اقتناء الكلب للحرث والزرع • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أمسك كلبا فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط إلا كلب حرث أو ماشية". متفق عليه: رواه البخاريّ في الحرث والمزارعة (٢٣٢٢)، ومسلم في المساقاة (١٥٧٥: ٥٩) كلاهما من طريق هشام الدستوائي، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. ورواه مسلم (٥٨) من طريق الزّهريّ، عن أبي سلمة به بلفظ: "من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط". قال الزّهريّ: فذكر لابن عمر قول أبي هريرة، فقال: "يرحم اللَّه أبا هريرة، كان صاحب زرع". قال الحافظ في الفتح (٥/ ٦): "يقال: إن ابن عمر أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة، وأن سبب حفظه لهذه الزيادة دونه أنه كان صاحب زرع دونه، ومن كان مشتغلا بشيء احتاج إلى تعرف أحكامه". • * *

стр. 3455

جموع ما جاء في الصلح ١ - باب ما جاء في الصلح • عن كعب بن مالك أنه تقاضي ابن أبي حَدْرد دينا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعها رسول اللَّه ﷺ وهو في بيته-، فخرج إليهما حتى كشف سِجْف حجرته، فنادى: "يا كعب". قال: لبيك يا رسول اللَّه. قال: "ضع من دينك هذا". وأومأ إليه أي الشطر. قال: لقد فعلت يا رسول اللَّه، قال: "قم فاقضه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٤٥٧)، ومسلم في المساقاة (١٥٥٨) كلاهما من حديث عثمان بن عمر قال: أخبرنا يونس، عن الزّهريّ، عن عبد اللَّه بن كعب، عن كعب بن مالك فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين". حسن: رواه أبو داود (٣٥٩٤) من وجهين: أحدهما: عن سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال. والثاني: عن أحمد بن عبد الواحد الدمشقي، حدّثنا مروان -يعني ابن محمد- قال: حدّثنا سليمان بن بلال، أو عبد العزيز بن محمد -شك الشيخ-، حدّثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة قال فذكره. قال أبو داود: زاد أحمد (ابن عبد الوهاب): "إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا". وزاد سليمان بن داود: "المسلمون على شروطهم". وصحّحه ابن حبان (٥٠٩١)، والحاكم (٢/ ٤٩) كلاهما من حديث سليمان بن بلال بإسناده، وذكر الحاكم رواية سليمان بن بلال، كما قال أبو داود. وأما ابن حبان فذكر مثل قول ابن عبد الوهاب، ولكنه لم يذكر الزيادة التي ذكرها سليمان بن بلال. ورواه ابن الجارود (٦٣٧ - ٦٣٨) من وجه آخر عن كثير بن زيد، وزاد فيه: "ما وافق الحق". قال الحاكم: "رواة هذا الحديث مدنيون، ولم يخرجاه، وهذا أصل في الكتاب". وتعقبه الذهبي قائلا: "لم يصحّحه، وكثير ضعفه النسائي، ومشاه غيره". قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في كثير بن زيد، قال أحمد: ما أرى به بأسا. وقال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به". وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له في صحيحه. وللحديث إسناد آخر: وهو ما رواه الدارقطني (٣/ ٢٧)، والحاكم (٢/ ٥٠) كلاهما من حديث عبد اللَّه بن الحسين المصيصي، نا عثمان، نا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي

стр. 3456

هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، وهو معروف تعبد اللَّه بن الحسين المصيصي ثقة". كذا في المستدرك المطبوع، والذي ذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (٣/ ٢٧٣) في ترجمة عبد اللَّه بن الحسين قول الحاكم: "صحيح تفرّد به عبد اللَّه بن الحسين المصيصي، وهو ثقة". وكذا ذكره الذهبي أيضًا في تلخيصه. وتعقبه الذهبي، فقال: "قال ابن حبان: "يسرق الحديث". قلت: كلامه في "المجروحين" (٥٧٥): "سكن المصيصة، يقلب الأخبار، ويسرقها، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد". والحديث بمجموع هاتين الطريقين يصل إلى درجة الحسن. وأما ما رواه كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما" فهو ضعيف جدا. رواه الترمذيّ (١٣٥٢)، وابن ماجه (٢٣٥٣)، والدارقطني (٣/ ٢٧)، والحاكم (٤/ ١٠١)، والبيهقي (٦/ ٦٥) كلهم من طريق كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف بإسناده. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وهو ليس كما قال، بل إسناده ضعيف جدا، فإن كثير بن عبد اللَّه متروك كذاب. قال ابن حبان: يروي عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب. ولذا نوقش الترمذيّ في تصحيح هذا الحديث. قال الذهبي في ترجمته في "الميزان" (٣/ ٤٠٧): "فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذيّ". وله شواهد أخرى عن عائشة، وأنس بن مالك، ورافع بن خديج، وعبد اللَّه بن عمر، وفي كلها مقال. وكثرة هذه الشواهد تدل على أن الحديث له أصلا، وأمثلها حديث أبي هريرة. وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناده عن عطاء قال: بلغنا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المؤمنون عند شروطهم". وهو مرسل صحيح يقوي أصل الحديث، وتلقاه الفقهاء بالقبول، وفرعوا عليه تفريعات. ٢ - باب استعمال الحكمة في الصلح • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض، ولم أبتع منك الذهب. فقال الذي شرى الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. فتحاكما إلى رجل، فقال الذي

