Полный текст (8 687 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
يزيد فأسقط من الإسناد محمد بن عبيد".
ثم رواه من طريق نعيم بن حماد، ثنا أبو صفوان.
قلت: إذًا رجع الإسناد إلى محمد بن عبيد.
قال الذهبي في التلخيص: "نعيم صاحب مناكير".
قلت: ومحمد بن إسحاق مدلس، ولكنه صرّح في بعض طرقه، وكما توبع أيضًا.
ومنها: ما رواه عطان بن خالد قال: حدثني محمد بن عبيد، عن عطاء، عن عائشة ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٤٣٠) وقال: قلت لأبي: أيهما الصحيح؟ فقال: "حديث صفية أشبه".
ومنها: ما رواه الدارقطني (٤/ ٣٦) والبيهقي من طريق قرعة بن سويد، عن زكريا بن إسحاق، ومحمد بن عثمان جميعا عن صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" وقزعة بن سويد ضعيف كما في التقريب.
وبمجموع هذه الطرق يكون الحديث حسنًا، لأن من الحسن ما روي من غير وجه ليس فيه متهم.
وقوله: إغلاق" فسروه بالإكراه، لأن المكره يغلق عليه أمره، وتصرفه، وقيل: كأن يغلق عليه الباب ويحبس، ويضيق عليه حتى يطلق. وقيل: الإغلاق هنا: الغضب، وقيل: معناه: النهي عن إيقاع الطلاق الثلاثة كله في دفعة واحدة حتى لا يبقى منه شيء، ولكنه ليطلق للسنة كما أمر. ذكره المنذري في مختصر أبي داود.
وقال الخطابي: "معنى "الإغلاق" الإكراه. وكان عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، ﵃ لا يرون طلاق المكره طلاقا. وهو قول شريح، وعطاء، وجابر بن زيد، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وسالم. وإليه ذهب مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وكان الشعبي، والنخعي، والزهري، وقتادة، يرون طلاق المكره جائزا. وإليه ذهب أصحاب الرأي. وقالوا في بيع المكره: إنه غير جائز. انتهين ا
وأما تفسيره بالغضب فقيل: لو كان كذلك لم يقع على أحد طلاق، لأن أحدا لا يطلق حتى يغضب. فالصحيح هو الإكراه والتضييق، وبه فسره أيضًا أبو عبيد، وابن قتيبة، وابن السيد وغيرهم.
٩ - باب طلاق النائم والصغير والمعتوه
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يُفيق".
حسن: رواه أبو داود (٤٣٩٨) والنسائي (٦/ ١٥٦) وابن ماجه (٢٠٤١) وابن الجارود (١٤٨) وأحمد (٢٤٦٩٤) وصححه ابن حبان (١٤٢) والحاكم (٢/ ٥٩) كلهم من حديث حماد بن سلمة،
стр. 3992
عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة فذكرته.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: إسناده حسن من أجل حماد وهو ابن أبي سليمان فإنه حسن الحديث.
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله".
رواه الترمذي (١١٩١) وقال: "هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف، ذاهب الحديث".
قلت: وهو كما قال، فإن عطاء بن عجلان هذا هو الحنفي، أبو محمد البصري العطار ضعيف باتفاق أهل العلم.
والصواب في هذا ما جاء عن علي بن أبي طالب موقوفا ولفظه: "كل الطلاق جائز إلا المعتوه" رواه البيهقي (٧/ ٣٥٩) بإسناد صحيح إليه.
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن طلاق المعتوه والمغلوب على عقله لا يجوز، إلا أن يكون معتوها يُفيق أحيانا، فيطلق في حال إفاقته". انتهى.
بقية أحاديث هذا الباب مخرجة في كتاب الحدود.
١٠ - باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثٌ جِدُّهن جِدٌّ، وهزلهن جِدٌّ، النكاحُ، والطلاقُ، والرجعةُ".
حسن: رواه أبو داود (٢١٩٤) والترمذي (١١٨٤) وابن ماجه (٢٠٣٩) وابن الجارود (٧١٢) والدارقطني (٣/ ٢٥٧) والحاكم (٢/ ١٩٨) كلهم من حديث عبد الرحمن بن حبيب بن أردك المدني، عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد، وعبد الرحمن بن حبيب من ثقات المدنيين".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم" وقال: "وعبد الرحمن: هو ابن حبيب بن أردك المدني، وابن ماهك: هو عندي يوسف بن ماهك". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٣/ ٢١٠) بعد أن نقل قول الترمذي والحاكم: "وأقره صاحب الإلمام، وهو من رواية عبد الرحمن بن حبيب بن أردك وهو مختلف فيه، قال النسائي: "منكر الحديث" ووثقه غيره، فهو على هذا حسن".
وفي الباب ما روي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجوز اللعب في ثلاث:
стр. 3993
الطلاق، والنكاح، والعتاق، فمن قالهن فقد وجب".
رواه الحارث بن أسامة في مسنده - بغية الباحث - (٣٠٥) عن بشر بن عمر، ثنا عبد الله بن الهيعة، ثنا عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت فذكره.
وفيه علتان:
إحداهما: عبد الله بن لهيعة وفيه كلام معروف.
والثانية: الانقطاع، كما أشار إليه ابن حجر في التلخيص (٣/ ٢٠٩).
يعني بين عبيد الله بن أبي جعفر وبين عبادة بن الصامت.
وروي مثل هذا أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "ثلاث ليس فيهن لعب، من تكلم بشيء منهن لاعبا، فقد وجب عليه: الطلاق والعتاق والنكاح". رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٠٣٣) وفيه غالب بن عبيد الله ضعفه ابن معين. قال ابن عدي: ولغالب غير ما ذكرت، وله أحاديث منكرة المتن مما لم أذكره".
وفي الباب أحاديث أخرى بمعناها، يقوي بعضها بعضا، ومجموعها يدل على أن له أصلا، ويؤيده آثار الصحابة.
منها: ما أُثرَ عن علي، وعمر أنهما قالا: "ثلاث لا لعب فيهن: النكاح، والطلاق، والعتاق" وفي رواية عنهما: أربع، وزاد: والنذر. رواه عبد الرزاق.
وإلى هذا يشير الترمذي بقوله: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم".
وقال الخطابي: "اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل، فإنه مؤاخذ به، ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبا، أو هازلا، أو لم أنو به طلاقا، أو ما أشبه ذلك من الأمور". وقال: "واحتج بعض العلماء في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٣٢١] وقال: لو أطلق للناس ذلك لتعطلت الأحكام".
١١ - باب الإشهاد على الطلاق والمراجعة
قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
• عن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها، ولا على رجعتها. فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة. أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تعُدْ.
حسن: رواه أبو داود (٢١٨٦) وابن ماجه (٢٠٢٥) كلاهما عن بشر بن هلال الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضُبعي، عن يزيد الرِشك، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عمران بن حصين سئل فذكره.
стр. 3994
وإسناده حسن من أجل الكلام في جعفر بن سليمان الضُبعي فقد وثقه ابن معين وابن المديني، وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه.
والخلاصة فيه: أنه حسن الحديث، إلا إذا ثبت مخالفته. وكذلك فيه مطرف بن عبد الله بن الشخير فيه كلام خفيف لا بضر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] على هذين الفعلين وهما الطلاق، والرجعة، والأمر للندب كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] لأن الإشهاد في المبايعة ليس بواجب، فكذلك في الطلاق والرجعة.
١٢ - باب عدد الطلاق في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين
• عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم.
