← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها. وقد ذهب أكثر الفقهاء إلى جواز هذه الصور، منهم الأوزاعيّ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وغيرهم. وقد فصّلت القول فيه في "المنة الكبرى" (٥/ ٩٨ - ١٠٧)، فراجعه لمعرفة المزيد. ١٩ - باب جواز العرايا فيما دون خمسة أوسق • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق. متفق عليه: رواه مالك في البيوع (١٤) عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاريّ في البيوع (٢١٩٠)، ومسلم في البيوع (١٥٤١) كلاهما من طريق مالك به مثله. زاد مسلم: يشك داود قال: خمسة، أو دون خمسة. • عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول: "الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربعة". حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٨٦٨)، وأبو يعلى (١٧٨٠)، وصحّحه ابن حبان (٥٠٠٨)، وابن خزيمة (٢٤٦٩) كلهم من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حَبان، عن جابر فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وهو مدلس إلا أنه صرّح بالتحديث. "والأوسق" جمع وسق، وهو ستون صاعا، والصاع خمسة أرطال وثلث، والمجموع ثلاث مائة صاع، وهي تساوي اليوم (٧٠٠) كيلو جرام تقريبا. ٢٠ - باب النهي عن بيع الرطب بالتمر • عن زيد أبي عياش أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت، فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء. فنهاه عن ذلك. وقال سعد: سمعت رسول اللَّه ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أينقص الرطب إذا يبس؟ " فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك. حسن: رواه مالك في البيوع (٢٢) عن عبد اللَّه بن يزيد أن زيدا أبا عياش أخبره فذكره. ومن طريق مالك رواه أبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٤٥٤٩)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وأحمد (١٥١٥)، وابن حبان (٤٩٩٧)، والحاكم (٢/ ٣٨)، والبيهقي (٥/ ٢٩٤) كلهم

стр. 3537

من هذا الطريق. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم". وتابع مالكا إسماعيل بن أمية، والضحاك بن عثمان، وأسامة بن زيد. وخالفهم جميعا يحيى بن أبي كثير، ومن طريقه رواه أبو داود (٣٣٦٠)، والدارقطني (٣/ ٤٩)، والحاكم (٢/ ٣٨ - ٣٩)، والبيهقي (٥/ ٢٩٤)، فزاد في آخر الحديث: "نسيئة". قال الدارقطني: "واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه يحيى يدل على ضبطهم للحديث، وفيهم إمام حافظ، وهو مالك بن أنس". وقال البيهقي بعد أن نقل كلام الدارقطني: "والعلة المنقولة في هذا الخبر تدل على خطأ هذه اللفظة، وقد رواه عمران بن أبي أنس، عن أبي عياش نحو رواية الجماعة". والخلاصة أن ذكر "نسيئة" في هذا الحديث شاذ. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح إجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكم في كل ما يرويه من الحديث إذ لم يوجد في رواياته إلا الصحيح، خصوصا في حديث أهل المدينة، ثم لمتابعة هؤلاء الأئمة إياه في روايته عن عبد اللَّه بن يزيد، والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد أبي عياش". قلت: زيد أبو عياش هو زيد بن عياش المدني، وثّقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣١١). وقوله هذا يدل على أنه لو لم تكن هذه العلة عندهما لأخرجاه، والأمر ليس كما قال؛ فإنهما لم يلتزما إخراج جميع ما صح. قوله: "البيضاء" نوع من البر أبيض اللون. و"السلت" نوع آخر غير البر، وهو أدق حبا منه. وقال بعضهم: البيضاء هو الرطب من السُلت، وهذا أليق بمعنى الحديث بدليل أنه شبهه بالرطب مع التمر، ولو اختلف الجنس لم يصح التشبيه. وقال الخطابي: "وهذا الحديث أصل في أبواب كثيرة من مسائل الربا، وذلك أن كل شيء من المطعوم مما له نداوة ولجفافه نهاية فإنه لا يجوز رطبه بيابسه، كالعنب والزبيب، واللحم النيء بالقديد ونحوهما". وقال: "وقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن بيع الرطب بالتمر غير جائز، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. وعن أبي حنيفة جواز بيع الرطب بالتمر نقدا، ويشبه أن يكون تأويل الحديث عنده على النسيئة دون النقد". انتهى. وذلك أن الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين مختلفين، فيجوز بيعهما ولو متفاضلين إذا كان يدا

стр. 3538

بيد، وإما أن يكونا جنسا واحدا فيجوز بيعهما بشرط التماثل وأن يكون يدا بيد، وعلى التقديرين فلا يمنع بيع أحدهما بالآخر. انظر البناية (٧/ ٣٦٩ - ٣٧٠). وعلى هذا حملوا النهي على النسيئة دون النقد. ٢١ - باب النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها • عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري. متفق عليه: رواه مالك في البيوع (١٠) عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ورواه البخاريّ في البيوع (٢١٩٤)، ومسلم في البيوع (١٥٣٤: ٤٩) كلاهما من طريق مالك به مثله. ورواه البخاري (١٤٨٦) من طريق عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر نحوه، وزاد: "وكان إذا سئل عن صلاحها قال: "حتى تذهب عاهته". • عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري. صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٣٥) من طرق عن إسماعيل، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ومن هذا الوجه رواه كل من أبي داود (٣٣٦٨)، والترمذي (١٢٢٦)، والنسائي (٤٥٥١). قال البيهقي (٥/ ٣٠٣): وذكر السنبل في هذا الحديث مما تفرّد به أيوب السختياني، عن نافع من بين أصحاب نافع، وأيوب ثقة حجة، والزيادة من مثله مقبولة، وهذا الحديث مما اختلف البخاري ومسلم في إخراجه في الصحيح، فأخرجه مسلم، وتركه البخاري، فقد روى حديث النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها: يحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة، ومالك بن أنس، وعبيد اللَّه بن عمر، والضحاك بن عثمان، وغيرهم، عن نافع، لم يذكر واحد منهم فيه النهي عن بيع السنبل حتى يبيض غير أيوب، ورواه سالم بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن دينار، وغيرهما عن ابن عمر، لم يذكر واحد منهم فيه ما ذكر أيوب، ورواه جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم عن النبي ﷺ ، لم يذكر واحد منهم فيه ما ذكر أيوب إلا ما رواه حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع الحب حتى يشتد، وعن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الثمر حتى يزهو". انتهى. والزهو في التمر أن يحمر، أو يصفر، وذلك إمارة الصلاح فيها، ودليل سلامتها من الآفة. وقوله: "عن السنبل حتى يبيض" ظاهره بيع الحب في السبل إذا اشتد، وأبيض، وبه قال جمهور العلماء: أبو حنيفة، ومالك، وأهل المدينة والكوفة، ومنعه الشافعي بحجة الغرر

стр. 3539

والجهالة. ولكن نقل ابن التركماني عن الشافعي أنه لما وصلته هذه الزيادة رجع عن قوله، وذلك أنه لا يجوز عنده قياس مع وجود الحديث. • عن عثمان بن عبد اللَّه بن سراقة قال: كنا في سفر، ومعنا ابن عمر، فسألته، فقال: رأيت رسول اللَّه ﷺ لا يُسبح في السفر قبل الصلاة، ولا بعدها. قال: وسألت ابن عمر عن بيع الثمار، فقال نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة. قلت: يا أبا عبد الرحمن، وما تذهب العاهة؟ وما العاهة؟ قال: طلوع الثريا. صحيح: رواه الإمام أحمد (٥٠١٢, ٥٠١٥)، والطبراني في الكبير (١٣٢٨٧)، والبيهقي (٥/ ٣٠٠) كلهم من طريق ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد اللَّه بن سراقة فذكره. وإسناده صحيح. وقوله: "طلوع الثريا" هو علامة ذهاب عاهة الثمار، وسيأتي مثله عن زيد بن ثابت. • عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ نهى عن بيع ثمر النخل حتى تزهو. فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر، وتصفر، أرأيت إن منع اللَّه الثمرة بم تستحل مال أخيك. متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٢٠٨)، ومسلم في المساقاة (١٥٥٥) كلاهما عن قتيبة، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تُزهِيَ. فقيل له: يا رسول اللَّه، وما تزهي؟ فقال: "حين تحمر". وقال رسول اللَّه ﷺ : "أرأيت إذا منع اللَّه الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه". متفق عليه: رواه مالك في البيوع (١١) عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك فذكره. ورواه البخاري في البيوع (٢١٩٨)، ومسلم في المساقاة (١٥٥٥) كلاهما من طريق مالك به. وأكد مسلم بروايته عن محمد بن عباد، عن عبد العزيز بن محمد، عن حميد، عن أنس أن النبي ﷺ قال: "إن لم يثمرها اللَّه فبم يستحل أحدكم مال أخيه" بأن قوله: "أرأيت إذا منع اللَّه. . . " مرفوع. ولكن قال أبو حاتم، وأبو زرعة بعد أن سألهما عبد الرحمن عن حديث رواه محمد بن عباد، عن عبد العزيز الدراوردي، عن حميد، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "إن لم يثمرها اللَّه فبم يستحل أحدكم مال أخيه" فقالا: هذا خطأ، إنما هو كلام أنس. قال أبو زرعة: "كذا يرويه الدراوردي، ومالك بن أنس مرفوعا. والناس يروونه موقوفة من كلام أنس". انتهى. "العلل" (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩). وكذلك قال الدارقطني في "التتبع" (ص ٤٧٥ - ٤٧٨): "وقد خالف مالكا جماعة منهم إسماعيل بن جعفر، وابن المبارك، وهشيم، ومروان، ويزيد بن هارون، وغيرهم، قالوا فيه: قال أنس: "أرأيت إن منع اللَّه الثمرة". وأخرج أيضًا حديث إسماعيل بن جعفر، عَن حميد. وقد فصل

стр. 3540

كلام أنس من كلام النبي ﷺ . وأما عن رواية ابن عباد فقال: إنه أسقط كلام النبي ﷺ ، وأتى بكلام أنس ورفعه عَن النبي ﷺ . وهذا خطأ قبيح". انتهى. وذكر البيهقي (٥/ ٣٠٠) سفيان الثوري ممن وقفه على أنس، وقال: "ومالك بن أنس جعله من قول النبي ﷺ ، وتابعه على ذلك الدراوردي من رواية محمد بن عباد عنه". انتهى. ورد على هؤلاء جميعًا الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ١٩٠ - ١٩١)، فقال: "يزعم قوم أنه من قول أنس بن مالك، وهذا باطل بما رواه مالك وغيره من الحفاظ في هذا الحديث إذ جعلوه مرفوعًا من قول النبي ﷺ . وقد روى أبو الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ مثله". انتهى. وأما الحافظ ابن حجر فقال في التلخيص (٣/ ٢٨): "وقد بينت في المدرج أن هذه الجملة موقوفة من قول أنس، وأن رفعها وهم، وبيانها عند مسلم". ولكن قال في "الفتح" (٤/ ٣٩٨ - ٣٩٩) بعد أن نقل تعقب أبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني: "وليس في جميع ما تقدم ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعًا؛ لأن مع الذي رفعه زيادة على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه. وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ما يقوي رواية الرفع في حديث أنس، ولفظه: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو بعت من أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ". انتهى. وأما حديث جابر بن عبد اللَّه فهو الآتي. وللحديث طريق آخر: رواه أبو داود (٣٣٧١)، والترمذي (١٢٢٨)، وابن ماجه (٢٢١٧)، وصحّحه ابن حبّان (٤٩٩٣)، والحاكم (٢/ ١٩) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، ولفظه: "نهى عن بيع العنب حتى يسود، وبيع الحب حتى يشتد". وزاد البعض: "وبيع الثمر حتى يزهو". قال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ولكن أعله البيهقي (٥/ ٣٠٣) بما ليس بعلة، فقال: هذا الحديث تفرد به حماد بن سلمة عن حميد من بين أصحاب حميد. . . ". قلت: حماد بن سلمة ثقة، فلا يضر تفرده، وقد قال الإمام أحمد: حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثًا. وقال أيضًا: هو أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديمًا، يخالف الناس في حديثه. فمثل هذا لو تفرد فلا يضر تفرده، ويشهد له حديث ابن عمر على هذه الزيادة. انظر للمزيد