стр. 3457

تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسكما منه، وتصدقا. متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٧٢)، ومسلم في الأقضية (١٧٢١) كلاهما من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة فذكره. ٣ - باب الصلح في ماء السقي • عن عبد اللَّه بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول اللَّه ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك". فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابن عمتك. فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فقال الزبير: واللَّه إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٥]. متفق عليه: رواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٥٩، ٢٣٦٠)، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٧) كلاهما من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن عبد اللَّه بن الزبير حدثه فذكره. قال البخاري عقبه: "ليس أحد بذكر عروة عن عبد اللَّه إلا الليث فقط". يعني: وغيره يرويه عن عروة، عن الزبير. وهو الحديث الآتي. • عن الزبير أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى رسول اللَّه ﷺ في شراج من الحرة، كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول اللَّه ﷺ للزبير: "اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك". فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول اللَّه، أن كان ابن عمتك. فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: "اسق، ثم احبس حتى يبلغ الجدر". فاستوعى رسول اللَّه ﷺ حينئذ حقه للزبير، وكان رسول اللَّه ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول اللَّه ﷺ استوعى للزبير حقه في صريح الحكم. قال عروة: قال الزبير: واللَّه ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. صحيح: البخاري في الصلح (٢٧٠٨) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزّهريّ، أخبرني عروة بن الزبير عن الزبير فذكره. قوله: (فلما أحفظ) أي أغضب.

стр. 3458

جموع ما جاء في الاستقراض والتفليس ١ - باب الاستعاذة من الدين • عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ كان يدعو في الصلاة، ويقول: "اللهمّ إني أعوذ بك من المأثم والمغرم". فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ -يا رسول اللَّه- من المغرم! قال: "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف". متفق عليه: رواه البخاريّ في الاستقراض (٢٣٩٧)، ومسلم في المساجد (٥٨٩) كلاهما من طريق الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة فذكرته. واللّفظ للبخاريّ. وأما ما روي عن أبي سعيد يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أعوذ باللَّه من الكفر والدين". فقال رجل: يا رسول اللَّه، أتعدل الدين بالكفر؟ فقال: "نعم" فهو ضعيف. رواه النسائي (٣٤٧٣) عن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حيوة، وذكر آخر، قال: حدّثنا سالم بن غيلان التُجيبي أنه سمع دراجا أبا السمح، أنه سمع أبا الهيثم، أنه سمع أبا سعيد فذكره. ودراج أبو السمح مختلف فيه إلا أنه ضعيف في أبي الهيثم، وفي غيره يحسن. وأخرجه الحاكم (١/ ٥٧٢) من هذا الوجه، وقال: صحيح الإسناد. كأنه لم ينتبه إلى علة خفية. ٢ - باب التشديد في الدين • عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من حالت شفاعته دون حد من حدود اللَّه فقد ضاد اللَّه في أمره. ومن مات وعليه دين فليس بالدينار ولا بالدرهم، ولكنها الحسنات والسيئات. ومن خاصم في باطل -وهو يعلمه- لم يزل في سخط اللَّه حتى ينزع. ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه اللَّه ردغة الخبال حتى يخرج مما قال". صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٣٨٥) عن حسن بن موسى قال: حدّثنا زهير بن معاوية، حدّثنا عمارة بن غزية، عن يحيى بن راشد قال: خرجنا حجاجا عشرة من أهل الشام، حتى أتينا مكة، فذكر الحديث، قال: فأتيناه، فخرج إلينا -يعني ابن عمر-، فقال فذكر الحديث. وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٧)، وأخرجه أيضًا البيهقي (٦/ ٨٢) كلاهما من طريق زهير بن معاوية

