Полный текст (8 687 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ومن طريقه رواه أيضًا ابن خزيمة في "التوحيد" (١٨٤)، والحاكم (١/ ٨٠) وقال: "إسناده صحيح".
وأمّا ما رُوي عن معاذ بن جبل أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من صام رمضان، وصلّى الصّلوات، وحجّ البيت -لا أدري أذكر الزّكاة أم لا- إلّا كان حقًّا على اللَّه أنّ يغفر له، إنْ هاجر في سبيله، أو مكث بأرضه التي وُلد بها". قال معاذ: ألا أُخبر بهذا الناس؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ذر النّاسَ يعملون، فإنّ في الجنّة مائة درجة ما بين كلّ درجنين كما بين السّماء والأرض، والفردوس أعلى الجنة، وأوسطها، وفوق ذلك عرش الرحمن، ومنها تُفجرُ أنهار الجنّة، فإذا سألتم اللَّه فسلوه الفردوس". فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (٢٥٣٠)، وابن ماجه (٤٣٣١) كلاهما من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، فإنّ عطاء بن يسار لم يدرك معاذ بن جبل. قال الترمذيّ: "عطاء لم يدرك معاذ بن جبل، معاذ قديم الموت، مات في خلافة عمر. ولكن قال: وهذا عندي أصح من حديث همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت".
قلت: في قوله الأخير، هذا فيه نظر؛ لأنّ همام بن يحيى ثقة من رجال الشّيخين فلا يضر من خالفه؛ لأنّه رواه على الصواب، وكذلك رواه هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة كما سبق في صحيح البخاريّ. فالحكم بالمخالفة والشّذوذ على مَنْ خالفهما أولى.
٣ - باب عظمة العرش
قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة التوبة: ١٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [سورة الحاقة: ١٧].
• عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبيّ ﷺ قال: "أُذن لي أن أحدِّث عن مَلَك من ملائكة اللَّه مِنْ حملة العرش، إنّ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام".
صحيح: رواه أبو داود (٤٧٢٧) عن أحمد بن حفص بن عبد اللَّه قال: حدثني أبي، قال: حدثني إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكر الحديث. رجاله ثقات وإسناده صحيح.
وقد صحّحه الذّهبي في "العلو" (٢١٣).
وقال الحافظ في "الفتح" (٨/ ١١٥): "إسناده صحيح على شرط الصّحيح".
وقد جاء عن ابن مسعود قال: ما بين السّماء الدّنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كلّ سماءين مسيرة خمسمائة عام، وبين السّماء السّابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، واللَّه فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه".
رواه الدّارميّ في الرّد على الجهمية (٨١)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٨)، وابن خزيمة في
стр. 387
التوحيد (١٧٨) كلّهم من حديث حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره، وهو موقوف عليه.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عاصم بن بهدلة غير أنّه حسن الحديث.
وأمّا ما رُوي عن العباس بن عبد المطلب قال: كنتُ بالبطحاء في عِصابة، وفيهم رسول اللَّه ﷺ فمرّت به سحابة، فنظر إليها فقال: ما تسمّون هذه؟ ". قالوا: السّحاب. قال: "والمُزْن". قالوا: والمزن. قال: "والعنان". قال أبو بكر: قالوا: والعنان. قال: "كم ترون بينكم وبين السّماء؟ ". قالوا: لا ندري. قال: "فإنّ بينكم وبينها إما واحدًا أو اثنين أو ثلاثًا وسبعين سنة، والسماء فوقها كذلك". حتّى عدّ سبع سموات - "ثم فوق السّماء السابعة، بحرٌ بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أُوْعال، بين أظلافهنّ وركبهن كما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهنّ العرش، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم اللَّه فوق ذلك ﵎". ففيه رجل مجهول.
رواه أبو داود (٤٧٢٤)، والترمذيّ (٣٣٢٠)، وابن ماجه (١٩٣) كلهم من طريق سماك بن حرب، عن عبد اللَّه بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، فذكره، ولفظهم قريب.
وصحّحه ابن خزيمة، وأخرجه في كتاب التوحيد (١٧٢)، والحاكم (٢/ ٣٨٧) كلاهما من هذا الوجه.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في موضع آخر (٢/ ٤١٢): "فيه يحيى واهٍ".
قلت: يحيى هذا هو ابن العلاء الرّازيّ البجليّ ضعيف جدًّا. ومن طريقه رواه عبد الرزّاق عنه، عن عمّه شعيب بن خالد، حدثني سماك بن حرب، أخرجه الإمام أحمد (١٧٧٠) إلّا أنه توبع.
كما تكلّم المنذريّ. في سنن أبي داود فقال: "فيه الوليد بن أبي ثور ولا يحتجّ بحديثه". قلت: إلّا أنه توبع أيضًا، فبقي في الإسناد عبد اللَّه بن عميرة -بفتح أوله- الكوفي، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٢) ولم يذكر من روى عنه سوى سماك بن حرب، وأدخله العقيليّ في الضعفاء (٨٥٢)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٤٧)، وذكرا عن البخاريّ أنه قال: "لا نعلم له سماعًا من الأحنف بن قيس".
وقال الذهبيّ في الميزان (٢/ ٤٦٩): "فيه جهالة، قال البخاريّ: لا يعرف له سماع من الأحنف بن قيس". أي فيه انقطاع أيضًا.
وقال: "له عنه، عن العباس حديث المزن والعنان. رواه عنه سماك بن حرب. ورواه عن سماك الوليدُ بن أبي ثور وجماعة. ورواه أيضًا يحيى بن العلاء -وهو واهٍ- عن عمّه شعيب بن خالد، عن سماك". انتهى كلام الذهبيّ.
стр. 388
وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول" أي حيث يتابع وإلّا فلين الحديث، ولم أجد له متابعًا.
وأمّا الترمذيّ فقال: "حسن غريب، وروى الوليد بن أبي ثور، عن سماك نحوه ورفعه، وروي شريك عن سماك بعض هذا الحديث ووقفه ولم يرفعه".
وذهب الجوزقاني في "الأباطيل" (١/ ٧٧) إلى تصحيح هذا الحديث فقال: "هذا حديث صحيح. رواه عن سماك جماعة منهم: عنبسة بن سعيد، والوليد بن أبي ثور، وعمرو بن أبي قيس وغيرهم".
ولكن فاته أنّ مداره على عبد اللَّه بن عميرة وفيه جهالة مع الانقطاع كما سبق، فلعلّه نظر إلى معنى الحديث، ولم يتعمّق في معرفة إسناده.
كما اختُلف في رفعه ووقفه، فرواه شريك عن سماك بإسناده موقوفًا على العباس بن عبد المطلب في قوله تعالى ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [سورة الحاقة: ١٧] أملاك في صورة الأوعال".
رواه ابن خزيمة في التوحيد (١٨٩)، وفي رواية عنده: "ما بين أظلافهم إلى رُكبهم ثلاث وستون سنة". قال شريك مرة: "ومناكبهم ناشبة بالعرش".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة قال: بينما نبيُّ اللَّه ﷺ جالسٌ وأصحابُه، إذ أتى عليهم سحابٌ، فقال نبيُّ اللَّه ﷺ : "هل تدرون ما هذا؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "هذا العنانُ، هذه رواية الأرض يسوقه اللَّه ﵎ إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه". قال: "هل تدرون ما فوقكم؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف". ثم قال: "هل تدرون كم بينكم وبينها؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة". ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: فإن فوق ذلك سماءين، ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة. حتّى عدَّ سبع سماواتٍ، ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض. ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنّ فوق ذلك العرش، وبينه وبين السّماء بُعدُ ما بين السماءين". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحتكُم؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنها الأرض". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فإنّ تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة". حتّى عدَّ سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: "والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دَلَّيْتُم بحبل إلى الأرض السُّفلى لهبط على اللَّه". ثم قرا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: ٣].
رواه الترمذيّ (٣٢٩٨) عن عبد بن حميد وغير واحد -والمعنى واحد- قالوا: حدّثنا يونس ابن محمد، حدّثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، قال: حدّث الحسن، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٨٨٢٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٨) كلاهما من وجهين آخرين عن
стр. 389
قتادة بإسناده، مثله.
قال أبو عيسى الترمذيّ: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسَّر بعضُ أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنّما هبط على علم اللَّه وقدرته وسلطانه، وعلمُ اللَّه وقدرته وسلطانُه في كلّ مكان وهو على العرش كما وُصف في كتابه". انتهى قول الترمذيّ.
قلت: في الإسناد علّتان:
إحداهما: قتادة لم يصرِّح بسماعه من الحسن، وهو مدلِّس.
والثانية: الانقطاع؛ فإنّ الحسن وهو الإمام البصريّ لم يسمع من أبي هريرة كما أكّد ذلك جمهور أهل العلم. وفي متنه نكارة أيضًا.
وقال الجوزقانيّ في "الأباطيل" (١/ ٧١): هذا حديث باطل، وله علّة تخفى على من لم يتبحّر، فمن تأمّل هذا الحديث، واعتبر أقوال رواته يحكم عليه بالصحة لأمانتهم وعدالتهم، والعلّة فيه إرسال الحسن عن أبي هريرة، فإنه لم يسمع من أبي هريرة شيئًا، ولا يعلم بإرسال الحسن عن أبي هريرة إلا المتبحّرون".
ثم نقل عن الإمام أحمد ويونس وعلي بن زيد وغيرهم بأنه لم يسمع من أبي هريرة حرفًا.
قال: "وقال نعيم: حدّثنا سفيان، عن مساور الورّاق، قال: قلت للحسن البصريّ: عمّن تحدّث هذه الأحاديث؟
قال: عن كتاب عندنا سمعتُه من رجل".
ثم روى الحديث من وجه آخر عن أبي جعفر الرّازيّ، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبيّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لو دلّيتُم بحبل إلى الأرض السّابعة لقدم على ربّه ثم تلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: ٣].
قال: أبو جعفر الرّازيّ هذا اسمه عيسى بن ماهان، وكنية ماهان أبو عيسى، أصله من مرو، وانتقل إلى الرّي فنسب إليها، كان ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات.
وتنقل عن الإمام أحمد أنه قال: "أبو جعفر الرّازيّ مضطرب الحديث" انتهى.
وقال الذهبيّ في الميزان (٤/ ٥١٠) في ترجمة أبي جعفر الرّازيّ: "هو عيسى بن ماهان، وقد روي سلمة بن الأبرش، عن أبي جعفر الرّازيّ، عن قتادة، عن الأحنف، عن العباس مرفوعًا (فذكر الحديث) وقال: "هو منكر، ولم يلقَ قتادة الأحنف".
وقال البيهقيّ في الأسماء والصفات (٢/ ٢٨٩): "وفي رواية الحسن عن أبي هريرة انقطاع،
стр. 390
ولا يثبت سماعه من أبي هريرة. وروي من وجه آخر منقطع عن أبي ذرّ مرفوعًا". ثم أخرجه وهو.
وكذلك لا يصح ما روي عن أبي ذرّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بين الأرض إلى السماء مسيرة خمسمائة سنة، وغلظ السماء الدنيا مسيرة خمسمائة سنة، وما بين كلّ سماء إلى السماء التي تليها مسيرة خمسمائة سنة، والأرضين مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك، ولو حفرتم لصاحبكم، ثم دلّيتموه لوجدتم اللَّه ثمَّ".
رواه البيهقيّ في الأسماء والصفات (٨٥٠) عن أبي عبد اللَّه الحافظ وأبي سعيد بن أبي عمرو قالا: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب: ثنا أحمد بن عبد الجبار: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي نصر، عن أبي ذرّ، فذكره.
قال البيهقيّ: تابعه أبو حمزة السّكريّ وغيره عن الأعمش في المقدار".
قلت: ورواه البزار -كشف الأستار (٢٠٨٧) - عن محمد بن معمر، ثنا محاضر -يعني ابن مورع-، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي نصر، عن أبي ذرّ، فذكر نحوه مختصرًا.
قال البزّار: لا نعلمه يُروي عن أبي ذرّ إلّا بهذا الإسناد.
وأبو نصر أحسبه حميد بن هلال، ولم يسمع من أبي ذره.
قلت: مع الانقطاع بين أبي نصر وأبي ذرّ، قال الذهبيّ في "العلو" (ص ٨٩): "أبو نصر لا يعرف، والخبر منكر".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدّه، قال: أتى رسولَ اللَّه ﷺ أعرابيٌّ فقال: يا رسول اللَّه جهدتِ الأنفُس، وضاعت العيال، ونُهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستق اللَّهَ لنا، فإنّا نستشفع بك على اللَّه، ونستشفعُ باللَّه عليك. قال رسول اللَّه ﷺ : "ويحك! أتدري ما تقول؟ ". وسبَّح رسول اللَّه ﷺ ، فما زال يسبِّحُ حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: "ويحك! إنّه لا يستشفع باللَّه على أحد من خلقه، شأن اللَّه أعظم من ذلك. ويحك! أتدري ما اللَّه؟ إنّ عرشه على سماواته كهذا". وقال: بأصبعه مثل القبلة عليه. "وإنّه لَيئطُّ به أطيطَ الرّحل بالرّاكب".