стр. 3541

"المنة الكبرى" (٤/ ٨٧ - ٨٨). • عن جابر بن عبد اللَّه يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو بعت من أخيه تمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٥٤) عن أبي الطاهر، أخبرنا ابن وهب، عن ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. ورواه أيضًا من وجه آخر عن ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول فذكر الحديث. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: نهى النبي ﷺ أن تباع الثمرة حتى تُشقح. قال: فقلت لسعيد: وما تُشقح؟ قال: تحمار، وتصفار، ويؤكل منها. متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٩٦)، ومسلم في البيوع (٤٥٣٦: ٨٤) من طريق سليم ابن حيان، حدّثنا سعيد بن ميناء قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه قال فذكره. • عن جابر قال: نهى النبي ﷺ عن بيع الثمر حتى يطيب، ولا يباع شيء منه إِلَّا بالدينار والدرهم إِلَّا العرايا. متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٨٩) من طريق ابن جريج، عن عطاء، وأبي الزبير، عن جابر فذكره. ورواه مسلم في البيوع (١٥٣٦: ٥٣) عن رجلين آخرين، عن أبي الزبير به الشطر الأول منه فقط، ولم يقل: "ولا يباع شيء منه. . . . ". ورواه من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بلفظ: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه". • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها". صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٣٨) عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدّثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن ابن أبي نُعم، عن أبي هريرة فذكره. ورواه من وجه آخر عن ابن شهاب، حدّثني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وزاد فيه: "ولا تبتاعوا الثمر بالتمر". وأما ما روي عنه بلفظ: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الغنائم حتى تقسم، وعن بيع النخل حتى تحرز من كل عارض، وأن يصلي الرجل بغير حزام". فهو ضعيف. رواه أبو داود (٣٣٦٩) من حديث شعبة، عن يزيد بن خمير، عن مولى لقريش، عن أبي هريرة فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا البيهقي (٢/ ٢٤٠) مختصرًا. وفيه رجل لم يسم.

стр. 3542

• عن أبي البختري قال: سألت ابن عباس عن بيع النخل، فقال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع النخل حتى يأكل منه أو يؤكل، وحتى يوزن. قال: فقلت: ما يوزن؟ فقال رجل عنده: حتى يُحزَر. متفق عليه: رواه البخاري في السلم (٢٢٤٦)، ومسلم في البيوع (١٥٣٧) كلاهما من طريق شعبة، أخبرنا عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البختري الطائي فذكره. واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري نحوه إِلَّا أنه قال: سألت ابن عباس عن السلم في النخل. ووقع عنده: "حتى يُحرز" بدل "يحزر". قال الحافظ في الفتح (٤/ ٤٣٢): "وقوله: "حتى يحرز" بتقديم الراء على الزاي، أي يحفظ، ويصان. وفي رواية الكشميهني: بتقديم الزاي على الراء، أي يوزن أو يخرص. قال: وصوب عياض الأول، ولكن الثاني أليق بذكر الوزن". • عن ابن عباس كان يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يباع الثمر حتى يُطعم". صحيح: رواه أحمد (٢٢٤٧)، والطبراني في الكبير (١١٨٧، ١١٨٨)، وصحّحه ابن حبان (٤٩٨٨) كلهم من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره. وأما الحاكم (٢/ ٣٧) فرواه من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس. وصحّحه. وفيه سماك بن حرب، وهو مضطرب في حديث عكرمة، فكان من الأولى أن يخرج الطريق الأول. • عن زيد بن ثابت قال: كان الناس في عهد رسول اللَّه ﷺ يتبايعون الثمار، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدُمان، أصابه مرض، أصابه قشام -عاهات يحتجون بها-، فقال رسول اللَّه ﷺ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: "فإما لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر" كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم. صحيح: رواه أبو داود (٣٣٧٢)، وأحمد (٢١٦٦٦٢)، والبيهقي (٥/ ٣٠١ - ٣٠٢) كلهم من حديث يونس بن محمد قال: سألت أبا الزناد عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وما ذكر في ذلك، فقال: كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة، عن زيد بن ثابت قال فذكر الحديث نحوه. هكذا قال أبو داود. وعلقه البخاري في صحيحه (٢١٩٣) قال: قال الليث عن أبي الزناد، عن عروة، عن سهل بن أبي حثمة، عن زيد بن ثابت قال فذكره. قال (أي أبو الزناد): وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا، فيتبين الأصفر من الأحمر.

стр. 3543

قال أبو عبد اللَّه (أي البخاري): رواه علي بن بحر، حدثنا حكام، حدثنا عنبسة، عن زكريا، عن أبي الزناد، عن سهل، عن زيد. وأما أحمد فرواه عن يونس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد قال: قال زيد بن ثابت: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، ونحن نبتاع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. فذكر نحوه. وإسناده صحيح، وعبد الرحمن بن أبي الزناد فيه كلام يسير، إِلَّا أنه توبع. وأبو الزناد هو عبد اللَّه بن ذكوان والد عبد الرحمن. قوله: "جذ الناس" بالجيم والذال المعجمة الثقيلة، أي قطعوا ثمر النخل. والجذاذ صرام النخل، وهو قطع ثمرتها وأخذها من الشجر. وقوله: "الدمان" فسر بفساد الطلع، وتعفنه، وسواده. وقوله: "قُشام" فسر في رواية بأنه شيء يصيبه حتى لا يرطب. وقيل: أن ينتقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحا. وقوله: "فإما لا" أصلها "إن" الشرطية، و"ما" زائدة، فأدغمت، والمعنى: إن لم تفعل كذا فافعل كذا. وقوله: "حتى تطلع الثريا" أي مع الفجر في أول فصل الصيف، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز، فالمعتبر في الحقيقة النضج، وطلوع الثريا علامة له. وقول البخاري: "رواه ابن بحر". هو شيخه القطان الرازي. وحكام هو ابن سلم الرازي أيضًا. وعنبسة -بسكون النون- هو ابن سعيد الكوفي، عرف بالرازي أيضًا. وهذا الحديث أخرجه أبو داود -كما سبق- عن أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة بن خالد، عن يونس بن محمد فهو غير عنبسة بن سعيد الذي ذكره البخاري، كما نبه عليه الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، فهما اثنان، ومن ظن أنهما واحد فقد وهم. وقال: "وليس لعنبسة بن سعيد في البخاري سوى هذا الموضع الموقوف بخلاف عنبسة بن خالد". • عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا ثماركم حتى يبدو صلاحها، وتنجو من العاهة". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٤٤٠٧) والحارث في مسنده -بغية الباحث- (ص ٤٧٠) من حديث عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة فذكرته. ورواه أيضًا (٢٥٢٦٨) عن أبي عامر قال: حدثنا خارجة بن عبد اللَّه، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة، عن عائشة فذكرته. قال عبد اللَّه: قال أبي: "خارجة ضعيف الحديث".

стр. 3544

قلت: خارجة بن عبد اللَّه هو ابن سلمان بن زيد بن ثابت، قال ابن معين: "ليس به بأس". وقال أبو حاتم: "شيخ حديثه صالح". ومن هذا الطريق رواه أيضًا الطحاوي في شرحه (٤/ ٢٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٣٤). ثم هو لم ينفرد به، بل تابعه عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن أبيه، كما سبق. ولكن أرسله مالك في البيوع (١٢) عن أبي الرجال، فلم يذكر فيه عائشة. والحكم لمن وصله. قال الدارقطني في العلل (١٤/ ٤٢٥): "يرويه أبو الرجال، واختلف عنه: فرواه خارجة بن عبد اللَّه بن سليمان، عن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، وتابعه ابن أبي الرحال عن أبيه. ورواه مالك عن أبي الرحال، عن عمرة مرسلًا. ومن عادة مالك أن يرسل أحاديث". انتهى. فلم ير إرسال مالك علة قادحة في الحديث؛ لأنه جعل الإرسال من عادة مالك احتياطا، وغيره يرويه موصولًا. وقال ابن عبد البر بعد أن أسند الحديث من طريق خارجة بن عبد اللَّه، وذكر من شواهده حديث ابن عمر، وأبي سعيد: "وروي عن رسول اللَّه ﷺ من وجوه كثيرة كلها صحاح ثابتة أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وحتى تزهي، وحتى تحمر، وحتى تُطعم، وحتى تخرج من العاهة. ألفاظ كلها محفوظة، ومعناها واحد". انتهى. وفي معناه ما روي عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحها". قيل: وما صلاحها؟ قال: "تذهب عاهتها، ويخلص صلاحها". رواه البزار -كشف الأستار (١٢٩١) - من طريق ابن أبي يعلى، عن عطية، عن أبي سعيد فذكره. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٠٢)، وعزاه أيضًا إلى الطبراني في الأوسط، وقال: "وفي إسناد البزار عطية، وهو ضعيف، وقد وثق. وفي إسناد الطبراني جابر الجعفي، وهو ضعيف، وقد وثق". انتهى. وفي الباب أيضًا عن أبي أمامة، وسعد بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وكلها ضعيفة. فقه هذا الباب: ١ - العمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بيع الثمار قبل بدو الصلاح للعلة التي ذكرت في الحديث. ٢ - ولكن لو باع، واشترط القطع لجاز باتفاق أهل العلم؛ لأنه يأمن بالقطع من الهلاك بالآفة والعاهة. وفيه انتفاء العلة التي جاء النهي من أجلها. ٣ - وبدو الصلاح يختلف باختلاف أنواع الثمرة، ففي الرطب حتى يصير بسرا، وهو أن يرى فيه نقط الحمرة، والسواد. وفي الكوخ والكمثرى والمشمش والتفاح بأن يطيب بحيث يستطاع

стр. 3545

أكله. وفي البطيخ بأن يرى فيه أثر النضج، وفي القثاء والباذنجان بأن يجتنى في الغالب. ٤ - وطلوع النجم -هو الثريا- علامة بداية فصل الصيف، وهو ابتداء نضج الثمار، فالمعتبر في الحقيقة هو النضج، وطلوع النجم علامة له، كما جاء في الحديث: "حتى يتبين الأصفر من الأحمر". ٥ - إذا بدا الصلاح في بعضه جاز بيع الكل إذا اتفق الجنس، فإن اختلف فالعبرة ببدء الصلاح في كل جنس، إِلَّا إذا اشترط القطع فيما لم يبد فيه الصلاح، فجاز بيع الجميع. ٦ - وكذلك لا يجوز بيع الزرع قبل اشتداد الحب في السنبل، كما جاء في حديث ابن عمر. وكان الشافعي يمنع أولا عن بيع الحب في السنبل، ولكن لما وصل إليه حديث ابن عمر رجع، وقال بما يدل عليه الحديث. ٢٢ - باب ما جاء في وضع الجائحة • عن جابر أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح. صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٥٤: ١٧) من طريق سفيان بن عينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر فذكره. ورواه الشافعي في الأم (٣/ ٥٦) عن سفيان بإسناده، وفيه: "أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح". قال الشافعي: "سمعت سفيان يحدث هذا الحديث كثيرًا في طول مجالستي له، لا أحصي ما سمعته يحدثه من كثرته لا يذكر فيه "أمر بوضع الجوائح" لا يزيد على أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنين، ثم زاد بعد ذلك، "وأمر بوضع الجوائح". قال الشافعي: "قال سفيان: وكان حميد يذكر بعد بيع السنين كلاما قبل وضع الجوائح لا أحفظه، فكنت أكف عن ذكر وضع الجوائح؛ لأني لا أدري كيف كان الكلام. وفي الحديث "أمر بوضع الجوائح". إلى أن قال: فقد يجوز أن يكون الكلام الذي لم يحفظه سفيان من حديث حميد عن حميد يدل على أن أمره بوضعها على مثل أمره بالصلح على النصف، وعلى مثل أمره بالصدقة تطوعا حضا على الخير لا حتما، وما أشبه ذلك. ويجوز غيره، فلما احتمل الحديث المعنيين معا، ولم تكن فيه دلالة على أيهما أولى به لم يجز عندنا -واللَّه أعلم- أن يحكم على الناس في أموالهم بوضع ما وجب لهم بلا خبر عن رسول اللَّه ﷺ يثبت بوضعه". انتهى. • عن جابر أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنين، وَوَضَعَ الجوائح. صحيح: رواه أبو داود (٣٣٧٤) عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: حدثنا سفيان، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره.