стр. 3459

به. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ورواه أبو داود (٣٥٩٧) من هذا الطريق نفسه إلا أنه اختصره، ولم يذكر فيه الدين. وقوله: "أسكنه اللَّه في ردغة الخبال" الردغة طين ووحل كثير، جمعه ردغ ورِداغ. والخبال في الأصل الفساد، ويكون في الأفعال، والأبدان، والعقول. وقد ورد تفسيره في الحديث أنه عصارة أهل النّار. انظر "النهاية" (٢/ ٨، ٢١٥). • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نفس المؤمن معلقة ما كان عليه دين". حسن: رواه أحمد (٩٦٧٩، ١٠١٥٦)، والدارمي (٢٦٣٣)، والبيهقي (٦/ ٧٦) كلهم من طريق سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل عمر بن أبي سلمى بن عبد الرحمن بن عوف، فإنه مختلف فيه، فضعفه النسائي، ومشاه الآخرون، وهو حسن الحديث، وقد توبع، إلا أن هذا الإسناد هو أصح ما جاء في هذا الحديث، كما قال الدارقطني في "العلل" (٩/ ٣٠٥). قلت: وهو كما قال، وقد تابعه إبراهيم بن سعد، فرواه عن أبيه سعد بن إبراهيم باسناده مثله. رواه الترمذيّ (١٠٧٩) من حديث عبد الرحمن بن مهدي، وابن ماجه (٢٤١٣) عن أبي مروان العثماني، والبغوي في شرحه (٢١٤٧) عن الشافعي، كلهم عن إبراهيم بن سعد. قال البغوي: "هذا حديث حسن". وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن، وهو أصح من الأول". وهو يقصد ما رواه زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فأسقط منه عمر بن أبي سلمة. وكذلك رواه صالح بن كيسان، عن سعد بن إبراهيم. رواه الحاكم (٢/ ٢٦ - ٢٧)، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لرواية الثوري قال فيها: "عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة" هو إبراهيم بن سعد على حفظه وإتقانه أعرف بحديث أبيه من غيره". انتهى. إلا أنه لم يخرج رواية سفيان الثوري، هو أصح ما جاء في هذا الحديث. قلت: عمر بن أبي سلمة توبع، وهو ما رواه ابن حبان في صحيحه (٣٠٦١) من طريق إسحاق ابن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر نحوه. وللحديث أسانيد أخرى ذكرها الدارقطني في علله، ورجح رواية سفيان الثوري، كما مضى، ولم يذكر رواية عبد الرزاق التي هي أيضًا صحيحة. ولكنه قال: واختلف على صالح بن كيسان، فقيل: عنه، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي

стр. 3460

هريرة. قال ذلك محمد بن عبد اللَّه الرقاشي، عن مسلم بن خالد عنه. وسعد بن إبراهيم زهري، فإن كان أراد بقوله: "الزهري" سعد بن إبراهيم، وإلا فقد وهم. وقال المعلق: أخرج الدارقطني في الأفراد، وقال: غريب من حديث الزهريّ، تفرّد به محمد ابن عبد اللَّه الرقاشي، عن مسلم بن خالد، عن صالح بن كيسان، عنه. أطراف الغرائب (٢/ ٣١٢). وفي هذا دلالة واضحة أنه لم يقف على رواية عبد الرزاق. • عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ "من فارق الروح والجسد وهو بريء من ثلاث: الكنز والغلول والدين دخل الجنّة". صحيح: رواه الترمذيّ (١٥٧٢)، وابن ماجه (٢٤١٢)، وأحمد (٢٢٤٢٧)، وابن حبان (١٩٨)، والحاكم (٢/ ٢٦)، والبيهقي (٥/ ٣٥٥)، والدارمي (٢٦٣٤) كلهم من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ فذكره. وإسناده صحيح. وسعيد بن أبي عروبة اختلط بأخرة، ولكن في الإسناد من روى عنه قبل الاختلاط. وقوله: "الكنز" وفي روايات أخرى: "الكبر". ولكن قال الترمذيّ: "هكذا قال سعيد: "الكنز". وقال أبو عوانة في حديثه: "الكبر". ولم يذكر فيه: عن معدان. ورواية سعيد أصح". انتهى. وهو يقصد ما رواه هو (١٥٧٢) عن قتيبة، حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من مات وهو بريء من ثلاث: الكبر والغلول والدين دخل الجنّة". هكذا قال الترمذيّ، ولكن رواه الحاكم من طريق أبي داود الطيالسي، وعفان بن مسلم قالا: حدّثنا أبو عوانة بإسناده، وذكر فيه معدان بن أبي طلحة بين سالم بن أبي الجعد وثوبان. وقال: "صحيح على شرط الشيخين". فلعل الترمذيّ لم يقف على رواية أبي داود الطيالسي، كما أني لم أجده في مسنده، فانظر أين أخرجه? • عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته ليس ثم دينار ولا درهم". حسن: رواه ابن ماجه (٢٤١٤) عن محمد بن ثعلبة بن سواء، قال: حدّثنا عمي محمد بن سواء، عن حسين المعلم، عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وإسناده حسن من أجل مطر الوراق؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إلا في روايته عن