رواه أبو داود (٤٧٢٦) عن عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد الرياطي قالوا: حدثنا وهب بن جرير، -قال أحمد: كتبناه من نسخته وهذا لفظه- قال: حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدّث عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، فذكر الحديث.
قال ابن بشار في حديثه: "إنّ اللَّه فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته". وساق الحديث.
قال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار، عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير، عن أبيه، عن جدّه. والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصّحيح، ووافقه عليه جماعة منهم: يحيى بن
стр. 391
معين وعلي بن المديني.
ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضًا. وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني" انتهى.
وبهذا يشير أبو داود إلى ما وقع في الإسناد من اختلاف، وقال: "والصحيح ما رواه الجماعة عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد. . . ".
وفي الإسناد جبير بن محمد بن جبير لم يوثقه غير ابن حبان، فأورده في الثقات ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم نجد له متابعا.
ومحمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.
والحديث رواه الدّارميّ في الرّد على الجهمية (٧١)، وابن أبي شيبة في كتاب "العرش" (١١)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٥٧٦)، وابن خزيمة في "كتاب التوحيد" (١٧٥)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٦٥٦)، والدارقطني في "الصفات" (٣٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٨٣) كلهم من طرق عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير ابن محمد، فذكروا الإسناد والحديث.
ومنهم من جعله عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير، والصحيح كما قال أبو داود: يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير.
وهو الذي صحّحه أيضًا الدارقطني، وقال: "ومن قال فيه عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد نقد وهم".
وقال المنذريّ في "مختصر أبي داود": "قال أبو بكر البزار، وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن النبيّ ﷺ من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه، ولم يقل فيه محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب ابن عقبة. هذا آخر كلامه، كذا قال: "يعقوب بن عقبة، والصواب "يعقوب بن عتبة" -وهو ابن المغيرة الثقفي-".
ثم قال المنذريّ: ومحمد بن إسحاق مدلس، وإذا قال المدلّس: "عن فلان"، ولم يقل: "حدّثنا، أو سمعت، أو أخبرنا". لا يحتجّ بحديثه. وإلى هذا أشار البزّار مع أن ابن إسحاق إذا صرّح بالسماع اختلف الحفاظ في الاحتجاج بحديثه، فكيف إذا لم يصرّح؟ ! وقد رواه يحيى بن معين وغيره فلم يذكروا فيه لفظة: "به". وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي: وقد تفرّد به يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفيّ الأخنسي، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم القرشي النوفليّ، وليس لهما في صحيحي أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاريّ وأبي الحسن مسلم بن الحجّاج النيسابوريّ رواية، وانفرد به محمد بن اسحاق بن يسار عن يعقوب، وابن إسحاق لا يحتج بحديثه، وقد طعن فيه غير واحد من الأئمّة وكذّبه جماعة منهم". انتهى كلام المنذريّ.
стр. 392
وقد ردّ عليه الحافظ ابن القيم في بعض نقاطه ردًا مفصلًا ونصر لمن صحَّح هذا الحديث. انظر: "تهذيب السنن".
وقال الذهبيّ في "العلو" (١/ ٤١٣): هذا حديث غريب جدًّا فرد، وابن إسحاق حجّة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فاللَّه أعلم أقال النبيُّ ﷺ هذا أم لا؟ واللَّه ليس كمثله شيء. والأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرَّحْل، فذاك صفة للرحمن وللعرش، ومعاذ اللَّه أن نعدَّه صفة للَّه، ثم لفظ الأطيط لم يأت به نصٌّ ثابت. وقولنا في هذه الأحاديث: إنّما نؤمن بما صحّ منها، وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره، فأما ما في إسناده مقال، أو اختلف العلماء في قبوله وتأويله فإننا لا نتعرّض له بتقرير، بل نرويه في الجملة ونبيّن حاله. وهذا الحديث إنّما سقناه لما فيه مما تواتر من علو اللَّه فوق عرشه مما يوافق آيات الكتاب".
وللحافظ ابن عساكر جزء في تضعيف هذا الحديث باسم "تبيان الوهم والتخليط فيما أخرجه أبو داود من حديث الأطيط".
والأطيط: قال أبو عبيد: أصوات الإبل.
وقال الجوهريّ: الأطيط صوت الرّحل والإبل من ثقل أحمالهما.
وكذلك لا بصح ما رُوي عن ابن عباس موقوفًا عليه: تفكّروا في كلّ شيء، ولا تفكّروا في اللَّه، فإنّ بين السّماء السابعة إلى كرسيّه سبعة آلاف سنة نور، وهو فوق ذلك ﵎.
رواه أبو الشيخ في "العظمة" موقوفًا على ابن عباس من طريق عاصم بن علي، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، ابن عباس.
وعاصم وأبوه ضعيفان، وعطاء بن السائب مختلط.
٤ - باب أنّ العرشَ أقربُ المخلوقات إلى اللَّه
• عن ابن عباس قال: أخبرني رجل من أصحاب النبيّ ﷺ من الأنصار أنّهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول اللَّه ﷺ رُمي بنجم فاستنار فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "ماذا كنتم تقولون في الجاهليّة إذا رُمي بمثل هذا؟ ". قالوا: اللَّه ورسولُه أعلم، كنّا نقول: وُلد الليلة رجلٌ عظيم، ومات رجلٌ عظيم. فقال رسول اللَّه ﷺ : "فإنها لا يُرْمي بها لموت أحد ولا لحياته، ولكنْ ربُّنا ﵎ اسمُه إذا قضى أمرًا سبَّح حملةُ العرش، ثم سبَّح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التّسبيح أهلّ هذه السّماء الدُّنيا. ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربُّكم؟ فيخبرونهم ماذا قال".
صحيح: رواه مسلم في السلام (٢٢٢٩) من طرق عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدّثنا
стр. 393
أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حدثني علي بن حسين، أنّ ابن عباس قال (فذكره).
٥ - باب ما جاء في زنة العرش
• عن جويرية، أنّ النّبيَّ ﷺ خرج من عندها بكرةً حين صلّي الصُّبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحي وهي جالسة، فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتُكِ عليها؟ ". قالت: نعم، قال النبيُّ ﷺ : "لقد قلتُ بعدكِ أربعَ كلماتٍ ثلاث مرّات لو وُزنتْ بما قلتِ منذ اليوم الوزنتهنّ: سبحان اللَّه وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزِنَةَ عرشه، ومداد كلماته".
وفي رواية: "سبحان اللَّه عدد خلقه، سبحان اللَّه رضا نفسه، سبحان اللَّه زِنة عرشه، سبحان اللَّه مداد كلماته".
صحيح: رواه مسلمٌ في الذِّكر (٢٧٢٦) من طرق عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس، عن جويرية، فذكرته.
وكريب هو ابن أبي مسلم أبو رشدين مولى ابن عباس.
والرواية الثانية عند مسلم أيضًا من وجه آخر عن محمد بن عبد الرحمن، بإسناده، مثله.
ورواه الإمام أحمد (٢٣٣٤) عن أسود بن عامر، عن سفيان، بإسناده وفيه:
قال ابن عباس: وكان اسم جويرية برّة، فكأنّ النبيّ ﷺ كره ذلك فسمّاها جويرية كراهة أن يقال: خرج من عند برّة. فذكر الحديث.
وجويرية هي بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعيّة المصطلقيّة أمّ المؤمنين ﵂.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "فهذا يبيّن أنّ زنة العرش أثقل الأوزان". الرّسالة العرشية (ص ٨).
قلت: والكرسيّ أعظم المخلوقات بعد العرش.
وقوله: "مداد كلماته" بكسر الميم -أي مداد كلمات اللَّه تعالى. وفيه إشارة إلى قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [سورة الكهف: ١٠٩].
٦ - باب ما جاء في قوائم العرش
• عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تخيّروا بين الأنبياء، فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة، فأكون أوّلَ من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق أم حُوسب بصعقته الأولى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الخصومات (٢٤١٢) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا وهيب،
стр. 394
حدّثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، فذكره.
وفي الحديث قصة الخصومة بين المسلم واليهودي، وستأتي في موضعها.
ورواه الشيخان البخاريّ (٣٣٩٨)، ومسلم في فضائل موسى (٢٣٧٤) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو بن يحيى، بإسناده وليس فيه ذكرٌ لقوائم العرش.
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تخيّروني على موسى، فإنّ النّاس يَصْعَقُون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أولَّ من يُفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش. فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى اللَّه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الخصومات (٢٤١١)، ومسلم في فضائل موسى (٢٣٧٣/ ١٦٠) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وفي الحديث قصة الخصومة بين المسلم واليهودي، وسيأتي في موضعه.
٧ - باب ما جاء في اهتزاز العرش
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "اهتزَّ العرشُ لموت سعد ابن معاذ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٨٠٣)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٦) كلاهما من حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر فذكره.
قال البخاريّ: وعن الأعمش، حدّثنا أبو صالح، عن جابر، عن النبيّ ﷺ ، مثله. فقال رجل الجابر: فإنّ البراء يقول: "اهتزّ السّرير". فقال: إنّه كان بين هذين الحيين ضغائن، سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "اهتزّ عرش الرّحمن لموت سعد بن معاذ".
قوله: "بين هذين الحيّين" أي الأوس والخزرج.
وقوله: "ضغائن" بالضّاد والغين جمع ضغينة، وهي الحقد.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٧/ ١٢٣ - ١٢٤): "قال الخطابيّ: إنّما قال جابر ذلك لأنّ سعدًا كان من الأوس، والبراء خزرجيّ، والخزرج لا تُقرُّ للأوس بفضل. كذا قال وهو خطأ فاحش فان البراء أيضًا أوسي لأنه ابن عازب بن الحارث بن علي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس يجتمع مع سعد بن معاذ في الحارث بن الخزرج، والخزرج والد الحارث بن الخزرج، وليس هو الخزرج الذي يقابل الأوس وانما سمي على اسمه، نعم الذي من الخزرج الذين هم مقابلو الأوس جابر. وإنّما قال جابر ذلك إظهارًا للحقّ واعترافًا بالفضل لأهله فكأنه تعجّب من البراء كيف قال ذلك مع أنه أوسيٌّ. ثم قال: أنا وإنْ كن خزرجيًّا
стр. 395
وكان بين الأوس والخزرج ما كان لا يمنعني ذلك أنّ أقول الحقّ فذكر الحديث. والعذر للبراء أنه لم يقصد تغطية فضل سعد بن معاذ وإنما فهم ذلك، فجزم به هذا الذي يليق أنْ يُظن به وهو دالٌّ على عدم تعصّبه. ولما جزم الخطابي بما تقدم احتاج هو ومن تبعه إلى الاعتذار عمّا صدر من جابر في حقّ البراء، وقالوا في ذلك ما محصله: إنّ البراء معذور لأنّه لم يقل ذلك على سبيل العداوة السعد وإنما فهم شيئا محتملا فحمل الحديث عليه والعذر لجابر أنه ظنّ أن البراء أراد الغض من سعد، فساغ له أنْ ينتصر له واللَّه أعلم".
ثم قال: "وقد أنكر ابنُ عمر ما أنكره البراء فقال: إنّ العرش لا يهتز لأحد. ثم رجع عن ذلك وجزم بأنه اهتزّ له عرش الرحمن". انتهى.
وسيأتي حديث ابن عمر.
• عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لسعد: "هذا العبد الصّالحُ الذي تحرّكَ له العرش، وفُتحتْ له أبواب السّماء، شُدِّد عليه، ففرَّج اللَّه عنه".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٥٠٥)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٣)، وصحّحه ابن حبان (٧٠٣٣)، والحاكم (٣/ ٢٠٦) كلّهم من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، حدثني يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ، ويحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة الزُّرقيّ، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة اللّيثيّ، فإنّه صدوق.
وفي رواية عن جابر قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ يومًا إلى سعد بن معاذ حين توفي، قال: فلما صلّى عليه رسول اللَّه ﷺ ، ووُضع في قبره، وسُوّي عليه، سبَّح رسولُ اللَّه ﷺ فسبّحنا طويلًا، ثم كبّر فكبّرنا فقيل: يا رسول اللَّه، لم سّبحتَ ثم كبّرتَ؟ قال: "لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتّى فرّج اللَّه عنه".
رواه الإمام أحمد (١٤٨٧٣)، والطبرانيّ في الكبير (٦/ ١٥) كلاهما من حديث ابن إسحاق، قال: حدثني معاذ بن رفاعة الأنصاريّ، ثم الزّرقيّ، عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر، فذكره.
وإسناده حسن؛ لأنّ محمد بن إسحاق قد صرَّح بالتحديث، وقد ثبت أن معاذ بن رفاعة روى عن جابر، وعن محمود بن عبد الرحمن الجَموح عن جابر، وكلاهما صحيح.
• عن جابر قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ فقال: "من هذا العبد الصّالحُ الذي مات، فُتحتْ له أبواب السّماء، وتحرَّك له العرش؟ فخرج النبيُّ ﷺ فإذا سعد بن معاذ قد مات".
صحيح: رواه ابن منده في التوحيد (٨٢١) من طرق عن عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهاد، عن معاذ بن رفاعة الزّرقيّ، عن جابر، فذكره.
