Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
وفيه قصة (انظر باب ينعقد النكاح بغير مهر).
وإسناده صحيح، وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين.
قلت: وهو على شرط مسلم وحده، فإن البخاري لم يخرج لمحمد بن سلمة وشيخه خالد بن أبي يزيد.
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "إن يُمنِ يمين المرأة تيسيرُ خِطبتها، وتيسيرُ صداقها، وتيسيرُ رحمِها".
حسن: رواه أحمد (٢٤٤٧٨) والبزار - كشف الأستار - (١٤١٧) وابن حبان (٤٠٩٥) والحاكم (٢/ ١٨١) وعنه البيهقي (٧/ ٢٣٥) كلهم من حديث أسامة بن زيد، عن صفوان بن سليم، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
قال عروة كما عند البعض: يتيسر رحِمُها للولادة. وقال: وأنا أقول من عندي: من أول شُؤمها أن يكثر صداقها.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وإسناده حسن من أجل الكلام في أسامة بن زيد وهو الليثي غير أنه حسن الحديث وقد روى له مسلم في المتابعات والشواهد، والحاكم لا يرى الفرق بين الأصل والشواهد.
وأما رُوي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة" فهو ضعيف.
رواه أحمد (٢٤٥٢٩) والحاكم (٢/ ١٧٨) وعنه البيهقي (٧/ ٢٣٥). كلهم من حديث حماد بن سلمة، قال: أخبرني ابن الطفيل بن سَخْبرة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة فذكرته.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
قلت: ليس كما قال، فإن ابن الطفيل بن سخْبرة هذا لا يعرف من هو. وإن كان سماه الحاكم "عمر" والبيهقي "عمرو" ولم يتابع على ذلك أحد، والصحيح أنه لا يُعرف من هو. وقد يقال: هو عيسى بن ميمون كما في "التهذيب" وكذا سماه القُضاعي في مسند الشهاب (١٢٣) فإن كان هو فهو ضعيف، وإن كان غيره فهو "مجهول" وضعّفه أيضا السخاوي في المقاصد الحسنة (٤٥٣).
وقد وقفت على قصة طريفة لسفيان بن عيينة.
قال يحيى بن يحيى النيسابوري: كنت عند سفيان بن عيينة، إذ جاءه رجل فقال: يا أبا محمد، أشكو إليك من فلانة - يعني امرأته - أنا أذل الأشياء عندها وأحقرها. فأطرق سفيان مليا، ثم رفع رأسه فقال: لعلك رغبتَ إليها لتزداد بذلك عزا؟ فقال: نعم يا أبا محمد. فقال: من ذهب إلى العز ابتلي بالذل، ومن ذهب إلى المال ابتلي بالفقر، ومن ذهب إلى الدين يجمع الله له العز والمال مع الدين. ثم أنشأ يُحدّثه فقال: كنا إخوةً أربعةً: محمد، وعمران، وإبراهيم، وأنا، فمحمد أكبرنا وعمران أصغرنا، وكنت أوسطهم، فلما أراد محمد أن يتزوج رغب في الحسب، فتزوج من هي
стр. 3957
أكبر منه حسبا، فابتلاه الله بالذُّلِّ، وعمران رغب في المال فتزوج من هي أكبر منه مالا فابتلاه الله بالفقر، أخذوا ما في يديه ولم يعطوه شيئا، فنقبت في أمرهما، فقدم علينا معمر بن راشد فشاورتُه، وقصصتُ عليه قصة أخويّ، فذكرني حديث يحيى بن جُعدة وحديث عائشة، فأما حديث يحيى بن جعدة: قال النبي ﷺ : "تنكح المرأة على أربع: دينها، وحسبها، ومالها، وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداه" وحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة". فاخترتُ لنفسي الدين وتخفيف الظهر اقتداءً بسنة رسول الله ﷺ فجمع اللهُ لي العِزَّ والمالَ مع الدين.
ذكرها المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة سفيان بن عيينة، فهل كان ابن عيينة عنده إسناد آخر لحديث عائشة يرويه معمر بن راشد، أو هو ذكره كحكاية بدون إسناد.
٧ - باب النهي عن الغلاء في المهور
• عن أبي العَجْفاء السُّلمي قال: خطبنا عمر فقال: ألا لا تغالوا بصُدق النساء، فإنها لو كانت مكرمةً في الدنيا، أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ . ما أصدق رسولُ الله ﷺ امرأةً من نسائه، ولا أُصدِقتْ امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية.
حسن: رواه أبو داود (٢١٠٦) والنسائي (٣٣٤٩) والترمذي (١١١٤) وابن ماجه (١٨٨٧) وأحمد (٣٤٠) وصححه ابن حبان (٤٦٢٠) والحاكم (٢/ ١٧٥ - ١٧٦) والبيهقي (٧/ ٢٣٤) كلهم من حديث محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء السلمي فذكره.
ووقع في بعض طرق الحديث قال ابن سيرين: نُبئت، ولكن جاء التصريح بالسماع في طرق أخرى فزال الانقطاع.
وزاد بعضهم: وإن الرجل ليثقّل صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه ويقول: قد كلفتْ إليك على القرية، أو عرَق القربة.
وكنت رجلًا عربيا مولدًا ما أدري ما علَقُ القربة؟
قال الترمذي: "حسن صحيح. وأبو العجفاء اسمه: هرِم".
قلت: إسناده حسن من أجل أبي العَجْفاء السلمي، فإنه مختلف فيه. فوثّقه ابن معين والدارقطني ولكن قال البخاري: "في حديثه نظر"، وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم. وجرحُهم هذا مجمل، فيقدم توثيق من وثّقه، فمثله يحسن حديثه إذا لم يُخالف، ولم يأت في حديثه ما يُنكر عليه.
وأما قول الحافظ ابن حجر: "مقبول" فالحق أنه "صدوق" وهو لا يحتاج إلى المتابعة.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد - وأبو العُجْفاء السلمي اسمه: هَرِم بن حيّان، وهو من الثقات، ونقل عن عبد الرحمن بن مهدي: "أن اسمه هرم".
стр. 3958
وتعقبه الذهبي فقال: "بل هرم بن نسيب".
وأما ما روي عن الشعبي قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنه يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسولُ الله ﷺ ، أو سبق إليه إلا جعلتُ فضل ذلك في بيت المال، ثم نزل، فعرضت له امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين، أكتاب الله تعالى أحقُّ أن يُتّبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله تعالى فما ذاك؟ قالت: نهيتَ الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء والله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فقال عمر ﵁: "كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثا، ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: إني كنت نَهيتُكم أن تغالوا في صداق النساء، ألا فليفعلْ رجل في ماله ما بدا له. فهو ضعيف.
رواه البيهقي (٧/ ٢٣٣) من حديث سعيد بن منصور - وهو في سننه (١/ ١٦٦) قال: ثنا هُشيم، ثنا مجالد، عن الشعبي فذكره.
قال البيهقي: "هذا منقطع". يعني أن الشعبي لم يدركْ عمر بن الخطاب.
وروي من وجه آخر عن قيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب: "لا تغالوا في مهور النساء". فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ١٠] قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله (فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا)، فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر، فخصمته.
رواه عبد الرزاق (١٠٤٢٠) عن قيس بن الربيع.
وقيس بن الربيع ضعيف باتفاق أهل العلم.
وأبو عبد الرحمن السلمي هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الكوفي المقرئ ثقة ثبت، ولأبيه صحبة، إلا أنه لم يدرك عمر بن الخطاب.
ورُوي عن عمر بن الخطاب أيضا أنه قال: لقد خرجت أنا أريد أن أنهى عن كثرة مهور النساء حتى قرأت هذه الآية ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] رواه سعيد بن منصور في سننه (١/ ١٦٧) والبيهقي وقال: "هذا مرسل جيد".
وفي الباب أحاديث لا تصح:
منها: ما رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرهن أيسرهن صداقًا" رواه ابن حبان في صحيحه (٤٠٣٤) والعقيلي في الضعفاء (٤٩٩) والطبراني في الكبير (١١/ ٧٨) كلهم من حديث رجاء بن الحارث، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٨١): وفيه رجاء بن الحارث ضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات.
стр. 3959
قلت: وهو كما قال. فقد نقل العقيلي عن البخاري قال: رجاء بن الحارث حديثه ليس بالقائم. وقال العقيلي: "وهو لا يتابع عليه".
٨ - باب ينعقد النكاح بغير مهر
• عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة؟ ". قال: نعم، وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلانًا" قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقًا. ولم يعطها شيئًا. وكان ممن شهد الحديبية له سهم خيبر. فلما حضرتْه الوفاةُ قال: إن رسولَ الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقًا، ولم أُعطها شيئًا. وإني أُشْهِدكم أني أعطيتُها من صداقها سهْمي بخيبر، فأخذتْ سهمًا فباعته بمائة ألف.
صحيح: رواه أبو داود (٢١١٧) وصححه ابن حبان (٤٠٧٢) والحاكم (٢/ ١٨١ - ١٨٢) وعنه البيهقي (٧/ ٢٣٢) كلهم من طريق محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: هو على شرط مسلم وحده، لأن البخاري لم يخرج لمحمد بن سلمة ولا لشيخه خالد بن أبي يزيد، وإنما أخرج لهما مسلم فقط.
٩ - باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات
• عن عبد الله بن مسعود في رجل تزوج امرأةً فمات عنها، ولم يَدخُل بها، ولم يَفْرِضْ لها الصداقَ. فقال: لها الصداقُ كاملًا، وعليها العدة، ولها الميراث.
قال معقل بن سنان: سمعت رسول الله ﷺ قضى في بروَع بنت واشق.
صحيح: رواه أبو داود (٢١١٤) والنسائي (٣٣٥٦) وابن ماجه (١٨٩١) وصححه ابن حبان (٤٠٩٨) والحاكم (٢/ ١٨٠ - ١٨١) كلهم من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين".
ورواه أبو داود (٢١١٥) والنسائي (٣٣٥٥) والترمذي (١١٤٥) وابن حبان (٤٠٩٩) كلهم من حديث منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود فذكر الحديث.
وفي لفظ النسائي: "فاختلفوا إليه قريبا من شهر لا يُفتيهم".
قال الترمذي: حسن صحيح.
стр. 3960
ورواه أيضا النسائي (٣٣٥٨) وابن حبان (٤١٠١) والحاكم (٢/ ١٨٠) وعنه البيهقي (٧/ ٢٤٥) عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله أتم من هذا. وهذا لفظه: أتاه قوم فقالوا إن رجلا منا تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقا، ولم يجمعها إليه حتى مات، فقال عبد الله: ما سُئلت منذ فارقت رسول الله ﷺ أشد عليّ من هذه، فأتوا غيري، فاختلفوا إليه فيها شهرا، ثم قالوا: له في آخر ذلك: من نسأل إن لم نسألك وأنت من جلة أصحاب محمد ﷺ بهذا البلد ولا نجد غيرك؟ قال: سأقولُ فيها بجهد رأيي، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، أرى أن أجعلَ لها صداقَ نسائها، لا وكسَ ولا شططَ، ولها الميراثُ وعليها العدة أربعة أشهر وعشرا، قال: وذلك بسمع أناس من أشجع فقاموا فقالوا: نشهد أنك قضيتَ بما قضي به رسول الله في امرأة منا يقال لها: بروع بنت واشق، قال: فما رؤي عبد الله فرح فرحه يومئذ إلا بإسلامه. واللفظ للنسائي.
ورواه أبو داود (٢١١٦) وأحمد (٤٢٧٦) والبيهقي (٧/ ٢٤٦) كلهم من حديث سعيد بن أبي عروة، عن قتادة عن خلاس وأبي حسان، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن مسعود أتي في رجل بهذا الخبر. قال: فاختلفوا إليه شهرا، أو قال: مرات. قال: فإني أقول فيها فذكر مثله.
