Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
وفي الباب عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين؛ فإني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا". فقام إليه رجل، فقال يا رسول اللَّه، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ قال: "لا بأس إذا كان يدا بيد".
رواه الإمام أحمد (٥٨٨٥) عن حسين بن محمد، ثنا خلف يعنى بن خليفة، عن أبي جناب، عن أبيه، عن ابن عمر فذكره.
وأبو جناب اسمه يحيى بن أبي حية الكلبي، وأبوه أبو حية الكلبي، وكلاهما مجهولان. وله أسانيد أخرى أضعف من هذا.
ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٣٤) من طرق عن عمر بن الخطاب موقوفا عليه.
٥٥ - باب جواز التفاضل في بيع العبيد والإماء إذا كان يدا بيد
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: جاء عبد، فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ : "بعنيه". فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله "أعبد هو؟ ".
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٦٠٢) من طرق عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
• عن أنس قال: وقعت في سهم دحية جارية جميلة، فاشتراها رسول اللَّه ﷺ بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها، وتهيئها. قال: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها، وهي صفية بنت حيي.
صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٣٦٥: ٨٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٣٥٧٥) عن عفان بأطول من هذا.
ورواه أبو داود (٢٩٩٧)، وابن ماجه (٢٢٧٢)، والبيهقي (٦/ ٣٠٦) كلهم من طرق عن حماد ابن سلمة مختصرا في شراء صفية بسبعة أرؤس.
٥٦ - باب النهي عن بيع اللحم بالحيوان
• عن سمرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الشاة باللحم.
صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٣٥)، والبيهقي (٥/ ٢٩٦) كلاهما من حديث إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن الحجاج الباهلي، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب فذكره.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، رواته عن آخرهم حفاظ ثقات، ولم يخرجاه، وقد
стр. 3607
احتج البخاري بالحسن عن سمرة". انتهى.
قلت: اختلف في سماع الحسن من سمرة، والصحيح أنه سمع منه مطلقا.
ولذا قال البيهقي: "هذا إسناد صحيح، ومن أثبت سماع الحسن البصري من سمرة بن جندب عده موصولا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد، يضم إلى مرسل سعيد بن المسيب، والقاسم بن أبي بزة، وقول أبي بكر الصديق". اهـ.
ومرسل سعيد بن المسيب هو ما رواه مالك (٢/ ٦٥٥) عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع الحيوان باللحم.
وكذلك رواه أيضًا عن أبي الزناد، عن سعيد بن المسيب من قوله.
ومن طريق مالك رواه البيهقي (٥/ ٢٩٧).
قال ابن عبد البر: "لا أعلم هذا الحديث يتصل من وجه ثابت من الوجوه عن النبي ﷺ ".
وكذا قال أيضًا البيهقي: "هذا هو الصحيح. ورواه يزيد بن مروان الخلال، عن مالك، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ ، وغلط فيه".
وحديث يزيد بن مروان رواه ابن عبد البر، والدارقطني، وأبو نعيم، وغيرهم. قال ابن عبد البر: وهذا إسناد موضوع، لا يصح عن مالك، ولا أصل له من حديثه".
ويزيد بن مروان هذا كذاب، كما قال ابن معين.
وأما مرسل القاسم بن أبي بزة فرواه البيهقي (٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧) من طريق الشافعي، أنا مسلم عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة قال: قدمت المدينة، فوجدت جزورا قد جزرت، فجزئت أربعة أجزاء، كل جزء منها بعناق. فأردت أن أبتاع منها جزءا، فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يباع حي بميت. قال: فسألت عن ذلك الرجل، فأخبرت عنه خيرا.
ومسلم هو ابن خالد الزنجي، مختلف فيه، تكلم فيه ابن المديني، ووثّقه ابن معين والدارقطني، وقال ابن عدي: حسن الحديث لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات.
والقاسم بن أبي بزة لم يلق أحدا من الصحابة، فالراوي المبهم أحد التابعين، فيكون الحديث مرسلا، كما قال البيهقي.
أخذ الجمهور بهذه الأحاديث -وتعضدها أقوال الصحابة-، فمنعوا بيع اللحم بالحيوان؛ لأن المقصود بالحيوان هنا الذي يشترى ويباع لأجل اللحم.
وتكون علة النهي التفاضل في جنس واحد، وهو ربا الفضل.
وأجاز أبو حنيفة بيع اللحم بالحيوان؛ لأن علة الربا عنده الكيل والوزن، والحيوان ليس بمكيل، ولا موزون، فجاز بيع اللحم بالحيوان.
قلت: لعله لم يبلغه هذا الحديث وأقوال الصحابة، وإلا فأبو حنيفة ﵀ صرح مرارا
стр. 3608
وتكرارا: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط".
فقه الحديث:
يستفاد من الأبواب السابقة ما يلي:
- النهي عن بيع الحيوان بالحيوان أو بالحيوانين نسيئة. وبه قال أحمد والكوفيون وسفيان الثوري وغيرهم محتجين بحديث سمرة. وجعل الطحاوي حديث سمرة ناسخا لحديث عبد اللَّه بن عمرو.
وذهب الشافعي وإسحاق إلى جوازه، سواء كان الجنس واحدا أو مختلفا، مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم، وسواء باع واحدا بواحد أو اثنين فأكثر، واحتجوا بحديث عبد اللَّه بن عمرو، وحملوا حديث سمرة على إذا كان البيع نسيئة من الطرفين، وهو ما يقال بيع الكالئ بالكالئ.
وقال مالك: "إن كان الجنس مختلفا يجوز وإن كان متفاضلا".
- وقد استدل جماعة من أهل العلم بحديث عبد اللَّه بن عمرو على جواز السلم في الحيوان، سواء كان من جنس واحد أو من أجناس مختلفة موصوفة.
٥٧ - باب ما رُويَ في النهي عن كسر الدراهم
روي عن عبد اللَّه المزني قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن تكسر مكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.
رواه أبو داود (٣٤٤٩)، وابن ماجه (٢٢٦٣)، والحاكم (٢/ ٣١) كلهم من حديث معتمر بن سليمان قال: سمعت محمد بن فضاء، يحدث عن أبيه، عن علقمة بن عبد اللَّه، عن أبيه فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل محمد بن فضاء وأبيه، فالابن أشد ضعفا من أبيه، بل قد اتهمه البخاري، وأما الأب فهو مجهول؛ فإنه لم يرو عنه إلا ابنه.
وقوله: "الجائزة" أي النافعة في معاملاتهم.
وقوله: "السكة" أي الحديدة التي يطبع عليها الدراهم. والنهي إنما وقع عن كسر الدراهم المضروبة على السكة.
٥٨ - باب ما جاء في التسعير
• عن أنس بن مالك قال: قال الناس: يا رسول اللَّه، غلا السعر؛ فسعر لنا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى اللَّه، وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال".
صحيح: أخرجه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (١٢٥٩، ١٤٠٥٧) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة وثابت وحميد، عن أنس بن مالك فذكره.
وقال الترمذي: "حسن صحيح".
стр. 3609
قلت: إسناده صحيح إلا أن البعض لم يذكروا الرواة الثلاثة عن أنس.
• عن أبي هريرة أن رجلا جاء، فقال: يا رسول اللَّه، سعر. فقال: "بل أدعو". ثم جاءه رجل، فقال: يا رسول اللَّه، سعر. فقال: "بل اللَّه يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى اللَّه وليس لأحد عندي مظلمة".
صحيح: رواه أبو داود (٣٤٥٠)، وأحمد (٨٤٤٨، ٨٨٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٩) كلهم من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ لأبي داود، ولفظهم قريب منه. وإسناده صحيح
• عن أبي سعيد قال: غلا السعر على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: لو قوَّمت يا رسول اللَّه، قال: "إني لأرجو أن أفارقكم، ولا يطلبني أحد منكم بمظلمة ظلمته".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٢٠١)، والإمام أحمد (١١٨٠٩)، والطبراني في الأوسط (٥٩٥٢) كلهم من طرق عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره.
وأبو نضرة اسمه المنذر بن مالك بن قُطعة العبدي، ثقة من رجال مسلم.
قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٩٩) بعد أن عزاه لأحمد والطبراني: "رجال أحمد رجال الصحيح".
• عن أبي سعيد الخدري أن يهوديا قدم زمن النبي ﷺ بثلاثين حمل شعير وتمر، فسعَّر مدًّا بمد النبي ﷺ ، وليس في الناس يومئذ طعام غيره، وكان قد أصاب الناس قبل ذلك جوع، لا يجدون فيه طعاما، فأتى النبيَّ ﷺ الناسُ يشكون إليه غلاء السعر، فصعد المنبر، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "لا ألقين اللَّه من قبل أن أعطي أحدا من مال أحد من غير طيب نفس، إنما البيع عن تراض، ولكن في بيوعكم خصالا أذكرها لكم. لا تضاغنوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا يسوم الرجل على سوم أخيه، ولا يبيعن حاضر لباد، والبيع عن تراض، وكونوا عباد اللَّه إخوانا".
حسن: رواه ابن حبان (٤٩٦٧)، وأبو يعلى (١٣٥٤)، والبيهقي (٦/ ١٧)، وابن ماجه (٢١٨٥) كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن داود بن صالح التمار، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري فذكره. واللفظ لابن حبان. واختصره أبو يعلى والبيهقي، واكتفى ابن ماجه بقوله: "إنما البيع عن تراض". وإسناده حسن من أجل الدراوردي، وشيخه داود بن صالح.
وفي الباب عن ابن عباس، وعلي، وأبي جحيفة، وأبي بصيلة. ولا يصح منها شيء. (انظر مجمع الزوائد ٤/ ٩٩ - ١٠٠). والصحيح منها ما ذكرته.
فقه الحديث:
الأصل في البيع والشراء التراضي، كما قال اللَّه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا
стр. 3610
أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٩].
ولذا ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم التسعير مستدلين بهذه الأحاديث.
وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه راجع عن تدخله في أمور السوق، رواه مالك في الموطأ في البيوع (٦٠) عن يونس بن يوسف، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبا له بالسوق، فقال له عمر بن الخطاب: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا.
وتفصيل ذلك كما رواه الشافعي عن الدراوردي، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم بن محمد، عن عمر بن الخطاب أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فذكر نحو حديث مالك: إما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك بيتك فتبيعه كيف شئت. فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبا في داره، فقال له عمر: إن الذي قلت ليس بعزيمة مني، ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت وكيف شئت فبع". (الاستذكار ٢٠/ ٧٥، والسنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٩).
ولكن يجوز للحاكم إذا رأى أن البائعين أغلوا أسعارهم، وأفسدوا على المسلمين معيشتهم أن بسعر لهم الطعام الذي هو قوت الحياة؛ لأن فيه إقامة السوق وإصلاحها؛ لأن من حق الوالي أن ينظر للمسلمين فيما يصلحهم، ويعمهم نفعه.
وقد قال به بعض أهل العلم، منهم الليث بن سعد، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وغيرهم.
وبه قال بعض المالكية والحنفية بناء على القاعدة الفقهية: "إن الضرر يزال". ولا شك إن تعدى البائع على السلعة الأساسية يعتبر من أكبر الضرر على عامة الناس.
٥٩ - باب فيمن باع بيعتين في بيعة
• عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيعتين في بيعة.
حسن: رواه الترمذي (١٢٣١)، والنسائي (٤٦٣٢)، وأحمد (٩٥٨٤)، وصحّحه ابن حبان (٤٩٣)، والبيهقي (٥/ ٣٤٣)، وابن الجارود (٦٠٠) كلهم من طرق عن محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو -وهو ابن علقمة الليثي-؛ فإنه حسن الحديث.