стр. 396
وقال: رواه اللّيث، عن يزيد بن الهاد.
قلت: وهذه متابعة قوية لعبد العزيز بن محمد لأنه سيء الحفظ كما قال أبو زرعة.
ويزيد بن الهاد هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد اللّيثيّ، كما سبق.
وأمّا ما رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في "العرش" (٥١) عن عقبة بن مكرم، حدّثنا يونس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق، عن معاذ بن رفاعة الزّرقيّ، قال: حدّثنا من شئتَ من رجال قومي: أنّ جبريل أتي رسول اللَّه ﷺ حين قُبض سعد بن معاذ من جوف اللين معتجرًا بعمامة من إستبرق فقال: يا محمد، من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء، واهتزّ له العرش؟ فقام رسول اللَّه ﷺ سريعًا يجرُّ ثوبه إلى سعد فوجده قد مات".
ومن هذا الطّريق أورده الذهبيّ في العلو (١٩٢ - ١)، وفيه رجل مبهم، وهو من روى عنه معاذ بن رفاعة، والظّاهر من الروايات السابقة أنه جابر بن عبد اللَّه إلّا أنه زاد في المتن أشياء لم يذكرها غيره.
• عن أنس بن مالك، أنّ نبيَّ اللَّه ﷺ قال -وجنازته موضوعة (يعني سعدًا) -: "اهتزّ لها عرشُ الرّحمن".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٤٦٧)، عن محمد بن عبد اللَّه الرازّي، حدّثنا عبد الوهّاب ابن عطاء الخفاف، عن سعيد، عن قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، فذكره.
• عن أنس، أنّ النبيّ ﷺ قال -وجنازة سعد موضوعة-: "اهتزّ لها عرش الرّحمن". فطعن المنافقون في جنازته وقالوا: ما أخفّها! فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: "إّنما كانت تحمله الملائكةُ معهم".
صحيح: رواه ابنُ حبان في "صحيحه" (٧٠٣٢) عن الحسن بن سفيان، حدّثنا محمد بن عبد الرحمن العلاف، حدّثنا محمد بن سواء، حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، فذكره.
ورواه الطبراني في الكبير (٦/ ١٤)، وابن منده في التوحيد (٨٢٣) كلاهما من وجه آخر عن محمد بن سواء، عن سعيد، عن قتادة، وفيه: "اهتزّ العرشُ لموت سعد". ولم يذكرا قصة حمل الملائكة له.
ورواه الترمذيّ (٣٨٤٩)، والطبراني في الكبير كلاهما من حديث عبد الرزّاق -وهو في المصنف (٢٠٤١٤) -، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: "لما حملت جنازة سعد بن معاذ، قال المنافقون: ما أخف جنازته -لحكمه الذي حكم في قريظة- فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: "لا، ولكن الملائكة تحمله". وإسناده صحيح.
• عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ قال: "اهتزّ العرشُ لموت سعد بن معاذ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١١١٨٤)، وأبو يعلى (١٢٦٠)، والبزّار -كشف الأستار (٢٧٠١) -
стр. 397
وابن منده في التوحيد (٨٢٥) كلّهم من طرق عن عوف بن أبي جميلة الأعرابيّ، حدّثنا أبو نضرة، قال: سمعتُ أبا سعيد، فذكره.
وصحّحه الحاكم (٣/ ٢٠٦) وقال: "على شرط مسلم". وهو كما قال.
• عن رُميثة بنت عمرو قالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: -ولو أشاء أن أُقَبِّلَ الخاتم الذي بين كتفيه من قُربي منه لفعلتُ- يقول: "اهتزّ له عرش الرّحمن ﵎". يريد سعد بن معاذ يوم توفي.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٦٧٩٣، ٢٦٧٩٤)، والطبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٢٦٧)، والترمذيّ في الشمائل (١٨)، وابن منده في التوحيد (٨٢٧) كلّهم من حديث يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدّته رُمَيْثَة، فذكرته.
قال ابن منده: "هذا إسناد صحيح من رسم أبي عيسى وأبي عبد الرحمن النسائيّ".
قلت: إسناده حسن من أجل والد يوسف وهو يعقوب بن أبي سلمة الماجشون القرشيّ التيمي المدنيّ، ذكره ابنُ سعد في الطبقة الثالثة من أهل المدينة وقال: يكنى أبا يوسف، وهو الماجشون، فسُمّي بذلك هو ولده فيعرفون جميعًا بالماجشون، وكان فيهم رجال لهم فقه ورواية للحديث والعلم، وليعقوب أحاديث يسيرة. وذكره ابنُ حبان في الثقات، وقال الحافظ في التقريب: "صدوق". روى له مسلمٌ وأصحابُ السنن غير ابن ماجه.
• عن ابن عمر، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "هذا الذي تحرّك له العرش، وفُتحتْ له أبواب السّماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُمَّ ضمّةً ثم أُفرج عنه".
صحيح: رواه النسائيّ (٢٠٥٥)، والبيهقيّ في إثبات عذاب القبر (١٢٢) كلاهما من حديث محمد بن إدريس، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده صحيح.
ومحمد بن إدريس هو الإمام الشّافعيّ المطلبيّ وزاد البيهقيّ في كتاب "إثبات عذاب القبر": "يعني سعد بن معاذ". هذا هو الصّحيح عن ابن عمر.
وما رُوي عنه بأنّ العرش لا يهتز لأحد، وكذلك ما روي عنه: "اهتزّ العرش فرحًا بلقاء اللَّه سعدًا حتى تفسّخت أعواده على عواتقنا". والمقصود من العرش - عرش سعد الذي حُمل عليه فهي كلّها لا تصح، لأنّ منها ما رواه عطاء بن السّائب، عن مجاهد، عن ابن عمر. رواه ابنُ أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٤١٤) عن محمد بن فضيل، وعنه أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة في العرش (٤٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٠٦) وصحّحه.
قلت: فيه عطاء بن السّائب وهو ممن اختلط في آخر عمره، ولعلّ هذا من اختلاطه لأنّ الأحاديث التي تصرِّح باهتزاز عرش الرّحمن مخرَّجةٌ في الصّحيحين كما قال الحاكم، وليس المعارضها في الصحيح ذكر. انتهى قوله.
стр. 398
انظر للمزيد: "فتح الباري" (٧/ ١٢٤).
وفي الباب ما رُوي عن امرأة من الأنصار -يقال لها أسماء بنت يزيد بن مسكن- قالت: لما توفي سعد بن معاذ صاحتْ أمُّه، فقال النبيُّ ﷺ : "ألا يرقأ دمعك، ويذهب حزنك، فإنّ ابنكِ أوّلُ من ضحِك اللَّه له، واهتزّ له العرش".
رواه الإمام أحمد (٢٧٥٧١)، والطبرانيّ في الكبير (٦/ ١٤) كلاهما عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا إسماعيل -يعني ابن أبي خالد-، عن إسحاق بن راشد، عن امرأة، فذكرته.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الحاكم (٣/ ٢٠٦) وقال: صحيح الإسناد.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣٠٩) وقال: "رجاله رجال الصّحيح".
قلت: ليس كما قال؛ فإنّ إسحاق بن راشد ليس من رجال الصّحيح، ولا من رجال السنن، ولذا ترجمه الحافظ في "التهذيب" تمييزًا، ولم نقف على توثيق له من غير ابن حبان.
وأخرج هذا الحديث ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٦٦) وقال عقبه:
"لستُ أعرفُ إسحاق بن راشد هذا، ولا أظنُّه الجزريّ أخو النّعمان بن راشد" انتهى.
قلت: إسحاق بن راشد الجزريّ هذا متأخر عن إسحاق بن راشد الذي في الإسناد، والجزريّ روى له الجماعة سوى مسلم، وهو ثقة كما في "التقريب".
وفي الباب أيضًا عن أُسيد بن حُضير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لقد اهتزّ العرشُ لوفاة سعد بن معاذ".
رواه الإمام أحمد (١٩٠٩٥)، والطبراني في الكبير (١/ ١٧٣)، وصحّحه ابن حبان (٧٠٣٠)، والحاكم (٢/ ٢٠٧، ٢٨٩) كلّهم من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جدّه علقمة، عن عائشة، قالت: قدمنا من حجّ أو عمرة، فتُلقِّينا بذي الحُليفة، وكان غِلمانٌ من الأنصار تلقوا أهليهم، فلقوا أسيد بن حُضير، فنعوا له امرأته، فتقنَّع وجعل يبكي. فقلتُ له: غفر اللَّه لك، أنت صاحبُ رسول اللَّه، ولك من السّابقة والقدَم، مالك تبكي على امرأةٍ؟ فكشف عن رأسه وقال: صدقتِ لعمري، حقّي أن لا أبكي على أحد بعد سعد بن معاذ، وقد قال له رسول اللَّه ﷺ ما قال. قالتْ: قلتُ له: ما قال له رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قال: ولقد اهتزّ العرشُ لوفاة سعد بن معاذ". قالت: وهو يسير بيني وبين رسول اللَّه ﷺ ". واللّفظ لأحمد.
ولفظ غيرهم نحوه إلّا أنّ ابن حبان لم يذكر القصة.
قال الحاكم في الموضع الأول: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقال الذهبي في "العلو" (١٨٩): "إسناده حسن".
وقال ابن منده في التوحيد (٨٢٦): "مشهور عن محمد بن عمرو".
وقال الحاكم في الموضع الثاني: "صحيح على شرط مسلم".
وعمرو بن علقمة ليس من رجال مسلم، ولم يؤثر عن أحد توثيقه وإنما ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٥/ ١٧٤)
стр. 399
ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول". أي حيث يتابع، ولم أقف على متابعة له.
ولا يصح ما رُوي عن حذيفة، قال: لما مات سعد بن معاذ قال رسول اللَّه ﷺ : "اهتزّ العرش لروح سعد بن معاذ".
رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/ ١٤٣) عن عبيد اللَّه، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل حدّثه، عن حذيفة، فذكره.
وفيه رجلٌ لم يسمَّ.
وكذلك لا يصحُّ ما رُوي عن سعد بن أبي وقّاص قال: لَمّا مرّتْ جنازهُ سعد بن معاذ، قال النبيُّ ﷺ : "لقد اهتزّ له العرش".
رواه البزّار - البحر الزّخّار (١٠٩٢) عن محمد بن معمر، قال: نا يعقوب بن محمد، قال: نا صالح بن محمد بن صالح، قال: نا أبي، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه، فذكره.
قال البزّار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروي عن سعد إلّا من هذا الوجه بهذا الإسناد".
قلت: إسناده ضعيف من أجل يعقوب بن محمد وهو ابن عيسى بن عبد الملك الزهريّ المدنيّ، قال فيه ابنُ حنبل: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣٠٩) وقال أيضًا: "وصالح بن محمد بن صالح التمار لم أعرفه".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن مُعيقيب، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "اهتزّ العرشُ لموت سعد بن معاذ".
رواه الطبرانيّ في الكبير (٦/ ١٣) عن الحسين بن إسحاق التستريّ وعبدان بن أحمد، قالا: ثنا عمرو بن مالك العنبريّ، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب، فذكره.
أورده الهيثمي في "المجمع" (٩/ ٣٠٩) وقال: "فيه عمرو بن مالك العنبريّ وثّقه ابنُ حبان وقال: يغرب، وضعّفه أبو حاتم وأبو زرعة، وبقية رجاله رجال الصّحيح".
وقال الذهبيّ في "الميزان" (٣/ ٢٨٥): "عمرو بن مالك الرّاسبيّ البصريّ، لا الكريّ، هو شيخ حدّث عن الوليد بن مسلم، ضعّفه أبو يعلى، وقال ابن عدي: يسرق الحديث، وتركه أبو زرعة. وأما ابن حبان فذكره في "الثقات"" ثم ساق الحديث عن جماعة عن عمرو بن مالك البصريّ، بإسناده مثله وقال: تفرّد به عمرو وإنّما روى أصحاب الوليد بهذا الإسناد حديث: "ويلٌ للأعقاب من النار".
والخلاصة أنّ اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ مما تواتر من الحديث.
قال الذهبيّ في "العلو" (١٩٢): "فهذا متواتر، أشهد بأن رسول اللَّه ﷺ قاله".
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٧/ ١٢٤): "وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصّحابة أو أكثر".
стр. 400
وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب" في ترجمة سعد بن معاذ: "رُوي من وجوه كثيرة متواترة، رواه جماعة من الصحابة".
وأمّا ما رُوي عن عمر من اهتزاز عرش الرحمن لبكاء اليتيم، فهو ضعيف.
رواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٧٢١ - ٧٢٢) في ترجمة الحسن بن أبي جعفر، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٩٩) كلاهما من طريق عمرو بن سفيان القطعيّ، نا الحسن بن أبي جعفر، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اليتيم إذا بكى اهتزّ عرش الرحمن لبكائه يقول اللَّه لملائكته: من أبكى عبدي، وأنا أخذت أباه وواريتُه في التراب؟ فيقولون: ربُّنا أعلم به. فيقول: اشهدوا لمن أرضاه أرضيتُه يوم القيامة".
قال ابن عدي: وهذا لا أعرفه إلّا من هذا الطريق.