стр. 3546

ورواه النسائي (٤٥٢٩) عن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد قال: حدثنا سفيان بإسناده، وفيه: "أن النبي ﷺ وضع الجوائح". ورواه ابن حبان (٥٠٣١) من حديث يحيى بن معين، عن ابن عيينة بإسناده، وفيه: "أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح". ورواه البيهقي (٥/ ٣٠٦) بعد أن ذكر قول الشافعي، كما مضى، قال: "وقد روي ذلك عن أبي الزبير، عن جابر. ثم رواه من طريق علي بن عبد اللَّه، عن سفيان، عن حميد بن قيس، عن سليمان بن عتيق، عن جابر أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح. قال علي (ابن عبد اللَّه المديني): وقد كان سفيان حدثنا عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه وضع الجوائح. كذا أتى به سفيان". انتهى. وبهذه الطرق تبين أن ما رواه سفيان في وضع الجوائح لا يشك فيه. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٥٤: ١٤) عن أبي الطاهر، أخبرنا ابن وهب، عن ابن جريج أن أبا الزبير أخبره عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. • عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول اللَّه ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "تصدقوا عليه". فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول اللَّه ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إِلَّا ذلك". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٥٦) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن بكير، عن عياض بن عبد اللَّه، عن أبي سعيد الخدري فذكره. لعله ابتاع الثمر قبل بدو صلاحها، فأصابته الجائحة. وقد أخذ بهذه الأحاديث أحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وجماعة من أصحاب الحديث، فقالوا: وضع الجائحة لازم للبيع. قال الخطابي: "وأمره بوضع الجوائح عند أكثر الفقهاء أمر ندب واستحباب من طريق المعروف والإحسان، لا على طريق الوجوب والإلزام". وقال: "واستدل من تأول الحديث على معنى الندب والاستحباب دون الإيجاب بأنه أمر حدث بعد استقرار ملك المشتري عليها، فلو أراد أن بيعها أو يهبها لمح ذلك منه فيها، وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن "ربح ما لم يضمن" فإذا صح بيعها ثبت أنها من ضمانه، وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فلو كانت الجائحة بعد بدو الصلاح من مال البائع لم يكن لهذا النهي فائدة". انتهى.

стр. 3547

٢٣ - باب النهي عن بيع الغرر، وبيع الحصاة • عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥١٣) من طرق عن عبيد اللَّه، حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال فذكره. قال النووي في شرح مسلم (١٠/ ١٥٥ - ١٥٦): "بيع الحصاة فيه ثلاث تأويلات: أحدها أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة. والثاني: أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمى بهذه الحصاة. والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعا فيقول إذا رميت هذا الثوب بالحصاة فهو مبيع منك بكذا. وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع بعض الصبرة مبهما، وبيع ثوب من أثواب، وشاة من شياه، ونظائر ذلك. وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة. وقد يحتمل بعض الغرر يعا إذا دعت إليه حاجة، كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل، والتي في ضرعها لبن، فإنه يصح للبيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه، فإنه لا يمكن رؤيته. وكذا القول في حمل الشاة ولبنها". انتهى. • عن ابن عمر قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الغرر. حسن: رواه الإمام أحمد (٦٣٠٧) عن يعلى ومحمد قالا: حدثنا محمد -يعني ابن إسحاق-، حدثني نافع، عن ابن عمر فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق؛ فإنه مدلس، ولكنه صرّح بالتحديث. ورواه ابن حبان في صحيحه (٤٩٧٢) من طريق محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا معتمر، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر فذكر مثله. ومعتمر هو ابن سليمان التيمي، وقد قيل: إن بين سليمان التيمي وبين نافع رجلا، وقد مشى على ظاهره ابن حبان، فأخرجه في صحيحه، وكذا أخرجه غيره أيضًا، وصحح إسناده. وحسنه ابن حجر في التلخيص (٣/ ٦)، ولم يعزُ الحديث إلى أحمد، فلعله لم يقف عليه. ثم إنه جمع بين ابن حبان والبيهقي في الإسناد المذكور مع أن البيهقي رواه من طريق أخرى من طريق

стр. 3548

سفيان، عن ابن أبي يعلى، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وابن أبي يعلى سيء الحفظ إِلَّا أنه توبع في إسناد أحمد. وفي الباب ما روي عن شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي بن أبي طالب، -أو قال- قال علي: "سيأتي على الناس زمان عضوض يعضُّ الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٧] ويبايع المضطرون، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك. رواه أبو داود (٣٣٨٢) عن محمد بن عيسى، حدثنا هشيم، أخبرنا صالح بن عمر، حدثنا شيخ من بني تميم فذكره. ورواه الإمام أحمد (٩٣٧) عن هشيم قال: أخبرنا أبو عامر المزني، حدثنا شيخ من بني تميم فذكره. وفي الإسناد رجل لم يسم. و"العضوض" الكلب، فيه عسف وظلم. وفي الباب أيضًا عن ابن عباس قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الغرر. رواه ابن ماجه (٢١٩٥) من طريق الأسود بن عامر، وعنه الإمام أحمد (٢٧٥٢) عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عطاء، عن عبد اللَّه بن عباس فذكره. وأيوب بن عتبة هو اليمامي، أبو يحيى القاضي، وهو من رجال ابن ماجه وحده، ضعيف عند جمهور أهل العلم. ورواه الطبراني في الكبير (١١٦٥٥) من وجه آخر، ولكن فيه النضر أبو عمر، متروك، كما قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٨٠). وذكر أحمد: قال أيوب: وفسَّر يحيى بيع الغرر قال: إن من الغرر ضربة الغائص، وبيع الغرر العبد الآبق، وبيع البعير الشارد، وبيع الغرر ما في بطون الأنعام، وبيع الغرر تراب المعادن، وبيع الغرر ما في ضروع الأنعام إِلَّا بكيل. اهـ. وفي الباب أيضًا ما رواه مالك في البيوع (٧٥) عن أبي حازم بن دينار، عن سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع الغرر. هذا مرسل باتفاق رواة الموطأ. ورواه عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، عن سهل بن سعد، أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٢١٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٣٥)، وقال: "هذا خطأ، ولم يرو هذا الحديث أبو حازم عن سهل، وإنما رواه عن سعيد بن المسيب، كما قال مالك، وليس ابن أبي حازم في الحديث ممن يحتج به فيما خالف غيره، وهو عندهم لين الحديث، ليس بحافظ، والحديث محفوظ من حديث أبي هريرة، ومعلوم أن سعيد بن المسيب من كبار رواة أبي هريرة". انتهى.

стр. 3549

ورجح البيهقي إرساله، وقال: "وقد روينا موصولا من حديث الأعرج، عن أبي هريرة، ومن حديث نافع، عن ابن عمر"، السنن الكبرى (٥/ ٣٣٨). إِلَّا أن بعض أهل العلم يرون أن عبد العزيز بن أبي حازم احتج به الشيخان، فزيادته مقبولة، ولكن الصحيح ما قاله ابن عبد البر؛ فإن مخالفة ابن أبي حازم لمثل مالك لا تقبل. والغرر هو كل شيء يغر المشتري ظاهره، وباطنه مجهول وهو لا يدري. ذكر مالك ﵀ عدة صور من الغرر والمخاطرة، منها أن يعمل الرجل قد ضلت دابته، أو أبق غلامه، وثمن الشيء من ذلك خمسون دينارا، فيقول رجل: أنا آخذه منك بعشرين دينارا، فإن وجده المبتاع ذهب من البائع ثلاثون دينارًا، وإن لم يجده ذهب البائع من المباتع بعشرين دينارًا. قال مالك: وفي ذلك عيب آخر: إن تلك الضالة إن وجدت لم يدر أزادت أم نقصت، أم حدث بها من العيوب، فهذا أعظم المخاطرة". انتهى. ٢٤ - باب النهي عن بيع حبل الحبلة، والمضامين، والملاقيح • عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعا يتابيعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها. متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٦٢) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. ورواه البخاري في البيوع (٢١٤٣) من طريق مالك به مثله. ورواه مسلم في البيوع (١٥١٤) من وجهين آخرين عن نافع به مختصرًا، ومطولًا. وقوله: "وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية" رواه أبو داود (٣٣٨٠)، وغيره عن مالك، ولم يذكروا هذه الزيادة، فلعلهم اقتصروا على المرفوع؛ لأن هذا الكلام مدرج في الحديث، والصحيح أنه من تفسير ابن عمر، كما هو ظاهر من رواية يحيى القطان، عن عبيد اللَّه، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: "كان أهل الجاهلية يتبايعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة. قال: وحبل الحبلة أن تتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك". رواه البخاري (٣٨٤٣) عن مسدد، ومسلم عن جماعة، كلهم عن يحيى القطان. فمن قال: إنه من تفسير نافع فلعله لم يقف على هذه الرواية. وأما المراد بحبل الحبلة فقال النووي في شرح مسلم: "اختلف العلماء في المراد بالنهي عن بيع حبل الحبلة، فقال جماعة: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة، ويلد ولدها. وقال آخرون: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال، وهذا أقرب إلى اللغة". انتهى. وقال ابن الأثير في النهاية: "الحبل الأول يراد به ما في بطون النوق من الحمل، والثاني حبل الذي في بطون النوق. وإنما نهي عنه لمعنيين: أحدهما أنه غرر، وبيع شيء لم يخلق بعد، وهو أن

стр. 3550

يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أن تكون أنثى، فهو بيع نتاج النتاج. وقيل: أراد بحبل الحبلة أن يبيعه إلى أجل ينتج فيه الحمل الذي في بطن الناقة، فهو أجل مجهول، ولا يصح". انتهى. • عن عبد اللَّه بن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "في السلف في حبل الحبل ربا". صحيح: رواه النسائي (٤٦٦٢)، وأحمد (٢١٤٥) كلاهما من حديث محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. ورواه أيضًا النسائي (٤٦٢٣)، وأحمد (٢٦٤٥) كلاهما من وجهين آخرين عن أيوب بإسناده أن النبي ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة. وقوله: "السلف" هو أن يسلم المشتري الثمن إلى رجل عنده ناقة حبلى، ويقول: إذا ولدت هذه الناقة، ثم ولدت التي في بطنها، فقد اشتريت منك ولدها بهذا الثمن، فهذه المعاملة شبيهة بالربا، لكونها حراما كالربا من حيث إنه يبيع ما ليس عند البائع، وهو لا يقدر على تسليمه، ففيه غرر. أفاده السندي. وقد روي في بعض طرقه بزيادة "المضامين، والملاقيح". رواه البزار -كشف الأستار- (١٢٦٨)، والطبراني في الكبير كلاهما من طريق إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهي عن الملاقيح، والمضامين، وحبل الحبلة. قال البزار: "لا نعلمه عن ابن عباس إِلَّا بهذا الإسناد". وقال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٠٤): "رواه الطبراني في الكبير، والبزار، وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وثّقه أحمد، وضعفه جمهور الأئمة". وهو كما قال؛ فقد ضعفه ابن معين، والبخاري، وأبو حاتم، والدارقطني، وغيرهم، وهو من رجال التهذيب، وفي التقريب: "ضعيف". وروى مالك في البيوع (٦٣) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أنه قال: "لا ربا في الحيوان، وإنما نهى من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين، والملاقبح، وحبل الحبلة. والمضامين بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح ما في ظهور الجمال". انتهى. ورواه البزار -كشف الأستار- (١٢٦٧) من حديث صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى بيع الملاقيح والمضامين. قال البزار: "لا نعلم أحدًا رواه كذا إِلَّا صالح، ولم يكن بالحافظ". وبه أعله الهيثمي في المجمع". وصالح بن أبي الأخضر هو اليمامي ضعفه جمهور أهل العلم، وهو من رجال التهذيب. فالصحيح أنه من قول سعيد بن المسيب، ولا يصح مرفوعًا.

