Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٥/ ٢١٥ - ٢١٩)، فإني فصلت فيه قول أهل العلم، وذكرت أدلتهم. وباللَّه التوفيق.
٣٢ - باب النهي عن ثمن السنور والكلب
• عن أبي الزبير قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور قال: زجر النبي ﷺ عن ذلك.
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٦٩) عن سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا معقل، عن أبي الزبير فذكره.
وروي بمعناه أيضًا عن جابر، عن النبي ﷺ أنه نهى عن ثمن الكلب، وقال: "طعمة جاهلية".
رواه أحمد (١٤٨٠٢) عن حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل، عن جابر، فذكره.
وأبو أويس هو عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أوس الأصبحي المدني، قريب مالك وصهره، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت ما ينكر عليه.
وكذلك فيه أيضًا شرحبيل وهو ابن سعد أبو سعيد المدني مولى الأنصار، وهو أيضًا مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف.
وقد زادا في الحديث: "طعمة جاهلية". وهو شاذ، والمحفوظ هو النهي عن ثمن الكلب كما في رواية مسلم.
وأما ما روي عنه "نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب والهر إلا الكلب المعلم أو كلب صيد" فهو ضعيف.
رواه أحمد (١٤٤١١)، وأبو يعلى (١٩١٩)، والدارقطني (٣/ ٧٣) كلهم من حديث عباد بن العوام، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره.
قال الدارقطني: "الحسن بن أبي جعفر ضعيف".
ورواه النسائي (٤١٦٩) من طريق حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. قال النسائي: "هذا منكر".
وقال في موضع آخر (٤٢٩٥): "حديث حجاج، عن حماد بن سلمة ليس هو بصحيح".
وقال البيهقي (٦/ ٧): "والأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي عن الاقتناء، ولعله شبه على من ذكر في حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين".
وقد كره من الصحابة جابر ومن التابعين طاوس ومجاهد بيع السنور، ولكن ذهب جمهور أهل
стр. 3572
العلم -منهم مالك والشافعي وأحمد وغيرهم- إلى جواز بيعها، وحملوا النهي على إن كانت وحشية يتعذر تسليمها، كما أن في بعض طرقها كلام من أهل العلم، كما قال الترمذي (١٢٧٩) بعد أن رواه من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر "نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب والسنور". وهو عند أبي داود (٣٤٧٩) من طريق إبراهيم، عن الأعمش.
قال الترمذي: "هذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح في ثمن السنور. وقد روي هذا الحديث عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث".
"وقد كره قوم من أهل العلم ثمن الهر، ورخص فيه بعضهم، وهو قول أحمد وإسحاق. وروى ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه". انتهى.
قلت: أعل كثير من أهل العلم حديث جابر هذا الاختلاف الرواة على الأعمش، ولزيادة بعض الرواة في بعض طرقه: "إلا كلب صيد"، كما رواه النسائي (٤٢٩٥، ٤٦٦٨) من طريق حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
قال النسائي: "حديث حجاج عن حماد بن سلمة ليس هو بصحيح". وقال مرة: "منكر".
إلا أن الطريق الذي ساقه مسلم طريق سليم لا مطعن فيه، أخرجه البيهقي (٦/ ١٠) من طريق سلمة بن شبيب، ولم يتكلم فيه بشيء، إنما تكلم على الطرق التي رويت عن الأعمش، وبعد أن نقل قول عطاء: "لا بأس بثمن الهرة" قال: "إذا ثبت الحديث، ولم يثبت نسخه لم يدخل عليه قول عطاء".
وقال أيضًا: "وقد حمله بعض أهل العلم على الهر إذا توحش، فلم يقدر على تسليمه. ومنهم من زعم أن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين كان محكوما بنجاسته، ثم حين صار محكوما بطهارة سؤره حل ثمنه، وليس على واحد من هذين القولين دلالة بينة". انتهى.
وقال في السنن الصغرى (٥/ ٢١٤) بتحقيقي باسم "المنة الكبرى": "ولو سمع الشافعي بالخبر الوارد فيه لقال به إن شاء اللَّه، وإنما لا يقول به من توقف في تثبيت روايات أبي الزبير، وقد تابعه أبو سفيان، عن جابر على هذه الرواية من جهة عيسى بن يونس وحفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان". انتهى.
٣٣ - باب ما جاء في قتل الخنزير
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد".
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٢٢٢)، ومسلم في الإيمان (١٥٥) كلاهما عن قتيبة بن
стр. 3573
سعيد، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أنه سمع أبا هريرة يقول فذكره.
فائدة: الحديث ترجم له البخاري بقوله: "باب قتل الخنزير". قال الحافظ في الفتح (٤/ ٤١٤): "ووجه دخوله في أبواب البيع الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه".
٣٤ - باب النهي عن بيع الإنسان الحر
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال اللَّه: ثلاثة أنا خَصْمُهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يُعط أجره".
صحيح: رواه البخاري في البيوع (٢٢٢٧) عن بشر بن مرحوم، حدثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة فذكره.
وزاد البعض بعد قوله: "أنا خَصْمُهم يوم القيامة" "ومن كنت خصمه خصمته". ذكره البيهقي (٦/ ١٤)، وعزاه للبخاري، وهو ليس بجيد؛ فإنه لم يذكر هذه الزيادة، وإنما ذكره ابن الجارود في المنتقى (٥٧٩) بعد أن رواه عن محمود بن آدم قال: حدثنا يحيى بن سليم بإسناده.
وقد تكلم بعض أهل العلم على هذا الحديث؛ لأن مداره على يحيى بن سليم، وهو القرشي الطائفي. وقد اختلف أهل العلم في توثيقه وتجريحه، فوثّقه ابن معين، وابن سعد، والعجلي. وقال النسائي: "ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد اللَّه بن عمر". وقال الساجي: "صدوق يهم في الحديث، وأخطأ في أحاديث رواها عن عبيد اللَّه بن عمر العمري".
وفيه كلام غير هذا، وخلاصته أنه يخطئ في أحاديث يرويها عن عبيد اللَّه بن عمر العمري، والبخاري إنما تجنب من روايته عن عبيد اللَّه بن عمر، بل ليس في صحيحه غير هذا الحديث.
ثم كان الرجل عنده كتاب. قال يعقوب بن سفيان: كان رجلًا صالحًا، وكتابه لا بأس به، فإذا حدَّث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدَّث حفظًا فتعرف وتنكر.
فلا يبعد أن يكون حدَّث من هذا الكتاب، فسمع منه بشر بن مرحوم.
فإن النفيلي روى عنه، وزاد في الإسناد بعد قوله "سعيد": "عن أبيه".
ورواه الجماعة منهم بشر بن مرحوم، وابن الطباع، ونعيم، وإبراهيم بن حمزة، ومحمود بن إبراهيم، كلهم عن يحيى بن سليم، ولم يذكروا فيه: "عن أبيه". ذكره ابن الجارود.
ورواية الجماعة أولى، وهو اعتماد البخاري، فلا ينبغي التجرؤ على فتح الباب في تضعيف أحاديث الصحيح لوجود اختلاف أهل العلم في راو من رواة الحديث، إن لم يكن متهما، وهيهات أن تأتي براو منهم في الصحيح. وأما اختلاف أهل العلم فلم يسلم منه إلا قليلًا.
стр. 3574
٣٥ - باب تحريم بيع الصور التي فيها روح
• عن سعيد بن أبي الحسن قال: كنت عند ابن عباس ﵄ إذ أتاه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ يقول: "من صور صورة فإن اللَّه معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدًا". فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه، فقال: ويحك! إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٢٢٥)، ومسلم في اللباس والزينة (٢١١٠: ٩٩) من طريق سعيد بن أبي الحسن به. واللفظ للبخاري.
ولفظ المرفوع عند مسلم: "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا، فتعذبه في جهنم".
ورواه مسلم من طريق آخر عن سعيد بن أبي عروبة، عن النضر بن أنس بن مالك قال: كنت جالسا عند ابن عباس، فذكره بنحو لفظ البخاري.
قوله: "فربا الرجل" أي انتفخ. وقيل: ذعر وامتلأ خوفا.
٣٦ - باب النهي عن فضل الماء
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
متفق عليه: رواه مالك في الأقضية (٢٥) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في المساقاة (٢٣٥٣)، ومسلم في المساقاة (١٥٦٦: ٣٦) كلاهما من طريق مالك به مثله.
ورواه مسلم (٣٨) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن (هو ابن عوف)، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ".
"والكلأ" هو النبات سواء كان رطبا أو يابسا.
وفي معناه ما روي عنه مرفوعًا: "لا تمنعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ فيهزل المال ويجوع العيال".
رواه أحمد (٩٤٥٨) وابن حبان (٤٩٥٦) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: سمعت حيوة، يقول: حدثني حميد بن هانئ الخولاني، عن أبي سعيد مولى غفار، قال: سمعت أبا هريرة، قال: فذكره.
стр. 3575
وأبو سعيد مولى غفار لم يوثّقه غير ابن حبان (٥/ ٥٧٣) فهو يحتاج إلى متابعة، ولم أجدها.
فقوله: "يهزل المال ويجوع العيال" فيه شذوذ.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع فضل الماء.
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٦٥) من طريق وكيع ويحيى بن سعيد، كلاهما عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره.
ورواه أيضًا من طريق روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع ضراب الجمل، فعن بيع الماء والأرض لتحرث. فعن ذلك نهى النبي ﷺ ".
وقوله: "عن بيع الماء والأرض" أي نهي عن إجارتها للزرع.
• عن إياس بن عبد المزني -وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع فضل الماء.
صحيح: رواه أبو داود (٣٤٧٨)، والترمذي (١٢٧١)، والنسائي (٤٦٦٢)، وابن ماجه (٢٤٧١)، والدارمي (٢٦٥٧٤)، وصحّحه ابن حبان (٤٩٥٢)، والحاكم (٢/ ٦١)، وابن الجارود (٥٩٤) كلهم من حديث عمرو بن دينار، عن أبي المنهال قال: سمعت إياس بن عبدٍ المزني فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الترمذي: "حسن صحيح".
وزاد البعض، فقال: وقال عمرو بن دينار: لا ندري أي ماء قال. يقول: لا أدري ماءً جاريا، أو الماء المستقى.
قلت: ورود القيد بـ "فضل الماء" يزيل هذا الإشكال.
وأبو المنهال: هو عبد الرحمن بن مطعم البناني.
• عن عائشة قالت: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يمنع نقع البئر، يعني فضل الماء.
حسن: رواه أحمد (٢٦٣١١)، وابن حبان (٤٩٥٥) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته.
ومحمد بن إسحاق مدلس إلا أنه صرح بالتحديث في رواية أحمد، كما أنه لم ينفرد به، فقد تابعه كل من:
- أبو أويس: وهو عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أويس الأصبحي، فرواه عن أبي الرجال بإسناده مثله، ومن طريقه رواه أحمد (٢٤٨١١).
стр. 3576
- وعبد الرحمن بن أبي الرجال قال: سمعت أبي يحدث عن أمه عمرة، عن عائشة فذكرته. ومن طريقه رواه الحاكم (٢/ ٦١)، وقال: صحيح الإسناد.
- وعبدة بن سليمان، عن حارثة، عن عمرة بإسناده مثله. رواه ابن ماجه (٢٤٧٩). وحارثة هو ابن أبي الرجال، وهو ضعيف عند جمهور أهل العلم.
- وسفيان الثوري، عن أبي الرجال، عن عمرة بإسناده مثله. رواه البيهقي (٦/ ١٥٢)، وقال: "هكذا أتى به موصولًا، وإنما يعرف موصولًا من حديث عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن أبيه".
ثم رواه من طريق عبد الرحمن بن أبي الرجال، وقال: وكذلك رواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن أبي الرجال موصولًا.
ورواه أيضًا حارثة بن محمد عن عمرة موصولًا، إلا أن حارثة ضعيف.
