← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

٢٢ - باب ما جاء في الجدة والجد • عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب اللَّه تعالى شيء، وما علمت لك في سنة نبي اللَّه ﷺ شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول اللَّه ﷺ أعطاها السدس. فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر. ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب اللَّه تعالى شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيكما خلت به فهو لها. حسن: رواه مالك في الفرائض (٤) عن ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب فذكره. ومن هذا الطريق رواه أيضًا أبو داود (٢٨٩٤)، والترمذي (٢١٠١)، وابن ماجه (٢٧٢٤)، والبيهقي (٦/ ٢٣٤). وإسناده منقطع؛ فإن قبيصة بن ذؤيب لم يسمع من الصديق؛ لأنه ولد عام الفتح على الراجح، ولكن يجوز أن يكون سمعه بعد ذلك من محمد بن مسلمة، ولذا ذكره المزي في "التحفة" (٨/ ٣٦١) في ترجمة قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن محمد بن مسلمة، ونقل عن الترمذي: أنه قال: "حسن صحيح، وهو أصح -يعني حديث مالك- من حديث ابن عيينة". وأما في بعض النسخ المطبوعة للترمذي فليس فيه قوله: "حسن صحيح". ثم هو حسن فقط؛ لأن عثمان بن إسحاق بن خرشة ليس بمشهور في الحديث، غير أنه حسن الحديث. وقد حسنه أيضًا البغوي (٨/ ٣٤٦)، وصحّحه ابن حبان (٦٠٣١)، وابن الملقن في "البدر المنير" (٧/ ٢٠٧). وقال ابن حجر في "التلخيص" (٣/ ٨٢): "إسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسل؛ فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق، ولا يمكن شهوده للقصة. قاله ابن عبد البر بمعناه". قلت: وهو كما قال إلا أنه لا يعد أن يكون قد سمع بعد ذلك من محمد بن مسلمة. ولذا صحّحه الترمذي وحسنه، وهو لا يصحح المنقطع، وإخراج مالك يشعر بصحته أيضًا، وكذا تصحيح ابن حبان له، وقد أجمع أهل العلم -كما قال ابن المنذر- على أن للجدة السدس إذا لم تكن أم، وهذا عاضد له أيضًا. أو أن قبيصة بن ذؤيب ولد في أول الهجرة، كما قال بعض أهل العلم، فإن صح هذا فلا

стр. 3712

إشكال في صحته. وأما اختلافه على الزهري فليس بعلة قادحة، فإن الصحيح لا يُعل بالضعيف. فقد رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن قبيصة، ومن هذا الطريق رواه الحاكم (٤/ ٣٣٨)، وقال: صحيح على شرط الشيخين. وكذلك رواه جماعات عن الزهري، عن قبيصة، ولم يذكروا أحدًا بينهما، وفيه انقطاع؛ فإن الزهري لم يسمع من قبيصة. ولذا رجح الترمذي رواية مالك على رواية سفيان بن عيينة، وكذا الدارقطني في "علله" (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، فإنه ذكر جماعة رووه عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، ولم يذكروا بينهما أحدا. فقال: ويشبه أن يكون الصواب ما قاله مالك وأبو أويس، وأن الزهري لم يسمعه من قبيصة، وإنما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه. • عن بريدة بن الحصيب أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس إذا لم تكن دونها أم. حسن: رواه أبو داود (٢٨٩٥)، والنسائي في الكبرى (٦٣٣٨) كلاهما من حديث عبيد اللَّه بن عبد اللَّه أبي المنيب العتكي، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكره. وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه العتكي مختلف فيه، فقال البخاري: "عنده مناكير". وقال العقيلي: "لا يتابع عليه". ولكن قال أبو حاتم: "صالح". وأنكر على البخاري إدخاله في كتاب "الضعفاء"، وقال: "يحول". ووثّقه ابن معين والنسائي، وأورده ابن عدي في الكامل، وقال: "هو عندي لا بأس به". وذكر ابن السكن هذا الحديث في "صحاحه" كما في التلخيص (٣/ ٨٣). والخلاصة فيه أنه حسن الحديث إذا لم يكن في حديثه نكارة أو مخالفة، وقد يشهد له ما سبق. • عن معقل بن يسار المزني قال: سمعت النبي ﷺ أتي بفريضة فيها جد، فأعطاه ثلثا أو سدسا. حسن: رواه ابن ماجه (٢٧٢٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معقل بن يسار المزني فذكره. وإسناده حسن من أجل يونس بن أبي إسحاق؛ فإنه حسن الحديث، إلا أنه اختلف عليه: فرواه عنه شبابة هكذا، وهو عند ابن أبي شيبة (١١/ ٢٩١). ورواه أيضًا عن عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن أن عمر قال: من يعلم قضية رسول اللَّه ﷺ في الجد؟ فقال معقل بن يسار المزني: فينا قضى به رسول اللَّه ﷺ ، قال: ما ذاك؟ قال: السدس. بدون شك. قال: مع من؟ قال لا أدري، قال: لا دريت، فما تغني إذا. ومن هذا الطريق رواه أيضًا أحمد (٢٠٣١٠)، وكذا رواه أبو داود (٢٨٩٧) عن خالد، عن يونس.

стр. 3713

والحسن لم يسمع من عمر بن الخطاب. ولكن رواه ابن ماجه (٢٧٢٣)، والبيهقي (٦/ ٢٤٤) كلاهما عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن معقل بن يسار أن رسول اللَّه ﷺ قضى في الجد بالسدس. هكذا عند ابن ماجه. وعند البيهقي: أن عمر سأل الناس: من علم من رسول اللَّه ﷺ في الجد شيئًا؟ فقال معقل: أعطاه السدس. قال: مع من؟ ويلك! قال: لا أدري. قال: لا دريت. واختلف في سماع الحسن، عن معقل بن يسار فنفاه أبو حاتم. وقال أبو زرعة: الحسن عن معقل بن يسار أشبه، والحسن عن معقل بن سنان بعيد جدا. وقال ابن معين: وقد ذكروا سماع الحسن من معقل بن يسار، وليس هو بمستفيض. قلت: وفي صحيح البخاري (٤٥٢٩) قال الحسن: حدثني معقل بن يسار قال فذكره. والخلاصة أن حديث معقل بن يسار صحيح الإسناد بمجموع الطريقين. وأما ما روي عن عمران بن حصين أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه؟ فقال: "لك السدس". فلما أدبر دعاه، فقال: "لك سدس آخر". فلما أدبر دعاه، فقال: "إن السدس الآخر طعمة". قال قتادة: "فلا يدرون مع أي شيء ورثه". قال قتادة: "أقل شيء وُرِّث الجد السدس". فهو ضعيف. رواه أبو داود (٢٨٩١)، والترمذي (٢٠٩٩)، وأحمد (١٩٨٤٨)، والدارقطني (٤/ ٨٤)، والبيهقي (٦/ ٢٤٤) كلهم من حديث همام بن يحيى، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح". قلت: بل هو ضعيف؛ لأن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين شيئًا، كما قال علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وبهز بن أسد، وغيرهم. وكذلك لا يصح ما روي عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ ورَّث جدة سدسًا. رواه ابن ماجه (٢٧٢٥) عن عبد الرحمن بن عبد الوهاب قال: حدثنا سَلْم بن قتيبة، عن شريك، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره. وفيه شريك القاضي وشيخه ليث كلاهما سيء الحفظ، إلا أن الثاني اختلط جدا، فلم يتميز حديثه. وكذلك لم يصح ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود في الجدة مع ابنها: إنها أول جدة أطعمها رسول اللَّه ﷺ سدسا مع ابنها، وابنها حي. رواه الترمذي (٢١٠٢) عن الحسن بن عرفة، حدثنا يزيد بن هارون، عن محمد بن سالم، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكره. ومحمد بن سالم هو الهمداني الكوفي ضعيف باتفاق أهل العلم.

стр. 3714

ومن طريقه رواه البزار في مسنده (٥/ ٣٢٥)، والبيهقي (٦/ ٢٢٦). قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقد وَرَّث بعض أصحاب النبي ﷺ الجدة مع ابنها، ولم يورثها بعضهم". وقال البزار: "هذا الحديث لا نعلم أحدا رواه إلا محمد بن سالم، ولم يتابع عليه، ومحمد بن سالم هذا لين الحديث". وقال البيهقي: "محمد بن سالم يتفرد به هكذا، وروي عن يونس، عن ابن سيرين قال: أنبئت وأشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن عبد اللَّه. وعن أشعث بن عبد الملك، عن الحسن وابن سيرين، عن النبي ﷺ ، وحديث يونس وأشعث منقطع، ومحمد بن سالم غير محتج به، وإنما الرواية الصحيحة فيه عن عمر، وعبد اللَّه، وعمران بن حصين. ثم أسند من كل هؤلاء الثلاثة أنهم وَرَّثوا الجدة مع ابنها". انتهى. وقال في معرفة السنن والآثار (٩/ ١١٥): "تفرد به هكذا محمد بن سالم، وهو غير محتج به". ورواية أشعث رواها الدارمي (٢٩٧٤) عن يزيد بن هارون، عنه، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود قال: إن أول جدة أُطْعِمَت في الإسلام سهما أم أب، وابنها حي. وأشعث هو ابن سوار الكندي ضعيف باتفاق أهل العلم. وابن سيرين لم يدرك ابن مسعود. والصواب في حديث عبد اللَّه بن مسعود أنه موقوف عليه، رواه البيهقي من حديث سفيان، عن ابن أبي خالد، عن أبي عمرو، عن عبد اللَّه بن مسعود أنه ورَّث جدة مع ابنها. وإسناده صحيح. وقد روي عنه أيضًا: "الجدات ليس لهن ميراث، إنما هي طعمة أُطْعِمْنَها، فأقربهن وأبعدهن سواء". رواه الدارمي (٢٩٨٥) عن يزيد بن هارون، أنبأنا الأشعث، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود فذكره. ومن طريق الأشعث -وهو ابن سوار- رواه أيضًا البيهقي (٦/ ٢٢٦). والأشعث ضعيف، كما أن فيه انقطاعا. وفي الباب أيضًا ما رواه أبو يعلى (١٠٩٥)، والبزار -كشف الأستار (١٣٨٧) - كلاهما من حديث قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عياض، عن أبي سعيد الخدري قال: "كنا نورثه على عهد رسول اللَّه ﷺ ". يعني الجد. قال البزار: "لا نعلمه بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه عن أبي سعيد، وأحسب أن قبيصة أخطأ في لفظه، وإنما كان عندي: "كنا نؤديه". يعني: زكاة الفطر. ولم يتابع قبيصة على هذا غيره". وكذا أعله مسلم في "كتاب التمييز" (ص ١٨٩ - ١٩٠). وأما الهيثمي فقال في المجمع (٤/ ٢٢٧): رواه أبو يعلى والبزار، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وفي الباب أيضًا ما روي عن عبادة بن الصامت: "إن من قضاء رسول اللَّه ﷺ للجدتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء" في حديث طويل.