وفيه الحسن بن أبي جعفر الجفري أبو سعيد الأزديّ، قال البخاريّ: منكر الحديث، وضعفه النسائيّ ويحيى بن سعيد وأحمد وغيرهم.
وفيه أيضًا شيخه علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف أيضًا.
وفي الباب أيضًا عن أنس بن مالك مرفوعًا: "إذا بكى اليتيم وقعتْ دموعُه في كفّ الرحمن تعالى، فيقول: من أبكي هذا اليتيم الذي واريتُ والديه تحت الثّرى؟ من أسكنه فله الجنة".
رواه الخطيب في تاريخ بغداد (٦٩٥٥) وعنه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٦٨) من طريق موسى بن عيسى البغداديّ بالرّملة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، فذكره.
قال الخطيب: "هذا حديث منكر جدًّا، لم أكتبه إلّا بإسناده، ورجاله كلهم معروفون إلا موسى ابن عيسى فإنه مجهول، وحديثه عندنا غير مقبول".
وقال الذهبي في الميزان (٤/ ٢١٦) في ترجمة موسى بن عيسى البغداديّ: عن يزيد بن هارون بخبر كذب، ونقل عن الخطيب بأنه قال: "هو المتهم به".
٨ - باب ما جاء في ظلّ العرش
• وعن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "سبعةٌ يظلّهم اللَّه في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبه متعلّق بالمساجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في اللَّه واجتمعا على ذلك وتفرّقا عليه، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تنفقُ يمينُه".
متفق عليه: رواه مالك في الشعر (١٤) عن خبيب بن عبد الرحمن الأنصاريّ، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد أو عن أبي هريرة، فذكره.
стр. 401
ومن هذا الطريق رواه مسلم في الزكاة (١٠٣١).
ورواه البخاريّ في الأذان (٦٦٠)، ومسلم في الزكاة كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه، قال: حدثني حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، بدون شك.
وقوله: "ويظلهم اللَّه في ظله" -أي ظل عرشه- كما بينته الأحاديث الأخرى، وبه قال أئمة أهل السنة والجماعة، ولم نجد لهم مخالفًا إلا أن أهل الكلام أوَّلوه بالرحمة والعناية.
• وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه ﵎ يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلُّهم في ظلّي يوم لا ظلَّ إلا ظلّي".
صحيح: رواه مالك في الشعر (١٣) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر، عن أبي الحباب سعد بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره.
ومن طريقه رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٦٦).
• عن العرباض بن سارية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه : المتحابون بجلالي في ظل عرشي يوم لا ظلَّ إلا ظلّي".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧١٥٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٨) كلاهما من حديث إسماعيل ابن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن العرباض بن سارية، فذكره.
وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن عياش الحمصيّ فإنه صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذا منه، فإنّ صفوان بن عمرو وهو السكسكيّ من حمص وهو ثقة.
وعبد الرحمن بن ميسرة هو أبو سلمة الحمصي أيضًا وثقه العجلي وابن حبان، وروى عنه جمع، والراوي عنه صفوان بن عمرو الحمصي من بلده، وهو أعرف عنه من غيره، فمثله يحسن حديثه وخاصة في الشواهد، وإلا فهو "مقبول" كما قال الحافظ في "التقريب"، أي يحتاج إلى المتابعة.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٢٧٩) وقال: "رواه أحمد، والطبراني، وإسنادهما جيد". وكذا قال المنذريّ في الترغيب والترهيب أيضًا (٤/ ٤٨) إلّا أنه قصر على أحمد.
• عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المتحابون في اللَّه في ظل العرش يوم القيامة".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٠٣١) عن روح، حدثنا الحجاج بن أسود، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل، فذكره.
وفيه شهر بن حوشب وفيه كلام مع الانقطاع فإنه لم يلق معاذ بن جبل.
ولكن رواه الطبرانيّ في الكبير (٢٠/ ٧٨)، والبزار في البحر الزّخار (٢٦٧٢)، وعبد اللَّه بن المبارك في الزهد (٧١٥) كلّهم من حديث عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، قال:
стр. 402
حدثني عائذ اللَّه بن عبد اللَّه، قال: قلت لمعاذ بن جبل. فذكر القصة.
وعائذ اللَّه هو أبو إدريس الخولانيّ، وقد اختُلف في سماعه من معاذ بن جبل، فالصحيح أنه سمع منه.
وأخرجه الحاكم (٤/ ١٦٩) من وجه آخر عن أبي إدريس، عن معاذ بن جبل، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد جمع أبو إدريس بإسناد صحيح بين معاذ وعبادة بن الصّامت في هذا المتن".
انظر مزيدًا من التخريج في باب استواء اللَّه على العرش.
وأضيف هنا بأنه رواه أيضًا عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند (٢٢٧٨٢) وابن حبان (٥٧٧) من طريق أبي المليح الرقي، عن حبيب بن أبي مرزوق، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي مسلم الخولاني قال: قلتُ لمعاذ بن جبل، فذكر الحديث وزاد فيه: "يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء" وفيه قصة.
وأبو المليح هو الحسن بن عمر الفزاري مولاهم، ثقة كما قال الحافظ.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أنظر معسرًا، أو وضع له، أظله اللَّه يوم القيامة تحت ظلِّ عرشه، يوم لا ظلَّ إلّا ظلُّه".
صحيح: رواه الترمذيّ (١٣٠٦) عن أبي كريب، حدّثنا إسحاق بن سليمان الرّازيّ، عن داود ابن قيس، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
والحديث رواه الإمام أحمد (٨٧١١) عن إسحاق بن سليمان، بإسناده إلّا أنه لم يذكر قوله: "يوم لا ظل إلا ظلّه". وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
• عن أبي اليسر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن أنظر معسرًا، أو وضع له، أظله اللَّه في ظل عرشه".
صحيح: رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٧/ ٥٥٢) عن حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثني أبو اليسر، فذكر الحديث.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا أحمد (١٥٥٢١) وإسناده صحيح، وأبو اليسر هو: كعب بن عمرو ابن عباد السَّلمي -بالفتح- الأنصاري صحابي بدوي جليل.
وأصل هذا الحديث في صحيح مسلم (٣٠٠٦) ضمن حديث طويل فانظره.
• عن محمد بن كعب القرظيّ، أنّ أبا قتادة كان له على رجل دين، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبئُ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبيٌّ، فسأله عنه فقال: نعم هو في
стр. 403
البيت يأكلُ خزيرةً، فناداه: يا فلان، اخرُج، فقد أُخبرتُ أنّك هاهنا. فخرج إليه، فقال: ما يُغيِّيُك عني؟ قال: إنّي معسرٌ وليس عندي. قال: اللَّه إنّك معسرٌ؟ قال: نعم. فبكى أبو قتادة ثم قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من نفّس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظلّ العرش يوم القيامة".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٦٢٣) عن عفّان، حدّثنا حماد -يعني ابن سلمة- أخبرنا أبو جعفر الخطميّ، عن محمد بن كعب القرظيّ، فذكره.
وإسناده حسن، لأجل أبي جعفر الخطميّ وهو: عمير بن يزيد بن عمير الأنصاريّ أبو جعفر الخطميّ، فإنه "صدوق" كما في التقريب، وبقية رجاله ثقات.
وسيأتي في كتاب البيوع حديث أبي قتادة الذي في صحيح مسلم (١٥٦٣) وليس فيه ذكرٌ للعرش.
وأمّا ما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا: "ثلاثة في ظل العرش: القرآن يحاج العباد، والرحم ينادي صلْ من وصلني واقطع من قطعني، والأمانة" فهو لا يصح.
رواه العقيليّ في الضعفاء (٤/ ٥)، والبغويّ في شرحه (٣٤٣٣) كلاهما من طريق مسلم بن إبراهيم، حدثنا كثير بن عبد اللَّه اليشكريّ، حدثني الحسن بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، فذكر مثله.
قال العقيلي: "لا يصح إسناده".
وقال أيضًا: "والرواية في الرحم والأمانة من غير هذا الوجه بأسانيد جياد، بألفاظ مختلفة، وأما القرآن فليس بمحفوظ". انتهى.
ونقل الذهبي في الميزان (٣/ ٢٠٩) تضعيفه من العقيليّ.
وكذلك ما رُوي عن سلمان الفارسيّ أنه قال: سبعة يظلّهم اللَّه في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلا ظلُّه: الإمام العادل، ورجل لقي رجلًا فقال: واللَّه إنّي لأحبُّك في اللَّه وقال الآخر: مثل ذلك، ورجل كان قلبه معلقًا بالمساجد من حبّها، ورجل جعل شبابه ونشاطه فيما يحبُّ اللَّه ويرضاه، ورجل دعته امرأة ذات جمال إلى نفسها فتركها من خشية اللَّه، ورجل أعطى صدقته بيمينه كاد أن يخفيها من شماله، ورجل إذا ذكر اللَّه فاضت عيناه من خشية اللَّه تعالى. فهو موقوف وضعيف.
رواه أبو جعفر ابن أبي شيبة في كتاب العرش (٥٦) عن محمد بن عبيد المحاربيّ، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم التيمي، عن إبراهيم، عن الوليد بن عتبة، عن سلمان من قوله.
وإسماعيل بن إبراهيم التيميّ هو الأحول أبو يحيى التيمي الجمهور على تضعيفه غير ابن معين قال فيه: يكتب حديثه، وضعّفه الحافظ في التقريب.
وشيخه إبراهيم هو ابن مسلم العبديّ الهجريّ، ومن طريقه رواه سعيد بن منصور في سننه قال: حدثنا أبو معاوية، عنه، عن الوليد بن عتبة، عن سلمان.
стр. 404
ذكره السيوطي في "تمهيد الفرش في الخصال الموجبة لظل العرش" (ص ٣٥).
فإذا كان في طريق سعيد بن منصور إبراهيم الهجري ففي قول الحافظ في "الفتح" (٢/ ١٤٤): "رواه سعيد بن منصور بإسناد حسن". فيه نظر؛ لأنّ إبراهيم الهجريّ، الجمهور مجمعون على تضعيفه وقال هو في التقريب: "لين الحديث، رفع الموقوفات".
قلت: بعض هذه الأحاديث فيها مقال كما رأيتَ، إلا أنّها تقوّى بشواهدها الصّحيحة؛ ولذا ادّعى الذهبي في كتابه "العرش" بقوله: "وقد ورد في ظلّ العرش أحاديث تبلغ التواتر".
وقد جمع الحافظ ابن حجر الأحاديث الموجبة لظل العرش في كتابه "معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال" ولخّصه وأضاف عليه السيوطيّ في كتاب سمّاه: "تمهيد الفرش في الخصال الموجبة الظل العرش" طبع بتحقيق الأستاذ مشهور سلمان، طبع بمكتبة المنار عام ١٤٠٧ هـ.
٩ - باب أنّ اللَّه كتب في كتابه وهو عنده فوق العرش: "إنّ رحمتي غلبتْ غضبي "
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما قضى اللَّه الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إنّ رحمتي غلبتْ غضبي".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣١٩٤)، ومسلم في كتاب التوبة (٢٧٥١) كلاهما عن قتية بن سعيد، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه، ثم رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزّناد ولفظه: "سبقتْ رحمتي غضبي".
• عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ اللَّه حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه: إنّ رحمتي تغلب غضبي".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٥٤٣)، وابن ماجه (١٨٩، ٤٢٩٥) كلاهما من طريق ابن عجلان (وهو يحيى)، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا أحمد (٩٥٩٧)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (٨، ٧٩)، وابن حبان في صحيحه (٦١٤٥)، قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
قلت: هو حسن فقط من أجل الكلام في ابن عجلان عن أبي هريرة إلا أنه لم ينفرد به، فقد تابعه اثنان.
أحدهما: أبو رافع كما في السنة (٦٠٨) لابن أبي عاصم، ولفظه: "لما قضى اللَّه الخلق كتب في كتاب عنده: غلبت -أو قال: سبقت- رحمتي غضبي، فهو عنده فوق العرش". أو كما قال.
стр. 405
وأبو رافع هو نفيع الصّائغ ثقة ثبت.
والثاني: أبو صالح، عن أبي هريرة، ولفظه:
"إنّ اللَّه كتب كتابًا بيده لنفسه قبل أن يخلق السماوات والأرض، فوضعه تحت عرشه فيه: رحمتي سبقتْ غضبي".
رواه الإمام أحمد (٩١٥٩) عن محمد بن سابق، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، به. وشريك هو ابن عبد اللَّه القاضي النخعيّ تُكلِّم فيه من ناحية حفظه، ولكنه توبع فتبين منه أنه لم يخلط فيه، وبهذه المتابعات ثبت قوله: "بيده". وإن كان الحديث في الصحيحين بدونه كما في باب: إنّ اللَّه كتب في كتابه: "إنّ رحمتي غلبت غضبي". وفيه أنه وضعه فوق عرشه.
قال اللغويون: "فوق" من ألفاظ الأضداد التي تستعمل في لغة العرب ويراد بها "تحت" كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٦] أي فيما دونها.
وقوله: "على نفسه".