والخلاصة أن الحديث صحيح أو حسن موصولًا، ولكن رواه مالك في الأقضية (٣٢) عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، أنها أخبرته أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ولا يمنع نقع بئر". هكذا رواه مرسلًا.
قال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٢٣): "ولا أعلم أحدًا من رواة الموطأ عن مالك أسند عنه هذا الحديث، وهو مرسل عند جميعهم فيما علمت هكذا".
وقال: "وذكره الدارقطني عن أبي صاعد، عن أبي علي الجرمي، عن أبي صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن مالك بن أنس، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يمنع نقع بئر. وهذا الإسناد -وإن كان غريبًا عن مالك- فقد رواه أبو قرة موسى بن طارق، عن مالك أيضًا". انتهى.
ثم ذهب يُسند الحديث من الطرق التي سبق ذكر بعضها.
وقوله: "لا يمنع نقع البئر" يعني فضل مائها، وهو تفسير لم يختلف في جملته، بل قد جاء هكذا في نسق الحديث مسندا، وتقع بئر هو ما بقي فيها من الماء بعد منفعة صاحبها.
وأما قوله: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" فمعناه أن يكون حول البئر كلأ ليس عنده ماء غيره، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا تمكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر؛ لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعيّ، فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي. هذا هو تفسير الجمهور، كما قال ابن حجر في "الفتح" (٥/ ٣٢).
٣٧ - باب إثم من منع ابن السبيل من الماء
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة،
стр. 3577
ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا بسلعة بعد العصر فحلف له باللَّه لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يفِ".
متفق عليه: رواه البخاري في المساقاة (٢٣٥٨)، ومسلم في الإيمان (١٠٨) كلاهما من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكر الحديث. واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري نحوه، وزاد فيه: ثم قرأ هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [سورة آل عمران: ٧٧].
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة، ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول اللَّه: اليوم أمنعك فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك".
صحيح: رواه البخاري في المساقاة (٢٣٦٩)، وفي التوحيد (٧٤٤٦) عن عبد اللَّه بن محمد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
وروي أيضًا عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "من منع فضل مائه، أو فضل كلأه، منعه اللَّه فضله يوم القيامة".
رواه أحمد (٦٦٧٣)، عن إسماعيل، عن ليث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وليث هو ابن سليم، وفيه كلام معروف.
ورواه أيضًا (٦٧٢٢) بإسناد آخر عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، أن عبد اللَّه بن عمرو كتب إلى عامل له على أرض له: أن لا تمنع فضل مائك؛ فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ، منعه اللَّه يوم القيامة فضله".
ومحمد بن راشد هو الخزاعي الدمشقي، نزيل البصرة، مختلف فيه، فوثّقه أحمد، وابن معين، والنسائي، وغيرهم. وتكلم فيه ابن حبان، فقال: "كان من أهل الورع والنسك، ولم يكن الحديث من صنعته، وكثر المناكير في روايته؛ فاستحق الترك". وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٢٤).
وسليمان بن موسى هو الأشدق، لم يدرك عبد اللَّه بن عمرو؛ فروايته عنه منقطعة.
وللحديث أسانيد أخرى، هذه أصلحها.
٣٨ - باب المسلمون شركاء في ثلاثة
• عن أبي خداش حبان بن زيد الشرعبي، عن رجل من قرن، -وفي رواية: عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ قال: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا
стр. 3578
أسمعه يقول: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ، والماء، والنار".
صحيح: رواه أبو داود (٣٤٧٧) من وجهين: عن علي بن الجعد اللؤلؤي، حدثنا حريز بن عثمان، عن حبان بن زيد الشُّرعبي، عن رجل من قرن.
ح وحدثنا مسدد، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا حريز بن عثمان، حدثنا أبو خداش، عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ قال فذكره.
وإسناده صحيح. وأبو خداش هو حبان بن زيد الشرعبي.
والحديث أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٢٣٠٨٢)، والبيهقي (٦/ ١٥٠) كلاهما من طريق ثور بن يزيد الشامي، عن حريز بإسناده مثله.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ثلاث لا يُمْنَعَنَّ: الماء، والكلأ، والنار".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٤٧٣) عن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده صحيح. وكذا صحّحه أيضًا البوصيري في زوائد ابن ماجه.
وأما ما روي عن ابن عباس مرفوعًا: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار. وثمنه حرام" فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (٢٤٧٢) عن عبد اللَّه بن سعيد قال: حدثنا عبد اللَّه بن خراش بن حوشب الشيباني، عن العوَّام بن حوشب، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل عبد اللَّه بن خراش، وهو الشيباني، أبو جعفر الكوفي، وهو مجمع على ضعفه، وقد أطلق عليه ابن عمار الكذاب. ومع ذلك ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٤٠)، وهو دليل على تساهله، وبه أعله البوصيري في زوائد ابن ماجه.
قلت: وفي قوله: "وثمنه حرام" نكارة.
وفي الباب ما روي عن بهيسة، عن أبيها قالت: استأذن أبي النبي ﷺ ، فدخل بينه وبين قميصه، فجعل يقبل ويلتزم، ثم قال: يا نبي اللَّه، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء". قال: يا نبي اللَّه، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح". قال: يا نبي اللَّه، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "أن تفعل الخير خير لك".
رواه أبو داود (٣٤٧٦)، والدارمي (٢٦٥٥)، وأحمد (١٥٩٤٥، ١٥٩٤٦، ١٥٩٤٧) كلهم من طريق كهمس بن الحسن، عن سيار بن منظور -رجل من بني فزارة-، عن أبيه، عن امرأة يقال لها بهيسة، عن أبيها فذكره. وإسناده ضعيف من أجل ثلاثة مجاهيل في الإسناد:
الأول: بهيسة، لم تعرف، ولم يرو عنها غير منظور.
стр. 3579
والثاني: منظور، لم يرو عنه غير ابنه سيار.
والثالث: سيار، لم يرو عنه غير كهمس بن الحسن.
فالإسناد مسلسل بالمجاهيل.
وفي التلخيص (٣/ ٦٥): "وأعله عبد الحق، وابن القطان بأن بهيسة لا تعرف، ولكن ذكرها ابن حبان وغيره في الصحابة".
ولكن الحافظ نفسه رد على قول ابن حبان في التهذيب بقول عبد الحق وابن القطان بأنها مجهولة، وقال: وهي كذلك. فتنبه.
وكذلك لا يصح ما روي عن عائشة قالت: يا رسول اللَّه، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء، والملح، والنار". قالت: قلت: يا رسول اللَّه، هذا الماء قد عرفناه، فما بال الملح والنار؟ قال: "يا حميراء، من أعطى نارًا فكأنما تصدق بجميع ما أنضجت تلك النّار، ومن أعطى ملحا فكأنما تصدق بجميع ما طيب ذلك الملح، ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة، ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها".
رواه ابن ماجه (٢٤٧٤) عن عمار بن خالد الواسطي قال: حدثنا علي بن غراب، عن زهير بن مرزوق، عن علي بن زيد بن جُدعان، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة فذكرته.
وفيه سلسلة من الضعفاء:
علي بن غراب -وهو الفزاري مولاهم الكوفي- مختلف فيه، فضعفه أبو داود، والجوزجاني، وبالغ في تضعيفه ابن حبان، فقال: "حدث بالأشياء الموضوعة؛ فبطل الاحتجاج به". ومشَّاه الإمام أحمد، وأبو حاتم، والنسائي، وغيرهم إلا أنه مدلس، وقد عنعن. وشيخه زهير بن مرزوق مجهول.
وشيخه علي بن زيد بن جدعان التيمي البصري مجمع على ضعفه.
٣٩ - باب ما جاء في النهي عن كسب الحجام
• عن رافع بن خديج قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام".
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٦٨: ٤٠) عن محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن يوسف قال: سمعت السائب بن يزيد يحدث عن رافع بن خديج فذكره.
ورواه (٤١) من وجه آخر عن السائب بن يزيد به بلفظ: "ثمن الكلب خيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث".
• عن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن كسب الحجام.
حسن: رواه ابن ماجه (٢١٦٥) عن هشام بن عمار قال: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثني
стр. 3580
الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي مسعود عقبة ابن عمرو فذكره.
وإسناده حسن من أجل هشام بن عمار؛ فإنه حين الحديث، وقد صحّحه البوصيري في زوائده.
• عن جابر أن النبي ﷺ سئل عن كسب الحجام، فقال: "اعلفه ناضحك".
صحيح: رواه أحمد (١٤٢٩٠، ١٥٠٧٩)، وأبو يعلى (٢١١٤) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، سمع جابرا يقول: فذكره. والناضح هو البعير.
٤٠ - باب ما جاء في جواز إعطاء الأجرة للحجّام
• عن أنس بن مالك أنه قال: احتجم رسول اللَّه ﷺ ، حجمه أبو طيبة، فأمر له رسول اللَّه ﷺ بصاع من تمر، وأمر أهله أن يُخَفِّفُوا عنه من خراجه.
متفق عليه: رواه مالك في الاستئذان (٢٦) عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك فذكره. ورواه البخاري في الطب (٥٦٩٦)، ومسلم في المساقاة (١٥٧٧: ٦٢) من وجه آخر عن حميد الطويل، عن أنس ﵁ أنه سئل عن أجر الحجام؟ فقال: احتجم رسول اللَّه ﷺ ، حجمه أبو طيبة، وأعطاه صاعين من طعام، وكلم مواليه، فخَفَّفُوا عنه، وقال: "إنّ أمثل ما تداويتم به الحجامة، والقُسْط البحري". واللفظ البخاري.
ورواه البخاري في الإجارة (٢٢٨٠) من طريق عمرو بن عامر (هو الأنصاري) قال: سمعت أنسًا يقول: كان النبي ﷺ يحتجم، ولم يكن يظلم أحدًا أجره.
• عن ابن عباس قال: حجم النبي ﷺ عبدٌ لبني بياضة، فأعطاه النبي ﷺ أجره، وكلم سيده، فخَفَّف عنه من ضريبته، ولو كان سحتا لم يُعطه النبي ﷺ .
متفق عليه: رواه مسلم في المساقاة (١٢٠٢: ٦٦) من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس فذكره.
ورواه البخاري في البيوع (٢١٠٣) من طريق عكرمة، عن ابن عباس مختصرًا بلفظ: احتجم النبي ﷺ ، وأعطى الذي حجمه، ولو كان حراما لم يعطه.
• عن محيصة أنه سأل النبي ﷺ عن كسب حجام له، فنهاه عنه. فلم يزل به يكلمه حتى قال: "اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك".
صحيح: رواه أحمد (٢٣٦٩٣)، والشافعي في المسند (٢/ ١٦٦)، والحميدي (٨٧٨)، والبيهقي (٩/ ٣٣٧)، كلهم من حديث سفيان، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة، عن أبيه، عن محيصة فذكره.
وإسناده صحيح. وقد تابعه محمد بن إسحاق، عن الزهري، إلا أنه قال فيه: عن حرام بن
стр. 3581
ساعدة بن محصة بن مسعود، عن أبيه (أي ساعدة) عن جده محيصة بن مسعود قال فذكر الحديث.
وهذا الإسناد يؤكد أن قول حرام بن سعد بن محيصة: "عن أبيه" يقصد به جده "محيصة" لأن الصحبة لجده محيصة لا لساعدة.
وهذان الإسنادان متصلان صحيحان وابن إسحاق وإن كان عنعن، فإنه توبع.
ورواه مالك في الاستئذان (٢٨) عن ابن شهاب، عن ابن محيصة الأنصاري، أحد بني حارثة أنه استأذن رسول اللَّه ﷺ في إجارة الحجام، فنهاه عنها. فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: "اعلفه نُضَّاحك". يعني رفيقك.
هذه رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهو غلط لا إشكال فيه؛ فإنه ليس لسعد بن محيصة صحبة، فكيف لابنه حرام، كما قال ابن عبد البر.
وقد رواه أبو داود (٣٤٢٢) عن عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، والترمذي (١٢٧٧) عن قتيبة، كلاهما عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن محيصة، عن أبيه أنه استأذن رسول اللَّه ﷺ فذكره.
