← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

كذا قال بالنسخ، ولم يبين الناسخ، مع أن عمر بن الخطاب، وبعده أحمد وإسحاق بن راهويه ذهبوا إلى مضاعفة العقوبة لمن أخذ الضوال، ولم يعرف بها، كما جاء في حديث أبي هريرة في الباب الآتي. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، وسئل عن ضالة الغنم، فقال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب". وسئل عن ضالة الإبل، فقال: "ما لك ولها؟ ومعها سقاؤها، أو سقاؤه وحذاؤه، دعه حتى يجد ربه". حسن: رواه البزار -كشف الأستار (١٣٦٤) - عن محمد بن مسكين، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره. قال البزار: "لا نعلمه عن القعقاع، عن أبي صالح إلا من حديث يحيى". وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٦٧): "رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح". قلت: وهو كما قال إلا أن يحيى بن أيوب -وهو الغافقي- وإن كان من رجال الصحيح إلا أنه لا يرتقي إلى درجة ثقة، ولكنه حسن الحديث. ٤ - باب الترهيب من كتمِ اللقطةِ وتغييبها • وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ضالة الإبل المكتومة غرامتها، ومثلها معها". حسن: رواه أبو داود (١٧١٨) عن مخلد بن خالد، حدثنا عبد الرزاق -وهو في مصنفه (١٨٥٩٩) - أخبرنا معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، أحسبه عن أبي هريرة فذكره. وأعله المنذري فقال: "لم يحزم عكرمة بسماعه من أبي هريرة فهو مرسل". قلت: ولكن قوله: (أحسبه) يحمل على الظن الغالب أنه عن أبي هريرة، ومعنى الحديث يدل على ذلك أيضًا؛ لأن الصحابي لا يحق له أن يحكم على الغرامة مثلها. ولكن آفته عمرو بن مسلم الجَندي -بفتح الجيم والنون-؛ فإنه مختلف فيه، فضعفه أحمد والنسائي، واختلف فيه قول ابن معين: فمرة قال: "لا بأس به". وأخرى: "ليس بالقوي". وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: "ليس له حديث منكر جدا". وقال الساجي: "صدوق يهم". فمثله يحسن حديثه. قال الخطابي: "سبيل هذا الحديث سبيل ما تقدم ذكره من الوعيد الذي يراد به وقوع الفعل، وإنما هو زجر وردع، وكان عمر بن الخطاب يحكم به، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وأما عامة الفقهاء فعلى خلافه". انتهى. قلت: وبه قال أيضًا الزهري وإسحاق بن راهويه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية بأن من كتم الإبل الضالة تضعف عليه غرامتها.

стр. 3642

ويظهر من أحاديث سبق ذكرها أن أحكام اللقطة تختلف عن أحكام الضوال، فأباح الشارع في بعض صورة أخذ اللقطة، ومنع من أخذ الضوال، انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٥/ ٥٠٥). ٥ - باب لا تحل لقطة الحرم إلا لمنشد • عن أبي هريرة قال: لما فتح اللَّه على رسوله مكة، فقام في الناس، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد". متفق عليه: رواه البخاري في اللقطة (٢٤٣٤)، ومسلم في الحج (١٣٥٥)، كلاهما من حديث الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعيّ قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبو هريرة فذكره في حديث طويل. • عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه اللَّه، لا يعضد شوكهـ، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها". متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٥٨٧) ومسلم في الحج (١٣٥٣) كلاهما من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره. واللفظ للبخاري، وسياق مسلم أطول. • عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لقطة الحاج. صحيح: رواه مسلم في اللقطة (١٧٢٤) من طرق عن عبد اللَّه بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، عن يحيى بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الرحمن بن عثمان فذكره. قال ابن وهب: ولقطة الحاج يتركها حتى يجدها صاحبها. ذكره أبو داود (١٧١٩)، وابن حبان (٤٨٩٦). ولكن لا مانع من التقاطها للحفظ بها في مكان مأمون معروف مثل مستودع الحكومة، ليرجع إليها الحاج فيجدها؛ وإنما النهي يقصد به التملك. قال المنذري: "والصحيح: أنه إذا وجد لقطة في الحرم لم يجز له أن يأخذها إلا للحفاظ على صاحبها، وليعرفها أبدا بخلاف لقطة سائر البلاد، فإنه يجوز التقاطها للتملك. ومنهم من قال: إن حكم لقطة مكة حكم لقطة سائر البلاد". انتهى. ٦ - باب ما جاء في قليل اللقطة • عن أنس قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق، قال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها".

стр. 3643

متفق عليه: رواه البخاري في اللقطة (٢٤٣١)، ومسلم في الزكاة (١٠٧١) كلاهما من حديث سفيان، عن منصور، عن طلحة بن مصرف، عن أنس بن مالك فذكره. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إني لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون من صدقة، فألقيها". متفق عليه: رواه البخاري في اللقطة (٢٤٣٢)، ومسلم في الزكاة (١٠٧٠: ١٦٣) كلاهما من حديث معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة فذكره. وأما ما روي عن جابر بن عبد اللَّه قال: رخص لنا رسول اللَّه ﷺ في العصا، والسوط، والحبل، وأشباهه، يلتقطه الرجل ينتفع به. فهو ضعيف. رواه أبو داود (١٧١٧) عن سلمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا محمد بن شعيب، عن المغيرة بن زياد، عن أبي الزبير المكي أنه حدثه عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. قال أبو داود: "رواه النعمان بن عبد السلام، عن المغيرة أبي سلمة بإسناده. ورواه شبابة عن مغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كانوا. . . لم يذكر النبي ﷺ ". انتهى. قال المنذري: "وفي إسناده المغيرة بن زياد، قد تكلم فيه غير واحد". قلت: وهو كما قال؛ فإن المغيرة بن زياد البجلي أبو هشام ضعيف باتفاق أهل العلم، وقد خالفه المغيرة بن مسلم أبو سلمة القسملي، فرواه عن أبي الزبير موقوفا، وهو أحسن حالا منه. قال البيهقي (٦/ ١٩٥): "في رفع هذا الحديث شك، وفي إسناده ضعف". ٧ - باب الترهيب من أخذ ضالة المسلم بدون التعريف • عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها". صحيح: رواه مسلم في اللقطة (١٧٢٥) من طرق عن عبد اللَّه بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد الجهني فذكره. • عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحلُبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربتُه، فتكسر خزانتُه، فينتقل طعامه؟ فإنما تخزن لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتَهم، فلا يحلُبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه". متفق عليه: رواه مالك في الاستئذان (١٧) عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ورواه البخاري في اللقطة (٢٤٣٥)، ومسلم في اللقطة (١٧٢٦) كلاهما من حديث مالك به مثله. • عن عبد اللَّه بن الشخير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ضالة المسلم حرق النّار".

стр. 3644

صحيح: رواه ابن ماجه (٢٥٠٢)، وأحمد (١٦٣١٤)، وابن حبان (٤٨٨٨)، والبيهقي (٦/ ١٩١)، والبغوي في شرحه (٢٢٠٩) كلهم من حديث يحيى بن سعيد، عن حميد الطويل، عن الحسن، عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، عن أبيه فذكره. وإسناده صحيح. والحسن هو البصري الإمام المعروف، وكان مدلسا، إلا أن إخراج ابن حبان في صحيحه مشعر بأنه لم يدلس فيه، وقد تابعه قتادة، عن مطرف به. رواه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٣). وقوله: "حرق النّار" أي سبب دخوله في النّار إذا تملكها، ولم يعرف بها. • عن الجارود العبدي قال: بينما نحن مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره، وفي الظهر قلة، إذ تذاكر القوم الظهر، فقلت: يا رسول اللَّه، قد علمت ما يكفينا من الظهر، فقال: "وما يكفينا؟ ". قلت: ذود نأتي عليهن في جرف، فنستمتع بظهورهم. قال: "لا، ضالة المسلم حرق النّار، فلا تقربَنَّها. ضالة المسلم حرق النّار، فلا تقربَنَّها. ضالة المسلم حرق النّار، فلا تقربَنَّها". وقال في اللقطة: "الضالة تجدها فانشدنَّها، ولا تكتم، ولا تُغيب، فإن عُرفتْ فأدها، وإلا فمال اللَّه يؤتيه من يشاء". حسن: رواه أحمد (٢٠٧٥٤) عن إسماعيل، أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن مطرف، قال: حديثان بلغاني عن رسول اللَّه ﷺ قد عرفت أن قد صدَّقتهما، لا أدري أيهما قبل صاحبه؟ حدثنا أبو مسلم الجذمي جذيمة عبد القيس، حدثنا الجارود فذكره. ورواه أيضًا الطبراني في الكبير (٢/ ٢٩٨)، والدارمي (٢٦٤٣، ٢٦٤٤)، وابن حبان (٤٨٨٧)، والبيهقي (٦/ ١٩٠) كلهم من طرق عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود مختصرا. وأبو مسلم الجذمي ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٥٨١)، ولم يذكر في "التهذيب" (١٢/ ٢٣٥) توثيق أحد له، ولكنه ذكر عددا رووه عنه، فهو "مقبول" كما في "التقريب" أي عند المتابعة. وقد توبع. أخرجه ابن قانع في معجمه (١٦٤)، والطبراني (٥/ ٥٨١) كلاهما من طريق أبي كامل الجحدري، حدثنا أبو معشر البراء، حدثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن باباه، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: أخبرني الجارود فذكره مختصرا. وهي متابعة قوية إلا أن الدارقطني يرى أن أبا البراء وهم فيه، وقول الجريري أشبه. "العلل" (١٤/ ٦). ورواه عبد الرزاق (١٨٦٠٣)، وعنه أحمد (٢٠٧٥٥)، والطبراني (٢/ ٢٩٦)، والبيهقي (٦/ ١٩١) عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير، عن مطرف بن الشخير، عن الجارود العبدي يرفعه مختصرا.