стр. 3715

رواه عبد اللَّه في مسند أبيه (٢٢٧٧٨) قال: حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن عبادة فذكر الحديث. وإسحاق بن يحيى بن عبادة بن الصامت قال فيه ابن عدي: "عامة أحاديثه غير محفوظة، وله حديث طويل في قضايا رسول اللَّه ﷺ ". وفي تهذيب الكمال: "روى عن عبادة بن الصامت، ولم يدركهـ. وروى عنه موسى بن عقبة، ولا يروي عنه غيره". وخلاصته في التقريب: "أرسل عن عبادة، وهو مجهول الحال". وأما حديثه في قضايا رسول اللَّه ﷺ فهو ما ذكره أحمد (٢٢٧٧٨) بالإسناد المذكور. وكان ابن عباس يرى أن الجد أب، ويتلو قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]. وعن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن ابن عباس كان يجعل الجد أبا. وأما الذين ذهبوا إلى أن الجدة لا ترث مع ابنها من الصحابة فهم عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ﵃ جميعا. ٢٣ - باب ميراث الإخوة من أعيان بني الأم روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. وإن رسول اللَّه ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. رواه الترمذي (٢٠٩٤، ٢٠٩٥)، وابن ماجه (٢٧١٥، ٢٧٣٩)، وأحمد (٥٩٥)، وابن الجارود (٩٥٠)، والدارقطني (٤/ ٨٦ - ٨٧)، والحاكم (٤/ ٣٣٦)، والبيهقي (٦/ ٢٦٧) كلهم من طرق عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب فذكره. والحارث هو الأعور ضعيف باتفاق أهل العلم. قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث". وقال الحاكم: "هذا حديث رواه الناس عن أبي إسحاق، عن الحارث بن عبد اللَّه على الطريق، ولذلك لم يخرجه الشيخان، وقد صحت الفتوى عن زيد بن ثابت". قلت: إسناد هذا الحديث ضعيف من أجل الحارث الأعور. قال البيهقي: قال الشافعي: لا يثبت أهل الحديث مثله. ثم رواه عن سفيان، عن أبي إسحاق به مثله. قال البيهقي: "امتناع أهل الحديث عن إثبات هذا التفرد الحارث الأعور بروايته عن علي،

стр. 3716

والحارث لا يحتج بخبره لطعن الحفاظ فيه". قلت: وإسناد هذا الحديث وإن كان ضعيفا، فقد اتفق أهل العلم على صحة معناه، فلعل الحارث حفظ هذا الحديث من علي بن أبي طالب؛ لأنه كان عارفا بالفرائض معتنيا بها وبالحساب، كما قال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة. ولذا قال الترمذي: "والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم". قلت: وذلك في الأمرين في تقديم الدين على الوصية، وتوريث أعيان بني الأم، وهم الإخوة الأب واحد وأم واحدة، دون بني العلات، وهم الذين أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفة إذا اجتمعوا. ٢٤ - باب توريث المولود إذا استهل • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا استهلّ المولودُ وُرِّث". حسن: رواه أبو داود (٢٩٢٠) ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٥٧) عن حسين بن معاذ، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا محمد -يعني ابن إسحاق-، عن يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط، عن أبي هريرة فذكره. جوّد إسناده ابن عبد الهادي في التنقيح (٤/ ٢٧٧). ورواه أيضًا ابن خزيمة -كما قال البيهقي- عن الفضل بن يعقوب الجزري، عن عبد الأعلى بهذا الإسناد مثله. وزاد موصولا بالحديث: "تلك طعنة الشيطان، كل بني آدم نائل منه تلك الطعنة إلا ما كان من مريم وابنها، فإنها لما وضعتها أمها قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سورة آل عمران: ٣٦] فضرب دونها بحجاب، فطعن فيه - يعني في الحجاب". وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق؛ فإنه مدلس، وقد عنعن، ولم أقف على تصريح منه، ولكن لحديث أبي هريرة طرق أخرى تقويه، وإن كانت هذه الطرق لا تصح بانفرادها. ومما يقوي هذا الحديث أنه روي مرسلا من وجه آخر. رواه البيهقي من طريق موسى بن داود، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: "من السنة أن لا يرث المنفوس، ولا يُوَرِّث حتى يستهل صارخا". قال: كذا وجدته، ورواه يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يرث الصبي إذا لم يستهل، والاستهلال الصياح، أو العطاس، أو البكاء، ولا يكمل ديته". وقال سعيد: "لا يصلى عليه". ورواه السِلَفي في الطيوريات موصولا (٢٤٢) من حديث عبد اللَّه بن شبيب، حدثني إسحاق بن محمد، حدثني علي بن أبي علي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا استهلَّ الصبي صارخًا سُمِّيَ، وصُلِّيَ عليه، وتَمَّتْ ديته ووُرِّث، وإن لم يستهلَّ صارخًا، وولد حيًا لم يُسَمَّ، ولم تتمَّ ديته، ولم يصلَّ عليه، ولم يُوَرَّث".

стр. 3717

إلا أن فيه علي بن أبي علي ضعيف باتفاق أهل العلم، وقد روى أحاديث موضوعة عن محمد ابن المنكدر، كما أن فيه عبد اللَّه بن شبيب ضعيف أيضًا كما في التلخيص (٤/ ١٤٧). • عن المسور بن مخرمة وجابر بن عبد اللَّه قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يرث الصبي حتى يستهل صارخا، واستهلاله أن يصيح، أو يبكي، أو يعطس". حسن: رواه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٠ - ٢١)، والأوسط (٤٥٩٦) -كما في "مجمع البحرين" (٤/ ١٣٤) - عن عبدان بن أحمد، ثنا العباس بن الوليد الخلال الدمشقي، ثنا مروان بن محمد الطاطري، ثنا سلمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن المسور بن مخرمة وجابر بن عبد اللَّه فذكراه. وإسناده حسن من أجل العباس بن الوليد وشيخه مروان بن محمد الطاطري، فهما حسنا الحديث. وأما قول الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٢٥): "فيه عباس بن الوليد الخلال وثّقه أبو مسهر ومروان بن محمد. وقال أبو داود: لا أحدث عنه، وبقية رجاله رجال الصحيح". ففي نقله عن أبي داود، عن مروان بن محمد: "لا أحدث عنه" فيه نظر. فإن هذا القول لم يذكره المزي في " تهذيب الكمال" ولا ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، بل فيه: قال أبو حاتم وصالح بن محمد: "ثقة". وقال أبو زرعة الدمشقي: "قال لي أحمد: عندكم ثلاثة أصحاب حديث: مروان بن محمد الطاطري، والوليد بن مسلم، وأبو مسهر". وقال الدوري عن ابن معين: "لا بأس به، وكان مرجئا". وقال الدارقطني: "ثقة". فمع توثيق هؤلاء الأئمة بعد أن يكون أبو داود قال فيه: لا أحدث عنه، فلعله التبس الأمر على الهيثمي، ولو فرضنا أن أبا داود قال فيه ما قال فقول الأئمة يقدم على قوله، فأقل أحواله حسن الحديث. ثم وجدت هذا الحديث في سنن ابن ماجه (٢٧٥١) بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن العباس ابن الوليد الدمشقي قال: حدثنا مروان بن محمد قال: حدثنا سليمان بن بلال قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد اللَّه والمسور بن مخرمة فذكرا الحديث مثله. وأنا أستبعد أن يكون ابن ماجه روى هذا الحديث، وإن كان وجد في بعض النسخ الخطية، إلا أني لم أتمكن من تقييم هذه المخطوطة، والدليل على ذلك أن المزي لم يذكر هذا الحديث في "تحفة الأشراف"، ولا استدركهـ ابن حجر في "النكت الظراف"، ولا الحافظ أبو زرعة العراقي في "الإطراف بأوهام الأطراف"، كما لم يذكره البوصيري في زوائد ابن ماجه، ولا الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في تحقيقه لسنن ابن ماجه، فمن المستبعد أن يفوت هؤلاء جميعا هذا الحديث من نسخهم التي اعتمدوا عليها، وأبعد من هذا أن يكون هذا الحديث من زيادات أبي الحسن بن القطان؛ لأنه ولد عام ٢٥٤ هـ، وتوفي العباس بن الوليد الدمشقي عام ٢٤٨ هـ أي قبل ولادته بست

стр. 3718

سنوات تقريبا، وهو من شيوخ ابن ماجه. فكل هذه الأمور تدعو إلى التأمل في نسبة هذا الحديث إلى ابن ماجه، أو إلى زيادات أبي الحسن القطان، وقد أفرد الدكتور مسفر زيادات أبي الحسن في جزء، ولم يذكر فيه هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ولجابر حديث آخر، وهو معلول ذكر في كتاب الجنائز. والحديث يدل على أن المولود لا يرث حتى يستهل صارخا. وإليه ذهب مالك وأحمد، وبه قال محمد بن سيرين، والشعبي، والزهري، وقتادة، وغيرهم. وقال أبو حنيفة، والشافعي: إذا تنفس وتحرك يُوَرَّث ولو لم يكون فيه الاستهلال، وهو رفع الصوت؛ لأن وجود الحركة أو التنفس أمارة الحياة. ٢٥ - باب فيمن أسلم على ميراث • عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "كل قَسْم قُسِم في الجاهلية فهو على ما قُسم، وكل قَسم أدركه الإسلام فهو على قَسْم الإسلام". حسن: رواه أبو داود (٢٩١٤)، وابن ماجه (٢٤٨٥) كلاهما من حديث موسى بن داود قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن مسلم الطائفي؛ فإنه حسن الحديث، وهو من رجال مسلم. ومن هذا الطريق رواه أيضًا الطحاوي في مشكله (٣٢٢١)، والبيهقي (٩/ ١٢٢). ورواه مالك في الأقضية (٣٧) بلاغا عن ثور بن زيد الديلي أنه قال: بلغني أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيما دار أو أرض قُسمت في الجاهلية، فهي على قَسم الجاهلية، وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام". ووصله البيهقي (٩/ ١٢٢) بذكر عكرمة، عن ابن عباس، فقال: أخبرنا أبو عبد اللَّه، حدثني محمد ابن المظفر الحافظ، ثنا أبو بكر بن أبي داود، ثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن مالك، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ فذكر الحديث. وأما ما روي عن عبد اللَّه بن عمر مرفوعا مثله فهو ضعيف. رواه ابن ماجه (٢٧٤٩) عن محمد ابن رمح قال: أنبأنا عبد اللَّه بن لهيعة، عن عقيل أنه سمع نافعا يخبر عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. وعبد اللَّه بن لهيعة فيه كلام معروف، وعقيل هو ابن خالد الأيلي، وهو من رجال الجماعة. ٢٦ - باب ميراث السائبة • عن عبد اللَّه قال: إن أهل الإسلام لا يُسيّبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يُسِيبون. رواه البخاري في الفرائض (٦٧٥٣) عن قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل، عن عبد اللَّه فذكره موقوفا.