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (١٤٧٢) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
وفي قول ابن عباس إشارة إلى إجماع الصحابة في عهد أبي بكر (وهو سنتان وكسور) وسنتين من خلافة عمر على أن الثلاث كانت واحدة، وثم أمضاه عمر بن الخطاب فجعل الثلاثة ثلاثة، ولكن لم تجتمع الأمة على هذا فكان الذين خالفوه من الصحابة وأفتوا بخلافه: الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، ومن التابعين: عكرمة، وطاوس، ومن بعدهم: محمد بن إسحاق، وبعض أصحاب مالك، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، وأما الذين بعدهم: فهم عددٌ لا يُحصَون منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهم.
• عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : "كيف طلّقتها؟ " قال: طلقتها ثلاثا. قال: في مجلس واحد؟ " قال: نعم، قال: "فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت".
قال: فرجعها. فكان ابن عباس يري أنما الطلاق عند كل طهر.
حسن: رواه أحمد (٢٣٨٧) وأبو يعلى (٢٥٠٠) والبيهقي (٧/ ٣٣٩) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وأما داود بن الحصين فهو ثقة في نفسه من رجال الجماعة، وقد وثقه ابن معين مطلقا وقال
стр. 3995
النسائي: "ليس به بأس" وقال ابن عدي: "صالح الحديث إذا روى عنه ثقة" ولكن قال ابن المديني: "ما روي عن عكرمة فمنكر"، وقال أبو داود: "أحاديثه من شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير".
ولكن إذا أضيف إليه حديث ابن جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي ﷺ ، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قوي الحديث. وهو ما رواه عبد الرزاق (١١٣٣٤) وعنه أبو داود (٢١٩٦) من الطريق المشار إليه عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة - ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي ﷺ فقالت: ما يُغني عني إلا كما تُغني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي ﷺ حمية. فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: "أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا؟ " من عبد يزيد. "وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟ " قالوا: نعم، قال النبي ﷺ لعبد يزيد: "طلقها" ففعل، ثم قال: "ارجع امرأتك أم ركانة وإخوته" فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله. قال: "قد علمت راجعها" وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
وفيه جهالة بعض بني أبي رافع هذا، وأولاده التابعون، وقد توبعوا في الإسناد الأول.
واجتماع الطريقين يحدث قوة لموافقتها على لفظ الحديث، بأنه طلّق ثلاثا في مجلس واحد فجعله النبي ﷺ واحدة، وأمره بالمراجعة. ورجح الحافظ ابن حجر رواية ابن إسحاق وقال: "هذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات الآتي ذكره. .... الفتح (٩/ ٣٦٢).
ثم نقل ابن حجر هذا المذهب عن علي، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، نقل ذلك ابن مغيث في "كتاب الوثائق" له، وعزاه لمحمد بن وضاح، ونقل الغنوي ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة محمد بن بقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني وغيرهما، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، وقال ابن حجر: ويتعجب من ابن التين حيث جزم بأن لزوم الثلاث لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في التحريم، مع ثبوت الاختلاف كما ترى، ويقوّي حديثَ ابن إسحاق المذكور: ما أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس .. فذكره. انتهى.
اختلاف فتيا ابن عباس:
عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا قال: فسكت حتى ظننتُ أنه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس! وإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا. عصبت ربك، وبانت منك امرأتك. وإن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ٢].
стр. 3996
رواه أبو داود (٢١٩٧) عن حميد بن مسعدة، حدّثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: فذكره وإسناده صحيح.
قال أبو داود: هكذا رواه أيضًا سعيد بن جبير، وعطاء، ومالك بن الحارث، وعمرو بن دينار، كلهم عن ابن عباس وقالوا في حديثهم في الطلاق الثلاث: إنه أجازها. وقال: وبانت منك.
وروي حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: إذا قال: أنت طالق ثلاثًا بفم واحد فهي واحدة.
ولكن روي إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة هذا قوله. ولم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة.
ومعنى هذا أن في المسألة عنه قولين:
القول الأول: وهو ما رواه جمهور أصحابه أنه أجاز الثلاثة بلفظ الثلاث.
والقول الثاني: عدم وقوع الثلاث كما في رواية عكرمة عنه والجمع بينهما ممكن أنه كان يرى في أول الأمر إمضاء الثلاث ثم تبين له أنه واحدة فرجع إليه كما رجع في الصرف.
قال أبو داود: "قول ابن عباس هو أن طلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولًا بها وغير مدخول بها: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، هذا مثل خبره الآخر في الصرف قال فيه، ثم إنه رجع عنه. يعني ابن عباس. انتهى.
وهذا القول الأخير هو الذي يؤيد حديث ركانة، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وللحافظ ابن حجر أجوبة أخرى في "الفتح" فراجعه.
وأما ما روي عن نافع بن عُجير بن عبد يزيد بن رُكانة أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سُهيمة البتة، فأخبر النبي ﷺ بذلك وقال: "والله ما أردت إلا واحدة" فقال رسول الله ﷺ : "والله ما أردت إلا واحدة" فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة. فردها إليه رسول الله ﷺ ، فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٢٢٠٦) عن ابن السرح وإبراهيم بن خالد الكلبي أبي ثور في آخرين قالوا: حدّثنا محمد بن إدريس الشافعي، حدثني عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع بن عجير فذكره.
قال أبو داود عقب حديث ابن جريج: "حديث نافع بن عجير، وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده أن ركانة طلّق امرأته البته فردها إليه النبي ﷺ أصح، لأنهم ولد الرجل، وأهله أعلم به، إن ركانة إنما طلق امرأته البتة فجعلها النبي ﷺ واحدة" انتهى.
قلت: ولكن فيه نافع بن عجر مختلف فيه فقيل: كان له صحبة، وذكره ابن حبان في "الثقات" ولم يوثقه غيره فهو "مجهول" عند جمهور أهل العلم، وقال ابن القيم: "مجهول، لا يُعرف حاله البتة".
стр. 3997
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "لكن الأئمة الأكابر العارفون بعلل الحديث والفقه فيه كالإمام أحمد، والبخاري، وغيرهما، وأبي عبيد، وأبي محمد بن حزم، وغيره ضعّفوا حديث البتة، وبيّنوا أن رواته قوم مجاهيل، لم تعرف عدالتهم وضبطهم، أحمد أثبتَ حديثَ الثلاث، وبيّن أنه الصواب مثل قوله: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة وقال أيضًا: "حديث ركانة في البتة ليس بشيء، لأن ابن إسحاق يروي عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا".
وأهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا طلق البتة. وأحمد إنما عدل عن حديث ابن عباس لأنه كان يرى أن الثلاث جائزة موافقة للشافعي". انتهى. مجموع الفتاوي (٣٣/ ١٥).
وكذلك لا يصح ما روي عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله ﷺ فقال: "ما أردت؟ " قال: واحدة. قال: "الله". قال: "الله". قال: "هو على ما أردت".
رواه أبو داود (٢٢٠٨) والترمذي (١١٧٧) وابن ماجه (٢٠٥١) وصحّحه ابن حبان (٤٢٧٤) والحاكم (٢/ ١٩٩) كلهم من حديث جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة فذكره.
قال أبو داود: "وهذا أصح من حديث ابن جريج، أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا. لأنهم أهل بيته. وهم أعلم به. وحديث ابن جريج رواه عن بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس". انتهى
ولكن قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: فيه اضطراب، ويُروى عن عكرمة، عن ابن عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا". انتهى.
قلت: وفي سنده الزبير بن سعيد ضعيف قال الآجري عن أبي داود: في حديثه نكارة، لا أعلم إلا أني سمعت ابن معين يقول: هو ضعيف.