стр. 3461

عطاء، فإنه يضعف فيه، وهو من رجال الصحيح. وقد حسّنه أيضًا المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢٨٠٢). • عن عقبة بن عامر يقول: إن رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها". قالوا: وما ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: "الدَّين". حسن: رواه أحمد (١٧٣٢٠، ١٧٤٠٧)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٢٨)، وأبو يعلى (١٧٣٩)، والحاكم (٢/ ٢٦)، والبيهقي (٥/ ٣٥٥)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٠٩) كلهم من طرف عن بكر بن عمرو المعافري، عن شعيب بن زرعة المعافري أنه سمع عقبة بن عامر يقول فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل شعيب بن زرعة المعافري، روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان ذكره في "الثقات" (٤/ ٣٥٦)، ولم أجدْ من تكلم فيه، وهو من رجال "التعجيل". وفي الباب ما روي عن أبي موسى الأشعري عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إن أعظم الذنوب عند اللَّه أن يلقاه بها عبد -بعد الكبائر التي نهى اللَّه عنها- أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء". رواه أبو داود (٣٣٤٢) عن سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، حدثني سعيد بن أبي أيوب، أنه سمع أبا عبد اللَّه القرشي يقول: سمعت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري يقول: عن أبيه فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٩٤٩٥) من وجه آخر عن سعيد بن أبي أيوب قال: سمعت رجلا من قريش يقال له أبو عبد اللَّه كان يجالس جعفر بن ربيعة قال: سمعت أبا بردة الأشعري يحدث عن أبيه فذكره. وأبو عبد اللَّه القرشي، وقيل: بالتصغير، مصري "مقبول". أي عند المتابعة. وفي الباب ما روي عن ابن عباس قال: قدمت عبر المدينة، فاشترى النبي ﷺ منها، فربح أواقي، فقسمها في أرامل بني عبد المطلب، وقال: "لا أشتري شيئًا ليس عندي ثمنه". رواه أبو داود (٣٣٤٤)، وأحمد (٢٠٩٣)، والحاكم (٢/ ٢٤)، والبيهقي (٥/ ٣٥٦) كلهم من طرق عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. واللّفظ لأحمد. ولفظ أبي داود: اشترى من عير تبيعا، وليس عنده ثمنه، فأربح فيه، فباعه، فتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب، وقال: "لا أشتري بعدها شيئًا إلا وعندي ثمنه". وإسناده ضعيف من أجل شريك، وهو ابن عبد اللَّه القاضي، سيء الحفظ. وسماك في روايته عن عكرمة مضطرب. وأما الحاكم فقال: "قد احتج البخاري بعكرمة، واحتج مسلم بسماك وشريك. والحديث صحيح، ولم يخرجاه".

стр. 3462

والصحيح أن البخاري لم يحتج بعكرمة في رواية سماك عنه، كما أن مسلما لم يحتج بسماك عن عكرمة، وكذلك شريك، وإنما أخرج له في المتابعات. وقد بوب البخاري بقوله: "باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه، أو ليس بحضرته". وفيه إشارة إلى تضعيف حديث ابن عباس. قال الحافظ في "الفتح": "فهو جائز، وكأنه يشير إلى ضعف ما جاء عن ابن عباس مرفوعا، وقال: تفرّد به شريك، عن سماك، واختلف في وصله وإرساله". قوله: "العير" بكسر العين، وسكون الياء: الإبل التي تحمل المتاع. وقوله: "تبيعا" الذي يتبع أمه في المرعى. وروي أيضًا عن سمرة قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "هاهنا أحد من بني فلان". فلم يجبه أحد، ثم قال: "هاهنا أحد من بني فلان". فلم يجبه أحد، ثم قال: "هاهنا أحد من بني فلان". فقام رجل، فقال: أنا يا رسول اللَّه. فقال: "ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين؟ أما إني لم أنوه بكم إلا خيرا، إن صاحبكم مأسور بدينه". فلقد رأيته أدى عنه حتى ما بقي أحد يطلبه بشيء. إلا أنه منقطع. رواه أبو داود (٣٣٤١)، والنسائي (٤٦٨٥)، وأحمد (٢٠٢٣١)، والحاكم (٢/ ٢٦) كلهم من طريق سعيد بن مسروق، عن الشعبي، عن سمعان (وهو ابن مشنج)، عن سمرة فذكره. ورواه أبو داود الطيالسي (٩٣٢) عن شعبة، قال: أخبرني فراس، قال: سمعت الشعبي، قال: سمعت سمرة بن جندب، يقول: فذكره. وكذلك رواه أحمد (٢٠١٢٤)، والحاكم، وغيرهما، ولم يذكروا بينهما سمعان. قال البخاري في "التاريخ الكبير": "لا نعلم لسمعان سماعا من سمرة، ولا للشعبي سماعا من سمعان". قلت: وكذلك قول الشعبي في رواية أبي داود الطيالسي: سمعت سمرة غلط. قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٢٣): "حديث شعبة عن فراس، عن الشعبي، سمعت سمرة غلط، بينهما سمعان بن مشنج". وفي "العلل" (٥٥٠) قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: هكذا رواه أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، قال: سمعت سمرة. والشعبي لم يسمع من سمرة". قلت: الخطأ فيه من فراس وهو ابن يحيى الهماني، فإنه كان يخطئ.