стр. 3551

قال الدرقطني في "العلل" (٩/ ١٨٣): "والصحيح غير مرفوع من قول سعيد غير متصل، وكذلك قال الزبيدي، والأوزاعي عن الزهري". اهـ. قوله: "المضامين، والملاقيح" قال البيهقي (٥/ ٣٤١): "وفي رواية المزني، عن الشافعي أنه قال: المضامين ما في بطون ظهور الجمال، والملاقيح ما في بطون إناث الإبل". قال البيهقي: "وكذلك فسره أبو عبيد". ٢٥ - باب النهي عن بيع المعاومة والسنين • عن جابر بن عبد اللَّه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة -قال أحدهما: بيع السنين هي المعاومة- وعن الثنيا، ورخص في العرايا. صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٣٦: ٨٥) من طريق حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد اللَّه قال فذكره. ورواه من طريق عطاء، عن جابر (٨٦) بلفظ: نهى رسول اللَّه ﷺ عن كراء الأرض، وعن بيعها السنين، وعن بيع التمر حتى يرطب". وفي الباب ما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن بيع النخل سنتين أو ثلاثة، أو تشترى في رؤوس النخل بكيل، أو تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها. رواه البزار -كشف الأستار (١٢٨١) - عن محمد بن معاوية بن صالح، ثنا عباد بن العوام، ثنا الحجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس فذكره. قال البزار: "لا نعلمه يروى بإسناد أحسن من هذا". قلت: وفيه الحجاج بن أرطاة مدلس وكان يخطئ كثيرًا. وفي الباب أيضًا ما روي عن سمرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنين. رواه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٥٣) عن أبي الزنباع روح بن الفرج، ومحمد بن عمرو بن خالد الحراني قالا: ثنا سعيد بن عفير، ثنا كهمس بن المنهال، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة فذكره. وسعيد بن أبي عروبة اختلط بأخرة، وكهمس بن المنهال ممن سمع منه بعد الاختلاط. و"بيع السنين" هو بيع ثمرة النخلة لمدة سنتين، أو ثلاثة، وهو باطل بالاجماع؛ لأنه بيع شيء لا وجود له عند العقد، وفيه غرر وجهالة وعدم القدرة على التسليم عند الجوائح. ٢٦ - باب النهي عن بيع الملامسة والمنابذة • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ نهي عن الملامسة والمنابذة.

стр. 3552

متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٧٦) عن محمد بن يحيى بن حَبان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. ورواه البخاري في البيوع (٢١٤٦)، ومسلم في البيوع (١٥١١) كلاهما من طريق مالك به مثله. ورواه البخاري في الصلاة (٣٦٨)، ومسلم من طريق سفيان، عن أبي الزناد به بلفظ: "نهى النبي ﷺ عن بيعتين: عن اللِّماس، والنِّباذ، وأن يشتمل الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد". واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه، وإنما أحال فيه على لفظ مالك، وقال: مثله. ورواه من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة بلفظ: "نهى عن بيعتين: الملامسة، والمنابذة. أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل. والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه. وهذا التفسير مدرج، والأقرب أنه من كلام الصحابي، كما قال ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٣٦٠). وورد تفسير الملامسة والمنابذة بنحو هذا عن مالك في الموطأ. ولهما تفسيرات أخرى ذكرتها في "المنة الكبرى" (٥/ ١٦٣). • عن أبي سعيد الخدري قال: نهانا رسول اللَّه ﷺ عن بيعتين ولبستين: نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع. والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يقلبه إِلَّا بذلك. والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض. متفق عليه: رواه البخاري في اللباس (٥٨٢٠)، ومسلم في البيوع (١٥١٢) كلاهما من طريق يونس، عن ابن شهاب (الزهري)، أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، أن أبا سعيد الخدري قال فذكره. واللفظ لمسلم. ورواه البخاري في البيوع (٢١٤٧) من طريق معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري به مختصرًا، وليس فيه تفسير الملامسة والمنابذة. ورواه أبو داود (٣٣٧٧) وغيره من حديث سفيان، عن الزهري. وفيه تفسير لبستين، وهما اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد كاشفا عن فرجه، أو ليس على فرجه منه شيء. وفي نهيه عن الملامسة مستدل لمن أبطل بيع الأعمى وشراءه؛ لأنه إنّما يستدل ويتأمل باللمس فيما سبيله أن يستدرك بالعيان ومن البصيرة. قاله الخطابي. • عن أنس بن مالك قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة، والمزابنة.

стр. 3553

صحيح: رواه البخاري في البيوع (٢٢٠٧) عن إسحاق بن وهب، حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا أبي قال: حدثني إسحاق بن أبي طلحة الأنصاري، عن أنس بن مالك أنه قال فذكره. وفي الباب ما روي عن ابن عمر قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن لبستين، ونهانا رسول اللَّه ﷺ عن بيعتين: عن المنابذة، والملامسة. وهي بيوع كانوا يتبايعون بها في الجاهلية". رواه النسائي (٤٥١٦) -واللفظ له-، وأبو داود (٤/ ١٤٣) كلاهما من حديث جعفر بن برقان قال: بلغني عن الزهري، عن سالم، عن أبيه فذكره. جعفر بن برقان يضعف في الزهري، كما قال ابن معين وغيره. وفيه انقطاع أيضًا لقوله: "بلغني عن الزهري". ولذا قال أبو داود: "هذا الحديث لم يسمعه جعفر بن برقان من الزهري، وهو منكر". ٢٧ - باب النهي عن بيع صبرة التمر • عن جابر بن عبد اللَّه يقول: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الصبرة من التمر، لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر". صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٣٠) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، حدثني ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول فذكره. ورواه النسائي (٤٥٤٨) من وجه آخر عن حجاج، قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: قال النبي ﷺ : "لا تباع الصبرة من الطعام بالصبرة من الطعام، ولا الصبرة من الطعام بالكيل المسمى من الطعام". والصبرة هي الكومة، يقال: اشترى الشيء صبرة أي بلا وزن ولا كيل. ٢٨ - باب تحريم بيع المحرمات من الخمر والخنزير والميتة والأصنام والدم؛ لأنها نجس عين قال اللَّه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة: ٣]. • عن جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول وهو بمكة عام الفتح: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام". فقيل: يا رسول اللَّه، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام". ثم قال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: "قاتل اللَّه اليهود،

стр. 3554

إن اللَّه لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه". متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٢٣٦)، ومسلم في المساقاة (١٥٨١) كلاهما عن قتيبة ابن سعيد، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. • عن ابن عباس قال: بلغ عمر أن فلانًا باع خمرا، فقال: قاتل اللَّه فلانًا، ألم يعلم أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قاتل اللَّه اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، فباعوها". متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٢٢٣)، ومسلم في المساقاة (١٥٨٢) من طريق سفيان ابن عيينة، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني طاوس، أنه سمع ابن عباس يقول فذكره. واللفظ للبخاري، وجاء فلان مصرحا باسمه عند مسلم أنه سمرة بن جندب ﵁. وقد اختلف أهل العلم في كيفية بيع سمرة للخمر على ثلاثة أقوال، حكاها الحافظ في الفتح (٤/ ٤١٥) عن ابن الجوزي، والقرطبي، وغيرهما: أحدها: أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية، فباعها معتقدا جواز ذلك. والثاني: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذها خمرا. والثالث: أن يكون خلّل الخمر، وباعها معتقدا جواز ذلك، وكان عمر يعتقد أن ذلك لا يحلها، كما هو قول أكثر العلماء. • عن ابن عباس قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ جالسًا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء، فضحك، فقال: "لعن اللَّه اليهود ثلاثًا، إن اللَّه حرم عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن اللَّه إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه". صحيح: رواه أبو داود (٣٤٨٨)، وأحمد (٢٢٢١)، وابن حبان (٤٩٣٨)، والبيهقي (٦/ ١٣) كلهم من طريق خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، أخبرنا ابن عباس فذكره. وقوله: "إن اللَّه إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" إن هذا العموم متروك باتفاق العلماء على جواز بيع الآدمي والحمار ونحوهما، وقد كان الناس يتبايعون السرجين للزرع في سائر الأزمان. انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٥/ ٢٢٨). • عن ابن عباس قال: أهدى رجل لرسول اللَّه ﷺ راوية خمر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أما علمت أن اللَّه حرمها" قال: لا، فساره رجل إلى جنبه، فقال له ﷺ : "بم ساررته؟ " فقال: أمرته أن يبيعها. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الذي حرم شربها حرم بيعها". ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما. صحيح: رواه مالك في الأشربة (١٢) عن زيد بن أسلم، عن ابن وَعْلة المصري، أنه سأل عبد اللَّه بن عباس عما يُعصر من العنب، فقال ابن عباس فذكره. ورواه مسلم في المساقاة (١٥٧٩) من

стр. 3555

طريق مالك وغيره، عن زيد بن أسلم به. وابن وعلة اسمه عبد الرحمن بن وعلة السبئي، أصله من مصر، ثم انتقل إلى المدينة، وسكنها. ورواه ابن حبان (٤٩٤٤) من وجه آخر عن أبي خيثمة قال: حدثنا ربعي بن إبراهيم أخو إسماعيل ابن علية قال: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق قال: حدثنا زيد بن أسلم، عن ابن وعلة، عن ابن عباس: أن رجلًا خرج والخمر حلال، فأهدى لرسول اللَّه ﷺ راوية خمر، فأقبل بها على بعير، حتى وجد رسول اللَّه ﷺ جالسًا، فقال: ما هذا معك؟ قال: راوية من خمر أهديتها لك. قال: "هل علمت أن اللَّه -جل وعلا- حرمها؟ " قال: لا. قال: "فإن اللَّه قد حرمها" فالتفت الرجل إلى قائد البعير، فكلمه بشيء فيما بينه وبينه، فقام، فقال ﷺ : "ماذا قلت له؟ " قال: أمرته ببيعها. قال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". قال: فأمر بعزالي المزادة، ففتحت، فخرجت في التراب فنظرت إليها في البطحاء ما فيها شيء. ورواه أحمد (٢٠٤١)، وأبو يعلى (٢٤٦٨)، والدارمي (٢٦١٣) من حديث ابن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم، عن عبد الرحمن بن وعلة. وفيه أن الذي أهدى هو صديق النبي ﷺ من ثقيف أو دوس، وذلك يوم الفتح، ثم ذكر الحديث. ومحمد بن إسحاق لا بأس به في المتابعات. • عن ابن عباس يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أتاني جبريل، فقال: يا محمد، إن اللَّه لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومستقيها". حسن: رواه أحمد (٢٨٩٧)، والطبراني في الكبير (١٢٩٧٦)، وابن حبان (٥٣٥٦)، والحاكم (٢/ ٣١) كلهم من طرق عن مالك بن خير الزيادي، أن مالك بن سعد التجيبي حدثه، أنه سمع ابن عباس يقول فذكره. وإسناده حسن من أجل مالك بن خير الزيادي، ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣١٢)، ولم يقل فيه شيئًا. ولكن قال أبو زرعة: "مصري لا بأس به". وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: "محله الصدق". فمثله بحسن حديثه، وخاصة في الشواهد، وقد صحّحه ابن حبان، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، وشاهده حديث عبد اللَّه بن عمر". • عن ابن عباس، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه حرم عليكم الخمرة، والميسرة، والكوبة". وقال: "كل مسكر حرام". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٦٢٥)، والطحاوي في شرحه (٤/ ٢١٦)، والبيهقي (١٠/ ٢٢١) كلهم من حديث عبد اللَّه بن عمرو، عن عبد الكريم، عن قيس بن حَبْتر، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح، وعبد الكريم هو ابن مالك الجزري. وقيس بن حَبْتر -على وزن جعفر-، وهو التميمي الكوفي من رجال "التهذيب".