قال ابن خزيمة: "فاللَّه جلّ وعلا أثبت في أي من كتابه أنّ له نفسًا، وكذلك بيّن على لسان نبيّه أن له نفسًا، كما أثبت النفس في كتابه وكفرت الجهمية بهذه الآي وهذه السنن، وزعم بعض جهلتهم أن اللَّه تعالى إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق إليه، وزعم أن نفسه غير كما خلق غيره. وهذا لا يتوهمه ذو لبٍّ وعلم فضلا عن أن يتكلّم به. قد أعلم اللَّه في محكم تنزيله أنه ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] أفيتوهّم مسلمٌ أن اللَّه تعالى كتب على غيره الرحمة؟ وحذّر العباد نفسه أفيحل لمسلم أن يقول: إن اللَّه حذّر العباد غيره أو يتأول قوله لكليمه موسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [سورة طه: ٤١] فيقول: معناه واصطفيتك لغيري من المخلوق، أو يقول: أراد روح اللَّه بقوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [سورة المائدة: ١١٦] أراد ولا أعلم ما في غيرك؟ هذا ما لا يتوهمه مسلم ولا يقوله إلا معطّل كافر". انتهى.
قال الشيخ خليل هرّاس معلقًّا على كلام ابن خزيمة: "فالنّفس ثابتهٌ للَّه بالآيات والأحاديث المتفق عليها، فأهل الحقّ يثبتون ذلك ويمسكون عما وراءه من الخوض في حقيقتها أو كيفيتها، وينزّهون اللَّه عن مشابهة نفسه لأنفس المخلوقين، كما لا يقتضي إثباته عندهم أن يكون مركبًا من نفس وبدن، تعالى اللَّه عن ذلك". انتهى.
١٠ - باب ما جاء في "تحت العرش "
• عن حذيفة قال: "فُضِّلتْ هذه الأمّة على سائر الأمم بثلاث: جعلتْ لها الأرضُ طهورًا ومسجدًا، وجُعلت صفوفها على صفوف الملائكة". قال: كان النبيُّ ﷺ يقول ذا -"وأعطيتُ هذه الآيات من آخر البقرة من كنز تحت العرش، لم
стр. 406
يُعطَها نبيٌّ قبلي".
قال أبو معاوية: كلّه عن النبيّ ﷺ .
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٢٥١)، وأبو داود الطيالسيّ (٤١٨)، وابن خزيمة (٢٦٤)، وعنه ابن حبان (٦٤٠٠)، والبزّار في البحر الزّخّار (٢٨٣٦، ٢٨٤٥)، والفريابي في فضائل القرآن (٥٥) كلّهم من طريق أبي مالك الأشجعيّ، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، فذكره.
وأبو مالك اسمه سعيد بن طارق بن أشيم الأشجعيّ.
وفي رواية: "فهنّ في كنز من بيت من تحت العرش".
ومن هذا الوجه رواه أيضًا مسلمٌ في "صحيحه" (٥٢٢) إلّا أنه ذكر الخصلتين الأوليين، ثم قال: "وذكر خصلة أخرى".
هكذا أبهمها ولم يُفصح عنها.
وأمّا قول الحاكم (١/ ٥٦٣): "رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشجعيّ، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أعطيتُ خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش". فوهمٌ منه؛ لأنّ مسلمًا لم يصرِّح به كما ذكرته.
• عن عقبة بن عامر الجهنيّ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "اقرإِ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإنّي أُعطيتُهما من تحت العرش".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٣٢٤) عن إسحاق بن إبراهيم الرّازيّ، حدّثنا سلمة بن الفضل، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد اللَّه، عن عقبة بن عامر، فذكره.
ومحمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، ومن هذا الطّريق رواه أبو يعلى (١٧٣٥)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ رقم ٧٨٠).
ومحمد بن إسحاق توبع في رواية، رواها الإمام أحمد (١٧٤٤٥) عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن يزيد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، فذكر الحديث مثله.
وأبو الخير هو مرثد بن عبد اللَّه، وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكن روى عنه قتيبة بن سعيد، وروايته عنه صالحة.
ومن طريقه رواه الفريابي في فضائل القرآن (٥١).
• عن أبي ذرّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أُعطيتُ خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش، لم يعطهنَّ نبيٌّ قبلي".
حسن: رواه ابن مردويه من طريق سفيان الثوريّ، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن زيد ابن ظبيان، عن أبي ذرّ، فذكره.
стр. 407
أورده ابنُ كثير في تفسيره (١/ ٥٠٦).
وزيد بن ظبيان "مقبول" كما في التقريب، وهو كذلك لأنه توبع.
لأنه رواه الإمام أحمد أيضًا (٢١٣٤٥) من طريق شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحرّ -أو المعرور بن سويد- عن أبي ذرّ، فذكره.
وخرشة بن الحرّ، والمعرور بن سويد ثقتان، وفي بعض الروايات "و" بدل "أو" وفي أخرى: "عن خرشة بن الحر، عن المعرور بن سويد". وهذا تصحيف.
ولا يضر ما رواه جرير، عن منصور بإسناده عمّن حدثه عن أبي ذر - وعنه رواه الإمام أحمد (٢١٣٤٣) فمن صرّح حجّة على من لم يصرِّح.
ورواه الحاكم (١/ ٥٦٢) من وجه آخر عن عبد اللَّه بن صالح المصريّ، قال: أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزّاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ذرّ، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ اللَّه ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهنّ وعلّموهنّ نساءكم وأبناءكم فإنّها صلاة وقرآن ودعاء".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ".
وتعقبه الذهبي فقال: "معاوية لم يحتج به البخاريّ".
وفيه عبد اللَّه بن صالح المصريّ كاتب الليث مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في المتابعات والشواهد كما هنا.
ورُوي عن ابن مسعود موقوفًا عليه.
١١ - باب ما جاء في عدَم فناء العرش
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [سورة الزّمر: ٦٧].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [سورة إبراهيم: ٤٨].
فهل العرش يدخل فيما يقبض ويطوى ويُبدّل أو لا؟
فيرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى أنّ من المخلوقات التي لا يعدم ولا يفني بالكلية كالجنّة والنّار والعرش وغير ذلك.
وأمّا ما رُوي عن أنس بن مالك مرفوعًا: "سبعة لا تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء: النّار وسكانها، واللّوح، والقلم، والكرسي، والعرش". فهو ليس بحديث.
وقد سئل شيخ الإسلام عن حديث أنس بن مالك فأجاب: "هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من كلام بعض العلماء. وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة
стр. 408
والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار، والعرش وغير ذلك. ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين، كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب اللَّه، وسنة رسوله، وإجماع سلف الأمة وأئمتها، كما في ذلك من الدلالة على بقاء الجنة وأهلها، وبقاء غير ذلك مما لا تتسع هذه الورقة لذكره. وقد استدل طوائف من أهل الكلام والمتفلسفة على امتناع فناء جميع المخلوقات بأدلة عقلية. واللَّه أعلم". الفتاوى (١٨/ ٣٠٧).
١٢ - باب تعاطف التسبيح والتهليل والتحميد على صاحبه حول العرش
• عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ مما تذكرون من جَلال اللَّه: التسبيح، والتهليل، والتحميد ينعطفن حول العرش، لهنّ دويٌّ كدويّ النّحل، تُذكِّر صاحبها. أما يحبُّ أحدكم أن يكون له، أو لا يزال له من يُذَكِّرُ به".
صحيح: رواه ابن ماجه (٣٨٠٩) عن أبي بشر بكر بن خلف، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن موسى بن أبي عيسى الطّحان، عن عون بن عبد اللَّه، عن أبيه، أو أخيه، عن النعمان بن بشير، فذكره.
وإسناده صحيح، وقد اختلف في تعيين موسى بن أبي عيسى الطّحان من هو؟ :
فقيل: هو موسى بن مسلم أبو عيسى الطّحان الكوفيّ، كما في رواية ابن ماجه وفي إحدى طريقي الطبراني في الدّعاء (١٦٩٣) والإمام أحمد (١٨٣٦٣) روى عنه يحيى بن سعيد، وكذلك روى عنه عبد اللَّه بن نمير، وعنه رواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٩٨).
وهو الطّريق الثالث عند الطبرانيّ في كتاب الدعاء (١٦٩٣) إلا أنه قال: "عن موسى الجهني".
وموسى بن مسلم أبو عيسى ثقة، وثقه ابن معين، وقال أحمد: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٤٥٥).
وأما قول الطبرانيّ: موسى الجهنيّ، فلم أقف على من قال ذلك وإنما قالوا: موسى بن مسلم الحزاميّ، ويقال: الشّيبانيّ أبو عيسى الكوفيّ الطّحان المعروف بموسى الصّغير.
ورواه الحاكم (١/ ٥٠٠) من طريق عبد اللَّه بن نمير فقال: "عن موسى بن سالم، عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أبيه، عن النعمان". وقال: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي فقال: "موسى ابن سالم قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث".
قلت: خالف الحاكمُ جميع الرّواة فقال: موسى بن سالم فإن كان هو أبو جهضم مولى آل العباس بن عبد المطلب فإنه لم يذكر من رواته عبد اللَّه بن نمير كما لم يذكر من شيوخه عون بن عبد اللَّه بن عتبة إلا أنه ثقة أيضًا، وثقه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق. الجرح والتعديل (٨/ ١٤٣).
стр. 409
وأما قول الذهبي: موسى بن سالم قال فيه أبو حاتم: "منكر الحديث". الميزان (٤/ ٢٠٥). فهو وهم منه مع أنه نقل كلام أبي حاتم في موسى بن سالم أبو جهضم العباس مولاهم بأنه "صدوق" وقال في نسخة من كتابه "الميزان": "وليس في كتاب أبي حاتم موسى بن سالم سوى واحد، وهو أبو جهضم مولى آل العباس، وقد وثقه أحمد وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث". انتهى.
وقوله: "ينعطفن"، وفي رواية الإمام أحمد: "يتعاطفن" أي يتعاطف تسبيحهم وتحميدهم، فهذا الضمير يقوم مقام العائد إلى الموصول الذي هو المبتدأ، ومثله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٤] أي أزواجهم، والمراد: تمثيل هذه الكلمات التي هي التسبيح وغيره، وهذا مبني على تشكل الأعمال والمعاني بأشكال، وهذا مما يدل عليه أحاديث كثيرة. قاله السنديّ.
والخلاصة أن الذي يظهر أن الصّحيح في إسناد هذا الحديث هو موسى بن مسلم أبو عيسى الطحان، ومن قال: موسى بن سالم أو موسى بن عبد اللَّه فقد وهم، واللَّه تعالى أعلم.
١٣ - باب ما جاء في الكرسي
قال اللَّه تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥].
جاء في صفة الكرسي من الأحاديث والآثار ما يلي:
عن ابن عباس، قال: الكرسيّ موضع القدمين، والعرش لا يقدّر أحدٌ قدره.
رواه الحاكم في مستدركهـ (٢/ ٢٨٢) عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبيّ، عن محمد بن معاذ، عن أبي عاصم، عن سفيان -وهو الثوريّ- بإسناده، عن ابن عباس موقوفًا، مثله. وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". انتهى.
قلت: هذا الموقوف رواه أيضًا ابن أبي شيبة في صفة العرش (٦١) من طريق أبي عاصم، عن سفيان، به.
ورُوي أيضًا عن أبي هريرة مرفوعًا، ولا يصح.
رواه ابن مردويه من طريق الحكم بن ظهير الفزاريّ الكوفيّ -وهو متروك- عن السّديّ، عن أبيه، عن أبي هريرة. ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره.
وفي الباب عن ابن مسعود.
وكذلك لا يصح ما روي عن عمر بن الخطّاب قال: أتت امرأةٌ إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: ادعُ اللَّه أن يدخلني الجنّة. قال: فعظَّم الربَّ ﵎ وقال: "إنّ كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنّ له أطيطًا كأطيط الرّحل الجديد من ثقله".
стр. 410
رواه البزّار - كشف الأستار (٣٩) عن الفضل بن سهل، ثنا يحيى بن أبي بُكير، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن خليفة، عن عمر، فذكره.
ورواه ابنُ أبي عاصم في السنة (٥٧٤)، والضياء المقدسيّ في المختارة (١٥١)، وأبو يعلى الموصليّ في مسنده كما قال ابن كثير في "تفسيره" كلّهم من طريق يحيى بن أبي بكير، بإسناده، مثله.
قال البزّار: هذا لا نعلم أحدًا رواه من الصحابة رفعه إلا عمر، وقفه الثوريّ على عمر، وعبد اللَّه بن خليفة لم يرو عنه إلا أبو إسحاق، وقد رُوي عن جبير بن مطعم بغير لفظه". انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير: "وعبد اللَّه بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه عنه، عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عنه مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها". انتهى.
قلت: وهو كما قال؛ فقد رواه ابن جرير في تفسيره عن عبد اللَّه بن أبي زياد القطوانيّ، قال: حدثنا عبد اللَّه بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن خليفة، قال: أتت امرأة النبيَّ ﷺ فقالت: ادعُ اللَّه أن يدخلني الجنّة. فعظّم الرّبُّ ثم قال: "إنّ كرسيَّه وسع السماوات والأرض وإنّه لينتقد عليه، فما يفضل منه مقدار أربع أصابع". ثم قال بأصابعه فجمعها: "وإن له أطيطًا كأطيط الرّحل الجديد إذا رُكب من ثقله".