وقال الترمذي: عن ابن شهاب، عن ابن محيصة أخي بني حارثة، عن أبيه أنه استأذن رسول اللَّه ﷺ فذكره.
ورواه ابن ماجه (٢١٦٦) من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن أبيه أنه سأل رسول اللَّه ﷺ فذكره. وقوله: عن أبيه أي محيصة.
وهذه روايات تقوي ما رواه ابن إسحاق بأن القصة وقعت لمحيصة -بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية- ابن مسعود الخزرجي أبو سعيد المدني، وقيل أوسي، وأنه كان أصغر من أخيه حويصة، وأسلم قبله. ومن قال غير ذلك فقد أخطأ.
ومحيصة ليس هو الحجام، وإنما الحجام هو غلامه، كما في الحديث الثاني.
• عن محيصة بن مسعود الأنصاري أنه كان له غلام حجام يقال له: نافع أبو طيبة، فانطلق إلى رسول اللَّه ﷺ يسأله عن خراجه، فقال: "لا تقربه". فردد على رسول اللَّه ﷺ فقال: "اعلف به الناضح، واجعله في كِرَشه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٦٨٩) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣١٢) والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٥٣ - ٥٤) والبيهقي (٩/ ٣٣٧) كلهم من طريق الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عفير الأنصاري، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن محيصة بن مسعود فذكره. واللفظ لأحمد.
وإسناده حسن من أجل أبي عفير الأنصاري، وثّقه العجلي فقال: من بني حارثة، تابعي ثقة (٢٠٠٢). وهو من رجال "التعجيل" فراجعه، ففيه تفاصيل أخرى.
وأما أبو طيبة فقيل اسمه نافع كما مضى، وقيل: اسمه دينار، وقيل: اسمه ميسرة. وكل هذا لا يصح، وقد اشتهر بكنه، ولذا اكتفى الشيخان بذكر كنيته، ولم يذكرا اسمه، وأي كان اسمه فهو
стр. 3582
أبو طيبة حجم النبي ﷺ .
• عن علي قال: احتجم رسول اللَّه ﷺ ، وأمرني أن أعطي الحجام أجره.
حسن: رواه أبو داود الطيالسي (١٤٨) عن ورقاء، عن عبد الأعلى، عن أبي جميلة، عن علي فذكره.
ورواه ابن ماجه (٢١٦٣)، وأحمد (٦٩٢)، والبيهقي (٩/ ٣٣٨)، والترمذي في الشمائل (٣٥٥)، كلهم من طريق أبي داود الطيالسي.
ورواه أيضًا ابن ماجه من طريق يزيد بن هارون، عن ورقاء به مثله.
وعبد الأعلى هو ابن عامر الثعلبي الكوفي ضُعف من قبل حفظه، ولذا قال الحافظ في التقريب: "صدوق يهم".
وقد تابعه أبو جناب، عن أبي جميلة فقال: سمعت عليا يقول: "احتجم رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال للحجام حين فرغ: "كم خراجك؟ ". قال: صاعان. فوضع عنه صاعا، وأمرني، فأعطيته صاعا.
رواه ابن أبي شيبة (٦/ ٢٦٧)، وعنه أحمد (١١٣٦) عن وكيع، عن أبي جناب فذكره.
وأبو جناب هو يحيى بن أبي حية الكلبي ضعيف، وبمجموع طريقين يكون الحديث حسنًا.
وأبو جميلة هو ميسرة بن يعقوب الطهوي الكوفي صاحب راية علي. وقد صرح بالسماع عن علي، وهو ممكن لقربه من حمل الراية له.
ولكن سأل عبد الرحمن بن أبي حاتم أباه عن حديث رواه حكيم بن زيد، عن عبد الأعلى الثعلبي. . . فقال: هذا خطأ، والصحيح هو أبو جميلة، عن النبي ﷺ مرسل. (العلل ٢/ ٣٢١ - ٣٢٢). فلعله يقصد هذا الإسناد الذي ليس فيه التصريح بالسماع، وإلا فقد روي ورقاء عن عبد الأعلى، وفي بعض طرقه التصريح بالسماع من علي.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: دعا النبي ﷺ أبا طيبة فحجمه قال: فسأله "كم ضريبتك؟ ". قال: ثلاثة آصع. قال: فوضع عنه صاعا.
صحيح: رواه أحمد (١٤٨٠٩)، وأبو يعلى (١٧٧٧)، كلاهما من طريق أبي عوانة، حدثنا أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، عن سليمان بن قيس، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره.
ورواه ابن حبان في صحيحه (٣٥٣٦) من وجه آخر عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه أن النبي ﷺ أمر أبا طيبة أن يأتيه مع غيبوبة الشمس، فأمره أن يضع المحاجم مع إفطار الصائم، فحجمه، ثم سأله: "كم خراجك؟ " قال: صاعين فوضع النبي ﷺ عنه صاعا.
وفي الباب ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ دعا حجاما، فحجمه، وسأله "كم خراجك؟ ". فقال: ثلاثة آصع. قال: فوضع عنه صاعا وأعطاه أجره.
رواه الترمذي في الشمائل (٣٥٧) عن هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة، عن ابن أبي ليلى، عن
стр. 3583
نافع، عن ابن عمر فذكره.
وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي ضعيف عند جمهور أهل العلم.
فقه هذا الباب:
تدل أحاديث هذا الباب على أن أجرة الحجام ليست بحرام، وإن خبثها من قبل دناءة مخرجها، ولذا يحمل النهي عنه على التنزيه لدناءته، وفيه ترغيب في تطهير الطعام إلى ما هو أطيب وأحسن؛ لأن بعض الكسب يكون أعلى وأفضل، وبعضه يكون أدنى وأوكح.
أفاده الخطابي في "المعالم" ولكن ذكرته ملخصًا؛ لأن في بعض كلامه نظر.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن النهي عن كسب الحجام منسوخ بأحاديث الباب، سواء شرط ذلك أو لم يشترط؛ فإنه يجوز للحجام أخذ الأجرة على عمله، إن كانت هذه مهنته، بخلاف من لم تكن هذه مهنته فالتنزه منه أفضل.
٤١ - باب النهي عن بيع عَسْب الفحل وضرابه
• عن ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن عسب الفحل.
صحيح: رواه البخاري في الإجارة (٢٢٨٤) عن مسدد، حدثنا عبد الوارث وإسماعيل بن إبراهيم، عن علي بن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ورواه أحمد (٤٦٣٠) عن إسماعيل، عن علي بن الحكم. وفيه: "نهى عن ثمن عسب الفحل".
قوله: "عسب الفحل" الفحل الذكر من كل حيوان، فرسا كان، أو جملا، أو تيسا، أو غير ذلك. وعسبه ماؤه. وعسبه أيضًا ضرابه.
• عن جابر قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء والأرض لتُحرث. فعن ذلك نهى النبي ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٦٥: ٣٥) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول فذكره.
• عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن كسب الحجام، وكسب البغي، وثمن الكلب، وعسب الفحل.
حسن: رواه النسائي (٤٦٧٣)، وأحمد (٧٩٧٦) كلاهما من حديث محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن المغيرة (وهو ابن مقسم الضبي)، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي نُعم قال: سمعت أبا هريرة يقول فذكره. واللفظ لأحمد. والنسائي لم يذكر "كسب البغي".
стр. 3584
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي نُعم -بضم النون، وسكون المهملة-، ضعفه ابن معين، ووثّقه النسائي، وابن حبان، وابن سعد، وهو حسن الحديث. قال ابن حبان: كان من عباد أهل الكوفة ممن يصبر على الجوع الدائم.
وذكر أحمد في آخر الحديث قون أبي هريرة قال: "وعسب الفحل". قال: قال أبو هريرة: "هذه من كيسي". وقد استشكل قوله هذا كثير من أهل العلم مع أنه ثبت عنه مرفوعًا في رواية أخرى، فلعله كان يزيد أولا في الحديث عنده قياسا على كسب البغي، ثم وقف على روايات بعض الصحابة، فتراجع عن قوله، ورواه مرفوعًا.
• عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن ثمن الكلب، وعسب الفحل.
صحيح: رواه ابن ماجه (٢١٦٠)، والنسائي (٤٦٧٥)، والدارمي (٢٦٦٥) كلهم من طريق ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره، إلا أنه سقط "أبو هريرة" في سنن النسائي المطبوعة، وثبت ذلك في الكبرى (٦٢٢٦)، وكذا ذكره أيضًا المزي في التحفة (١٠/ ٨٤ ح ١٣٤٠٧)، وهو كذلك في المصادر الأخرى. ولفظ النسائي: "عسب التيس".
وإسناده صحيح. وأبو حازم هو سلمان الأشجعي.
ولحديث أبي هريرة أسانيد أخرى، وزاد في بعضها: "وكسب المومسة". رواه أحمد (٨٣٨٩)، والدارمي (٢٦٢٤) كلاهما من حديث القاسم بن الفضل، عن أبيه، عن معاوية المهري قال: قال لي أبو هريرة فذكر الحديث.
وأبو القاسم هو الفضل بن معدان الحدانيّ، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣١٧)، وله ترجمة في التاريخ الكبير، والجرح والتعديل بدون توثيق أو تجريح، فهو في عداد المجهولين.
وكذلك شيخه معاوية المهري لم يرو عنه إلا الفضل بن معدان، وله ترجمة في التاريخ الكبير، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤١٤)، ولم يوثّقه غيره، فهو أيضًا في عداد المجهولين.
عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن عسب الفحل.
حسن: رواه النسائي (٤٦٧٤)، والدارقطني (٤٧١٣)، والبيهقي (٥/ ٣٣٩)، كلهم من طريق سفيان، عن هشام، عن ابن أبي نُعم، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
وإسناده حسن من أجل هشام، وهو ابن عائذ الأسدي، أبو كليب الكوفي، وثّقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والعجلي، ولكن قال أبو حاتم: شيخ. ولذا جعله الحافظ في مرتبة "صدوق".
وظن الذهبي أنه هشام أبو كليب غير ابن عائذ، فأدخله في الميزان، وقال: "حديثه منكر، وراويه لا يعرف". مع أنه ذكر من شيوخه ابن أبي نعم، ومن الرواة عنه سفيان الثوري، وقال في الكاشف: "ثقة". وتبعه الحافظ ابن حجر، فأدخله في لسان الميزان، ولم يعقب على الذهبي، مع أنه من رجال التهذيب، وقال في التقريب: "صدوق".
стр. 3585
وفي الباب ما روي عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ أنه نهى عن عسب الفحل في حديث طويل.
رواه أحمد (١٢٥٤)، وأبو يعلى (٣٥٧) كلاهما من حديث حسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي فذكره.
وحسن بن ذكوان أبو سلمة البصري ضعيف، ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وغيرهم.
ثم إن حسن بن ذكوان لم يسمع هذا الحديث من حبيب بن أبي ثابت، بينهما عمرو بن خالد، وهو متروك الحديث، كما قال ابن عدي في الكامل (٥/ ١٧٧٦)، إلا أن الحسن بن ذكوان أسقطه من شدة ضعفه.
قوله: "عسب الفحل" هو ماؤه فرسا كان، أو بعيرا، أو تيسا. فأخذ الأجرة عليه حرام لدناءته، وبه قال جماعة من الصحابة، وأكثر الفقهاء.
وقيل: إن سبب النهي عن ثمن ماء الفحل -وهو أجرة على الجماع- فيه جهالة وغرر؛ لأن الفحل قد يضرب، وقد لا يضرب، وقد تلقح الأنثى، وقد لا تلقح.
وأما إعارة الفحل فهي مندوبة، وقد ثبت في الصحيح: "من حق الإبل إعارة فحلها". وفي لفظ: "إطراق فحلها". رواه مسلم (٩٨٨).
٤٢ - باب ما جاء من الرخصة في ذلك
• عن أنس بن مالك أن رجلًا من كلاب سأل النبي ﷺ عن عسب الفحل، فنهاه، فقال: يا رسول اللَّه، إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة.