هكذا رواه عبد الوهاب بن عطاء، وإسماعيل بن جعفر، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ومعاذ بن معاذ، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون، كلهم عن محمد بن عمرو به مثله.
وخالفهم يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، فرواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي
стр. 3611
هريرة مرفوعا بلفظ: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا".
رواه أبو داود (٣٤٦١)، وابن حبان (٤٩٧٤)، والحاكم (٢/ ٤٤)، والبيهقي (٥/ ٣٤٣)، كلهم من طريق يحيى بن زكريا فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
معنى الحديث:
"يشبه أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه، كأنه أسلفه دينارا في قفيز إلى شهر، فلما حل الأجل، وطالبه بالبر قال له: بعني القفيز الذي لك علي بقفيزين إلى شهر، فهذا بيع ثان، قد دخل على البيع الأول، فصار بيعتين في بيعة، فيردان إلى أوكسهما، وهو الأصل، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتناقضا الأول كانا مربيين".
وأما تفسير قوله: "بيعتين في بيعة" فقيل: تفسيره هو أن يقول البائع: بعتك بألف نقدا، وبألفين نسيئة، فاقبل أيهما شئت.
هذا تفسير الشافعي، وعلة التحريم فيه أنه يزيد الثمن بزيادة الأجل، وهو يشبه الربا. قاله الخطابي. وقيد بعضهم بأن يقبل على الإبهام.
أما لو قبل أحدهما جاز. حكي عن طاوس أنه قال: لا بأس أن يقول: هذا الثوب نقدا بعشرة، وإلى شهر بخمسة عشر، فيذهب به إلى أحدهما. أي اختار أحد البيعين قبل أن يفترقا فجاز.
ومن هذا النوع بيع التقسيط الذي لم يكن معروفا من قبل، فأجازه جمهور أهل العلم، وأفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية بشروط، منها: تحديد الثمن المؤجل، وعدد الأقساط، ومقدار كل قسط، وغيرها؛ لئلا يقع فيه النزاع.
والتفسير الثاني: هو أن يقول البائع: أبيعك على أن تبيعني، أي إذا وجب البيع لك عندي وجب لي عندك، فهو بيع فاسد.
والتفسير الثالث: أن يقول البائع: بعتك هذا الثوب بمائة ريال على أن تعطيني ثلاثين دولارا.
ولكن لو قال: تُعطيني ما يساوي مائة ريال من الدولار في سعر اليوم لجاز، كما كان ابن عمر بيع ويشتري بالدينار، ويدفع إليه الدراهم بسعر اليوم، فهو ليس من بيعتين في بيعة.
والتفسير الرابع: قالوا: من بيعتين في بيعة، كمن باع البيت والسيارة بثمن واحد، ولكن الصحيح أنه جائز، إنما هي صفقة واحدة جمعت شيئين بثمن معلوم، كما قال الخطابي.
ولكن إن وقع النزاع بين البائع والمشتري فيفسخ البيع كله لعدم تحديد ثمن كل مبيع. وباللَّه التوفيق.
• عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تبع بيعتين في بيعة".
صحيح: رواه الترمذي (١٣٠٩)، وابن ماجه (٢٤٠٤)، وأحمد (٥٣٩٥)، وابن الجارود (٥٩٩)،
стр. 3612
والبيهقي (٦/ ٧٧) كلهم من طرق عن هشيم بن بشير، حدثنا يونس بن عبيد، عن نافع، عن ابن عمر فذكره في حديث أوله: "مطل الغني ظلم، وإذا أحلت على ملأ فاتبعه".
وابن ماجه لم يذكر إلا أول الحديث.
تنبيه: اختلفت نسخ الترمذي، فوجد هذا الحديث في بعضها، ولم يوجد في البعض الآخر، فتأكد منه. واختلف أهل العلم في سماع يونس بن عبيد عن نافع:
فذهب أحمد، والبخاري، وأبو حاتم، وأبو داود إلى أنه لم يسمع منه شيئًا، وإنما سمع من ابن نافع، عن نافع.
وتوقف أبو زرعة قائلا: "أتوهم أن في حديثه شيئًا يدل على أنه سمع منه". المراسيل (١٩١).
وجزم الطحاوي في مشكله (٧/ ١٧٨) أنه سمع منه؛ لما روى عن شيخه أبي أمية قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا يونس بن عبيد قال: أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أحلت على ملأ فاتبعه". وهو جزء من الحديث، وفي إسناده تصريح بالأخبار، ثم قال: "غير أنا وجدنا يحيى بن معين قد تكلم في حديث ابن عمر هذا، وذكر أن يونس بن عبيد لم يسمع من نافع، كما حدثنا ابن أبي داود قال: قال لي يحيى بن معين في حديث يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر: "مطل الغني ظلم" قال يحيى: قد سمعته عن هشيم، ولم يسمعه يونس من نافع.
قال لنا ابن أبي داود: قلت ليحيى: لم يسمع يونس من نافع شيئًا؟ قال: بلى، ولكن هذا الحديث خاصة لم يسمعه يونس من نافع".
فأخذ منه الطحاوي أن الذي لم يسمعه يونس من نافع هو قوله: "مطل الغني ظلم". وما سواه سمعه منه.
قلت: ومنه الجزء الآخر من الحديث، وهو "لا تبع بيعتين في بيعة". واللَّه تعالى أعلم.
وقد روي عن ابن مسعود، ولكنه موقوف عليه: "لا تصلح سفقتان في سفقة". رواه أحمد (٣٧٢٥)، وابن حبان (٥٠٢٥) كلاهما من حديث شعبة، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن ابيه.
وكذلك رواه ابن خزيمة (١٧٦)، وابن حبان (١٠٥٣)، والبزار -كشف الأستار (١٢٧٨) -، والطبراني في الكبير (٩/ ٣٢١) كلهم من حديث سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه.
وله أسانيد أخرى عن سماك بن حرب موقوفا على ابن مسعود.
وخالفهم شريك النخعي، فرواه عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود عنه مرفوعا: نهى رسول اللَّه ﷺ عن صفقتين في صفقة واحدة. رواه أحمد (٣٧٨٣)، والبزار -
стр. 3613
كشف الأستار (١٢٧٧) -، كلاهما عن أسود بن عامر قال: حدثنا شريك فذكره.
وشريك هو ابن عبد اللَّه، سيء الحفظ، وهذا مما أخطأ فيه شريك، والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود.
وقد فسر سماك معنى قوله: "سفقتين في سفقة" بالسين، ويقال: "صفقتين في صفقة" بالصاد، " هو: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو بنساء بكذا وكذا، وهو بنقد بكذا وكذا". أي ثم يتفرقان بلا جزم بأي البيعين تبايعا.
٦٠ - باب ما جاء في النهي عن بيع العِينة
• عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلّط اللَّه عليكم ذُلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".
حسن: رواه أبو داود (٣٤٦٢)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣١٦) كلاهما من حديث حيوة بن شريح، عن إسحاق أبي عبد الرحمن، أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه به.
وإسحاق أبو عبد الرحمن هو إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الأنصاري، قال أبو حاتم: شيخ ليس بالمشهور، ولا يشتغل به. وقال ابن عدي: مجهول. وأما ابن حجر فقال في التقريب: "فيه ضعف".
وللحديث إسناد آخر، رواه أحمد (٤٨٢٥)، والطبراني في الكبير (١٣٥٨٥)، وأبو يعلى (٤٦٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣١٣ - ٣١٤) كلهم من طريق الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا ضَن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل اللَّه أنزل اللَّه بلاء، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم".
عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر، وإنما رآه فقط، كما قال أحمد، وابن المديني، ففيه انقطاع.
وللحديث إسناد ثالث: وهو ما رواه الإمام أحمد (٥٠٠٧) عن يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنِيَّة، أخبرنا أبو جناب، عن شهر بن حوشب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "لئن تركتم الجهاد، وأخذتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، ليُلِزمنَّكم اللَّه مذلَّة في رقابكم، لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى اللَّه، وترجعوا على ما كنتم عليه".
وفيه أبو جناب، وهو يحيى بن أبي حَيَّة الكلبي، قال أحمد وابن معين وغيرهما: "ليس به بأس، وكان يدلّس".
قلت: وبمجموع هذه الطرق يصير الحديث حسنا على رسم الترمذي إذْ ليس فيهم متّهمٌ.
стр. 3614
"والعِينة" -بكسر العين- هو أن يبيع شيئًا من غيره بثمن مؤجل، ويسلم إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل مما باع به، وينقده الثمن.
وأما إذا اشترك في البيع ثلاثة أطراف فيخرج من بيع العينة، وصورته: أن يشتري رجل من البائع سلعة مؤجلا، ويقبض على السلعة، ثم يبيعها لرجل ثالث غير البائع بأقل مما اشترى بنقد. فهذا جائز باتفاق أهل العلم لتوفر جميع شروط البيع فيه.
٦١ - باب ما رُويَ في بيع العربون
روي عن عبد الرحمن بن فروخ أن نافع بن عبد الحارث اشترى دارا للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرض عمر فأربعمئة لصفوان.
رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٩٢)، والبيهقي (٤/ ٣٤) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن عبد الرحمن بن فروخ مولى نافع بن عبد الحارث فذكره. وذكره البخاري (٥/ ٧٥) معلقا عن نافع بن عبد الحارث.
ونافع هذا كان عاملا لعمر على مكة، فلذا اشترط الخيار لعمر.
وقوله: "وإن لم يرض عمر فأربعمائة لصفوان" هو مثل العربون.
وأما الأحاديث الواردة في النهي عن العربون فلم تثبت، ومن أشهرها:
ما رواه مالك بلاغا في البيوع (١) عن الثقة عنده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن بيع العربان".
ومن طريقه رواه أبو داود (٣٥٠٢)، وابن ماجه (٢١٩٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٤٢).
وقال البيهقي: "هكذا روى مالك بن أنس هذا الحديث في الموطأ، لم يسم من رواه عنه. ورواه حبيب بن أبي حبيب عن مالك قال: حدثني عبد اللَّه بن عامر الأسلمي، عن عمرو بن شعيب. فذكر الحديث". هكذا قال البيهقي.
ورواه ابن ماجه (٢١٩٣) عن الفضل بن يعقوب الرخامي، حدثنا حبيب بن أبي حبيب أبو محمد كاتب مالك بن أنس قال: حدثنا عبد اللَّه بن عامر الأسلمي فذكره. فأسقط في الإسناد مالكا.
وحبيب بن أبي حبيب هذا متروك، كان يضع الحديث على مالك. ولذا قال النسائي: "أحاديثه كلها موضوعة عن مالك وغيره".
وعبد اللَّه بن عامر الأسلمي لم يكن أحسن حالا منه.
وقيل: بين مالك وبين عمرو بن شعيب: عبد اللَّه بن لهيعة. نقل البيهقي عن ابن عدي.
ورواه ابن عدي من وجه آخر عن قتيبة، ثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب.
قال البيهقي: وقد روي هذا الحديث عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن عمرو بن
стр. 3615
شعيب. رواه عاصم بن عبد العزيز الأشجعي، عن الحارث بن عبد الرحمن.
ثم قال البيهقي: "وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي فيه نظر، وحبيب بن أبي حبيب ضعيف، وعبد اللَّه بن عامر وابن لهيعة لا يحتج بهما، والأصل في هذا الحديث مرسل مالك". انتهى.
ولضعف هذا الحديث لم يأخذ به الإمام أحمد، بل ذهب إلى جواز العربون مستدلا بقصة عمر ابن الخطاب.
وأما جمهور الفقهاء فذهبوا إلى النهي عن بيع العربون مستدلين بهذا الحديث، وقالوا: بيع العربون أكل أموال الناس بالباطل.