فهذا مرسل، وفي متنه زيادة غريبة كما قال ابن كثير: وهي منكرة.
وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٨٣ - ٨٤): "رواه البزّار ورجاله رجال الصّحيح". فهو ليس كما قال؛ فإنّ عبد اللَّه بن خليفة هو الهمدانيّ ليس من رجال الصحيح، وإنّما روي له ابن ماجه في تفسيره كما رمز له الحافظ في التقريب، ثم هو لم يوثقه أحدٌ، وإنما ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٢٨) ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول". أي إذا توبع، ولم أجد له متابعًا فهو ليّن الحديث.
وكذلك لا يصح أيضًا ما روي عن أبي ذرّ، أنّ النبيّ ﷺ قال: "يا أبا ذر ما السّماوات عند الكرسيّ إلّا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة".
رواه ابن حبان (٣٦١)، وأبو الشيخ في العظمة (٢٥٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦ - ١٦٧) كلّهم من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغسّانيّ، حدثني أبي، عن جدي، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذر، فذكر الحديث مختصرًا ومطوّلًا.
وقد تمّ تخريجه مطوّلًا في جموع الإيمان بالأنبياء والرسل - باب ما جاء في عدد الأنبياء.
وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فإن إبراهيم بن هشام الغسّانيّ متروك، كذّبه أبو حاتم وأبو زرعة كما نقل عنهما الذهبي في "الميزان".
وله إسناد آخر رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب "العرش" (٥٨) من طريق المختار
стр. 411
ابن غسان العبدي، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ، فذكره.
وإسماعيل بن مسلم هو المكي، ضعيف عند جمهور أهل العلم.
والمختار بن غسان العبدي من رجال ابن ماجه، وهو على شرط ابن حبان، ولكنه لم يذكره في الثقات. وقد روى عنه عدد، ولم يؤثر فيه توثيق أحد، قال فيه الحافظ في "التقريب": "مقبول". أي إذا توبع وإلا فليّن الحديث.
وله إسناد آخر رواه البيهقيّ في الأسماء والصفات (٨٦١) من طريق الحسن بن عرفة العبديّ: ثنا يحيى بن سعيد السعدي البصريّ: ثنا عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير اللّيثيّ، عن أبي ذرّ، فذكر الحديث نحوه.
قال البيهقيّ: تفرّد به يحيى بن سعيد السعديّ، وله شاهد بإسناد أصحّ".
وهو يقصد به إسناد إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني كما سبق، وأنه ليس بأصح من إسناد يحيى بن سعيد السعديّ.
ويحيى بن سعيد السعديّ هذا ذكره العقيليّ في كتابه "الضعفاء" (٤/ ٤٠٣) وقال: "عن ابن جريج، لا يتابع على حديثه، وليس بمشهور بالنقل". ولعله يقصد هذا الحديث.
وقال ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٢٩): "يروي المقلوبات والملزقات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد".
وترجم له ابنُ عدي في "الكامل" (٧/ ٢٦٩٩) وذكر طرفًا من هذا الحديث وقال: "وهذا حديث منكر من هذا الطريق عن ابن جريج، عن عطاء. . . ".
وقال أبو نعيم: تفرّد به عن ابن جريج يحيى بن سعيد العبشميّ.
وللحديث طرق أخرى لا يسلم منها من مقال.
والخلاصة: أنه لم يثبتْ شيءٌ مرفوعٌ عن النبيِّ ﷺ في صفة الكرسي، وما جاء عن بعض السّلف أنّه العلم أو هو العرش نفسه فلا دليل عليه، والصّحيح أنه موضع القدمين وهو الثابت عن حبر هذه الأمة عبد اللَّه بن عباس ﵄ ولا نعلم له مخالفًا من الصّحابة، وقد تلقّاه جمهور أهل العلم من السلف والخلف بالقبول والتسليم، واللَّه تعالى أعلم.
انظر للمزيد: فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية (٥/ ٧٥)، وشرح العقيدة الطّحاوية (ص ٢٧٧).
стр. 412
جموع أبواب الإيمان بالملائكة
قال اللَّه تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم: ٦].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [سورة الحج: ٧٥].
وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة فاطر: ١].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [سورة النساء: ١٣٦].
١ - باب ما جاء في خلق الملائكة من نور
• عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "خُلقتِ الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصف لكم".
صحيح: رواه مسلم في الزّهد (٢٩٩٦) من طرق عن عبد الرّزاق وهو في مصنفه (٢٠٩٠٤) عن معمر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
وما رواه أبو الشيخ في العظمة (٣١٥) عن عبد اللَّه بن عمرو، وزاد فيه: "من نور الصّدر والذّراعين". فهو ضعيف، أو منقطع أو موقوف، وإن صحّ عن عبد اللَّه بن عمرو فيحمل على أنه وجد هكذا في كتب الأوائل؛ لأنّه كان ينظر فيها، لأنّ الصّحيح الثابت عن عروة، عن عائشة هو ما ذكرته.
٢ - باب ما جاء في كثرة الملائكة، وأنه لا يحصيهم إلا اللَّه
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [سورة المدثر: ٣١].
• عن مالك بن صعصعة قال (فذكر حديث الإسراء والمعراج) وجاء فيه: "فأتينا السماء السّابعة فأتيتُ على إبراهيم، فسلّمتُ عليه فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ، فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيتُ المعمور يصلي فيه كلّ يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم".
стр. 413
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٠٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٤) كلاهما من طريق سعيد، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، فذكر الحديث بطوله، وهو سيأتي في موضعه كاملًا.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُؤتي بجهنّم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملك يجرونها".
صحيح: رواه مسلم في كتاب الجنة (٢٨٤٢) عن عمر بن حفص بن غياث: حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهليّ، عن شقيق، عن عبد اللَّه، فذكره.
ورواه الترمذيّ (٢٥٧٣) عن شيخه عبد اللَّه بن عبد الرحمن، عن عمر بن حفص بن غياث، به، مثله.
وقال: قال عبد اللَّه (أي شيخه): والثوريّ لا يرفعه.
قلت: وهذا الحديث مما استدركه أيضًا الدّارقطنيّ على مسلم وقال: رفعه وهم، رواه الثوريّ ومروان وغيرهما عن العلاء بن خالد موقوفًا.
قال النّوويّ: "حفص ثقة حافظ إمام، فزيادته مقبولة كما سبق نقله عن الأكثرين والمحقّقين".
٣ - باب ما جاء في صلاة الملائكة وسجودهم للَّه تعالى
• عن مالك بن صعصعة قال (فذكر حديث الإسراء والمعراج) وجاء فيه: "فأتينا السّماء السّابعة. . . فأتيتُ إبراهيم، فسلّمتُ عليه فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ، فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيتُ المعمور يصلي فيه كلّ يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٠٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٤) كلاهما من طريق سعيد، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، فذكر الحديث بطوله.
• عن حكيم بن حزام، قال: بينما رسول اللَّه ﷺ في أصحابه إذ قال لهم: "تسمعون ما أسمع؟ ". قالوا: ما نسمع من شيء! قال: "إنّي لأسمعُ أطيطَ السّماء وما تُلامُ أن تثطّ، وما فيها موضع شبر إلّا وعليه ملك ساجد أو قائم".
حسن: رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام، فذكر الحديث.
ومن هذا الطّريق رواه ابن نصر المروزيّ في "تعظيم قدر الصّلاة" (١/ ٢٥٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٩٨٦).
وإسناده حسن لأجل عبد الوهاب بن عطاء -وهو الخفاف أبو نصر وهو وإن كان من رجال
стр. 414
مسلم فقد تكلّم فيه بعض النّقاد.
فقال البخاريّ ليس بالقوي عندهم، وقال النسائي: ليس بالقوي، ومشاه الآخرون فقال ابن معين: لا بأس به، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه محله الصّدق، وقال ابن سعد: كان صدوقًا. ومثله يحسّن حديثه.
وسعيد بن أبي عروبة قد اختلط بآخره إلا أن عبد الوهّاب بن عطاء سمع منه قبل اختلاطه.
أما ما رُوي عن أبي ذرّ، عن رسول اللَّه ﷺ : أنه قال: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، إنّ السماء أطَّتْ وحّق لها أن تئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلّا وملك واضع جبهته ساجدًا للَّه، واللَّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرشان، ولخرجتم إلى الصُّعدات تجأرون إلى اللَّه". واللَّه لوددتُ أني كنتُ شجرة تعضد فهو منقطع.
رواه الترمذيّ (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) كلاهما من طريق إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورّق العجليّ، عن أبي ذرّ، فذكره.
ورواه الحاكم (٤/ ٥٧٩) وصحّحه على شرط الشيخين وأقرّه الذّهبي.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢١٥١٦) من هذا الوجه وقال في آخر الحديث: قال أبو ذرّ: "واللَّه لوددتُ أني شجرة تُعضد". فظهر من صنيعه أن هذا الخبر من الحديث مدرج من قول أبي ذر.
وإسناده ضعيف؛ لأجل الانقطاع بين مورّق العجلي وأبي ذرّ.
قال أبو زرعة: مورّق العجلي لم يسمع من أبي ذرّ. انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٢١٦)، وجامع التحصيل (٢٨٨) وكذلك قال الدّارقطني وغيره.
وأما إبراهيم بن مهاجر فهو صدوق في حديثه لين.
أخرجه مسلم في المتابعات.
وكذلك ما روى محمد بن نصر المروزيّ في "تعظيم قدر الصّلاة" (١/ ٢٦٠)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٩٨٤) من طريق أبي معاذ الفضل بن خالد النّحويّ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان الباهليّ، قال: سمعتُ الضّحاك بن مزاحم يحدّث عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة أنّها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما في السّماء الدّنيا موضع قدم إلّا عليه ملك ساجد، أو قائم، وذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [سورة الصّافات: ١٦٤ - ١٦٦] ".
وفي الإسناد الفضل بن خالد أبو معاذ النّحويّ ذكره ابنُ أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٧/ ٦١) وقال: روى عنه محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وعبد العزيز بن منيب أبو الدّرداء قال: سمعت أبي يقول ذلك".
ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا فهو في عداد المجهولين وهو على شرط ابن حبان ومع ذلك لم
стр. 415
يذكره في الثّقات.
وقد رُوي عن ابن مسعود موقوفًا من وجه ضعيف. انظر: "مجمع الزوائد" (٧/ ٩٨)، ومن وجه صحيح. انظر: "تعظيم قدر الصّلاة" (١/ ٢٦٠)، وقال ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣٨)، وكذا قال سعيد بن جبير.
قلت: أثر سعيد بن جبير رواه أبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٩٨٢) من وجه ضعيف مع الانقطاع.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا: "ما في السّماوات السّبع موضع قدم، ولا شبر ولا كف إلّا وفيه ملك قائم، أو ملك راكع، أو ملك ساجد، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعًا: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك إلا أنّا لم نشرك بك شيئًا".
رواه الطّبرانيّ في الكبير (٢/ ٢٠٠) عن خير بن عرفة، ثنا عروة، ثنا عبيد اللَّه بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكر الحديث.
قال الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٥٢): "وفيه عروة بن مروان" هكذا قال، وسكت عن الكلام فيه.
وعروة بن مروان هذا وهو: العرقي -ترجمه الحافظ في اللّسان- وقال:
"وعرقة قرية من عمل طرابلس الشّام، أبو عبد اللَّه حدّث بمصر عن جماعة سمّاها ومنهم: عبيد اللَّه بن عمرو، روى عنه جماعة (سماها منهم) خبر بن عرقة، كان الدارقطني يقول: كان أميًّا ليس بالقوي في الحديث. وقال ابن يونس: حدّثني أبي عن أبيه، قال: ما رأيت أشدّ تقشّفًا من عروة العرقيّ، وكان محققا شديد الحمل على نفسه ضيق الكم، ما يقدر أن يخرج يده منه إلّا بعد جهد. كان يجمع النبات ويبيعه ويتقوّت به". انتهى ملخصًا.
وكذلك ما رُوي عن العلاء بن سعد -وقد شهد الفتح وما بعدها-، أنّ النبيَّ ﷺ قال يومًا لجلسائه: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: وما تسمع يا رسول اللَّه؟ قال: "أطّت السّماء، وحقّ لها أن تئطّ، إنّه ليس فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد. وقالت الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٦٥ - ١٦٦] ".
رواه محمد بن نصر المروزيّ (١/ ٢٦١) عن أحمد بن سيار، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن خالد الدّمشقيّ المعروف بابن أمه، قال: حدّثني المغيرة بن عثمان بن عطية -من بني عمرو بن عوف- قال: حدثني سليمان بن أيوب -من بني سالم بن عوف-، قال: حدثني عطاء بن يزيد بن مسعود -من بني الحبلي- قال: حدثني سليمان بن عمرو بن الرّبيع -من بني سالم- قال: حدثني عبد الرحمن بن العلاء -من بني ساعدة- عن ايه العلاء بن سعد، فذكره.
وفيه رجال لم أقف على تراجمهم.