ومرة قال: بلغني عن يحيى أنه ضعّفه، ولكن في رواية الدوري عن ابن معين قال: ثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: شيخ.
وفيه أيضًا عبد الله بن علي بن يزيد لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه غير الزبير بن سعيد. قال العقيلي: "لا يتابع على حديثه" مضطرب الحديث. وروى حديثا منكرا في الطلاق. وأبوه علي بن يزيد لم يوثقه غير ابن حبان. وقال البخاري: لم يصح حديثه.
وقد روي في قصة فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي ثلاثا، وهو خارج إلى اليمن، فأجاز ذلك رسول الله ﷺ .
رواه ابن ماجه (٢٠٤٢) عن محمد بن رافع، قال: أنبانا الليث بن سعد، عن إسحاق بن أبي فروة، عن أبي الزناد، عن عامر الشعبي، قال: قلت لفاطمة بنت قيس: حدّثيني عن طلاقك
стр. 3998
فقالت: فذكرته.
وإسناده ضعيف جدا؛ فإن إسحاق بن أبي فروة هو ابن عبد الله بن أبي فروة متروك، ولعل ابن ماجه اغتر بقوله: فأجاز ذلك رسول الله ﷺ فظن أنه في مجلس واحد فبوّب بقوله: باب من طلق في مجلس واحد.
والصحيح في قصة فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها متفرقا كما جاء في روايات مسلم وغيره، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها. (٤١: ١٤٨٠) فكلمة أجاز ذلك رسول الله ﷺ من تصرفات إسحاق بن أبي فروة، وإلا ففي الأحاديث فقط: "ليس لها سكني ولا نفقة".
الفوائد المهمة:
الطلاق ثلاثة أنواع:
١ - الطلاق الرجعي. وهو الذي يمكنه أن يرتجعها فيه بغير اختيارها، وإذا مات أحدهما في العدة ورثه الآخر.
٢ - الطلاق البائن: وهو ما يبقي به خاطبا، لا تباح له إلا بعقد جديد.
٣ - الطلاق المُحرم لها: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
الطلاق في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات:
مثل: أن يقول: أنت طالق ثلاثا.
أو: أنت طالق طالق طالق.
أو: أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق.
أو: أنت طالق ثلاثا أو مائة، أو ألف.
للعلماء فيه قولان: أحدهما أنه طلاق لازم ثلاثا.
قال به أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه. واختارها أكثر أصحابه. وبه قال كثير من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
والثاني: لا يلزمه إلا طلقة واحدة.
قال به بعض أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد. وهو منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله ﷺ مثل علي، وابن مسعود، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف.
ذكرها شيخ الإسلام في فتاواه.
١٣ - باب ما جاء في الخيار
• عن عائشة قالت: خيّرنا رسول الله ﷺ ، فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئا.
стр. 3999
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٦٢)، ومسلم في الطلاق (٢٨: ١٤٧٧) من طريق الأعمش، حدثنا مسلم (أبو الضحى) عن مسروق، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاري أيضًا (٥٢٦٣)، ومسلم (٢٥) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: ما أبالي خيّرتُ امرأتي واحدةً أو مائة أو ألفا بعد أن تختارني، ولقد سألت عائشة فقالت: قد خيّرنا رسول الله ﷺ ، أفكان طلاقًا؟ أي لم تكن طلاقا.
• عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ ، فوجد الناس جلوسًا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر. فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا قال: لأقولن شيئًا أُضحك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة! سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها. فضحِكَ رسول الله ﷺ وقال: "هن حولي كما ترى. يسألني النفقة" فقام أبو بكر إلى عائشة يجأُ عنقَها، فقام عمر إلى حفصة يجأُ عنقَها. كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده. فقلن: والله، لا نسأل رسول الله ﷺ شيئا أبدا ليس عنده. ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعا وعشرين. ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] قال: فبدأ بعائشة. فقال: "يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك" قالت: وما هو؟ يا رسول الله: فتلا عليها الآية. قالت: أفيك، يا رسول الله! أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة. وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها. إن الله لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا ولكن بعثني معلمًا ميسرًا".
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (١٤٧٨) عن زهير بن حرب، حدّثنا روح بن عبادة، حدّثنا زكريا بن إسحاق، حدّثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله فذكره.
يستفاد من الحديث بأن الرجل إذا خيّر امرأته فاختارته فلا شيء. كما دلَّ عليه حديث عائشة.
ويفهم منه أنها لو اختارت نفسها أكان ذلك طلاقًا أم لا؟ فالصحيح أن ذلك طلاق.
واختلفوا إذا اختارت نفسها فذهب الجمهور إلى أنها واحدة وهي أحق بها رُوي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وغيرهم.
وذهب علي بن أبي طالب إلى واحدة بائنة وبه قال أصحاب الرأي وذهب مالك إلى أنها ثلاث.
واختلفوا أيضًا في مدة الخيار. فالصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أن الخيار إلى أن تقوم في مجلسها، فإذا قامت انتهى الخيار.
стр. 4000
١٤ - باب إذا قال: فارقتك، أو سرّحتك، أو الحقي بأهلك، ونحو ذلك فهو طلاق إن نوى به ذلك
قال الله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقال تعالى: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢].
• عن كعب بن مالك قال في حديثه الطويل: حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول الله ﷺ يأتيني فقال: "إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك"، فقلت: أطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: "لا، بل اعتزلها ولا تقربها". وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ... الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤١٨)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٩) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده.
• عن عائشة: أن ابنة الجون. لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: "لقد عُذْتِ بعظيم، الحقي بأهلك".
صحيح: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٥٤) عن الحميدي، حدثنا الولد، حدثنا الأوزاعي، قال: سألت الزهري: أي أزواج النبي ﷺ استعاذت منه؟ قال: أخبرني عروة عن عائشة ﵂، فذكرته.
قولها: "أعوذ بالله منك" يدل على خفّة عقل المرأة.
وأما ما رُوي أنها قالت ذلك بأمر بعض أزواج النبي ﷺ فكُلُّها ضعيفة ومنكرة.
• عن سهل بن سعد. قال: ذكر لرسول الله ﷺ امرأة من العرب. فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها. فأرسل إليها. فقدمت. فنزلت في أُجُم بني ساعدة. فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءها. فدخل عليها. فإذا امرأة منكِّسة رأسها. فلما كلمها رسول الله ﷺ قالت: أعوذ بالله منك. قال: "قد أعذتك مني" فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا. فقالوا: هذا رسول الله ﷺ جاءك ليخطبك. قالت: أنا كنت أشقى من ذلك.
قال سهل: فأقبل رسول الله ﷺ يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه. ثم قال: "اسِقنا" لسهل. قال: فأخرجت لهم هذا القدحَ فأسقيتهم فيه.
قال أبو حازم: فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا فيه. قال: ثم استوهبه بعد ذلك
стр. 4001
عمرُ بن عبد العزيز، فوهبه له.
متفق عليه: رواه البخاري في الأشربة (٥٦٣٧)، ومسلم في الأشربة (٢٠٠٧) كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن مطرف أبو غسّان، حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
١٥ - باب أمرك بيدك
روي عن حماد بن زيد أنه قال لأيوب: هل علمت أن أحدا قال في "أمرك بيدك": إنها ثلاث إلا الحسن؟ فقال: لا، إلا الحسن. ثم قال: اللهم غفرًا إلا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى بني سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث" قال أيوب: فلقيت كثيرًا مولى بني سمرة، فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال: نسيَ.