٦٢ - باب ما روي في عهدة الرقيق
روي عن عقبة بن عامر قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا عهدة بعد أربع". رواه ابن ماجه (٢٢٤٥)، وأحمد (١٧٢٩٢)، والبيهقي (٥/ ٣٢٣) كلهم من حديث يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عقبة بن عامر فذكره. واللفظ لابن ماجه.
والحسن هو البصري، قال أبو حاتم وغيره: لم يسمع الحسن عن عقبة بن عامر. وقال: ليس هذا الحديث بصحيح، وهو عندنا مرسل. "العلل" (١/ ٣٥٥).
وقال البيهقي: "مدار هذا الحديث على الحسن عن عقبة بن عامر، وهو مرسل. قال علي بن المديني: لم يسمع الحسن من عقبة بن عامر شيئًا".
كما اختلف على الحسن البصري، فرواه عنه يونس بن عبيد هكذا.
ورواه قتادة عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ فذكر نحوه.
ومن هذا الطريق رواه ابن ماجه (٢٢٤٤)، والطيالسي (٩٠٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٢٣).
وهذا يدل على الاضطراب في الإسناد، فإن قتادة والحسن مدلسان، والحسن عن سمرة مشهور، فلعل بعض الرواة أخطأ، فرواه على الجادة.
ونقل الخطابي عن الإمام أحمد أنه ضعف عهدة الثلاث في الرقيق، وقال: "لا يثبت في العهدة حديث. وقالوا: لم يسمع الحسن من عقبة بن عامر شيئًا، والحديث مشكوك فيه، فمرة قال: عن سمرة، ومرة: عن عقبة". انتهى.
ومعنى الحديث، كما قال قتادة، ذكره عنه أبو داود: "إن وجد داء في الثلاث رد بغير بينة، وإن وجد داء بعد الثلاث كلف البينة أنه اشتراه، وبه هذا الداء".
وأما فقهاء الإسلام فاختلفوا في تفسيره اختلافا كثيرا، وكان الشافعي لا يعتبر الثلاث والسنة في شيء منها، وينظر إلى العيب، فإن كان مما يحدث مثله في مثل المدة التي اشتراه فيها إلى وقت الخصومة فالقول قول البائع مع يمينه، وإن كان لا يمكن حدوثه في تلك المدة رده على البائع.
стр. 3616
ذكره الخطابي.
٦٣ - باب النهي عن بيع المغانم حتى تقسم
• عن ابن عباس قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع المغانم حتى تقسم، وعن الحبالى أن يُوطأنَ حتى يضعن ما في بطونهن، ولحم كل ذي ناب من السباع.
حسن: رواه النسائي (٤٦٤٥) عن أحمد بن حفص بن عبد اللَّه قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، عن عبد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره.
وقد رواه من هذا الوجه كل من الدارقطني (٣/ ٦٨ - ٦٩)، والحاكم (٢/ ١٣٧). وقال الحاكم: "حديث صحيح". وإسناده حسن من أجل الكلام في عمرو بن شعيب.
وللحديث أوجه أخرى أخرجها أبو يعلى (٢٤١٤)، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي (٩/ ١٢٥). ولذا قال الحاكم: "وقد روي بعض هذا المتن بإسناد صحيح على شرط الشيخين".
• عن رويفع بن ثابت قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول يوم حنين قال: "لا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره". يعنى إتيان الحبالي. "ولا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يُقْسم".
حسن: رواه أبو داود (٢١٥٨، ٢٧٠٨)، وأحمد (١٦٩٩٧)، والدارمي (٢٥٢٠) كلهم من حديث ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تجيب، عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق؛ فإنه مدلس إلا أنه صرح بالتحديث. كما أنه توبع متابعة قاصرة.
رواه ابن حبان في صحيحه (٤٨٥٠)، والبيهقي (٩/ ٦٢) كلاهما من طريق ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم التجيبي، عن حنش بإسناده نحوه مع بعض الزيادات في الألفاظ. ورواه الترمذي (١١٣١) مختصرا بهذا الإسناد إلا أنه جعل بسر بن عبيد اللَّه مكان "حنش ابن عبد اللَّه". وقال: "هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت".
وأبو مرزوق هو حبيب بن شهيد قال في التقريب: "ثقة" هكذا سماه باسم "حبيب بن شهيد" د ق. وقال في ترجمة ربيعة بن سليم هو أبو مرزوق من رجال الترمذي فقط. وقال: "مقبول".
وأظن هذا مما التبس على الحافظ بأن أبا مرزوق من رجال أبي داود والترمذي، كما قال في
стр. 3617
كناه. إذا ربيعة هذا غير أبي مرزوق، وقد عطف عليه بقوله: أو أبو عبد الرحمن، وهو الصحيح.
وفي الباب عن أبي أمامة أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر أن تباع السهام حتى تقسم. رواه الدارمي (٢٥١٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٣٠) كلاهما من طريق حماد بن أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول والقاسم، عن أبي أمامة فذكره.
وأخطأ حماد بن أسامة في تسمية شيخه، وإنما هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وليس بعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم العلمي الدمشقي ضعيف عند جمهور أهل العلم حتى قال البخاري: "عنده مناكير". ومن لم يتنبه إلى هذا الخطأ صحح الحديث حسب الظاهر؛ لأن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة من رجال الصحيح، وممن اغتر بظاهر الإسناد الهيثمي، فقال: "رجاله رجال الصحيح". (انظر مجمع الزوائد).
ومكحول لم يسمع من أبي أمامة، وإنما رآه فقط، ولكن تابعه القاسم.
وفي الباب ما روي أيضًا عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن ما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص.
رواه الترمذي (١٥١٣)، وابن ماجه (٢١٩٦)، وأحمد (١١٣٧٧)، والدارقطني (٣/ ١٥)، والبيهقي (٥/ ٣٣٨) كلهم من حديث جهضم بن عبد اللَّه اليمامي، عن محمد بن إبراهيم الباهلي، عن محمد بن زيد العبدي، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد فذكر الحديث.
وذكره الترمذي مختصرا بقوله: "نهى عن شراء المغانم حتى تقسم".
قال الترمذي: "هذا حديث غريب".
قلت: جهضم بن عبد اللَّه اليمامي ثقة في نفسه إلا أنه روي عن المجاهيل، وهذا منها؛ فإن شيخه محمد بن إبراهيم الباهلي "مجهول" كما قال أبو حاتم.
ثم شيخه محمد بن زيد العبدي، إن كان هو ابن أبي الفلوس فهو "مقبول" أي إذا توبع، وإلا فلين الحديث، وإن كان غيره فهو "مجهول" قاله ابن حجر في "التقريب".
وقد ضعف البيهقي هذا الإسناد فقال: "وهذه المناهي وإن كانت في هذا الحديث بإسناد غير قوي فهي داخلة في بيع الغرر الذي نهي عنه في الحديث الثابت عن رسول اللَّه ﷺ ". انتهى.
وكذلك لا يصح ما روي عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الغنائم حتى تقسم، وبيع النخل حتى تحرز من كل عرض، وأن يصلي الرجل بغير حزام. رواه أبو داود (٣٣٦٩)، والبيهقي (٢/ ٢٤٠) مختصرا كلاهما من حديث شعبة، عن يزيد بن خمير، عن مولى لقريش، عن أبي هريرة فذكره. وفيه رجل لم يسم.
قلت: وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن بيع المغانم حتى تقسم، والصحيح منها ما
стр. 3618
ذكرته وباللَّه التوفيق.
٦٤ - باب ما جاء في النهي عن بيع الدَّين بالدَّين
روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ.
رواه الدارقطني (٣/ ٧١)، والحاكم (٢/ ٥٧) كلاهما من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ثم روياه من حديث حمزة بن عبد الواحد، عن موسى بن عقبة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر فذكره. كذا قال: "ابن عقبة".
ورواه البغوي في شرح السنة (٨/ ١١٣) من طريق أبي عبيد القاسم بن سلام، حدثني زيد بن الحباب العكلي، عن موسى بن عبيدة، عن عبد اللَّه بن دينار به مثله.
وكذا رواه البزار -كشف الأستار (١٢٨٠) - من وجه آخر عن موسى بن عبيدة. ولكن زاد في المتن، فقال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن الشغار، وعن بيع المجر، وعن بيع الغرر، وعن بيع كالئ بكالئ، وعن بيع آجل بعاجل.
قال: "والمجر: ما في الأرحام، والغرر: أن تبيع ما ليس عندك، وكالئ بكالئ: دَين بدَين، والآجل بالعاجل: أن يكون لك على رجل ألف درهم، فيقول الرجل: أعجل خمسمائة، ودع البقية، والشغار: أن ينكح المرأة بالمرأة ليس بينهما صداق.
قال البزار: "لا نعلم رواه بهذا التمام إلا موسى بن عبيدة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر". انتهى.
وقال الدارقطني: "قال اللغويون: هو النسيئة بالنسيئة".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
وهذا وهم منه؛ فإن موسى هذا ليس ابن عقبة، وإنما هو ابن عبيدة، كما قال البغوي، والبزار.
وقال الدارقطني في العلل (١٣/ ١٩٣) بعد أن ساق عدة روايات في تعيين موسى هل هو ابن عقبة أو ابن عبيدة؟ : "والصحيح ابن عبيدة". انتهى.
ولعل البيهقي لم يطلع على كلام الدارقطني في العلل، ولذا حمل الخطأ على الدارقطني، فقال بعد أن رواه من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن موسى -هكذا غير منسوب- قال:
"وموسى هذا هو ابن عبيدة الربذي، وشيخنا أبو عبد اللَّه (الحاكم) قال في روايته: عن موسى ابن عقبة. وهو خطأ، والعجب من أبي الحسن الدارقطني شيخ عصره روى هذا الحديث في كتاب السنن عن أبي الحسن علي بن محمد المصري هذا، فقال: عن موسى بن عقبة. وشيخنا أبو الحسين (وهو ابن بشران) روى لنا عن أبي الحسن المصري في الجزء الثالث من سنن المصري،
стр. 3619
فقال: عن موسى غير منسوب. ثم أردفه المصري بسنده، فقال: عن أبي عبد العزيز الربذي. وأبو عبد العزيز الربذي هو موسى بن عبيدة". انتهى.
وقد رواه ابن عدي من طريق الدراوردي، عن موسى بن عبيدة، وقال: "تفرد به موسى بن عبيدة".
وقال أحمد بن حنبل: "لا تحل عندي الرواية عنه، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره". وقال أيضًا: "ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين".
وقال الشافعي: "أهل الحديث يوهنون هذا الحديث". انظر للمزيد "التلخيص" (٣/ ٢٦).
فالخلاصة أنه موسى بن عبيدة بن نشيط -بفتح النون- الربذي -بفتح الراء- أبو عبد العزيز المدني، ضعيف، لا سيما في عبد اللَّه بن دينار، ضعفه جمهور أهل العلم، وليس هو موسى بن عقبة -ثقة فقيه إمام في المغازي من رجال الصحيح- كما ظن الحاكم. وباللَّه التوفيق.
قال أبو عبيد: "الكالئ بالكالئ هو النسيئة بالنسيئة بأن يسلم مائة درهم إلى سنة في كسر طعام، فإذا انقضت السنة قال الذي عليه الطعام لندافع: ليس عندي طعام، ولكن بعني هذا الكسر بمائتي درهم إلى شهر. فهذا، وكل ما أشبه هذا نسيئة انتقل إلى نسيئة".
والفقهاء ضربوا له أمثلة كثيرة في بيع النسيئة بالنسيئة.
وأرى من هذه الصور: رجل باع داره بمائة ألف نسيئة إلى سنة، وباع المشتري فرسه للبائع بخمسين ألف نسيئة إلى سنة، يعني على المشتري الأول خمسون ألف، يؤديه إلى البائع الأول بعد سنة، فهذه نسيئة بنسيئة، وفيه من الغرر والمخاطر ما يجعل هذا النوع من البيع محرما.