صحيح: رواه الترمذي (١٢٧٤)، والنسائي (٤٦٧٢)، والبيهقي (٥/ ٣٣٩) كلهم من حديث إبراهيم بن حميد الرؤاسي، حدثنا هشام بن عروة، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أنس بن مالك فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن حميد، عن هشام ابن عروة".
قلت: بل روى من أوجه أخرى أيضًا غير إبراهيم بن حميد إلا أن هذا الإسناد أصح ما روي به هذا الحديث. وإسناده صحيح.
٤٣ - باب النهي عن بيع ما لم يقبض
• عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه".
متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٤٠) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. ورواه البخاري في البيوع (٢١٢٦)، ومسلم في البيوع (١٥٢٦) كلاهما من طريق مالك، به مثله.
стр. 3586
• عن عبد اللَّه بن عمر أنه قال: كنا في زمان رسول اللَّه ﷺ نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواء قبل أن نبيعه.
متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٤٢) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. ورواه مسلم في البيوع (١٥٢٧: ٣٣) من طريق مالك، به مثله.
ورواه البخاري في البيوع (٢١٢٣) من وجه آخر عن نافع به نحوه.
• عن عبد اللَّه بن عمر قال: كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانهم فنهاهم رسول اللَّه ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٦٧) عن مسدد، حدثنا يحيى (بن سعيد القطان) عن عبيد اللَّه قال: حدثني نافع، عن عبد اللَّه فذكره.
ورواه مسلم في البيوع (١٥٢٦) من وجه آخر عن عبيد اللَّه به نحوه.
• عن ابن عمر أنهم كانوا يُضْربون على عهد رسول اللَّه ﷺ إذا اشتروا طعاما جزافا، أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم.
متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٥٢) ومسلم في البيوع (١٥٢٧: ٣٧) كلاهما من حديث عبد الأعلى، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
حسن: رواه أبو داود (٣٤٩٩)، وأحمد (٢١٦٦٨)، والدارقطني (٢٨٣١)، والبيهقي (٥/ ٣١٤) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني أبو الزناد، عن عبيد بن حنين، عن عبد اللَّه بن عمر قال: قدم رجل من أهل الشام بزيت، فساومته فيمن ساومه من التجار، حتى ابتعته منه، فقام إليَّ رجل، فربَّحني فيه حتى أرضاني، قال: فأخذت بيده لأضرب عليها، فأخذ رجل بذراعي من خلفي، فالتفت إليه فإذا هو زيد بن ثابت فقال فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه مدلس إلا أنه صرح بالتحديث، ومن طريقه رواه ابن حبان (٤٩٨٤)، والحاكم (٢/ ٤٠). وتابعه إسحاق بن حازم وجرير بن حازم كلاهما عن أبي الزناد عند الدارقطني.
وقوله: "لأضرب عليها" أي أُنهي صفقة البيع، ولعل ابن عمر نسي هذا الحكم حتى ذكَّره زيد ابن ثابت، فتذكر، وبدأ يحدث بما كان يعرفه من عهد النبي ﷺ .
• عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه".
стр. 3587
قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٣٥)، ومسلم في البيوع (١٥٢٥: ٢٩)، كلاهما من طريق عمرو بن دينار، سمع طاوسا يقول: سمعت ابن عباس يقول فذكره. واللفظ لمسلم.
وفي رواية "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله".
فقلت لابن عباس: لم؟ فقال: "ألا تراهم يتابعون بالذهب والطعامُ مرجأ". أي مؤخر.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه".
صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٢٩) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح، حدثنا ابن جريج، حدثني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول فذكره.
• عن أبي هريرة أنه قال لمروان: أحللتَ بيع الربا فقال مروان: ما فعلت. فقال أبو هريرة: أحللتَ بيع الصكاك، وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى. قال: فخطب مروان الناس، فنهى عن بيعها. قال سليمان: فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس.
صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٢٨) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد اللَّه بن الحارث المخزومي، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد اللَّه الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة فذكره.
وفي لفظ له: "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله".
• عن أبي هريرة قال: نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، فيكون للبائع الزيادة، وعليه النقصان.
حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١٢٦٥) -، والبيهقي (٥/ ٣١٦) كلاهما من حديث مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن حسين، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكره.
قال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، تفرد به مخلد، عن هشام".
قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٩٨): "فيه مسلم بن أبي مسلم الجرمي لم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
كذا قال: مع أن ابن حبان ذكره في "الثقات" (٩/ ١٥٨) وقال: "ربما أخطأ". وترجمه الخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٠٠) ووثّقه. وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٤/ ٣٥١).
وأما ما روي عن جابر قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري. ففيه ضعف.
стр. 3588
رواه ابن ماجه (٢٢٢٨)، والدارقطني (٢٨١٩)، وعنه البيهقي (٥/ ٣١٦)، وعبد بن حميد (١٠٥٩) كلهم من حديث ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضُعِّف من قبل حفظه، وبه أعله البوصيري.
وعزاه الحافظ في الفتح (٤/ ٣٥١) إلى الدارقطني، وسكت عليه، ولعله لوجود شاهد له، وهو حديث أبي هريرة.
• عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول اللَّه، إني رجل أشتري بيوعا، فما يحل منها وما يحرم؟ قال: "يا ابن أخي، إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه".
حسن: رواه ابن الجارود في المنتقى (٦٠٢)، وابن حبان (٤٩٨٣)، والدارقطني (٢٨٢٢)، كلهم من طرق عن همام بن يحيى قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا يعلى بن حكيم قال: ثنا يوسف بن ماهك، عن عبد اللَّه بن عصمة، عن حكيم بن حزام فذكره. واللفظ لابن الجارود، ولفظهما نحوه. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن عصمة، وهو حسن الحديث.
وتابع هشام الدستوائي همامَ بن يحيى فرواه عن يحيى بن أبي كثير بإسناده. ومن طريقه رواه ابن الجارود، والبيهقي (٥/ ٣١٣) إلا أن الأخير لم يذكر بين يحيى بن أبي كثير وبين يوسف بن ماهك (يعلى بن حكيم)، ولذا تعقبه بقوله: لم يسمعه يحيى بن أبي كثير من يوسف، إنما سمعه من يعلى ابن حكيم عن يوسف.
وكذلك تابعه شيبان، فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عن يعلى بن حكيم بإسناده. ومن طريقه رواه ابن الجارود، والبيهقي.
قال البيهقي: "هذا إسناد حسن متصل". وقال: "وكذلك رواه همام بن يحيى وأبان بن عطار، عن يحيى بن أبي كثير".
قلت: حديث أبان العطار رواه الدارقطني (٢٨٢٠).
إذا عرفت هذا فاعلم أنه جاء في السنن والمسانيد: أبي داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٢)، والنسائي (٤٦١٣)، وابن ماجه (٢١٨٧)، وأحمد (١٥٣١٢) وغيرهم عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام فذكره.
وهذا إسناد منقطع فان يوسف بن ماهك لم يسمع من حكيم بن حزام، وما جاء في بعض الرواية التصريح بالسماع منه فإنه لا شيء، وقد جزم البخاري وغيره أن يوسف بن ماهك لم يسمع من حكيم بن حزام. فقول الترمذي: "هذا حديث حسن" ليس بحسن؛ فإن الإسناد المقطع لا يكون حسنا، إلا أن يحمل قوله على أنه حسن من طرق أخرى؛ لأنه حكم على الحديث، لا الإسناد.
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك".
стр. 3589
حسن: رواه أبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٤٦١١)، وابن ماجه (٢١٨٨)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٧) كلهم من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. ومنهم من اختصره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذي: "حسن صحيح".
وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط جملة من أئمة المسلمين".
ورُوي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، ويعلى بن أمية، وابن عباس وغيرهم "أن النبي ﷺ استعمل عتاب بن أَسِيد على مكة، وقال له: "انههم عن بيع ما لم يقبضوا، أو ربح ما لم يضمنوا، وعن قرض وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف".
وفي كله مقال. أخرج حديثهم ابن أبي شيبة، وابن ماجه، والبيهقي، وابن عدي، والطبراني، وغيرهم.
وأما ما روي عنه أن النبي ﷺ "نهى عن بيع وشرط". فليس بصحيح.
رواه الطبراني في معجمه الأوسط (٤٣٦١ بتحقيق: طارق بن عوض اللَّه) عن عبد اللَّه بن أيوب القربي، ثنا محمد بن سليمان الذهلي، ثنا عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة، فوجدت بها أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة، قلت: ما تقول في رجل باع بيعا، وشرط شرطا، فقال: البيع باطل، والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فسألته، فقال: البيع جائز، والشرط جائز. فقلت: يا سبحان اللَّه! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا. حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ "أنه نهى عن بيع وشرط". البيع باطل، والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "أمرني النبي ﷺ أن أشتري بريرة فأعتقها". البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة، فأخبرته، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: "بعتُ النبي ﷺ ناقةً وشرط لي حملانها إلى المدينة". البيع جائز، والشرط جائز". انتهى.
ورواه الحاكم أبو عبد اللَّه في كتاب علوم الحديث في باب الأحاديث المتعارضة، عن أبي بكر ابن إسحاق، ثنا عبد اللَّه بن أيوب بن زاذان الضرير، ثنا محمد بن سليمان الذهلي بإسناده.
وفي الإسناد عبد اللَّه بن أيوب بن زاذان الضرير يعرف بالقربي أو بالقرني الخراز، سئل عنه الدارقطني فقال: "متروك". سؤالات الحاكم للدارقطني (١٢٥).
وقوله: "نهى عن بيع وشرط" لم يرد من وجه صحيح عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
стр. 3590
والصحيح عنه "نهى عن شرطين في بيع". كما مضى، ففي متنه نكارة؛ لأنه صح عن جابر وغيره جواز بيع وشرط، كما في الباب الآتي.
أحاديث هذا الباب ذات دلالات كثيرة في مسائل البيوع:
منها: أن الربح بمقابل الضمان، فأمر الشارع أن يقبض السلعة أولا؛ لتكون في ضمانه، ثم يبيعها.
ومنها: أنه يشمل بيع ما لا يملك على تسليمه مثل العبد الآبق، أو الجمل الشارد.
ومنها: أن البيع قبل القبض يؤدي إلى الخصام والتنازع؛ لأن القبض قد يتأخر، ويهلك المبيع.
ومنها: أنه يؤدي إلى القمر والميسر؛ لأن البائع قد يستفيد من رأس المال، والمشتري لم يستلم السلعة بعد، لأن البائع لم يقبضها حتى يسلمها إلى المشتري.
ويستثنى من هذا البيع، السلمُ الموصوف في الذمة، سواء كان مؤجلا أو حالا، وذلك لحاجة الناس إلى رأس المال لإنتاج السلعة الموصوفة، فأجاز الشارع بيع السلم؛ لئلا تعطل مصالح البائع والمشتري. وغالب التجارات اليوم قائمة على هذا الأساس وهو السلم.
وقد أشار الخطابي إلى هذا بقوله: "وقوله: "لا نبع ما ليس عندك" يريد بيع العين دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال، وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر. وذلك مثل أن يبيع عبده الآبق أو جمله الشارد، ويدخل في ذلك كل شيء ليس بمضمون عليه، مثل أن يشتري سلعة، فيبيعها قبل أن يقبضها، ويدخل في ذلك بيع الرجل مال غيره موقوفًا على إجازة المالك، لأنه يبيع ما ليس عنده. ولا في ملكه، وهو غرر، لأنه لا يدري هل يجيز صاحبه أم لا؟ . انتهى.
٤٤ - باب جواز بعض الشروط في البيع إذا لم تكن منافية للبيع
• عن جابر بن عبد اللَّه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يسيبه. قال: فلحقني النبي ﷺ ، فدعا لي، وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله. قال: "بعنيه بِوَقِيَّة". قلت: لا. ثم قال "بعنيه". فبعته بِوَقِيَّة، واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي. فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت. فأرسل في إثري، فقال: "أتراني ماكستك لآخذ جملك، خذ جملك ودراهمك فهو لك".