стр. 3645

قال البيهقي: "وقد قيل عنه عن مطرف، عن أبي مسلم، عن الجارود. وقد قيل: عن مطرف ابن عبد اللَّه بن الشخير، عن أبيه". انتهى. ورواه عبد الرزاق بأسانيد أخرى أيضًا، وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه يكون حسنا. وقول مطرف: "الحديثان بلغاني. . . " يرى أن أحدهما ناسخا للآخر، ولكنه لم يدر أيهما قبل، والذي يظهر لي أنه ليس بينهما تناقض حتى نحتاج إلى النسخ، فقول النبي ﷺ : "ضالة المسلم حرق". إذا تملكها، ولم يقم بالتعريف بها، كما جاء في الأحاديث الأخرى. فإذا عرفها ولم يجد صاحبها ومضى عليها عام كما في الأحاديث الصحيحة فهو مال اللَّه يؤتيه من يشاء. وقيل معناه: الحيوان الممتنع أخذه كالإبل كما تقدم. واللَّه تعالى أعلم. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن اللقطة، فقال: "تُعرف، ولا تُغيب، ولا تكتم، فإن جاء صاحبها، وإلا فهو مال اللَّه يؤتيه من يشاء". صحيح: رواه البزار -كشف الأستار (١٣٦٧) - عن محمد بن معمر، ثنا الحجاج، ثنا حماد (يعني ابن سلمة)، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن أبي هريرة فذكره. قال البزار: "لا نعلم أسند مطرف عن أبي هريرة إلا هذا". وأبو العلاء هو يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير، ومطرف ثقة من رجال الجماعة. قال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٦٧): "رجاله رجال الصحيح". وفي الباب ما روي عن المنذر بن جرير قال: كنت مع جرير (ابن عبد اللَّه) بالبوازيج، فجاءه الراعي بالبقرة، وفيها بقرة ليست منها، فقال له جرير: ما هذه؟ قال: لحقت بالبقر لا ندري لمن هي؟ . فقال جرير: أخرجوها؛ فقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يأوي الضالة إلا ضال". رواه أبو داود (١٧٢٠) عن عمرو بن عون، أخبرنا خالد بن عبد اللَّه، عن أبي حيان التيمي، عن المنذر ابن جرير فذكره. واختلف على أبي حيان، وهو يحيى بن سعيد بن حيان التيمي، ثقة من رجال الجماعة. فرواه خالد بن عبد اللَّه الواسطي عنه هكذا. ورواه يحيى بن سعيد عنه قال: حدثنا الضحاك خال المنذر بن جرير، عن المنذر بن جرير. ومن طريقه رواه ابن ماجه (٢٥٠٣). وكذلك رواه يعلى بن عبيد الطنافسي عنه، عن الضحاك بن المنذر. وهو عند الطحاوي في مشكله (٤٧١٩)، والإمام أحمد (١٩١٨٤) عن يحيى بن زكريا (وهو أبي زائدة)، عن أبي حيان، عن الضحاك بن المنذر مختصرا. والضحاك بن المنذر، ويقال: الضحاك بن جرير بن عبد اللَّه، لم يرو عنه غير أبي حيان. قال ابن المديني: "الضحاك لا يعرفونه".

стр. 3646

ولكن تابعه أبو زرعة عمرو بن جرير، عن المنذر بن جرير. رواه النسائي في الكبرى (٥٧٩٩) من حديث إبراهيم بن عيينة، عن أبي حيان، عن أبي زرعة عمرو بن جرير. ورواه شعبة، عن أبي حيان، عن رجل، عن المنذر بن جرير، عن جرير. وهو في السنن الكبرى للنسائي. ورواه روح بن القاسم، عن أبي حيان، عن الضحاك بن المنذر، عن رجل، عن جرير. رواه الطبراني في الأوسط (١٤٠٣). ذكره المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة الضحاك بن المنذر بعض هذه الوجوه، وقال: "الاضطراب فيه من أبي حيان التيمي". انتهى "والبوازيج" بلد قريب من دجلة. وقوله: "لا يأوي" أي لا يخلطها بماله. ٨ - باب جواز أخذ ضالة المسلم للتعريف بها ثم تملكها عن عياض بن حمار قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل، ولا يكتم، ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه، وإلا فهو مال اللَّه يؤتيه من يشاء". صحيح: رواه أبو داود (١٧٠٩)، وابن ماجه (٢٥٠٥)، وأحمد (١٧٤٨١)، وابن حبان (٤٨٩٤)، والبيهقي (٦/ ١٨٧) كلهم من طريق خالد الحذاء، عن أبي العلاء، عن مطرف (يعني ابن عبد اللَّه)، عن عياض بن حمار قال فذكره. وأبو العلاء هو يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير. ومطرف بن عبد اللَّه هو ابن الشخير. وهي رواية الأخ عن أخيه. وإسناده صحيح. وألفاظهم متقاربة إلا في قوله بعد قوله: "فليردها عليه" بزيادة: "فهو أحق بها". كذا في رواية ابن ماجه وأحمد وغيرهما. والظاهر أن هذا الاختلاف على خالد الحذاء، وكلاهما صحيح. والحديث يدل على أن من وجد لقطة فلا يكره له أخذها، وبه قال عامة أهل العلم، وإذا أخذها يجب عليه أن يشهد عليها، ويعرف بها، وبعد سنة يتملكها. وكره بعض أهل العلم أخذ اللقطة -منهم الإمام أحمد- تنزها. ٩ - باب ما رُويَ في اللقيط روي عن سنين أبي جميلة -رجل من بني سليم- أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة، فأخذتها. فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. فقال له عمر: أكذلك؟ قال:

стр. 3647

نعم. فقال عمر بن الخطاب: "اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته". رواه مالك في الأقضية (٢١) عن ابن شهاب، عن سنين أبي جميلة فذكره. ومن طريقه رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٠١ - ٢٠٢)، والصغرى (٢٢٣٤) بتحقيقي. وإسناده صحيح إلا أنه موقوف على عمر، وذكره البخاري (٥/ ٢٧٤) تعليقا بالجزم، فقال: "وقال أبو جميلة: وجدت منبوذا، فلما رآني عمر قال: "عسى الغوير أبؤسا". كأنه يتهمني. قال عَريفي: إنه رجل صالح. قال: كذلك، اذهب وعلينا نفقته". انتهى وقوله: "عسى الغوير أبؤسا". الغوير تصغير غار، وأبؤسا جمع بؤس، وهو الشدة. وهو مثل قديم يقال عند التهمة، ومعناه ربما جاء الشر من معدن الخير، أراد عمر بقوله هذا: لعلك زنيت بأمه، وادعيته لقيطا. قلت: لا خلاف بين أهل العلم بأن اللقيط يكون حرا. ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك. "الإجماع" (٥٧٠). وأما قول عمر "ولاؤه لك" فلم يقل أحد -فيما أعلم- بظاهر". قال مالك عقب رواية الأثر: الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر، وأن ولاءه للمسلمين، هم يرثونه، ويعقلون عنه. وقال البيهقي في "الصغرى": "ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "ولاؤه لك" ولاء الإسلام، لا ولاء العتاق". وقال ابن عبد البر: "ذهب مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز أن اللقيط حر، لا ولاء لأحد عليه". وقال: "وتأولوا قول عمر: "لك ولاؤه" أي لك أن تليه، وتقبض عطاءه، وتكون أولى الناس بأمره حتى يبلغ رشده، ويحسن النظر لنفسه، فإن مات كان ميراثه لجماعة المسلمين، وعقله عليهم". انتهى. الاستذكار (٢٢/ ١٥٧ - ١٥٨). واللقيط في الغالب يستعمل في الطفل المفقود المطروح على الأرض فرارا من تهمة الزنا، أو لسبب غير معلوم. والملتقط له الحق في إمساك اللقيط إلا إن خاف على نفسه من تهمة السرقة، فيرفع أمره إلى الحاكم، ويستأذن منه للإمساك إن شاء، أو يرده إلى دار التربية. وأما نسب اللقيط فيكون مجهولا إلا إذا ادعى أحد فتقبل دعوته بدون بينة؛ لما فيه من الشرف والكرم يعود على اللقيط، إلا أن يكون المدعي أكثر من واحد، فيطلب من كل واحد بينة. • * *

стр. 3648

٢٠ - كتاب الهبة، والهدية، والعمرى، والرقبى ١ - باب الترغيب في الهبة • عن عائشة قالت لعروة: يا ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أُوقِدت في أبيات رسول اللَّه ﷺ نار. فقلت: يا خالة، ما كان يُعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول اللَّه ﷺ جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول اللَّه ﷺ من ألبانهم فيسقينا. متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٥٦٧)، ومسلم في الزهد (٢٩٧٢) كلاهما من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة فذكرته. • عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فِرْسَنَ شاةٍ". متفق عليه: رواه البخاري في كتاب الأدب (٦٠١٧)، ومسلم في الزكاة (١٠٣٠) كلاهما من حديث الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "تهادوا تحابوا". حسن: رواه البخاري في الأدب المفرد (٥٩٤)، والدولابي في الكنى (١/ ١٥٠)، والبيهقي (٦/ ١٦٩) كلهم من طريق ضِمام بن إسماعيل، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل ضِمام بن إسماعيل المرادي؛ فإنه حسن الحديث. قال أبو حاتم: "كان صدوقا". وقال النسائي: "ليس به بأس". وموسى بن وردان مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. ٢ - باب قبول القليل من الهبة • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت". صحيح: رواه البخاري في الهبة (٢٥٦٨) عن محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره. وقوله: "كراع" هو من الإنسان ما دون الركبة إلى الكعب، ومن البقر والغنم المستدق الساق

стр. 3649

العاري من اللحم وهو المعروف اليوم بالمقادم. ٣ - باب قبول هدايا المسلمين • عن أنس بن مالك قال: أنفجنا أرنبا بمر الظهران، فسعى القوم، فلغبوا، فأدركتها، فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، وبعث بها إلى رسول اللَّه ﷺ بوركها أو فخذيها. -قال: فخذيها، لا شك فيه- فقبله. قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه، ثم قال بعدُ: قَبِله. (أي لم يأكل منه). متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٥٧٢)، ومسلم في كتاب الصيد (١٩٥٣) كلاهما من حديث شعبة، عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك، عن أنس فذكره. واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم: "فقبله" فقط، ولم يقل فيه: "أكل منه". والصحيح أنه قبله، ولم يأكل منه؛ لأنه شك في أول الأمر، ثم جزم بأنه قبله. وقوله: "لغبوا" معناه: تعبوا. • عن الصعب بن جثامة، أنه أهدى لرسول اللَّه ﷺ حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودان، فرد عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: "أما إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم". متفق عليه: رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن عبد اللَّه بن عباس، عن الصعب بن جثامة فذكره. ومن طريقه رواه البخاري في الهبة (٢٥٧٣)، ومسلم في الحج (١١٩٢). • عن المغيرة بن شعبة قال: أهدى دحية الكلبي لرسول اللَّه ﷺ خفين فلبسهما. صحيح: رواه الترمذي في السنن (١٧٦٩) وفي الشمائل (٧٠) وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (ص: ١١٦) كلاهما من طريق الحسن بن عياش، عن أبي إسحاق وهو الشيباني، عن عامر الشعبي، عن المغيرة بن شعبة: فذكره. وإسناده صحيح، والحسن بن عياش اختلف فيه، والجمهور على توثيقه إلا أن الحافظ قال في التقريب: "صدوق". • عن المغيرة بن شعبة، أن رسول اللَّه ﷺ توضأ ومسح على خفيه، قال: فقال رجل عند المغيرة بن شعبة: يا مغيرة، ومن أين كان للنبي ﷺ خفان؟ قال: فقال المغيرة: أهداهما إليه النجاشي. صحيح: رواه البيهقي (١/ ٢٨٣) عن أبي عبد اللَّه الحاكم، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن العباس بن محمد الدوري، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبي إسحاق الشيباني، عن