رواه الترمذي (١١٧٨) واللفظ له، وأبو داود (٢٢٠٤) والنسائي (٣٤١٠) كلهم من حديث سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد فذكره نحوه. قال النسائي: "هذا حديث منكر".
وقال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وسألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: حدثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا. وإنما هو عن أبي هريرة موقوفا. ولم يعرف محمد حديث أبي هريرة مرفوعا.
وقال: وقد اختلف أهل العلم في "أمرك بيدك". فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، منهم: عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود: هي واحدة. وهو قول غير واحد من أهل العلم من التابعين ومن بعدهم.
وقال عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت.
وقال ابن عمر: إذا جعل أمرها بيدها، وطلقت نفسها ثلاثا، وأنكر الزوج وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلا في واحدة. استحلف الزوج. وكان القول قوله مع يمينه. وذهب سفيان وأهل الكوفة إلى قول عمر وعبد الله. وأما مالك بن أنس فقال: "القضاء ما قضت وهو قول أحمد.
وأما إسحاق فذهب إلى قول ابن عمر". انتهى قوله.
١٦ - باب من قال لامرأته: أنت عليّ حرام ولم ينو الطلاق
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١].
• عن ابن عباس قال: إذا حرّم امرأته ليس بشيء وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٦٦)، ومسلم في الطلاق (١٩: ١٤٧٣) كلاهما من طريق معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، أن يعلى بن حكيم أخبره، أن سعيد بن جبير، أخبره أنه سمع ابن عباس يقول: فذكره. واللفظ للبخاري.
стр. 4002
ولفظ مسلم: "إذا حرّم الرّجل عليه امرأته فهي يمين يكفّرها"
١٧ - باب لا تحل المبتوتة حتى تنكح زوجًا غيره
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
• عن عائشة: أن رجلًا طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوجتْ فطلّق، فسئل النبي ﷺ أن تحل للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول.
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٦١)، ومسلم في النكاح (١١٥: ١٤٣٣) كلاهما من طريق عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة فذكرته.
عموم خطاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أباح الله للزوج الأول أن يتزوج بها بعد أن تزوجها زوج آخر. وفسرته السنة أنها لا تحل للزوج الأول حتى يكون بينها وبين الزوج الثاني وطء بذواق العُسيلة، ثم تبين عنه بطلاق أو وفاة.
ثم تحل حينئذ للزوج الأول.
• عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني، فأبتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، إنما معه مثل هُدبة الثوب فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك".
متفق عليه: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٣٩) ومسلم في النكاح (١٤٣٣) كلاهما من حديث سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
وفي رواية: والله ما معه إلا مثل الهُدبة، وأخذت بهدبة من جلبابها. قال: فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكا. فذكر الحديث.
وفيه: أبو بكر الصديق جالس عند رسول الله ﷺ وخالد بن سعيد بن العاص جالس بباب الحجرة لم يؤذن له.
فطفق خالد ينادي أبا بكر: ألا تزجُر هذه عما تجهر به عند رسول الله ﷺ .
• عن عكرمة أن رفاعة طلّق امرأته، فتزوّجها عبدُ الرحمن بن الزبير القرظي، قالتْ عائشة: وعليها خمارٌ أخضر، فشكتْ إليها وأرتْها خضرةً بجلدها، فلما جاء رسول الله ﷺ والنساءُ ينصرُ بعضهن بعضا -، قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات؟ لجلدُها أشد خضرةً من ثوبها، قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله ﷺ فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: واللهِ ما لي إليه من ذنب، إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه - وأخذتْ هُدبةً من ثوبها - فقال: كذبتْ واللهِ يا رسول الله، إني
стр. 4003
لأنفُضها نَفْضَ الأديم، ولكنها ناشز، تُريد رفاعة. فقال رسول الله ﷺ : "فإن كان ذلك لم تحلي له، أو: لم تصلحي له، حتى يذوق من عسيلتك". قال: وأبصر معه ابنين له، فقال: "بنوك هؤلاء؟ " قال: نعم، قال: "هذا الذي تزعمين ما تزعمين، فواللهِ لهم أشبهُ به من الغراب بالغراب".
صحيح: رواه البخاري في اللباس (٥٨٢٥) عن محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا أيوب، عن عكرمة فذكره.
• عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه، أن رفاعة بن سموأل طلق امرأته تميمة بنت وهب على عهد رسول الله ﷺ فنكحها عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها، فلم يستطع أن يُصيبها، فطلقها ولم يمسها. فأراد رفاعة أن ينكحها، وهو زوجها الذي كان طلقها قبل عبد الرحمن، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنهاه عن تزويجها فقال: "لا تحل لك حتى تذوق العسيلة".
حسن: رواه ابن الجارود في المنقي (٦٨٢) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أن ابن وهب أخبرهم قال: أخبرني مالك بن أنس، عن المسور بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه فذكره. وهذا إسناده حسن.
ورواه مالك في النكاح (١٨) ولم يذكر فيه "عن أبيه" وذلك من رواية يحيى عنه. فصار مرسلًا. والذين وصلوه بذكر "أبيه" ابن وهب كما رأيت وكذلك إبراهيم بن طهمان، وأبو علي الحنفي - ثلاثتهم عن مالك، فقالوا فيه: الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه.
وإسناده حسن من أجل الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير فإنه حسن الحديث. وهو من شيوخ مالك من أهل المدينة.
والزبير بن عبد الرحمن بن الزَبير - بفتح الزاي على الصحيح - وهو من بني قريظة من أهل المدينة وهم زَبيريون وقد قيل: بضم الزُّبير الأول، وفتح الزبير الآخر وهو الجد والأول أصح.
ورفاعة بن سموأل. وقيل: رفاعة بن رفاعة القرظي من بني قريظة، وهو خال صفية بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين، فإن أمه برة بنت سموأل.
وبعد جمع هذه الروايات يخلص منها ما يأتي:
١ - إن المرأة لم تُمَكِّنه من الجماع أو عُرض له عارض من المرض وغيره.
٢ - إن الرجل لم يكن بعنين، إذ لو ثبت عنّتُه عند النبي ﷺ لما أمرها بتذويق العسيلة كل منهما للآخر.
٣ - وقول المرأة كما في الصحيحين - البخاري (٥٢٦٥) ومسلم (١١٤: ١٤٣٣) ولم يقربني إلا هنة واحدة" كما في لفظ البخاري، ولم يذكره مسلم. وفي رواية عند أحمد (٢٥٩٢٠) "إلا هبة
стр. 4004
واحدة" والهبة هي هبات الفحل، وسفاده ومعناه أنه أتاها وقعة واحدة كما فسّره الخطابي في غريب الحديث (١/ ٥٤٦).
وظاهر المرفوع يعارض هذا، لأن النبي ﷺ قال: "حتى تذوقي عسيلته، وتذوق عسيلتك" فإن الرجل لو تمكّنَ من الوطء ولو مرة واحدة لما أمرها النبي ﷺ بهذا الأمر. بل أجاز طلاقها.
فالمعنى الصحيح والله تعالى أعلم أن هذه الهبة الواحدة لم يحصل منها العسيلة المعروفة التي تكفي الطلاق، والرجوع إلى الزوج الأول، فكأن الرجل حاول الجماع، ولكن حصل له فتور مؤقت، فأمرها النبي ﷺ بالصبر حتى يذوق عسيلتها، وتذوق عسيلته.
ونُفيَ عنه العنّةُ. لوجود بيّنة بقوله: "هذا الذي تزعمين ما تزعمين، فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب".