стр. 3719

وقوله: "السائبة" هو: أن يقول السيد لعبده: لا ولاء لأحد عليك، أو أنت سائبة. يريد بذلك عنقه، وأن لا ولاء لأحد عليه. وقد يقول له: أعتقتك سائبة، أو أنت حر سائبة. وحديث عبد اللَّه بن مسعود هو طرف من حديث أخرجه الإسماعيلي بتمامه من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان بسنده إلى هزيل قال: جاء رجل إلى عبد اللَّه، فقال: إني أعتقت عبدا لي سائبة، فمات، فترك مالا، ولم يدع وارثا. فقال عبد اللَّه: فذكر حديث الباب، وزاد: وأنت ولي نعمته، فلك ميراثه، فإن تأثمت، أو تحرجت في شيء فنحن نقبله، ونجعله في بيت المال. انتهى كما في الفتح (١٢/ ٤١). وكذلك رواه أيضًا عبد الرزاق (١٦٢٢٣) عن الثوري بإسناده نحوه، وأخرج عبد الرزاق (١٦٢٢٢) عن معمر، عن قتادة أن ابن مسعود أتاه رجل فقال: مولى لي توفي أعتقته سائبة، وترك مالا، قال: أنت أحق بماله، قال: إنما أعتقته للَّه، قال: أنت أحق بماله، فإن تدعه فأرِنه هاهنا ورثة كثير - يعني بيت المال. وأخرج أيضًا عبد الرزاق (١٦٢٣٢) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين أن سالما مولى أبي حذيفة أعتقته امرأة من الأنصار، فلما قتل يوم اليمامة دفع ميراثه إلى الأنصارية التي أعتقته أو إلى ابنها. عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد اللَّه بن وديعة بن خِدام بن خالد أخي بني عمرو بن عوف قال: كان سالم مولى أبي حذيفة مولى لامرأة منا يقال لها سلمى بنت يعار أعتقته سائبة في الجاهلية، فلما أصيب باليمامة أتى عمر بن الخطاب بميراثه، فدعا وديعة بن خدام، فقال: هذا ميراث مولاكم، وأنتم أحق به. فقال: يا أمير المؤمنين، قد أغنانا اللَّه عنه، قد أعتقته صاحبتنا سائبة، فلا نريد أن نندا من أمره شيئًا، أو قال: نرزأ. فجعله عمر في بيت المال. رواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة"، ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٣٠٠): ثنا محمد بن منصور، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، أنبأ أبي، عن ابن إسحاق فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق؛ فإنه مدلس إلا أنه صرّح بالتحديث. وفي الباب آثار أخرى ذكرها عبد الرزاق والبيهقي وغيرهما. وأما أقوال العلماء في السائبة: فمنها قول الشافعي: العتق ماض، وولاءه لمعتقه، وإن تحرج من الأخذ به فيجعل في بيت المال. ومنها: أن ميراث السائبة للمسلمين يرثونه، ويعقلون عنه. وبه قال مالك. ومنها: أنه لا بأس بيع ولاء السائبة وهبته. وبه قال الكوفيون، وبه قال إبراهيم والشعبي. وما ذهب إليه الشافعي هو الظاهر من النصوص، ومن قول النبي ﷺ : "الولاء لمن أعتق". وهو الذي يذهب إليه البخاري؛ فإنه بعد أثر ابن مسعود، أورد حديث عائشة، وقال لها: "أعتقيها فإن

стр. 3720

الولاء لمن أعتق". ٢٧ - باب جر الولاء عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن أباه يعقوب تزوج أم عبد الرحمن، فولدته، وكان يعقوب مكاتبا لأوس بن الحدثان، وكانت أم عبد الرحمن مولاة الرجل من الحرقة، فاختصما إلى عثمان في ولايته، فقضى عثمان أن ما ولدت أم عبد الرحمن ويعقوب مكاتب فهو للحرقي، وما ولدت بعد عتقه فهو لأوس. رواه البغوي في شرح السنة (٢٢٢٤) من حديث أحمد بن علي الكشميهني، نا علي بن حُجر، نا إسماعيل بن جعفر، نا العلاء بن عبد الرحمن فذكره. ورواه الدارمي (٣٢١٧) من وجه آخر عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن به، واختصر قوله: "للحرقي" ولم يذكر: "وما ولدت بعد عتقه فهو لأوس". ورواه البيهقي (١٠/ ٣١٥) من وجه آخر عن أبي النضر، عن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة -بطن من بطون جهينة- قال: "أنكح سيد جدتي عبدا له، ثم أعتقها عن دبر، وقد ولدت أولادا بعد عتقها عن دبر، ثم توفي سيدها، فخاصمت إلى عثمان، فقضى أن ما ولدت قبل أن تدبر عبيد، وما ولدت بعد التدبير يعتقون بعتقها. ونقل عن الشافعي فيهم قولين: أحدهما أنهم بمنزلتها يعتقون بعتقها، ويرقون برقها، قال: وقد قال هذا بعض أهل العلم والقول الثاني: أنهم مملوكون. قال: وقد قال هذا غير واحد من أهل العلم. ونقل ابن التركماني عن نوادر الفقهاء لابن بنت نعيم: "أجمع الصحابة أن ما ولدت المدبرة في حال تدبيرها يعتقون بعتقها، ويرقن برقها، وإنما جاء الاختلاف بعدهم. وفي الاستذكار: روي ذلك عن عثمان وابن مسعود وابن عمر وجابر. ولا أعلم لهم مخالفا من الصحابة". انتهى. قال البغوي: ومعنى هذا أن الأم إذا كانت معتقة إنسان، والأب رقيق أو مكاتب، فولاء الولد لموالي الأم، فإن عتق الأب انجر إلى مواليه، سواء كان ولادة المولود قبل عتق الأب أو بعده، فإن مات المولود قبل عتق الأب، وأخذ موالي الأم ميراث المولود، ثم عتق الأب فلا يسترد من موالي الأم ما أخذوا؛ لأن الاعتبار بيوم الموت، ولم يكن لموالي الأب ولاء على المولود يوم موته. وقال: وروي أن الزبير اشترى عبدا، فأعتقه، ولذلك العبد بنون من امرأة حرة، قال الزبير: هم موالي، وقال: موالي أمهم هم موالينا، فقضى عثمان للزبير بولائهم. وروي أيضًا عن عمر أنه قال في الحرة تكون تحت العبد تلد له أولادا، ثم يعتق أبوهم: إنه يصير ولاؤهم إلى موالي أبيهم، وهذا قول عامة أهل العلم.

стр. 3721

٢٨ - باب في المرأة ترث من دية زوجها • عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا، حتى قال له الضحاك بن سفيان: كتب إلي رسول اللَّه ﷺ أن أورّث امرأة أشيم الضِّبابي من دية زوجها. صحيح: رواه أبو داود (٢٩٢٧)، والترمذي (٢١١٠)، وابن ماجه (٢٦٤٢)، وأحمد (١٥٧٤٥) كلهم من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال فذكره. وأهل العلم مختلفون في سماع سعيد بن المسيب من عمر، والصحيح أنه سمع منه. و"أشيم" بفتح الهمزة وسكون الشين. والضِّبابي - بكسر الضاد منسوب إلى محلة بالكوفة يقال لها: قلعة الضباب. والضحاك بن سفيان هو الكلابي أبو سعيد صحب النبي ﷺ ، وعقد له لواء، وكان على صدقات قومه. وقال ابن سعد: كان ينزل نجدا في موالي ضرية، وكان واليا على من أسلم هناك من قومه. وقد جاء في بعض الروايات أنه الضحاك بن قيس الفهري. هكذا وقع في رواية الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٨٢) عن المغيرة بن شعبة أن أسعد بن زرارة قال لعمر بن الخطاب: إن النبي ﷺ كتب إلى الضحاك بن قيس أن يُوَرث امرأة أشْيم الضبابي من دية زوجها. قال الحافظ الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٣٠): "ورجاله ثقات". قلت: فيه أمران مخالفان للواقع. الأول: قوله: الضحاك بن قيس، وهو ليس بصحيح، فإن أكثر ما قيل فيه أن سنه عند وفاة النبي ﷺ كان ثماني سنوات. قال الطبري: "مات النبي ﷺ ، وهو غلام يافع". ويبدو أن الحافظ الهيثمي تنبه له، فقال في "المجمع": "الضحاك بن سفيان". والأمر الثاني: قوله: أسعد بن زرارة. فيه خطأ جسيم، فإن أسعد بن زرارة مات في حياة النبي ﷺ ، وهو يبني المسجد. قال البغوي: "بلغني أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة، وأول ميت صلى عليه النبي ﷺ . فلعله تصحف كما قال الحافظ في ترجمته في الإصابة (١/ ٣٥) من "سعد بن زرارة" إلى "أسعد بن زرارة"، أو أنه أسعد بن زرارة آخر". انتهى. ٢٩ - باب الأكدرية: زوج، وأخت لأب وأم، وجد، وأم إن زيد بن ثابت قال في أخت وأم وزوج وجد: جعلها من سبع وعشرين: للأم ستة، وللزوج تسعة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة.

стр. 3722

قال زيد: هي من سبعة وعشرين، وهي الأكدرية يعني أم الفروج. رواه الدارمي (٢٩٧٣) عن سعيد بن عامر، عن همام، عن قتادة، أن زيد بن ثابت قال فذكره. ورواه عبد الرزاق (١٩٠٧٤) عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم أن عبد اللَّه قال في أم وأخت وزوج وجد: هي من ثمانية: للأخت النصف ثلاثة، وللزوج النصف ثلاثة، وللأم سهم، وللجد سهم. وقال زيد: هي من سبعة وعشرين ثم ذكره. ٣٠ - باب توريث نساء المهاجرين منازل أزواجهن • عن زينب أنها كانت تَفْلي رأس رسول اللَّه ﷺ ، وعنده امرأة عثمان بن مظعون، ونساء من المهاجرات يشكون منازلهن، وأنهن يخرجن منه، ويضيق عليهن فيه، فتكلمت زينب، وتركت رأس رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنك لست تكلمين بعينيك، تكلمي واعملي عملك". فأمر رسول اللَّه ﷺ يومئذ أن يُوَرَّث من المهاجرين النساءُ. فمات عبد اللَّه فورثته امرأته دارا بالمدينة. حسن: رواه أبو داود (٣٠٨٠)، والبيهقي (٦/ ١٥٦) من طريقه، وأحمد (٢٧٠٥٠) -واللفظ له- كلهم من حديث عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن كلثوم، عن زينب فذكرته. ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٧٠٤٩) من وجه آخر عن شريك، عن الأعمش، بإسناده مختصرا: أن النبي ﷺ ورَّث النساءَ خِططهن. وشريك هو ابن عبد اللَّه النخعي سيئ الحفظ، ولكنه توبع في الإسناد الأول. وإسناده حسن من أجل كلثوم، وهو ابن علقمة، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال ابن حجر في التقريب: "ثقة" والصحيح أنه "صدوق" فإنه لم يذكر هو ولا المزي من وثّقه غير ابن حبان، إلا أنه روى عنه جمع، كما ذكره المزي، ويقال: كان له صحبة. وزينب التي كانت تَفْلي رأس رسول اللَّه ﷺ أنها تكون بنت جحش أم المؤمنين، ومن المستبعد أن تكون هي زينب بنت معاوية زوج ابن مسعود، وكونها ورثت دارا بالمدينة بعد موت عبد اللَّه (ابن مسعود) فهو لبيان الواقع الذي وقع. وقوله: "خططهن" الخطط -بكسر الخاء وفتح الطاء- هي وضع علامة على الأرض إشارة إلى امتلاكها، مثل خطط المدن للتمليك، سواء كان ذلك للدولة أو لأفراد الشعب. ومعنى الحديث أن النبي ﷺ وضع خِططًا للنساء المهاجرات شبه القطائع، فكن امتلكن هذه القطائع، فيها بيوت أزواجهن، فإنه جرت العادة أن المرأة إذا مات عنها زوجها كانت تطرد من