стр. 3650

الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، فذكره. وهذا إسناد ظاهره الصحة. وقال البيهقي: "والشعبي إنما روى حديث المسح عن عروة بن المغيرة، عن أبيه". قلت: حديث المغيرة في المسح دون ذكر الإهداء صحيح مشهور، سبق في المسح على الخفين، ورواية الشعبي عن المغيرة ثابتة، فيحتمل أنه سمعه بالواسطة، ثم تيسر له السماع من المغيرة مباشرة. • عن بريدة بن الحصيب، أن النجاشي أهدى للنبي ﷺ خفين أسودين ساذجين، فلبسهما، ثم توضأ ومسح عليهما. حسن: رواه أبو داود (١٥٥) والترمذي (٢٨٢٠) وفي الشمائل (٦٩) وابن ماجه (٥٤٩)، (٣٦٢٠) وأحمد (٢٢٩٨١) كلهم من طريق وكيع، حدثنا دلهم بن صالح الكندي، عن حجير بن عبد اللَّه الكندي، عن عبد اللَّه بن بريدة بن الحصيب، عن أبيه، فذكره. ودلهم بن صالح ضعيف، وحجير بن عبد اللَّه الكندي مجهول، فإنه لم يرو عنه إلا دلهم بن صالح، ولم يوثقه غير ابن حبان، على قاعدته في توثيق المجاهيل، لكنهما توبعا؛ فقد رواه أبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (ص: ١١٧) عن أبي بكر البزار، حدثنا محمد بن مرداس الأنصاري، ثنا يحيى بن كثير، ثنا الجريري، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، مثله. وسقط من مطبوع مسند البزار (٤٣٩٢) "ثنا يحيى بن كثير" ويحيى بن كثير هو أبو النضر، صاحب البصري، ضعيف. والجريري اسمه سعيد بن إياس أبو مسعود البصري، ثقة إلا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، ولكنه لا بأس به في المتابعة. وبمجموع الطريقين يصل الحديث إلى درجة الحسن، وقد حَسَّنَه أيضًا الترمذي، فقال: "هذا حديث حسن". وقوله: "أسودين ساذجين"، السَّاذَج: بفتح الذال وكسرها، هو الخالص غير المشوب وغير المنقوش. • عن أسامة بن زيد، قال: كساني رسول اللَّه قُبْطِيَّة كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال: "ما لك لم تلبس القبطية؟ " قلت: كسوتها امرأتي، فقال: "مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف عظامها". حسن: رواه أحمد (٢١٧٨٦)، (٢١٧٨٨) والبيهقي (٢/ ٢٣٤) والضياء في المختارة (١٣٦٥ - ١٣٦٦) من طريق عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، فذكره. وهذا إسناد حسن من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل؛ فإنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت بما ينكر عليه.

стр. 3651

قوله: "القبطية" هي ثياب من كتان رقيق كانت تعمل بمصر، نسبة إلى القبط على غير القياس، فرقا بينها وبين الإنسان، قاله الفيومي في المصباح المنير. وقوله: "غلالة" ثوب رقيق يلبس تحت الدثار. • عن العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول اللَّه ﷺ ، فلم نفارقه، ورسول اللَّه ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. . . فذكر الحديث. صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٧٥/ ٧٦) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب، قال: قال عباس: فذكره. وفروة بن نفاثة الجذامي بعث إلى النبي ﷺ رسولا بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان عاملا للروم على من يليهم من العرب، فلما بلغهم إسلامه حبسوه، ثم قتلوه. • عن ابن عمر قال: كساني رسول اللَّه ﷺ حلة من حلل السيراء، أهداها له فيروز، فلبست الإزار، فأغرقني طولا وعرضا، فسحبته، ولبست الرداء، فتقنعت به، فأخذ رسول اللَّه ﷺ بعاتقي، فقال: "يا عبد اللَّه، ارفع الإزار؛ فإن ما مست الأرض من الإزار إلى ما أسفل من الكعين في النّار". قال عبد اللَّه بن محمد: فلم أر إنسانا قط أشد تشميرا من عبد اللَّه بن عمر. حسن: رواه أحمد (٥٧١٣) وأبو يعلى (٥٧١٤) من طريقين، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن عبد اللَّه ابن محمد بن عقيل، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل؛ فإنه حسن الحديث. وقصة رفع الإزار فقط في صحيح مسلم (٢٠٨٦) من حديث عبد اللَّه بن واقد، عن ابن عمر. • عن عبد اللَّه بن بسر قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة. حسن: رواه أحمد (١٧٦٨٨) عن هشام بن سعيد، حدثني الحسن بن أيوب الحضرمي، حدثني عبد اللَّه بن بسر، فذكره. وإسناده حسن من أجل الحسن بن أيوب الحضرمي، أبي عبد اللَّه الشامي، من رجال "التعجيل" (٤٠٤). قال أحمد: "ما أرى به بأسا"، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ١٢٦). • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين".

стр. 3652

صحيح: رواه أحمد (٣٨٣٨) والبخاري في الأدب المفرد (١٥٧) والبزار -كشف الأستار (١٢٤٣) - والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٤٢) وصحّحه ابن حبان (٥٦٠٣) كلهم من طرق عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه، فذكره. وإسناده صحيح. ٤ - باب من تحرى وجود النبي ﷺ عند بعض نسائه دون بعض التقديم الهدايا له لا يخالف العدل • عن عائشة، أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة. يبتغون بذلك مرضاة رسول اللَّه ﷺ . متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٥٧٤)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة (٢٤٤١) كلاهما من حديث عبدة، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. • عن عائشة قالت: إن نساء رسول اللَّه ﷺ كن حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول اللَّه ﷺ ، وكان المسلمون قد علموا حبَّ رسول اللَّه ﷺ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول اللَّه ﷺ أخرها، حتى إذا كان رسول اللَّه ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهدية إلى رسول اللَّه ﷺ في بيت عائشة، فكلم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلمي رسول اللَّه ﷺ يكلم الناس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول اللَّه ﷺ هدية فليهدها حيث كان من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلت لها: فكلميه، قالت: فكلمته حين دار إليها أيضًا، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلت لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها، فكلمته، فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة". قالت: أتوب إلى اللَّه من أذاك، يا رسول اللَّه. ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، فأرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ تقول: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر، فكلمته، فقال: "يا بنية، ألا تحبين ما أحب؟ ". قالت: بلي. فرجعت إليهن، فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع. فأرسلن زينب بنت جحش، فأتته، فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك اللَّه العدل في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة، وهي قاعدة، فسبتها حتى إن رسول اللَّه ﷺ لينظر إلى عائشة هل تكلم قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها. قالت: فنظر النبي ﷺ إلى عائشة، وقال: "إنها

стр. 3653

بنت أبي بكر". متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٥٨١)، عن إسماعيل قال: حدثني أخي، عن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وقال البخاري: "الكلام الأخير قصة فاطمة يذكر عن هشام بن عروة، عن رجل، عن الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن". قلت: يشير البخاري إلى إعلال حديث محمد بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عائشة، ولكن رواه مسلم في المناقب (٢٤٤٢) من طرق عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة، فذكرت نحوه. وكذلك رواه يونس عن الزهري، واللَّه أعلم. ٥ - باب ما لا يرد من الهدية • عن أنس قال: إن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب. صحيح: رواه البخاري في الهبة (٢٥٨٢) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عزرة بن ثابت الأنصاري قال: حدثني ثمامة بن عبد اللَّه قال: دخلت عليه فناولني طيبا. قال: كان أنس لا يرد الطيب. قال: وزعم أنس أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب. ٦ - باب المكافأة في الهبة • عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقبل الهدية، ويُثِيب عليها. صحيح: رواه البخاري في الهبة (٢٥٨٥) عن مسدد، حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. قال: لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. قلت: قوله: (لم يذكر وكيع ومحاضر. . .) فيه إشارة إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصله، وهو ثقة، حافظ، فلا يضر تفرده. وأما ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها". فهو ضعيف. رواه ابن ماجه (٢٣٨٧) عن علي بن محمد ومحمد بن إسماعيل قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمر بن دينار، عن أبي هريرة فذكره. وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري أبو إسحاق المدني ضعيف تكلم فيه ابن معين، وأبو حاتم، والبخاري، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وأبو داود، وابن حبان، وغيرهم. وقال أبو زرعة: "سمعت أبا نعيم يقول: لا يساوي حديثه فلسين".

стр. 3654

٧ - باب ترك النبي ﷺ قبول الهدية إلا عن قبائل معروفة • عن ابن عباس أن أعرابيا وهب للنبي ﷺ هبة، فأثابه عليها قال: "رضيت؟ ". قال: لا. قال: فزاده. قال: "رضيت؟ ". قال: لا. قال: فزاده. قال: "رضيت؟ ". قال: نعم. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي". صحيح: رواه أحمد (٢٦٨٧)، والطبراني في الكبير (١٠٨٩٧)، والبزار -كشف الأستار (١٩٣٨) -، كلهم من طريق يونس قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره. وصحّحه ابن حبان (٦٣٨٤)، ورواه أيضًا من طريق يونس (وهو ابن محمد) به مثله. وإسناده صحيح. ولكن قال البزار: لا نعلم أحدا وصله إلا حماد. ثم رواه من حديث ابن عيينة، عن طاوس عن النبي ﷺ . وقال: "ولا يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه". وقال الدارقطني في "العلل" (١١/ ٣٣ - ٣٤) "واختلف أيضًا على حماد بن زيد: فقال سليمان ابن حرب وأبو الربيع والقوايري، عن حماد بن زيد، عن عمرو، عن طاوس مرسلا عن النبي ﷺ ، وهو الأصح، وقيل: عن يونس، عن حماد، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ". قلت: لا يبعد أن يكون عمرو بن دينار نفسه رواه من وجهين موصولا ومرسلا، فمن وصله عنه عنده زيادة، ومن أرسله لا يعله، وهذا له نظائر كثيرة من كتب الصحاح. • عن أبي هريرة قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ناقة من إبله التي كانوا أصابوا بالغابة، فعوضه منها بعض العوض، فتسخطه، فسمعت رسول اللَّه ﷺ على هذا المنبر يقول: "إن رجالا من العرب يهدي أحدهم الهدية، فأعوضه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخطه، فيظل يتسخط فيه علي، وأيم اللَّه لا أقبل بعد مقامي هذا من رجل من العرب هدية إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي". حسن: رواه الترمذي (٣٩٤٦) عن محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن خالد الحمصي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وهو في الأدب المفرد (٥٩٦) من هذا الوجه. ورواه أبو داود (٣٥٣٧) من وجه آخر عن محمد بن إسحاق به مختصرا بدون القصة، ومحمد ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن، ولكنه توبع. قال الترمذي: "هذا حديث حسن، وهو أصح من حديث يزيد بن هارون". وهو يشير إلى ما رواه هو (٣٩٤٥) قبله عن أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرني

стр. 3655

أيوب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكر نحوه، وفيه: "أن النبي ﷺ عوضه ست بكرات". قال الترمذي: "في الحديث كلام أكثر من هذا. وقال: هذا حديث قد روي من غير وجه عن أبي هريرة. ويزيد بن هارون يروي عن أيوب أبي العلاء، وهو أيوب بن مسكين، ويقال: ابن أبي مسكين، ولعل هذا الحديث الذي روى عن أيوب، عن سعيد المقبري هو أيوب أبو العلاء". انتهى. قلت: وأيوب هذا توبع عند الإمام أحمد (٧٩١٨)، فإنه رواه عن يزيد بن هارون، أخبرنا أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره. وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السندي ضعيف، ولكنه توبع، فقد رواه الإمام أحمد (٧٣٦٣) عن سفيان، والبيهقي (٦/ ١٨٠) عن أبي عاصم، كلاهما عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، فذكره أحمد مختصرا، والبيهقي مفصلا. وللحديث إسناد آخر عن أبي هريرة، وهو: ما رواه ابن حبان (٦٣٨٣) من حديث يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره مختصرا بدون القصة. وبمجموع هذه الأسانيد يحسن هذا الحديث، كما قال الترمذي، ولا اضطراب فيه. ٨ - باب العدل بين الأولاد في الهبة • عن النعمان بن بشير قال: إن أباه بشيرا أتي به إلى النبي ﷺ ، فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ ". فقال: لا. فقال رسول اللَّه ﷺ "فارتجعه". متفق عليه: رواه مالك في الأقضية (٤١) عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن النعمان بن بشير، أنهما حدثاه عن النعمان بن بشير فذكر مثله. ورواه البخاري في الهبة (٢٥٨٦)، ومسلم في الهبات (١٦٢٣) كلاهما من طريق مالك. • عن النعمان بن بشير قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له، فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ ، فأخذ بيدي، وأنا غلام، فأتى بي النبي ﷺ ، فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا. قال: "ألك ولد سواه". قال: نعم. قال فأراه قال: "لا تشهدني على جور". متفق عليه: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٥٠)، ومسلم في الهبات (١٦٢٣: ١٤) كلاهما من حديث أبي حيان التيمي، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير فذكره، واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم: "أكلهم وهبت له مثل هذا؟ ". قال: لا. قال: "فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جور". قال البخاري: وقال جرير عن الشعبي: "لا أشهد على جور". قلت: وحديث جرير رواه مسلم، ولكنه عن عاصم الأحول، عن الشعبي.