стр. 3556

"والكوبة" هي النرد. وقيل: الطبل. وقيل: البربط. كذا في النهاية. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قاتل اللَّه يهودا، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها". متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٢٢٤)، ومسلم في المساقاة (١٥٨٣) من طريق يونس (هو ابن يزيد الأيلي)، عن ابن شهاب، سمعت سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. أي لا يذاب شحم الميتة، ولا يباع. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ اللَّه حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه". حسن: رواه أبو داود (٣٤٨٥) عن أحمد بن صالح، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثنا معاوية بن صالح، عن عبد الوهاب بن بخت، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البيهقي (٦/ ١٢) من طريق أبي داود. وإسناده حسن من أجل الكلام في معاوية بن صالح، وهو ابن حدير الحضرمي، غير أنه حسن الحديث. وأما شيخه عبد الوهاب بن بخت فتكلم فيه ابن حبان بكلام شديد، فقال: "كان صدوقًا في الرواية إِلَّا أنه كان يخطئ كثيرًا، ويهم شديدًا، حتى كثر في روايته الأشياء المقلوبة، فبطل الاحتجاج به". وكان يحيى بن معين حسن الرأي فيه، ووثّقه أبو زرعة، والنسائي، وقال أبو حاتم: لا بأس به". فأين لابن حبان يقول فيه ما قال. ثم حديثه هذا له شواهد كثيرة، فالصحيح أنه أصاب فيه، ولم يخطئ. • عن عون بن أبي جحيفة قال: رأيت أبي اشتري حجاما، فأمر بمحاجمه، فكسرت، فسألته عن ذلك، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب الأمة. ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصور. صحيح: رواه البخاري في البيوع (٢٢٣٨) عن حجاج بن منهال، حدثنا شعبة قال: أخبرني عون أبي جحيفة فذكره. • عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قالت: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى المسجد فحرم التجارة في الخمر. متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٢٢٦)، ومسلم في المساقاة (١٥٨٠) من طريق الأعمش، عن أبي الضحي مسلم (هو ابن صَبيح)، عن مسروق، عن عائشة فذكرته. واللفظ لمسلم. • عن أبي سعيد الخدري قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يخطب بالمدينة قال: "يا

стр. 3557

أيها الناس، إن اللَّه تعالى يُعَرِّض بالخمر، ولعل اللَّه سينزل فيها أمرا، فمن كان عنده منها شيء فليبعه، ولينتفع به". قال: فما لبثنا إِلَّا يسيرا حتى قال النبي ﷺ : "إن اللَّه تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية، وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع". قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة، فسفكوها. صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٧٨) عن عبيد اللَّه بن عمر القواريري، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى أبو همام، حدثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال فذكره. قوله: "يعرض بالخمر" أي بحرمتها، والتعريض هو خلاف التصريح من القول، وهو قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [سورة البقرة: ٢١٩]. وقوله: "فمن أدركته هذه الآية" هي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة: ٩٠]. • عن عبد الرحمن بن غنم أن الداري كان يُهدي لرسول اللَّه ﷺ كل عام راوية خمر، فلما كان عام حرمت جاء براوية، فلما نظر إليه نبي اللَّه ﷺ ضحك، قال: "هل شعرت أنها قد حرمت بعدك؟ ". قال: يا رسول اللَّه، أفلا أبيعها فأنتفع بثمنها؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لعن اللَّه اليهود، انطلقوا إلى ما حرم عليهم من شحوم البقر والغنم، فأذابوه، فجعلوه ثمنا له، فباعوا به ما يأكلون، وإن الخمر حرام، وثمنها حرام، وإن الخمر حرام، وثمنها حرام، وإن الخمر حرام، وثمنها حرام". حسن: رواه أحمد (١٧٩٩٥) عن روح، حدثنا عبد الحميد بن بهرام قال: سمعت شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غَنْم فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب، فقال الإمام أحمد: "ما أحسن حديثه". ووثّقه، وقال أيضًا: "ليس به بأس". وقال البخاري: "حسن الحديث"، وقوى أمره. وقال ابن معين: "ثقة". وقال أيضًا: "ثبت". وضعفه شعبة وغيره، لكن قال ابن القطان: "لم أسمع لمن ضَعَّفَه حجة". فمثله يحسن حديثه إذا لم يكن في حديثه ما ينكر عليه. ورواه عنه عبد الحميد بن بهرام، فإنه كان من أثبت أصحابه. وحديثه هذا يشهد له ما سبق إِلَّا أن قوله: "أن الداري كان يهدي لرسول اللَّه ﷺ كل عام راوية خمر" إنْ هو صديق رسول اللَّه ﷺ ، كما في الحديث السابق، مع أنه ليس بثقفي ولا دوسي، كان نصرانيا، فجاء إلى المدينة، فأسلم، وذكر النبي ﷺ قصة الجساسة والدجال، وكل هذا يحتاج

стр. 3558

إلى التأمل. قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٨٨): "رواه أحمد هكذا عن ابن غنم أن الداري. . . .، وفيه شهر، وحديثه حسن، وفيه كلام، ورواه الطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن غنم، عن تميم الداري أنه كان يهدي، فذكر نحوه باختصار، إِلَّا أنه قال: "حرام شراؤها وثمنها". وإسناده متصل حسن". انتهى. وهذا الحديث له أسانيد أخرى غير أن الذي ذكرته هو أصحها. • عن عامر بن ربيعة أن رجلًا من ثقيف يكنى أبا تمام أهدى إلى رسول اللَّه ﷺ راوية خمر، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنها قد حرمت يا أبا تمام". فقال له: يا رسول اللَّه، فأستنفق ثمنها؟ فقال النبي ﷺ : "إن الذي حرم شربها حرم ثمنها". صحيح: رواه الطبراني في الأوسط (٤٣٩) عن أحمد بن خليد، قال: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر الرقي، قال: حدثنا عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد اللَّه ابن عامر بن ربيعة، عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح. قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٩٢): "رجاله رجال الصحيح". تنبيه: وقع في نسخة الطبراني "عن ربيعة بن عامر، عن أبيه"، والصواب كما ذكرته: عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، وكذلك في مجمع البحرين (١٩٧٨) وكذلك في نسخة الطبراني الطارق عوض اللَّه (٤٣٦)؛ أي: أن الحديث من مسند عامر بن ربيعة، وليس من مسند ربيعة. • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت النبي ﷺ عام الفتح وهو بمكة يقول: "إن اللَّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير". فقيل: يا رسول اللَّه، أرأيت شحوم الميتة فإنه يدهن بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هي حرام". ثم قال: "قاتل اللَّه اليهود، إن اللَّه لما حرم عليهم الشحوم جملوها، ثم باعوها، وأكلوا ثمنها". حسن: رواه أحمد (٦٩٩٧)، والبيهقي (٩/ ٣٥٥) كلاهما من حديث أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب بإسناده مثله. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب؛ فإنه حسن الحديث. وأيضًا فيه أسامة بن زيد، وهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. • وعن عبد الواحد البناني قال: كنت مع ابن عمر، فجاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أشتري هذه الحيطان تكون فيها الأعناب، فلا نستطيع أن نبيعها كلها عنبا حتى نعصره. قال: فعن ثمن الخمر تسألني؟ سأحدثك حديثًا سمعته من

стр. 3559

رسول اللَّه ﷺ ، كنا جلوسًا مع النبي ﷺ إذ رفع رأسه إلى السماء، ثم أكبَّ، وَنَكَتَ في الأرض، وقال: "الويل لبني إسرائيل". فقال له عمر: يا نبي اللَّه، لقد أفزعنا قولك لبني إسرائيل، فقال: "ليس عليكم من ذلك بأس، إنهم لما حرمت عليهم الشحوم، فتواطؤوه، فيبيعونه، فيأكلون ثمنه، وكذلك ثمن الخمر عليكم حرام". حسن: رواه أحمد (٥٩٨٢) عن عبد الصمد، حدثني أبي، ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن عبد الواحد البناني قال فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الواحد البناني، روى عنه عدد، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وهو من رجال "التعجيل". قال البوصيري في "إتحاف الخبرة": "رجاله ثقات". • عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وشاربها، وساقيها". حسن: رواه أبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠)، وأحمد (٤٧٨٧)، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٤٧)، والبيهقي (٥/ ٣٢٧) كلهم من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الغافقي وأبي طعمة مولاهم أنهما سمعا ابن عمر يقول فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل أبي طعمة، واسمه هلال، وقد تُكلم فيه غير أنه حسن الحديث، ثم أنه توبع في الإسناد نفسه، تابعه عبد الرحمن بن عبد اللَّه الغافقي، وهو أمير الأندلس، استشهد فيها سنة ١١٥ هـ. وللحافظ كلام جيد في الدفاع عنه، فراجعه. وصحّحه ابن السكن، كما في "التلخيص" (٤/ ١٣٦)، وللحديث إسناد آخر، وهو الآتي. • عن عبد الرحمن بن شريح الخولاني: أنه كان له عم يبيع الخمر، وكان يتصدق بثمنه، فنهيته عنها، فلم ينتهِ، فقدمت المدينة، فلقيت ابن عباس، فسألته عن الخمر وثمنها، فقال: هي حرام، وثمنها حرام. ثم قال: يا معشر أمة محمد ﷺ ، إنه لو كان كتاب بعد كتابكم، أو نبي بعد نبيكم لأنزل فيكم، كما أنزل فيمن كان قبلكم، ولكن أخر ذلك من أمركم إلى يوم القيامة، ولعمري لهو أشد عليكم. قال: ثم لقيت عبد اللَّه بن عمر، فسألته عن ثمن الخمر، فقال: سأخبرك عن الخمر: أني كنت عند رسول اللَّه ﷺ في المسجد، فبينما هو محتب حل حبوته، ثم قال: "من كان عنده من الخمر شيء فليؤذني به". فجعل الناس يأتونه، فيقول

стр. 3560

أحدهم: عندي راوية خمر، ويقول الآخر: عندي راوية، ويقول الآخر عندي زق، أو ما شاء اللَّه أن يكون عنده، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اجمعوه ببقيع كذا وكذا ثم آذنوني"، ففعلوا، ثم آذنوه. قال: فقمت، فمشيت -وهو متكئ علي-، فلحقنا أبو بكر ﵁، فأخذني رسول اللَّه ﷺ ، فجعلني عن يساره، وجعل أبا بكر مكاني، ثم لحقنا عمر، فأخذني، وجعلني عن يساره، فمشى بينهما حتى إذا وقف على الخمر قال للناس: "أتعرفون هذه؟ " قالوا: نعم يا رسول اللَّه، هذه الخمر. قال: "صدقتم". ثم قال: "إنّ اللَّه تعالى لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها". ثم دعا بسكين، فقال: "اشحذوها". ففعلوا، ثم أخذها رسول اللَّه ﷺ يخرق بها الزقاق. فقال الناس: إن في هذه الزقاق لمنفعة، فقال: "أجل، ولكن إنما أفعل غضبا للَّه لما فيها من سخطه". فقال عمر: أنا أكفيك يا رسول اللَّه. قال: "لا". وبعضهم يزيد على بعض في الحديث. صحيح: رواه الحاكم (٤/ ١٤٤ - ١٤٥) عن أبي العباس محمد بن يعقوب، أبا محمد بن عبد اللَّه ابن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح الخولاني فذكره. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وفي الباب أيضًا عن ابن مسعود، ذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٧)، وفي معناه أحاديث أخرى، انظر كتاب الأشربة. • عن أنس بن مالك قال: لعن رسول اللَّه ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له. حسن: رواه الترمذي (١٢٩٥)، وابن ماجه (٣٣٨١) كلاهما من حديث أبي عاصم، عن شبيب ابن بشر، عن أنس بن مالك فذكره. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب". قلت: إسناده حسن من أجل شبيب بن بشر البجلي الكوفي، مختلف فيه، وثّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في التلخيص: "رواته ثقات". قلت: لا يضر كلام أبي حاتم فيه أنه "لين الحديث" لما له أصول صحيحة، فهو قد حفظه وضبطه.