стр. 3723

بيت زوجها، فورَّث رسول اللَّه ﷺ نساءَ المهاجرين بيوت أزواجهن بعد موتهم مثل تمليك الخطط إلا أن هذا الحكم كان مخصوصا بالمهاجرين، وبعد انقضائهم انقضى. ٣١ - باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث • عن جابر بن عبد اللَّه قال: توفي أبي وعليه دين، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاء، فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: إذا جددته فوضعته في المربد آذنت رسول اللَّه ﷺ ، فجاء ومعه أبو بكر وعمر، فجلس عليه، ودعا بالبركة، ثم قال: "ادع غرماءك، فأوفهم". فما تركت أحدا له على أبي دين إلا قضيته، وفضل ثلاثة عشر وسقا، سبعة عجوة وستة لون، أو ستة عجوة وسبعة لون، فوافيت مع رسول اللَّه ﷺ المغرب، فذكرت ذلك له، فضحك، فقال: "ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما". فقالا: لقد علمنا إذ صنع رسول اللَّه ﷺ ما صنع أن سيكون ذلك. صحيح: رواه البخاري في الصلح (٢٧٠٩) عن محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد اللَّه، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. • * *

стр. 3724

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه [٦] تأليف أ. د. أبي أحمد محمد عبد الله الأعظمي المعروف بـ «الضياء» أستاذ الحديث الشريف وعميد كلية الحديث بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سابقًا والمدرس في المسجد النبوي

стр. 3725

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (ح) محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي ١٤٣٦ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الأعظمي، محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل / محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي - الرياض ١٤٣٦ هـ (١٢ مج) ردمك: ٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٠ - ٩٢٦٧ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٦) ١ - الحديث الصحيح ... أ- العنوان ديوي ٢٣٥.١ ... ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ رقم الإيداع: ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ ردمك: ٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٠ - ٩٢٦٧ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٦) طبعة أولى: ربيع الثاني ١٤٣٧ هـ - يناير ٢٠١٦ م

стр. 3726

الجَامِعُ الكَامِلُ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ الشَّامل [٦]

стр. 3727

جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف دار السلام للنشر والتوزيع شارع الأمير عبد العزيز بن جلوي (الضباب سابقًا) مقابل الغرفة التجارية المملكة العربية السعودية ص. ب: ٢٢٧٤٣ - الرياض ١١٤١٦ هاتف: ٤٠٣٣٩٦٢ - ٤٠٤٣٤٣٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - - فاكس: ٤٠٢١٦٥٩ - ١١ - ٠٠٩٦٦ www.darussalampublishers.com E-Mail: darussalam@awalnet.net.sa E-Mail: riyadh@dar-us-salam.com العليا: تليفون: ٤٦١٤٤٨٣ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٦٤٤٩٤٥ الملز: تليفون: ٤٧٣٥٢٢٠ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٧٣٥٢٢١ السويلم: تليفون: ٢٨٦٠٤٢٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٢٨٦٠٤٢٢ السويدي: تليفون: ٤٢٨٦٦٤١ - ١١ - ٠٠٩٦٦ جدة: تليفون: ٦٨٧٩٢٥٤ - ٢ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٦٣٣٦٢٧٠ الخبر: تليفون: ٨٦٩٢٩٠٠ - ٣ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٦٩١٥٥١ المدينة المنورة: تليفون: ٨٤٥٩٢٦٦ - ١٤ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٥٥٠١١٩ - ٠١٤ خميس مشيط: تليفون: ٢٣٨٨٦٢٠ - ٠١٧ - ٠٠٩٦٦ - جوال: ٠٥٠٠٧١٠٣٢٨ ينبع البحر: تليفون: ٥٠٠٨٨٧٣٤١ - ٠٠٩٦٦ الكويت: تليفون: ٠٠٩٦٥٩٩٦٠٠٨٤٥ الشارقة: تليفون: ٥٦٣٢٦٢٣ - ٦ - ٠٠٩٧١ - فاكس: ٥٦٣٢٦٢٤ لندن: تليفون: ٥٣٩٤٨٨٥ - ٢٠٨ - ٠٠٤٤ - فاكس: ٥٣٩٤٨٨٩ - ٢٠٨ نيويورك: تليفون: ٦٢٥٥٩٢٥ - ٧١٨ - ٠٠١ - فاكس: ٦٢٥١٥١١ - ٧١٨ سيدني أستراليا: تليفون: ٩٧٤٠٧١٨٨ - ٢ - ٠٠٦١ - فاكس: ٩٧٤٠٧١٩٩ - ٢ فرنسا: تليفون: ٨٤٠٥٢٩٢٨ - ٠١ - ٠٠٣٣ - ٤٨٠٥٢٩٩٧ - ٠١ - ٠٠٣٣ هيوستن: تليفون: ٧٢٢٠٤١٩ - ٧١٣ - ٠٠١ - فاكس: ٧٢٢٠٤٣١ ماليزيا: تليفون: ١٩٢٣٦٢٤٢٣ - ٠٠٦٠ - ٣٧٩٥٦٤٦٦٤ - ٠٠٦٠ لاهور باكستان: تليفون: ٧٢٤٠٠٢٤ - ٤٢ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٧٣٥٤٠٧٢ كراتشي باكستان: تليفون: ٤٣٩٣٩٣٦ - ٢١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٤٣٩٣٩٣٧ إسلام آباد باكستان: تليفون: ٢٥٠٠٢٣٧ - ٥١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٥١٢٢٨١٥١٣ انتريو كندا: تليفون: ٤٠١١١٥٠ - ٦٤٧ - ٠٠١ - ٦٠٩١٩٣٤ - ٦٤٧ - ٠٠١

стр. 3728

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٢ - كتاب الوصية والوقف ١ - باب ما جاء في نسخ الوصية بآية الميراث قال اللَّه : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]. • عن ابن عباس في قوله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] قال: كان الميراث للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ اللَّه من ذلك ما أحب، فجعل للولد الذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع. صحيح: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٤٧) عن محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس فذكره. وفي رواية (٤٥٧٨): وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث. • عن ابن عباس قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث. حسن: رواه أبو داود (٢٨٦٩)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٦٥) عن أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن الحسين بن واقد وأبيه؛ فإنهما حسنا الحديث. كانت الوصية قبل نزول آية الميراث واجبة، ثم نُسخت للوارثين، فبقيت في غير الوارثين مستحبة، وهو رأي جمهور أهل العلم، إلا أن يكون عليه دين، أو عنده أمانة، أو وديعة؛ فيجب عليه أن يوصي بذلك للحفاظ على حقوق الآخرين.

стр. 3729

٢ - باب استحباب الوصية لغير الوارث • عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". متفق عليه: رواه مالك في الوصية (١) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. ورواه البخاري في الوصايا (٢٧٣٨) من طريق مالك. ورواه مسلم في الوصية (١٦٢٧) من أوجه أخرى عن نافع به مثله. وذلك في غير الوارثين. أما ما روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المحروم من حرم وصيته" فهو ضعيف. رواه ابن ماجه (٢٧٠٠) عن نصر بن علي الجهضمي قال: حدثنا دُرست بن زياد قال: حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك فذكره. ودرست بن زياد وشيخه يزيد -وهو ابن أبان الرقاشي- ضعيفان. وكذلك لا يصح ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم". رواه ابن ماجه (٢٧٠٩) عن علي بن محمد قال: حدثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده ضعيف جدا؛ فإن طلحة بن عمرو الحضرمي المكي ضعيف جدا، بل قال الإمام أحمد: "لا شيء، متروك". ومن طريقه رواه أيضًا البيهقي (٦/ ٢٦٩). وكذلك لا يصح ما روي عن أبي الدرداء، عن رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم". رواه أحمد (٢٧٤٨٢)، والبزار -كشف الأستار (١٣٨٢) - كلاهما من حديث أبي اليمان، ثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء فذكره. قال البزار: "وهذا قد روي من غير وجه، وأعلى من روى في ذلك أبو الدرداء، ولا نعلم له طريقا غير هذا، وضمرة وابن أبي مريم معروفان بالنقل للعلم، واحتمل عنهما الحديث". كذا قال ﵀! وأبو بكر بن أبي مريم هو أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم الغساني الشامي، قد ينسب إلى جده، ضعيف باتفاق أهل العلم، وكان قد سرق بيته فاختلط. وأما شيخه ضمرة بن حبيب -وهو الزبيدي- فهو كما قال البزار: كان معروفا بالعلم. وثّقه ابن سعد، وقال أبو حاتم: "لا بأس به". وقال العجلي: "شامي ثقة". وفي الباب أيضًا عن أبي بكر الصديق، ومعاذ بن جبل، وغيرهما، وكلها ضعيفة، وإن كان يقوي بعضها بعضا. وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، فقالوا: إن الوصية بالثلث لغير الوارثين مستحبة لمن وجد سعة، ولم يرد إضرار الورثة. وذهب الشافعي في القديم، وداود الظاهري إلى وجوب الوصية لغير الوارثين.

стр. 3730

٣ - باب كراهية الإضرار في الوصية • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله، فيدخل النّار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنّة". قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة النساء: ١٢ - ١٤]. حسن: رواه أبو داود (٢٨٦٧)، وابن ماجه (٢٧٠٤)، والترمذي (٢١١٧)، وأحمد (٧٧٤٣) واللفظ لأحمد، كلهم من حديث أشعث بن عبد اللَّه، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب". قلت: وهو كما قال؛ فإن شهر بن حوشب عندي حسن الحديث، وثّقه أحمد، وابن معين، وغيرهما. وأما ما روي عن ابن عباس مرفوعا: "الإضرار في الوصية من الكبائر". فالصحيح أنه موقوف. رواه الدارقطني (٤/ ١٥١)، والعقيلي (٣/ ١٨٩) من طريق عمر بن مغيرة، نا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره مرفوعا. قال العقيلي: "لا نعرف أحدا رفعه غير عمر بن المغيرة المصيصي". ورواه سعيد بن منصور (٣٤٢ - ٣٤٤)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٧١) موقوفا على ابن عباس، وقال: "هذا هو الصحيح موقوف، وروي من وجه آخر مرفوعا، ورفعه ضعيف". ٤ - باب لا وصية لوارث • عن أبي أمامة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: "إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث". صحيح: رواه أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣)، وأحمد (٢٢٢٩٤)، والبيهقي (٦/ ٧٢، ٢٦٤) من طريق إسماعيل بن عياش، ثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في إسماعيل بن عياش، إلا أن روايته عن الشاميين لا بأس به، وهذا منها. قال الترمذي: "حسن صحيح". وفي نسخة: "حسن غريب". وقال: "وقد روي عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه، ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل العراق وأهل الحجاز ليس بذاك فيما تفرد به؛ لأنه روى عنهم مناكير، وروايته عن أهل