стр. 3656

• عن النعمان بن بشير قال: وهو على المنبر، أعطاني أبي عطية، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول اللَّه ﷺ ، فأتي رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول اللَّه. قال: "أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ ". قال: لا. قال: "فاتقوا اللَّه، واعدلوا بين أولادكم". قال: فرجع، فرد عطيته. متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٥٨٧)، ومسلم في الهبات (١٦٢٣: ١٣) كلاهما من حديث حصين، عن عامر الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير فذكره. • عن النعمان بن بشير قال: نحلني أبي نحلا، ثم أتي بي إلى رسول اللَّه ﷺ ليشهده، فقال: "أكل ولدك أعطيته هذا؟ ". قال: لا. قال: "أليس تريد منهم البر مثل ما تريد من ذا؟ ". قال بلى. قال: "فإني لا أشهد". صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٣: ١٨) عن أحمد بن عثمان النوفلي، حدثنا أزهر، حدثنا ابن عون، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير فذكره. قال ابن عون: فحدثت به محمدا، فقال: إنما تحدثنا أنه قال: "قاربوا بين أولادكم". • عن النعمان بن بشير قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول اللَّه، فقال: يا رسول اللَّه، أشهد أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي، فقال: "أكل بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟ ". قال: لا. قال: "فأشهد على هذا غيري". ثم قال: "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء". قال: بلى. قال: "فلا إذا". صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٣: ١٧) من طرق عن ابن علية قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير فذكره. • عن النعمان بن بشير قال: أعطاه أبوه غلاما، فقال له النبي ﷺ : "ما هذا الغلام؟ ". قال: أعطانيه أبي. قال: "فكل إخوته أعطيته كما أعطيت هذا؟ ". قال: لا. قال: "فرده". صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٣: ١٢) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: حدثنا النعمان بن بشير قال: وقد أعطاه أبوه غلاما فذكر الحديث. • عن النعمان بن بشير قال: نحلني أبي نحلا. قال إسماعيل بن سالم من بين القوم: نحله غلاما. قال: فقالت له أمي عمرة بنت رواحة: ائتِ النبي ﷺ ، فأشهده. قال: فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: إني نحلت ابني النعمان نحلا، وإن عمرة

стр. 3657

سألتني أن أشهدك على ذلك، فقال: "ألك ولد سواه؟ ". قال: قلت: نعم. قال: "فكلهم أعطيت مثل ما أعطيت النعمان". فقال: لا. فقال بعض هؤلاء المحدثين: "هذا جور". وقال بعضهم: "هذا تلجئة، فأشهد على هذا غيري". وقال مغيرة في حديثه: "أليس يسرك أن يكونوا لك في البر واللطف سواء؟ ". قال: نعم. قال: "فأشهد على هذا غيري". وذكر مجالد في حديثه: "إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك". صحيح: رواه أحمد (١٨٣٧٨) عن هشيم، أخبرنا سيار (أبو الحكم)، ومغيرة (ابن مقسم الضبي) وداود (ابن أبي هند)، وإسماعيل (ابن سالم الأسدي)، ومجالد (ابن سعيد)، كلهم عن الشعبي، عن النعمان بن بشير فذكره. ورواه أبو داود (٣٥٤٢) عن الإمام أحمد، والبيهقي من طريقه (٦/ ١٧٧ - ١٧٨). وصحّحه ابن حبان (٥١٠٤)، فرواه عن مغيرة، عن الشعبي وحده. وإسناده صحيح، إلا ما تفرد به مجالد، وهو ابن سعيد بن عمير الهمداني، مختلف فيه. فكان البخاري حسن الرأي فيه، وضعفه ابن معين، وابن سعد، والنسائي، وابن حبان، وغيرهم. والخلاصة فيه أنه لا يقبل إذا تفرد. فقوله: "إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك". مما تفرد به، ولم يروه جماعة من الثقات عن الشعبي، وكذا قال البيهقي أيضًا (٦/ ١٧٧) بعد أن رواه من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عنه، عن الشعبي. وأما ما رواه سفيان عن مجالد، قال: سمعت الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول -وكان أميرا على الكوفة- يقول: نحلني أبي غلاما، فأتيت النبي ﷺ لأشهده، فقال: "أكل ولدك نحلت؟ ". قال: لا. قال: "فإني لا أشهد على جور". فهذا مما وافقه عليه جماعة من الثقات عن الشعبي رواه الإمام أحمد (١٨٤١٠) عن سفيان بإسناده. • عن النعمان بن بشير يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "اعدلوا بين أولادكم، اعدلوا بين أبنائكم". حسن: رواه أبو داود (٣٥٤٤)، والنسائي (٣٦٨٧)، وأحمد (١٨٤٢٢)، كلهم من طريق حماد ابن زيد، عن حاجب بن المفضل بن المهلب، عن أبيه، قال: سمعت النعمان بن بشير فذكره. وإسناده حسن من أجل المفضل بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي؛ فإنه صدوق، كما في التقريب. • عن النعمان بن بشير يقول -وهو يخطب-: انطلق بي أبي إلى رسول اللَّه ﷺ يشهده

стр. 3658

على عطية أعطانيها، فقال: "هل لك بنون سواه؟ ". قال: نعم. قال: "سَوِّ بينهم". صحيح: رواه النسائي (٣٦٨٧)، وأحمد (١٨٣٥٩)، وصحّحه ابن حبان (٥٠٩٨) كلهم من حديث فطر بن خليفة، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح قال: سمعت النعمان بن بشير يقول فذكر الحديث. • عن النعمان بن بشير قال: إن والدي بشير بن سعد أتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إن عمرة بنت رواحة نُفست بغلام، وإني سميته: نعمان، وإنها أبت أن تربيه، وحتى جعلت له حديقة لي أفضل مالي هو، وإنها قالت: أشهد النبي ﷺ على ذلك. فقال له النبي ﷺ : "هل لك ولد غيره؟ ". قال: نعم. قال: "لا تشهدني إلا على عدل، فإني لا أشهد على جور". حسن: رواه ابن حبان (٥١٠٧) عن عمر بن محمد الهمداني قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا معتمر بن سليمان قال: قرأت على الفضيل، عن أبي حريز، أن عامرا حدثه أن العمان ابن بشير قال فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي حريز، وهو عبد اللَّه بن الحسن الأزدي، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. • عن جابر قال: قالت امرأة بشير: انحل ابني غلامك، وأشهد لي رسول اللَّه ﷺ ، فأتى رسول اللَّه، فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، وقالت: أشهد لي رسول اللَّه، فقال: "أله إخوة؟ ". قال: نعم. قال: "أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ ". قال: لا. قال: "فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق". صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٤) عن أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر قال فذكره. وفي الباب عن ابن عباس مرفوعا: "سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء". رواه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٢١٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ١٠٨)، والبيهقي (٦/ ١٧٧) وفيه سعيد بن يوسف ضعيف، وهو الرحبي، ويقال: الزرقي، ضعفه أبو زرعة، والنسائي، وغيرهما. قال ابن عدي: لا أعرف له شيئًا أنكر من هذا. وأما قول الحافظ في الفتح (٥/ ٢١٤): "إسناده حسن" فليس كما قال، ولكن لو قال: حديث حسن لكان له وجه في تحسينه من أجل شواهده.

стр. 3659

قلت: جاء حديث النعمان بن بشير من أوجه كثيرة وبألفاظ متباينة، فذهب من لم يتفقه إلى وجود التعارض بين هذه الأحاديث، والصحيح أنه ليس هناك تعارض، وإنما الذي حصل هو رواية الحديث بالمعنى، فكل عبر بما فهم من الحديث، ولذا الأمر الذي لم يُختلف فيه: أن النبي ﷺ رفض الشهادة على جور، وإن كانوا اختلفوا في اللفظ الذي نطق به. وكون القصة وقعت مرتين: الأولى: أن بشيرا نحل ابنه النعمان حديقة، وفي الثانية: غلاما، فهو بعيد؛ لأنه لا يعقل أن يصدر مثل هذا عن الصحابي بأن يذهب مرتين إلى النبي ﷺ في قضية واحدة وهو يرد عليه في كل مرة. فجعل ابن حبان أنه وقع نسخ في الحكم الأول بدون ذكر دليل واضح، وذهب غيره إلى تضعيف حديث أبي حريز، لأنه خالف جميع أصحاب الشعبي، فجعل النحل حديقة، وغيرهم قالوا: غلاما. وذهب الآخرون إلى أن الإشهاد لم يقع في المرة الأولى، ولذا فإن بشيرا استرجع الحديقة، وإنما الإشهاد وقع في المرة الثانية، وذلك لما طلبت امرأته ذلك حتى لا يرجع مرة أخرى. واللَّه تعالى أعلم. وقد قال بظاهر هذا الحديث كثير من السلف، منهم الإمام أحمد وإسحاق وأهل الظاهر، ويحكي أيضًا عن سفيان الثوري، فإنهم قالوا: لا يجوز التفاضل بين الأولاد في النحل والبر، فإن فعل ذلك لم ينفذ. وخالفهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، فقالوا: التفضيل مكروه، فإن فعل ذلك نفذ، واستدلوا بفعل أبي بكر الصديق، ويقول النبي ﷺ : "أيسرك أن يكونوا في البر سواء". وبقوله ﷺ : أشهد على هذا غيري". والحق أنه ليس فيه إذن، بل فيه تحذير من عدم التسوية بين الأولاد مثل قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [سورة فصلت: ٤٠]. ومثل قول النبي ﷺ : "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" وغيرهما. انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٥/ ٤ ٩٦). ٩ - باب النهي عن الرجوع في هبته وصدقته • عن ابن عباس، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "العائد في هبته كالكلب يقيئ، ثم يعود في قيئه". متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٥٨٩)، ومسلم في الهبات (١٦٢٢: ٨) كلاهما من حديث وهيب، حدثنا عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. • عن ابن عمر وابن عباس قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا ينبغي لأحد أن يعطى عطية، فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطيه ولده، ومثل الذي يعطي العطية، ثم يرجع