فقام أناس من أشجع فيهم: الجراح وأبو سنان فقالوا: يا ابن مسعود، نحن نشهد أن رسول الله ﷺ قضاها فينا في بروَع بنت واشق، وزوجِها هلال بن مرة الأشجعي كما قضيت. قال: ففرِحَ عبد الله بن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤُه قضاءَ رسول الله ﷺ . وإسناده صحيح أيضا.
وللحديث طرق أخرى. وإليها أشار الترمذي بقوله: "حديث ابن مسعود حسن صحيح، وقد رُوي عنه من غير وجه".
وقال البيهقي: "هذا الاختلاف في تسمية من روي قصة بروع بنت واشق، عن النبي ﷺ ، لا يُوهن الحديث. فإن جميع هذه الروايات أسانيدها صحاح، وفي بعضها ما دل على أن جماعة من أشجع شهدوا بذلك.
فكأن بعض الرواة سقى منهم واحدا، وبعضهم سمّى اثنين، وبعضهم أطلق لم يسم، ومثله لا يرد الحديث. ولولا ثقة من رواه عن النبي ﷺ لما كان نفرح عبد الله بن مسعود معني. انتهى.
ورُوي عن علي بن أبي طالب خلاف هذا. وهو ما رواه عبد خير عن علي أنه كان يقول في الرجل: تزوج المرأةَ، فيموت عنها، ولم يفرضْ لها، ولم يدخل بها، أنه كان يجعل لها الميراثَ، وعليها العدة، ولا يجعل لها الصداق.
رواه عبد الرزاق (١١٧٣٨) عن الثوري، عن عطاء بن السائب، عن عبد خير، عن علي فذكره.
وعطاء بن السائب اختلط بآخره، ولكن الثوري وهو سفيان بن سعيد الثوري سمع منه قبل الاختلاط. ورواه عبد الرزاق (١١٧٣٧) أيضا من وجه آخر نحوه.
стр. 3961
وبهذا قال جمع من الصحابة وهم زيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وهو قول الشافعي في القديم. ثم رجع عنه بعد ما بلغه حديث بروع بنت واشق بأن لها الصداق.
وإلى هذا الخلاف يشير الترمذي عقب حديث ابن مسعود فقال:
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وبه يقول الثوري وأحمد وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر: إذا تزوج الرجل المرأة ولم يدخل بها، ولم يفرض لها صداقا حتى مات، قالوا: لها الميراث، ولا صداق لها، وعليها العدة. وهو قول الشافعي. قال: لو ثبت حديث بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روي عن النبي ﷺ . وروي عن الشافعي أنه رجع بمصر بعد هذا القول، وقال بحديث بروع بنت واشق". انتهى.
وفي الحديث من الفقه: جواز الاجتهاد في الحوادث من الأحكام فيما لم يوجد فيه نص مع إمكان أن يكون فيها نص وتوقيف. قاله الخطابي.
فإذا وقف على نص يخالف اجتهاده يرجع إلى النص ويترك اجتهاده، وإليه أشار الشافعي: "يُقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه" وقال: "إن حديث رسول الله ﷺ لا يثبت بنفسه، لا بعمل غيره بعده".
١٠ - باب إنْ كان الولي هو الخاطب فعليه أن يعدل في الصداق
• عن عروة بن الزبير يحدث أنه سأل عائشة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] قالت: هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يُقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء.
قالت عائشة: ثم استفتي الناس رسول الله ﷺ بعد: فأنزل الله : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قالت: فبين الله في هذه أن اليتيمة إذ كانت ذات جمال ومال، ورغبوا في نكاحها، ولم يُلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها، والتمسوا غيرها من النساء. قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحِوها إذا رغبوا فيها إلا أن يُقسِطوا لها الأوفى من الصداق، ويُعطوها حقها.
متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٦٣) ومسلم في التفسير (٦: ٣٠١٨) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة فأخبرته. واللفظ للبخاري، ولفظ
стр. 3962
مسلم نحوه.
١١ - باب ما رويَ أن من كشف خمار امرأته، ونظر إليها فقد وجب عليه الصداق
وأما ما روي عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسولُ الله ﷺ : من كشف خمار امرأةٍ، ونظر إليها، فقد وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل بها". فهو ضعيف.
رواه الدارقطني (٣/ ٣٠٧) من طريق ابن لهيعة، نا أبو الأسود، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان فذكره.
قال البيهقي (٧/ ٢٥٦): "هذا منقطع، وبعض رواته غير محتج به".
وهو يقصد بالانقطاع الإرسال، لأن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان تابعي.
قلت: وقد قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابًا، وأرخى سترًا، فقد وجب عليه المهر، وفي رواية: والعدة.
رواه عبد الرزاق (١٠٨٧٥) وسعيد بن منصور (١/ ٢٠٢) وعنه البيهقي (٧/ ٢٥٥) كلهم من حديث عوف قال: سمعت زرارة بن أوفى يقول: قضى الخلفاء الراشدون المهديون فذكر مثله.
قال البيهقي: "هذا مرسل. زرارة لم يُدركهم. وقد روينا عن عمر، وعلي موصولًا".
أما عمر فرواه مالك في النكاح (١٢) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٢٥٥) عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، أن عمر بن الخطاب قضى في المرأة يتزوجها الرجل أنه إذا أُرْخيت الستور فقد وجب الصداق. وإسناده صحيح.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "إذا أغلق بابا، وأرخى سترا فقد وجب الصداق".
رواه البيهقي (٧/ ٢٥٥) من طريق شريك عن ميسرة عن المنهال عن عباد يعني ابن عبد الله الأسدي، عن علي فذكره.
وشريك هو ابن عبد الله النخعي سيء الحفظ.
стр. 3963
جموع أبواب ما جاء في وليمة العُرس
١ - باب ما جاء في الوليمة بالشاة
• عن أنس بن مالك، أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله ﷺ وبه أثر صفرة، فسأله رسول الله ﷺ فأخبره أنه تزوج. فقال له رسولُ الله ﷺ : "كم سُقت إليها؟ ". فقال: زنة نواة من ذهب. فقال له رسول الله ﷺ : "أوْلِمْ ولو بشاةٍ".
متفق عليه: رواه مالك في النكاح (٤٧) عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، فذكره. ورواه البخاري في النكاح (٨١: ١٤٢٧) من طريق مالك، به.
ورواه مسلم في النكاح (٨١: ١٤٢٧) من طريق شعبة، عن قتادة وحميد عن أنس، نحوه.
وقوله: "كم سُقْتَ إليها": أي ما أمهرتها، وقيل للمهر: سوق؛ لأن العرب كانت أموالهم المواشي، فكان الرجل إذا تزوج ساق إليها الإبل والغنم مهرًا.
وفي الحديث رخصة في استعمال الصفرة من الزعفران وغيره للعَريس.
• عن ثابت قال: ذُكرَ تزويجُ زينبِ بنت جحش عند أنس، فقال: ما رأيتُ النبي ﷺ أولمَ على أحد من نسائه ما أولمَ عليها، أولمَ بشاة.
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥١٧١) ومسلم في النكاح (٩٠: ١٤٢٨) كلاهما من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، به. واللفظ للبخاري. وفي لفظ مسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما أوْلَم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه أكثرَ وأفضلَ مما أولَم على زينب. فقال ثابت البناني: بما أولَم؟ قال: "أطعمهم خبزًا ولحما حتى تركوه".
وتفصيله عند البخاري (٤٧٩٣) من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: بُني على النبي ﷺ بزينب بخبز ولحم، فأرسل على الطعام داعيًا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوت حتى ما أجد أحدًا أدعو. فقلت: يا نبي الله، ما أجد أحدًا أدعوه. قال: "ارفعوا طعامكم".
وفيه دليل على أنه يجوز عند الضرورة دعوة قوم يأكلون ويخرجون، ثم يأتي قوم آخرون فيأكلون ويخرجون.
وفي الباب ما رُوي عن بريدة قال: لما خطب عليٌّ فاطمةَ قال رسول الله ﷺ : "إنه لا بد للعُرس من وليمة" فقال سعد: عليَّ كبش. وقال فلان: عليَّ كذا وكذا من ذُرة.
رواه أحمد (٢٣٠٣٥) واللفظ له، والبزار - كشف الأستار - (١٤٠٧) والطبراني في الكبير (١١٥٣)
стр. 3964
كلهم من طريق حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، حدثنا أبي، عن عبد الكريم بن سليط، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكره مطولًا.
وعبد الكريم بن سليط لم يوثِّقه غير ابن حبان، وقد روى عنه عدد، ولكن قال ابن معين: "لم يرو عنه إلا الحسن (بن صالح).
وذكره الحافظ في مرتبة "مقبول" أي إذا توبع وإلا فليِّنُ الحديث.
٢ - باب من أولم بأقل من شاة
• عن صفية بنت شيبة قالت: أولَم النبي ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير.
صحيح: رواه البخاري في النكاح (٥١٧٢) عن محمد بن يوسف (هو الفريابي)، حدثنا سفيان، عن منصور بن صفية، عن أمه صفية بنت شيبة، فذكرته.
اختلف على سفيان. فرواه الفريابي عنه هكذا، ورواه أبو أحمد وهو محمد بن عبد الله الزبيري عنه، وزاد فيه عن عائشة. رواه أحمد (٢٤٨٣١). والطريقان صحيحان.
قال البرقاني: "روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي ووكيع والفريابي وروح بن عبادة، عن الثوري فجعلوه من رواية صفية بنت شيبة. ورواه أبو أحمد الزبيري، ومؤمل بن إسماعيل، ويحيى بن اليمان، عن الثوري فجعلوه عن صفية بنت شيبة، عن عائشة. والأول أصح".
وقال الحافظ ابن حجر: "والذين لم يذكروا فيه عائشة أكثر عددا، وأحفظ وأعرف بحديث الثوري ممن زاد. فالذي يظهر على قواعد المحدثين أنه من المزيد في متصل الأسانيد".
انظر تفصيل ذلك في "الفتح" (٩/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
• عن أنس أن النبي ﷺ أوْلَمَ على صفية بسويق وتمر.
حسن: رواه أبو داود (٣٧٤٤) والترمذي (١٠٩٥) وابن ماجه (١٩٠٩) وصحّحه ابن حبان (٤٠٦١) كلهم من حديث سفيان، عن وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل، عن الزهري، عن أنس فذكره.
وإسناده حسن من أجل بكر بن وائل بن داود التيمي الكوفي فإنه حسن الحديث. قال أبو حاتم: "صالح"، وقال النسائي: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج له في صحيحه، وقال الترمذي: "حسن غريب".
وقال أيضا: رواه الحميدي وهو في مسنده (١١٨٤) عن سفيان نحو هذا. وقد روى غير واحد هذا الحديث عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس. ولم يذكروا فيه (عن وائل، عن أبيه أو ابنه).
وقال: وكان سفيان بن عيينة يدلس في هذا الحديث، فربما لم يذكر فيه: "عن وائل عن أبيه" وربما ذكره. انتهى.
وبين ذلك سفيان فقال: "وقد سمعت الزهري يحدث به فلم أحفظه، وكان بكر بن وائل يجالس
стр. 3965
الزهري معنا".
ذكره الحميدي في مسنده عقب روايته عن سفيان، ثنا وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل، عن الزهري فذكر الحديث.
وأما رواية سفيان عن الزهري، عن أنس بن مالك فرواه ابن الجارود في المنتقي (٧٢٧) عن ابن المقريء، عن سفيان. ورجاله ثقات.
٣ - باب ما جاء في الوليمة أكثر من يوم
عن أنس قال: تزوج النبي ﷺ صفية، وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام، وبسط نطعا جاءت به أم سُليم، وألقى عليه أقطا وتمرا، وأطعم الناس ثلاثة أيام.
حسن: رواه أبو يعلى (٣٨٣٤) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن حميد، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي جعفر الرازي، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وثّقه ابن معين وأبو حاتم وابن سعد والحاكم، وضعَّفه أحمد والنسائي، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة. وقد كنه أيضًا الحافظ في الفتح (٩/ ٢٤٣).