стр. 3561

• عن أنس قال: لما حرمت الخمر قال: إني يومئذ لأسقيهم، لأسقي أحد عشر رجلًا، فأمروني، فكفأتها وكفأ الناس آنيتهم بما فيها حتى كادت السكك أن تمتنع من ريحها. قال أنس: وما خمرهم يومئذ إِلَّا البسر والتمر مخلوطين. قال: فجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إنه كان عندي مال يتيم فاشتريت به خمرا، أفتأذن لي أن أبيعه، فأرد على اليتيم ماله، فقال النبي ﷺ : "قاتل اللَّه اليهود، حرمت عليهم الثروب، فباعوها، وأكلوا أثمانها". ولم يأذن لهم النبي ﷺ في بيع الخمر. صحيح: رواه أحمد (١٣٢٧٥) عن عبد الرزاق -وهو في مصنفه (١٦٩٧٠) - قال: أخبرنا معمر، عن ثابت وقتادة، عن أنس فذكره. ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن حبان (٤٩٤٥)، وإسناده صحيح. و"الثروب" جمع ثرب، وهو شحم رقيق. • عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا، فقال: "أهريقوه". قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: "لا". حسن: رواه أبو داود (٣٦٧٥)، والترمذي (١٢٩٣) معلقًا، وأحمد (١٢١٨٩)، والطحاوي في مشكله (٣٣٣٧)، والبيهقي (٦/ ٣٧) كلهم من حديث سفيان الثوري، عن السدي، عن أبي هبيرة، عن أنس بن مالك فذكره. ورواه الترمذي أيضًا من وجه آخر عن ليث، عن يحيى بن عباد، عن أنس، عن أبي طلحة أنه قال: يا نبي اللَّه، إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري. قال: "أهرق الخمر، واكسر الدنان". قال الترمذي: "وحديث الثوري أصح من حديث الليث". قال أبو داود: "أبو هبيرة هو يحيى بن عباد الأنصاري". وإسناده حسن من أجل السدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، حسن الحديث. وفي صحيح مسلم (١٩٨٣)، والترمذي (١٢٩٤) عن سفيان بإسناده: سئل النبي ﷺ عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال: "لا". • عن أسامة بن زيد قال: دخلنا على رسول اللَّه ﷺ نعوده، وهو مريض، فوجدناه نائما، قد غطى وجهه ببرد عدني، فكشف عن وجهه، ثم قال: "لعن اللَّه اليهود، يحرمون شحوم الغنم، ويأكلون أثمانها". صحيح: رواه الحارث بن أبي أسامة -بغية الباحث (٤٣٣) -، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١٨٣ - ١٨٤)،

стр. 3562

والحاكم (٤/ ١٩٤) كلهم من حديث الأعمش، عن جامع بن شداد، عن كلثوم الخزاعي، عن أسامة فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". قلت: وهو كما قال؛ فإن رجاله ثقات. وكلثوم هو ابن علقمة الخزاعي، مخلف في صحبته، والصواب أنه تابعي، وروايته عن النبي ﷺ مرسلة، ولذا ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال الحافظ: "ثقة". وفي الباب ما روي عن أبي سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة سألت رسول اللَّه ﷺ عنه، وقلت: إنه ليتيم. فقال "أهريقوه". رواه الترمذي (١٢٦٣)، وأحمد (١١٢٠٥)، والطحاوي في مشكله (٣٣٤٠) كلهم من طريق مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد فذكره. ومجالد هو ابن سعيد بن عمير الهمداني، ضعيف باتفاق أهل العلم، ولكن قال الترمذي: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح. وقال: وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ نحو هذا، يعني به الشاهد. ثم قال الترمذي: "وقال بهذا بعض أهل العلم، وكرهوا أن تتخذ الخمر خلا، وإنما كره من ذلك -واللَّه أعلم- أن يكون المسلم في بيته خمر حتى يصير خلا، ورخص بعضهم في خل الخمر إذا وجد قد صار خلا". وفي الباب أيضًا ما روي عن عبد اللَّه بن أبي بكر أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "قاتل اللَّه اليهود، نهوا عن أكل الشحم، فباعوه، فأكلوا ثمنه". رواه مالك في صفة النبي ﷺ (٢٦) عنه مرسلًا. وفي الباب ما روي عن المغيرة بن شعبة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من باع الخمر فليشقص الخنازير". رواه أبو داود (٣٤٨٩)، وأحمد (١٨٢١٤)، والدارمي (٢١٤٧)، والبيهقي (٦/ ١٢) كلهم من حديث طعمة بن عمرو الجعفري، عن عمر بن بيان التغلبي، عن عروة بن المغيرة الثقفي، عن أبيه فذكر الحديث. وفيه عمر بن بيان التغلبي الكوفي يقول أحمد: لم أعرفه. ولم يوثّقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول". أي عند المتابعة. ولم أجد له متابعة. وأما قوله "فليشقص" أي فليستحل أكلها، والتشقيص يكون من وجهين: أحدهما أن يذبحها بالمشقص، وهو نصل عريض. والوجه الآخر أن يجعلها أشقاصا وأعضاء بعد ذبحها كما يفصل أجزاء الشاة بعد الذبح. ومعنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ فيه، يقول: من استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنزير؛ فإنهما في الحرمة والإثم سواء. أفاده الخطابي. وفي الباب عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "أن نبي اللَّه ﷺ نهى عن الخمر، والميسرة،

стр. 3563

والكوبة، والغبيراء". وقال: "كل مسكر حرام". رواه أبو داود (٣٦٨٥) عن موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الوليد بن عبدة، عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره. ورواه أحمد (٦٥٩١)، والبيهقي (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٢) كلاهما من وجه آخر عن عبد الحميد بن جعفر، حدثنا يزيد بن حبيب بإسناده إِلَّا أنه قال فيه: "عمرو بن الوليد". قلت: وقد اختلف في اسم الوليد بن عبدة، فقيل هكذا، وقيل: عمرو بن الوليد. ولم يرو عنه غير يزيد بن أبي حبيب، ولم يوثّقه أحد فهو في عداد المجهولين، وقد جهله أيضًا أبو حاتم، وكذا الذهبي في الميزان (٤/ ٣٤١)، وقال: "روى عن ابن عبدة يزيد بن أبي حبيب، والخبر معلول في الكوبة والغبيراء". قال أبو داود: قال ابن سلام أبو عبيد: "الغبيراء السكركة تعمل من الذرة، شراب يعمله الحبشة". وفي الموطأ، كتاب الأشربة (١٠) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن الغبيراء، فقال: "لا خير فيها"، ونهى عنها. إِلَّا أنه مرسل. قال مالك: فسألت زيد بن أسلم: ما الغبيراء؟ فقال: هي الأسكركة. وقد روي موقوفًا بإسناد منقطع عن ابن عباس قال: "السحت: الرشوة في الحكم، ومهر البغي، وثمن الكلب، وثمن الفرد، وثمن الخنزير، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وثمن الدم، وعسب الفحل، وأجر النائحة، وأجر المغنية، وأجر الكاهن، وأجر الساحر، وأجر القائف، وثمن جلود السباع، وثمن جلود الميتة فإذا دبغت فلا بأس بها، وأجر صور التماثيل، وهدية الشّفاعة، وجعيلة الغزو". رواه البيهقي (٦/ ١٢ - ١٣) من طريق إسماعيل بن عياش، عن حبيب بن صالح، عن ابن عباس، وقال: هذا منقطع بين حبيب بن صالح وابن عباس، وهو موقوف. المحرمات الواردة في أحاديث الباب هي: الخمر، والخنزير، والميتة، والأصنام، والدم. ولكل هذه المحرمات تفاصيل في الأكل والشرب، والبيع، والانتفاع، ذكرت ذلك بالتفصيل في "المنة الكبرى" (٥/ ٢٢٠ - ٢٢٨). ٢٩ - باب النهي عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن وأجر الحجام • عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن. متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٦٨) عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن

стр. 3564

الحارث بن هشام، عن أبي مسعود الأنصاري فذكره. ورواه البخاري في البيوع (٢٢٣٧)، ومسلم في المساقاة (١٥٦٧: ٣٩) كلاهما من طريق مالك به. وقوله: "حلوان الكاهن" هو ما يأخذه المتكهن على كهانته. وهو محرم، وفعله باطل. • عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٦٨) عن محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن يوسف قال: سمعت السائب بن يزيد يحدث عن رافع بن خديج فذكره. وفي رواية: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث". وأما ما روي عن رافع بن خديج قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو؟ " فهو ضعيف. رواه أبو داود (٣٤٢٧)، والحاكم (٢/ ٤٢)، والبيهقي (٦/ ١٢٧) كلهم من حديث ابن أبي فديك، عن عبيد اللَّه -يعني ابن هُرير-، عن أبيه، عن جده رافع بن خديج فذكر الحديث. وعبد اللَّه هو ابن هُرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج مستور، وأبو هرير "مجهول". ولم يحكم عليه الحاكم بالصحة، بل جعله شاهدا لحديث رافع بن رفاعة بن رافع، وجاء فيه: "نهانا رسول اللَّه ﷺ عن كسب الأمة إِلَّا ما عملت بيدها". وقال هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنفش. رواه أحمد (١٨٩٩٨)، والحاكم، والبيهقي (٦/ ١٢٦) كلهم من حديث هاشم بن القاسم، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا طارق بن عبد الرحمن القرشي قال: جاء رافع بن رفاعة إلى مجلس الأنصار، فقال، فذكر الحديث، وذكر فيه الأشياء الأخرى. ورافع بن رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان لم تثبت له الصحبة، كما قال ابن عبد البر. وطارق بن عبد الرحمن القرشي لم يرو عنه سوى عكرمة بن عمار، ولم يوثّقه أحد غير ابن حبان والعجلي، وكلاهما يوثقان المجاهيل، ولذا قال الذهبي في الميزان: "لا يكاد يعرف". وكذلك لا يصح ما روي عن أبي أمامة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام". في مثل هذا أنزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان: ٦]. رواه الترمذي (١٢٨٢)، وابن ماجه (٢١٦٨)، وأحمد (٢٢١٦٩)، وعنه البيهقي (٦/ ١٤ - ١٥)، والحميدي (٩١٠) كلهم من طريق عبيد اللَّه بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة فذكره. وعبيد اللَّه بن زحر وشيخه علي بن يزيد -وهو ابن أبي زياد الألهاني- ضعيفان.