стр. 3660

فيها كالكلب يأكل حتى إذا شبع تقيأ، ثم عاد، فرجع في قيئه". حسن: رواه أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (٢١٣٣)، والنسائي (٣٦٩٠)، وابن ماجه (٢٣٧٧)، وأحمد (٢١١٩، ٢١٢٠)، وصحّحه ابن حبان (٥١٢٣)، والحاكم (٢/ ٤٦) والبيهقي (٦/ ١٧٩)، كلهم من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عباس وابن عمر فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب؛ فإنه حسن الحديث. وأما ما روي عن ابن عمر مرفوعا: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" فهو ضعيف. رواه ابن ماجه (٢٣٨٦)، وفيه عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ضعيف باتفاق أهل العلم. • عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مثل الذي يعود في عطيته، كمثل الكلب يأكل، حتى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه، فأكله". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٣٨٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة (وهو في مصنفه ٦/ ٤٧٧) قال: حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن خلاس، عن أبي هريرة فذكره. ورواه أيضًا الإمام أحمد (٧٥٢٤، ١٠٣٨١) من طريق عوف به مثله. وإسناده صحيح. غير أنه اختلف في سماع خلاس من أبي هريرة، فقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لم يسمع خلاس من أبي هريرة شيئًا. فتعقبه الذهبي وقال في ميزان الاعتدال (١/ ٦٥٨): "لكن روايته عن أبي هريرة في البخاري". قلت: وهو كما قال، فقد رواه البخاري (٣٤٠٤) من طريق عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة، فذكر حديث موسى، فعطف البخاري خلاس على محمد -وهو ابن سيرين- دليل على الاتصال؛ لأن محمد بن سيرين ثبت سماعه من أبي هريرة، هذا هو الظاهر ولكن يعكر هذا عطفه على الحسن، وسماعه من أبي هريرة مختلف فيه. واللَّه أعلم. ثم إن الحديث رواه أيضًا الإمام أحمد (١٠٣٨٢) من وجه آخر عن عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكر مثله. وهي متابعة قوية لخلاس. وبهذا صح هذا الحديث. • عن عمرو بن شعيب حدثه عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب يقيء، فيأكل قيئه، فإذا استرد الواهب فلوقف، فليعرف بما استرد، ثم ليدفع إليه ما وهب". حسن: رواه أبو داود (٣٥٤٠) عن سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أسامة ابن زيد، عن عمرو بن شعيب فذكره. ورواه أحمد (٦٦٢٩) عن أبي بكر الحنفي، أخبرنا أسامة بن زيد فذكره. وإسناده حسن من

стр. 3661

أجل أسامة بن زيد وشيخه عمرو بن شعيب، فإنهما حسنا الحديث. وقوله: "فإذا استرد الواهب" أي بعد أن سمع مثل الكلب الذي يعود في قيئه، فإن الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها، ولكنه كالكلب الذي يعود في قيئه فإن شاء ارتجع، وإن شاء ترك، ففيه ترهيب وتحذير من العودة إلى الهبة. • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يرجع في هبته إلا الوالد من ولده. والعائد في هبته كالعائد في قيئه". حسن: رواه النسائي (٣٦٨٩)، والدارقطني (٣/ ٤٣)، والبيهقي (٦/ ١٧٩)، وأحمد (٦٧٠٥) كلهم من طرق عن عامر الأحول، عن عمرو بن شعيب بإسناده مثله. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب؛ فإنه حسن الحديث. قال البيهقي: "ويحتمل أن يكون عمرو بن شعيب رواه من الوجهين، فحسين المعلم حجة، وعامر الأحول ثقة". وقال الترمذي عقب رواية حديث حسين المعلم عن عمرو بن شعيب: "هذا حديث حسن صحيح. قال الشافعي: لا يحل لمن وهب هبة أن يرجع فيها إلا الوالد فله أن يرجع فيما أعطى ولده، واحتج بهذا الحديث". قلت: وهو كما قال الشافعي؛ لأن الوالد ليس كغيره من الأجانب والأباعد، وقد جعل رسول اللَّه ﷺ للأب حقا في مال ولده، فقال: "أنت ومالك لأبيك". فرجوعه في هبته من ولده أولى من مال ولده. وأما من لم يأخذ بهذا الحديث فتأوله بأن له الرجوع عند الحاجة إليه. ١٠ - باب من يحرم عليه قبول الهدية • عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول اللَّه ﷺ رجلا من الأسد يقال له: ابن اللتبية-، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أهدي لي. قال: فقام رسول اللَّه ﷺ على المنبر، فحمد اللَّه، وأثنى عليه وقال: "ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه. أم لا! والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر". متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٣٦)، ومسلم في كتاب الإمارة (١٨٣٢) كلاهما من حديث الزهري، عن عروة، عن أبي حميد الساعدي قال فذكره. • عن عمر بن الخطاب قال: حملت على فرس في سبيل اللَّه، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي

стр. 3662

- ﷺ فقال: "لا تشتره، وإن أعطاكهـ بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه". متفق عليه: رواه مالك في الزكاة (٥٠) عن زيد بن أسلم، عن أبيه، سمعت عمر بن الخطاب فذكره. ومن طريقه رواه البخاري في الهبة (٢٦٢٣)، ومسلم في الهبات (١٦٢٠). • عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "من شفع لأخيه بشفاعة، فأهدي له هدية عليها، فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا". حسن: رواه أبو داود (٣٥٤١) عن أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن عمر بن مالك، عن عبيد بن أبي جعفر، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن أبي أمامة فذكره. وإسناده حسن من أجل خالد بن أبي عمران؛ فإنه حسن الحديث. وشيخه القاسم هو ابن عبد الرحمن الدمشقي أبو عبد الرحمن، مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث أيضًا. وأما عبيد اللَّه بن أبي جعفر فهو ثقة من رواة الصحيح، فلا حجة لمن تكلم فيه. ورواه الإمام أحمد (٢٢٢٥١) من طريق ابن لهيعة، حدثنا عبيد اللَّه بن أبي جعفر بإسناده مثله. وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكنه توبع. وللحديث أسانيد أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها. ولا مخالفة بين هذا الحديث وحديث ابن عمر: "من أتى إليكم معروفا فكافئوها". وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد (٥٣٦٥)، وأبو داود (٥١٠٩)، وصحّحه ابن حبان (٣٤٠٨)، والحاكم (١/ ٤١٢) انظر تخريجه في كتاب الزكاة. فإن حديث الباب يدل على الترهيب من قبول الهدية من شفع لأخيه فأهدي له هدية فقبلها. وحديث ابن عمر يدل على مكافأة من فعل معروفا غير الشفاعة، وأبواب المعروف كثيرة، فلا معارضة بين الحديثين. وأما الهدية التي يقدمها ليكف الظلم عنه، أو ليأخذ حقه الواجب فكانت هذه الهدية حراما على الآخذ، وجاز للمقدم أن يدفعها إليه؛ ليأخذ حقه. انظر للمزيد "مجموع فتاوى ابن تيمية" (٣١/ ٢٨٥ - ٢٨٧). وأما ما روي عن أنس بن مالك مرفوعا: "إذا أقرض أحدكم قرضا، فأهدى له، أو حمله على الدابة، فلا يركبها، ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك". فهو ضعيف. رواه ابن ماجه (٢٤٣٢) عن هشام بن عمار قال: حدثنا إسماعيل بن عباس قال: حدثني عتبة ابن حميد الضبي، عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي له؟ قال: قال رسول اللَّه ﷺ فذكر الحديث.

стр. 3663

وفي الحديث علل: منها: ضعف إسماعيل بن عياش. ومنها: ضعف عتبة بن حميد الضبي، قال أحمد: كان من أهل البصرة، وكتب شيئًا كثيرا، وهو ضعيف، ليس بالقوي، ولم يشتبه الناس حديثه. ومنها: جهالة يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، ويقال: يزيد بن أبي إسحاق. ويقال: يزيد بن أبي يحيى. ويقال: يحيى بن يزيد الهنائي. ومنها: أن رفعه خطأ، والصواب أنه موقوف. قال البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣١٠) في ترجمة يحيى بن يزيد أبي يزيد الهنائي قال: "قاله لنا أدم، نا شعبة سمع يحيى بن يزيد، قلت لأنس في الرجل يكون له الدين؟ قال: لا يرتدف خلف دابته. وقال: أبو معاوية، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، وهو خطأ". انتهى. وقال البيهقي (٥/ ٣٥٠): "ورواه شعبة، ومحمد بن دينار فوقفاه". ومنها الاضطراب في الإسناد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١١ - باب إذا وهب هبة، أو وعد، ثم مات قبل الوفاء به يجوز لمن بعده أن يفيه • عن جابر قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا ثلاثا". فلم يقدم حتى توفي النبي ﷺ ، فأمر أبو بكر مناديا فنادى: من كان له عند النبي ﷺ عدة أو دين فليأتنا. فأتيته، فقلت: إن النبي ﷺ وعدني، فحثى لي ثلاثا". متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٥٩٨)، ومسلم في الفضائل (٢٣١٤)، كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر يقول: سمعت جابرا يقول فذكره. وفي رواية: ثم قال أبو بكر: عدها. فعددتها، فإذا هي خمسمائة. فقال: خذ مثليها. ١٢ - باب يجوز للإمام أن يخبأ هدية لمن غاب ولم يحضر القسمة • عن المسور بن مخرمة قال: قسم رسول اللَّه أقبية، ولم يعط مخرمة منها شيئًا. فقال مخرمة: يا بني انطلق بنا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فانطلقت معه، فقال: ادخل، فادعه لي. قال: فدعوته له، فخرج إليه، وعليه قباء منها. فقال: "خبأنا هذا لك". قال: فنظر إليه، فقال: "رضي مخرمة". متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٥٩٩)، ومسلم في الزكاة (١٠٥٨) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة فذكره. وفي رواية عند البخاري: "وكان في خلقه شدة".

стр. 3664

١٣ - باب من وهب شيئًا وهو في تصرف الموهوب له فهو جائز • عن ابن عمر أنه كان في سفر مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان على بكرٍ صعبٍ لعمر. فكان يتقدم النبي ﷺ ، فيقول أبوه: يا عبد اللَّه، لا يتقدم النبي ﷺ أحد. فقال له النبي ﷺ : "بعنيه"، فقال عمر: هو لك، فاشتراه، ثم قال لعبد اللَّه: "هو لك يا عبد اللَّه، فاصنع به ما شئت". صحيح: أخرجه البخاري في الهبة (٢٦١٠) عن عبد اللَّه بن محمد، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عمر فذكره. ١٤ - باب هدية يكره استعمالها • عن علي قال: أهدى إلي رسول اللَّه ﷺ حلة سيراء، فلبستها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي. متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦١٤)، ومسلم في اللباس (٢٠٧١: ١٩) كلاهما من حديث شعبة قال: أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت زيد بن وهب، عن علي فذكره. وفي رواية قال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين النساء". • عن ابن عمر قال: رأي عمر عطاردا التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء -وكان رجلا يغشى الملوك ويصيب منهم- فقال عمر: يا رسول اللَّه، إني رأيت عطاردا يقيم في السوق حلة سيراء، فلو اشتريتها، فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك. وأظنه قال: ولبستها يوم الجمعة. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة". فلما كان بعد ذلك أتي رسول اللَّه ﷺ بحلل سيراء، فبعث إلى عمر بحلة، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة، وأعطى علي بن أبي طالب حلة، وقال: "شققها خمرا بين نسائك". قال: فجاء عمر بحلته يحملها، فقال: يا رسول اللَّه، بعثت إلي بهذه، وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت. فقال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتصيب بها". وأما أسامة فراح في حلته فنظر إليه رسول اللَّه ﷺ نظرا عرف أن رسول اللَّه ﷺ قد أنكر ما صنع، فقال: يا رسول اللَّه، ما تنظر إليَّ؟ فأنت بعثت إلي بها. فقال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين نسائك". صحيح: رواه مسلم في اللباس (٢٠٦٨: ٧) عن شيبان بن فروخ، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا نافع، عن ابن عمر فذكره.