стр. 3731

الشام أصح، هكذا قال محمد بن إسماعيل". وكذلك نقل البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: "إسماعيل بن عياش ما روي عن الشاميين صحيح، وما روي عن أهل الحجاز فليس بصحيح". ونقل عن الشافعي بعد أن روى عنه عن ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن مجاهد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا وصية لوارث" قال: وروى بعض الشاميين حديثا ليس مما يثبته أهل الحديث بأن بعض رجاله مجهولون، فروينا عن النبي ﷺ منقطعا، واعتمدنا على حديث أهل المغازي عامة أن النبي ﷺ قال عام الفتح: "لا وصية لوارث"، وإجماع الأمة على القول به". فالظاهر أنه يقصد به حديث أبي أمامة الذي يرويه إسماعيل بن عياش الشامي، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة. وللحديث طريق آخر: وهو ما رواه ابن الجارود في المنتقى (٩٤٩) عن أبي أيوب سليمان بن عبد المجيد البهراني قال: ثنا يزيد بن عبد ربه قال: ثنا الوليد بن مسلم قال: ثنا ابن جابر، وحدثني سُليم بن عامر وغيره، عن أبي أمامة، وغيره ممن شهد خطبة رسول اللَّه ﷺ يومئذ، فكان فيما تكلم به: "ألا إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث". ورواه أبو داود (١٩٥٥) من وجه آخر عن الوليد بن مسلم مختصرا. وهذا إسناد صحيح، والوليد بن مسلم مدلس، ولكنه صرح بالتحديث في جميع طبقات الإسناد. وابن جابر هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي أبو عتبة الشامي الدارمي، وثّقه ابن معين، وابن سعد، وأبو حاتم، وغيرهم. • عن عمرو بن خارجة، أن النبي ﷺ خطبهم وهو على راحلته، وإن راحلته لتقصع بجرتها، وإن لُعَابها ليسيل بين كتفي قال: "إن اللَّه قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية". حسن: رواه الترمذي (٢١٢١)، والنسائي (٦/ ٢٤٧)، وابن ماجه (٢٧١٢)، وأحمد (١٧٦٦٩) لهم من طرق عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن عمرو بن خارجة، فذكره في حديث طويل تم تخريجه في العيدين. قال الترمذي: "حسن صحيح". قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب، غير أنه حسن الحديث، إذا لم يخالف، ولم يأت في حديثه ما ينكر عليه. وأما عمرو بن خارجة فقيل هكذا، وقيل: خارجة بن عمرو. والأول أصح. • عن أنس بن مالك قال: إني لتحت ناقة رسول اللَّه ﷺ يسيل علي لعابها، فسمعته

стр. 3732

يقول: "إن اللَّه جعل لكل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث. . . . ". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٧١٤) عن هشام بن عمار قال: حدثنا محمد بن شعيب بن شابور قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، أنه حدثه عن أنس بن مالك فذكره. وإسناده صحيح، ومحمد بن شعيب وإن كان فيه كلام يسير فلا يضر، وقد توبع في أصل خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع. وأما سعيد بن أبي سعيد فهو المقبري حسب الظاهر، وقد قيل: إنه رجل آخر من ساحل بيروت، ذكرت ذلك في خطب النبي ﷺ في حجة الوداع، فراجعه. • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تجوز وصية الوارث، والولد للفراش، وللعاهر حجر". حسن: رواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٨١٧) عن ابن ذُرَيح، ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا حماد بن سلمة، عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب؛ فإنه حسن الحديث. وحبيب المعلم هو ابن أبي قريبة أبو محمد المعلم، بصري من رجال الجماعة، ذكره ابن عدي في الكامل؛ لأن عبد الرحمن ما كان يحدث به، وقال في نهاية الحديث: "ولحبيب أحاديث صالحة، وأرجو أنه مستقيم الرواية". ولا يُعِلُّ هذا ما رواه الدارقطني (٤/ ٩٨) من طريق سهل بن عمار، نا الحسين بن الوليد، ثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال في خطبة يوم النحر: "لا وصية للوارث إلا أن يُجيز الورثة". وذلك لأن سهل بن عمار هذا كذبه الحاكم، كما أنه زاد في المتن: "إلا أن يُجيز الورثة"، وهي زيادة منكرة، وأنه أخطأ في جعل الحديث من حبيب بن الشهيد، والصواب أنه حبيب المعلم، كما مضى. وفي الباب ما روي عن جابر مرفوعا: "لا وصية لوارث". رواه الدارقطني (٤/ ٩٧) عن أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي، نا فضل بن سهل، حدثني إسحاق ابن إبراهيم الهروي، نا سفيان، عن عمرو، عن جابر فذكره. قال الدارقطني: الصواب مرسل. ولعل مستنده ما ذكر عبد اللَّه بن علي بن المديني قال: سمعت أبي يقول: "أبو موسى الهروي روى عن سفيان، عن عمرو، عن جابر: "لا وصية لوارث" حدثنا به سفيان، عن عمرو مرسلا، وغمزه". ذكره الذهبي في الميزان في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الهروي. وأخرجه ابن عدي عن أحمد بن محمد بن صاعد، عن أبي موسى الهروي، عن ابن عيينة. وأعله بأحمد هذا، وقال: هو أخو يحيى بن محمد بن صاعد، وأكبر منه، وأقدم موتا، وهو ضعيف".

стр. 3733

وفي الباب ما روي أيضًا عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة". رواه أبو داود في المراسيل (٣٤١)، والدارقطني (٤/ ٩٧)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٦٣) من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس فذكره. وفيه علتان: الأولى: تدليس ابن جريج. والثانية: الانقطاع؛ فإن عطاء -وهو الخراساني- لم يدرك ابن عباس، ولم يره. قاله أبو داود. وقال البيهقي: "وقد روي من وجه آخر عنه، عن عكرمة، عن ابن عباس". قلت: وهو ما رواه الدارقطني (٤/ ٩٨)، والبيهقي من حديث يونس بن راشد، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكر الحديث مثله. قال البيهقي: "عطاء الخراساني غير قوي". قال الحافظ في التلخيص (٣/ ٩٢): "وصله يونس بن راشد، فقال: عن عكرمة، عن ابن عباس. أخرجه الدارقطني، والمعروف المرسل". ولكن قال الحافظ: "ورواه الدارقطني من طريق ابن عباس بسند حسن". قلت: وهو يقصد ما رواه الدارقطني (٤/ ٩٨) عن يوسف بن سعيد، نا عبد اللَّه بن ربيعة، نا محمد ابن مسلم، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا وصية لوارث". وفيه عبد اللَّه بن ربيعة لا يعرف من هو؟ ولم يشتهر هذا الحديث عن ابن عباس، ولذا لم يذكره الزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ٤٠٤) مع أنه ذكر الرواية المرسلة، والمتصلة بذكر يونس بن راشد. وفي الباب أحاديث أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها. ومن العلماء من جعل حديث "لا وصية لوارث" من الأحاديث المتواترة؛ لأنه ليس من شرط المتواتر أن تكون كلها صحيحة، فإن كثرة المخارج للحديث تدل على استحالة الكذب فيه. ٥ - باب الوصية بالثلث • عن سعد بن أبي وقاص قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وَجَع اشتد بي، فقلتُ: إني قد بلغ بي من الوجَع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". فقلت: بالشطر؟ فقال: "لا". ثم قال: "الثلث، والثلث كبير أو كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس". متفق عليه: رواه مالك في الوصية (٤) عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه فذكره.

стр. 3734

ورواه البخاري في الجنائز (١٢٩٥) من حديث مالك. ورواه مسلم في الوصية (١٦٢٨) من وجه آخر عن ابن شهاب فذكره. • عن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن رسول اللَّه ﷺ قال: "الثلث، والثلث كثير". متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٤٣)، ومسلم في الوصية (١٦٢٩) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. • عن حنظلة بن حِذْيم أن جده حنيفة قال لحذيم: اجمع لي بَنيَّ؛ فإني أريد أن أوصي. فجمعهم، فقال: إن أول ما أوصي أن لِيتيمي هذا الذي في حجري مائة من الإبل التي كنا نسميها في الجاهلية: المُطيَّبة. فقال حذيم: يا أبت، إني سمعت بنيك يقولون: إنما نقر بهذا عند أبينا، فإذا مات رجعنا فيه، قال: فبيني وبينكم رسول اللَّه ﷺ . فقال حذيم: رضينا. فارتفع حذيم، وحنيفة، وحنظلة معهم غلام، وهو رديف الحذيم، فلما أتوا النبي ﷺ سلموا عليه، فقال النبي ﷺ : "وما رفعك يا أبا حذيم؟ " قال: هذا، وضرب بيده على فخذ حذيم. فقال: إني خشيت أن يفجأني الكبر أو الموت، فأردت أن أوصي، وإني قلت: إن أول ما أوصي أن ليتيمي هذا الذي في حجري مائة من الإبل، كنا نسميها في الجاهلية المُطيَّبة، فغضب رسول اللَّه ﷺ ، حتى رأينا الغضب في وجهه، وكان قاعدا، فجثا على ركبتيه، وقال: "لا، لا، لا، الصدقة خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون". قال: فودَّعوه، ومع اليتيم عصا، وهو يضرب جملا، فقال النبي ﷺ : "عظُمت هذه هِراوة يتيم". قال حنظلة: فدنا بي إلى النبي ﷺ ، فقال: إن لي بنين ذوي لحي، ودون ذلك، وإن ذا أصغرهم، فادع اللَّه له، فمسح رأسه، وقال: بارك اللَّه فيك، أو بورك فيه". قال ذيال: فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالإنسان الوارم وجهه، أو البهيمة الوارمة الضرع، فيتفُل على يديه، ويقول: بسم اللَّه، ويضع يده على رأسه، ويقول: على موضع كف رسول اللَّه ﷺ ، فيمسحه عليه، وقال ذيال: فيذهب الورم. صحيح: رواه أحمد (٢٠٦٦٥) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، حدثنا ذيَّال بن عبيد بن حنظلة قال: سمعت حنظلة بن حِذيم جدي قال فذكره. وإسناده صحيح. • عن عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال

стр. 3735

غيرهم، فدعا بهم رسول اللَّه ﷺ ، فجزّأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا. صحيح: رواه مسلم في البيوع (١٦٦٨) من طرق عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين فذكره. وقوله: "وقال له قولا شديدا" هو كما جاء في السنن: "لو شهدته قبل أن يُدفن لم يقبر في مقابر المسلمين". • عن أبي هريرة أن رجلا كان له ستة أعبد، فأعتقهم عند موته، فأقرع النبي ﷺ بينهم، فأعتق منهم اثنين، وأرق أربعة. صحيح: رواه ابن أبي شيبة (٢٣٨٤٧، ٣٧٢٣٩) عن عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن عبد اللَّه بن المختار، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح، وعبد اللَّه بن المختار ثقة، وثقه ابن معين، والنسائي، وغيرهما. وقال أبو حاتم: "لا بأس به". وفي الباب ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رجلا في عهد رسول اللَّه ﷺ أعتق ستة مملوكين، لم يكن له مال غيرهم، ومات الرجل، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة. رواه البزار -كشف الأستار- (١٣٩٦) عن بشر بن خالد العسكري، ثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد فذكره. قال البزار: "رواه غير يزيد عن سعيد بن المسيب مرسلا، ووصله يزيد مرة بغداد". قلت: وفيه علي بن زيد، وهو ابن جدعان ضعيف. ورواه البيهقي (١٠/ ٢٨٦) من طريق ابن جريج، أخبرني قيس بن سعد، أنه سمع مكحولا يقول: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "أعتقت أمرأة أو رجل ستة أعبد لها. . .، فذكر نحوه. وكذلك لا يصح ما روي عن أبي أمامة، رواه الدارقطني (٤/ ٢٣٤). ذهب إلى هذه الأحاديث والآثار جمهور أهل العلم: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث والأثر. وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أعتق عبيدا له في مرضه، ولا مال له غيرهم، أنه يعتق من كل واحد منهم ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته الورثة، وقال: حكمه ما دام يسعى حكم المكاتب. وقال أبو يوسف، ومحمد: هم أحرار، وثلثا قيمتهم دين عليهم، يسعون في ذلك حتى يؤدوه إلى الورثة. انظر للمزيد "التمهيد" (٢٣/ ٤٢١)، فقد بسط الكلام عليه.