• عن أنس قال: أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاثا، يُبني عليه بصفية بنت حيي. فدعوتُ المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها من خبز ولا لحم، أمر بالأنطاع، فألقى فيها من التمر والأقط والسمن، فكانت وليمته.
صحيح: رواه البخاري في النكاح (٥٠٨٥) عن قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس فذكره.
وأما ما روي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "طعام أول يوم حق، وطعام اليوم الثاني سنة، وطعام اليوم الثالث سمعة، ومن سمّع سمّع الله به" فهو ضعيف.
رواه الترمذي (١٠٩٧) والبيهقي (٧/ ٢٦٠) كلاهما من حديث محمد بن موسى الحرشي، ثنا زياد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود فذكره.
قال الترمذي: "حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير.
وقال: سمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عُقبة قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله مع شرفه، يكذب في الحديث". انتهى.
كذا وقع في نسخة الترمذي، وكذا نقله أيضا ابن حجر في تهذيب التهذيب (٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧) في
стр. 3966
ترجمة زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي العامري. ثم تعقبه فقال: الذي في تاريخ البخاري عن ابن عقبة، عن وكيع: زياد أشرف من أن يكذب في الحديث. وكذا ساقه الحاكم أبو أحمد في الكني بإسناده إلى وكيع، وهو الصواب، ولعله سقط من رواية الترمذي "لا": "وكان فيه مع شرفه لا يكذب في الحديث، فتتفق الروايات". انتهى.
ولكن خلاصة القول فيه أنه ضعيف، ضعّفه ابن معين، وعلي بن المديني، وابن سعد، والنسائي، وقال ابن حبان: "كان فاحش الخطأ، كثير الوهم، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد"، وقال البيهقي: "حديث البكائي غير قوي".
ورواه أيضا من حديث بكر بن خنيس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس أن النبي ﷺ لما تزوج أم سلمة أمر بالنطع فبسط، ثم ألقى عليه تمرا وسويقا. فدعا الناس فأكلوا وقال: "الوليمة في أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رئاء وسمعة".
قال البيهقي: بكر بن حُنين تكلموا فيه".
وكذلك لا يصح ما رواه أبو داود (٣٧٤٥) وأحمد (٢٠٣٢٤) والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٢٥) كلهم من حديث همام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن عثمان الثقفي، عن رجل أعور من ثقيف، كان يقال له: معروفا - أي: يثنى عليه خيرا، إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان، فلا أدري ما اسمه - أن النبي ﷺ قال: "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، واليوم الثالث سمعة ورياء".
وفيه عبد الله بن عثمان الثقفي مجهول، وزهير بن عثمان مختلف في صحبته، فقال البخاري: "لم يصح إسناده، ولا يعرف لزهير صحبة".
ورواه عبد الرزاق (١٩٦٦٠) عن الحسن مرسلا.
قال البيهقي (٧/ ٢٦١) بعد أن نقل قول البخاري: "وقال ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب، ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها، وهذا أصح".
وفي معناه أحاديث أخرى أضعف من هذه.
تمسك بهذه الأحاديث من قال بجواز الوليمة أكثر من يوم بل بوب البخاري بقوله: "حق إجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام ونحوه، ولم يوقت النبي ﷺ يوما ولا يومين".
وهو يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٤٤٨) من طريق حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوج أبي سيرينُ دعا أصحابَ رسول الله سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار دعاهم ودعا أبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما، فكان أُبَيٌّ صائما، فلما طعموا دعا أبيّ بنُ كعب، وأمّن القومُ.
ورواه عبد الرزاق (١٩٦٥) وفيه: "ثمانية أيام".
وذهب إلى هذا المالكية، فقال القاضي عياض: أستحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعا.
стр. 3967
قال: وقال بعضهم: محله إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم.
وفي المغني (١٠/ ١٩٤): إذا صُنِعَت الوليمة أكثر من يوم جاز، وإذا دعي في اليوم الأول وجبت الإجابة، وفي اليوم الثاني تستحب الإجابة، وفي اليوم الثالث لا تستحب. قال أحمد: الأول يجب، والثاني إن أحب، والثالث فلا. وهكذا مذهب الشافعي. انتهى.
٤ - باب التعاون في إقامة الوليمة
• عن أنس بن مالك قال: أعتق النبي ﷺ صفية بنت حيي سيد قريظة والنضير، وتزوجها فأصبح عرُوسا فقال: "من كان عنده شيء فليجيء به". قال: وبسط نِطْعًا قال: فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجلُ يجيء بالتمر، وجعل الرجلُ يجيء بالسمن فحاسوا حيسا. فكانت وليمة رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٧١) ومسلم في النكاح (٨٤: ١٣٦٥) كلاهما من حديث إسماعيل ابن علية قال: حدثنا عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس فذكره في سياق طويل.
٥ - باب وقت الوليمة
• عن أنس بن مالك قال: بنى النبي ﷺ بامرأة، فأرسلني فدعوت رجالًا إلى الطعام.
صحيح: رواه البخاري في النكاح (٥١٧٠) عن مالك بن إسماعيل، حدثنا زهير، عن بيان، قال: سمعت أنسا يقول: فذكره.
ولا خلاف بين أهل العلم في جواز الوليمة قبل البناء وبعده إلا أنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه أولَم قبل البناء.
٦ - باب إجابة الدعوة إلى وليمة العُرس
• عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمةٍ فليأتِها".
وفي لفظ: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عُرس فليُجِبْ".
وفي آخر: "إذا دعا أحدُكم أخاه فليَجِبْ عُرسا كان أو نحوه".
متفق عليه: رواه مالك في النكاح (٤٩) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره. ورواه البخاري في النكاح (٥١٧٣)، ومسلم في النكاح (٩٦: ١٤٢٩) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. واللفظان الآخران عند مسلم: (الأول من طريق عبد الله، والثاني من طريق أيوب كلاهما عن نافع، به.
٧ - باب إجابة دعوة الوليمة لمن كان صائما
• عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم
стр. 3968
لها". قال: كان عبد الله يأتي الدعوة في العُرس وغير العُرس وهو صائم.
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥١٧٩)، ومسلم في النكاح (١٠٣: ١٤٢٩) كلاهما من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع قال: سمعت عبد الله بن عمر، فذكره.
وأما ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من دُعيَ فلم يجب فقد عصى الله ورسولَه، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا" فهو ضعيف. رواه أبو داود (٣٧٤١) والبيهقي (٧/ ٢٦٥) كلاهما من حديث درست بن زياد، ثنا أبان بن طارق، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ودرست بن زياد قال فيه البخاري: حديثه ليس بالقائم.
وقال ابن حبان: "منكر الحديث جدا".
وأبان بن طارق قال فيه أبو زرعة: "مجهول".
وذكر ابن عدي هذا الحديث وقال: "إنه تفرد بهذا الحديث".
وقال: "إن هذا أنكر ما وقع له".
وفي الباب عن عائشة أيضا إلا أنه لا يصح كذلك رواه البيهقي وغيره.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "رسول الرجل إلى الرجل إذنه".
صحيح: رواه أبو داود (٥١٨٩) والبخاري في الأدب المفرد (١٠٧٦) كلاهما عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن حبيب وهشام، عن محمد، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده صحيح، ومحمد هو ابن سيرين. وحبيب هو ابن شهيد.
وأما ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُعي أحدكم إلى طعام، فجاء مع الرسول، فإن ذلك له إذن" فهو منقطع.
رواه أبو داود (٥١٩٠) والبخاري في الأدب المفرد (١٠٧٥) كلاهما من حديث عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة فذكره.
قال أبو علي اللؤلؤي: "سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئا".
قلت: وقال الإمام أحمد: يدخل بينه وبين أبي رافع الحسن وخلّاسًا.
وأبو رافع هو نفيع البصري الصائغ. ثم إن قتادة مدلس، ولم يصرح بالسماع فالظاهر أنه دلّس في هذا الحديث.
٨ - باب شرّ الطعام الذي يُدعى إليه الأغنياء دون الفقراء
• عن أبي هريرة أنه كان يقول: "شر الطعام طعام الوليمة، يُدعى لها الأغنياء، ويُترك المساكين، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى اللهَ ورسولَه".
стр. 3969
متفق عليه: رواه مالك في النكاح (٥٠) عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاري في النكاح (٥١٧٧) ومسلم في النكاح (١٩٧: ١٤٣٢) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
وهذا الحديث موقوف على أبي هريرة، ولكن قوله آخره: "ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله، ويقتضي رفعه، ولأجل ذلك أخرجه الشيخان.
• عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "شرُّ الطعام طعام الوليمة، يُمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة، فقد عصى الله ورسوله".
صحيح: رواه مسلم في النكاح (١١٠: ١٤٣٢) عن ابن أبي عمر، حدثنا سفيان (هو ابن عيينة)،
سمعت زياد بن سعد قال: سمعت ثابتًا الأعرج، يحدّث عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال (فذكره).
وثابت هو ابن عياض الأحنف ويلقب بالأعرج.
٩ - باب دعوة النساء والصبيان إلى وليمة العُرس
• عن أنس بن مالك قال: أبصر النبيُّ ﷺ نساءً وصِبيانًا مقبلين من عرس، فقام ممتنا، فقال: "اللَّهم أنتم من أحب الناس إلي".
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥١٨٠) ومسلم في فضائل الصحابة (١٧٤: ٢٥٠٨) من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: فذكره.
قوله: "فقام ممتنا" أي من الامتنان، فمن قام له النبيُّ ﷺ وأكرمه بذلك فقد امتنّ عليه بشيء لا أعظم منه.
١٠ - باب فيمن جاء إلى الوليمة من غير دعوة
• عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل من الأنصار، يكنى أبا شعيب فقال لغلام له قصّاب - وفي رواية - لحّام، اجعل لي طعامًا يكفي خمسة، فإني أريد أن أدعو النبي ﷺ خامس خمسة. فإني قد عرفت في وجهه الجوع، فدعاهم، فجاء معهم رجل فقال النبي ﷺ : "إن هذا قد تبعنا، فإن شئت أن تأذنَ له، فأذن له، وإن شئت أن يرجع رجع". فقال: لا، بل قد أذنت له.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٠٨١) ومسلم في الأشربة (٢٠٣٦) كلاهما من حديث الأعمش، قال: حدثني شقيق، عن أبي مسعود الأنصار قال: فذكره.
١١ - باب ما جاء من قيام العَروس على خدمة المدعوين عند الضرورة
• عن سهل قال: لما عَرّس أبو أسيد الساعدي، دعا النبي ﷺ وأصحابه، فما صنع لهم طعاما، ولا قرّبه إليهم إلا امرأته أمُّ أُسيد، بلّتْ تمراتٍ في تورٍ من حجارةٍ
стр. 3970
من الليل، فلما فرغ النبي ﷺ من الطعام أماثتْه له، فسَقَتْه، تُتْحِفه بذلك.
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥١٨٢) ومسلم في الأشربة (٨٧: ٢٠٠٦) كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد أبو غسان، حدثني أبو حازم، عن سهل قال: فذكره.
قوله: "أماثته" من ماثه وأماثه - ثلاثيا رباعيا أي أَذَابته.
وقوله: "تُتْحفُه" من الإتحاف وهو إعطاء التحفة.
وذلك عند الضرورة، ويشترط فيها أن تكون متسترة ومتحجبة، لا يظهر منها شيء من الزينة، وهي محتفظة ومحتشمة، وإن استغنى عن خدمتها فهو الأفضل، لأن خدمتها للضيوف لم تكن منتشرة في عهد النبوة ولا بعدها.