٤ - والعسيِلة: تصغير العسل والمراد منه حلاوة الجماع، فلعل الرجل كان أُنزل قبل تمام الإيلاج، فلم يذقْ عسيلة صاحبته، كما لم تذق عسيلة صاحبها.
٥ - والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، بأن وطء الزوج الثاني لا يكون محللًا لارتجاع الزوج الأول للمرأة إلا إذا كان حال وطئه منتشرًا، فلو لم يكن كذلك، أو كان عنِّينا، أو طفلا لم يكن في أصح قولي أهل العلم.
٦ - وقوله: "حتى تذوقي عسيلته ... " كناية عن الجماع، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة. سواء أنزل أو لم ينزل. فإن التذوق يحصل بمجرد الإدخال، وإن كان كماله لا يكون إلا بالإنزال.
٧ - وقوله: هدبة الثوب: هو طرف الثوب وهو كناية عن أن ذكر الرجل يشبه الهدبة في الاسترخاء، وعدم الانتشار.
• عن عبيد الله بن عباس قال: جاءت الغُميصاء - أو الرميصاء - إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها، وتزعم أنه لا يصل إليها. فما كان إلا يسيرًا حتى جاء زوجها. فزعم أنها كاذبة. ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول. فقال رسول الله ﷺ : "ليس لك ذلك، حتى يذوق عسيلتك رجل غيره".
صحيح: روبه النسائي (٣٤١١) وأحمد (١٨٣٧) كلاهما من حديث هُشيم، قال: أنبأنا يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان بن يسار، عن عبيد الله بن العباس فذكره. واللفظ لأحمد.
وفي لفظ النسائي: "لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول" وإسناده صحيح. وعبيد الله بن عباس هو أخو عبد الله بن عباس، أصغر منه بسنة. قال ابن حجر في الإصابة في ترجمته: "ورجاله ثقات إلا أنه ليس بصريح بأن عبيد الله بن عباس شهد القصة". يعني أنه من مراسيل الصحابي. وقد ثبت أنه كان رديف النبي ﷺ ، وأنه سمع منه مثل أخيه عبد الله. وكان عند وفاة رسول الله ﷺ -
стр. 4005
ابن أكثر من عشر سنوات.
والغميصاء أو الرميصاء هي زوج عمرو بن حزم، فطلّقها فنكحها رجل آخر، فطلقها قبل أن يمسّها، فأتت النبي ﷺ تسأله أن ترجع إلى زوجها الأول فقال: فذكر الحديث.
• عن ابن عمر سئل رسول الله ﷺ عن رجل طلّق امرأته البتة، - يعني ثلاثا، فتزوجتْ رجلًا، فطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى الأول؟ فقال: "لا حتى يذوق من عُسيلتها ما ذاق صاحبه".
صحيح: رواه أبو يعلى (٤٠٦٦) عن عبد الله بن عمر، حدثنا يحيى بن زكريا، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر مثله.
أي مثل حديث عائشة لأنه ذكر حديث عائشة قبله.
وإسناده صحيح. وعبد الله بن عمر، وهو ابن أبان المعروف بِمُشكدانة، المحدث من شيوخ عبد الله بن أحمد. أثنى عليه أبو بكر بن أبي شيبة ووثّقه أحمد، توفي عام ٢٣٩ هـ انظر "العقيلي" (٨٤٥) وأورده الهيثمي في المجمع (٤/ ٣٤٠) وقال: "رواه الطبراني، وأبو يعلى إلا أنه قال: بمثل حديث عائشة، وهو نحو هذا. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح".
ولحديث عبد الله بن عمر أسانيد أخرى منها:
رواه النسائي (٣٤١٤) وابن ماجه (١٩٣٣) وأحمد (٥٥٧١) والبيهقي (٧/ ٣٧٥) كلهم من حديث محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، قال: سمعت سالم بن رزين، يحدث عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل سالم بن رزين، قال البخاري: "لا تقوم الحجة بسالم بن رزين ولا برزين، لأنه لا يدري سماعه من سالم، ولا من عبد الله بن عمر". التاريخ الكبير (٤/ ١٣).
وهو يشير إلى ما رواه النسائي (٣٤١٥) وغيره عن وكيع، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمري، عن ابن عمر فذكره.
قال النسائي: "هذا أولى بالصواب". ورزين بن سليمان هو سالم بن رزين وقد وقع الخلاف في اسمه فقيل كذا، وقيل: سليمان بن رزين.
وقد رُوي من أوجه أخرى عن ابن عمر مرفوعًا إلا أن البخاري رجّح الموقوف على ابن عمر. انظر التاريخ الكبير (٤/ ١٣).
قال البيهقي (٧/ ٣٧٥): "بلغني عن محمد بن إسماعيل البخاري أنه وهَّنَ حديث شعبة وسفيان جميعا".
وفي الباب ما رُوي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل كانت تحته امرأة، فطلقها ثلاثا، فتزوجت بعده رجلًا، فطلّقها قبل أن يدخل بها، أتحل لزوجها الأول؟ قال: فقال
стр. 4006
رسول الله ﷺ : "لا، حتى يكون الأخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته".
رواه أحمد (١٤٠٢٤) والبزار - كشف الأستار - (١٥٠٥) وأبو يعلى (٤١٩٩) والبيهقي (٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦) كلهم من طرق عن محمد بن دينار العبدي، حدثني يحيى بن يزيد، عن أنس بن مالك فذكره.
ومحمد بن دينار العبدي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف. وهنا خالف شعبة الذي رواه عن يحيى بن يزيد موقوفا عن أنس بن مالك، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٢٧٥) عن غندر، عن شعبة به وهذا أصح.
١٨ - باب إذا أسلم أحد الزوجين وتأخر الآخر
• عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ردَّ ابنته على أبي العاص بن الربيع بعد سنتين بنكاحها الأول.
وفي رواية: بعد ست سنين.
حسن: رواه أبو داود (٢٢٤٠) والترمذي (١١٤٣، ١١٤٤) وابن ماجه (٢٠٠٩) وأحمد (١٨٧٦) والحاكم (٣/ ٢٣٧) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد جاء التصريح منه في بعض المصادر، ولكن عله داود بن الحصين وهو إن كان ثقة ولكن ضعّفه بعض الأئمة في روايته عن عكرمة. منهم: علي بن المديني، وأبو داود وغيرهما.
ولذا قال ابن حجر في "التقريب": "ثقة إلا في عكرمة".
ولكن مشّاه الآخرون، والحديث يوافق الواقع الصحيح فإن النبي ﷺ لم يحدث لها نكاحًا جديدًا. ولذا قال الحافظ ابن القيم: "أما تضعيف حديث داود بن الحصين عن عكرمة فمما لا يلتفت إليه" ذكره في "تهذيب السنن".
وأما قول الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قبل داود بن حصين من قبل حفظه".
قلت: ليس في الحديث ما ينكر عليه، فإن الواقع الصحيح كما قلت يؤيده، ولم يُخطِئْ فيه داود بن حصين كما فهم الترمذي، وقد سبقه الإمام أحمد فصحح هذا الحديث كما ذكره ابنه عبد الله عقب حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ ردَّ ابنته إلى أبي العاص بمهر جديد، ونكاح جديد.
رواه الإمام أحمد (٦٩٣٨) والترمذي (١١٤٢) والدارقطني (٣/ ٢٥٣) والبيهقي (٧/ ١٨٨) كلهم
стр. 4007
من حديث حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب بإسناده.