٦٥ - باب كراهية التفريق بين الوالدة وولدها الصغير وبين الأخوين
• عن أبي أيوب قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من فرق بين الوالدة وولدها فرق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة".
حسن: رواه الترمذي (١٢٨٣)، والدارقطني (٣/ ٦٧)، والحاكم (٢/ ٥٥)، والبيهقي (٩/ ١٢٦)، وأحمد (٢٣٤٩٩)، كلهم من طريق عبد اللَّه بن وهب قال: أخبرني حيي بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن أبي أيوب فذكره. وعند أحمد قصة.
وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: فيه حُيي بن عبد اللَّه، وهو المعافري المصري من رجال السنن، وليس من رجال مسلم، ثم هو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في الشواهد، وهذا منها إن شاء اللَّه تعالى.
وقد تابعه عبد اللَّه بن جنادة عند الدارمي (٢٥٢٢)، وعبد اللَّه بن جنادة هو المعافري، روى عن أبي عبد الرحمن الحبلي، كما في الجرح والتعديل (٥/ ٢٥)، وهو لا بأس به في المتابعات.
وقد وقع في بعض نسخ الدارمي: "عبد الرحمن بن جنادة". وهو خطأ؛ فإنه لا يوجد من
стр. 3620
الرواة من يسمي بهذا الاسم. وللحديث أسانيد أخرى، غير أن ما ذكرته هو أصحها.
• عن علي بن أبي طالب قال: قدَم على النبي ﷺ سبيٌ، فأمرني ببيع أخوين، فبعتهما، وفَرَّقْتُ بينهما، ثم أتيتُ النبي ﷺ ، فأخبرتُه فقال: "أدرِكْهما، فارتجعْهما، وبِعْهُما جميعا، ولا تفرِّقْ بينهما".
حسن: رواه الدارقطني (٣٠٤٠)، والحاكم (٢/ ٥٤)، والبيهقي (٩/ ١٢٧) كلهم من طرق عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي بن أبي طالب قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الوهاب بن عطاء الخفاف فإنه حسن الحديث إذا لم يأت بما ينكر عليه.
وقال الحاكم: "هذا حديث غريب صحيح على شرط الشيخين".
وقال ابن القطان: "رواية شعبة صحيحة لا عيب لها".
وللحديث أسانيد أخرى إلا أن ما ذكرتُه هو أصحّها.
وفي معناه ما روي عن علي بن أبي طالب أنه فرّق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، ورد البيع. رواه أبو داود (٢٦٩٦)، والترمذي (١٢٤٨)، وابن ماجه (٢٢٤٩)، والدارقطني (٣/ ١٦)، والحاكم (٢/ ٥٥)، والبيهقي (٩/ ١٢٦)، وأحمد (٨٠٠) كلهم من طريق الحكم بن عتيبة، عن ميمون بن أبي شبيب، عن علي فذكره.
وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح".
وفيه ميمون بن أبي شبيب لم يدرك عليا، قتل بالجماجم سنة ثلاث وثمانين. قاله أبو داود. كما أنه مختلف في توثيقه وتجريحه، فضعفه ابن معين. وقال أبو حاتم: "صالح الحديث".
وفي معناه أيضًا ما روي عن أبي موسى قال: "لعن رسول اللَّه ﷺ من فرّق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وبين أخيه". رواه ابن ماجه (٢٢٥٠)، والدارقطني (٣/ ٦٧)، والبيهقي (٩/ ١٢٨) كلهم من طريق إبراهيم بن إسماعيل، عن طليق بن عمران، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال فذكره.
وإبراهيم بن إسماعيل وطليق بن عمران ضعيفان، وبهما أعلّه البوصيري.
ولكن رواه الدارقطني (٣/ ٦٦ - ٦٧)، والحاكم (٢/ ٥٥)، وعنه البيهقي (٩/ ١٢٨) عن أبي بكر ابن عياش، عن سليمان التيمي، عن طليق بن محمد، عن عمران بن حصين فذكر الحديث نحوه.
قال البيهقي: "كذا قاله أبو بكر بن عياش". وقال الحاكم: "هذا إسناد صحيح".
ولكن قال الدارقطني في العلل (٧/ ٢١٨): "ورواه سليمان التيمي عن طليق، واختلف عنه، فرواه أبو بكر بن عياش عن التيمي، عن طليق، عن عمران بن حصين. وغيره يرويه عن سليمان التيمي، عن طليق بن محمد بن عمران بن حصين مرسلا عن النبي ﷺ ، وهو المحفوظ عن التيمي". انتهى.
стр. 3621
وفي معناه أيضًا ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود قال: كان النبي ﷺ إذا أتي بالسبي أعطى أهل البيت جميعا كراهية أن يفرق بينهم. رواه ابن ماجه (٢٢٤٨)، وأحمد (٣٦٩٠)، والدارقطني (٣/ ٦١)، والبيهقي (٩/ ١٢٨) كلهم من حديث جابر الجعفي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكره. وعبد الرحمن بن مسعود لم يسمع من أبيه إلا شيئًا يسيرا.
وفيه جابر، وهو ابن يزيد الجعفي، ضعيف. ورواه البيهقي بإسناد آخر عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكره.
قال البيهقي: "جابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، تفرد به بهذين الإسنادين".
وقد جاء النهي عن التفريق بين الأخوين المملوكين في البيع عن عمر بن الخطاب، رواه سعيد ابن منصور (٢/ ٢٤٧)، وعبد الرزاق (٨/ ٣٠٨)، والبيهقي (٩/ ١٢٨) كلهم من طريق عبد الرحمن ابن فروخ، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب.
فقه الحديث:
قد أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الصغير غير جائز، وهو قول مالك في المدينة، والأوزاعي في الشام، والليث في مصر، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من أهل العلم الحديث أبي أيوب. (انظر المغني ٩/ ٢٥١) إلا أنهم اختلفوا في حد الصغير والكبير. وأجاز مالك والشافعي التفريق بين الأخوين، ولم يجزه أبو حنيفة.
وفي المسألة تفاصيل أخرى، ذكرتها في "المنة الكبرى" (٨/ ١٠١)، فراجعها.
٦٦ - باب جواز التفريق بين الوالدة وولدها الكبير في البيع والهبة
• عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا فزارة، وعلينا أبو بكر، أمره رسول اللَّه ﷺ علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعَرَّسنا، ثم شن الغارة، فورد الماء، فقتل من قتل عليه وسبي، وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة، عليها قِشْع من أدم -قال القشع النطع-، معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا، فلقيني رسول اللَّه ﷺ في السوق، فقال: "يا سلمة، هب لي المرأة". فقلت: يا رسول اللَّه، واللَّه لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبا. ثم لقيني رسول اللَّه ﷺ من الغد في السوق، فقال لي: "يا سلمة، هب لي المرأة، للَّه أبوك". فقلت: هي لك يا رسول اللَّه، فواللَّه ما كشفت لها ثوبا، فبعث بها رسول اللَّه ﷺ إلى أهل مكة، قفدي بها ناسا من
стр. 3622
المسلمين كانوا أسروا بمكة.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد (١٧٥٥) عن زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني إياس بن سلمة، حدثني أبي (هو سلمة بن الأكوع) قال فذكره.
وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم أنه لا مانع من التفريق بين الوالدة وولدها الكبير في البيع والهبة؛ لأنه قد لا يمكن اجتماعهما في البيع والهبة لحاجة بعضهم دون بعض.
• * *
стр. 3623
١٨ - كتاب المظالم والغصب
١ - باب ما جاء في تحريم الظلم، وإن اللَّه حرم الظلم على نفسه
• عن أبي ذر، عن النبي ﷺ فيما روى عن اللَّه ﵎ أنه قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم. يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم. يا عبادي، إنكم تخطؤون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
قال سعيد: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٧) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي، حدثنا مروان (يعني ابن محمد الدمشقي)، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر فذكره.
٢ - باب الظلم ظلمات يوم القيامة
• عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الظلم ظلمات يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٤٧)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٧٩) كلاهما من حديث عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر فذكره.
• عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات
стр. 3624
يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٨) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدثنا داود (يعني ابن قيس)، عن عبيد اللَّه بن مقسم، عن جابر فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات عند اللَّه يوم القيامة. وإياكم والفحش؛ فإن اللَّه لا يحب الفحش والتفحش. وإياكم والشح؛ فإنه دعا من قبلكم، فاستحلوا محارمهم، وسفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم".
حسن: رواه أحمد (٩٥٧٠)، وصحّحه ابن حبان (٦٢٤٨)، والحاكم (١/ ١٢) كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: وهو كما قال إلا أن مسلما روى عن محمد بن عجلان متابعة، والحاكم لا يفرق بين الأصول والمتابعة. وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان؛ فإنه حسن الحديث، وقد تابعه عبيد اللَّه بن عمر بن حفص العمري عند أحمد (٩٥٦٩)، وثور عند البيهقي في الآداب (١٠٨)، وغيرهما.
• عن عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. وإياكم والفحش؛ فإن اللَّه لا يحب الفحش ولا التفحش. وإياكم والشُّح؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الشُّح، أَمَرهم بالقطيعة، فقطعوا أرحامهم، وأمَرهم بالفجور ففجروا، وأَمَرهم بالبخل فبخلوا". فقال رجل: يا رسول اللَّه، وأي الإسلام أفضل؟ قال: "أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك". قال: يا رسول اللَّه، فأي الهجرة أفضل؟ قال: "أن تهجر ما كره ربك". قال: وقال رسول اللَّه ﷺ : "الهجرة هجرتان: هجرة الحاضر، وهجرة البادي، أما البادي فيجيب إذا دعي، ويطيع إذا أُمِر. وأما الحاضر فهو أعظمهما بلية، وأعظمهما أجرا".
صحيح: رواه أحمد (٦٨٣٧)، وصحّحه ابن حبان (٥١٧٦)، والحاكم (٢/ ١١) كلهم من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن أبي كثير الزبيدي، عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره.
قال الحاكم: "صحيحة سليمة من رواية المجروحين في متن هذا الحديث".
وقال: "وهذا الحديث بعينه عند الأعمش عن عمرو بن مرة فذكره".
стр. 3625
٣ - باب الاتقاء من دعوة المظلوم
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن، فقال: "اتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب".
متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٤٨)، ومسلم في الإيمان (١٩) كلاهما من حديث وكيع، حدثنا زكريا بن إسحاق المكي، عن يحيى بن عبد اللَّه بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس فذكره. هكذا ذكره البخاري مختصرا، وسبق ذكره في كتاب الإيمان مفصلا.
٤ - باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض
• عن سعيد بن زيد بن نفيل يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أخذ شبرا من الأرض ظلما طُوِّقَه إلى سبع أرضين".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣١٩٨)، ومسلم في المساقاة (١٦١٠: ١٣٩) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول اللَّه ﷺ . قال: وما سمعت من رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول فذكر الحديث. فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال: اللَّهم إن كانت كاذبة فعم بصرها واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينا هي تمشي في أرضها إذا وقعت في حفرة فماتت.
وفي رواية: قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر، وتقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد. فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها.
هذا كله عند مسلم، واكتفى البخاري بذكر المرفوع دون القصة.
وللحديث طرق أخرى صحيحة، وفيها "من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طُوِّقَه اللَّه إياه يوم القيامة من سبع أرضين". رواه مسلم.
وفي رواية: "من ظلم من الأرض شيئًا طوقه من سبع أرضين". رواه البخاري في الصحيح (٢٤٥٢).
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه اللَّه إلى سبع أرضين يوم القيامة".
صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٦١١) عن زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
стр. 3626
• عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين".
متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٥٣)، ومسلم في المساقاة (١٦١٢) كلاهما من حديث يحيى بن أبي كثير قال: حدثني محمد بن إبراهيم، أن أبا سلمة حدثه: أنه كانت بينه وبين أناس خصومة، فذكر ذلك لعائشة، فقالت: يا أبا سلمة، اجتنب الأرض؛ فإن النبي ﷺ قال فذكرت الحديث.
• عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : "من أخذ من الأرض شيئًا بغير حق، خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين".
صحيح: رواه البخاري في المظالم (٢٤٥٤) عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، حدثنا موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه فذكره.
قال الفربري: قال أبو جعفر بن أبي حاتم: قال أبو عبد اللَّه (البخاري): "هذا الحديث لي بخراسان في كتاب ابن المبارك، أملاه عليهم بالبصرة".
• عن يعلى بن مرة الثقفي يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أخذ أرضا بغير حق كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر".
حسن: رواه أحمد (١٧٥٥٨) عن إسماعيل بن محمد (وهو أبو إبراهيم المعقب)، حدثنا مروان يعني الفزاري، حدثنا أبو يعفور، عن أبي ثابت قال: سمعت يعلى بن مرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي ثابت، وهو أيمن بن ثابت الكوفي مولى بني ثعلبة، قال أبو داود: "لا بأس به". وذكره ابن حبان في ثقاته (٤/ ٤٨).
ومن طريقه رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٧٠)، وعبد بن حميد (٤٠٦)، وابن حبان في الثقات، وفي الصحيح (٥١٦٤).
وأبو يعفور هو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس -بكسر النون، وسكون السين- من رجال الصحيح.
• عن أبي الطفيل قال: قلنا لعلي بن أبي طالب: أخبرنا بشيء أسره إليك رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ما أسر إلي شيئًا كتمه الناس، ولكني سمعته يقول: "لعن اللَّه من ذبح لغير اللَّه، ولعن اللَّه من آوى محدثا، ولعن اللَّه من لعن والديه، ولعن اللَّه من غير المنار".
صحيح: رواه مسلم في كتاب الأضاحي (١٩٧٨: ٤٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، عن منصور بن حيان، عن أبي الطفيل فذكره.
ورواه عبد اللَّه بن أحمد في المسند (٨٥٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده، وفيه: "لعن اللَّه من غير تخوم الأرض". يعني المنار.
стр. 3627
ومن معاني التخوم أن يدخل الرجل في ملك غيره، فيقطعه ظلما.
• عن الحارث بن البرصاء قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول -وهو يمشي بين جمرتين من الجمار-، وهو يقول: "من أخذ شبرا من مال امرئ مسلم بيمين فاجرة فليتبوأ بيتا من النار".
صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (٥١٦٥) عن محمد بن الحسين بن مكرم قال: حدثنا عمرو بن علي الفلاس قال: حدثنا عمر بن عبد الوهاب الرياحي قال: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا روح بن القاسم، عن إسماعيل بن أمية، عن عمر بن عطاء، عن عبيد بن جريج، عن الحارث بن البرصاء فذكره. قال ابن حبان: "تفرد به عمر بن عبد الوهاب".
قلت: عمر بن عبد الوهاب ثقة من رجال مسلم؛ فلا يضر تفرده.
ثم إنه لم ينفرد به، كما زعم ابن حبان، فقد رواه الحاكم (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥) من وجه آخر عن إسماعيل بن أمية بإسناده، وزاد فيه: "ليبلغ شاهدكم غائبكم مرتين أو ثلاثا". وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة.
ورواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٩٠) من حديث الحميدي، ثنا سفيان، ثنا إسماعيل بن أمية بإسناده نحوه. وإسناده صحيح. وللحديث أسانيد أخرى.
٥ - باب قصاص المظالم يوم القيامة
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : "أول ما يقضى بين الناس بالدماء".
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٣٣)، ومسلم في القسامة (١٦٧٨) كلاهما من حديث الأعمش، حدثني شقيق، قال: سمعت عبد اللَّه فذكره.
• عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا خَلَص المؤمنون من النّار حُبِسُوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبوا أذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد ﷺ بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدلُّ بمنزله كان في الدنيا".
صحيح: رواه البخاري في المظالم (٢٤٤٠) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
٦ - باب ما جاء في أخذ حسنات الظالم، وإعطائها للمظلوم يوم القيامة
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه
стр. 3628
بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُمِل عليه".
صحيح: رواه البخاري في المظالم (٢٤٤٩) عن آدم بن أبي إياس، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
قال البخاري: قال إسماعيل بن أبي أويس: إنما سمي المقبري؛ لأنه كان نزل ناحية المقابر. وقال البخاري: وسعيد المقبري هو مولى بني ليث، وهو سعيد بن أبي سعيد، واسم أبي سعيد كيسان.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أتدرون ما المفلس؟ ". قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النّار".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٨١) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجَلْحاءِ من الشاة القَرْناءِ".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٨٢) من طرق عن إسماعيل (ابن جعفر)، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
"والجلحاء" هي الجماء التي لا قرن لها، والقصاص من القرناء والجلحاء ليس هو من قصاص التكلف؛ إذ لا تكلف عليها، إنما هو قصاص مقابلة، وفيه تصريح بحشر البهائم يوم القيامة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [سورة التكوير: ٥].
ولكن قال العلماء: ليس من شرط الحشر في القيامة المجازاة والعقاب والثواب، أفاده النووي باختصار.
وفيه إظهار قدرة اللَّه تعالى بأنه يستطيع أن يحشر البهائم يوم القيامة التي لا تكليف عليها، فكيف لا يحشر الآدميين.
• عن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب، ولكنه سيرضى منكم بدون ذلك بالمُحَقِّرات، وهي الموبِقات يوم القيامة، اتقوا المظالم ما استطعتم؛ فإن العبد يجيء بالحسنات يوم القيامة يرى أنه ستنجيه، فما زال عبد يقوم، فيقول: يا رب، ظلمني عبدك مظلمة. فيقول: امْحُوا من حسناته. وما يزال كذلك حتى ما يبقى له حسنة من الذنوب، وإن مثل ذلك
стр. 3629
كسَفْرٍ نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حَطَب، فتفرق القوم ليحتطبوا، فلم يلبثوا أن حطبوا، فأَعْظَمُوا النار، وطبخوا ما أرادوا، وكذلك الذنوب".
حسن: رواه أبو يعلى (٥١٢٢) عن محمد بن أبي بكر، عن محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، قال أبو يعلى: أحسبه عن ابن مسعود فذكره.
وإبراهيم الهجري -وهو ابن مسلم- ضعيف باتفاق أهل العلم، ولكن قال ابن عدي: "ومع ضعفه يكتب حديثه، وهو عندي ممن لا يجوز الاحتجاج بحديثه". أي إذا انفرد.
وقد وجدت رواه الإمام أحمد (٣٨١٨) من وجه آخر عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود بدون شك نحوه.
وعبد ربه هو ابن أبي يزيد، لم يرو عنه سوى قتادة، وقال ابن المديني: "مجهول".
ثم إبراهيم الهجري هذا روى عنه سفيان بن عيينة، كما رواه الحميدي في مسنده (٩٨) عنه نحوه.
وسفيان بن عيينة يقول: أتيت إبراهيم الهجري، فدفع إلي عامة كتبه، فرحمت الشيخ، وأصلحت له كتابه، قلت: هذا عن عبد اللَّه، وهذا عن النبي ﷺ ، وهذا عن عمر. (تهذيب التهذيب ١/ ١٦٥).
قال ابن حجر: "هذه القصة عن ابن عيينة تقتضي أن حديثه عنه صحيح؛ لأنه إنما عيب عليه رفعه أحاديث موقوفة، وابن عيينة ذكر أنه ميز حديث عبد اللَّه من حديث النبي ﷺ ". اهـ. إلا أن الراوي عنه هنا محمد بن دينار.
٧ - باب إن اللَّه يُملي الظالم ليرجع من ظلمه
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣].
• عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِته". قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [سورة هود: ١٠٢].
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٨٦)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٨٣) كلاهما من حديث أبي معاوية، حدثنا بُريد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره.
٨ - باب لا يظلم المسلم المسلم
• عن عبد اللَّه بن عمر أخبر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسْلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فَرَّج عن مسلم
стр. 3630
كربة فَرَّج اللَّه عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره اللَّه يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٤٣)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٨٠) كلاهما من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أن سالما أخبره أن عبد اللَّه بن عمر أخبره فذكر الحديث.
وروي عن ابن عمر أيضًا مرفوعا: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله. والذي نفس محمد بيده، ما توادَّ اثنان، ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما". وكان يقول: "للمرء المسلم على أخيه من المعروف ست: يشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، وينصحه إذا غاب، ويشهده ويسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاء، ويتبعه إذا مات. ونهى عن هجرة المسلم أخاه فوق ثلاث".
رواه أحمد (٥٣٥٧) عن موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
وابن لهيعة سيء الحفظ، إلا أن لفقرات الحديث شواهد صحيحة ذُكِرت في مواضعها ولعله لذلك حسّنه المنذري في "الترغيب" (٣٤٠٥).
٩ - باب نصر المسلم ظالما أو مظلوما
• عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". قالوا: يا رسول اللَّه، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: "تأخذ فوق يديه".
صحيح: رواه البخاري في المظالم (٢٤٤٤) عن مسدد، حدثنا معتمر، عن حميد، عن أنس فذكره.
• عن جابر قال: اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا للمهاجرين. ونادى الأنصاري: يا للأنصار. فخرج رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ما هذا دعوى أهل الجاهلية". قالوا: لا، يا رسول اللَّه، إلا أن غلامين اقتتلا، فكسع أحدهما الآخر. قال: "فلا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه؛ فإنه له نصر، وإن كان مظلوما فلينصره".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٨٤) عن أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر فذكره. وأصل القصة مخرج في الصحيحين، ولكن ليس فيهما قول النبي ﷺ : "فلا بأس، ولينصر الرجل. . . ". وهو مذكور في محله.
وقوله: "كسع" أي ضرب دبره.
وقوله: "فلا بأس" معناه لم يحصل من هذه القصة بأس مما كنت خِفْتُه.
• عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". قيل: يا رسول اللَّه، هذا نصره مظلوما، فكيف نصره ظالما؟ قال: "تُمسكه من الظلم
стр. 3631
فذاك نصرك إياه".
حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٥١٦٦) عن الحسن بن سفيان، حدثنا محفوظ بن أبي توبة، حدثنا علي بن عياش، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن عاصم بن محمد بن زيد العمري، عن أبيه قال: سمعت ابن عمر فذكره.
وإسناده حسن من أجل محفوظ بن أبي توبة، وهو محفوظ بن الفضل بن أبي توبة، روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في ثقاته (٩/ ٢٠٤)، وأخرج حديثه في صحيحه، وفيه كلام يسير، ولذا قال الذهبي في الميزان (٣/ ٤٤٤): "لم يترك".
قلت: وحديثه هذا له أصل ثابت، فإن كان في حديثه مخالفة أو في متنه نكارة فيُضعّف.
١٠ - باب نصر المظلوم
• عن البراء قال: أمرنا النبي ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس. ونهانا عن سبع: آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج، والقسي، والإستبرق.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٣٩)، ومسلم في الأشربة (٢٠٦٦) كلاهما من حديث شعبة، عن أشعث بن سليم قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن، عن البراء فذكره. واللفظ للبخاري. ورواه مسلم من أوجه أخرى عن أشعث، ولم يذكر لفظ شعبة، وإنما أحال على غيره، وهو نحوه، والسابع عنده هو "المياثر"، وهو جمع مئثرة -بكسر الميم-، وهو وطاء كانت النساء يصنعنه لأزواجهن على السروج، وكان من مراكب العجم، ويكون من الحرير، ويكون من الصوف وغيره، فإذا كان من الحرير فيكون منهيا عنه.