متفق عليه: رواه البخاري في الشروط (٢٧١٨)، ومسلم في المساقاة (٧١٥: ١٠٩) من طريق زكريا قال: سمعت عامرًا (هو الشعبي)، يقول: حدثني جابر بن عبد اللَّه فذكره. واللفظ لمسلم.
وزاد البخاري: قال شعبة، عن مغيرة، عن عامر، عن جابر: "أفقرني رسول اللَّه ﷺ ظهره إلى المدينة".
وقال إسحاق، عن جرير، عن مغيرة: "فبعته على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة".
وقال عطاء، وغيره: "ولك ظهره إلى المدينة".
стр. 3591
وقال محمد بن المنكدر، عن جابر: "شرط ظهره إلى المدينة".
وقال زيد بن أسلم، عن جابر: "ولك ظهره حتى ترجع".
وقال أبو الزبير، عن جابر: "أفقرناك ظهره إلى المدينة".
وقال الأعمش، عن سالم، عن جابر: "تبلغ عليه إلى أهلك".
قال أبو عبد اللَّه: "الاشتراط أكثر، وأصح عندي.
وقال عبيد اللَّه، وابن إسحاق، عن وهب عن جابر: "اشتراه النبي ﷺ بأوقية". وتابعه زيد بن أسلم، عن جابر.
وقال ابن جريج، عن عطاء وغيره، عن جابر: "أخذته بأربعة دنانير". وهذا يكون أوقية على حساب الدينار بعشرة دراهم، ولم يبين الثمن مغيرة، عن الشعبي، عن جابر، وابن المنكدر، وأبو الزبير، عن جابر.
وقال الأعمش، عن سالم، عن جابر: "أوقية ذهب".
وقال أبو إسحاق، عن سالم، عن جابر: "بمائتي درهم".
وقال داود بن قيس، عن عبيد اللَّه بن مقسم، عن جابر: "اشتراه بطريق تبوك -أحسبه قال- بأربع أواق".
وقال أبو نضرة، عن جابر: "اشتراه بعشرين دينارا".
وقول الشعبي: "بوقية" أكثر. الاشتراط أكثر، وأصح عندي. قاله أبو عبد اللَّه. وهذه المعلقات وصلها الحافظ ابن حجر في "الفتح".
وليس الاختلاف في ثمن الظهر بأنه وقية، وإنما الخلاف في تقديرها بالدينار والدراهم، ومن اختلف في قدر الوقية فأمره راجع إلى الشك، واللَّه أعلم.
٤٥ - باب من اشترط شرطا ليس في كتاب اللَّه فالبيع صحيح، والشرط فاسد
• عن عائشة قالت: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك أن أَعُدَّها لهم، ويكون ولاؤكِ لي فعل. فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا ذلك عليها، فجاءت من عندهم -ورسول اللَّه ﷺ جالس-، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فسمع النبي ﷺ ، فأخبرت عائشة النبي ﷺ ، فقال: "خذيها، اشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق". ففعلت عائشة، ثم قام رسول اللَّه ﷺ في الناس، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب اللَّه، ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل وإن كان مائة
стр. 3592
شرط، قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق".
متفق عليه: رواه مالك في العتق والولاء (١٧) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. ورواه البخاري في البيوع (٢١٦٨) من طريق مالك، به. ورواه مسلم في العتق (١٥٠٤) من وجه آخر عن هشام، به، ومن طرق أخرى عن عائشة.
وبهذا الحديث استدل ابن الجوزي في التحقيق (٤/ ٣٨): إذا باعه بشرط العتق فالشرطه والبيع صحيحان.
• عن أبي هريرة قال: أرادت عائشة أن تشتري جارية تعتقها، فأبي أهلها إلا أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: "لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق".
صحيح: رواه مسلم في العتق (١٥٠٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
٤٦ - باب النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه
• عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض".
متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٩٥) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر.
ورواه البخاري في البيوع (٢١٣٩)، ومسلم في البيوع (١٤١٢) من طريق مالك، به، مثله.
وزاد أبو داود: "إلا بإذنه". ولفظ النسائي: ". . . حتى يبتاع أو يذر".
• عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٤٠)، ومسلم في البيوع (١٤١٣) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. ولفظهما سواء.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يَسُم المسلم على سوم أخيه".
صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥١٥: ٩) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ومعنى الحديث هو أن يكون يتفق مالك السلعة ومشتريها على البيع، ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع: أشتريها بكذا. فهذا هو السوم الذي لا يجوز.
وأما السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد فهذا ليس بحرام.
стр. 3593
• عن عبد الرحمن بن شُماسة أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "المؤمن أخو المؤمن؛ فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر".
صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٤١٤: ٥٦) عن أبي الطاهر، أخبرنا عبد اللَّه بن وهب، عن الليث وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة فذكره.
• عن سمرة بن جندب أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يبتاع على بيعه.
حسن: رواه أحمد (٢٠١١٥) عن سليمان بن داود الطيالسي، حدثني عمران، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمران، وهو ابن داود البصري، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، والحسن سمع من سمرة بالجملة، كما تقدم.
٤٧ - باب النهي عن بيع الحاضر للبادي
• وعن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: "لا يبع حاضر لباد".
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٤٠)، ومسلم في البيوع (١٥٣٠) كلاهما من طريق سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره.
واللفظ لمسلم، وساقه البخاري في سياق أتم ذكره في موضعه.
• عن طاوس، عن ابن عباس قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد. قال: فقلت لابن عباس: ما قوله "حاضر لباد"؟ قال: لا يكن له سمسارا.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٥٨)، ومسلم في البيوع (١٥٢١) كلاهما من طريق معمر، عن عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: نُهينا أن يبيع حاضر لباد.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٦١)، ومسلم في البيوع (١٥٢٣: ٢٢) كلاهما عن محمد بن المثنى، حدثنا معاذ، حدثنا ابن عون، عن محمد قال: قال أنس بن مالك فذكره.
ورواه مسلم من وجه آخر عن يونس، عن ابن سيرين، وزاد فيه: "وإن كان أخاه أو أباه".
• عن ابن عمر قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يبيع حاضر لباد.
صحيح: رواه البخاري في البيوع (٢١٥٩) عن عبد اللَّه بن صبَّاح، حدثنا أبو علي الحنفي، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار قال: حدثني أبي، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره.
стр. 3594
• عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَبعْ حاضر لباد، دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض".
صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٢٢) من طريقين، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
• عن طلحة بن عبيد اللَّه قال: إن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد.
حسن: رواه أبو داود (٣٤٤١) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن سالم المكي، أن أعرابيا حدّثه أنه قدم بحلوبة له على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فنزل على طلحة بن عبيد اللَّه، فقال: إن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن اذهب إلى السوق، فانظر من يبايعك؟ فشاورني حتى آمرك أو أنهاك.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد صرح بالتحديث عند الإمام أحمد (١٤٠٤) في سياق أطول من هذا، وسبق تخريجه في كتاب الزكاة، في عدم التعدي على الصدقات.
وسالم المكي هو سالم بن أبي أمية أبو النضر، كما جاء التصريح به في مسند أحمد.
وفي الباب ما روي عن ابن أبي يزيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "دعوا الناس يُصيب بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه".
رواه أحمد (١٥٤٥٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٥٤)، وعبد بن حميد (٤٣٨) كلهم من طرق عن عطاء بن السائب، عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه قال: حدثني أبي أن رسول اللَّه ﷺ قال فذكر الحديث.
وحكيم بن أبي يزيد لم يوثّقه غير ابن حبان، ثم اختلف هل هو حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، عن جده، كما عند أحمد، أو حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، كما عند غيره، دون ذكر جده؟ وقد أشار إلى هذا الاختلاف ابن حجر في "الإصابة" في ترجمة أبي يزيد.
والراوي عنه عطاء بن السائب مختلط، وجميع من روى عنه هذا الحديث رواه بعد الاختلاط، وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٨٣).
وقد كره أكثر أهل العلم بيع الحاضر للبادي حملا على أن النهي للتحريم؛ لأن بيع الحاضر للبادي يفوت مصلحة البيع والشراء، وهي أن اللَّه يرزق بعضهم من بعض.
وذهب بعضهم إلى أن النهي للإرشاد دون التحريم.
٤٨ - باب النهي عن تلقي الركبان والجَلَب
• عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه نهى عن تلقي البيوع.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٦٤)، ومسلم في البيوع (١٥١٨) كلاهما من طريق التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود به. واللفظ لمسلم.
стр. 3595
والتيمي هو: سليمان بن طرخان أبو المعتمر، نزل في التيم، فنسب إليهم.
• عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تلقوا السلع حتى يُهبط بها إلى السوق".
متفق عليه: رواه البخاري (٢١٦٥) عن عبد اللَّه بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره.
ورواه مسلم في البيوع (١٥١٧) من طريق عبيد اللَّه، عن نافع به بلفظ: أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن تُتَلَقَّى السِّلَعُ حتى تبلغ الأسواق".
تنبيه: الحديث في موطأ مالك برواية يحيى الليثي، كما سبق في باب النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه بلفظ الشطر الأول، وليس فيه قوله: "ولا تلقوا السلع. . . . " إلخ.
وإنما وقع ذلك في بعض الروايات عن مالك، كما في رواية عبد اللَّه بن يوسف هذه التي عند البخاري.
قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ٣١٦): "وهذه الزيادة صحيحة لابن وهب، والقعنبي، وعبد اللَّه بن يوسف، وسليمان بن برد، عن مالك، وليست لغيرهم، وهي صحيحة". اهـ.
• وعن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يُتَلَقَّى الجَلَبُ.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٦٢) من طريق سعيد بن أبي سعيد، ومسلم في البيوع (١٥١٩: ١٦) من طريق ابن سيرين، كلاهما عن أبي هريرة. واللفظ لمسلم.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تلقوا الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر".
متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٩٦) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. ورواه البخاري في البيوع (٢١٥٠)، ومسلم في البيوع (١٥١٥: ١١) كلاهما من طريق مالك به مثله.
• عن أبي هريرة قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار".
صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥١٩: ١٧) عن ابن أبي عمر، حدثنا هشام بن سليمان، عن ابن جريج، أخبرني هشام القردوسي، عن ابن سيرين قال: سمعت أبا هريرة فذكر الحديث.
• عن سمرة أن نبي اللَّه ﷺ نهى أن تتلقى الأجلاب حتى تبلغ الأسواق، أو يبيع حاضر لباد.
стр. 3596
حسن: رواه أحمد (٢٠١١٩)، والطبراني في الكبير (٦٩٢٩)، كلاهما من حديث علي بن عبد اللَّه (المديني)، حدثنا معاذ، حدثني أبي، عن مطر، عن الحسن، عن سمرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل مطر، وهو ابن طهمان الوراق، مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف؛ لأنه كان يخطئ.
وأما الحسن فهو البصري الإمام المعروف، وهو مدلس، وقد عنعن، إلا أن سماعه عن سمرة ثابت على رأي الجمهور.
معنى الحديث: كان من عادة العرب أنهم كانوا يتلقون الركبان قبل أن يقدموا البلد، ويعرفوا سعر السوق، فيخبروهم بأن الأسعار ساقطة، والسوق كاسدة، والرغبة قليلة، ويبتاعونه منهم بالوكس من الثمن، وهو يشبه الغش؛ فنهاهم رسول اللَّه ﷺ ، وخيرهم بأن من غُش بهذا الشكل فهو بالخيار. وهو مذهب الشافعي وأحمد، وظاهر الحديث يدل على ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إنما يكون للبائع الخبار إذا كان المتلقي قد ابتاعه بأقل من الثمن، فإذا ابتاعه بثمن مثله فلا خيار له حينئذ.