٤ - باب تعاقب ملائكة الليل والنهار في الناس
• وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكةٌ باللّيل،
стр. 416
وملائكةٌ بالنّهار، ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر. ثم يُعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم -وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلّون، وأتيناهم وهم يُصلّون".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصّلاة (٨٢) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
ورواه البخاريّ في المواقيت (٥٥٥) عن عبد اللَّه بن يوسف، ومسلم في المساجد (٦٣٢) عن يحيى بن يحيى - كلاهما عن مالك، به، مثله.
٥ - باب وصف الملائكة عند نزول الوحي
• عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنّها سمعتْ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنّ الملائكةَ تنزلُ في العنان -وهو السّحاب- فتذكر الأمرَ قُضي في السّماء، فتسترق الشّياطينُ السّمعَ، فتسمعه فتوحيه إلى الكُهّان فيكذبون منها مائة كذبة من عند أنفسهم".
صحيح: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢١٠) حدّثنا محمد، حدّثنا ابن أبي مريم: أخبرنا اللّيث: حدّثنا ابن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته.
قوله: "حدّثنا محمد" رجّح الحافظ ابن حجر أن يكون محمد هو البخاريّ نفسه.
• عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "إذا قضى اللَّه الأمر في السّماء ضربت الملائكةُ بأجنحتها خُضعانًا لقوله كالسِّلسلةِ على صفوان -قال عليٌّ: وقال غيره: صفوان ينفذهم ذلك- فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: للذي قال الحقّ وهو العليُّ الكبيرُ، فيسمعُها مسترقُو السَّمع ومسترقو السّمع هكذا واحدٌ فوق آخر -ووصف سفيانُ بيده وفرَّج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض- فربّما أدرك الشِّهابُ المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيُحرقَه، وربّما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه، حتّى يلقوها إلى الأرض -وربّما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض- فتُلقى على فَم السّاحر فيكذبُ معها مائةَ كَذْبةٍ فيصدُقُ فيقولون: ألَمْ يُخْبرْنا يوم كذا وكذا، يكون كذا وكذا فوجدناه حقًّا للكلمة التي سُمعت من السّماء".
حدّثنا علي بن عبد اللَّه: حدّثنا سفيان: حدّثنا عمرو عن عكرمة، عن أبي هريرة: "إذا قضى اللَّه الأمر". وزاد: "والكاهن".
وحدّثنا سفيان فقال: قال عمرو: سمعت عكرمة: حدّثنا أبو هريرة قال: "إذا
стр. 417
قضى اللَّه الأمر". وقال: "على فم السّاحر".
قلت لسفيان: أأنت سمعت عمرًا، قال: سمعت عكرمة قال: سمعت أبا هريرة؟ قال: نعم. قلت لسفيان: إن إنسانا روى عنك، عن عمرو عن عكرمة، عن أبي هريرة ويرفعه أنه قرأ: (فُرِّغ)؟ ! قال سفيان: هكذا قرأ عمرو فلا أدري سمعه هكذا أم لا؟ قال سفيان: وهي قراءَتُنا.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٠١) عن علي بن عبد اللَّه، حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، فذكره.
• عن ابن عباس، قال: أخبرني رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أنّهم بينما هم جلوس ليلةً مع رسول اللَّه ﷺ رُمي بنجمٍ فاستنار، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "ماذا كنتم تقولون في الجاهليّة إذا رُمي بمثل هذا؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، كنّا نقول: وُلد اللّيلة رجل عظيم، ومات رجلٌ عظيم. فقال رسول اللَّه ﷺ : "فإنها لا يُرمي بها لموت أحد ولا لحياته، ولكنْ ربُّنا ﵎ اسْمُه إذا قضى أمرًا سبَّح حملةُ العرش، ثم سَبَّح أهلُ السّماء الذين يَلُونَهم، حتّى يبلُغَ التَّسْبيحُ أهلَ هذه السّماء الدُّنيا. ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربّكم فيخبرونهم ماذا قال. قال: فيستخبر بعض أهل السّماوات بعضًا، حتى يبلغ الخبرُ هذه السّماء الدّنيا فتخطف الجنُّ السّمع فيقذفون إلى أوليائهم. ويُرْمَوْن به. فما جاؤوا به على وجهه فهو حقٌّ، ولكنَّهم يَقْرِفون فيه ويزيدون".
صحيح: رواه مسلم في السلام (٢٢٢٩) من طرق عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدّثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حدثني علي بن حسين، أن عبد اللَّه بن عباس قال (فذكره).
وقوله: "يقرفون": معناه يخلطون فيه الكذب، وهو بمعنى يقذفون.
٦ - باب ما جاء في كتابة الملائكة الدّاخلين إلى المساجد يوم الجمعة الأوّل فالأول إلى أن يجلس الإمام للخطبة
• عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ ﷺ : "إذا كان يومُ الجمعة كان على كلّ باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس الإمامُ طووا الصُّحفَ، وجاءوا يستمعون الذّكر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢١١)، ومسلم في الجمعة (٨٥٠: ٢٤) كلاهما من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة والأغرّ، عن أبي هريرة، فذكره.
стр. 418
٧ - باب تحية الملائكة هي تحية آدم وذريّته
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "خلق اللَّه آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا. فلما خلقه قال: اذهب فسلِّم على أولئك النّفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيّونك فإنّها تحيّة ذريّتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة اللَّه، فزادوا: ورحمة اللَّه. فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعدُ حتى الآن".
متفق عليه: رواه البخاريّ في كتاب الاستئذان (٦٢٢٧)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٤١) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
٨ - باب نزول الملائكة عند قراءة القرآن مثل الظُّلّة فيها أمثال المصابيح
• عن أسيد بن حُضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده، إذ جالتِ الفرسُ، فسكتَ فسكتتْ، فقرأ فجالتِ الفرسُ، فسكت فسكتتْ الفرسُ، ثم قرأ فجالتِ الفرسُ فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تُصيبَه فلمّا اجترَّه، رفع رأسه إلى السّماء حتى ما يراها. فلما أصبح حدّث النبيَّ ﷺ فقال: "اقرأُ يا ابنَ حُضير، اقرأ يا ابْنَ حُضير". قال: فأشفقتُ يا رسول اللَّه أن تطأ يحيى -وكان منها قريبًا-، فرفعتُ رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السّماء فإذا مثل الظُّلة فيها أمثال المصايح فخرجتْ حتى لا أراها! قال: "وتدري ما ذاك؟ ". قال: لا. قال: "تلك الملائكةُ دَنتْ لصوتِك، ولو قرأتَ لأصبحتْ ينظرُ النّاسُ إليها، لا تتوارى منهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠١٨)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٦) كلاهما من حديث يزيد بن الهاد، أنّ عبد اللَّه بن خباب حدّثه، أنّ أبا سعيد الخدريّ حدّثه، عن أسيد ابن حضير، أنه قال (فذكر الحديث).
• عن البراء بن عازب، قال: قرأ رجلٌ الكهف وفي الدار الدّابة، فجعلتْ تنفر، فسلّم، فإذا ضبابة أو سحابة غشيتْه. فذكره للنبيّ ﷺ فقال: "اقرأْ فلان، فإنّها السكينة نزلت للقرآن أو تنزّلتْ للقرآن".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٦١٤)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٥) كلاهما من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت البراء بن عازب، فذكره، ولفظهما سواء.
стр. 419
وروياه عن زهير أبي خيثمة، عن ابن أبي إسحاق، بإسناده وفيه: "كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بشَطَنَيْنِ، فتغشّته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسُه يَنْفِر، فلما أصبح أتى النبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: "تلك السكينة تنزّلتْ بالقرآن".
رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠١١) عن عمرو بن خالد، ومسلم، عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن زهير أبي خيثمة.
والسكينة قيل: هم الملائكة، وقيل: ما يحصل به السكون وصفاء القلب.
وشطن: هو الحبل الطويل.
٩ - باب أنّ المهرة بالقرآن يكونون مع الملائكة
• عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الماهرُ بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق له أجران".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩٣٧)، ومسلم في تقصير الصّلاة (٧٩٨) كلاهما من طريق قتادة، قال: سمعتُ زرارة بن أوفى يحدِّثُ عن سعد بن هشام، عن عائشة، فذكرته، واللّفظ لمسلم.
ولفظ البخاريّ: "مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السّفرة الكرام، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران".
وبوَّب البخاريّ في التوحيد (٥٢) باب قول النبيّ ﷺ : "الماهر بالقرآن مع الكرام البررة". إلّا أنه لم يخرّج الحديث بهذا اللّفظ، ولا حديث عائشة في هذا الباب.
وقوله: "سَفَرة" قال ابن عباس وعدد من التابعين: هي الملائكة. وقال البخاريّ في تفسير سورة (عبس): "سفرة: الملائكة، واحدهم سافر سفرت أصلحت بينهم، وجُعلت الملائكة إذا نزلت بوحي اللَّه وتأديته كالسَّفير الذي يصلح بين القوم". وقيل غير ذلك، وقال ابن جرير: "الصّحيح أن السّفرة الملائكة، والسّفرة: يعني بين اللَّه وخلقه، ومنه يقال: السّفير الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير، كما قال الشّاعرُ:
وما أدعُ السّفارةَ بين قومي ... وما أمشي بغشّ إن مشيتُ".
١٠ - باب مصافحة الملائكة لو داوم الإنسان على الذّكر والفكر في الأمور الآخرة
• عن حنظلة الأسيديّ -قال: وكان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان اللَّه! ما تقول؟ قال: قلت: نكونُ عند رسول اللَّه ﷺ يُذَكِّرُنا بالنار والجنة حتّى كأنّا رأي عَيْنٍ، فإذا خرَجْنا من عند رسول اللَّه ﷺ عافَسْنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيْعاتِ،
стр. 420
فنَسِينا كثيرًا. قال أبو بكر: فواللَّه إنّا لنلقى مثل هذا. فانطلقتُ أنا وأبو بكر حتّى دخلنا على رسول اللَّه ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول اللَّه! فقال رسول اللَّه ﷺ : "وما ذاك؟ ". قلت: يا رسول اللَّه، نكونُ عندك تذكِّرُنا بالنّار والجنّة حتّى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضّيعات، نسينا كثيرًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده إنْ لَوْ تَدُومون على ما تكونون عندي، وفي الذِّكْر لصافحتْكُم الملائكةُ على فُرشكم، وفي طُرقِكم. ولكنْ يا حنظلةُ، ساعة وساعة" ثلاث مرّات.
صحيح: رواه مسلم في كتاب التوبة (٢٧٥٠) من طرق عن جعفر بن سليمان، عن سعيد بن إياس الجريريّ، عن أبي عثمان النّهدي، عن حنظلة الأسيديّ، فذكره.
وفي رواية عنده: "يا حنظلة ساعةً وساعةً، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذّكر لصافحتكم الملائكةُ، حتى تُسلّم عليكم في الطّرق".
١١ - باب لا تدخل الملائكةُ بيتًا فيه كلب أو صورة أو جرس
• عن أبي طلحة -صاحب رسول اللَّه ﷺ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الملائكةَ لا تدخلُ بيتًا فيه صورة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللّباس (٥٩٥٨)، ومسلمٌ في اللّباس والزّينة (٢١٠٦: ٨٥) كلاهما من طريق اللّيث بن سعد، عن بكير بن الأشجّ، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، عن أبي طلحة، فذكره.
قال بسر: ثم اشتكى زيدٌ بعدُ فعدناه، فإذا على بابه سِتْرٌ فيه صورة، قال: فقلت لعبيد اللَّه الخولاني ربيب ميمونة زوج النبيّ ﷺ : ألم يخبرنا زيدٌ عن الصّورة يوم الأوّل؟ فقال عبيد اللَّه: ألم تسمعه حين قال: "إلّا رقمًا في ثوب؟ ".
ورواه البخاري أيضًا في بدء الخلق (٣٢٢٥) عن ابن مقاتل، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أنه سمع ابن عباس يقول: سمعت أبا طلحة يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تدخل الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةُ تماثيل".
• عن عائشة أم المؤمنين أنها أخبرته: أنها اشترتْ نمرقةً فيها تصاوير، فلمّا رآها رسول اللَّه ﷺ قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية. وقالت: يا رسول اللَّه، أتوب إلى اللَّه وإلى رسوله فماذا أذنبتُ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما بالُ هذه النّمرقَةِ؟ ". قالت: اشتريتُها لك تقعدُ عليها وتوسَّدُها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ
стр. 421
أصحاب هذه الصُّور يعذّبون يوم القيامة. يقالُ لهم: أحيوا ما خلقتم". ثم قال: "إن البيت الذي فيه الصُّور لا تدخله الملائكة".
متفق عليه: رواه مالك في الاستئذان (٨) عن نافع، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاريّ في البيوع (٢١٠٥) عن عبد اللَّه بن يوسف، ومسلم في اللباس والزينة (٢١٠٧: ٦٩) عن يحيى بن يحيى - كلاهما عن مالك، به، مثله.
• عن ابن عمر، قال: وعد النبيَّ ﷺ جبريلُ فقال: إنّا لا ندخلُ بيتًا فيه صورة ولا كلب.
صحيح: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٢٧) عن يحيى بن سليمان، قال: حدثني ابنُ وهب، قال: حدثني عمر، عن سالم، عن أبيه، فذكر الحديث.