стр. 3463

٣ - باب من قتل في سبيل اللَّه كفرت خطاياه إلا الدَّين • عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبي قتادة أنه سمعه يحدث عن رسول اللَّه ﷺ : أنه قام فيهم، فذكر لهم: "أن الجهاد في سبيل اللَّه والإيمان باللَّه أفضل الأعمال". فقام رجل، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت إن قتلت في سبيل اللَّه تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "نعم، إن قتلت في سبيل اللَّه وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر". ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف قلت؟ ". قال: أرأيت إن قتلت في سبيل اللَّه أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٨٥) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة فذكره. وكذلك رواه يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري بإسناده نحو حديث الليث. ومن هذا الطريق رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٦١) عن يحيى بن سعيد. قال الدارقطني في "العلل" (٦/ ١٣٤): "وقول من قال عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن المقبري أصح. وقال: رواه الليث عن سعد (كذا، والصواب سعيد)، وابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه. ثم قال: والقول قول من رواه عن يحيى بن سعيد، عن المقبري، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه بمتابعة الليث وابن أبي ذئب، عن المقبري على ذلك". انتهى. • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٨٦) عن زكريا بن يحيى بن صالح المصري، حدّثنا المفضل (يعنى ابن فضالة)، عن عياش (وهو ابن عباس القِتباني)، عن عبد اللَّه بن يزيد أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره. وفي رواية عنده: عن سعيد بن أبي أيوب، عن عياش بن عباس: "القتل في سبيل اللَّه يكفر كل شيء إلا الدين". ٤ - باب قضاء الدين عن الميت • عن جابر بن عبد اللَّه أنه أخبره أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من

стр. 3464

اليهود، فاستنظره جابر، فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول اللَّه ﷺ ؛ ليشفع له إليه، فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالتي له، فأبى، فدخل رسول اللَّه ﷺ النخل، فمشى فيها، ثم قال لجابر: "جد له، فأوف له الذي له". فجده بعدما رجع رسول اللَّه ﷺ ، فأوفاه ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر وسقا، فجاء جابر رسول اللَّه ﷺ ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، فقال: "أخبر ذلك ابن الخطاب". فذهب جابر إلى عمر، فأخبره، فقال له عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول اللَّه ﷺ ليباركن فيها. صحيح: رواه البخاريّ في الاستقراض (٢٣٩٦) عن إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أنس، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. وأنس هو ابن عياض أبو ضمرة، وهشام هو ابن عروة. • عن سعد بن الأطول أن أخاه مات، وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالا، فأردت أن أنفقها على عياله. فقال النبي ﷺ : "إن أخاك محتبس بدينه، فاقض عنه". فقال: يا رسول اللَّه، قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليس لها بينة. قال: "فأعطها فإنها محقة". حسن: رواه ابن ماجه (٢٤٣٣)، وأحمد (١٧٢٢٧، ٢٠٠٧٦) كلاهما من حديث حماد بن سلمة، عن عبد الملك أبي جعفر، عن أبي نضرة، عن سعد بن الأطول فذكره. وعبد الملك أبو جعفر لا يعرف من هو؟ ولم يرو عنه إلا حماد بن سلمة، وذكره ابن حبان في ثقاته، ولكن قال الحافظ ابن حجر بعد أن جعله في مرتبة "مقبول": "ويحتمل أن يكون ابن أبي نضرة". وعبد الملك بن أبي نضرة العبدي لا بأس به، كما قال الدارقطني. وقال الذهبي في الكاشف: "صالح". وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر عددا من روى عنه، فيكون الإسناد حسنا، وإن لم يكن هو فقد تابعه الجريري في رواية عند أحمد (٢٠٠٧٧)، رواه من حديث حماد بن سلمة عنه، عن أبي نضرة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فذكر مثله. والجريري هو سعيد بن إياس، سمع منه حماد بن سلمة قبل الاختلاط، وفيه صحابي لم يسم، وهو سعد بن الأطول، كما تعينه الروايات السابقة، ولا يضر إبهامه، كما هو معروف؛ فإن الصحابة كلهم عدول. وأما ما روي عن الثلاثة الذين تدينوا، ثم ماتوا فإن اللَّه يقضي عنهم فهو ضعيف، والثلاثة هم: "رجل يكون في سبيل اللَّه، فتضعف قوته، فيتقوى بدين على عدو، فيموت ولم يقض. ورجل مات