١٢ - باب ترك حضور الوليمة التي فيها معصية
• عن علي قال: صنعتُ طعامًا، فدعوت النبي ﷺ فجاء، فدخل فرأى سترًا، فيه تصاوير فرجع. قال: فقلت: يا رسول الله، ما رجعك بأبي أنت وأمي؟ قال: "إن في البيتِ سترًا فيه تصاوير، وإن الملائكةَ لا تدخل بيتا فيه تصاوير".
صحيح: رواه النسائي (٥٣٥١) واللفظ له، وابن ماجه (٣٣٥٩) وأبو يعلى (٤٣٦) كلهم من حديث وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن علي فذكره، وإسناده صحيح.
• عن سفينة أبي عبد الرحمن، أن رجلا أضاف عليّ بن أبي طالب، فصنع له طعامًا. فقالتْ فاطمةُ: لو دعونا النبيَّ ﷺ فأكل معنا. فدعوه فجاء، فوضع يده على عضادتي الباب، فرأى قرامًا في ناحية البيت فرجع. فقالت فاطمة لعلي: الحق فقل له: ما رجعك؟ يا رسول الله، قال: "إنه ليس لي أن أدخل بيتا مزوقا".
حسن: رواه أبو داود (٣٧٥٥) وابن ماجه (٣٣٦٠) وصحّحه ابن حبان (٦٣٤٥) والحاكم (٢/ ١٨٦) كلهم من حديث حماد بن سلمة، قال: حدثنا سعيد بن جمهان قال: حدثنا سفينة فذكره.
وإسناده حسن من أجل سعيد بن جمهان فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث.
والقرام: الستر الرقيم. والمزوق: المنقش.
١٣ - باب الإعلان بالنكاح
• عن محمد بن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : "فصلٌ بين الحلال والحرام: الدفُّ والصوتُ في النكاح".
حسن: رواه الترمذي (١٠٨٨) والنسائي (٣٣٦٩) وابن ماجه (١٨٩٦) وصحّحه الحاكم (٢/ ١٨٤) والبيهقي (٧/ ٢٨٩) كلهم من حديث أبي بلْج، عن محمد بن حاطب فذكره.
стр. 3971
قال الترمذي: "حديث محمد بن حاطب حديث حسن، وأبو بلْج اسمه يحيى بن أبي سُليم، ويقال ابن سليم أيضًا. ومحمد بن حاطب قد رأى النبي ﷺ وهو غلام صغير". وقال الحاكم: صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل أبي بلج فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وفي الباب ما روي عن عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ قال: "أَعْلنوا النكاح". رواه أحمد (١٦١٣) والبزار - كشف الأستار - (١٤٣٣) والطبراني في الأوسط (٥١٤١) وابن حبان في صحيحه (٤٠٦٦) والحاكم (٢/ ١٣٨) وعنه البيهقي (٧/ ٢٨٨) كلهم من حديث عبد الله بن وهب، قال: حدثني عبد الله بن الأسود القرشي، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح".
قلت: فيه عبد الله بن الأسود القرشي مجهول من رجال "التعجيل" لم يوثقه أحد، وقال أبو حاتم: شيخ، لم يرو عنه غير ابن وهب. وكذلك لم يذكر ابن حبان في ثقاته (٧/ ١٥) من الرواة عنه غير ابن وهب.
وقال البيهقي: "تفرد به عبد الله بن الأسود عن عامر" وهو إعلال منه.
وأما معنى الحديث فقال ابن حبان: معناه: أعلنوا بشاهدين عدلين.
وقد جاء مثل هذا المعنى عن كثير من السلف.
والمعنى الآخر المتبادر هو إظهار السرور، والفرح بدون أن تكون فيه المخالفة الشرعية، مثل نصب الخيمة للضيوف، وإنارة البيت، وضرب الدفوف، ورفع الصوت نحو القول" أتيناكم أتيناكم" وأما الصوت بمعنى السماع بالأغاني المهيجة، المشتملة على وصف الجمال والفجور فلم يقل به أحد.
ولذا قال البيهقي (٧/ ٢٩٠): "وبعض الناس يذهب به إلى السماع. وهذا خطأ. وإنما معناه عندنا إعلان النكاح، واضطراب الصوت به، والذكر في الناس".
وأما ما رُوي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف" فهو ضعيف.
رواه الترمذي (١٠٨٩) عن أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عيسى بن ميمون الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة فذكرته.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن في هذا الباب. وعيسى بن ميمون الأنصاري يُضعَف في الحديث. وعيسى بن ميمون الذي يروي عن ابن أبي نجيح التفسير هو ثقة". انتهى.
قلت: عيسى بن ميمون الواسطي الأنصاري قال فيه البخاري: منكر الحديث. ومن طريقه رواه أيضا البيهقي (٧/ ٢٩٠) وضعّفه.
ورواه ابن ماجه (١٩٩٥) من وجه آخر، عن خالد بن إلياس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن،
стр. 3972
عن القاسم، عن عائشة بلفظ: "أعلِنُوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالغربال" وخالد بن إلياس العدوي المدني إمام المسجد النبوي ضعيف باتفاق أهل العلم.
وفي معناه أحاديث أخرى ذكرها البيهقي وضعَّفها.
١٤ - باب يُستحب اللَّهْو، وضرب الدف في الزفاف
• عن الرُّبَيع بنت معوذ بن عفراء قالت: جاء النبي ﷺ فدخل حين بُنِيَ عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني. فجعلتْ جويريات لنا يضربن بالدف، ويندُبْنَ من قُتِلَ من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد.
فقال النبي ﷺ : "دعي هذه، وقولي بالذي كنتِ تقُولين".
صحيح: رواه البخاري في النكاح (٥١٤٧) عن مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا خالد بن ذكوان، قال: قالت الربيع بنت معوذ فذكرته.
• عن عائشة أنها زَفّتْ امرأةً من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ : "يا عائشة، ما كان معكم من لهو، فإن الأنصار يُعجبهم اللَّهْو".
صحيح: رواه البخاري في النكاح (٥١٦٢) عن الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إسرائيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة قالت: إن النبي ﷺ سمع أناسا يُغنُّون في عُرْسٍ، وهم يقولون: وأهدي لها أكبشا ... تُبَحْبَحُ في المربدِ
وزوجك في المنادي ... ويعلم ما في غدِ
فقال النبي ﷺ : "لا يعلم ما في غد إلا الله ".
حسن: رواه الطبراني في الصغير (٣٤٣) والحاكم (٢/ ١٧٥ - ١٨٦) وعنه البيهقي (٧/ ٢٨٩) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة فذكرته.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم.
وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن أبي أويس فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
• عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ مر ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضرِبْنَ بدُفِّهن، ويتغنَّين ويقُلْنَ:
نحن جوارِ من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
فقال النبي ﷺ : "الله يعلم إني لأحبكنَّ".
стр. 3973
حسن: رواه ابن ماجه (١٨٩٩) عن هشام بن عمار قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا عوف، عن ثمامة بن عبد الله، عن أنس بن مالك فذكره. وإسناده حسن من أجل ثمامة بن عبد الله فإنه حسن الحديث.
• عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة: "أهديتم الجارية إلى بيتها؟ ". قالت نعم، قال: "فهلا بعثتم معها من يُغنين يقول:
أتيناكم أتيناكم فحيُّونا نُحيّيكم ... فإن الأنصار قوم فيهم غزل"
حسن: رواه أحمد (١٥٢٠٩) والبزار - كشف الأستار - (١٤٣٢) كلاهما من حديث أجلح، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
وإسناده يكون حسنا من أجل أجلح وهو ابن عبد الله بن حُجية فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث في الشواهد لولا أنه اضطرب فيه، فمرة رواه هكذا من مسند جابر، وأخرى من مسند ابن عباس كما رواه ابن ماجه (١٩٠٠) عنه عن أبي الزبير، عن ابن عباس قال: أنكحتْ عائشةُ ذات قرابة لها من الأنصار. فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أهديتم الفتاة؟ " ثم ذكر نحوه. وثالثة رواه عن أبي الزبير، عن جابر، عن عائشة أنها أنكحت ذا قرابة لها من الأنصار فذكرت نحوه.
وللحديث طرق أخرى وهي ما رواه الطبراني في الأوسط (٣٢٦٥) من طريق محمد بن أبي السري العسقلاني، أنا أبو عصام رواد بن الجراح، عن شريك بن عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي قال: "ما فعلت فلانة؟ " ليت يمة كانت عندها. فقلت: أهديناها إلى زوجها. قال: فهل بعثتم معها جارية تضربُ بالدف وتُغنّي" قالت: تقول ماذا؟ قال: تقول:
أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم
لولا الذهب الأحمر ... ما حلتْ بواديكم
لولا الحبة السمراء ... ما سمنتْ عذاريكم
قال الطبراني: "لم يرو عن هشام إلا شريك، ولا عنه إلا رواد، تفرد به محمد بن أبي السري".
قلت: شريك سيء الحفظ، والراوي عنه رواد بن الجراح أبو عصام مختلف فيه فضعّفه النسائي والدارقطني. ووثقه الدارمي. وقال أحمد: "صاحب سنة لا بأس به".
قلت: ولكنه اختلط بأخره فترك كما في "التقريب".
وفي مسند الإمام أحمد (٢٦٣١٣) عن عائشة قالت: كانت في حجري جارية من الأنصار، فزوجتها قالت: فدخل عليّ رسولُ الله ﷺ يوم عُرسها، فلم يسمع لعبًا فقال: "يا عائشة إن هذا الحي من الأنصار يحبون كذا وكذا".
رواه عن يعقوب وسعد قالا: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن
стр. 3974
إبراهيم بن الحارث التيمي، عن إسحاق بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٨٧٥) فرواه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، بإسناده ولفظه: دخل عليَّ رسول الله ﷺ يوم عرسها فلم يسمع غناء ولا لعبا، فقال: "يا عائشة، هل غنيتم عليها أولا تغنون؟ "ثم قال: إن هذا الحيّ من الأنصار يحبون الغناء".
وفيه إسحاق بن سهل بن أبي حثمة لم يذكره أحد بالتوثيق غير ابن حبان، فإنه ذكره في: "الثقات" (٤/ ٢٢) ولم يذكر من الرواة عنه إلا محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي فهو في عداد المجهولين. ولكن مجموع هذه الطرق باختلاف مخارجها يدل على أصله، كما هو مخرج في صحيح البخاري من حديث عائشة.
• عن عامر بن سعد البجلي يقول: شهدت ثابت بن وديعة وقرظة بن كعب الأنصاري في عرس، وإذا غناء، فقلت لهما في ذلك. فقالا: إنه رُخَّصَ في الغناء في العُرس، والبكاء على الميت في غير نياحة.
صحيح: رواه أبو داود الطيالسي (١٣١٧) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٢٨٩) عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عامر بن سعد البجلي، يقول: فذكر الحديث.
ورواه أيضا ابن أبي شيبة (٤/ ١٩٣) والحاكم (٢/ ١٨٤) كلاهما من حديث شعبة بإسناده مثله. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قال البيهقي: "ورواه إسرائيل، عن أبي إسحاق".
وقلت: وكذلك رواه أيضا شريك عن أبي إسحاق.
فأما رواية إسرائيل: فرواه البيهقي (٧/ ٢٨٩) عن أبي إسحاق، عن عامر بن ربيعة البجلي قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود وذكر ثالثا، - ذَهَب عَلَيَّ - والجواري يضربن بالدف ويغنين. فقلت: تُقِرّون على هذا، وأنتم أصحابُ محمد ﷺ قالوا: "إنه قد رخص في العرسات والنياحة عند المصيبة" وأما حديث شريك فرواه عنه ابن أبي شيبة (٤/ ١٩٢) عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد قال: دخلت على أبي مسعود وقرظة بن كعب وعندهما جوار تُغَنِّين. فقلت: أتفعلون هذا؟ وأنتم أصحاب رسول الله ﷺ قال: فقال: "إنه رُخِّص لنا في اللَّهو عند العرس".