٤٩ - باب ما جاء في الاحتكار
• عن معمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من احتكر فهو خاطئ". فقيل لسعيد: فإنك تحتكر؟ قال سعيد: إن معمرا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر.
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٦٠٥: ١٢٩) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان (يعني ابن بلال)، عن يحيى (وهو ابن سعيد) قال: كان سعيد بن المسيب يحدث أن معمرا قال فذكره. ومعمر هو ابن عبد اللَّه أبي معمر، أحد بني عدي بن كعب.
وكون الصحابي يروي الحديث، ثم يخالفه، وكذا التابعي يرويه، ويخالفه، ويستدل على مخالفته لمخالفة الصحابي، فكل هذا مشعر، كما قال البيهقي (٥/ ٣٠): "إنهما احتكرا على غير الوجه المنهي عنه".
وقال الخطابي: "والحديث وإن جاء باللفظ العام، فاحتكار الراوي يدل على أنه مختص ببعض الأشياء، أو بعض الأحوال؛ إذ لا يظن بالصحابي أن يروي الحديث، ثم يخالفه، وكذلك سعيد بن المسيب لا يظن به في فضله وعلمه أنه يروي الحديث، ثم يخالفه، إلا أن يحمل الحديث على بعض الأشياء، فروي أنه كان يحتكر الزيت. انتهى.
وسيأتي كلام أهل العلم في آخر الباب.
• عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم.
стр. 3597
متفق عليه: رواه البخاري في النفقات (٥٣٥٧) ومسلم في الجهاد (١٧٥٧) كلاهما من حديث ابن عيينة قال: قال لي معمر: قال لي الثوري: هل سمعت في رجل يجمع لأهله قوت سنتهم أو بعض السنة؟ قال معمر: فلم يحضرني، ثم ذكرت حديثًا حدثناه ابن شهاب الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر فذكره. والسياق للبخاري، وسياق مسلم نحوه، وحبس الطعام للأهل لا يسمى احتكارا.
وأما ما روي عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللَّه بالجذام والإفلاس". فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (٢١٥٥)، وأحمد (١٣٥)، وعبد بن حميد (١٧) كلهم من حديث الهيثم بن رافع الطاطري البصري، حدثني أبو يحيى رجل من أهل مكة، عن فروخ مولى عثمان: إن عمر -وهو يومئذ أمير المؤمنين- خرج إلى المسجد، فرأى طعاما منثورا، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا. قال: بارك اللَّه فيه، وفيمن جلبه. قيل: يا أمير المؤمنين، فإنه قد احتكر. قال: ومن احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر. فأرسل إليهما، فدعاهما، فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين، نشتري بأموالنا، ونبيع. فقال عمر: سمعت رسول اللَّه ﷺ فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل أبي يحيى المكي؛ فإنه مجهول. قال الذهبي في الميزان (٤/ ٥٨٧): "لا يعرف، والخبر منكر، أخرجه أحمد في مسند عمر".
وقال في ترجمة الهيثم بن رافع: "وقد أنكر حديثه في الحكرة". وقال: "وأبو يحيى: لا يدري من هو؟ ".
وفي الباب ما روي أيضًا عن عمر مرفوعًا: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون". رواه ابن ماجه (٢١٥٣)، وعبد بن حميد (٣٣)، والدارمي (٢٥٨٢)، والحاكم (٢/ ١١).
وفي إسنادهم جميعًا علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، ضعّفه علي بن المديني، وغيره.
وفي الباب أيضًا ما روي عن ابن عمر مرفوعًا: "من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من اللَّه تعالى، وبرئ اللَّه تعالى عنه. وأيما أهل عرصةٍ أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة اللَّه تعالى".
رواه أحمد (٤٨٨٠) عن يزيد، أخبرنا أصبغ بن زيد، حدثنا أبو بشر، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن ابن عمر فذكره. وأبو بشر مجهول، وضعفه يحيى بن معين.
وقال أبو حاتم: "هذا حديث منكر، وأبو بشر لا أعرفه". (العلل ١/ ٣٩٢).
وأخرجه الحاكم (٢/ ١١ - ١٢) من طريق عمرو بن الحصين العقيلي، ثنا أصبغ بن زيد الجهني، عن أبي الزاهرية بإسناده، فأسقط فيه "أبا بشر" من بين أصبغ بن زيد وبين أبي الزاهرية.
وقال الذهبي: "عمرو تركوه، وأصبغ فيه لين".
وقد نبه الحاكم في آخر الأحاديث الستة التي ساقها بأنها ليست على شرط الكتاب.
стр. 3598
وفي الباب ما روي أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ".
رواه أحمد (٨٦١٧) عن سريج، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وأبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن الندي، ضعيف عند جمهور أهل العلم.
ولكن رواه الحاكم (٢/ ١٢)، وعنه البيهقي (٦/ ٣٠) من وجه آخر عن إبراهيم بن إسحاق العسيلي، ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بإسناده نحوه.
قال الحاكم بعد أن ذكر ستة أحاديث، منها هذا: "هذه الأحاديث الستة طلبتها، وخرجتها في موضعها من هذا الكتاب احتسابا لما فيه الناس من الضيق -واللَّه يكشفها- وإن لم يكن من شرط هذا الكتاب". وقال الذهبي: "العسيلي كان يسرق الحديث".
وفي الباب أيضًا عن معقل بن يسار، وأبي أمامة الباهلي، وغيرهما. والصحيح ما ذكرته.
معنى الحديث وفقهه:
قال أبو داود: سألت أحمد: ما الحكرة؟ قال: ما فيه عيش الناس.
قال أبو داود: قال الأوزاعي: المحتكر من يعترض السوق.
وقال عقب حديث معمر (٣٤٤٧): "كان سعيد بن المسيب يحتكر النوى، والخبط، والبزر".
وقال الترمذي (١٢٦٧): "حديث معمر حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا احتكار الطعام، ورخص بعضهم في الاحتكار في غير الطعام".
وقال الخطابي: "إنما جاء الحديث باللفظ العام، والمراد منه معنى خاص، وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه كان يحتكر الزيت".
ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: "ليس الاحتكار إلا في الطعام خاصة؛ لأنه قوت الناس".
وقال الحسن، والأوزاعي: "من جلب طعاما من بلد، فحبسه ينتظر زيادة السعر، فليس بمحتكر، وإنما المحتكر من أعترض سوق المسلمين".
ولذا يجوز للسلطان أن يمنع التجار من احتكار الطعام وقوت الناس حتى لا يتضرر عامتهم.
٥٠ - باب النهي عن النَجْش
• عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن النجش.
متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٩٧) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. ورواه البخاري في البيوع (٢١٤٢)، ومسلم في البيوع (١٥١٦) كلاهما من طريق مالك به مثله.
• عن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: أقام رجل سلعته، فحلف باللَّه: لقد أعطى بها ما
стр. 3599
لم يعطها، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [سورة آل عمران: ٧٧].
وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربا خائن.
صحيح: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٧٥) عن إسحاق، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام قال: حدثني إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي، سمع عبد اللَّه بن أبي أوفى يقول فذكره.
والنجَش في اللغة تنفير الصيد واستشارته من مكانه ليصاد، يقال: نجشت الصيد، أنجُشه بالضم، نجْشا.
قال مالك عقب الحديث: "والنجش أن تعطيه بسلعته أكثر من ثمنها، وليس في نفسك اشتراؤها، فيقتدي بك غيرك".
وقال الترمذي: "والنجش أن يأتي الرجل الذي يفصل السلعة إلى صاحب السلعة، فيستام بأكثر مما تسوى، وذلك عندما يحضره المشتري، يريد أن يغتر المشتري به، وليس من رأيه الشراء، إنما يريد أن يخدع المشتري بما يستام". انتهى.
وأما حكم النجش فقال الشافعي: "الناجش آثم فيما يصنع، والبيع جائز؛ لأن البائع غير الناجش". ذكره الترمذي.
• وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تناجشوا".
صحيح: رواه أبو داود (٣٤٣٨) عن أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره.
ومن هذا الإسناد أخرجه كل من الترمذي (١٣٠٤)، والنسائي (٤٥٠٦)، وابن ماجه (٢١٧٤)، يزيد بعضهم على بعض، إلا أن النسائي رواه من طريق معمر، عن الزهري.
وحديث أبي هريرة ذكر كاملًا في باب النهي عن بيع المصراة.
٥١ - باب النهي عن الاستثناء في عقد البيع شيئًا مجهولًا
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، والمعاومة، والمخابرة -قال أحدهما: بيع السنين هي المعاومة-، وعن الثنيا ورخص في العرايا.
صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٣٦: ٨٥) عن طريق حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن أبي الزبير وسعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
ورواه أبو داود (٣٤٠٥)، والترمذي (١٢٩٠)، وغيرهما من طريق يونس بن عبيد، عن عطاء، عن جابر، فذكر مثله، وزاد فيه: "والثنيا إلا أن تعلم".
стр. 3600
وبيع الثنيا المنهي عنه أن يبيع ثمر حائطه، ويستثني منه جزءا غير معلوم، ولكن لو استثنى منه جزءا معلوما لجاز البيع.
٥٢ - باب النهي عن بيع المصرّاة
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تلقوا الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تُصرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر".
متفق عليه: رواه مالك في البيوع (٩٦) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في البيوع (٢١٥٠)، ومسلم في البيوع (١٥١٥: ١١)، كلاهما من طريق مالك به مثله.
ورواه مسلم أيضًا (١٥٢٤: ٢٨) من طريق همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول اللَّه ﷺ ، فذكر أحاديث منها: "إذا ما أحدكم اشترى لقحة مصراة أو شاة مصراة، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إما هي، وإلا فليردها وصاعًا من تمرٍ".
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها، ورد معها صاعا من تمر".
صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٥٢٤: ٢٤) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وفي رواية عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة به مثله، إلا أنه قال: "فإن ردها رد معها صاعا من طعام، لا سمراء".
وفي رواية عن ابن سيرين أيضًا بلفظ: "من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين: إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعا من تمر لا سمراء".
وقد أشار البخاري إلى هذا الاختلاف في رواية ابن سيرين عقب حديث الأعرج عن أبي هريرة المتقدم في الباب، فقال: "وقال بعضهم عن ابن سيرين: "صاعا من تمر". ولم يذكر "ثلاثا"، والتمر أكثر. اهـ.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا باع أحدكم الشاة أو اللِقحة فلا يُحَفِّلها".
صحيح: رواه النسائي (٤٤٨١)، وأحمد (٧٦٩٩)، وابن حبان (٤٩٦٩) من حديث عبد الرزاق -وهو في مصنفه (١٤٨٦٤) -: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، أخبرني أبو كثير، أنه سمع أبا هريرة فذكره. وإسناده صحيح.
"والتحفيل" هو جمع اللبن في ضرع الناقة.
стр. 3601
"واللقحة" هي الناقة الناتجة.
• عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يُتَلَقَّى جَلَبٌ، ولا يبع حاضر لباد، ومن اشترى شاة مصراة أو ناقة -قال شعبة: إنما قال: ناقة مرة واحدة- فهو فيها بآخر النظرين إذا هو حلب، إن ردها رد معها صاعا من طعام".
قال الحكم: أو قال: "صاعا من تمر".
صحيح: رواه أحمد (١٨٨١٩)، والبيهقي (٥/ ٣١٩) كلاهما من حديث شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فذكره.
وإسناده صحيح، ولا تضر الجهالة بالصحابي، كما هو معلوم.
وقوله: "صاعا من طعام، أو صاعا من تمر" شك من أحد الرواة، لا أنه على التخيير؛ ليكون موافقا للأحاديث الثابتة. قاله البيهقي.
وقد أفتى بذلك من الصحابة عبد اللَّه بن مسعود.
رواه البخاري في البيوع (٢١٤٩، ٢١٦٤) من وجهين عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد اللَّه قال: "من اشترى شاة محفلة، فردها، فليرد معها صاعا من تمر. ونهى النبي ﷺ أن تُلقى البيوع".