стр. 3665

١٥ - باب ما جاء في رد هدية المشركين • عن عياض بن حمار قال: أهديت لرسول اللَّه ﷺ ناقة -أو قال: هدية-، فقال "أسلمتَ؟ " قلت: لا. قال: "إني نهيت عن زبد المشركين". حسن: رواه أبو داود (٣٠٥٧) والترمذي (١٥٧٧) والبيهقي (٩/ ٢١٦) كلهم من طريق أبي داود الطيالسي، وهو في مسنده (١١٧٩) - قال: حدثنا عمران، عن قتادة، عن يزيد بن عبد اللَّه، عن عياض بن حمار، فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". قلت: إسناده حسن من أجل عمران، وهو ابن داور القطان، فإنه حسن الحديث. وقال ابن حجر: "أخرجه أبو داود وغيره بإسناد صحيح". المطالب العالية (١٠/ ٣٠). ورواه أبو داود الطيالسي (١١٧٨) ومن طريقه البيهقي (٩/ ٢١٦) قال: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أبو التياح، قال: حدثنا الحسن، عن عياض بن حمار، قال: أهديت إلى رسول اللَّه ﷺ هدية، فذكر نحوه. والحسن وُصِفَ بالتدليس، ولم أر له تصريحا بالسماع من عياض بن حمار، لكنه أدرك زمن عياض قرابة ثلاثين سنة، وعياض سكن البصرة، وقد توبع عليه في الإسناد الأول. وقوله: "زيد المشركين" الزبْد -بسكون الباء- الرفد والعطاء، والعرب تسمي الهدية الزبد. انظر: (شرح المشكل ٦/ ٤٠١، والنهاية). • عن عبيد اللَّه بن المغيرة، عن عراك بن مالك، أن حكيم بن حزام قال: كان محمد ﷺ أحب رجل في الناس إليَّ في الجاهلية، فلما تنبأ وخرج إلى المدينة، شهد حكيم بن حزام الموسم وهو كافر، فوجد حلة لذي يزن تباع، فاشتراها بخمسين دينارا ليهديها لرسول اللَّه ﷺ ، فقدم بها عليه المدينة، فأراده على قبضها هدية، فأبى. قال عبيد اللَّه: حسبت أنه قال: "إنا لا نقبل شيئًا من المشركين، ولكن إن شئت أخذناها بالثمن" فأعطيته حين أبى علي الهدية. حسن: رواه أحمد (١٥٣٢٣) عن عتاب بن زياد، حدثنا عبد اللَّه (يعني: ابن المبارك)، أخبرنا ليث بن سعد، حدثني عبيد اللَّه بن المغيرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبيد اللَّه بن المغيرة وهو ابن مُعيقيب حسن الحديث، وعراك بن مالك هو الغفاري، وسماعه من حكيم بن حزام ممكن، وقد ذكر ابن الأثير في ترجمة حكيم من "أسد الغابة" عراك بن مالك من الرواة عن حكيم. وأخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٢٦) والحاكم (٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥) من طريق عبد اللَّه بن صالح،

стр. 3666

عن الليث، به. وفيها زيادة: فلبسها، فرأيتها عليه على المنبر، فلم أر شيئًا أحسن منه يومئذ، ثم أعطاها أسامة بن زيد، فرآها حكيم على أسامة، فقال: يا أسامة، أنت تلبس حلة ذي يزن؟ فقال: نعم، واللَّه لأنا خير من ذي يزن، ولأبي خير من أبيه. قال حكيم: فانطلقت إلى أهل مكة أُعَجِّبُهم بقول أسامة. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". قلت: فيه عبد اللَّه بن صالح سيء الحفظ، وقد توبع على أصل الحديث. وله طريق آخر ضعيف عند الطبراني في الكبير (٣/ ٢ ١٦). ١٦ - باب ما جاء في قبول هدية المشركين • عن أنس بن مالك قال: أُهدي لرسول اللَّه ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: "والذي نفس محمد بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن من هذا". متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦١٥)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٩) كلاهما من حديث يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك فذكره. وقال مسلم: حدثناه محمد بن بشار، حدثنا سالم بن نوح، حدثنا عمر بن عامر، عن قتادة، عن أنس أن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول اللَّه ﷺ حلة فذكر نحوه. ولم يذكر فيه: "وكان ينهى عن الحرير". وذكره البخاري معلقا عن سعيد، عن قتادة. • عن أنس أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال "لا". فما زلت أعرفها في لهوات رسول اللَّه ﷺ . متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦١٧)، ومسلم في السلام (٢١٩٠) كلاهما من حديث خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس فذكره. وقوله: "لهوات" جمع لهاة، وهي سقف الفم، أو اللحمة المشرفة على الحلق. وقيل: هي أقصى الحلق. وقيل: ما يبدو من الفم عند التبسم. • عن أبي حميد الساعدي، قال: أهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء، وكساه بردا، وكتب له ببحرهم. متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٨١)، ومسلم في الفضائل (١٣٩٢/ ١١) كلاهما من حديث عمرو بن يحيى، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي حميد الساعدي، فذكره في حديث طويل، واللفظ للبخاري. • عن بريدة بن الحصيب قال: أهدى أمير القبط لرسول اللَّه ﷺ جاريتين أختين

стр. 3667

قبطيتين، وبغلة، فأما البغلة فكان رسول اللَّه ﷺ يركبها، وأما إحدى الجاريتين فتسراها، فولدت له إبراهيم، وأما الأخرى فأعطاها حسان بن ثابت الأنصاري. حسن: رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (٤٥٢ - بغية الباحث)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٥٦٩)، والطبراني في الأوسط (٢٠٥٩/ مجمع البحرين) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن بشير بن المهاجر، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، فذكره. والسياق للطحاوي. وإسناده حسن من أجل بشير بن المهاجر؛ فإنه حسن الحديث إذا لم يأت بما ينكر عليه. وقال البوصيري في الإتحاف (٣/ ٤٣): "هذا إسناد صحيح". ورواه البزار (٤٤٢٣) عن محمد بن زياد، عن ابن عيينة، عن بشير بن المهاجر، به نحوه. وقال: "ومحمد بن زياد وهم في هذا الحديث، فرواه عن ابن عيينة، وابن عيينة ليس عنده عن بشير بن المهاجر، ولكن روى هذا الحديث عن بشير بن المهاجر حاتم بن إسماعيل ودلهم بن دهثم". أهـ. • عن عبد الرحمن بن عبد القاري أن رسول اللَّه ﷺ بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، يعني بكتابه معه إليه، فقَبَّلَ كتابَه، وأكرم حاطبا، وأحسن نزله، ثم سرحه إلى رسول اللَّه ﷺ ، وأهدى له مع حاطب كسوة وبغلة شهباء بسرجها وجاريتين، إحداهما إم إبراهيم، وأما الأخرى فوهبها لجهم بن قيس العبدري، وهي أم زكريا بن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر. صحيح: رواه الطحاوي في شرح المشكل (٢٥٧٠)، (٤٣٤٩) عن يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد القاري، فذكره. وإسناده صحيح إلى عبد الرحمن بن عبد القاري، وهو مختلف في صحبته، وقد ذكر ابن حجر في الإصابة أنه أتي به إلى النبي ﷺ ، وهو صغير فمسح على رأسه. وقال الطحاوي عقب الحديث: "وإنما أدخلنا هذا الحديث في هذا الباب؛ لأن عبد الرحمن ابن عبد القاري ممن ولد في زمن النبي ﷺ ، ويقال: إنه قد رآه، فدخل بذلك في صحابته ﷺ " أهـ. ومثله إذا نقل مثل هذه القصة فينقلها -غالبا- عن الصحابي. وقوله: "وأما الأخرى فوهبها لجهم بن قيس العبدري" فهو مخالف لما جاء في حديث بريدة: "وأما الأخرى فأعطاها حسان بن ثابت" وما في حديث بريدة أصح، ولعل ما يخالفه وقع فيه وهم من بعض الرواة، وعلى كل اتفقت الروايات على أن النبي ﷺ أرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فأكرم رسوله، وأرسل معه هدايا إلى النبي ﷺ ، فقبلها، وإن وقع

стр. 3668

اختلاف يسير في تفصيل القصة. وأما ما روي عن علي قال: أهدى كسرى لرسول اللَّه ﷺ ، فقبل منه، وأهدى له قيصر فقبل منه، وأهدت له الملوك فقبل منها. فإسناده ضعيف. رواه الترمذي (١٥٧٦)، وأحمد (٧٤٧) من طريق إسرائيل، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن علي، فذكره. والسياق لأحمد. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". قلت: إسناده ضعيف لضعف ثوير بن أبي فاختة. وفي معناه ما روي عن أنس بن مالك، أن ملك ذي يزن أهدى إلى رسول اللَّه ﷺ حلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا، أو ثلاث وثلاثين ناقة، فقبلها. رواه أبو داود (٤٠٣٤)، وأحمد (١٣٣١٥)، والحاكم (٤/ ١٨٧) من طرق عن عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس، فذكره. والسياق لأبي داود. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي. قلت: إسناده ضعيف، فقد تفرد به عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس، وعمارة يروي عن ثابت، عن أنس أحاديث مناكير، كما قال الإمام أحمد. ١٧ - باب الهدية للمشركين قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة الممتحنة: ٨]. • عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول اللَّه، لو اشتريت هذه، فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة". ثم جاءت رسول اللَّه ﷺ منها حلل، فأعطى عمر بن الخطاب منها حلة، فقال عمر: يا رسول اللَّه، كسوتنيها. وقد قلت في حلة عطارد ما قلت. قال رسول اللَّه ﷺ : "إني لم أكسكها لتلبسها". فكساها عمر بن الخطاب أخا له بمكة مشركا. متفق عليه: رواه مالك عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. ومن طريقه رواه البخاري في الجمعة (٨٨٦)، ومسلم في اللباس (٢٠٦٨). • عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت علي أمي، وهي مشركة في عهد رسول اللَّه ﷺ : فاستفتيت رسول اللَّه ﷺ ، قلت: وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: "نعم صِلي أمك".