ورواه النسائي (٣٣٨٣) والحاكم (٢/ ١٨٤) من وجه آخر عن شريك، وفيه: فقالا: إن شئت فأقِمْ معنا، وإن شئتَ فاذهبْ، فإنه رُخِّص لنا في اللَّهو عند العُرس، وفي البكاء عند المصيبة.
قال شريك: "أُراه قال: في غير نوح" انتهى. وذكره البيهقي ملخصا وشريك هو ابن عبد الله سيء الحفظ، ولكنه توبع كما رأيت.
وفي الباب ما رُوي عن زوج ابنة أبي لهب قال: دخل علينا رسولُ الله ﷺ حين تزوجت ابنة أبي لهب فقال: "هل من لهو؟ ".
стр. 3975
رواه أحمد (١٦٦٢٦) والطبراني (٢٤/ ٢٥٨) كلاهما من حديث الزبيري، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن معبد بن قيس، عن عبد الله بن عُمير أو عَمِيرة، قال: حدثني زوج ابنة أبي لهب فذكره.
ومعبد بن قيس، وشيخه عبد الله بن عُمير مجهولان، والزبيري هو أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي.
قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٨٩): فيه معبد بن قيس لم أعرفه.
وأما ما روي عن شيخ شهدَ أبا وائل في وليمة، فجعلوا يَلعبون يُغنون، فحلِّ أبو وائل حُبْوتَه وقال: سمعت عبد الله يقول: سمعت رسول ﷺ الله يقول: "إن الغناء يُنبت النفاق في القلب" فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٤٩٢٧) عن مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا سلّام بن مسكين، عن شيخ فذكره. وإسناده ضعيف من جهالة هذا الشيخ.
وقد رُوي بإسناد آخر: إلا أنه موقوف على عبد الله بن مسعود.
رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٦٨٠) والبيهقي (١٠/ ٢٢٣).
كلاهما من طرق عن غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود. ورجاله ثقات.
وذكره الديلمي في الفردوس (٤٣١٩) من حديث أنس بن مالك مرفوعا: "الغناء واللَّهوُ يُنبتان في القلب النفاق، كما ينبت الماء العشب، والذي نفسي بيده إن القرآن والذكر يُنبتان الإيمان في القلب، كما يُنبت الماءُ العشبَ" وأورده السخاوي في المقاصد الحسنة (٧٣١) وقال: "لا يصح كما قاله النووي".
فقه هذا الباب:
قال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: يستحب ضرب الدف في النكاح للنساء خاصة لإعلانه، والتمييز بينه وبين السفاح، ولا بأس بأغاني النساء فيما بينهن مع الدف، إذا كانت تلك الأغاني ليس فيها تشجيع على منكر، ولا تثبيط عن واجب، ويشترط أن يكون ذلك فيما بينهن من غير مخالطة للرجال.
وأما اللعب واللَّهْو للرجال فقال ﵀: الرجال وحدهم إذا كان بالسلاح والرمي، أو بالأشعار العربية، وأما الطبول فلا، أو بالأغاني المنكرة".
انظر: الاختيارات الفقهية له (ص ٤٩٠ - ٤٩١).
وأما رقص النساء فقد سئل فضيلة الشيخ صالح الفوزان عن ذلك فقال: "لا بأس برقص النساء بمناسبة الزواج وضربهن بالدف مع شيء من الغناء النزيه؛ لأن هذا من إعلان الزواج المأمور به شرعا، لكن بشرط أن يكون ذلك في محيط النساء فقط، وبصوت لا يرتفع ولا يتجاوز مكانهن،
стр. 3976
وبشرط التستر الكامل بحيث لا يبدو شيء من عورة المرأة في حالة الرقص كسيقانها وذراعيها وعضديها، وإنما يبدو منها ما جرت عادة المرأة المسلمة بكشفه بحضرة النساء".
قلت: ليس المراد بالرقص هنا الرقص المعهود في الأفلام وإنما المقصود منه تحريك النساء الأيدي والأجسام، وخاصة عند حضور العرس، وإخراج الأصوات الخاصة بهذه المناسبة إظهارا للفرح والسرور مع الالتزام بالآداب الشرعية.
١٥ - باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات
• عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والدخولَ على النساء". فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحموُ؟ قال: "الحموُ موتٌ".
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥٢٣٢) ومسلم في السلام (٢١٧٢) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر فذكره.
والحَمْوُ: على وزن الدَلْو، قال النووي: "والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه، فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته، تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد هو: الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم". اهـ.
• عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا لا يبيتنَّ رجل عند امرأة ثيب، إلا أن يكون ناكحًا، أو ذو محرم".
صحيح: رواه مسلم في السلام (٢١٧١) من طريق هُشيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله فذكره.
وأما ما روي عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "لا تلجوا على المغيبّات، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم" قلنا: ومنك؟ قال: "ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم". فهو ضعيف.
رواه الترمذي (١١٧٢) عن نصر بن علي قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر فذكره.
قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد تكلم بعضهم في مجالد بن سعيد من قبل حفظه". وسمعت علي بن خشرم يقول: قال سفيان بن عيينة في تفسير قول النبي ﷺ : "ولكن الله أعانني عليه فأسلم" يعني أسلم أنا منه.
قال سفيان: "والشيطان لا يسلم".
وقوله: "ولا تلجوا على المغيبّات" والمغيبة: المرأة التي يكون زوجها غائبا. والمغيبات جماعة المغيبة. انتهى كلام الترمذي.
ولكن يرد هذا المعنى الذي ذكره سفيان حديث عبد الله بن مسعود وهو الآتي.
стр. 3977
• عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينُه من الجن".
قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير".
صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة (٢١١٤) من طرق عن جرير، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود فذكره.
فقوله: "أسلم" من الإسلام دون السلامة هذا الذي فسّر به جمهور العلماء هذا الحديث إلا سفيان بن عيينة فإن فسره بقوله: أسلم - أي أجد منه السلامة - يعني أن النبي ﷺ سالم من أن يجري الشيطان فيه مجرى الدم، وهذا لا يشاركه فيه غيره.
• عن ابن عباس يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "ألا لا يخلونَّ رجل بامرأة، إلَّا ومعها ذو محرم".
متفق عليه: رواه مسلم في الحج (١٣٤١) والبخاري في الجهاد (٣٠٠٦) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، حدثنا عمرو بن دينار، عن أبي معبد، قال: سمعت ابن عباس يقول: فذكره في حديث أطول من هذا، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق، وهي تحته يومئذ، فرآهم. فكره ذلك. فذكر ذلك للنبي ﷺ وقال: لم أر إلا خيرًا فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد برأها من ذلك. ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: "لا يدخلٌ رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان".
صحيح: رواه مسلم في السلام (٢١٧٣) من طرق عن عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدّثه، أن عبد الرحمن بن جبر حدثه أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه فذكر الحديث.
١٦ - باب أن أحقَّ ما أُكرم عليه الرجلُ ابنتُه أو أختُه
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : أيما امرأةٍ نكحت على صداقٍ أو جِباء، أو عِدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أُعطيه، وأحق ما أُكرِمَ عليه الرجلُ ابنتُه أو أختُه".
حسن: رواه أبو داود (٢١٢٩) وابن ماجه (١٩٥٥) والنسائي (٣٣٥٣) وأحمد (٦٧٠٩) كلهم من حديث ابن جريج، قال: قال عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره.
стр. 3978
قال البخاري وغيره: "ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب".
لكن تابعه الحجاج بن أرطاة فرواه عن عمرو بن شعيب بإسناده ولفظه: "ما استحل به فرج المرأة من مهر أو عدة فهي لها، وما أكرم به أبوها أو أخوها أو وليها بعد عقدة النكاح فهو له، وأحقُّ ما أُكرِمَ الرجلُ به ابنتُه أو أختُه". رواه البيهقي (٧/ ٢٤٨) والحجاج بن أرطاة فيه كلام. ولكن بمجموع الإسنادين يصير الحديث حسنا.
وأما المعنى فقال بعض أهل العلم: يُحمل هذا الحديث على أن الولي لو اشترط لنفسه مالًا سوى المهر فهو له، وأما المهر فهو حق للمرأة، وقد رُوي عن علي بن حسين أنه زوّج ابنتَه رجلًا، واشترط لنفسه عشرةَ آلاف درهم.
ومن العادات والعُرف تبادل الهدايا بين الطرفين، وهو إن لم يكن من الشروط الفاسدة فلا حرجَ في ذلك. ومنه تجهيزُ الرجل ابنتَه من الأسرّة، والأواني المنزلية، وغيرها كما جاء في الحديث الآتي.
١٧ - باب جهاز الرجل ابنته
• عن علي قال: جهّز رسولُ الله ﷺ فاطمةَ في خَميل، وقربة، ووِسادة أدم، حشوها ليف الإذخر.
صحيح: رواه النسائي (٣٣٨٤) وأحمد (٦٤٣) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن زائدة بن قدامة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي فذكره.
وإسناده صحيح غير أن عطاء بن السائب ممن اختلط في آخر حياته. فقال الإمام أحمد: "هو ثقة، رجل صالح من سمع منه قديما فسماعه صحيح، ومن سمع منه حديثا فسماعه ليس بشيء". فذكر أن شعبة وسفيان ممن سمع منه قديمًا.
وقال غير واحد من أهل العلم: "فما رواه عنه المتقدمون فهو صحيح: مثل سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة، وحماد بن زيد، وأيوب".
قال الحافظ ابن حجر: "فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سماع سفيان الثوري، وشعبة، وزهير، وحماد بن زيد، وأيوب، عنه صحيح، وما عداهم يتوقف فيه".
وأمَّا أبوه فهو السائب بن مالك أبو يحيى، ويقال: أبو كثير وثَّقَه يحيى بن معين، والعجلي، وابن حبان.
وقال ابن أبي حاتم في المراسيل (١٠٦): "قال أبي: السائب بن مالك ليست له صحبة". يعني والد عطاء بن السائب.
١٨ - باب اتخاذ الأنماط ونحوها للعَروس عند البناء
• عن جابر قال: قال لي رسول الله ﷺ : هل لكم أنماط؟ ". قلت: وأنى يكون
стр. 3979
لنا الأنماط؟ قال: "أما أنه سيكون لكم الأنماط".
قال جابر: فأنا أقول لها - يعني امرأته - أخِّري عني أنماطكِ، فتقول: ألم يقال النبي ﷺ : "إنها ستكونُ لكم الأنماط؟ " فأدعُها.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦٣١) ومسلم في اللباس (٢٠٨٣) كلاهما من حديث عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر فذكره. واللفظ للبخاري.
وأما مسلم فأحال على ما قبله.
وقوله: "الأنماط": هو ضرب من البسط له حَمْل رقيق، يستعمل في الغالب في ليلة الزفاف، وفي الليالي التي تليها لاستقبال العروس.
• * *
стр. 3980
٢٥ - كتاب الطلاق
١ - باب فيمن أفسد امرأة على زوجها
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "ليس منا من خبب امرأة على زوجها، أو عبدًا على سيده".
صحيح: رواه أبو داود (٢١٧٥) وأحمد (٩١٥٧) وصححه ابن حبان (٥٦٨، ٥٥٦٠) والحاكم (٢/ ١٩٦) والبيهقي (٨/ ١٣) كلهم من طريق عمار بن رزيق، عن عبد الله بن عيسى، عن عكرمة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح.
وقوله: "خبّب" معناه: أفسد، وخدع، وقد جاء بلفظ "أفسد" في بعض الروايات الأخرى.
• عن بريدة بن حصيب قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من حلف بالأمانة، ومن خبّب على امرئ زوجته، أو مملوكهـ".
صحيح: رواه أبو داود (٣٢٥٣) وأحمد (٢٢٩٨٠) وصححه ابن حبان (٤٣٦٣) والحاكم (٤/ ٢٩٨) والبيهقي (١٠/ ٣٠) كلهم من حديث الوليد بن ثعلبة الطائي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه فذكره.