قال: "هذا حديث ضعيف، أو قال: واه، ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي حديثه لا يساوي حديثه شيئا، والحديث الصحيح الذي روى أن النبي ﷺ أقرهما على النكاح الأول". انتهى.
وقد قيل له: أليس يُروى أنه ردها بنكاح مستأنف؟ فقال: ليس لذلك أصل.
وقال البيهقي: "وبلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: سألت عنه البخاري ﵀ فقال: حديث ابن عباس أصح في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب. وحكى أبو عبيد عن يحيى بن سعيد القطان أن حجاجا لم يسمعه من عمرو، وأنه من حديث محمد بن عبد الله العرزمي عن عمرو.
فهذا وجه لا يعبأ به أحد يدري ما الحديث. انتهى.
وقال الدارقطني: "هذا الحديث لا يثبت. والحجاج لا يحتج به والصواب حديث ابن عباس".
وقال الترمذي عقب حديث عمرو بن شعيب: "هذا حديث في إسناده مقال"، ونقل عن يزيد بن هارون: "حديث ابن عباس أجود إسنادًا وقال: والعمل على حديث عمرو بن شعيب".
وكذلك صحّح حديث ابن عباس الحكم.
وقد قوّاه مراسيل قتادة والشعبي.
• عن عبد الله بن عباس، أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فأسلمت، فتزوجها رجل، قال: فجاء زوجها الأول فقال: يا رسول الله! إني كنت أسلمت معها، وعلمتْ بإسلامي، قال: فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر، وردّها إلى زوجها الأول.
حسن: رواه أبو داود (٢٢٣٨، ٢٢٣٩) والترمذي (١١٤٤) وابن ماجه (٢٠٠٨) وابن حبان (٤١٥٩) وابن الجارود (٧٥٧) والحاكم (٢/ ٢٠٠) كلهم من حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهو النوع الذي أقول: إن البخاري احتج بعكرمة، ومسلم بسماك".
قلت: وهو ليس كما قال. فإن أحدا من الشيخين لم يحتج بسماك، عن عكرمة، فإن سماكاوهو ابن حرب بن أوس، وإن كان صدوقا في نفسه، ولكنه اضطرب في حديث عكرمة كما قال الإمام أحمد وغيره.
ولعله لم يضطرب في هذا الحديث كما سبق من حديث ابن عباس إن النبي ﷺ رد ابنته على زوجها بالنكاح الأول، فلا منافاة بين الحديثين.
стр. 4008
فقه الباب:
قال الترمذي عقب حديث عمرو بن شعيب: "والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها، ثم أسلم زوجها، وهي في العدة أن زوجها أحق بها ما كانت في العدة.
وهو قول مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد إسحاق".
قلت: والمحققون من علماء الحديث ذهبوا إلى أن المرأة إن أسلمت، ولم يسلم زوجُها فهي إن أرادت بعد انقضاء العدة أن تتزوج فلها ذلك. وإن انتظرت وأقامت على النكاح الأول فمتى ما أسلم زوجها فهي زوجته.
إن أبا سفيان بن حرب أسلم بمر الظهران، وامرأته هند بنت عتبة كافرة بمكة ثم قدم عليها يدعوها إلى الإسلام. فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال، وأقامت أياما قبل أن تسلم، ثم أسلمت، وبايعت النبي ﷺ ، فثبتنا على النكاح الأول.
وكذلك أسلمت امرأة عكرمة بن أبي جهل وامرأة صفوان بن أمية، وهرب زوجاهما ناحية اليمن ثم جاءا فأسلما بعد مدة، فاستقرا على النكاح الأول.
وقال الخطابي بعد أن نقل تصحيح حديث ابن عباس، وتضعيف حديث عمرو بن شعيب: "وفي الحديث دليل على أن افتراق الدارين لا تأثير له في إيقاء الفرقة. وذلك أن أبا العاص كان بمكة بعد أن أطلق عنه رسول الله ﷺ ، وفكهـ من أسره، وقد كان أخذ عليه أن يجهز زينب إليه، ففعل ذلك، وقدمت زينب على رسول الله ﷺ وأقامت بها.
وقال: وقد روي أن جماعة من النساء ردهن النبي ﷺ على أزواجهن بالنكاح الأول. ثم ذكر من ذكرتهم قبل هذا.
وقال الحافظ ابن القيم في زاده (٥/ ١٣٧): "ولا نعلم أحدا جدد للإسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد أمرين: إما افترافهما، ونكاحهما غيره، وإما بقاؤهما عليه، وإن تأخر إسلامها عن إسلامه" انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٦/ ١٨٠).
١٩ - باب إذا أسلم أحد الأبوين مع من يكون الولد
• عن رافع بن سنان أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ﷺ فقالت: ابنتي وهي فطيم، أو شبهه، وقال رافع: ابنتي. فقال له النبي ﷺ : "اقعد ناحية" وقال لها: "اقعدي ناحية" وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: "ادعواها" فمالت الصبية إلى أمها. فقال النبي ﷺ : "اللهم اهدها" فمالت إلى أبيها فأخذها.
صحيح: رواه أبو داود (٢٢٤٤) وأحمد (٢٣٧٥) والحاكم (٢/ ٢٠٦) وعنه البيهقي (٨/ ٣) كلهم من طرق عن عيسى بن يونس، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني عن جدي رافع بن سنان فذكره.
стр. 4009
وقوله: "عن جدي": هو جد جده إذ هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان.
وقد جاء التصريح بذلك في رواية الدارقطني (٤/ ٤٣) بقوله: عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، حدثني أبي، عن جد أبيه رافع بن سنان، وفي رواية أن جده رافع بن سنان أسلم وأبت امرأته. وصحّحه الحاكم.
وأما ما رواه عثمان البتي، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جده أن أبويه اختصما فيه إلى النبي ﷺ وأحدهما مسلم، والآخر كافر فذكر الحديث ففيه وهم من عثمان البتي كما قال الدارقطني وغيره.
ومن هذا الطريق رواه النسائي (٣٤٩٥) وأحمد (٢٣٧٥٥) وغيرهم.
وللحديث أسانيد أخرى معلولة إلا أنها لا تُعل ما صحّ.
والعمل منسوخ بهذا الحديث فإن أحد الزوجين إذا أسلم ولم يسلم الآخر، فالولد دائما لمن أسلم حتى لا يفتتن الطفل بالكفر. وإلى هذا ذهب الشافعي.
وذهب أهل الرأي إلى أن الأم أحق بالطفل ما لم تتزوج، سواء كانت ذمية أو مسلمة.
٢٠ - باب تخيير الصبي بين أبويه الذين افترقا
• عن أبي ميمونة سُلمي - مولى من أهل المدينة، رجل صدق - قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة، جاءت امرأة فارسية معها ابن لها فادعياه. وقد طلقها زوجها فقالت: يا أبا هريرة - ورطنتْ بالفارسية - زوجي يريد أن يذهب بابني؟ فقال أبو هريرة: استهما عليه. ورطن لها بذلك. فجاء زوجها فقال: من يُحَاقُّني في ولدي؟ فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ وأنا قاعد عنده. فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنبة، وقد نفعني. فقال رسول الله ﷺ : "استهما عليه" فقال زوجها: من يُحَاقُّني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : "هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت" فأخذ بيد أمه فانطلقت به.
صحيح: رواه أبو داود (٢٢٧٧) والنسائي (٣٤٩٦) وصحّحه الحاكم (٤/ ٩٧) والبيهقي (٣٨) كلهم من حديث ابن جريج، قال: أخبرني زياد، عن هلال بن أسامة، أن أبا ميمونة سُلمي قال: فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
ورواه الترمذي (١٣٥٧) وابن ماجه (٢٣٥١) وأحمد (٧٣٥٢) والبيهقي كلهم من وجه آخر عن سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي ميمونة فذكره مختصرًا.