стр. 3565

قال الترمذي: سألت محمدًا عن إسناد هذا الحديث، فقال: "عبيد اللَّه بن زحر ثقة، وعلي بن يزيد ذاهب الحديث، والقاسم أبو عبد الرحمن ثقة". كذا قال البخاري في عبيد اللَّه بن زحر، وجمهور أهل العلم على أنه ضعيف. تنبيه: وقع سقط في إسناد ابن ماجه بن علي بن يزيد وبين أبي أمامة، سقط فيه القاسم. • عن عبد اللَّه بن عباس قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا. صحيح: رواه أبو داود (٣٤٨٢) عن الربيع بن نافع أبي توبة، حدثنا عبيد اللَّه -يعني ابن عمرو-، عن عبد الكريم، عن قيس بن حَبْتَر، عن عبد اللَّه بن عباس فذكره. ورواه الإمام أحمد (٢٥١٢، ٢٦٢٦)، والبيهقي (٦/ ٦) كلاهما من حديث عبيد اللَّه بن عمرو بإسناده بلفظ: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الخمر، ومهر البغي، وثمن الكلب". وقال: "إذا جاء صاحبه يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابا". قال البيهقي: "رواه أبو داود في السنن عن أبي توبة، عن عبيد اللَّه بن عمرو مختصرًا". ومعنى التراب: الحرمان والخيبة كما قال الخطابي في "المعالم". • عن أبي هريرة قال: نهى النبي ﷺ عن كسب الإماء. صحيح: رواه البخاري في الإجارة (٢٢٨٣) عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن محمد بن جحادة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره. ورواه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٥١٥٩) من حديث شعبة بإسناده وزاد في آخره: "مخافة أن يبغين". فإن كانت هذه الزيادة محفوظة فالمراد بالكسب هنا الزنا، لا مطلق العمل. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي". صحيح: رواه أبو داود (٣٤٨٤)، والنسائي (٤٢٩٣)، والبيهقي (٦/ ٦) كلهم من حديث ابن وهب قال: أنبأنا معروف بن سويد الجذامي أن علي بن رباح اللخمي حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول فذكره. وصحّحه الحاكم (٢/ ٣٣) على شرط مسلم إِلَّا أنه رواه من وجه آخر عن أبي هريرة. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وعسب الفحل. صحيح: رواه أحمد (١٠٤٨٩، ١٠٤٩٠)، وابن حبان (٤٩٤١) كلاهما من طرق عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة فذكره. وفي رواية زيادة "ثمن السنور". وفي رواية أخرى زيادة "كسب الحجام".

стр. 3566

وإسناده صحيح، وبعض الرواة عن عطاء فيهم كلام إِلَّا أنه يجبره الآخرون. • وعن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب، وعسب الفحل. صحيح: رواه ابن ماجه (٢١٦٠)، والنسائي (٤٦٧٥) كلاهما من حديث محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره. وقد سقط ذكر أبي هريرة في نسخة النسائي، ونبه عليه المزي في التحفة. • عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب، وكسب الزمَّارة. صحيح: رواه البغوي في شرح السنة (٢٠٣٨)، والبيهقي (٦/ ١٢٦) كلاهما من حديث هشام ابن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة فذكره. وقوله: "نهى عن كسب الزمارة" هو مهر البغي، وهي المرأة الزانية، وقيل معناه المغنية بالمزمار. • عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن كسب الأمة إِلَّا أن يكون لها عمل حسن، أو كسب يعرف. حسن: رواه الطحاوي في شرحه (١/ ٢٥٦)، والبيهقي (٨/ ٨) كلاهما من حديث ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في مسلم بن خالد، وهو الزنجي، غير أنه حسن الحديث. وقد يشهد له الأحاديث التالية. ويفهم من هذا الحديث أن المراد بكسب الأمة المنهي عنه هو الاتجار بالفرج فقط، وأما إن كانت تشتغل بالعمل المباح مثل الغزل والخياطة وغيرها فلا حرج في كسبها. • عن عبد اللَّه بن عمرو قال: نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وأجر الكاهن، وكسب الحجام. صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٣٣)، وعنه البيهقي (٦/ ٦) من حديث هشيم، ثنا حصين، عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره. وقد تكلم في سماع مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو، فأثبته البخاري، ورواه في صحيحه، وكذلك قال علي بن المديني في العلل: إنه سمع عبد اللَّه بن عمرو وعددا من الصحابة الآخرين. وكسب الحجام ليس بحرام، وإنما يحمل على كراهة التنزيه، لما سيأتي. ٣٠ - باب الأمر بقتل الكلاب • عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحِدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".

стр. 3567

متفق عليه: رواه مالك في الحج (٨٨) عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ورواه البخاري في جزاء الصيد (١٨٢٦)، ومسلم في الحج (١١٩٩: ٧٦) كلاهما من طريق مالك، به مثله. • عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ أمر بقتل الكلاب. متفق عليه: رواه مالك في الاستئذان (١٤) عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ورواه البخاري في بدء الخلق (٣٣٢٣)، ومسلم في المساقاة (١٥٧٠: ٤٣) كلاهما من طريق مالك، به مثله. ورواه مسلم من وجه آخر عن نافع به قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يأمر بقتل الكلاب، فتنبعث في المدينة وأطرافها، فلا ندع كلبا إِلَّا قتلناه، حتى إنا لنقتل كلب المرية من أهل البادية يتبعها". والمرية: تصغير المرأة. • عن ابن عمر قال: مر رسول اللَّه ﷺ بقتل الكلاب، فأرسل في أقطار المدينة أن تُقتل. صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٧٠: ٤٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. • عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ أمر بقتل الكلاب إِلَّا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية. فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: "أو كلب زرع". فقال ابن عمر: "إن لأبي هريرة زرعا". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٧١) عن يحيى بن يحيى (هو النيسابوري)، أخبرنا حماد ابن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر فذكره. • عن جابر قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها، فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها، وقال: "عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنه شيطان". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٧٢) من طريق روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول فذكره. قوله: "ذي النقطتين" وفي نسخة الجمع بين الصحيحين (١٦٤٤) للحميدي بلفظ: "ذي الطفيتين". والطفيتان الخطان على ظهره. • عن ابن المغفل قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالهم،

стр. 3568

وبال الكلاب؟ ". ثم رخص في كلب الصيد والغنم. صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٧٣) عن عبيد اللَّه بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن أبي التياح، سمع مطرف بن عبد اللَّه، عن ابن المغفل فذكره. ٣١ - باب تحريم اقتناء الكلب إِلَّا كلب ماشية أو صيد أو زرع • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية، أو صيد، أو زرع، انتقص من أجره كل يوم قيراط". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٧٥: ٥٨) عن عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. قال الزهري: فذكر لابن عمر قول أبي هريرة، فقال: "يرحم اللَّه أبا هريرة، كان صاحب زرع". ومعناه أنه اعتنى بهذا الحديث، وحفظه، وإتقانه؛ لأنه صاحب الشأن. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أمسك كلبا فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط إِلَّا كلب حرث أو ماشية". قال ابن سيرين وأبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "إِلا كلب غنم، أو حرث، أو صيد". وقال أبو حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "كلب صيد أو ماشية". متفق عليه: رواه البخاري في الحرث والمزارعة (٢٣٢٢)، ومسلم في المساقاة (١٥٧٥: ٥٩) كلاهما من حديث هشام الدستوائي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ للبخاري. والمتابعات التي ذكرها البخاري لم يذكرها مسلم إلا أنه ذكر متابعات أخرى. منها ما رواه عن أبي الطاهر وحرملة قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد، ولا ماشية، ولا أرض، فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم". قال مسلم: وليس في حديث أبي الطاهر: "ولا أرض". • عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من اقتنى كلبا إلا كلبا ضاريا، أو كلب ماشية، نقص من عمله كل يوم قيراطان". متفق عليه: رواه مالك في الاستئذان (١٣) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. ورواه البخاري في الذبائح (٥٤٨٢)، ومسلم في المساقاة (١٥٧٤) كلاهما من طريق مالك به مثله.

стр. 3569

• عن ابن عمر، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من اقتنى كلبا إلا كلب ضار، أو ماشية، نقص من عمله كل يوم قيراطان". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٧٤: ٢٤) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا وكيع، حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن أبيه فذكره. ورواه أيضًا من وجه آخر عن ابن أبي حرملة، عن أبيه فذكر الحديث. وقال فيه: قال عبد اللَّه: وقال أبو هريرة: "أو كلب حرث". "والكلب الضاري" هو الكلب المعلم للصيد. • وعن ابن عمر يحدث عن النبي ﷺ قال: "من اتخذ كلبا إلا كلب زرع، أو غنم، أو صيد ينتقص من أجره كل يوم قيراط". صحيح: رواه مسلم في المستقاة (١٥٧٤: ٥٦) من طرق عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي الحكم قال: سمعت ابن عمر يحدث فذكره. وفيه أنه زاد بعد ذلك: "إلا كلب زرع" بعد ما سمع ذلك من أبي هريرة. ودليل على صحة حفظ أبي هريرة الأحاديث الآتية: • عن سفيان بن أبي زهير -وهو رجل من أزد شنوءة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وهو يحدث ناسا معه عند باب المسجد، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا، ولا ضرعا، نقص من عمله كل يوم قيراط". قال: أنت سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: إي ورب هذا المسجد. متفق عليه: رواه مالك في الاستئذان (١٢) عن يزيد بن خصيفة، أن السائب بن يزيد أخبره، أنه سمع سفيان بن أبي زهير فذكره. ورواه البخاري في المزارعة (٢٣٢٣)، ومسلم في المساقاة (١٥٧٦) كلاهما من حديث مالك به مثله. • عن عبد اللَّه بن مغفل قال: إني لممن يرفع أغصان الشجرة عن وجه رسول اللَّه ﷺ وهو يخطب، فقال: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم، وما من أهل بيت يرتبطون كلبا إلا نقص من عملهم كل يوم قيراط، إلا كلب صيد أو كلب حرث أو كلب غنم". صحيح: رواه أبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (٤٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٠٥)، وصححه ابن حبان (٥٦٥٧) كلهم من حديث يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عبد اللَّه

стр. 3570

ابن المغفل قال فذكر الحديث، إلا أن البعض اختصره. وإسناده صحيح، وقد صرح الحسن بأنه سمع هذا الحديث من عبد اللَّه بن المغفل، لما رواه الإمام أحمد (٢٠٥٤٨) عن وكيع، عن أبي سفيان بن العلاء قال: سمعت الحسن يحدث أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم". قال: فقال له رجل: يا أبا سعيد، ممن سمعت هذا؟ قال: فقال: حدثنيه -وحلف- عبد اللَّه بن مغفل عن النبي ﷺ منذ كذا وكذا، ولقد حدثنا في ذلك المجلس". انتهى. ونحوه ذكره أيضًا ابن حبان (٥٦٥٦)، وكذلك عند الإمام أحمد (٢٠٥٦٤) عن عبد الصمد: سألت الحسن عن الرجل يتخذ الكلب في داره قال: حدثني عبد اللَّه بن مغفل أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من اتخذ كلبا نقص من أجره كل يوم قيراط". وأما زعم ابن حبان: "ليس لأبي سفيان بن العلاء في الدنيا حديث مسند غير هذا" فليس كما قال: فإن له حديثًا آخر، وهو: "إذا حضرت الصلاة وأنتم في مرابض الغنم فصلوا، وإذا حضرت وأنتم في أعطان الأبل فلا تصلوا؛ فإنها خلقت من الشياطين". رواه الإمام أحمد (٢٠٥٤١) عن وكيع، عن أبي سفيان بن العلاء، عن الحسن، عن ابن المغفل فذكره. والحسن مدلس، ولم يصرح بالسماع، وإن كان صرح بالسماع عنه في حديث قتل الكلاب، ولكن لا يلزم من هذا سماع جميع ما روى عنه. فقه هذا الباب: يستفاد من أحاديث هذا الباب أن بيع الكلب وثمنه حرام، وبه قال جمهور أهل العلم، منهم الشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق، وغيرهم، سواء كان معلَّمًا أو غير معلَّم، ولا قيمة على متلفه. ورواية عن مالك: لا يجوز بيعه، وعلى متلفه القيمة، كأم الولد، لا يجوز بيعها، وتجب القيمة على متلفها. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ما أبيح اقتناؤه جاز بيعه، وما يحرم اقتناؤه يحرم بيعه. وهو مذهب وسط، ولا بأس بالعمل على هذا لشدة الحاجة إليه، ولا سيما في بعض القطاعات كالجمارك والمطارات والشرطة وغيرها. وقد ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى جواز بيع الكلاب التي فيها نفع، كما في العمدة (١١/ ٢٠٣) بلفظ: "وأما بيع ذي ناب من السباع سوى الخنزير كالكلب والفهد والأسد والنمر والذب والدب والهر ونحوها فجائز عند أصحابنا". وقد جعل الطحاوي أن الأمر بقتل الكلاب ثم نسخَه، هو العامل في اختلاف الحكم. فلما أمر بقتل الكلاب حرم ثمنها، ثم أبيح الانتفاع للاصطياد وغيره، ونهي عن قتله، فنسخ ما كان من النهي عن بيعها، وتناول ثمنها.