واقتصر أبو داود على قوله: "من حلف بالأمانة فليس منا" مع أنه رواه من حديث زهير بن معاوية، وهو ممن روى الحديث باللفظ المذكور كاملا. ومن طريقه رواه البيهقي كما ذكر أعلاه.
فلعل أبا داود لم يسمع من شيخه أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية إلا هذا الجزء، ولذا أخرجه في كتاب الأيمان والنذور.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
قلت: وهو كما قال، الوليد بن ثعلبة، وثقه ابن معين وابن حبان وهو من رجال السنن.
وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما، إلا أن الصحيح منها ما ذكرته.
٢ - باب طلاق المرء امرأته بأمر أبيه إذا لم يكن فيه مفسدة
• عن عبد الله بن عمر قال: كانت تحتي امرأة، وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلِّقْها، فأبيتُ، فأتى عمر رسول الله ﷺ فذكر ذلك له. فقال النبي ﷺ : "طلِّقها".
وفي رواية: "أطعْ أباك".
حسن: رواه أبو داود (٥١٣٨) والترمذي (١١٨٩) وابن ماجه (٢٠٨٨) وأحمد (٤٧١١)
стр. 3981
وصحّحه ابن حبان (٤٢٦) والحاكم (٢/ ١٩٧، ٤/ ١٥٢) كلهم من حديث ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن حمزة بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر فذكره.
وإسناده حسن من أجل الحارث بن عبد الرحمن، وهو القرشي العامري خال ابن أبي ذئب حسن الحديث.
قال الترمذي: "حسن صحيح، إنما نعرفه من حديث ابن أبي ذئب".
• عن أبي الدرداء أن رجلا أتاه فقال: إن لي امرأة، وإن أمي تأمرني بطلاقها.
قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضِعْ ذلك البابَ، أو احفظْه".
صحيح: رواه الترمذي (١٩٠٠) وأحمد (٢٧٥١١) والحاكم (٤/ ١٥٢) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي الدرداء فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح".
قلت: إسناده صحيح. وعطاء بن السائب مختلط إلا أن سماع سفيان بن عيينة كان قبل الاختلاط. وتابعه أيضًا شعبة وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط. ومن طريقه رواه ابن ماجه (٢٠٨٩) وأحمد (٢١٦١٧) والحاكم (٤/ ١٥٢) وفيه أن رجلا أمره أبوه أو أمه، أو كلاهما أن يطلق امرأته.
٣ - باب ما جاء في كراهية الطلاق
روي عن محارب بن دثار قال: قال رسول ﷺ الله: "ما أحلَّ اللهُ شيئا أبغضَ إليه من الطلاقِ".
رواه أبو داود (٢١٧٧) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣٢٢) عن أحمد بن يونس، حدثنا معرف بن واصل، حدثني محارب بن دثار فذكره.
ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل، فإن محارب بن دثار من ثقات التابعين.
وتابعه وكيع بن الجراح، عن معرف به مرسلا. رواه ابن أبي شيبة (١٩٥٣٧) كما تابعه أيضا يحيى بن بكير، نا معرف بن واصل قال: حدثني محارب بن دثار قال: تزوج رجل على عهد رسول الله ﷺ امرأة فطلقها. فقال النبي ﷺ : "أتزوجت؟ " قال: نعم، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم طلقت. قال: "أمن ريبة؟ " قال: لا، قال: "قد يفعل ذلك الرجل؟ " قال: ثم تزوج امرأة أخرى، فطلقها. فقال له النبي ﷺ مثل ذلك. قال معرف: فما أدري أعند هذا، أو عند الثالثة. قال النبي ﷺ : "إنه ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق". رواه البيهقين
ولكن رواه الحاكم (٢/ ١٩٦) وعنه البيهقي من حديث محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أحمد بن يونس بذكر ابن عمر موصولًا.
стр. 3982
قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وزاد الذهبي فقال: "على شرط مسلم".
قلت: لكن محمد بن عثمان بن أبي شيبة ليس من رجال مسلم، بل ليس من رجال الستة، وإنما من أقران مسلم وأبي داود وغيرهما، ثم هو ممن كذبه أحمد، وقال ابن خراش: "كان يضع الحديث". فكيف يقبل منه مخالفة أبي داود الذي رواه مرسلا بدون ذكر ابن عمر.
وإليه أشار البيهقي بقوله: ولا أراه حفظه.
وقد رواه مرصولًا أيضًا محمد بن خالد الوهبي، عن معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
رواه أبو داود (٢١٧٨) عن كثير بن عبيد، حدّثنا محمد بن خالد فذكره. ومحمد بن خالد وإن كان ثقة وثّقه الدارقطني وغيره، إلا أنه خالف ثلاث ثقات وهم أحمد بن عبد الله بن يونس، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن بكير فكل هؤلاء رووه عن محارب بن دثار مرسلا.
وقد سئل أبو حاتم عن حديث رواه محمد بن خالد الوهبي، عن الوضاح، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ ، وعن محمد بن خالد الوهبي، عن معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ ، فقال: إنما هو محارب عن النبي ﷺ مرسل. علل الحديث (١/ ٤٣١).
وقد تبيّن من هذا أن محمد بن خالد الوهبي مع مخالفته الثقات، قد اضطرب فيه فمرة رواه عن معرف بن واصل كما مضى، وأخرى عن الوضاح، وثالثة عن عبيد الله بن الوليد الصافي، وهو عند ابن ماجه (٢٠١٨) كل هؤلاء عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر فذكر الحديث.
وعبيد الله بن الوليد الصافي ضعيف.
ولذا رجح كونه مرسلا مع أبي حاتم الدارقطني في العلل (١/ ٤٣١) والبيهقي وغيرهم، والله تعالى أعلم بالصواب.
وفي الباب ما رُوي أيضًا عن شهر بن حوشب مرفوعًا: "إن الله لا يحب كل ذواق من الرجال، ولا كل ذواقة من النساء" رواه ابن أبي شيبة (١٩٥٣٦) عن محمد بن فضيل، عن ليث، عن شهر بن حوشب قال: تزوج رجل امرأة على عهد النبي ﷺ ، فطلقها، فقال له النبي ﷺ : "طلقتها" قال: نعم، قال: "من بأس؟ " قال: لا، يا رسول الله، ثم تزوج أخرى ثم طلقها، فقال له رسول الله ﷺ : "طلقتها؟ " قال: نعم، قال: لمن بأس؟ قال: لا، يا رسول الله، ثم تزوج أخرى ثم طلقها، فقال له رسول الله ﷺ : "طلقتها؟ " قال: نعم، قال: "من بأس؟ " قال: لا، يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ في الثالثة: "إن الله لا يحب كل ذواق من الرجال، ولا كل ذواقة من النساء".
وفيه ليث وهو ابن أبي سُليم سيء الحفظ، وشهر بن حوشب فيه كلام معروف، ثم هو مرسل، وقد روي موصولا بذكر أبي هريرة ولا يصح كما رُوي نحوه عن أبي موسى. رواه البزار - كشف
стр. 3983
الأستار - (٢/ ١٩٢) من ثلاثة أوجه وكلها ضعيفة. وقد سأل عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "لا تطلقوا النساء إلا عن ريبة؛ فإن الله تعالى يَكرهُ الذواقين والذواقات".
قال: قال أبي: "عبادة بن نُسَي، عن أبي موسى لا يجيء". العلل (١٢٨ ٤).
٤ - باب من أعظم فتنة الشيطان التفريق بين المرء وزوجه
• عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة. يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئًا. قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فَرَّقْتُ بينه وبين امرأته. قال: فيدنيه منه، ويقول: نِعْمَ أنت".
صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٨١٢/ ٦٧) من طرق عن أبي معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره.
٥ - باب طلاق السنة
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
أي إذا أردتم تطليق النساء فطلقوهن مستقبلات العدة.
والمطلقة تستقبل العدة إذا طلقت بعد أن تطهر من الحيض والنفاس قبل أن يمسها زوجها.
وقيل: إن الحكمة في منع الطلاق في الحيض أو النفاس تطويل العدة، إن كانت الأقراء هي الأطهار.
واللفظ الوارد في حديث عبد الله بن عمر جاء على أوجه:
الوجه الأول: "ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمسها".
ممن رواه عن عبد الله بن عمر الوجه الأول:
• عن نافع، إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ . فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال رسول الله ﷺ : "مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء".
متفق عليه: رواه مالك في الطلاق (٥٣) عن نافع، به.
ورواه البخاري في الطلاق (٥٢٥١)، ومسلم في الطلاق (١: ١٤١٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
стр. 3984
ورواه مسلم أيضًا من طريق الليث بن سعد، عن نافع، عن عبد الله أنه طلق امرأة له وهي حائض تطليقة واحدة، فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض عنده حيضة أخرى. ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.
وكذلك رواه مسلم أيضًا من طريق عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: طلقت امرأتي على عهد رسول الله ﷺ وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ فقال: "مُرْهُ فليراجعها، ثم لدعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها، أو يمسكها، فإنها العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء".
وكذلك رواه أيوب، عن نافع، أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ فأمره أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهرَ، ثم يطلقها قبل أن يمسها. فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. رواه مسلم.
• عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: طلّقت امرأتي وهي حائض. فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ، فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال: "مره فليراجعها حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة، سوى حيضتها التي طلقها فيها، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهرًا من حيضتها قبل أن يمسها، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله" وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة، فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله كما أمره رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٠٨)، ومسلم في الطلاق (٤: ١٤٧١) كلاهما من طريق الزّهريّ، قال: أخبرني سالم به، فذكره.
واللفظ لمسلم، وليس عند البخاري قوله: "وكان عبد الله ... الخ".
ورواية سالم بن عبد الله موافقة لرواية نافع.
ولكن رواه غير الزّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فقال: "مره فليراجعها، ثم يطلقها طاهرا أو حاملا" رواه مسلم من حديث محمد بن عبد الرحمن (مولى آل طلحة) عن سالم فذكره.
• عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم يطلق بعد أو يمسك".
صحيح: رواه مسلم (٦: ١٤٧١) عن أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، حدّثنا خالد بن مخلد، حدثني سليمان (هو ابن بلال) حدثني عبد الله بن دينار فذكره.
стр. 3985
الوجه الثاني: إنه أمر بمراجعتها. فإذا طهرت فليطلقها لطهرها.
• عن أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق. فقال: طلقتها وهي حائض، فذُكر ذلك لعمر، فذكره للنبي ﷺ فقال: "مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها" قال: فراجعتها ثم طلقتها لطهرها، قلت: فاعتددت بتلك التطليقة التي طلقت وهي حائض؟ قال: ما لي لا أعتد بها؟ وإن كنت عجزت واستحمقت".
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٥٢) ومسلم في الطلاق (١٢: ١٤٧١) كلاهما من طريق شعبة، عن أنس بن سيرين فذكره.
واللفظ لمسلم. وأما البخاري فاقتصر على لفظ: "ليراجعها. قلت: تحتسب؟ قال: "فمه" وعن قتادة، عن يونس بن جبير، عن ابن عمر. قال: "فمره فليراجعها" قلت: نحتسب؟ قال: "أرأيت إن عجز واستحمق".
• عن أبي الزبير أنه سمع عبد الله بن عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر - وأبو الزبير يسمع ذلك -: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر رسول الله ﷺ فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال له رسول الله ﷺ : "ليراجعها" فردها وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك".
قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (١٤: ١٤٧١) عن هارون بن عبد الله، حدّثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، به، فذكره.
ثم رواه مسلم من طريق عبد الرزاق - وهو في مصنفه (١٠٩٦٠) - أخبرنا ابن جريج، أخبرني، أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن (مولى عروة) يسأل ابن عمر، وأبو الزبير يسمع بمثل حديث حجاج. وفيه بعض الزيادات.