стр. 3736

٦ - باب ما ترك رسول اللَّه ﷺ دينارا، ولا درهما حتى يوصي به • عن عائشة قالت: ما ترك رسول اللَّه ﷺ دينارا ولا درهما، ولا شاة ولا بعيرا، ولا أوصى بشيء. صحيح: رواه مسلم في الوصية (١٦٣٥) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة فذكرته. • عن عمرو بن الحارث ختن رسول اللَّه ﷺ أخي جويرية بنت الحارث قال: ما ترك رسول اللَّه ﷺ عند موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة. صحيح: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٣٩) عن إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير بن معاوية الجعفي، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن الحارث فذكره. ٧ - باب الوصية بالتمسك بالكتاب والسنة • عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد اللَّه بن أبي أوفى: هل كان النبي ﷺ أوصى؟ فقال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصية؟ أو أمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب اللَّه. متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٤٠) من طريق مالك، عن طلحة بن مصرف فذكره. وليس في رواية موطأ يحيى الليثي. ورواه مسلم في الوصية (١٦٣٦) من وجه آخر عن طلحة بن مصرف. ٨ - باب في آخر وصية أوصى بها النبي ﷺ - • عن علي قال: كان آخر كلام رسول اللَّه ﷺ : "الصلاة، الصلاة، اتقوا اللَّه فيما ملكت أيمانكم". حسن: رواه أبو داود (٥١٥٦)، وابن ماجه (٢٦٩٨) كلاهما من حديث محمد بن فضيل، عن مغيرة، عن أم موسى، عن علي فذكره. وإسناده حسن من أجل أم موسى، وهي سرية علي، قيل: إنها فاختة. وقيل: حبيبة، روى عنها مغيرة بن مقسم الضبي، قال الدارقطني: "حديثها مستقيم، يخرج حديثها اعتبارا". وقال العجلي: "كوفية تابعية ثقة". وفي الباب عن أم سلمة أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "الصلاة، وما ملكت أيمانكم" فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه.

стр. 3737

رواه ابن ماجه (١٦٢٥)، وأحمد (٢٦٦٥، ٢٦٧٢٧)، وأبو يعلى (٦٩٧٩) كلهم من حديث همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن سفينة، عن أم سلمة فذكرته. ورجاله ثقات غير أن فيه انقطاعا؛ فإن صالحا -وهو ابن أبي مريم الضبعي مولاهم أبو خليل- روايته عن سفينة مرسلة، إلا أن رواية همام عن قتادة أصح من رواية سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس، وهو الآتي. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي، وأبا زرعة عن حديث رواه المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس قال: كانت عامة وصية رسول اللَّه ﷺ حين حضره الموت: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". قال أبي: نرى أن هذا خطأ، والصحيح حديث همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن سفينة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ . وقال أبو زرعة: "رواه سعيد بن أبي عروبة، فقال: عن قتادة، عن سفينة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ . وقال: وابن أبي عروبة أحفظ، وحديث همام أشبه، زاد همام رجلا". انتهى. "العلل" (١/ ١١٠ - ١١١). وحديث سعيد بن أبي عروبة رواه أحمد (٢٦٤٨٣، ٢٦٦٨٤)، والنسائي في "الكبرى" (٧٠٩٨) عن قتادة، أن سفينة مولى أم سلمة حدث عن أم سلمة فذكرته. وقال النسائي: "قتادة لم يسمعه من سفينة". وأما حديث أنس فرواه ابن ماجه (٢٦٩٧)، وأحمد (١٢١٦٩)، وابن حبان (٦٦٠٥) كلهم من حديث سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس قال: كان آخر وصية رسول اللَّه ﷺ ، وهو يغرغر بها في صدره، وما كان يُفيض بها لسانه: "الصلاة، الصلاة، اتقوا اللَّه فيما ملكت أيمانكم". وأما الحاكم (٣/ ٥٧) فرواه من هذا الوجه، ولكنه أسقط "قتادة" بين سليمان، وأنس، فجعله عن أنس. قال النسائي: "وسليمان التيمي لم يسمع هذا الحديث من أنس". السنن الكبرى (٧٠٩٥)، ثم رواه النسائي في الكبرى (٧٠٩٦) من حديث سليمان، عن قتادة، عن صاحب له، عن أنس نحوه. فهذه علته لهذا الإسناد. ومجموع هذه الأحاديث تقوّي حديث علي بن أبي طالب، وتفيد على أن له أصلا. ٩ - باب وصية رسول اللَّه ﷺ في المصلحة العامة • عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ ثم بكى حتى خضب دمعُه الحَصْباء، فقال: اشتد برسول اللَّه ﷺ وجعه يوم الخميس، فقال: "ائتوني بكتاب، أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا". فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع،

стр. 3738

فقالوا: هجر رسول اللَّه ﷺ قال: "دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه". وأوصى عند موته بثلاث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أُجيزهم". ونسيت الثالثة. قال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب، فقال: مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن. وقال يعقوب: والعرج أول تهامة. متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (٣٠٥٣)، ومسلم في الوصية (١٦٣٧) كلاهما من حديث سفيان بن عينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. اختلف أهل العلم في تحديد جزيرة العرب، والصحيح هي الأرض الواقعة بين بحر الهند، وبحر القلزم، والخليج العربي، وبحر الحبشة، وأضيفت إلى العرب؛ لأنها كانت بأيديهم، وبها أوطانهم ومنازلهم، ولكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها: الحجاز خاصة -وهو مكة والمدينة- على رأي جمهور العلماء. وأما دخولهم في الحرم المصلحة المسلمين فلا بد من إذن الإمام أو من ينوب عنه كما قال الشافعي وغيره. انظر للمزيد "فتح الباري" (٦/ ١٧١). وقوله: "هجر رسول اللَّه ﷺ "، وفي صحيح مسلم: "أهجر؟ استفهموه". قال القاضي عياض: وهو أصح من رواية من روي: هجر، يهجر. لأن هذا كله لا يصح منه ﷺ ؛ لأن معنى هجر: هذي. وإنما جاء هذا من قائله استفهاما للإنكار على من قال: لا تكتبوا. أي: لا تتركوا أمر رسول اللَّه ﷺ ، وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه؛ لأنه ﷺ لا يهجر". وقوله: "دعوني، فالذي أنا فيه خير" معناه دعوني من النزاع واللغط الذي شرعتم فيه، فالذي أنا فيه من مراقبة اللَّه والتأهب للقائه أفضل مما أنتم فيه. وقوله: "وأجيزوا الوفد" هذا أمر من رسول اللَّه ﷺ بإجازة الوفود، وضيافتهم، وإكرامهم تطييبا لنفوسهم، وترغيبا لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم؛ لأن في آخر أيام رسول اللَّه ﷺ كثرت الوفود من جميع النواحي للدخول في الإسلام. وقوله: "نسيت الثالثة" وفي رواية: "وسكت عن الثالثة، أو قالها، فأُنسيتها". فقوله: "سكت" أي ابن عباس، فلم يذكر الثالثة. "أو قالها فأُنسيتها" قائلها سعيد بن جبير. وقيل: الثالثة هي تجهيز جيش أسامة. • عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ ثم جعل تسيل دموعُه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ. قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ائتوني بالكتف والدواة -أو اللوح والدواة- أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا".

стр. 3739

فقالوا: إن رسول اللَّه ﷺ يهجر. صحيح: رواه مسلم في الوصية (١٦٣٧: ٢١) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا وكيع، عن مالك ابن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. • عن ابن عباس قال: لما حُضر رسول اللَّه ﷺ ، وفي البيت رجال، فقال النبي ﷺ : "هلموا، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده". فقال بعضهم: إن رسول اللَّه ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللَّه، فاختلف أهل البيت، واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول اللَّه ﷺ : "قوموا". قال عبيد اللَّه: فكان يقول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللَّه ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغَطهم. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٣٢)، ومسلم في الوصية (١٦٣٧: ٢٢) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس فذكره، واللفظ للبخاري. وفي مسلم: "فيهم عمر بن الخطاب، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللَّه". وقول عمر: "حسبنا كتاب اللَّه" رد على من نازع رسول اللَّه ﷺ ، لا على أمر رسول اللَّه ﷺ . ومعناه أن كتاب اللَّه شامل لكل شيء، كقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وهو أراد بذلك الترفيه على رسول اللَّه ﷺ ، لا الاستغناء عن السنة؛ فإن كتاب اللَّه أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب لمعرفة المراد من كتاب اللَّه. ١٠ - باب لم يكن علِيٌّ وصيًّا • عن الأسود بن يزيد قال: ذكروا عند عائشة أن عليًّا كان وصيا، فقالت: متى أوصى إليه؟ لقد كنت مسندتَه إلى صدري (أو قالت: حجري)، فدعا بالطسْت، فلقد انخنث في حجري، وما شعرت أنه مات، فمتى أوصى إليه؟ متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٤١)، ومسلم في الوصية (١٦٣٦) كلاهما من حديث إسماعيل بن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود فذكره. ١١ - باب لا ينفع تنفيذ وصية من مات كافرا • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن العاص بن وائل أوصى أن يعتق

стр. 3740

عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، فأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، فقال: حتى أسأل رسول اللَّه ﷺ ، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إن أبي أوصى بعتق مائة رقبة، وإن هشاما أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون رقبة، أفأعتق عنه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنه لو كان مسلما فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك". حسن: رواه أبو داود (٢٨٨٣)، وأحمد (٦٧٠٤)، والبيهقي (٦/ ٢٧٩) كلهم من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب وأبيه؛ فإنهما حسنا الحديث. ١٢ - باب الوقف للغني والفقير والضيف، وأنه من ولِيه فليأكل بالمعروف بقدر عمله • عن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول اللَّه، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها". قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث، ولا يوهب. قال: فتصدق عمر في الفقراء، وفي القربي، وفي الرقاب، وفي سبيل اللَّه، وابن السبيل، والضيف. لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول فيه. قال فحدثت به ابن سيرين، فقال: غير متأثل مالا. متفق عليه: رواه البخاري في الشروط (٢٧٣٧) ومسلم في الوصية (١٦٣٢) كلاهما من حديث ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه: "غير متأثل مالا". ١٣ - باب يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه • عن أنس أن النبي ﷺ رأى رجلا، يسوق بدنة، فقال: "اركبها". قال: إنها بدنة. قال: "اركبها". قال: إنها بدنة. قال: "اركبها" ثلاثا. متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٤٤) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في الحج (١٦٨٩)، ومسلم في الحج (١٣٢٢) كلاهما من طريق مالك. ١٤ - باب من الأفضل للواقف أن يمسك بعض أمواله • عن كعب بن مالك قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن أنخلع من مالي