стр. 3465

عنده مسلم، فلم يجد ما يكفنه ولا ما يواريه إلا بدين، فمات، ولم يقض. ورجل خاف على نفسه الفتنة، فتعفف بنكاح امرأة بدين، فمات ولم يقض. فإن اللَّه يقضي عنهم يوم القيامة". رواه ابن ماجه (٢٤٣٥)، وعبد بن حميد (٣٤٩) كلاهما من حديث ابن أنعم، عن عمران بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمرو قال فذكره. واللّفظ لعبد بن حميد، ولفظ ابن ماجه نحوه. وابن أنعم هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم -بفتح أوله، وسكون النون- الإفريقي القاضي ضعيف باتفاق أهل العلم. قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، ويدلس. وقلت: هذا الحديث منكر يخالف الأحاديث الصّحيحة. ٥ - باب الترغيب في قضاء الديون قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: ٥٨]. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لو كان عندي أُحد ذهبا لأحببت أن لا يأتي ثلاث، وعندي منه دينار -ليس شيء أرصده في دين علي- أجد من يقبله". متفق عليه: رواه البخاريّ في التمني (٧٢٢٨) عن إسحاق بن نصر، حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، سمع أبا هريرة عن النبي ﷺ فذكره. وأخرجه أيضًا مسلم في الزّكاة (٩٩١) من طرق عن أبي هريرة نحوه. ورواه البخاري أيضًا في الاستقراض (٢٣٨٩) من طريق عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أبي هريرة نحوه. وقوله: "أرصده" أي أعده. قال ابن حجر في "الفتح" (٥/ ٥٥): "وفيه الاهتمام بأمر وفاء الدين". • عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما يسرني أن عندي مثل أحُد هذا ذهبا تمضي علي ثالثة، وعندي منه دينار إلا شيئًا أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد اللَّه هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٤٤)، ومسلم في الزّكاة (٩٩٢) كلاهما من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر في حديث طويل. ٦ - باب من استدان دينا وهو ينوي قضاءه • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أخذ أموال النّاس يريد أداءها أدى اللَّه عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه اللَّه". صحيح: رواه البخاريّ في الاستقراض (٢٣٨٧) عن عبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي، حدّثنا

стр. 3466

سليمان بن بلال، عن ثور بن يزيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة فذكره. • عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنها استدانت، فقيل لها: يا أم المؤمنين، تستدين وليس عندك وفاء. قالت: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أخذ دينا وهو يريد أن يؤديه أعانه اللَّه ". حسن: رواه النسائي (٤٦٨٧) عن محمد بن المثنى قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا أبي، عن الأعمش، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبيد اللَّه بن عتبة أن ميمونة استدانت فذكره. وقد اختلف في سماع عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود من ميمونة، لأنه أرسل عن جماعة من الصحابة، ولم تذكر فيهم ميمونة. ولكن قال الدارقطني في "العلل" (١٥/ ٢٦٧): "وقد قيل: عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حصين، عن عبد اللَّه بن عتبة، والصحيح عن عبيد اللَّه (بن عبد اللَّه بن عتبة)؛ فقد رواه أبو حمزة السكري، وأبو عبيدة بن معن، وجرير بن حازم، عن الأعمش، عن حصين، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه مرسلا، والمرسل أشبه". وللحديث طريقان آخران: أحدهما ما رواه عمران بن حذيفة، عن أم المؤمنين ميمونة نحوه. رواه النسائي (٤٦٨٦)، وابن ماجه (٢٤٠٨)، وعبد بن حميد (١٥٤٩)، وابن حبان (٥٠٤١)، والحاكم (٢/ ٢٣) كلهم من طريق زياد بن عمرو بن هند، عن عمران بن حذيفة. وزياد بن عمرو، وشيخه مجهولان. والثاني ما رواه منصور بن معتمر قال: حسبته عن سالم بن أبي الجعد، عن ميمونة أم المؤمنين نحوه. رواه أحمد (٢٦٨١٦) من طريق جعفر بن زياد، عن منصور بن معتمر. ورواه أيضًا (٢٦٨٤٠) من طريق جعفر بن زياد، عن منصور بن معتمر، عن رجل، عن ميمونة. وسالم بن أبي الجعد لم يذكر له السماع عن ميمونة. وللحديث طرق أخرى، إذا ضم بعضها إلى بعض يكون حسنا لغيره. • عن عبد اللَّه بن جعفر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكره اللَّه". حسن: رواه ابن ماجه (٢٤٠٩)، والدارمي (٢٦٣٧)، والحاكم (٢/ ٢٣)، والبيهقي (٥/ ٣٥٥) كلهم من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدّثنا سعيد بن سفيان مولى الأسلميين، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن جعفر فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".