стр. 4010
قال الترمذي: "حسن صحيح".
قلت: هلال بن أبي ميمونة ليس هو ابن أبي ميمونة الذي في الإسناد، فإن هلال بن أبي ميمونة هو هلال بن علي بن أسامة العامر القرشي المدني، ينسب إلى جده، كما ذكر في الرواية السابقة.
وأبو ميمونة هو الفارسي المدني الآبار، قيل: اسمه سُليم، أو سلمان، أو سلمى، أو أسامة يروي عن أبي هريرة وغيره، وليس هو والد هلال بن أبي ميمونة كما وقع في رواية عند البيهقي في حديث سفيان بن عيينة فالظاهر أنه خطأ، أو شاذ.
وهذا الحديث يُحمل على الغلام الذي عقل، واستغنى عن الحضانة، فإذا كان كذلك خُيّر بين أبويه.
أخذ به الشافعي وأحمد. قال الشافعي: "إذا صار ابن سبع أو ثمان خُيّر، وقال أحمد: إذا كبر يُخير.
ومن لم يأخذ به جعل الأب أحق به؛ لأن الولد أحوج إلى الأب من الأم للتعليم والمعاش وغيرها.
٢١ - باب حضانة الأم المطلقة
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجري له حواءً. وإن أباه طلّقني، وأراد أن ينتزعه مني! فقال لها رسول الله ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي".
حسن: رواه أبو داود (٢٢٧٦) وأحمد (٦٧٠٧) والدارقطني (٣/ ٣٠٥) والحاكم (٢/ ٢٠٧)
وعنه البيقهي (٨/ ٤ - ٥) كلهم من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
لا خلاف بين أهل العلم أن الأم لها حضانة الطفل ما لم تتزوج، فإذا تزوجت فلا حق لها في حضانته، فإن كانت لها أم فأمها تقوم مقامها، ثم الجدات من قبل الأم أحق به ما بقيت منهن واحدة.
٢٢ - باب ما جاء في حضانة الخالة
• عن البراء قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة ... الحديث وفيه قصة ابنة حمزة وأنها تبعتهم حين الخروج من مكة، فتناولها عليّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك احمليها، فاختصم فيها علي، وزيد، وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم" وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك" وقال لجعفر: "أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي"، وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا".
صحيح: رواه البخاري في الصلح (٢٦٩٩) عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي
стр. 4011
إسحاق، عن البراء قال: فذكره.
• عن علي قال: لما خرجنا من مكة اتبعتْنا ابنة حمزة تنادي: يا عمّ يا عمّ. قال: فتناولتها بيدها، فدفعتها إلى فاطمة، فقلت: دونك ابنة عمك. قال: فلما قدمنا المدينة اختصمنا فيها أنا وجعفر وزيد بن حارثة. فقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها عندي، يعني أسماء بنت عميس، وقال زيد: ابنة أخي، وقلت: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. فقال رسول الله ﷺ : "أما أنت يا جعفر فأشْبهت خلقي وخلقي، وأما أنت يا على فمني وأنا منك، وأما أنت يا زيد فأخونا ومولانا. والجارية عند خالتها، فإن الخالة والدة" قلت: يا رسول الله! ألا تتزوجها؟ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة".
حسن: رواه أبو داود (٢٢٨٠) وأحمد (٧٧٠) واللفظ له، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٢٠) كلهم من طريق أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ وهبيرة بن يريم، عن علي فذكره.
وإسناده حسن من أجل هانئ بن هانئ وهبيرة فإنهما مقبولان لأنه يقوي أحدهما الآخر.
وقد رويت هذه القصة عن علي من وجه آخر أيضا في سنن أبي داود وغيرها، والحديثان محفوظان عن البراء، وعلي بن أبي طالب، وقد رُوي أيضا عن الصحابة الآخرين.
والصحيح منها ما جاء عن البراء وعلي فقط.
٢٣ - باب قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]
• عن ابن عباس قال في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته. إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاؤوا زوّجوها، وإن شاؤوا لم يُزوّجوها، فهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية بذلك.
صحيح: رواه البخاري في الإكراه (٦٩٤٨)، عن حسين بن منصور، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الشيباني سليمان بن فيروز، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال الشيباني: "وحدثني عطاء أبو الحسن السوائي، ولا أظنه إلا ذكره عن ابن عباس فذكره".
ورواه أبو داود (٢٠٨٩) من حديث أسباط مثله، ورواه أيضا عن أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك ونهي عن ذلك.
وإسناده حسن من أجل علي بن حسين بن واقد، وأبيه حسين بن واقد فهما "صدوقان". ويزيد
стр. 4012
النحوي هو: ابن أبي سعيد المروزي.
وقوله: "فأحكم الله عن ذلك" معناه: منع.
قال جرير بن الخطفي: أبني حنيفة أُحكِموا سُفهاءَهم إني أخاف عليكم أن أَغْضبا.
• عن معقل بن يسار قال: كانت أخته تحت رجل فطلقها ثم خلّى عنها حتى انقضت عدتها، ثم خطبها، فحمي معقل من ذلك أنفًا. فقال: خلّى عنها، وهو يقدر عليها. ثم يخطبها. فحال بينه وبينها فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] إلى آخر الآية. فدعاه رسول الله ﷺ فقرأ عليه. فترك الحمية، واستقاد لأمر الله.
صحيح: رواه البخاري في الطلاق (٥٣٣١) عن محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا الحسن، أن معقل بن يسار قال: فذكره.
٢٤ - باب عدة المطلقات في صورها المختلفة
قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] هذه لعموم المطلقات.
وعِدّة الحامل المطلقة أو المتوفى عنها زوجها: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
وعِدّة الآيسة والصغيرة: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
وعِدّهُ المطلقة قبل الدخول بها: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
• عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١] الآية وقال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] فأول ما نسخ من القرآن القبلة، وقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فنسخ من ذلك فقال تعالي: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
حسن: رواه النسائي (٣٤٩٩) واللفظ له، وأبو داود (٢٢٨٢) كلاهما من حديث علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وأعله المنذري بقوله: "في إسناده علي بن الحسين بن واقد وهو ضعيف".
قلت: علي بن الحسين ليس بضعيف، ولكنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث.
стр. 4013
وروي مثل هذا عن قتادة أيضا كما ذكره ابن الجوزي في نواسخ القرآن (ص ٢٠٦) ولكنه قال: "إن القول الصحيح المعتمد عليه أن هذه الآية محكمة، لأن أولها عام في المطلقات. وما ورد في الحامل، والآيسة، والصغيرة، فهو مخصوص من جملة العموم، وليس على سبيل النسخ" انتهى قوله.
قلت: تخصيص العموم هو نوع من النسخ عند بعض الفقهاء فلا مشاحة في الاصطلاح وفي الباب ما روي عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية أنها طُلِّقتْ على عهد رسول الله ﷺ ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله حين طُلِّقتْ أسماء بالعدة للطلاق، فكانت أول من أنزلت فيها العدة للمطلقات.
رواه أبو داود (٢٢٨١) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤١٤) عن سليمان بن عبد الحميد البهراني، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثني عمرو بن مهاجر، عن أبيه، عن أسماء بنت يزيد فذكرته.
وأعله المنذري بقوله: "في إسناده إسماعيل بن عياش، وقد تكلم فيه غير واحد".
قلت: وهو كما قال، ولكن التحرير فيه أن روايته عن الشاميين مستقيمة وهذا منها.