وكذلك رواه عبد الرزاق (٨/ ١٩٨) عن الثوري، والبيهقي (٥/ ٣١٧) من حديث يعلى بن عبيد، كلاهما عن الأعمش، عن خيثمة، عن عبد اللَّه قال: "إياكم والمحفلات؛ فإنها خلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم". ولكن زاد البيهقي بين خيثمة وبين عبد اللَّه "الأسود".
ورواه ابن ماجه (٢٢٤١)، وأحمد (٤١٢٥)، وأبو داود الطيالسي (٢٩٢)، وعنه البيهقي (٥/ ٣١٧) كلهم من حديث المسعودي، عن جابر، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد اللَّه، فرفعه إلى النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق-، فذكر الحديث مثله.
وجابر هو أبن يزيد الجعفي، وهو ضعيف. والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة اختلط قبل موته. والصحيح أنه موقوف.
وسئل الدارقطني عن حديث خيثمة، عن ابن مسعود: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع المحفلات من الغنم.
فقال: أسنده أبو شهاب عن الأعمش، عن خيثمة.
وغيره يرويه موقوفا. وهو الصواب". (العلل ٥/ ٤٧ - ٤٨).
ثم رواه عن أبي القاسم بن منيع، حدثنا محمد بن جعفر الوركاني، حدثنا أبو شهاب بذلك مرفوعا. وليس غيره.
وقال في أطراف الغرائب: "تفرد به محمد بن جعفر الوركاني، عن أبي شهاب، عن الأعمش،
стр. 3602
عنه". انتهى.
وأما ما روي عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أيها الناس من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها مثلي لبنها -أو قال: مثل لبنها- قمحا". فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٣٤٤٦)، وابن ماجه (٢٢٤٠)، والبيهقي (٥/ ٣١٩) كلهم من حديث عبد الواحد ابن زياد قال: حدثنا صدقة بن سعيد الحنفي قال: حدثنا جميع بن عمير التيمي قال: حدثنا عبد اللَّه ابن عمر فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل جميع بن عمير التيمي، قال فيه البخاري: "فيه نظر". وقال ابن حبان: "رافضي يضع الحديث". إلا أن العجلي قال: "تابعي ثقة". وهو من تساهله، وحسن الترمذي بعض حديثه. وكذلك فيه صدقة بن سعيد الحنفي، ضعفه الساجي، وابن وضاح.
وفي الباب أيضًا ما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا تستقبلوا السوق، ولا تحفلوا، ولا يُنَفِّق بعضكم لبعض".
رواه الترمذي (١٢٦٨)، وأحمد وابنه عبد اللَّه (٣٣١٣)، وأبو يعلى (١٣٤٥)، والبيهقي (٥/ ٣١٧) كلهم من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وسماك هو أبن حرب الكوفي ثقة، وثّقه ابن معين وغيره، ولكن ضعّفه جمهور أهل العلم في روايته عن عكرمة؛ فإنه مضطرب فيه، كما قال أحمد، وابن المديني، والعجلي، وابن المبارك، وغيرهم.
وأما الترمذي فقال: "حسن صحيح". كأنه لم يأخذ بهذه العلة.
وقال: "والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا بيع المحفلة، وهي المصراة، لا يحلبها صاحبها أياما ونحو ذلك؛ ليجتمع اللبن في ضرعها، فيغتر بها المشتري، وهذا ضرب من الخديعة والغرر".
قوله: "لا تصروا" بفتح التاء والصاد، ويأتي معناه اللغوي.
وفيه دليل على نهي التصرية، سواء قصد بها البيع أم لا؛ لما فيه من إيذاء الحيوان، وهو محرم. فإذا باع مع التصرية فإنه ارتكب المحظورين: إيذاء الحيوان، وغش المشتري. وما جاء بلفظ: "لا تصروا الإبل والغنم للبيع" فهو للغالب.
وقيل: إن النهي خاص بالبيع، ويجوز نصرية الحيوان لغير البيع.
وقوله: "فإن رضيها أمسكها" فيه دليل على صحة البيع مع التصرية إن رضي بها المشتري.
وقوله: "وصاعا من تمر" أي: ورد صاعا من تمر.
اختلاف أهل العلم واللغة في اشتقاق المصراة.
قال الشافعي: التصرية أن تربط أخلاف الناقة والشاة، وتترك من الحلب اليومين والثلاثة، حتى يجتمع لها لبن، فيراه المشتري كثيرا، ويزيد في ثمنها؛ لما يرى من كثرة لبنها، فإذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين عرف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرور للمشتري.
стр. 3603
وقال أبو عبيد: "قوله: "مصرّاة" يعني الناقة أو البقرة أو الشاة التي قد صري اللبن في ضرعها، يعني حُقن فيه، وجمع أياما، فلم تحلب أياما. وأصل التصرية حبس الماء وجمعه، يقال منه: صَرّيت الماء وصَرَيته.
قال الأغلب:
رأيت غلاما قد صَرَى في فِقْرته ... ماء الشبابِ عنفوانُ شِرّته
ويقال: هذا ماء صَرَى. مقصور.
قال عبيد بن الأبرص:
يا رُب ماءٍ صَرَى وردته ... سبيله خائف جديبُ
ويقال منه: سميت المصّراة كأنها مياه اجتمعت، وكان بعض الناس يتأوّل من المصراة أنه من صرار الإبل، وليس هذا من ذلك في شيء، لو كان من ذاك لقال: مَصْرُورة، وما جاز أن يقال ذلك في البقر والغنم؛ لأن الصّرار لا يكون إلا للإبِل". انتهى. غريب الحديث (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢).
قال الخطابي: "قول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح".
انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٥/ ١٢٣ - ١٣٦)، وفيه تفاصيل أخرى من كلام أهل العلم في فقه الحديث.
٥٣ - باب النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة
• عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
صحيح: رواه عبد الرزاق (١٤٣٣) قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال فذكره.
وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقى (٦١٠) من طريق داود بن عبد الرحمن العطار، والبيهقي (٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩) من طريق إبراهيم بن طهمان، وابن حبان (٥٠٢٨) من طريق سفيان الثوري، كل هؤلاء عن معمر بإسناده موصولا.
إلا أن سفيان الثوري قد اختلف عليه، فرواه ابن حبان من طريق داود الحفري عنه هكذا، ورواه البيهقي من طريق الفرياتي عنه مرسلا، وقال: "وكذلك رواه عبد الرزاق وعبد الأعلى عن معمر، وكذلك رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا. وروينا عن البخاري أنه وهن رواية من وصله. ونقل عن الشافعي أنه قال: أما قوله: "إنه نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة" فهذا غير ثابت عن رسول اللَّه ﷺ ". انتهى قول البيهقي.
قلت: قول البخاري ذكره الترمذي في العلل الكبير (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠) بعد أن رواه عن سفيان بن وكيع، نا محمد بن حميد هو الأحمدي، عن مَعْمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان باللحم نسيئة. قال: سألت مُحمدًا عن هذا الحديث،
стр. 3604
فقال: روى داود بن عبد الرحمان العطار عن مَعْمر هذا، وقال: عن ابن عباس. وقال الناس: عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلا. فوهَّن محمد هذا الحديث. انتهى.
وأما الاختلاف على سفيان فقد ذكر البيهقي أبا أحمد الزبيري (عند الطحاوي ٥٦١٢)، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن الذماري رويا عنه موصولا، وتابعهما على وصله أبو داود الحفري، وخالفهم جميعا الفريابي، فروى عنه مرسلا. وقواعد التخريج تحكم أن من رواه عنه موصولا أولى من رواية من رواه عنه مرسلا.
وكذلك اختلف أيضًا على معمر، فرواه عنه عبد الرزاق -كما قال البيهقي-، وعبد الأعلى مرسلا، على أن عبد الرزاق رواه أيضًا عنه متصلا.
قال ابن التركماني: "كذا رأيت في نسخة جيدة من نسخ المصنف له، ورواه عن معمر: ابن طهمان والعطار موصولا، وتأيدت روايتهما بالرواية المذكورة عن عبد الرزاق، وكذلك معمر أحفظ من علي بن المبارك، فروايته عنه موصولا أولى من رواية ابن المبارك عنه مرسلا".
وقال: "وبالجملة فمن وصل حفظ وزاد، فلا يكون من قصر حجة عليه، وقد أخرج البزار هذا الحديث، وقال: ليس في هذا الباب حديث أجل إسنادا منه". انتهى كلام ابن التركماني.
هذا الكلام من ابن التركماني متجه مبني على قواعد الحديث، والبيهقي -رحمه اللَّه تعالى- ممن يقبل زيادة الثقة، لا سيما إذا كان الذين زادوه أكثر عددا، وأحسن حفظا. واللَّه أعلم بالصواب.
• عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
صحيح: رواه أبو داود (٣٣٥٦)، والترمذي (١٢٣٧)، والنسائي (٤٦٢٠)، وابن ماجه (٢٢٧٠)، وأحمد (٢٠١٤٣)، والطحاوي في شرحه (٥٦١٦)، وابن الجارود (٦١١)، والبيهقي (٥/ ٢٨٨) كلهم من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة فذكره.
وإسناده صحيح. والحسن هو البصري، وقد صحح سماعه من سمرة مطلقة البخاري، وابن المديني، وأبو داود، وغيرهم.
ولذا قال الترمذي: "حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره".
وقال الخطابي: "وقد أثبت أحمد حديث سمرة".
• عن جابر بن عبد اللَّه أنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، اثنين بواحد، ولا بأس به يدا بيد.
حسن: رواه الترمذي (١٢٣٨)، وابن ماجه (٢٢٧١)، وأحمد (١٤٣٣١)، كلهم من طريق حجاج، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
стр. 3605
وقال الترمذي: "حسن صحيح". ولكن نقل الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٤٨): "حسن" فقط، وهو أولى؛ لأن فيه حجاج هو ابن أرطاة، مدلس يدلس عن الضعفاء.
ولكن تابعه أشعث بن سوار عند الطحاوي في شرحه (٥٦١٤)، وكذلك الطبراني في الأوسط (٢٧٦٢) من طريق بحر بن كنيز، كلاهما عن أبي الزبير به. وأشعث وبحر ضعيفان.
وبمجموع هذه الطرق يصير الحديث حسنا.
وفي الباب عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند (٢٠٩٤٢).
وإسناده ضعيف؛ فإن فيه أبا عمر المقرئ، وهو حفص بن سليمان بن المغيرة، وهو مع إمامته في القراءة ضعيف في الحديث، وقد ضعفه أحمد، وابن المديني، ومسلم، وأبو حاتم، والنسائي، وغيرهم. وله أسانيد أخرى، وهي أضعف من هذا.
٥٤ - باب ما جاء في الرخصة في ذلك
• عن عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ أمره أن يجهز جيشا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قِلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
حسن: رواه أبو داود (٣٣٥٧)، والدارقطني (٣٠٥٤)، والحاكم (٢/ ٥٦ - ٥٧)، والبيهقي (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٩) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جبير، عن أبي سفيان، عن عمرو بن حريش، عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره.
وعمرو بن حريش مجهول الحال، كما في القريب، ومدار الحديث عليه.
وفيه اضطراب في الإسناد في التقديم والتأخير، فقد رواه حماد بن سلمة هكذا، ورواه جرير بن حازم، عن محمد بن إسحاق، فقدم أبا سفيان على مسلم بن جبير، رواه أحمد (٦٥٩٣) في سياق أطول. ومحمد بن إسحاق مدلس، ولم أقف على تصريح منه.
قال البيهقي: "اختلفوا على محمد بن إسحاق في إسناده، وحماد بن سلمة أحسنهم سياقة، وله شاهد صحيح".
وهو يقصد به: طريق صحيح، وهو ما رواه الدارقطني (٣٠٥٢)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٩) عن ابن وهب، عن ابن جريج أن عمرو بن شعيب أخبره عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره.
وهذا إسناد حسن، وجعل البيهقي شاهدا صحيحا للإسناد السابق.
وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٤٨٩): إسناده قوي. وحسَّنه ابن القيم في "تهذيب السنن".
وقلاص جمع قلوص، وهي الناقة الشابة.
стр. 3606
وفي الباب عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين؛ فإني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا". فقام إليه رجل، فقال يا رسول اللَّه، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ قال: "لا بأس إذا كان يدا بيد".
رواه الإمام أحمد (٥٨٨٥) عن حسين بن محمد، ثنا خلف يعنى بن خليفة، عن أبي جناب، عن أبيه، عن ابن عمر فذكره.
وأبو جناب اسمه يحيى بن أبي حية الكلبي، وأبوه أبو حية الكلبي، وكلاهما مجهولان. وله أسانيد أخرى أضعف من هذا.
ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٣٤) من طرق عن عمر بن الخطاب موقوفا عليه.
٥٥ - باب جواز التفاضل في بيع العبيد والإماء إذا كان يدا بيد
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: جاء عبد، فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ : "بعنيه". فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله "أعبد هو؟ ".
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٦٠٢) من طرق عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
• عن أنس قال: وقعت في سهم دحية جارية جميلة، فاشتراها رسول اللَّه ﷺ بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها، وتهيئها. قال: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها، وهي صفية بنت حيي.
صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٣٦٥: ٨٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٣٥٧٥) عن عفان بأطول من هذا.
ورواه أبو داود (٢٩٩٧)، وابن ماجه (٢٢٧٢)، والبيهقي (٦/ ٣٠٦) كلهم من طرق عن حماد ابن سلمة مختصرا في شراء صفية بسبعة أرؤس.
٥٦ - باب النهي عن بيع اللحم بالحيوان
• عن سمرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الشاة باللحم.
صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٣٥)، والبيهقي (٥/ ٢٩٦) كلاهما من حديث إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن الحجاج الباهلي، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب فذكره.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، رواته عن آخرهم حفاظ ثقات، ولم يخرجاه، وقد
стр. 3607
احتج البخاري بالحسن عن سمرة". انتهى.
قلت: اختلف في سماع الحسن من سمرة، والصحيح أنه سمع منه مطلقا.
ولذا قال البيهقي: "هذا إسناد صحيح، ومن أثبت سماع الحسن البصري من سمرة بن جندب عده موصولا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد، يضم إلى مرسل سعيد بن المسيب، والقاسم بن أبي بزة، وقول أبي بكر الصديق". اهـ.
ومرسل سعيد بن المسيب هو ما رواه مالك (٢/ ٦٥٥) عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع الحيوان باللحم.
وكذلك رواه أيضًا عن أبي الزناد، عن سعيد بن المسيب من قوله.
ومن طريق مالك رواه البيهقي (٥/ ٢٩٧).
قال ابن عبد البر: "لا أعلم هذا الحديث يتصل من وجه ثابت من الوجوه عن النبي ﷺ ".
وكذا قال أيضًا البيهقي: "هذا هو الصحيح. ورواه يزيد بن مروان الخلال، عن مالك، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ ، وغلط فيه".
وحديث يزيد بن مروان رواه ابن عبد البر، والدارقطني، وأبو نعيم، وغيرهم. قال ابن عبد البر: وهذا إسناد موضوع، لا يصح عن مالك، ولا أصل له من حديثه".
ويزيد بن مروان هذا كذاب، كما قال ابن معين.
وأما مرسل القاسم بن أبي بزة فرواه البيهقي (٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧) من طريق الشافعي، أنا مسلم عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة قال: قدمت المدينة، فوجدت جزورا قد جزرت، فجزئت أربعة أجزاء، كل جزء منها بعناق. فأردت أن أبتاع منها جزءا، فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يباع حي بميت. قال: فسألت عن ذلك الرجل، فأخبرت عنه خيرا.
ومسلم هو ابن خالد الزنجي، مختلف فيه، تكلم فيه ابن المديني، ووثّقه ابن معين والدارقطني، وقال ابن عدي: حسن الحديث لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات.
والقاسم بن أبي بزة لم يلق أحدا من الصحابة، فالراوي المبهم أحد التابعين، فيكون الحديث مرسلا، كما قال البيهقي.
أخذ الجمهور بهذه الأحاديث -وتعضدها أقوال الصحابة-، فمنعوا بيع اللحم بالحيوان؛ لأن المقصود بالحيوان هنا الذي يشترى ويباع لأجل اللحم.
وتكون علة النهي التفاضل في جنس واحد، وهو ربا الفضل.
وأجاز أبو حنيفة بيع اللحم بالحيوان؛ لأن علة الربا عنده الكيل والوزن، والحيوان ليس بمكيل، ولا موزون، فجاز بيع اللحم بالحيوان.
قلت: لعله لم يبلغه هذا الحديث وأقوال الصحابة، وإلا فأبو حنيفة ﵀ صرح مرارا
стр. 3608
وتكرارا: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط".
فقه الحديث:
يستفاد من الأبواب السابقة ما يلي:
- النهي عن بيع الحيوان بالحيوان أو بالحيوانين نسيئة. وبه قال أحمد والكوفيون وسفيان الثوري وغيرهم محتجين بحديث سمرة. وجعل الطحاوي حديث سمرة ناسخا لحديث عبد اللَّه بن عمرو.
وذهب الشافعي وإسحاق إلى جوازه، سواء كان الجنس واحدا أو مختلفا، مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم، وسواء باع واحدا بواحد أو اثنين فأكثر، واحتجوا بحديث عبد اللَّه بن عمرو، وحملوا حديث سمرة على إذا كان البيع نسيئة من الطرفين، وهو ما يقال بيع الكالئ بالكالئ.
وقال مالك: "إن كان الجنس مختلفا يجوز وإن كان متفاضلا".
- وقد استدل جماعة من أهل العلم بحديث عبد اللَّه بن عمرو على جواز السلم في الحيوان، سواء كان من جنس واحد أو من أجناس مختلفة موصوفة.
٥٧ - باب ما رُويَ في النهي عن كسر الدراهم
روي عن عبد اللَّه المزني قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن تكسر مكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.
رواه أبو داود (٣٤٤٩)، وابن ماجه (٢٢٦٣)، والحاكم (٢/ ٣١) كلهم من حديث معتمر بن سليمان قال: سمعت محمد بن فضاء، يحدث عن أبيه، عن علقمة بن عبد اللَّه، عن أبيه فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل محمد بن فضاء وأبيه، فالابن أشد ضعفا من أبيه، بل قد اتهمه البخاري، وأما الأب فهو مجهول؛ فإنه لم يرو عنه إلا ابنه.
وقوله: "الجائزة" أي النافعة في معاملاتهم.
وقوله: "السكة" أي الحديدة التي يطبع عليها الدراهم. والنهي إنما وقع عن كسر الدراهم المضروبة على السكة.
٥٨ - باب ما جاء في التسعير
• عن أنس بن مالك قال: قال الناس: يا رسول اللَّه، غلا السعر؛ فسعر لنا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى اللَّه، وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال".
صحيح: أخرجه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (١٢٥٩، ١٤٠٥٧) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة وثابت وحميد، عن أنس بن مالك فذكره.
وقال الترمذي: "حسن صحيح".
стр. 3609
قلت: إسناده صحيح إلا أن البعض لم يذكروا الرواة الثلاثة عن أنس.
• عن أبي هريرة أن رجلا جاء، فقال: يا رسول اللَّه، سعر. فقال: "بل أدعو". ثم جاءه رجل، فقال: يا رسول اللَّه، سعر. فقال: "بل اللَّه يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى اللَّه وليس لأحد عندي مظلمة".
صحيح: رواه أبو داود (٣٤٥٠)، وأحمد (٨٤٤٨، ٨٨٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٩) كلهم من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ لأبي داود، ولفظهم قريب منه. وإسناده صحيح
• عن أبي سعيد قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: لو قوَّمت يا رسول اللَّه، قال: "إني لأرجو أن أفارقكم، ولا يطلبني أحد منكم بمظلمة ظلمته".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٢٠١)، والإمام أحمد (١١٨٠٩)، والطبراني في الأوسط (٥٩٥٢) كلهم من طرق عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره.
وأبو نضرة اسمه المنذر بن مالك بن قُطعة العبدي، ثقة من رجال مسلم.
قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٩٩) بعد أن عزاه لأحمد والطبراني: "رجال أحمد رجال الصحيح".
• عن أبي سعيد الخدري أن يهوديا قدم زمن النبي ﷺ بثلاثين حمل شعير وتمر، فسعَّر مدًّا بمد النبي ﷺ ، وليس في الناس يومئذ طعام غيره، وكان قد أصاب الناس قبل ذلك جوع، لا يجدون فيه طعاما، فأتى النبيَّ ﷺ الناسُ يشكون إليه غلاء السعر، فصعد المنبر، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "لا ألقين اللَّه من قبل أن أعطي أحدا من مال أحد من غير طيب نفس، إنما البيع عن تراض، ولكن في بيوعكم خصالا أذكرها لكم. لا تضاغنوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا يسوم الرجل على سوم أخيه، ولا يبيعن حاضر لباد، والبيع عن تراض، وكونوا عباد اللَّه إخوانا".
حسن: رواه ابن حبان (٤٩٦٧)، وأبو يعلى (١٣٥٤)، والبيهقي (٦/ ١٧)، وابن ماجه (٢١٨٥) كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن داود بن صالح التمار، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري فذكره. واللفظ لابن حبان. واختصره أبو يعلى والبيهقي، واكتفى ابن ماجه بقوله: "إنما البيع عن تراض". وإسناده حسن من أجل الدراوردي، وشيخه داود بن صالح.
وفي الباب عن ابن عباس، وعلي، وأبي جحيفة، وأبي بصيلة. ولا يصح منها شيء. (انظر مجمع الزوائد ٤/ ٩٩ - ١٠٠). والصحيح منها ما ذكرته.
فقه الحديث:
الأصل في البيع والشراء التراضي، كما قال اللَّه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا
стр. 3610
أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٩].
ولذا ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم التسعير مستدلين بهذه الأحاديث.
وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه راجع عن تدخله في أمور السوق، رواه مالك في الموطأ في البيوع (٦٠) عن يونس بن يوسف، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبا له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا.
وتفصيل ذلك كما رواه الشافعي عن الدراوردي، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم بن محمد، عن عمر بن الخطاب أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فذكر نحو حديث مالك: إما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك بيتك فتبيعه كيف شئت. فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبا في داره، فقال له عمر: إن الذي قلت ليس بعزيمة مني، ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت وكيف شئت فبع". (الاستذكار ٢٠/ ٧٥، والسنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٩).
ولكن يجوز للحاكم إذا رأى أن البائعين أغلوا أسعارهم، وأفسدوا على المسلمين معيشتهم أن بسعر لهم الطعام الذي هو قوت الحياة؛ لأن فيه إقامة السوق وإصلاحها؛ لأن من حق الوالي أن ينظر للمسلمين فيما يصلحهم، ويعمهم نفعه.
وقد قال به بعض أهل العلم، منهم الليث بن سعد، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وغيرهم.
وبه قال بعض المالكية والحنفية بناء على القاعدة الفقهية: "إن الضرر يزال". ولا شك إن تعدى البائع على السلعة الأساسية يعتبر من أكبر الضرر على عامة الناس.
٥٩ - باب فيمن باع بيعتين في بيعة
• عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيعتين في بيعة.
حسن: رواه الترمذي (١٢٣١)، والنسائي (٤٦٣٢)، وأحمد (٩٥٨٤)، وصحّحه ابن حبان (٤٩٣)، والبيهقي (٥/ ٣٤٣)، وابن الجارود (٦٠٠) كلهم من طرق عن محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو -وهو ابن علقمة الليثي-؛ فإنه حسن الحديث.
هكذا رواه عبد الوهاب بن عطاء، وإسماعيل بن جعفر، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ومعاذ بن معاذ، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون، كلهم عن محمد بن عمرو به مثله.
وخالفهم يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، فرواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي
следующие страницы →