"والقسي" -بفتح القاف- هي ثياب مضلعة بالحرير، تعمل بالقس، وهو موضع ببلاد مصر.
١١ - باب من قاتل دون ماله فهو شهيد
• عن ثابت مولى عمر بن عبد الرحمن قال: إنه لما كان بين عبد اللَّه بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسَّرُوا للقتال، فركب خالد بن العاص إلى عبد اللَّه بن عمرو، فوعظه خالد، فقال عبد اللَّه بن عمرو: أما علمت أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد".
متفق عليه: رواه مسلم في الإيمان (١٤١) من حديث عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني سليمان الأحول أن ثابتا مولى عمر بن عبد الرحمن قال: فذكره، واللفظ له.
стр. 3632
ورواه البخاري في المظالم (٢٤٨٠) من وجه آخر عن عكرمة، عن عبد اللَّه بن عمرو فذكر الحديث، ولم يذكر القصة.
١٢ - باب وعيد من اقتطع حقه بيمين فاجرة
• عن عبد اللَّه بن مسعود، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي اللَّه وهو عليه غضبان". قال: فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا كذا وكذا. قال: صدق أبو عبد الرحمن، في نزلت، كان بيني وبين رجل أرض باليمن، فخاصمته إلى النبي ﷺ ، فقال: "هل لك بينة". فقلت: لا. قال: "فيمينه". قلت: إذن يحلف. فقال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر لقي اللَّه وهو عليه غضبان". فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى الآخر الآية.
متفق عليه: رواه البخاري في المساقاة (٢٣٥٦)، ومسلم في الإيمان (١٣٨) كلاهما من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكر مثله. واللفظ لمسلم.
وفي رواية عند البخاري (٢٤١٦، ٢٤١٧): قال الأشعث: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبي ﷺ . . . والباقي مثله.
وفي رواية لهما: كانت الخصومة في بئر.
وفي رواية عند البخاري (٢٥١٦): "شاهداك أو يمينه".
• عن وائل بن حجر، عن أبيه قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي ﷺ ، فقال الحضرمي: يا رسول اللَّه، إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي. فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق. فقال رسول اللَّه ﷺ للحضرمي: "ألك بينة؟ ". قال: لا. قال: "فلك يمينه". قال: يا رسول اللَّه، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء. فقال: "ليس لك منه إلا ذلك". فانطلق ليحلف، فقال رسول اللَّه ﷺ لما أدبر: "أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين اللَّه وهو عنه مُعرض".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٣٩) من طرق عن أبي الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل بن حجر فذكره.
وفي رواية عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر
стр. 3633
قال: كنت عند رسول اللَّه ﷺ ، فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي -يا رسول اللَّه- في الجاهلية، -وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن عبدان- قال: "بيتك". قال: ليس لي بينة. قال: "يمينه". قال: إذن يذهب بها. قال: "ليس لك إلا ذاك". قال: فلما قام ليحلف قال رسول اللَّه ﷺ : "من اقتطع أرضا ظلما لقي اللَّه وهو عليه غضبان".
قوله: "انتزى" معناه غلب عليها، واستولى.
• عن أبي أمامة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب اللَّه له النّار، وحرم عليه الجنّة". فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرا يا رسول اللَّه. قال: "وإن قضيبًا من أراك".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٣٧) من طرق عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرنا العلاء (وهو ابن عبد الرحمن مولى الحرقة)، عن معبد بن كعب السلمي، عن أخيه عبد اللَّه بن كعب، عن أبي أمامة فذكر مثله.
١٣ - باب النهي عن النُّهبى
• عن عبد اللَّه بن يزيد قال: نهى النبي ﷺ ، عن النُهبى والمثلة.
صحيح: رواه البخاري في المظالم (٢٤٧٤)، عن آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا عدي ابن ثابت، سمعت عبد اللَّه بن يزيد الأنصاري وهو جده أبو أمه قال فذكر الحديث.
وقوله: "وهو جده أبو أمه" أي جد عدي بن ثابت لأمه. "والنهبة" هو أخذ المال قهرا.
• عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: "لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام. ومن انتهب نُهبة فليس منا".
صحيح: رواه أبو داود (٢٥٨١)، والترمذي (١١٢٣)، والنسائي (٦/ ١١١)، وابن ماجه (٣٩٣٧)، وصحّحه ابن حبان (٣٢٦٧، ٥١٧٠)، وأحمد (١٩٩٤٦) كلهم من حديث حميد الطويل، عن الحسن، عن عمران بن حصين فذكره، واختصره البعض. قال الترمذي: "حسن صحيح".
قلت: فيه الحسن، وهو الأمام المعروف، وهو مدلس، وقد اختلف في سماعه من عمران بن حصين، فنفاه علي بن المديني، وأثبته بهز بن أسد، ورواية ابن حبان هذا الحديث في صحيحه تشعر بأنه سمع منه؛ لأنه صرح في مقدمة كتابه بقوله: "فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر" (١/ ١٦٢).
ولعل من هذا الطريق ما رواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢١٩) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٠٨١)
стр. 3634
كلاهما من طريق محمد بن بشار، وقرنه المروزي بمحمد بن يحيى، قالا: حدثنا محمد ابن عبد اللَّه الأنصاري، قال: حدثنا صرد بن أبي المنازل، قال: سمعت حبيب بن أبي فضالة المالكي، قال: لما بني هذا المسجد مسجد الجامع قال: وعمران بن حصين جالس. فذكروا عنده الشفاعة، فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد، إنكم لتحدثونا بأحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن. فغضب عمران، وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: فهل وجدت فيه صلاة المغرب ثلاثا. . . وذكر أشياء منها الحديث المذكور.
وصرد بن أبي المنازل وشيخه حبيب بن أبي فضائة لا بأس بهما في المتابعات.
وقال الحافظ ابن حجر في النكت الظراف (٨/ ١٧٣): "وله شاهد في المستدرك للحاكم من طريق عقبة بن خالد، عن عمران، وسياق حبيب أتم". كذا قال، والصواب: عن عقبة بن خالد، عن الحسن، عن عمران بن حصين، كما في المستدرك (١/ ١٠٩).
وبمجموع هذه الطرق صح هذا الحديث.
١٤ - باب ما جاء في الألد الخصم
• عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أبغض الرجال إلى اللَّه الألد الخصم".
متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٥٧)، ومسلم في العلم (٢٦٦٨) كلاهما عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة فذكرته.
وقوله: "الألد" بمعنى شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي، وهما جانباه، لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر.
• * *
стр. 3635
١٩ - كتاب اللقطة واللقيط
١ - باب التعريف باللقطة حولا واحدا
• عن سويد بن غفلة قال: لقيت أبي بن كعب، فقال: أخذت صرة مائة دينار، فأتيت النبي ﷺ ، فقال: "عرفها حولا". فعرفتها حولا، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته، فقال: "عرفها حولا". فعرفتها، فلم أجد، ثم أتيته ثلاثا، فقال: "احفظ وعاءها وعددها ووكاءها؛ فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها".
فاستمتعت، فلقيته بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال، أو حولا واحدا.
متفق عليه: رواه البخاري في اللقطة (٢٤٢٦)، ومسلم في اللقطة (١٧٢٣) كلاهما عن محمد ابن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل قال: سمعت سويد بن غفلة قال: خرجت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة غازين، فوجدت سوطا، فأخذته، فقالا لي: دعه. فقلت: لا، ولكني أعرفه، فإن جاء صاحبه وإلا استمتعت به. قال: فأبيت عليهما، فلما رجعنا من غزاتنا قضي لي أني حججت، فأتيت المدينة، فلقيت أبي بن كعب، فأخبرته بشأن السوط وبقولهما، فقال: إني وجدت صرة فذكر الحديث، واللفظ لمسلم.
والبخاري أيضًا ذكر القصة، ولكن رواه عن سليمان بن حرب، عن شعبة (٢٤٣٧).
وفي صحيح مسلم: قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: "عَرِّفها عاما واحدا".
فكأن سلمة بن كهيل يشك أول الأمر، ثم تيقن بأنه أمر بالتعريف الحول واحد، وهو المعتمد، كما في حديث زيد بن خالد الجهني الآتي في باب ضالة الإبل والغنم.
وقد روي من آثار الصحابة ما يدل على أن التعريف يكون سنة، منها ما رواه عبد اللَّه بن بدر الجهني أنه نزل منزل قوم بطريق الشام، فوجد صرة فيها ثمانون دينارا، فذكرها لعمر بن الخطاب، فقال له عمر: "عرفها على أبواب المساجد، واذكرها لكل من يأتي من الشام سنة، فإذا مضت السنة فشأنك بها".
رواه مالك في الأقضية (٤٩) عن أيوب بن موسى، عن معاوية بن عبد اللَّه بن بدر الجهني، عن أبيه.
ومعاوية بن عبد اللَّه ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٣٧٧)، وذكر من روى عنه أيوب بن موسى، ومحمد بن عمرو قاله أبو حاتم.
والحديث يدل على أن الملتقط يعرفها سنة، فإن جاء مالكها دفع إليها، وإن لم يجد مالكها فله أن يتملك ويأكل، سواء كان فقيرا أو غنيا، ثم إذا ظهر صاحبها دفع إليه قيمتها، وبه قال جمهور
стр. 3636
أهل العلم الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وعائشة، وغيرهما.
وذهب جماعة من أهل العلم أنه بعد ما عرفها سنة يتصدق بها، وليس له أن ينتفع بها، وهو رأي الثوري، وأصحاب الرأي.
والمذهب الأول يوافق حديث الباب.
وأما التعريف بها ثلاث سنوات فلم يقل به أحد من العلماء المعروفين للشك الذي وقع من سلمة بن كهيل، ثم تثبت، واستذكر، واستمر على عام واحد، إلا ما جاء عن عمر أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام، وله في ذلك أربعة أقوال، أصحها عام واحد، ومنها ثلاثة أشهر، ومنها ثلاثة أيام، ولعله يحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها.
وأما ما روي عن يعلى بن مرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من التقط لقطة يسيرة درهما، أو حبلا، أو شبه ذلك فليعرفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام". فهو ضعيف.
رواه أحمد (١٧٥٦٦) عن يزيد بن هارون، أخبرنا إسرائيل بن يونس، حدثني عمر بن عبد اللَّه ابن يعلى، عن جدته حكيمة، عن أبيها يعلى فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل عمر، وجدتُه حكيمة لا تعرف حالها.
قال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٦٩): "رواه أحمد من طريق عمرو بن عبد اللَّه بن يعلى، فإن كان عمرو فلا أعرفه، وإن كان عمر فهو ضعيف".
قلت: وهو كما قال؛ فإن عمر بن عبد اللَّه ضعيف، ضعَّفه يحيى بن معين، ورماه جرير بن عبد اللَّه وغيره بشرب الخمر، ذكره البيهقي (٦/ ١٩٥) عقب تخريج الحديث من هذا الوجه.