ولم يُشر مسلم إلى هذه الزيادة، وهي كما في مصنف عبد الرزاق: "فردّها ولم يرها شيئًا" وكذلك رواه الإمام أحمد (٥٥٢٤) عن روح، عن ابن جريج، بهذه الزيادة، وعدم ذكر مسلم هذه الزيادة إعلال منه، فالظاهر أنه اختلف على أبي الزبير في هذه الزيادة. فرواه حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عنه بدون هذه الزيادة.
ورواه عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه بهذه الزيادة، وتابعه عليه روح بن عبادة عند الإمام أحمد.
والعلماء أنكروا على أبي الزبير في هذه الزيادة منهم: أبو داود (٢١٨٥) فقال بعد أن أخرج الحديث من طريق عبد الرزاق بلفظه: "روى هذا الحديث عن ابن عمر: يونس بن جبير، وأنس بن
стр. 3986
سيرين، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبو الزبير، ومنصور، عن أبي وائل، معناهم كلهم أن النبي ﷺ أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلق، وإن شاء أمسك. وكذلك رواه محمد بن عبد الرحمن، عن سالم، عن ابن عمر.
أما رواية الزّهريّ عن سالم ونافع، وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، وروي عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن ابن عمر نحو رواية نافع والزهري، والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. انتهى.
وقال الخطابي: "قال أهل العلم: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا".
وكذلك قال ابن عبد البر أن قوله: "ولم يرها شيئًا" منكر، لم يقله غير أبي الزبير، وهو ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه".
ولكن رواه أيضًا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ما يفيد معناه - وهو أن ابن عمر طلق امرأته، وهي حائض، فردها عليه رسول الله ﷺ حتى طلقها وهي طاهر. رواه النسائي (٣٣٩٨) عن زياد بن أيوب، قال: حدّثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر فذكره.
وهذا اللفظ محتمل أن يكون بمعنى "لم يره شيئًا" كما يحتمل بمعنى المراجعة كما في سائر الروايات.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تأويل حديث أبي الزبير ليوافق سائر الروايات.
ثم إن في قوله: "فإذا طهرت فليطلق أو يمسك" أي يطلقها في الطهر الأول، فلعل هذا اختصار من بعض الرواة وقد جاء مجملا أيضًا، وهو اللفظ الثالث.
والوجه الثالث: مجمل، وهو أنه طلق امرأته وهي حائض فأمر أن يراجعها. كما في الرواية الآتية:
• عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أنهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض. فأمر أن يراجعها. فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلّاب يونس بن جبير الباهلي. وكان ذا ثبت فحدثني أنه سأل ابن عمر، فحدثه أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، فأمر أن يرجعها.
قال: قلت: أفحسبت عليه؟ قال: فمه، أو إن عجز واستحمق؟
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٣٣٣) من طريق يزيد بن إبراهيم ومسلم في الطلاق (٧: ١٤٧١) من طريق أيوب، كلاهما عن ابن سيرين، به، واللفظ لمسلم وهو عند البخاري مختصر لم يذكر أول القصة.
وذكره البخاري معلقا (٥٢٥٣) من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: حسبت علي بتطليقة.
стр. 3987
ومما سبق يظهر أنه لا خلاف بين أهل العلم أن الذي طلق امرأته في الحيض وجب عليه مراجعته، ثم الانتظار إلى الطهر الثاني، فإن شاء أمسكها، وإن شاء طلقها.
واختلفوا في تطليقها في الطهر الأول فذهب أبو حنيفة إلى جوازه، لأن التحريم كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده.
وعند الإمام أحمد رواية في جواز ذلك، وكذلك عند الشافعية وجه، ولكن الصحيح عنده المنع.
وقد ذكروا حكما كثيرة في تأخيره إلى الطهر الثاني منها أن لا تكون المراجعة لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زمانا فقد يجامع فيه، ولا يجوز له أن يطلقها في طهر جامع فيه، فيتراجع عن إيقاع الطلاق أصلا.
• عن عبد الله أنه قال: طلاق السنة تطليقة وهي طاهر، في غير جماع، فإذا حاضت، وطهرت طلّقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة.
صحيح: رواه النسائي (٣٣٩٤) واللفظ له، وابن ماجه (٢٠٢١) كلاهما من حديث حفص بن غياث، قال: حدّثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله فذكره.
قال الأعمش: سألت إبراهيم فقال مثل ذلك.
وعند النسائي (٣٣٩٥) وابن ماجه (٢٠٢٠) كلاهما من وجه آخر عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع. وإسناده صحيح، وسفيان من قدماء أصحاب أبي إسحاق.
طلاق السنة عند الأئمة إذا توفرت فيه أربعة شروط:
١ - أن تكون طاهرا.
٢ - لم يمسها في ذلك الطهر.
٣ - أن يطلقها طلقة واحدة.
٤ - أن لا يتبعها طلاقا آخر حتى تنقضي العدة.
اختلف في الشرط الرابع فقال أهل الكوفة مستدلين بقول ابن مسعود: طلاق السنة أن يطلقها في كل قرء طلقة.
وقال الإمام أحمد: "طلاق السنة واحدة، ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيضات. وكذلك قال مالك والشافعي.
وقالوا: تلك هي العدة التي أمر الله تعالى تطلق فيها النساء بقوله سبحانه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
ويظهر الخلاف بين القولين أن المطلقة تكون بائنة إذا انقضى الطهر الثاني عند أصحاب القول الأول، بخلاف القول الثاني فإنها تكون بائنة بعد انقضاء الحيضة الثالثة. وفي الموضوع كلام كثير
стр. 3988
عند الفقهاء.
وأما الطلاق البدعي فهو أن يطلقها في حيض، أو نفاس، أو طهر جامع فيه. أو طلق ثلاثا بكلمة واحدة، أو طلق متفرقات في مجلس واحدة.
وفي قول ابن عمر: "أرأيت إن عجز واستحمق" وقوله: "حسبت علي بتطليقة" دليل على وقوع الطلاق البدعي وبه قال جمهور أهل العلم.
وأما في رواية أبي الزبير "ولم يروه شيئًا" ففيه حجة لمن قال: إن الطلاق البدعي لا يقع، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. وقد أطال النفس فيه ابن القيم في زاد المعاد، وذكرتُ خلاصة الموضوع في "المنة الكبرى" (٦/ ٣٢٣) فراجعه، وتبين لي من خلال النصوص الواردة عن ابن عمر وغيره أن الطلاق البدعي يقع كما قال به جمهور العلماء.
٦ - باب لا طلاق قبل النكاح
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
عن ابن عباس قال: "جعل الله الطلاق بعد النكاح".
ذكره البخاري تعليقا في الطلاق (٩/ ٣٨١ - مع الفتح).
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك، ولا وفاء نذر إلا فيما تملك".
حسن: رواه أبو داود (٢١٩٠) والترمذي (١١٨١) والنسائي (٤٦١٣) وابن ماجه (٢٠٤٧) وأحمد (٦٧٦٩) وابن الجارود (٧٤٣) والحاكم (٢/ ٢٠٥) كلهم من طرق كثيرة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره، واختصره البعض على بعض الفقرات.
قال الترمذي: "حسن صحيح، وهو أحسن شيء رُوي في هذا الباب".
وسكت عليه الحاكم ولكن قال الذهبي في التلخيص: "صحيح".
قلت: إسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب وهو حسن الحديث.
هكذا هذا الحديث رواه عامر الأحول ومطر الوراق وعبد الرحمن بن الحارث وحبيب المعلم وحسين المعلم كلهم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وخالفهم ابن جريج فرواه عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: فذكر الحديث.
ومن هذا الطريق رواه عبد الرزاق (٦/ ٤١٧، ٤١٨) والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٦٦) والدارقطني (٤/ ١٤)
стр. 3989
والحاكم (٢/ ٤١٩) والبيهقي (٧/ ٣٢٠) وسكت عنه الحاكم والذهبي، وهذه رواية شاذة المخالفة ابن جريج لجماعة من رووه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وقد سئل الدارقطني عن حديث طاوس، عن معاذ بن جبل، فبين الاختلاف على عمرو، ورجّع رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. "العلل" (٦/ ٦٥).
وفي الباب عن علي، ومعاذ بن جبل، وجابر، وابن عباس، وعائشة. وهي كلها معلولة ولا يصح في هذا الباب غير حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
روي عن ابن عباس قال: ما قالها ابن مسعود - وإن يكن قاله - فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق. قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] ولم يقل إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن.
رواه الحاكم (٢/ ٢٥٠) وعنه البيهقي (٧/ ٣٢١) من حديث علي بن حسن بن شقيق، نا الحسين بن واقد وأبو حمزة جميعا عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد".
قلت: إسناده حسن، الحسين بن واقد فيه كلام يسير إلا أنه توبع.
وذكر البخاري تعليقا (٩/ ٣٨١ - مع الفتح).
قال الخطابي في "معالم السنن": "وقوله: "لا طلاق" ومعناه نفي حكم الطلاق المرسل على المرأة قبل أن تملك بعقد النكاح، وهو يقتضي نفي وقوعه على العموم، سواء كان في امرأة بعينها أو في نساء لا بأعيانهن.
وقد اختلف الناس في هذا: فروي عن علي، وابن عباس، وعائشة، ﵃ أنهم لم يروا طلاقا إلا بعد النكاح، وروي ذلك عن شريح، وابن المسيب، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعروة، وعكرمة، وقتادة. وإليه ذهب الشافعي.
وروي عن ابن مسعود إيقاع الطلاق قبل النكاح، وبه قال الزّهريّ، وإليه ذهب أصحاب الرأي. وقال مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى: إن خص امرأة بعينها، أو قال: من قبيلة، أو بلد بعينه جاز، وإن عم فليس بشيء، وكذلك قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وقال سفيان الثوري نحوا من ذلك إذا قال: إلى سنة، أو وقت معلوم.
وقال أحمد بن حنبل وأبو عبيد: إن كان نكح لم يؤمر بالفراق، وإن لم يكن نكح لم يؤمر بالتزويج. وقد روي نحو من هذا عن الأوزاعي".
قال الشيخ: وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره وأجراه على عمومه. إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال. والحديث حديث حسن.
وقال أبو عيسى الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل، فقلت: أي شيء أصح في الطلاق قبل
стр. 3990
النكاح؟ فقال: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وسئل ابن عباس عن هذا؟ فقرأ قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] انتهى كلام الخطابي.
وقد ذكر البخاري - الفتح (٩/ ٣٨١) والترمذي، والبيهقي (٧/ ٣١٧ - ٣٢٠) عددا كثيرا من الأخبار في عدم وقوع الطلاق والعتاق. ثم قال البيهقي كما في "الفتح": "هذه الآثار تدل على أن معظم الصحابة والتابعين فهموا من الأخبار أن الطلاق أو العتاق الذي علق قبل النكاح والملك لا يعمل بعد وقوعها، وأن تأويل المخالف في حمله عدم الوقوع على ما إذا وقع الملك، والوقوع إذا وقع بعده ليس بشيء، لأن كل أحد يعلم بعدم الوقوع قبل وجود عقد النكاح أو الملك. فلا يبقى في الأخبار فائدة، بخلاف ما إذا حملناه على ظاهره، فإن فيه فائدة، وهو الإعلام بعدم الوقوع، ولو بعد وجود العقد. فهذا يرجح ما ذهبنا إليه من حمل الأخبار على ظاهرها". انتهى.
ولم أقف على هذا النص في السنن الكبرى المطبوعة في باب الطلاق قبل النكاح في الصفحات المشار إليها أعلاه فتأكد من مصدر كلامه.
٧ - باب الوسوسة في الطلاق
• عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفُسُها ما لم يتكلموا أو يعملوا".
متفق عليه: رواه البخاري في العتق (٢٥٢٨) ومسلم في الإيمان (١٢٧) كلاهما من حديث مسعر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة فذكره.