стр. 3467

وإسناده حسن من أجل سعيد بن سفيان الأسلمي مولاهم المدني، روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في الثقات، حسن إسناده أيضًا الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٥/ ٥٤). وفي الباب عن عائشة أنها كانت تدّان، فقيل لها: ما لك وللدين؟ قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له عون". رواه أحمد (٢٤٤٣٩)، والحاكم (٢/ ٢٢)، والبيهقي (٥/ ٣٥٤) كلهم من طريق القاسم بن الفضل، حدّثنا محمد بن علي قال: كانت عائشة تدّان فذكره. ومحمد بن علي هو أبو جعفر الباقر لم يسمع من عائشة. وأما ما رواه الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن المجبر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة نحوه، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". فتعقبه الذهبي، فقال: "ابن مجبر وهاه أبو زرعة، وقال النسائي: متروك. لكن وثّقه أحمد". قلت: هو محمد بن عبد الرحمن بن المجبَّر العمري البصري، ذكر الذهبي في "الميزان" (٣/ ٦٢١) جماعة من أهل العلم تكلموا فيه من غير هؤلاء، منهم يحيى بن معين، والفلاس، والبخاري، ولكنه لم يذكر توثيق الإمام أحمد، فتأكد من ذلك. وفي الباب أيضًا عن صهيب الخير، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيما رجل تدين دينا وهو مجمع أن لا يوفيه إياه لقي اللَّه سارقا". رواه ابن ماجه (٢٤١٠) عن هشام بن عمار قال: حدّثنا يوسف بن محمد بن صيفي بن صهيب الخير قال: حدثني عبد الحميد بن زياد بن صيفي بن صهيب، عن شعيب بن عمرو قال: حدّثنا صهيب الخير فذكره. وفيه يوسف بن محمد بن صيفي قال البخاري: "فيه نظر". وقال أبو حاتم: "لا بأس به". وذكره ابن حبان في ثقاته، وقد روى عنه عدد، وجعله الحافظ في مرتبة "مقبول". وشيخه عبد الحميد بن زياد بن صيفي، وهو عمه، قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في ثقاته، وفي التقريب: "لين الحديث". وللحديث إسناد آخر: رواه ابن ماجه (٢٤١٠) عن إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدّثنا يوسف ابن محمد بن صيفي، عن عبد الحميد بن زياد، عن أبيه، عن جده صهيب، عن النبي ﷺ نحوه. قال البخاري: "لا يصح سماع بعضهم من بعض". وللحديث إسناد آخر: وهو ما رواه أحمد (١٨٣٢) عن هشيم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، عن الحسن بن محمد الأنصاري قال: حدثني رجل من النمر بن قاسط قال: سمعت صهيب بن سنان يحدث قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيما رجل أصدق امرأة صداقا واللَّه يعلم أنه لا يريد أداءه إليها فغرَّها باللَّه، واستحل فرجها بالباطل لقي اللَّه يوم يلقاه وهو زان. وأيما رجل ادَّان من رجل

стр. 3468

دينا واللَّه يعلم أنه لا يريد أداءه إليه فغرَّه باللَّه، واستحل ماله بالباطل لقي اللَّه يوم يلقاه وهو سارق". وفيه رجل لم يسم. وفيه أيضًا الحسن بن محمد الأنصاري، لم يذكر البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٣٠٦)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٣٥)، وابن حبان في "الثقات" (٦/ ١٦٦) من الرواة عنه غير عبد الحميد بن جعفر؛ فهو مجهول، ومع ذلك ذكره ابن حبان. وللحديث طرق أخرى، ولا يصح منها شيء. ٧ - باب ما جاء في حسن القضاء بالزيادة وغيرها • عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه بعيرا، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "أعطوه". فقالوا: لا نجد إلا سنا أفضل من سنه. فقال الرجل: أوفيتني أوفاك اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أعطوه؛ فإن من خيار النّاس أحسنهم قضاء". متفق عليه: رواه البخاريّ في الاستقراض (٢٣٩٢)، ومسلم في المساقاة (١٦٠١: ١٢٢) من طريق سفيان، حدثني سلمة بن كهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. واللّفظ للبخاريّ. • عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل يتقاضاه قد استسلف منه شطر وسق. فأعطاه وسقا. فقال: "نصف وسق لك، ونصف وسق لك من عندي". ثم جاء صاحب الوسق يتقاضاه فأعطاه وسقين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "وسق لك، ووسق من عندي". حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١٣٠٦) - عن محمد بن أبي غالب، ثنا أبو صالح الفراء، ثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن حمزة الزيات، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ١٤١): "فيه أبو صالح الفراء ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح". كذا قال، وأبو صالح الفراء اسمه محبوب بن موسى، كما جاء مصرحا به في رواية البيهقي (٥/ ٣٥١). ومحبوب بن موسى أبو صالح الفراء هذا مختلف فيه، فوثّقه أبو داود، وقال العجلي: ثقة صاحب سنة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. والخلاصة فيه أنه حسن الحديث، وليس في حديثه هذا ما ينكر عليه، وحَسَّنه أيضًا المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢٧٢٨). وتعقب الحافظ ابن حجر أيضًا الهيثمي فقال: هو محبوب بن موسى ثقة صالح. مختصر زوائد