٢ - باب جواز الأكل قبل التعريف للحاجة
• عن سهل بن سعد أخبره أن علي بن أبي طالب دخل على فاطمة، وحسن وحين يبكيان، فقال: ما يبكيهما؟ قالت: الجوع. فخرج علي، فوجد دينارا بالسوق، فجاء إلى فاطمة، فأخبرها، فقالت: اذهب إلى فلان اليهودي، فخذ لنا دقيقا، فجاء اليهودي، فاشترى به دقيقا، فقال اليهودي: أنت ختن هذا الذي يزعم أنه رسول اللَّه؟ قال: نعم. قال: فخذ دينارك، ولك الدقيق. فخرج علي حتى جاء به فاطمة، فأخبرها، فقالت: اذهب إلى فلان الجزار، فخذ بدرهم لحما، فذهب، فرهن الدينار بدرهم لحم، فجاء به، فعجنت، ونصبت، وخبزت، وأرسلت إلى أبيها، فجاءهم، فقالت: يا رسول اللَّه، أذكر لك، فإن رأيته لنا حلالا أكلناه وأكلت، من شأنه كذا وكذا. فقال: "كلوا باسم اللَّه". فأكلوا منه، فبينما هم مكانهم إذا غلام ينشد اللَّه والإسلام الدينار، فأمر رسول اللَّه ﷺ ، فدعي له، فسأله،
стр. 3637
فقال: سقط مني في السوق. فقال النبي ﷺ : "يا علي، اذهب إلى الجزار، فقل له: إن رسول اللَّه ﷺ يقول لك: أرسل إلي بالدينار، ودرهمك علي". فأرسل به، فدفعه رسول اللَّه ﷺ إليه.
حسن: رواه أبو داود (١٧١٦) عن جعفر بن مسافر التنيسي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا موسى بن يعقوب الزمعي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أخبره فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في موسى بن يعقوب، فضعفه ابن المديني والنسائي، ووثّقه ابن معين، وقال أبو داود: "صالح الحديث". وقال ابن عدي: "لا بأس به عندي". فمثله يحسن حديثه إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه.
وقد رويت هذه القصة من أوجه كثيرة، بعضها لا تصح. انظر مجمع الزوائد (٣/ ١٦٩ - ١٧٠)، ولكن مجموعها تدل على أن له أصلا، أورد بعضها عبد الرزاق (١٠/ ١٤٠ - ١٤٢).
وقد اعترض على هذا الحديث بأنه أنفقه قبل التعريف.
فأجيب لعل ذلك لوقوع الاضطرار إليه، كما تدل عليه القصة، على أن صاحبه إن جاء يرد إليه، وهذا الذي حصل.
وقيل: إنه لم يشترط مضي سنة في قليل اللقطة.
وروي في هذه القصة عن عطاء بن يسار، عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ أمره أن يعرفه، فلم يعرف. وهو بعيد.
ذكر بعض هذه الوجوه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٩٤)، ثم قال: "والأحاديث التي وردت في اشتراط التعريف سنة في جواز الأكل أصح وأكثر، فهي أولى".
٣ - باب ضالة الإبل والغنم
• عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ ، فسأله عن اللقطة، فقال: "اعرف عقاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها". قال: فضالة الغنم يا رسول اللَّه؟ قال: هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". قال: فضالة الإبل؟ قال: ما لك، ولها؟ معها سقاؤُها وحذاؤُها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها".
متفق عليه: رواه مالك في الأقضية (٤٨) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني فذكره.
ورواه البخاري في المساقاة (٢٣٧٢)، ومسلم في اللقطة (١٧٢٢) كلاهما من طريق مالك.
ورواه مسلم من وجه آخر عن سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعمرو بن الحارث، وغيرهم
стр. 3638
أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثهم بهذا الإسناد مثل حديث مالك غير أنه زاد: قال أتى رجل رسول اللَّه ﷺ وأنا معه، فسأله عن اللقطة. قال: وقال عمرو في الحديث: "فإذا لم يأت لها طالب فاستنفقها".
"والعِفاص" الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك، ولهذا يسمى الجلد الذي تلبسه رأس القارورة العِفاص.
"والوكاء" الخيط الذي يشد به العِفاص.
وقوله: "معها سقاؤها وحذاؤها" أراد بالسقاء أنها إذا وردت الماء شربت منه ما يكون فيه ريها لظمئها، وهي أطول البهائم ظمأ لكثرة ما تحمل من الماء.
وأراد بالحذاء أخفافها، وأنها تقوى بها على السير، وقطع البلاد الشاسعة، وورود المياه النائية. انظر شرح السنة (٨/ ٢١٠).
• عن زيد بن خالد الجهني صاحب رسول اللَّه ﷺ يقول: سئل رسول اللَّه ﷺ عن اللقطة الذهب أو الورق، فقال: "أعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه". وسأله عن ضالة الإبل، فقال: "ما لك ولها؟ دعها؛ فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربها". وسأله عن الشاة، فقال: "خذها؛ فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب".
صحيح: رواه مسلم في اللقطة (١٧٢٢: ٥) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان (يعني ابن بلال)، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد مولى المنبعث، أنه سمع زيد بن خالد الجهني فذكره.
ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، حدثني يحيى بن سعيد وربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد أن رجلا سأل النبي ﷺ عن ضالة الإبل. زاد ربيعة: فغضب حتى احمرت وجنتاه. واقتنص الحديث نحو حديثهم، وزاد: "فإن جاء صاحبها، فعرف عقاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك".
• عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا سأل رسول اللَّه ﷺ عن اللقطة، فقال: "عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعناصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه". فقال: يا رسول اللَّه، فضالة الغنم؟ فقال: "خذها؛ فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". قال: يا رسول اللَّه، فضالة الإبل؟ فغضب رسول اللَّه ﷺ حتى احمرت وجنتاه -أو احمر وجهه- وقال: "ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها حتى يأتيها ربها".
стр. 3639
صحيح: رواه أبو داود (١٧٠٤)، والترمذي (١٣٧٣) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني فذكره.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد وربيعة بإسناد قتيبة ومعناه، وزاد فيه: "فإن جاء باغيها فعرف عقاصها وعددها فادفعها إليه". وقال حماد أيضًا: عن عبيد اللَّه بن عمر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ مثله.
قال أبو داود: وهذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة في حديث سلمة بن كهيل ويحيى بن سعيد وعبيد اللَّه وربيعة: "إن جاء صاحبها فعرف عفاصها وراءها فدفعها إليه". ليست بمحفوظة: "فعرف عفاصها ووكاءها".
كذا قال أبو داود ﵀ وهذه الزيادة ذكرها مسلم في صحيحه، كما مضى، وإن حماد ابن سلمة لم ينفرد بها، ولذا تعقبه المنذري، فقال:
"وهذه الزيادة قد أخرجها مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة، وقد أخرجه الترمذي والنسائي من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل بهذه الزيادة، كما قدمنا، وذكر مسلم في صحيحه أن سفيان الثوري وزيد بن أبي أنيسة وحماد بن سلمة ذكروا هذه الزيادة، فقد تبين أن حماد ابن سلمة لم ينفرد بهذه الزيادة، فقد تابعه عليها. من ذكرناه". انتهى كلام المنذري.
وفي قوله من رواية حماد: "فإن جاء صاحبها فعرف عددها ووكاءها فادفعها إليه". دليل على أن صاحب اللقطة إذا جاء وعرف عناصها وعددها ندفع إليه اللقطة، ولا يطلب منه البينة على ذلك، وبه قال مالك، وأحمد. وقال ابن عبد البر: "والحديث حجة لهم".
وقال الشافعي: "إذا عرف الرجل العفاص والوكاء والعدد والوزن، ووقع في نفسه أنه صادق، فله أن يعطيه، ولا أجيزه إلا ببينة تقوم عليها، كما تقوم على الحقوق". انظر تفصيله في الأم (٤/ ٤٦).
قال الخطابي: "ظاهر الحديث يوجب دفعها إليه إذا أصاب الصفة، وهي فائدة قوله: "عفاصها ووكاءها". فإن صحت هذه اللفظة في رواية حماد، وهي قوله: فعرف عددها فادفعها إليه، كان ذلك أمرا لا يجوز خلافه، وإن لم يصح فالاحتياط مع من لم ير الرد إلا ببينة لقوله: "البينة على المدعي".
قلت: حديث حماد بن سلمة صحيح ثابت، كما تقدم، وأنه لم ينفرد بهذه الزيادة؛ فالأخذ بها واجب.
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، عن رسول اللَّه ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق، فقال: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ بنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن فعليه القطع". وذكر في ضالة الإبل والغنم كما ذكره غيره.
стр. 3640
قال: وسئل عن اللقطة, فقال: "ما كان منها في طريق الميناء أو القرية الجامعة فعرفها سنة، فإن جاء طالبها فادفعها إليه، وإن لم يأت فهي لك، وما كان في الخراب يعني ففيها وفي الركاز الخمس".
حسن: رواه أبو داود (١٧١٠)، والترمذي (١٢٨٨)، والنسائي (٤٩٥٨)، وابن ماجه (٢٥٩٦) كلهم عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فذكر الحديث، إلا ابن ماجه فرواه من وجه آخر عن الوليد بن كثير، عن عمرو بن شعيب، واللفظ لأبي داود، وعند الآخرين مختصرا.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول اللَّه ﷺ قال: يا رسول اللَّه، جئت أسألك عن الضالة من الإبل. قال: "معها حذاؤها وسقاؤها، تأكل الشجر، وترد الماء، فدعها حتى يأتيها باغيها". قال: الضالة من الغنم؟ قال: "لك، أو لأخيك، أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها". قال: الحريسة التي توجد في مراتعها؟ قال: "فيها ثمنها مرتين وضَرْبُ نكالٍ، وما أُخِذ من عطنه ففيه القطعُ إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المِجَنِّ". قال: يا رسول اللَّه، فالثمار، وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: "من أخذ بفمه ولم يتخذ خَبْنة فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضربا ونكالا، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المجنِّ". قال: يا رسول اللَّه، واللقطة نجدها في سبيل العامرة؟ قال: "عرِّفها حولا، فإن وجد باغيها فأدها إليه، وإلا فهي لك". قال: ما يوجد في الحرب العادي؟ قال: "فيه وفي الركاز الخمس".
حسن: رواه الإمام أحمد (٦٦٨٣) عن يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وقد توبع، كما سبق.
ومن طريقه رواه أيضًا البغوي في شرح السنة (٢٢١١).
وقوله: "الحريسة توجد في مراتعها"، وفي شرح السنة: "حريسة الجبل".
قال البغوي: "أراد بحريسة الجبل: البقر أو الشاة أو الإبل المأخوذة من المرعى، يقال: احترس الرجل إذا أخذ الشاة من المرعى. وإيجاب الثمن مرتين يشبه أن يكون على سبيل الوعيد والزجر، وإلا فالشيء المتلف لا يضمن أكثر من ثمن مثله، وكان عمر بن الخطاب يحكم به، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وقد قيل: كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال، ثم نسخ، واللَّه أعلم". انتهى.
стр. 3641
كذا قال بالنسخ، ولم يبين الناسخ، مع أن عمر بن الخطاب، وبعده أحمد وإسحاق بن راهويه ذهبوا إلى مضاعفة العقوبة لمن أخذ الضوال، ولم يعرف بها، كما جاء في حديث أبي هريرة في الباب الآتي.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، وسئل عن ضالة الغنم، فقال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". وسئل عن ضالة الإبل، فقال: "ما لك ولها؟ ومعها سقاؤها، أو سقاؤه وحذاؤه، دعه حتى يجد ربه".
حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١٣٦٤) - عن محمد بن مسكين، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره.
قال البزار: "لا نعلمه عن القعقاع، عن أبي صالح إلا من حديث يحيى".
وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٦٧): "رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال إلا أن يحيى بن أيوب -وهو الغافقي- وإن كان من رجال الصحيح إلا أنه لا يرتقي إلى درجة ثقة، ولكنه حسن الحديث.
٤ - باب الترهيب من كتمِ اللقطةِ وتغييبها
• وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ضالة الإبل المكتومة غرامتها، ومثلها معها".
حسن: رواه أبو داود (١٧١٨) عن مخلد بن خالد، حدثنا عبد الرزاق -وهو في مصنفه (١٨٥٩٩) - أخبرنا معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، أحسبه عن أبي هريرة فذكره.