٨ - باب ما جاء في طلاق المُكْرَه
• عن عائشة تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق".
حسن: له طرق منها ما رواه أبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) والدارقطني (٤/ ٣٦) والحاكم (٢/ ١٩٨) والبيهقي (٧/ ٣٥٧) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، قال: حدثني ثور بن يزيد الكلاعي - وكان ثقة - عن محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي قال: حججتُ مع عدي بن عدي الكندي، فبعثني إلى صفية بنت شيبة بن عثمان صاحب الكعبة أسألها عن أشياء سمعتْها من عائشة عن رسول الله ﷺ . فكان فيما حدثتني أنها سمعث عائشة تقول: فذكرت الحديث.
وإسناده ضعيف من أجل محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
فتعقبه الذهبي بقوله: كذا قال، ومحمد بن عبيد لم يحتج به مسلم. وقال أبو حاتم: ضعيف.
وبه أعله المنذري في مختصر أبي داود، والحافظ ابن حجر في التلخيص (٣/ ٢١٠).
ومنها ما قاله الحاكم: وقد تابع أبو صفوان الأموي محمد بن إسحاق على روايته عن ثور بن
стр. 3991
يزيد فأسقط من الإسناد محمد بن عبيد".
ثم رواه من طريق نعيم بن حماد، ثنا أبو صفوان.
قلت: إذًا رجع الإسناد إلى محمد بن عبيد.
قال الذهبي في التلخيص: "نعيم صاحب مناكير".
قلت: ومحمد بن إسحاق مدلس، ولكنه صرّح في بعض طرقه، وكما توبع أيضًا.
ومنها: ما رواه عطان بن خالد قال: حدثني محمد بن عبيد، عن عطاء، عن عائشة ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٤٣٠) وقال: قلت لأبي: أيهما الصحيح؟ فقال: "حديث صفية أشبه".
ومنها: ما رواه الدارقطني (٤/ ٣٦) والبيهقي من طريق قرعة بن سويد، عن زكريا بن إسحاق، ومحمد بن عثمان جميعا عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" وقزعة بن سويد ضعيف كما في التقريب.
وبمجموع هذه الطرق يكون الحديث حسنًا، لأن من الحسن ما روي من غير وجه ليس فيه متهم.
وقوله: إغلاق" فسروه بالإكراه، لأن المكره يغلق عليه أمره، وتصرفه، وقيل: كأن يغلق عليه الباب ويحبس، ويضيق عليه حتى يطلق. وقيل: الإغلاق هنا: الغضب، وقيل: معناه: النهي عن إيقاع الطلاق الثلاثة كله في دفعة واحدة حتى لا يبقى منه شيء، ولكنه ليطلق للسنة كما أمر. ذكره المنذري في مختصر أبي داود.
وقال الخطابي: "معنى "الإغلاق" الإكراه. وكان عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، ﵃ لا يرون طلاق المكره طلاقا. وهو قول شريح، وعطاء، وجابر بن زيد، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وسالم. وإليه ذهب مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وكان الشعبي، والنخعي، والزهري، وقتادة، يرون طلاق المكره جائزا. وإليه ذهب أصحاب الرأي. وقالوا في بيع المكره: إنه غير جائز. انتهين ا
وأما تفسيره بالغضب فقيل: لو كان كذلك لم يقع على أحد طلاق، لأن أحدا لا يطلق حتى يغضب. فالصحيح هو الإكراه والتضييق، وبه فسره أيضًا أبو عبيد، وابن قتيبة، وابن السيد وغيرهم.
٩ - باب طلاق النائم والصغير والمعتوه
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يُفيق".
حسن: رواه أبو داود (٤٣٩٨) والنسائي (٦/ ١٥٦) وابن ماجه (٢٠٤١) وابن الجارود (١٤٨) وأحمد (٢٤٦٩٤) وصححه ابن حبان (١٤٢) والحاكم (٢/ ٥٩) كلهم من حديث حماد بن سلمة،
стр. 3992
عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة فذكرته.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: إسناده حسن من أجل حماد وهو ابن أبي سليمان فإنه حسن الحديث.
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله".
رواه الترمذي (١١٩١) وقال: "هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف، ذاهب الحديث".
قلت: وهو كما قال، فإن عطاء بن عجلان هذا هو الحنفي، أبو محمد البصري العطار ضعيف باتفاق أهل العلم.
والصواب في هذا ما جاء عن علي بن أبي طالب موقوفا ولفظه: "كل الطلاق جائز إلا المعتوه" رواه البيهقي (٧/ ٣٥٩) بإسناد صحيح إليه.
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن طلاق المعتوه والمغلوب على عقله لا يجوز، إلا أن يكون معتوها يُفيق أحيانا، فيطلق في حال إفاقته". انتهى.
بقية أحاديث هذا الباب مخرجة في كتاب الحدود.
١٠ - باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثٌ جِدُّهن جِدٌّ، وهزلهن جِدٌّ، النكاحُ، والطلاقُ، والرجعةُ".
حسن: رواه أبو داود (٢١٩٤) والترمذي (١١٨٤) وابن ماجه (٢٠٣٩) وابن الجارود (٧١٢) والدارقطني (٣/ ٢٥٧) والحاكم (٢/ ١٩٨) كلهم من حديث عبد الرحمن بن حبيب بن أردك المدني، عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد، وعبد الرحمن بن حبيب من ثقات المدنيين".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم" وقال: "وعبد الرحمن: هو ابن حبيب بن أردك المدني، وابن ماهك: هو عندي يوسف بن ماهك". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٣/ ٢١٠) بعد أن نقل قول الترمذي والحاكم: "وأقره صاحب الإلمام، وهو من رواية عبد الرحمن بن حبيب بن أردك وهو مختلف فيه، قال النسائي: "منكر الحديث" ووثقه غيره، فهو على هذا حسن".
وفي الباب ما روي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجوز اللعب في ثلاث:
стр. 3993
الطلاق، والنكاح، والعتاق، فمن قالهن فقد وجب".
رواه الحارث بن أسامة في مسنده - بغية الباحث - (٣٠٥) عن بشر بن عمر، ثنا عبد الله بن الهيعة، ثنا عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت فذكره.
وفيه علتان:
إحداهما: عبد الله بن لهيعة وفيه كلام معروف.
والثانية: الانقطاع، كما أشار إليه ابن حجر في التلخيص (٣/ ٢٠٩).
يعني بين عبيد الله بن أبي جعفر وبين عبادة بن الصامت.
وروي مثل هذا أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "ثلاث ليس فيهن لعب، من تكلم بشيء منهن لاعبا، فقد وجب عليه: الطلاق والعتاق والنكاح". رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٠٣٣) وفيه غالب بن عبيد الله ضعفه ابن معين. قال ابن عدي: ولغالب غير ما ذكرت، وله أحاديث منكرة المتن مما لم أذكره".
وفي الباب أحاديث أخرى بمعناها، يقوي بعضها بعضا، ومجموعها يدل على أن له أصلا، ويؤيده آثار الصحابة.
منها: ما أُثرَ عن علي، وعمر أنهما قالا: "ثلاث لا لعب فيهن: النكاح، والطلاق، والعتاق" وفي رواية عنهما: أربع، وزاد: والنذر. رواه عبد الرزاق.
وإلى هذا يشير الترمذي بقوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم".
وقال الخطابي: "اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل، فإنه مؤاخذ به، ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبا، أو هازلا، أو لم أنو به طلاقا، أو ما أشبه ذلك من الأمور". وقال: "واحتج بعض العلماء في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٣٢١] وقال: لو أطلق للناس ذلك لتعطلت الأحكام".
١١ - باب الإشهاد على الطلاق والمراجعة
قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
• عن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها، ولا على رجعتها. فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة. أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تعُدْ.
حسن: رواه أبو داود (٢١٨٦) وابن ماجه (٢٠٢٥) كلاهما عن بشر بن هلال الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضُبعي، عن يزيد الرِشك، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عمران بن حصين سئل فذكره.
стр. 3994
وإسناده حسن من أجل الكلام في جعفر بن سليمان الضُبعي فقد وثقه ابن معين وابن المديني، وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه.
والخلاصة فيه: أنه حسن الحديث، إلا إذا ثبت مخالفته. وكذلك فيه مطرف بن عبد الله بن الشخير فيه كلام خفيف لا بضر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] على هذين الفعلين وهما الطلاق، والرجعة، والأمر للندب كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] لأن الإشهاد في المبايعة ليس بواجب، فكذلك في الطلاق والرجعة.
١٢ - باب عدد الطلاق في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين
• عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم.
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (١٤٧٢) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
وفي قول ابن عباس إشارة إلى إجماع الصحابة في عهد أبي بكر (وهو سنتان وكسور) وسنتين من خلافة عمر على أن الثلاث كانت واحدة، وثم أمضاه عمر بن الخطاب فجعل الثلاثة ثلاثة، ولكن لم تجتمع الأمة على هذا فكان الذين خالفوه من الصحابة وأفتوا بخلافه: الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، ومن التابعين: عكرمة، وطاوس، ومن بعدهم: محمد بن إسحاق، وبعض أصحاب مالك، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، وأما الذين بعدهم: فهم عددٌ لا يُحصَون منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهم.
• عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : "كيف طلّقتها؟ " قال: طلقتها ثلاثا. قال: في مجلس واحد؟ " قال: نعم، قال: "فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت".
قال: فرجعها. فكان ابن عباس يري أنما الطلاق عند كل طهر.
حسن: رواه أحمد (٢٣٨٧) وأبو يعلى (٢٥٠٠) والبيهقي (٧/ ٣٣٩) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وأما داود بن الحصين فهو ثقة في نفسه من رجال الجماعة، وقد وثقه ابن معين مطلقا وقال
стр. 3995
النسائي: "ليس به بأس" وقال ابن عدي: "صالح الحديث إذا روى عنه ثقة" ولكن قال ابن المديني: "ما روي عن عكرمة فمنكر"، وقال أبو داود: "أحاديثه من شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير".
ولكن إذا أضيف إليه حديث ابن جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي ﷺ ، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قوي الحديث. وهو ما رواه عبد الرزاق (١١٣٣٤) وعنه أبو داود (٢١٩٦) من الطريق المشار إليه عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة - ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي ﷺ فقالت: ما يُغني عني إلا كما تُغني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي ﷺ حمية. فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: "أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا؟ " من عبد يزيد. "وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟ " قالوا: نعم، قال النبي ﷺ لعبد يزيد: "طلقها" ففعل، ثم قال: "ارجع امرأتك أم ركانة وإخوته" فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله. قال: "قد علمت راجعها" وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
وفيه جهالة بعض بني أبي رافع هذا، وأولاده التابعون، وقد توبعوا في الإسناد الأول.
واجتماع الطريقين يحدث قوة لموافقتها على لفظ الحديث، بأنه طلّق ثلاثا في مجلس واحد فجعله النبي ﷺ واحدة، وأمره بالمراجعة. ورجح الحافظ ابن حجر رواية ابن إسحاق وقال: "هذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات الآتي ذكره. .... الفتح (٩/ ٣٦٢).
ثم نقل ابن حجر هذا المذهب عن علي، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، نقل ذلك ابن مغيث في "كتاب الوثائق" له، وعزاه لمحمد بن وضاح، ونقل الغنوي ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة محمد بن بقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهما، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، وقال ابن حجر: ويتعجب من ابن التين حيث جزم بأن لزوم الثلاث لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في التحريم، مع ثبوت الاختلاف كما ترى، ويقوّي حديثَ ابن إسحاق المذكور: ما أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس .. فذكره. انتهى.
اختلاف فتيا ابن عباس:
عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا قال: فسكت حتى ظننتُ أنه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس! وإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا. عصبت ربك، وبانت منك امرأتك. وإن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ٢].
следующие страницы →