стр. 3669

متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦٢٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٠٣) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر فذكرته. ١٨ - باب استعارة الملابس للعروس عند البناء • عن أيمن الحبشي المكي قال: دخلت على عائشة وعليها درع قطر، ثمن خمسة دراهم. فقالت: ارفع بصرك إلى جاريتي، انظر إليها فإنها تزهي أن تلبسه في البيت، وقد كان لي منهن درع على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فما كانت امرأة تُقيَّنُ بالمدينة إلا أرسلت إلي تستعيره. صحيح: رواه البخاري في الهبة (٢٦٢٨) عن أبي نعيم، حدثنا عبد الواحد بن أيمن، حدثني أبي قال: دخلت على عائشة فذكره. "والبناء": هو الزفاف، وقيل له: "بناء"؛ لأنهم يبنون لمن يتزوج قبة يخلو بها مع المرأة. وقوله: "تزهى": إذا دخله الكبر. وقوله: "تقين" أي تزين، من قان الشيء إذا أصلحه. وفيه أن عارية الثياب للعروس أمر معمول به، مرغب فيه، وأنه لا يعد من الشنع. ١٩ - باب العمرى • عن جابر قال: قضى النبي ﷺ بالعمرى، أنها لمن وهبت له. متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦٢٥)، ومسلم في الهبات (١٦٢٥: ٢٥) كلاهما من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. • عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "العمرى جائزة". متفق عليه: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٥: ٣٠) من حديث شعبة، والبخاري (٢٢٢٦) من حديث همام، كلاهما عن قتادة، يحدث عن عطاء، عن جابر. فذكره. إلا أن صيغة البخاري توهم بأنه معلق. لأنه قال بعد أن ساق حديث أبي هريرة الآتي: عن حفص بن عمر، حدثنا همام، حدثنا قتادة قال: حدثني النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة فذكر الحديث. قال: وقال عطاء: حدثني جابر، عن النبي ﷺ نحوه. فقوله: (وقال عطاء) القائل هو قتادة، فيكون قوله هذا معطوفا على الإسناد السابق: عن حفص ابن عمر، حدثنا همام، حدثنا قتادة، ثم يتحول إلى عطاء، قال: حدثني جابر فذكره. ووهم من جعله معلقا، كما قال ابن حجر في "الفتح" (٥/ ٢٤٠).

стр. 3670

وقوله: "جائزة" أي صحيحة مستمرة لمن أعمر له، ولورثته من بعده. • عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاه، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث". صحيح: رواه مالك في الأقضية (٤٥) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر فذكره. ورواه مسلم في الهبات (١٦٢٥) من هذا الطريق. • عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيما رجل أعمر رجلا عمرى له ولعقبه، فقال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد، فإنها لمن أُعطِيها، وإنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث". صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٥: ٢٢) عن عبد الرحمن بن بشر العبدي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن شهاب عن العُمْرَى وسُنَّتِها، عن حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. • عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تعطوها أحدا، فمن أُعمر شيئًا فهو له". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٤١٢٦) عن عبد الرزاق، أنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. ورواه مسلم (١٦٢٥: ٢٧) من رواية وكيع، عن سفيان إلا أنه اقتصر على قوله: "أمسكوا عليكم أموالكم". وكذا اقتصر أيضًا عبد الرزاق (١٦٨٧٦) على قوله: "من أُعمر شيئًا فهو له". • عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أُعمر عُمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا ولعقبه". صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٥: ٢٦) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. وفي رواية: "جعل الأنصار يعمرون المهاجرين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أمسكوا عليكم أموالكم". • عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ قضى فيمن أُعمر عُمْرى له ولعقبه فهي له بَتْلة، لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا. صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٥: ٢٤) عن محمد بن رافع، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر فذكره. وقوله: "بتلة" أي عطية ماضية غير راجعة إلى الواهب. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: "من أعمر رجلا عمرى

стр. 3671

له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أُعمر ولعقبه". صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٥: ٢١) من طرق عن الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: أعمرت امرأة بالمدينة حائطا لها ابنا لها، ثم توفي، وتوفيت بعده، وتركت ولدا، وله إخوة بنون للمعمرة، فقال: ولد المعمرة رجع الحائط إلينا. وقال بنو المعمر: بل كان لأبينا حياته وموته. فاختصموا إلى طارق مولى عثمان، فدعا جابرا، فشهد على رسول ﷺ اللَّه بالعمري لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك، فأخبره ذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر. فأمضى ذلك طارق، فإن ذلك الحائط لبني المُعْمر حتى اليوم. صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٥: ٢٨) من طرق عن عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن جابر فذكره. • عن سليمان بن يسار أن طارقا قضى بالعمرى للوارث لقول جابر بن عبد اللَّه عن رسول اللَّه ﷺ . صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٥: ٢٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سليمان بن يسار فذكره. • عن جابر عن النبي ﷺ قال: "العمرى ميراث لأهلها". صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٥: ٣١) عن يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد (يعني ابن الحارث)، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عطاء، عن جابر فذكره. • عن جابر، أن النبي ﷺ قال: "لا ترقبوا، ولا تعمروا، فمن أرقب شيئًا أو أعمره فهو لورثته". صحيح: رواه أبو داود (٣٥٥٦)، والنسائي (٣٧٣١)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ١٧٥)، والصغرى (٢٢٠٨) كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر فذكره. وإسناده صحيح. حديث جابر بن عبد اللَّه روي من طرق مختلفة، وبألفاظ مختلفة، فإما أنه سمع النبي ﷺ عدة مرات، وكل مرة باللفظ الذي رواه، أو أن الرواة تصرفوا فيه، وروره بالمعنى؛ لأن معنى الحديث لا يختلف، وهو أن العمري لمن أعمر له، ولعقبه، ولا يرجع إلى الواهب أبدا. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "العمرى جائزة".

стр. 3672

متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦٢٦)، ومسلم في الهبات (١٦٢٦) كلاهما من حديث قتادة قال: حدثني النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة فذكره. قال البخاري: وقال عطاء: حدثني جابر، عن النبي ﷺ نحوه. قلت: وصله مسلم كما سبق. فقه الباب: العمرى جائزة، وهي أن يقول الرجل للآخر: أعمرتك هذه الدار، أو جعلتها لك عمرك فقبل، فهي كالهبة إذا قبضها، وإذا مات تُورث منه، سواء قال: هي لعقبك من بعدك أو لورثتك، أو لم يقل. وبه قال جمهور أهل العلم، منهم: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب ابن عمر، وزيد بن ثابت، وكثير من التابعين. وقال أبو عبيد في "غريب الحديث" (٢/ ٧٨): هذه الآثار أصل لكل من وهب هبة، واشترط فيها شرطا باطلا، كالرجل يهب للرجل جارية على أن لا تباع ولا توهب، أو على أن يتخذها سرية، أو على أنه إن أراد بيعها فالواهب أحق بها. قال: هذا وأشبهه من الشروط كلها باطلة". والقول الثاني في المسألة بعدها. ٢٠ - باب من قال: هي ترجع إلى الواهب إذا لم يقل: هي لك ولعقبك • عن جابر قال: إنما العمرى التي أجاز رسول اللَّه ﷺ أن يقول هي لك ولعقبك. فأما إذا قال: هي لك ما عشت. فإنها ترجع إلى صاحبها. قال معمر: وكان الزهري يفتي به. صحيح: رواه مسلم في الهبات (١٦٢٥: ٢٣) من طرق عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر فذكره. وبه كان يقول جابر. وكان الزهري يفتي به، وهو قول مالك. ويحكى عنه أنه قال: العمرى تمليك المنفعة دون الرقبة. قال أبو عبيد الهروي: "وكان مالك يقول: إذا أعمر الرجُل الرجل دارا، فقال: هي لك عمرك، فإنها على شرطها، فإذا مات الموهوب له رجعت إلى الواهب، إلا أن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك". غريب الحديث (٢/ ٧٩). ٢١ - باب ما جاء في الرقبى • عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول ﷺ : "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها".

стр. 3673

صحيح: رواه أبو داود (٣٥٥٨)، والترمذي (١٣٥١)، وابن ماجه (٢٣٨٣)، والنسائي (٣٧٣٩) كلهم من حديث داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد رواه بعضهم عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا، ولم يرفعه". وقال: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن الرقبى جائزة مثل العمرى، وهو قول أحمد وإسحاق". وبه قال أيضًا الشافعي، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الرقبى غير جائزة. وقالوا: إنها عارية لا تورث. والرقبى هي أن يجعلها الرجل على أن أيهما مات أولا كان للآخر منهما، فكل واحد منها يرقب موت صاحبه. • عن زيد بن ثابت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أعمر شيئًا فهو لمعمره محياه ومماته، ولا ترقبوا، فمن أرقب شيئًا فهو سبيله". حسن: رواه أبو داود (٣٥٥٩) عن عبد اللَّه بن محمد النفيلي قال: قرأت على معقل، عن عمرو ابن دينار، عن طاوس، عن حُجر، عن زيد بن ثابت قال فذكره. ومن هذا الوجه رواه أيضًا النسائي (٣٧١٨)، وابن ماجه (٢٣٨١)، وأحمد (٢١٥٨٦)، وصحّحه ابن حبان (٥١٣٣) ولكنهم اقتصروا على قوله: "جعل العمرى للوارث". وإسناده حسن. وحُجر هو ابن قيس الهمداني المدري لم يوثّقه غير العجلي فقال: تابعي ثقة، وكان من خيار التابعين. وذكره ابن حبان في الثقات، فهو لا ينزل عن حسن الحديث. • عن ابن عمر قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن الرقبى وقال: "من أرقب رقبى فهو له". صحيح: رواه النسائي (٣٧٣٤) -واللفظ له-، وأحمد (٤٨٠١) كلاهما من حديث وكيع، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت ابن عمر يقول فذكره. هكذا يقول حبيب بن أبي ثابت: "سمعت ابن عمر" في رواية النسائي، فانتفى من ادعى أنه لم يسمع من ابن عمر، وهو ما رواه النسائي (٣٧٣٢) نفسه، وابن ماجه (٢٣٨٢)، وأحمد (٤٩٠٦)، وابن الجارود (٩٩٠) كلهم من عبد الرزاق (١٦٩٢٠) قال: أنبأنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا عمرى، ولا رقبى، فمن أعمر شيئًا أو أرقبه فهي له حياته وموته". قال: "والرقبى أن يقول: هو للآخر مني ومنك موتا. والعمرى أن يجعله حياته بأن يعمر حياته. قلت لحبيب: فإن عطاء أخبرني عنك في الرقبى. قال: لم أسمع من ابن عمر في الرقبى شيئًا، ولم أسمع منه ولا هذا الحديث في العمرى، ولم أخبر عطاء في الرقبى شيئًا.