وأعله المنذري فقال: "لم يحزم عكرمة بسماعه من أبي هريرة فهو مرسل".
قلت: ولكن قوله: (أحسبه) يحمل على الظن الغالب أنه عن أبي هريرة، ومعنى الحديث يدل على ذلك أيضًا؛ لأن الصحابي لا يحق له أن يحكم على الغرامة مثلها.
ولكن آفته عمرو بن مسلم الجَندي -بفتح الجيم والنون-؛ فإنه مختلف فيه، فضعفه أحمد والنسائي، واختلف فيه قول ابن معين: فمرة قال: "لا بأس به". وأخرى: "ليس بالقوي".
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: "ليس له حديث منكر جدا". وقال الساجي: "صدوق يهم". فمثله يحسن حديثه.
قال الخطابي: "سبيل هذا الحديث سبيل ما تقدم ذكره من الوعيد الذي يراد به وقوع الفعل، وإنما هو زجر وردع، وكان عمر بن الخطاب يحكم به، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وأما عامة الفقهاء فعلى خلافه". انتهى.
قلت: وبه قال أيضًا الزهري وإسحاق بن راهويه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية بأن من كتم الإبل الضالة تضعف عليه غرامتها.
стр. 3642
ويظهر من أحاديث سبق ذكرها أن أحكام اللقطة تختلف عن أحكام الضوال، فأباح الشارع في بعض صورة أخذ اللقطة، ومنع من أخذ الضوال، انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٥/ ٥٠٥).
٥ - باب لا تحل لقطة الحرم إلا لمنشد
• عن أبي هريرة قال: لما فتح اللَّه على رسوله مكة، فقام في الناس، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد".
متفق عليه: رواه البخاري في اللقطة (٢٤٣٤)، ومسلم في الحج (١٣٥٥)، كلاهما من حديث الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعيّ قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبو هريرة فذكره في حديث طويل.
• عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه اللَّه، لا يعضد شوكهـ، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها".
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٥٨٧) ومسلم في الحج (١٣٥٣) كلاهما من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره. واللفظ للبخاري، وسياق مسلم أطول.
• عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لقطة الحاج.
صحيح: رواه مسلم في اللقطة (١٧٢٤) من طرق عن عبد اللَّه بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، عن يحيى بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الرحمن بن عثمان فذكره.
قال ابن وهب: ولقطة الحاج يتركها حتى يجدها صاحبها. ذكره أبو داود (١٧١٩)، وابن حبان (٤٨٩٦).
ولكن لا مانع من التقاطها للحفظ بها في مكان مأمون معروف مثل مستودع الحكومة، ليرجع إليها الحاج فيجدها؛ وإنما النهي يقصد به التملك.
قال المنذري: "والصحيح: أنه إذا وجد لقطة في الحرم لم يجز له أن يأخذها إلا للحفاظ على صاحبها، وليعرفها أبدا بخلاف لقطة سائر البلاد، فإنه يجوز التقاطها للتملك. ومنهم من قال: إن حكم لقطة مكة حكم لقطة سائر البلاد". انتهى.
٦ - باب ما جاء في قليل اللقطة
• عن أنس قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق، قال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها".
стр. 3643
متفق عليه: رواه البخاري في اللقطة (٢٤٣١)، ومسلم في الزكاة (١٠٧١) كلاهما من حديث سفيان، عن منصور، عن طلحة بن مصرف، عن أنس بن مالك فذكره.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إني لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون من صدقة، فألقيها".
متفق عليه: رواه البخاري في اللقطة (٢٤٣٢)، ومسلم في الزكاة (١٠٧٠: ١٦٣) كلاهما من حديث معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة فذكره.
وأما ما روي عن جابر بن عبد اللَّه قال: رخص لنا رسول اللَّه ﷺ في العصا، والسوط، والحبل، وأشباهه، يلتقطه الرجل ينتفع به. فهو ضعيف.
رواه أبو داود (١٧١٧) عن سلمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا محمد بن شعيب، عن المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير المكي أنه حدثه عن جابر بن عبد اللَّه فذكره.
قال أبو داود: "رواه النعمان بن عبد السلام، عن المغيرة أبي سلمة بإسناده. ورواه شبابة عن مغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كانوا. . . لم يذكر النبي ﷺ ". انتهى.
قال المنذري: "وفي إسناده المغيرة بن زياد، قد تكلم فيه غير واحد".
قلت: وهو كما قال؛ فإن المغيرة بن زياد البجلي أبو هشام ضعيف باتفاق أهل العلم، وقد خالفه المغيرة بن مسلم أبو سلمة القسملي، فرواه عن أبي الزبير موقوفا، وهو أحسن حالا منه.
قال البيهقي (٦/ ١٩٥): "في رفع هذا الحديث شك، وفي إسناده ضعف".
٧ - باب الترهيب من أخذ ضالة المسلم بدون التعريف
• عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها".
صحيح: رواه مسلم في اللقطة (١٧٢٥) من طرق عن عبد اللَّه بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد الجهني فذكره.
• عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحلُبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربتُه، فتكسر خزانتُه، فينتقل طعامه؟ فإنما تخزن لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتَهم، فلا يحلُبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه".
متفق عليه: رواه مالك في الاستئذان (١٧) عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ورواه البخاري في اللقطة (٢٤٣٥)، ومسلم في اللقطة (١٧٢٦) كلاهما من حديث مالك به مثله.
• عن عبد اللَّه بن الشخير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ضالة المسلم حرق النّار".
стр. 3644
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٥٠٢)، وأحمد (١٦٣١٤)، وابن حبان (٤٨٨٨)، والبيهقي (٦/ ١٩١)، والبغوي في شرحه (٢٢٠٩) كلهم من حديث يحيى بن سعيد، عن حميد الطويل، عن الحسن، عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، عن أبيه فذكره.
وإسناده صحيح. والحسن هو البصري الإمام المعروف، وكان مدلسا، إلا أن إخراج ابن حبان في صحيحه مشعر بأنه لم يدلس فيه، وقد تابعه قتادة، عن مطرف به. رواه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٣).
وقوله: "حرق النّار" أي سبب دخوله في النّار إذا تملكها، ولم يعرف بها.
• عن الجارود العبدي قال: بينما نحن مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره، وفي الظهر قلة، إذ تذاكر القوم الظهر، فقلت: يا رسول اللَّه، قد علمت ما يكفينا من الظهر، فقال: "وما يكفينا؟ ". قلت: ذود نأتي عليهن في جرف، فنستمتع بظهورهم. قال: "لا، ضالة المسلم حرق النّار، فلا تقربَنَّها. ضالة المسلم حرق النّار، فلا تقربَنَّها. ضالة المسلم حرق النّار، فلا تقربَنَّها".
وقال في اللقطة: "الضالة تجدها فانشدنَّها، ولا تكتم، ولا تُغيب، فإن عُرفتْ فأدها، وإلا فمال اللَّه يؤتيه من يشاء".
حسن: رواه أحمد (٢٠٧٥٤) عن إسماعيل، أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن مطرف، قال: حديثان بلغاني عن رسول اللَّه ﷺ قد عرفت أن قد صدَّقتهما، لا أدري أيهما قبل صاحبه؟ حدثنا أبو مسلم الجذمي جذيمة عبد القيس، حدثنا الجارود فذكره.
ورواه أيضًا الطبراني في الكبير (٢/ ٢٩٨)، والدارمي (٢٦٤٣، ٢٦٤٤)، وابن حبان (٤٨٨٧)، والبيهقي (٦/ ١٩٠) كلهم من طرق عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود مختصرا.
وأبو مسلم الجذمي ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٥٨١)، ولم يذكر في "التهذيب" (١٢/ ٢٣٥) توثيق أحد له، ولكنه ذكر عددا رووه عنه، فهو "مقبول" كما في "التقريب" أي عند المتابعة.
وقد توبع. أخرجه ابن قانع في معجمه (١٦٤)، والطبراني (٥/ ٥٨١) كلاهما من طريق أبي كامل الجحدري، حدثنا أبو معشر البراء، حدثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن باباه، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: أخبرني الجارود فذكره مختصرا.
وهي متابعة قوية إلا أن الدارقطني يرى أن أبا البراء وهم فيه، وقول الجريري أشبه. "العلل" (١٤/ ٦).
ورواه عبد الرزاق (١٨٦٠٣)، وعنه أحمد (٢٠٧٥٥)، والطبراني (٢/ ٢٩٦)، والبيهقي (٦/ ١٩١) عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير، عن مطرف بن الشخير، عن الجارود العبدي يرفعه مختصرا.
стр. 3645
قال البيهقي: "وقد قيل عنه عن مطرف، عن أبي مسلم، عن الجارود. وقد قيل: عن مطرف ابن عبد اللَّه بن الشخير، عن أبيه". انتهى.
ورواه عبد الرزاق بأسانيد أخرى أيضًا، وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه يكون حسنا.
وقول مطرف: "الحديثان بلغاني. . . " يرى أن أحدهما ناسخا للآخر، ولكنه لم يدر أيهما قبل، والذي يظهر لي أنه ليس بينهما تناقض حتى نحتاج إلى النسخ، فقول النبي ﷺ : "ضالة المسلم حرق". إذا تملكها، ولم يقم بالتعريف بها، كما جاء في الأحاديث الأخرى. فإذا عرفها ولم يجد صاحبها ومضى عليها عام كما في الأحاديث الصحيحة فهو مال اللَّه يؤتيه من يشاء.
وقيل معناه: الحيوان الممتنع أخذه كالإبل كما تقدم. واللَّه تعالى أعلم.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن اللقطة، فقال: "تُعرف، ولا تُغيب، ولا تكتم، فإن جاء صاحبها، وإلا فهو مال اللَّه يؤتيه من يشاء".
صحيح: رواه البزار -كشف الأستار (١٣٦٧) - عن محمد بن معمر، ثنا الحجاج، ثنا حماد (يعني ابن سلمة)، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن أبي هريرة فذكره.
قال البزار: "لا نعلم أسند مطرف عن أبي هريرة إلا هذا".
وأبو العلاء هو يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير، ومطرف ثقة من رجال الجماعة.
قال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٦٧): "رجاله رجال الصحيح".
وفي الباب ما روي عن المنذر بن جرير قال: كنت مع جرير (ابن عبد اللَّه) بالبوازيج، فجاءه الراعي بالبقرة، وفيها بقرة ليست منها، فقال له جرير: ما هذه؟ قال: لحقت بالبقر لا ندري لمن هي؟ . فقال جرير: أخرجوها؛ فقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يأوي الضالة إلا ضال".
رواه أبو داود (١٧٢٠) عن عمرو بن عون، أخبرنا خالد بن عبد اللَّه، عن أبي حيان التيمي، عن المنذر ابن جرير فذكره.
واختلف على أبي حيان، وهو يحيى بن سعيد بن حيان التيمي، ثقة من رجال الجماعة. فرواه خالد بن عبد اللَّه الواسطي عنه هكذا.
ورواه يحيى بن سعيد عنه قال: حدثنا الضحاك خال المنذر بن جرير، عن المنذر بن جرير. ومن طريقه رواه ابن ماجه (٢٥٠٣).
وكذلك رواه يعلى بن عبيد الطنافسي عنه، عن الضحاك بن المنذر. وهو عند الطحاوي في مشكله (٤٧١٩)، والإمام أحمد (١٩١٨٤) عن يحيى بن زكريا (وهو أبي زائدة)، عن أبي حيان، عن الضحاك بن المنذر مختصرا.
والضحاك بن المنذر، ويقال: الضحاك بن جرير بن عبد اللَّه، لم يرو عنه غير أبي حيان. قال ابن المديني: "الضحاك لا يعرفونه".
следующие страницы →