стр. 3741

صدقة إلى اللَّه، وإلى رسوله ﷺ ، فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك". قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. صحيح: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٥٧) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب أن عبد اللَّه بن كعب قال: سمعت كعب ابن مالك قال فذكره. ١٥ - باب الإشهاد في الوقف والصدقة • عن ابن عباس أن سعد بن عبادة أخا بني ساعدة توفيت أمه، وهو غائب، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه ﷺ ، إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: "نعم". قال: فإني أشهدك أن حائطى المخراف صدقة عليها. صحيح: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٦٢) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني يعلى أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: أنبأنا ابن عباس فذكره. ١٦ - باب وقف الأرض للمسجد • عن أنس بن مالك قال: لما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة أمر بالمسجد، وقال: "يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا". قالوا: لا، واللَّه، لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه. متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٧٤)، ومسلم في المساجد (٥٢٤) كلاهما من حديث عبد الوارث، عن أبي التياح الضبعي قال: حدثني أنس بن مالك فذكره، واللفظ للبخاري. ١٧ - باب من ولي مال اليتيم ينال من ماله بقدر حاجته • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: إني فقير، وليس لي شيء، ولي يتيم، فقال: "كُلْ من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبذر أو مبادر، ولا متأثل". حسن: رواه أبو داود (٢٨٧٢)، والنسائي (٦/ ٢٥٦)، وابن ماجه (٢٧١٨)، وأحمد (٢/ ١٨٦)، والبيهقي (٦/ ٢٨٤) كلهم من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو؛ فإنه حسن الحديث. ١٨ - باب في مخالطة أموال اليتامى في الطعام روي عن ابن عباس قال: لما أنزل اللَّه ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل من طعامه، فيُحبس له حتى يأكله، أو يفسُد، فاشتد

стр. 3742

ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه. رواه أبو داود (٢٨٧١) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وأخرجه البيهقي (٦/ ٢٨٤) من وجه آخر عن جرير. وإسناده ضعيف من أجل عطاء، وهو ابن السائب بن مالك الثقفي الكوفي مختلط، وجرير -وهو ابن عبد الحميد- روى عنه بعد الاختلاط. ولا تنفع متابعة إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي؛ فإنه روى عنه أيضًا بعد الاختلاط، ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٣٠٠٠)، والحاكم (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، والبيهقي (٥/ ٢٥٨ - ٢٥٩). قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وكذلك لا تنفع متابعة أبي كدينة، وعمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب؛ فإن كلا من هؤلاء رووه عنه بعد الاختلاط، ومن طريقهما رواه النسائي (٣٦٦٩، ٣٦٧٠). ولكن صح عن قتادة، ومجاهد، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، وغيرهم سبب نزول هذه الآية، كما ذكره ابن كثير في تفسيره، وأخرج ابن جرير الطبري بعض آثار هؤلاء في تفسيره. • * *

стр. 3743

٢٣ - كتاب العتق ١ - باب ما جاء في فضل العتق قال اللَّه تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [سورة البلد: ١٣ - ١٥]. • عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "أيما رجل أعتق امرأ مسلما، استنقذ اللَّه بكل عضو منه عضوا منه من النار". قال سعيد بن مرجانة: فانطلقت به إلى علي بن حسين، فعمد علي بن حسين ﵄ إلى عبد له قد أعطاه به عبد اللَّه بن جعفر عشرة آلاف درهم أو ألف دينار، فأعتقه. متفق عليه: رواه البخاري في العتق (٢٥١٧)، ومسلم في العتق (١٥٠٩: ٢٤) كلاهما من طريق عاصم بن محمد العمرى، حدثني واقد بن محمد (يعني أخاه)، حدثني سعيد بن مُرجانة صاحب علي بن حسين قال: قال لي أبو هريرة ﵁ فذكره. وعلي بن الحسين هو ابن علي بن أبي طالب، زين العابدين. ورواه أحمد (٩٤٤١)، وابن الجارود (٩٦٨)، والبيهقي (٦/ ٢٧٣) كلهم من طريق مكي بن إبراهيم، عن عبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند، عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير، عن سعيد بن مرجانة، وزاد فيه: "حتى إنه ليعتق باليد اليدّ، وبالرجل الرجلَ، وبالفرج الفرجَ". ورجاله ثقات. • عن أبي نَجيح السلمي (هو عمرو بن عبسة) قال: حاصرنا مع رسول اللَّه ﷺ بقصر الطائف -قال معاذ: سمعت أبي يقول: بقصر الطائف، بحصن الطائف، كل ذلك- فسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من بلغ بسهم في سبيل اللَّه فله درجة". وساق الحديث. وسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما فإن اللَّه جاعل وقاء كل عظم من عظامه عظما من عظام محرَّره من النار. وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة فإن اللَّه جاعل وقاء كل عظم من عظامها عظما من عظام محررها من النار يوم القيامة". صحيح: رواه أبو داود (٣٩٦٥)، والترمذي (١٦٣٨)، والنسائي (٣١٤٣)، وصحّحه ابن حبان (٤٦١٥)،

стр. 3744

والحاكم (٢/ ٩٥، ٣/ ٤٩ - ٥٠)، والبيهقي (١٠/ ٢٧٢)، وأحمد (١٧٠٢٢) كلهم من طرف عن هشام بن أبي عبد اللَّه، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح السلمي قال فذكره، ومنهم من اختصره. قال الترمذي: "هذا حديث صحيح. وأبو نَجيح هو عمرو بن عبسة". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". قلت: سالم بن أبي الجعد يروي هذا الحديث عن معدان بن أبي طلحة، كما يروي عن رجل، عن أبي نَجيح، فالظاهر أن المبهم هو معدان بن أبي طلحة. كما يروي عن كعب بن مرة، ولكن أدخل شعبة بينهما شرحبيل بن السمط، رواه أبو داود (٣٩٦٧)، والطحاوي في مشكله (٧٢٦). قال أبو داود: "لم يسمع سالم بن أبي الجعد من شرحبيل بن السمط". وكذلك رواه ابن ماجه (٢٥٢٢) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد. وقد وصف سالم بن أبي الجعد بالتدليس، وكثرة الإرسال. • عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: "أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار، يجزي كل عضو منه عضوا منه. وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزي كل عضو منهما عضوا منه. وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوا منها". حسن: رواه الترمذي (١٥٤٧) عن محمد بن عبد الأعلى، حدثنا عمران بن عيينة أخو سفيان ابن عيينة، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة فذكره. وإسناده حسن من أجل عمران بن عيينة؛ فإنه حسن الحديث. وسالم بن أبي الجعد أدرك أبا أمامة، كما قال أبو حاتم. • عن علي بن أبي طالب، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أعتق رقبة مؤمنة وقى اللَّه تعالى بكل عضو منها عضوا منه من النار". حسن: رواه النسائي في "الكبرى" (٤٨٧٧)، والطحاوي في مشكله (٧١٥) كلاهما من حديث أبي نعيم، حدثنا الحكم بن أبي نُعم البجلي، حدثتني فاطمة بنت علي قالت: قال أبي عن رسول اللَّه ﷺ فذكرته. وإسناده حسن من أجل الحكم بن أبي نُعم؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. • عن الغريف بن الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع، فقلنا له: حدثنا حديثا ليس فيه زيادة، ولا نقصان، فغضب، وقال: إن أحدكم ليقرأ، ومصحفه معلق في بيته،

стр. 3745

فيزيد وينقص. قلنا: إنما أردنا حديثا سمعته من النبي ﷺ . قال: أتينا رسول اللَّه ﷺ في صاحب لنا أوجب -يعني النار- بالقتل، فقال: "أعتقوا عنه يعنق اللَّه بكل عضو منه عضوا منه من النار". صحيح: رواه أبو داود (٣٩٦٤)، عن عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن الديلمي فذكره. ورواه أيضًا أحمد (١٦٠١٢)، والحاكم (٢/ ٢١٢)، والبيهقي (٨/ ١٣٢ - ١٣٣) كلهم من حديث ضمرة بن ربيعة بإسناده مثله. والغريف بن الديلمي هو ابن عياش بن فيروز الديلمي، وقد ينسب إلى جده، لم يرو عنه سوى إبراهيم بن أبي عبلة، ولم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول". أي عند المتابعة، وقد تابعه عبد اللَّه بن فيرروز الديلمي، ومن طريقه رواه الطحاوي في مشكله (٧٣٧)، وابن حبان (٤٣٠٧)، والحاكم (٢/ ٢١٢)، إلا أن الحاكم جعل الغريف لقب عبد اللَّه بن الديلمي، وهو خطأ؛ فإن الغريف هو ابن عياش بن فيروز، أي ابن أخي عبد اللَّه بن فيروز الديلمي، ولذا ذكر المزي من شيوخ إبراهيم بن أبي عبلة عبد اللَّه بن الديلمي، والغريف بن عياش الديلمي. وهذه متابعة قوية للغريف. إن صح هذا الحديث فهو من جملة المخصصات لقوله تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ [سورة النجم: ٣٩] في حين أن الطحاوي ذكر من أربعة أوجه: عبد اللَّه بن المبارك، وهانئ بن عبد الرحمن، ويحيى بن حمزة، ومالك بن أنس أن النبي ﷺ الأمر الذين سألوه عما سألوه عن رجل أوجب النار أن يأمروا صاحبهم أن يعتق عن نفسه رقبة؛ لتكون فكاكه من النار. ورجح الطحاوي صحة هذا اللفظ لرواية أربعة، وهم أولى بالحفظ، وفيهم مالك، وابن المبارك، فلا يحتاج إلى تأويل، إلا أن في روايات بعضهم كلاما. • عن البراء قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه ﷺ ، أخبرني بعمل يدخلني الجنّة. قال: "لئن قصَّرت في الخطبة لقد عرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة". قال: يا رسول اللَّه ﷺ ، أوما هما سواء؟ قال: "لا، عتق النسمة أن تفرد بها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها، والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم الظالم". قال: فمن لم يطق ذلك؟ قال: "فأطعم الجائع، واسق الظمآن". قال: فإن لم أستطع؟ قال: "مر بالمعروف، وانه عن المنكر". قال: فمن لم يطق ذاك؟ قال: "فكف لسانك إلا من خير". صحيح: رواه أحمد (١٨٦٤٧)، وأبو داود الطيالسي (٧٧٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٩)، وابن حبان (٣٧٤)، والحاكم (٢/ ٢١٧)، والبيهقي (١٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣) كلهم من حديث

стр. 3746

عيسى بن عبد الرحمن، عن طلحة اليامي، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء فذكره. وإسناده صحيح. • عن أبي بردة بن أبي موسى قال: أي بني، ألا أحدثكم حديثا حدثني أبي عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منها عضوا منه من النار". حسن: رواه أحمد (١٩٦٢٣)، والحاكم (٢/ ٢١١)، والبيهقي (١٠/ ٢٧٢) كلهم من حديث سفيان بن عيينة، حدثنا شعبة الكوفي قال: كنا عند أبي بردة بن أبي موسى فقال فذكره. وإسناده حسن من أجل شعبة، وهو ابن دينار الكوفي، قال ابن معين: "ليس به بأس". ووثّقه ابن عيينة، وابن نمير، وأبو نعيم. وقال يعقوب بن سفيان: "كوفي لا بأس به". وهو قليل الحديث، وقد يكون له حديث واحد، وهو هذا. • عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منه عضوا". صحيح: رواه الطحاوي في مشكله (٧١٦) عن أبي أمية، حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن مرة، عن القاسم، عن عائشة، فذكره. وإسناده صحيح. وفي معناه ما روي عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار". رواه أحمد (١٧٣٢٦)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ رقم ٩١٨) كلاهما من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: ذكر أن قيسا الجذامي حدث عن عقبة بن عامر الجهني فذكره. وقيس الجذامي له صحبة. وفيه قتادة مدلس، وقد عنعن، كما أنه لم يلق أحدا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ إلا أنسا وعبد اللَّه بن سرجس، كما نص عليه أبو حاتم في "المراسيل". وقيس الجذامي -وله صحبة- رواه أيضًا عن معاذ بن جبل. رواه أحمد (٢٢١١٣)، عن محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن قيس. وفيه أيضًا الانقطاع؛ فإن قتادة لم يلق قيسا. ٢ - باب فضل عتق الوالد • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا، فيشتريه، فيُعتقه". صحيح: رواه مسلم في العتق (١٥١٠) من طريق جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وقوله: "فيشتريه، فيعتقه" أي يقع العتق بالشراء مباشرة، ولا يحتاج إلى إنشاء العتق، فإن إنشاء العتق يستلزم إبقاءه تحت ملكه أيضًا إن شاء، ولم يقل أحد من أهل العلم أن يكون الأب مملوكالولده حتى يعتقه.