стр. 3469

البزار (٩٢٣). • عن أبي رافع مولى رسول اللَّه ﷺ أنه قال: استسلف رسول اللَّه ﷺ بكرا فجاءته إبل من الصدقة. قال أبو رافع: فأمرني رسول اللَّه ﷺ أن أقضي الرجل بكره، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أعطه إياه؛ فإن خيار النّاس أحسنهم قضاء". صحيح: رواه مالك في البيوع (٨٩) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع مولى رسول اللَّه ﷺ أنه قال فذكره. ورواه مسلم في المساقاة (١٦٠٠: ١١٨) من طريق مالك به مثله. قال مالك: "لا بأس بأن يقبض من أسلف شيئًا من الذهب أو الورق أو الطعام أو الحيوان ممن أسلفه ذلك أفضل مما أسلفه إذا لم يكن ذلك على شرط منهما أو عادة، فإن كان ذلك على شرط أو وأي أو عادة فذلك مكروه، ولا خير فيه". وقوله: "أو وأي" أي وعد. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان لي على النبي ﷺ دين، فقضاني، وزادني، ودخلت عليه المسجد، فقال لي: "صل ركعتين". متفق عليه: رواه البخاريّ في الاستقراض (٢٣٩٤)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١٥: ٧١) كلاهما من طريق محارب بن دثار، عن جابر فذكره. واللّفظ لمسلم. • عن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ استلف منه حين غزا حنينا ثلاثين أو أربعين ألفا، فلما قدم قضاها إياه. ثم قال له النبي ﷺ : "بارك اللَّه لك في أهلك ومالك. إنما جزاء السلف الوفاء والحمد". حسن: رواه النسائي (٤٦٨٣)، وابن ماجه (٢٤٢٤)، وأحمد (١٦٤١٠)، والبيهقي (٥/ ٣٥٥) كلهم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي بإسناده مثله. ولكن انقلب في مسند أحمد إلى إبراهيم بن إسماعيل، والصواب ما ذكرناه. وإبراهيم بن عبد اللَّه هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه، ينسب إلى جده، روى عنه جماعة، ووثّقه ابن حبان، وأخرج له البخاري في صحيحه، فأقل أحواله أنه حسن الحديث. • عن العرباض بن سارية يقول: كنت عند النبي ﷺ ، فقال أعرابي: اقضني بكري، فأعطاه بعيرا مسنا، فقال الأعرابي: يا رسول اللَّه، هذا أسن من بعيري، فقال رسول اللَّه ﷺ : "خير النّاس خيرهم قضاء".

стр. 3470

حسن: رواه النسائي (٤٦١٩)، وابن ماجه (٢٢٨٦)، وأحمد (١٧١٤٩)، والحاكم (٢/ ٣٠)، والبيهقي (٥/ ٣٥١) كلهم من طريق معاوية بن صالح قال: حدثني سعيد بن هانئ قال: سمعت العرباض بن سارية فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة". قلت: إسناده حسن من أجل معاوية بن صالح، وهو ابن حُدير -مصغرا- فإنه حسن الحديث. • عن عائشة قالت ابتاع رسول اللَّه ﷺ من رجل من الأعراب جزورا -أو جزائر- بوسق من تمر الذُخرة، -وتمر الذخرة العجوة- فرجع به رسول اللَّه ﷺ إلى بيته، فالتمس له التمر، فلم يجده، فخرج إليه رسول اللَّه ﷺ ، فقال له: "يا عبد اللَّه، إنا قد ابتعنا منك جزورا -أو جزائر- بوسق من تمر الذخرة، فالتمسناه، فلم نجده". قال: فقال الأعرابي: واغدراه! قالت: فنهمه النّاس، وقالوا: قاتلك اللَّه، أيغدر رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا". ثم عاد له رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "يا عبد اللَّه، إنا ابتعنا منك جزائرك، ونحن نظن أن عندنا ما سمينا لك، فالتمسناه، فلم نجده". فقال الأعرابي: واغدراه! فنهمه النّاس، وقالوا: قاتلك اللَّه، أيغدر رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا" فردد ذلك رسول اللَّه ﷺ مرتين أو ثلاثا، فلما رآه لا يفقه عنه قال لرجل من أصحابه: "اذهب إلى خويلة بنت حكيم بن أمية، فقل لها: رسول اللَّه ﷺ يقول لك: إن كان عندك وسق من تمر الذخرة فأسلفيناه حتى نؤديه إليك إن شاء اللَّه"، فذهب إليها الرجل، ثم رجع الرجل، فقال: قالت: نعم، هو عندي يا رسول اللَّه، فابعث من يقبضه، فقال رسول اللَّه ﷺ للرجل: "اذهب به، فأوفه الذي له". قال: فذهب به، فأوفاه الذي له. قالت: فمر الأعرابي برسول اللَّه ﷺ وهو جالس في أصحابه- فقال: جزاك اللَّه خيرا؛ فقد أوفيت وأطيبت. قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : "أولئك خيار عباد اللَّه عند اللَّه يوم القيامة الموفون المطيبون". حسن: رواه أحمد (٢٦٣١٢) عن يعقوب قال: حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. ورواه البزار -كشف الأستار (١٣٠٩) - عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق؛ فإنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث، وقد صرح
следующие страницы →