стр. 3674

قال عطاء: فإن أعطى سنة وسنتين يسميه، فتلك منحة يمنحها إياه، ليست بعمرى". واللفظ من مصنف عبد الرزاق، وأكثرهم رووه مختصرا، فوقع فيه تحريف. ثم رواه النسائي (٣٧٣٣) من وجه آخر عن عطاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر، ولم يسمعه منه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا عمرى، ولا رقبى، فمن أعمر شيئًا أو أرقبه فهو له حياته ومماته". قال عطاء: هو للآخر. انتهى. هكذا ينفى هنا سماع عن ابن عمر، والصحيح أنه سمع حديث النهي عن الرقبى كما سبق، ولعله لم يسمع حديث العمرى. وأما الدارقطني فرجح أنه موقوف، فقد سئل عن هذا الحديث، فقال: "يرويه عطاء بن أبي رباح، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر مرفوعا. ورواه يزيد بن زياد ابن أبي الجعد، عن حبيب، عن ابن عمر مرفوعا في الرقبى دون العمرى. وروي عن مسعر، عن حبيب في العمرى دون الرقبى مرفوعا أيضًا. وروي عن أيوب السختياني وعمرو بن دينار وكامل بن العلاء، عن حبيب موقوفا. والموقوف أشبه". العلل (١٢/ ٤٣١)

стр. 3675

٢١ - كتاب الفرائض ١ - باب ما روي في الحث على تعليم الفرائض روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا هريرة، تعلموا الفرائض، وعلموه فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي". رواه ابن ماجه (٢٧١٩) عن إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدثنا حفص بن عمر بن أبي العطاف قال: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: فذكره. وفيه حفص بن عمر بن أبي العطاف ضعفه جمهور أهل العلم. ومن طريقه رواه الدارقطني (٤/ ١٧)، والحاكم (٤/ ٣٣٢)، والبيهقي (٦/ ٢٠٩)، وسكت عليه الحاكم. وقال الذهبي: "حفص واه بمرة". وقال البيهقي: "تفرد به حفص بن عمر، وليس بالقوي". وفي التلخيص (٣/ ١٧٢): "مداره على حفص بن عمر بن أبي العطاف، وهو متروك". وكذلك لا يصح ما روي عن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تعلموا القرآن والفرائض، وعلموا الناس؛ فإني مقبوض". رواه الترمذي (٢٠٩١) عن عبد الأعلى بن واصل، حدثنا محمد بن القاسم الأسدي، حدثنا الفضل بن دلهم، حدثنا عوف، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث فيه اضطراب، وروى أبو أسامة هذا الحديث عن عوف، عن رجل، عن سليمان بن جابر، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ . حدثنا بذلك الحسين بن حريث، أخبرنا أبو أسامة، عن عوف بهذا بمعناه. ومحمد بن القاسم الأسدي قد ضعفه أحمد بن حنبل وغيره. انتهى. وكذلك لا يصح ما روي عن عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ قال: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة". رواه أبو داود (٢٨٨٥)، وابن ماجه (٥٤) كلاهما من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره. وعبد الرحمن بن رافع التنوخي المصري قاضي إفريقيا. قال البخاري: "في حديثه مناكير". وقال أبو حاتم: "شيخ مغربي حديثه منكر". وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: "لا يحتج

стр. 3676

بخبره إذا كان من رواية ابن أنعم، وإنما وقع المناكير في حديثه من أجله". قلت: وهو هنا من رواية ابن أنعم عنه. ومن طريقه أخرجه أيضًا الدارقطني (٤/ ٩٧ - ٩٨). وفي الباب أيضًا عن عبد اللَّه بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأبي بكرة، وفي الجميع مقال، وكذا أعله أيضًا في التلخيص (٣/ ٧٩)، إلا أن مجموع هذه الأحاديث يدل على أن له أصلا. واللَّه أعلم. وقد تناوله الفقهاء في كتبهم في الحث على تعليم الفرائض. ٢ - باب ما جاء في نزول آية الميراث قال اللَّه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [سورة النساء: ١١ - ١٢]. • عن جابر بن عبد اللَّه يقول: مرضت فعادني رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وهما ماشيان، فأتاني، وقد أغمي علي، فتوضأ رسول اللَّه ﷺ ، فصب علي وَضوءه. فأُفِقت، فقلت: يا رسول اللَّه، كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث. متفق عليه: رواه البخاري في الفرائض (٦٧٢٣)، ومسلم في الفرائض (١٦١٦) كلاهما من حديث سفيان، عن محمد بن المنكدر سمع جابر بن عبد اللَّه فذكره. ٣ - باب ما جاء في الكلالة • عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة، فذكر نبي اللَّه ﷺ ، وذكر أبا بكر، قال: إني رأيت كأن ديكانقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن أقواما يأمرونني أن أستخلف، وإن اللَّه لم يكن ليضيع دينه، ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه ﷺ ، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين

стр. 3677

هؤلاء الستة الذين توفي رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راض، وإني قد علمت أن أقواما يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء اللَّه، الكَفَرة الضُلَّال، ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول اللَّه ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري، فقال: "يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء". وإني إن أعش أقْضِ فيها بقضية، يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. ثم قال: اللَّهمّ! إني أشهدك على أمراء الأمصار، وإني إنما بعثتهم عليهم؛ ليعدلوا عليهم، وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم ﷺ ، ويقسموا فيهم فيئَهُم، ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم، ثم إنكم أيها الناس، تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به، فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليُمِتهما طبخا. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٦٧) عن محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة فذكره. وكذا رواه أيضًا في الفرائض (١٦١٧) من هذا الطريق مختصرا. وقوله: "آية الصيف": معناه الآية التي نزلت في الصيف. قال الواحدي: "أنزل اللَّه في الكلالة آيتين. إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول النساء، والأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها". انظر "الإتقان" (١/ ١٤٩). • عن عمر بن الخطاب أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن الكلالة؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "يكفيك من ذلك الآية التي أنزلت في الصيف، آخر سورة النساء". صحيح: رواه مالك في الفرائض (٧) عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب سأل فذكره. • عن البراء قال: أخر سورة نزلت: (براءة). وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٠٥)، ومسلم في الفرائض (١٦١٨) كلاهما من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت البراء فذكره. • عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، يستفتونك في الكلالة فما الكلالة قال: "تجزيك آية الصيف". حسن: رواه أبو داود (٢٨٨٩)، والترمذي (٣٠٤٢)، وأحمد (١٨٥٨٩) كلهم من حديث أبي

стр. 3678

بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء فذكره. وأبو بكر بن عياش مختلف في سماعه من أبي إسحاق السبيعي. ولكن تابعه حجاج بن أرطأة، عن أبي إسحاق. ومن طريقه رواه أحمد (١٨٦٠٧)، وأبو يعلى (١٦٥٦)، والطحاوي في مشكله (٥٢٢٦). وحجاج بن أرطاة فيه كلام معروف، ولكن متابعته لأبي بكر يقويه. وزاد أبو داود: فقلت لأبي إسحاق: هو من مات ولم يدع ولدا ولا والدا، قال: كذلك ظنوا أنه كذلك. وهذا يؤكد سماعه من أبي إسحاق. • عن جابر قال: اشتكيت وعندي سبع أخوات، فدخل علي رسول اللَّه ﷺ ، فنفخ في وجهي، فأفقت، فقلت: يا رسول اللَّه، ألا أوصي لأخواتي بالثلث؟ قال: "أحسن". قلت: الشطر؟ قال: "أحسن". ثم خرج، وتركني. فقال: "يا جابر، لا أُراك ميتا من وجعك هذا، وإن اللَّه قد أنزل، فبين لأخواتك، فجعل لهن الثلثين". قال: فكان جابر يقول: أنزلت هذه الآية في: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة النساء: ١٧٦]. صحيح: رواه أبو داود (٢٧٨٧) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا هشام -يعنى الدستوائي-، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. وإسناده صحيح. واختلف الصحابة في الكلالة من هو؟ فقال أكثر الصحابة: من لا ولد، ولا والد. وروي عن عمر بن الخطاب مثله، كما روي عنه قوله: الكلالة من لا ولد له. ويقال: إن هذا آخر قوليه. فقد روى عبد الرزاق (١٩٢٨٧) عن ابن جريج قال: أخبرني ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب أوصى عند موته، فقال: الكلالة كما قلت. قال ابن عباس: وما قلت؟ قال: من لا ولد له. انتهى. وهذا الذي تدل عليه الآية في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة النساء: ١٧٦]. وأما الذين ذهبوا إلى أن الكلالة هو من لا ولد له ولا والد فمستدلهم حديث البراء قال: سألت

стр. 3679

رسول اللَّه ﷺ ، أو سئل عن الكلالة، فقال: "ما خلا الولد والوالد". رواه أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل بإسناد رواته ثقات، كما قاله الضياء المقدسي في السنن والأحكام (٥/ ٣٣). وكان من مستدلهم أيضًا نزول الآية الكريمة في جابر بن عبد اللَّه الذي يوم نزول الآية لا ولد له ولا والد، لأن والده قتل يوم أحد، ونزلت الآية بعده. فكان ذلك من باب زيادة السنة على الكتاب. وأما ما روي عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، ما الكلالة؟ قال: "أما سمعت الآية التي نزلت في الصيف: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [سورة النساء: ١٧٦]. والكلالة من لم يترك ولدا، ولا والدا". فهو ضعيف. رواه الحاكم (٤/ ٣٣٦) عن أبي النضر الفقيه، ثنا أحمد بن نجدة، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا يحيى ابن آدم، ثنا عمار بن زريق، عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم". وتعقبه الذهبي فقال: "الحماني ضعيف". قلت: وهو كما قال؛ فإن الحماني هذا كان يكذب، كما قال الإمام أحمد. وضَعَّفَه النسائي وغيره، إلا أن يحيى بن معين كان حسن الرأي فيه، فقال: "ثقة". وقد سئل عنه، وقيل له: يقولون فيه. فقال: "يحسدونه هو واللَّه الذي لا إله إلَّا هو ثقة". وقال ابن عدي: "ولم أر في مسنده أحاديث مناكير، وأرجو أنه لا بأس به". إلا أن أكثر أهل العلم ذهبوا إلى تضعيفه، وهو الصواب. ٤ - باب في ميراث العصبة • عن عبد اللَّه بن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". متفق عليه: رواه البخاري في الفرائض (٦٧٣٢)، ومسلم في الفرائض (١٦١٥) كلاهما من حديث وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عباس فذكره. قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها" أي أعطوا ذوي السهام سهامهم. وقوله: "لأولى رجل" أي لأقرب رجل. أراد قرب النسب. واعلم أن أسباب الميراث ثلاثة: نسب، ونكاح، وولاء، فالمراد بالنسب أن القرابة يرث بعضهم بعضا، وبالنكاح أن أحد الزوجين يرث الآخر، وبالولاء أن المعتق وعصباته يرثون من المعتق. • عن عبد اللَّه بن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أقسموا المال بين أهل

стр. 3680

الفرائض على كتاب اللَّه، فما تركت الفرائضُ فلأَولى رجلٍ ذكر". صحيح: رواه مسلم في الفرائض (١٦١٥: ٤) من طرق عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. ٥ - باب ما جاء أن الأموال للورثة، والعقل على العصبة • عن أبي هريرة أنه قال: قضى رسول اللَّه ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول اللَّه ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها. متفق عليه: رواه البخاري في الفرائض (٦٧٤٠)، ومسلم في القسامة (١٦٨١: ٣٥) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. ورواه مالك مختصرا موصولا ومرسلا. أما الموصول فرواه عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة في كتاب العقول (١٢) ومن طريقه رواه البخاري في الطب (٥٧٥٩)، ومسلم في القسامة (١٦٨١). وأما المرسل فرواه عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ قضى في الجنين فذكره. وروي أيضًا عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قضى لحمل بن مالك الهذلي اللِّحياني بميراثه من امرأته التي قتلتها امرأته الأخرى. وإسناده ضعيف. رواه ابن ماجه (٢٦٤٣)، وفيه إسحاق بن يحيى بن الوليد (وهو ابن عبادة بن الصامت)، أرسل عن عبادة، وهو مجهول الحال، كما في "التقريب". ٦ - باب من ترك مالا فهو لورثته • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: "هل ترك لدينه من قضاء؟ ". فإن حدث أنه ترك وفاء صلي عليه، وإلا قال: "صلوا على صاحبكم. فلما فتح اللَّه عليه الفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته". متفق عليه: رواه البخاري في الكفالة (٢٢٩٨)، ومسلم في الفرائض (١٦١٩) كلاهما من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا فإلينا". وفي رواية: "ومن ترك كلا وليتُه". متفق عليه: رواه البخاري في الاستقراض (٢٣٩٨)، ومسلم في الفرائض (١٦١٩: ١٧)
следующие страницы →