стр. 3747

٣ - باب من ملك ذا رحم محرم فهو حر رُوي عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم فهو حر". رواه ابن ماجه (٢٥٢٥)، وابن الجارود (٩٧٢)، والبيهقي (١٠/ ٢٨٩ - ٢٩٠) كلهم من حديث ضمرة بن ربيعة، عن سفيان الثوري، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر فذكره. قال الترمذي (١٣٦٥) بعد إخراج حديث سمرة الآتي: "وقد روي عن ابن عمر، عن النبي ﷺ فذكر الحديث، وقال: "ولا يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث". وقال النسائي: "لا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير ضمرة، وهو منكر الحديث" وأنكر الإمام أحمد على هذا الحديث وردّه ردًّا شديدًا. تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٤٥٩). وقال البيهقي: "المحفوظ بهذا الإسناد حديث: نهى عن بيع الولاء وهبته". ومن نظر إلى مجرد ثقة ضمرة بن ربيعة صحَّح هذا الحديث على قاعدة معروفة: تفرد الثقة لا يضر، انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٩/ ٢٩٨ - ٢٩٩). وأما حديث سمرة فهو ما رواه أبو داود (٣٩٤٩)، والترمذي (١٣٦٥)، وأحمد (٢٠١٦٧)، والحاكم (٢/ ٢١٤)، والبيهقي (١٠/ ٢٨٩)، وابن الجارود (٩٧٣)، كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن النبي ﷺ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر". قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه مسندا إلا من حديث حماد بن سلمة، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن قتادة، عن الحسن، عن عمر شيئًا من هذا". ثم رواه من حديث محمد بن بكر البرساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، وعاصم الأحول، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ فذكر الحديث. وقال: "لا نعلم أحدا ذكر في هذا الحديث عاصما الأحول عن حماد بن سلمة غير محمد بن بكر". أي أن محمد بن بكر البرساني هو الذي روى عن حماد بن سلمة، وذكر عاصمة الأحول مع قتادة، وغيره يروي عن حماد بن سلمة، عن قتادة وحده. قال البيهقي: "والحديث إذا انفرد به حماد بن سلمة، ثم يشك فيه، ثم يخالفه فيه من هو أحفظ منه، وجب التوقف فيه". وقال علي بن المديني: "هذا الحديث منكر". وقال البخاري: "لا يصح". انظر "التلخيص" (٤/ ٢١٢). وقال أبو داود: "روى محمد بن بكر البرساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة وعاصم، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ مثل ذلك الحديث. قال أبو داود: "ولم يحدث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شك فيه".

стр. 3748

ثم رواه من حديث سعيد (هو ابن أبي عروبة)، عن قتادة أن عمر بن الخطاب قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر". هذا منقطع. ورواه أيضًا عن سعيد (بن أبي عروبة)، عن قتادة، عن جابر بن زيد والحسن مثله. قال أبو داود: "سعيد أحفظ من حماد". انتهى كلام أبي داود. ورواه البيهقي (١٠/ ٢٩٠) من طريق أبي موسى محمد بن المثنى، ثنا الضحاك، عن أبي عوانة، عن الحكم، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد قال: قال عمر: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر -أو ذا محرم-" شك الضحاك. قال أبو موسى: وسمعت أبا الوليد يقول: قرأت في كتاب أبي عوانة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر قال: "لا يسترق ذو رحم". قال الترمذي عقب حديث سمرة: "والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم". وقال البغوي في "شرح السنة" (٩/ ٣٦٤) بعد أن أخرج حديث أبي هريرة: "والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا: إذا اشترى الرجل أحدا من آبائه، أو أمهاته، أو واحدا من أولاده، أو أولاد أولاده، أو ملكهـ بسبب آخر، يعتق عليه من غير أن ينشئ فيه عتقا. وقوله: "فيعتقه" لم يرد به أن إنشاء الإعتاق شرط، بل أراد به أن الشراء يخلصه عن الرق. واختلف أهل العلم في غير الوالدين والمولودين من المحارم، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن من ملك ذا رحم محرم كالأخ، وابن الأخ، والعم، والعمة، والخال، والخالة، يعتق عليه. يروى ذلك عن عمر، وعبد اللَّه بن مسعود، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، وهو قول الحسن، وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي، والزهري، والحكم، وحماد، وإليه ذهب سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق. واحتجوا بما روي عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم، فهو حر". وقال مالك: "لا يعتنق إلا الوالد، والولد، والإخوة". وقال قوم: "لا يعتق إلا الوالدون، والمولودون"، وإليه ذهب الشافعي. ٤ - باب فضل عتق الرقاب الثمينة والنفيسة • عن أبي ذر قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان باللَّه، وجهاد في سبيله". قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: "أعلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها" قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تُعين صانعا، أو تَصنع لأخرق". قال: فإن لم أفعل؟ قال: "تَدَعُ النَّاس من الشر، فإنها صدقة، تصدق بها على نفسك". متفق عليه: رواه البخاري في العتق (٢٥١٨)، ومسلم في الإيمان (١٣٦: ٨٤) كلاهما من

стр. 3749

طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مُراوح الليثي، عن أبي ذر فذكره. ٥ - باب الترغيب في العتق عند الكسوف والخسوف • عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس. وفي لفظ: كنا نؤمر عند الخسوف بالعتاقة. صحيح: رواه البخاري في العتق (٢٥١٩) عن موسى بن مسعود، حدثنا زائدة بن قدامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، فذكرته. واللفظ الآخر عنده أيضًا (٢٥٢٠) عن محمد بن أبي بكر، حدثنا عَثّام، حدثنا هشام به. ٦ - باب العبد إذا كان بين شريكين فأكثر • عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أعتق شركاله في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق". متفق عليه: رواه مالك في العتق والولاء (١) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. ورواه البخاري في العتق (٢٥٢٢)، ومسلم في العتق (١٥٠١: ١)، وفي الأيمان والنذور (١٥٠١: ٤٧) كلاهما من طريق مالك به مثله. • عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أعتق عبدا بينه وبين آخر قُوِّم عليه في ماله قيمة عدل، لا وكس، ولا شطط، ثم عتق عليه في ماله إن كان موسرا". متفق عليه: رواه البخاري في العتق (٢٥٢١)، ومسلم في الأيمان والنذور (١٥٠١: ٥٠) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو (هو ابن دينار)، عن سالم، عن أبيه، فذكره. والسياق لمسلم. • عن ابن عمر أنه كان يفتي في العبد أو الأمة يكون بين شركاء، فيعتق أحدهم نصيبه منه يقول: "قد وجب عليه عتقه كله إذا كان للذي أعتق من المال ما يبلغ، يقوم من ماله قيمة العدل، ويدفع إلى الشركاء أنصباؤهم، ويخلى سبيل المعتق" يخبر ذلك ابن عمر، عن النبي ﷺ . صحيح: رواه البخاري في العتق (٢٥٢٥) عن أحمد بن مقدام، حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، أخبرني نافع، عن ابن عمر فذكره. • عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أعتق نصيبا له في مملوك كُلف أن يتم عتقه بقيمة عدل".

стр. 3750

صحيح: رواه أحمد (٤٤٥١) عن هشيم، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. ورواه (٥٤٧٤) عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيى، وزاد فيه: "فإن لم يكن له مال يعتقه به فقد جاز ما عتق". ورواه مسلم (١٥٠١) من طريق يحيى بن سعيد وغيره، ولم يذكر لفظه، وإنما أحاله على لفظ مالك. وأما البخاري (٢٥٢٥) فعلقه بعد أن أخرج حديث موسى بن عقبة، عن نافع قال: "ورواه الليث، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، وجويرية، ويحيى بن سعيد، وإسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ مختصرا. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال في المملوك بين الرجلين، فيعتق أحدهما قال: "يضمن". صحيح: رواه مسلم في العتق (١٥٠٢) من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة فذكره. وفي الباب ما روي عن سعيد بن المسيب قال: حفظنا عن ثلاثين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "من أعتق شقصا له في مملوك ضمن بقيته". رواه أحمد (١٦٤١٨) عن يزيد بن هارون قال: حدثنا حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب فذكره. وفي إسناده حجاج بن أرطاة مدلس، وفيه كلام معروف. وفي الباب أيضًا ما روي عن إسماعيل بن أمية، عن أبيه، عن جده قال: كان لهم غلام يقال له: طهمان، أو ذكوان، فأعتق جدُّه نصفَه، فجاء العبد إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "تعتق في عتقك، وترق في رقك". رواه الإمام أحمد (١٥٤٠٢) عن عبد الرزاق -وهو في مصنفه (١٦٧٠٥) -، وأبو داود عنه في مراسيله (١٨٥)، والبيهقي (١٠/ ٢٧٤): قال عبد الرزاق: حدثنا عمر بن حوشب، حدثني إسماعيل بن أمية، عن أبيه، عن جده فذكره. وعمر بن حوشب الصنعاني "مجهول"، كما في "التقريب". وإسماعيل بن أمية هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، ثقة ثبت، وثَّقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وغيرهم. وأبوه أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، ابن الأشدق، صدوق. وجدُّ إسماعيل عمرو بن سعيد الأموي تابعي، وليس له صحبة، ولذا قال: إنه حديث مرسل. قال البيهقي: تفرد به عمر بن حوشب، وعمرو بن سعيد ليس له صحبة. وفي أحاديث الباب دليل على أن المملوك إذا أعتق الشقص منه فإنه يعتق كله، ولا يتوقف ذلك على عتق الشريك الآخر، بل يغرم المعتق نصيب شريكهـ، ويكون الولاء كله له؛ لأن الأصل في
следующие страницы →