стр. 3571

انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٥/ ٢١٥ - ٢١٩)، فإني فصلت فيه قول أهل العلم، وذكرت أدلتهم. وباللَّه التوفيق. ٣٢ - باب النهي عن ثمن السنور والكلب • عن أبي الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور قال: زجر النبي ﷺ عن ذلك. صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٦٩) عن سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا معقل، عن أبي الزبير فذكره. وروي بمعناه أيضًا عن جابر، عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمن الكلب، وقال: "طعمة جاهلية". رواه أحمد (١٤٨٠٢) عن حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل، عن جابر، فذكره. وأبو أويس هو عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أوس الأصبحي المدني، قريب مالك وصهره، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت ما ينكر عليه. وكذلك فيه أيضًا شرحبيل وهو ابن سعد أبو سعيد المدني مولى الأنصار، وهو أيضًا مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف. وقد زادا في الحديث: "طعمة جاهلية". وهو شاذ، والمحفوظ هو النهي عن ثمن الكلب كما في رواية مسلم. وأما ما روي عنه "نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب والهر إلا الكلب المعلم أو كلب صيد" فهو ضعيف. رواه أحمد (١٤٤١١)، وأبو يعلى (١٩١٩)، والدارقطني (٣/ ٧٣) كلهم من حديث عباد بن العوام، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. قال الدارقطني: "الحسن بن أبي جعفر ضعيف". ورواه النسائي (٤١٦٩) من طريق حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. قال النسائي: "هذا منكر". وقال في موضع آخر (٤٢٩٥): "حديث حجاج، عن حماد بن سلمة ليس هو بصحيح". وقال البيهقي (٦/ ٧): "والأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي عن الاقتناء، ولعله شبه على من ذكر في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين". وقد كره من الصحابة جابر ومن التابعين طاوس ومجاهد بيع السنور، ولكن ذهب جمهور أهل

стр. 3572

العلم -منهم مالك والشافعي وأحمد وغيرهم- إلى جواز بيعها، وحملوا النهي على إن كانت وحشية يتعذر تسليمها، كما أن في بعض طرقها كلام من أهل العلم، كما قال الترمذي (١٢٧٩) بعد أن رواه من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر "نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب والسنور". وهو عند أبي داود (٣٤٧٩) من طريق إبراهيم، عن الأعمش. قال الترمذي: "هذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح في ثمن السنور. وقد روي هذا الحديث عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث". "وقد كره قوم من أهل العلم ثمن الهر، ورخص فيه بعضهم، وهو قول أحمد وإسحاق. وروى ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه". انتهى. قلت: أعل كثير من أهل العلم حديث جابر هذا الاختلاف الرواة على الأعمش، ولزيادة بعض الرواة في بعض طرقه: "إلا كلب صيد"، كما رواه النسائي (٤٢٩٥، ٤٦٦٨) من طريق حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. قال النسائي: "حديث حجاج عن حماد بن سلمة ليس هو بصحيح". وقال مرة: "منكر". إلا أن الطريق الذي ساقه مسلم طريق سليم لا مطعن فيه، أخرجه البيهقي (٦/ ١٠) من طريق سلمة بن شبيب، ولم يتكلم فيه بشيء، إنما تكلم على الطرق التي رويت عن الأعمش، وبعد أن نقل قول عطاء: "لا بأس بثمن الهرة" قال: "إذا ثبت الحديث، ولم يثبت نسخه لم يدخل عليه قول عطاء". وقال أيضًا: "وقد حمله بعض أهل العلم على الهر إذا توحش، فلم يقدر على تسليمه. ومنهم من زعم أن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين كان محكوما بنجاسته، ثم حين صار محكوما بطهارة سؤره حل ثمنه، وليس على واحد من هذين القولين دلالة بينة". انتهى. وقال في السنن الصغرى (٥/ ٢١٤) بتحقيقي باسم "المنة الكبرى": "ولو سمع الشافعي بالخبر الوارد فيه لقال به إن شاء اللَّه، وإنما لا يقول به من توقف في تثبيت روايات أبي الزبير، وقد تابعه أبو سفيان، عن جابر على هذه الرواية من جهة عيسى بن يونس وحفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان". انتهى. ٣٣ - باب ما جاء في قتل الخنزير • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٢٢٢)، ومسلم في الإيمان (١٥٥) كلاهما عن قتيبة بن

стр. 3573

سعيد، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أنه سمع أبا هريرة يقول فذكره. فائدة: الحديث ترجم له البخاري بقوله: "باب قتل الخنزير". قال الحافظ في الفتح (٤/ ٤١٤): "ووجه دخوله في أبواب البيع الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه". ٣٤ - باب النهي عن بيع الإنسان الحر • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال اللَّه: ثلاثة أنا خَصْمُهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يُعط أجره". صحيح: رواه البخاري في البيوع (٢٢٢٧) عن بشر بن مرحوم، حدثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة فذكره. وزاد البعض بعد قوله: "أنا خَصْمُهم يوم القيامة" "ومن كنت خصمه خصمته". ذكره البيهقي (٦/ ١٤)، وعزاه للبخاري، وهو ليس بجيد؛ فإنه لم يذكر هذه الزيادة، وإنما ذكره ابن الجارود في المنتقى (٥٧٩) بعد أن رواه عن محمود بن آدم قال: حدثنا يحيى بن سليم بإسناده. وقد تكلم بعض أهل العلم على هذا الحديث؛ لأن مداره على يحيى بن سليم، وهو القرشي الطائفي. وقد اختلف أهل العلم في توثيقه وتجريحه، فوثّقه ابن معين، وابن سعد، والعجلي. وقال النسائي: "ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد اللَّه بن عمر". وقال الساجي: "صدوق يهم في الحديث، وأخطأ في أحاديث رواها عن عبيد اللَّه بن عمر العمري". وفيه كلام غير هذا، وخلاصته أنه يخطئ في أحاديث يرويها عن عبيد اللَّه بن عمر العمري، والبخاري إنما تجنب من روايته عن عبيد اللَّه بن عمر، بل ليس في صحيحه غير هذا الحديث. ثم كان الرجل عنده كتاب. قال يعقوب بن سفيان: كان رجلًا صالحًا، وكتابه لا بأس به، فإذا حدَّث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدَّث حفظًا فتعرف وتنكر. فلا يبعد أن يكون حدَّث من هذا الكتاب، فسمع منه بشر بن مرحوم. فإن النفيلي روى عنه، وزاد في الإسناد بعد قوله "سعيد": "عن أبيه". ورواه الجماعة منهم بشر بن مرحوم، وابن الطباع، ونعيم، وإبراهيم بن حمزة، ومحمود بن إبراهيم، كلهم عن يحيى بن سليم، ولم يذكروا فيه: "عن أبيه". ذكره ابن الجارود. ورواية الجماعة أولى، وهو اعتماد البخاري، فلا ينبغي التجرؤ على فتح الباب في تضعيف أحاديث الصحيح لوجود اختلاف أهل العلم في راو من رواة الحديث، إن لم يكن متهما، وهيهات أن تأتي براو منهم في الصحيح. وأما اختلاف أهل العلم فلم يسلم منه إلا قليلًا.

стр. 3574

٣٥ - باب تحريم بيع الصور التي فيها روح • عن سعيد بن أبي الحسن قال: كنت عند ابن عباس ﵄ إذ أتاه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ يقول: "من صور صورة فإن اللَّه معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا". فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه، فقال: ويحك! إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح. متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٢٢٥)، ومسلم في اللباس والزينة (٢١١٠: ٩٩) من طريق سعيد بن أبي الحسن به. واللفظ للبخاري. ولفظ المرفوع عند مسلم: "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا، فتعذبه في جهنم". ورواه مسلم من طريق آخر عن سعيد بن أبي عروبة، عن النضر بن أنس بن مالك قال: كنت جالسا عند ابن عباس، فذكره بنحو لفظ البخاري. قوله: "فربا الرجل" أي انتفخ. وقيل: ذعر وامتلأ خوفا. ٣٦ - باب النهي عن فضل الماء • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ". متفق عليه: رواه مالك في الأقضية (٢٥) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في المساقاة (٢٣٥٣)، ومسلم في المساقاة (١٥٦٦: ٣٦) كلاهما من طريق مالك به مثله. ورواه مسلم (٣٨) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن (هو ابن عوف)، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ". "والكلأ" هو النبات سواء كان رطبا أو يابسا. وفي معناه ما روي عنه مرفوعًا: "لا تمنعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ فيهزل المال ويجوع العيال". رواه أحمد (٩٤٥٨) وابن حبان (٤٩٥٦) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: سمعت حيوة، يقول: حدثني حميد بن هانئ الخولاني، عن أبي سعيد مولى غفار، قال: سمعت أبا هريرة، قال: فذكره.

стр. 3575

وأبو سعيد مولى غفار لم يوثّقه غير ابن حبان (٥/ ٥٧٣) فهو يحتاج إلى متابعة، ولم أجدها. فقوله: "يهزل المال ويجوع العيال" فيه شذوذ. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع فضل الماء. صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٦٥) من طريق وكيع ويحيى بن سعيد، كلاهما عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. ورواه أيضًا من طريق روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع ضراب الجمل، فعن بيع الماء والأرض لتحرث. فعن ذلك نهى النبي ﷺ ". وقوله: "عن بيع الماء والأرض" أي نهي عن إجارتها للزرع. • عن إياس بن عبد المزني -وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع فضل الماء. صحيح: رواه أبو داود (٣٤٧٨)، والترمذي (١٢٧١)، والنسائي (٤٦٦٢)، وابن ماجه (٢٤٧١)، والدارمي (٢٦٥٧٤)، وصحّحه ابن حبان (٤٩٥٢)، والحاكم (٢/ ٦١)، وابن الجارود (٥٩٤) كلهم من حديث عمرو بن دينار، عن أبي المنهال قال: سمعت إياس بن عبدٍ المزني فذكره. وإسناده صحيح. وقال الترمذي: "حسن صحيح". وزاد البعض، فقال: وقال عمرو بن دينار: لا ندري أي ماء قال. يقول: لا أدري ماءً جاريا، أو الماء المستقى. قلت: ورود القيد بـ "فضل الماء" يزيل هذا الإشكال. وأبو المنهال: هو عبد الرحمن بن مطعم البناني. • عن عائشة قالت: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يمنع نقع البئر، يعني فضل الماء. حسن: رواه أحمد (٢٦٣١١)، وابن حبان (٤٩٥٥) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته. ومحمد بن إسحاق مدلس إلا أنه صرح بالتحديث في رواية أحمد، كما أنه لم ينفرد به، فقد تابعه كل من: - أبو أويس: وهو عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس الأصبحي، فرواه عن أبي الرجال بإسناده مثله، ومن طريقه رواه أحمد (٢٤٨١١).
следующие страницы →