وكرَّره في اللّباس (٥٩٦٠) بالإسناد نفسه إلّا أنه قال فيه: وعد النبيَّ ﷺ جبريلُ، فراث عليه، حتّى اشتدّ على النبيّ ﷺ ، فخرج النبيّ ﷺ فلقيه فشكا إليه ما وجد، فقال: إنّا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب.
وعمر هو ابن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب المدنيّ.
• عن ابن عباس، قال: دخل النبيُّ ﷺ البيت، وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم. فقال: "أما لهم فقد سمعوا أن الملائكة لا ندخل بيتًا فيه صورة. هذا إبراهيم مصور، فما له يسْتَقْسِمُ".
صحيح: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٣٥١) عن يحيى بن سلمان، قال: حدثني ابنُ وهب، قال: أخبرني عمرو، أن بكيرًا حدّثه عن كُريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس، فذكر الحديث.
ورواه الإمام أحمد (٢٥٠٨) عن هارون بن معروف، عن ابن وهب، وفيه: "فما باله يستقسم؟ ".
وقوله: "يستقسِم" كأنّهم جعلوا صورته على وجه كان يستقسم، ومن المعلوم أنّ إبراهيم كان بريئًا منه، والاستقسام من الأمور الجاهليّة، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [سورة المائدة: ٣].
• عن ميمونة، أنّ رسول اللَّه ﷺ أصبح يومًا واجمًا، فقالتْ ميمونة: يا رسول اللَّه، لقد استنكرتُ هيئتك منذ اليوم، قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ جبريل كان وعدني أن يلقاني اللّيلة، فلم يلْقني، أمَ واللَّهِ ما أخْلفني". قال: فظلَّ رسولُ اللَّه ﷺ يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فُسطاط لنا. فأمر به فأُخرج، ثم
стр. 422
أخذ بيده ماءً فنضح مكانه، فلما أمْسى لقيه جبريل فقال له: "قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة". قال: أجل، ولكنّا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، فأصبح رسول اللَّه ﷺ يومئذ فأمر بقتل الكلاب، حتى إنّه ليأمر بقتل كلب الحائط الصّغير، ويترك كلب الحائط الكبير.
صحيح: رواه مسلم في اللّباس والزينة (٢١٠٥) عن حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن السبَّاق، أن عبد اللَّه بن عباس، قال: أخبرتني ميمونة، فذكرته.
• عن عائشة، قالت: واعد رسول اللَّه ﷺ جبريل ﵇ في ساعة يأتيه فيها، فجاءت تلك السّاعة ولم يأته، وفي يده عصًا فألقاها من يده وقال: "ما يُخلف اللَّه وعدَه ولا رسله". ثم التفت فإذا جرو كلبٍ تحت سريره، فقال: "يا عائشة متى دخل هذا الكلب ههنا؟ ". فقالتْ: واللَّه ما دريتُ، فأمر به فأُخرج، فجاء جبريل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "واعدتني فجلستُ لك فلم تأتِ". فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنّا لا ندخلُ بيتًا فيه كلب ولا صورة.
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢١٠٤) عن سويد بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، فذكرت الحديث.
ورواه ابن ماجه (٣٦٥١) من وجه آخر عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: واعدَ رسولَ اللَّه ﷺ جبريلُ ﵇ في ساعة يأتيه فيها، فراث عليه، فخرج النبيُّ ﷺ فإذا هو بجبريل قائم على الباب فقال: "ما منعك أن تدخل؟ ". قال: إنّ في البيت كلبًا، وإنّا لا ندخل بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة.
ومن هذا الطّريق رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٥١٠٠).
ومحمد بن عمرو هو: ابن علقمة صدوق، وقد توبع في الإسناد الأوّل.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه تماثيل أو تصاوير".
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢١١٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
ورواه أبو داود (٤١٥٨)، والترمذيّ (٢٨٠٦) كلاهما من طريق يونس بن أبي إسحاق، حدّثنا مجاهد، قال: حدّثنا أبو هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أتاني جبريل، فقال: إني كنتُ أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلتُ عليك البيت الذي كنت فيه إلّا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُرْ برأس التمثال الذي
стр. 423
بالباب فلْيُقطع فلْيُصيَّر كهيئة الشّجرة، ومر بالسّتر فليقطع، ويجعل منه وسادتين منتبذتين توطآن، ومرْ بالكلب فيخرج، ففعل رسول اللَّه ﷺ ، وكان ذلك الكلبُ جروًا للحسين أو الحسين تحت نضدٍ له، فأمر به فأخرج".
قال أبو داود: "والنّضد شيءٌ توضع عليه الثياب شبه السّرير".
قال الترمذيّ: حسن صحيح.
وصحّحه ابنُ حبان (٥٨٥٤)، ورواه هو والإمام أحمد (٨٠٤٥) من هذا الطّريق، وزادا في آخر الحديث: "ثم أتاني جبريل فما زال يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنّه سيورثه".
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل أو تصاوير".
صحيح: رواه مالك في الاستئذان (١) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، أنّ رافع بن إسحاق مولى الشّفاء أخبره، قال: "دخلتُ أنا وعبد اللَّه بن أبي طلحة على أبي سعيد الخدريّ نعود، فقال لنا (فذكر الحديث). شكّ إسحاق لا يُدرى أيّهما قال.
ومن هذا الطّريق رواه الترمذيّ (٢٨٠٥) وقال: "حسن صحيح".
ومن طريق مالك: رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٥٨٤٩).
وفي الباب عن علي بن أبي طالب قال: كانت لي من رسول اللَّه ﷺ منزلةٌ لم تكن لأحد من الخلائق، إنّى كنتُ آتيه كلَّ سَحَر فأُسلِّم عليه حتى يتنحنح، وإنّي جئتُ ذات ليلةٍ فسلمت عليه، فقلت: السّلام عليك يا نبيَّ اللَّه، فقال: "على رِسْلك يا أبا حسن حتى أخرج إليك". فلمّا خرج إليَّ قلتُ: يا نبي اللَّه أَغْضَبكَ أحدٌ؟ قال: "لا". قلت: فمالك لا تكلِّمْني فيما مضى حتى كلَّمْتني اللّيلةَ؟ قال: "إنّي سمعتُ في الحجرة حركةٌ، فقلتُ: مَنْ هذا؟ فقال: أنا جبريلُ. قلت: ادخل قال: لا، أُخرُج إليَّ، فلما خرجتُ قال: إنَّ في بيتك شيئًا لا يدْخُلُه مَلَكٌ ما دام فيه. قلتُ: ما أعلمه يا جبريل. قال: اذهب فانْظُر، ففتحت البيت فلم أجد فيه شيئًا غيرَ جَرْوِ كلب كان يلعب به الحسن. قلتُ: ما وجدتُ إلّا جَرْوَا! قال: إنها ثلاثٌ لن يَلج مَلكٌ ما دام فيها أبدًا واحدٌ منها: كلب، أو جنابة، أو صورة رُوحٍ". فهذا ضعيف.
رواه الإمام أحمد (١٤٧) عن محمد بن عبيد، حدثنا شرحبيل بن مدرك الجعفيّ، عن عبد اللَّه بن نجيّ الحضرميّ، عن أبيه، عن علي، فذكره.
وعبد اللَّه بن نجي مختلف فيه، فوثقه النسائيّ، وقال البخاريّ: فيه نظر، وجعله الحافظ في مرتبة "صدوق". وأبوه نُجَي -بالتصغير- الحضرميّ الكوفيّ لم يرو عنه إلّا ابنُه، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، وقال ابن سعد: قليل الحديث. وفي التقريب: "مقبول". وهو الصّحيح، إلّا أنّه لم يتابع فهو لين الحديث.
стр. 424
وأخرجه النسائيّ (١٢١٣)، وابن خزيمة (٩٠٢) مختصرًا من هذا الوجه، وبوَّب ابن خزيمة بقوله: باب الرخصة في التنحنح في الصّلاة عند الاستئذان على المصلي، إن صحّت هذه اللّفظة فقد اختلفوا فيها".
ثم رواه من وجه آخر وليس فيه قول عبد اللَّه بن نجي: "عن أبيه".
وعبد اللَّه بن نجي لم يلقَ عليًّا ففيه انقطاع.
١٢ - باب لا تصحب الملائكةُ رُفقة فيها كلبٌ ولا عيرًا التي فيها جرسٌ
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الجرسُ مزامير الشيطان".
صحيح: رواه مسلم في اللباس (٢١١٤) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
• عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تصحبُ الملائكةُ رفقةً فيها كلب ولا جرس".
صحيح: رواه مسلم في اللّباس والزّينة (٢١١٣) عن أبي كامل فُضيل بن حسين الجحدريّ، حدّثنا بشر -يعني ابن مفضّل- حدّثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
• عن أمِّ سلمة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تصحبْ الملائكةُ رفقةً فيها جرس".
صحيح: رواه الطبرانيّ في الكبير (٢٣/ ٣٧٩) من وجهين، عن الزّهريّ، عن سالم بن عبد اللَّه، أنّ سفينة مولى أمّ سلمة أخبره، أنّ أم سلمة أخبرته، فذكرته.
ورواه الخطيب في "تاريخه" (١٠/ ١١٠ - ١١١)، والخرائطيّ في مساوئ الأخلاق (٨٣٨) كلاهما من هذا الوجه. وإسناده صحيح
• عن أمّ حبيبة أمّ المؤمنين، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تصحبُ الملائكة رفقة فيها جرس".
حسن: رواه أبو داود (٢٥٥٤)، وأحمد (٢٦٧٨٠)، وابن حبان (٤٧٠٥) كلهم من حديث نافع، عن سالم، عن أبي الجراح مولى أمّ حبيبة، عن أمّ حبيبة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل أبي الجراح قيل: اسمه الزبير، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٦)، وقال العجلي: "مدني تابعي ثقة"، فمثله يحسّن حديثه إذا كان له أصل، وهذا منه.
وفي معناه ما روي عن ابن عمر، أنّ النبيّ ﷺ قال: "لا تصحب الملائكةُ ركبًا فيهم جلجل، كم ترى مع هؤلاء من الجُلْجل".
رواه النسائيّ (٥٢١٩، ٥٢٢٠، ٥٢٢١) من طرق عن نافع بن عمر الجمحيّ، عن أبي بكر بن أبي شيخ، قال: "كنتُ جالسًا مع سالم، فمرّ بنا ركْبٌ لأمّ البنين معهم أجراس، فحدَّث نافعًا سالمٌ عن أبيه، فذكره.
стр. 425
وهو في مسند الإمام أحمد (٤٨١١) من هذا الوجه.
وفيه أبو بكر بن أبي شيخ ويقال له: بكير بن موسى السهمي، قال الذهبيّ في "الميزان": "لا يُعرف".
قلت: تفرّد بالرّواية عنه نافع بن عمر الجمحي، ولم يذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقال فيه الحافظ: "مقبول".
ورواه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٨٧١) من وجه آخر عن عبد اللَّه بن نافع، قال: أخبرني عاصم بن عمر، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، فذكر الحديث.
وعاصم هو: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب، ضعيف.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن بُنانة مولاة عبد الرحمن بن حسان الأنصاريّ، عن عائشة، قالت: "بينما هي عندها إذ دُخِل عليها بجارية، وعليها جلاجل يصوِّتن. فقالت: لا تُدْخلها عليَّ إلّا أن تقطعوا جلاجلها، وقالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تدخل الملائكةُ بيتًا فيه جرس".
رواه أبو داود (٤٢٣١) عن محمد بن عبد الرّحيم، حدّثنا روح، حدّثنا ابن جريج، عن بُنانة مولاة عبد الرحمن بن حسان، فذكرته.
ورواه الإمام أحمد (٢٦٠٥٢) عن روح به، وزاد فيه بعد قوله: "تقطعوا جلاجلها": "فقطع جلاجلها، فسألتها بُنانة عن ذلك".
وبنانة مولاة عبد الرحمن قال فيها المنذريّ: "مجهولة".
وفي الباب أيضًا عن أمِّ سلمة زوج النّبيّ ﷺ قالت: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جلجل، ولا جرس، ولا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس".
رواه النسائيّ (٥٢٢٢) عن يوسف بن سعيد بن مسلم، ثنا حجّاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني سليمان بن بابيه -مولى آل نوفل-، عن أمَّ سلمة فذكرته.
وسليمان بن بابيه، ويقال: باباه، مجهول، لم يرو عنه غير ابن جريج، ولم يوثقه أحدٌ إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته على قاعدته.
و"الرُّفقة" بضم الرّاء وكسرها، الجماعة المرافقون في السّفر.
و"الجلجل" بضم الجيم، وجمعه "الجلاجل" هو الجرس الذي يكون في عنق الدّابة. ويقال أيضًا للذي تلبسه المرأة في رجليها، ويخرج منها الصّوت إذا مشتْ.
١٣ - باب أنّ الملائكةَ يستغفرون للمصلي ما دام في مصلاه
• عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "الملائكةُ تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلّى فيه، ما لم يحدث، اللهم اغفرْ له، اللهمّ ارْحمه".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصّلاة (٥١) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة،
следующие страницы →