ولكن فيه مهاجر وهو ابن أبي مسلم الشافعي الأنصاري مولى أسماء بنت يزيد روي عنه جمعٌ، ولم يوثّقه أحدٌ غير ابن حبان ولذا قال الحافظ في التقريب "مقبول" أي عند المتابعة وإلا فليّن الحديث.
وقال ابن كثير في تفسيره بعد أن ساقه من تفسير ابن أبي حاتم: "حديث غريب من هذا الوجه".
أي ضعيف من هذا الوجه، وأنه لم يجد له وجها آخر.
٢٥ - باب طلاق العبد
• عن ابن عباس قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، إن سيدي زوّجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها. قال: فصعد رسول الله ﷺ المنبر فقال: "يا أيها الناس، ما بالُ أحدكم يُزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق".
حسن: رواه ابن ماجه (٢٠٨١) عن محمد بن يحيى، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة، ولكن له متابعات تقوّيه.
منها: ما رواه الدارقطني (٤/ ٣٧) والبيهقي (٧/ ٣٦٠) كلاهما من وجه آخر عن بقية بن الوليد، نا أبو الحجاج المهري، عن موسى بن أيوب الغافقي. فذكره.
وأبو الحجاج المهري هو رشدين بن سعد المصري وهو ضعيف أيضا.
قال البيهقي: "وخالفه ابن لهيعة فرواه عن موسى بن أيوب مرسلًا"، وهو ما رواه الدارقطني
стр. 4014
والبيهقي كلاهما من طريق موسى بن داود، نا ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب، عن عكرمة أن مملوكا أتى النبي ﷺ فذكر الحديث. ولم يذكر فيه ابن عباس.
ومنها: ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث يحيى الحماني، نا يحيى بن يعلى، عن موسى بن أيوب مرفوعا.
ويحيى الحماني وشيخه يحيى بن يعلى وهو الأسلمي الكوفي ضعيفان.
وفي معناه ما رُوي عن عصمة بن مالك قال: جاء مملوك إلى النبي ﷺ فقال: إن مولاي زوّجني، وهو يريد أن يفرّق بيني وبين امرأتي. قال: فصعد النبي ﷺ المنبر فقال: "يا أيها الناس، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق".
رواه الدارقطني (٤/ ٣٧) وفيه الفضل بن المختار، عن عبيد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك فذكره.
والفضل بن المختار هو أبو سهل البصري ضعيف جدًّا، ذكره الذهبي في الميزان (٣/ ٣٥٨) وقال: قال أبو حاتم: أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل. وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة، عامتها لا يتابع عليها.
وأما ما رُوي عن أبي الحسن مولى بني نوفل أنه استفتى ابن عباس في مملوكٍ كانت تحته مملوكة، فطلّقها تطليقتين، ثم عُتقا بعد ذلك: هل يصلح له أن يخطبها؟ قال: نعم، قضى بذلك رسول الله ﷺ فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٢١٨٧) والنسائي (٣٤٢٧) وابن ماجه (٢٠٨٢) وأحمد (٢٠٣١) والبيهقي (٧/ ٣٧٠ - ٣٧١) كلهم من حديث يحيى بن أبي كثير، عن عمر بن معتّب، عن أبي الحسن فذكره.
وعمر بن معتِّب ضعيف جدا.
قال فيه ابن المديني: منكر الحديث. وقال النسائي: "ليس بالقوي".
قال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل قال: قال عبد الرزاق: قال ابن المبارك لعمر: من أبو الحسن هذا؟ لقد تحمل صخرة عظيمة. قال أبو داود: أبو الحسن هذا، روى عنه الزهري، قال الزهري: وكان من الفقهاء، روي الزهري عن أبي الحسن أحاديث. قال أبو داود: أبو الحسن معروف، وليس العمل على هذا الحديث". انتهى.
وقال البيهقي بعد أن نقل كلام ابن المديني في عمر بن معتب: "مجهول، لم يرو عنه غير يحيى".
قوله: "الطلاق لمن أخذ بالساق" معناه أن الطلاق حقّ الزوج الذي له أن يأخذ بساق المرأة، وليس ذلك بحقّ المولي.
٢٦ - باب طلاق الأمة وعدتها
رُوي عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وقُرْؤُها حيضتان" إلا أنه ضعيف.
стр. 4015
رواه أبو داود (٢١٨٩) والترمذي (١١٨٢) وابن ماجه (٢٠٨٠) والدارقطني (٢/ ٣٩) والحاكم (٢/ ٢٠٥). كلهم من حديث أبي عاصم قال: حدثنا ابن جريج، عن مظاهر بن أسلم، عن القاسم، عن عائشة فذكرته.
وإسناده ضعيف من أجل مظاهر بن أسلم، فإنه ضعيف باتفاق أهل العلم.
ولذا قال الترمذي: "حديث عائشة حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مظاهر بن أسلم. ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث".
وقال أبو داود: "هو حديث مجهول". وذكر البخاري في "التاريخ الأوسط" (٢٠٣٨) أن أبا عاصم يُضعف مظاهرًا.
وأما الحاكم فقال: "مظاهر بن أسلم شيخ من أهل البصرة، لم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح، فإذا الحديث صحيح".
وقول الحاكم عجيب، فقد سبق القول فيه عن يحيى بن معين فقال: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: "منكر الحديث". وقال أبو داود: "مجهول، وحديث في طلاق الأمة منكر". وقال النسائي: "ضعيف".
وأعجب منه صنيع ابن حبان فإنه ذكره في الثقات (٧/ ٥٢٨) ولم يلتفت إلى كلام هؤلاء في مظاهر بن أسلم.
وجاء في التاريخ الأوسط (٨٧٤): حدثنا محمد: قال: نا يحيى بن سليمان، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن القاسم وسالم: عدّةُ الأمة حيضتان، وطلاقُ الحرِّ الأمةَ ثلاثٌ، وطلاقُ العبدِ الحرةّ تطليقتان.
وقال: ليس هذا في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ، ولكن عمل بها المسلمون وهذا يرد حديث مظاهر. انتهى.
ففي هذا نفي عن القاسم أن يكون ما رواه من عائشة مرفوعا إلى النبي ﷺ ، وإنما الصحيح أنه موقوف على أصحاب رسول الله ﷺ ، ومنهم أخذ المسلمون.
وذكر الدارقطني عن أبي عاصم قال: "ليس بالبصرة حديث أنكر من حديث مظاهر بن أسلم هذا، وعن أبي بكر النيسابوري قال: "الصحيح عن القاسم خلاف هذا".
ثم روى بإسناده عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن عدة الأمة. فقال: الناس يقولون: حيضتان، وإنا لا نعلم ذلك، أو قال: لا نجد ذلك في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولكن عمل به المسلمون" باختصار.
وهذا دليل على أن الحديث ليس للقاسم، وإنما أخطأ فيه مظاهر بن أسلم، وقد يكون قول أحد من التابعين فجعله مرفوعًا.
стр. 4016
وقد أشار الترمذي إلى عمل المسلمين بهذا الأثر بقوله:
"والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عمر موقوفًا: "طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان".
رواه ابن ماجه (٢٠٧٩) والدارقطني (٤/ ٣٨) كلاهما من حديث عمر بن شيب المُسْلي، عن عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر فذكره.
وأُعِلَّ بعطية: وهو ابن سعد العوفي، وهو يُضعَّف إذا انفرد، مع التدليس.
وعمر بن شبيب هو المُسْلي الكوفي ضعيف باتفاق أهل العلم.
قال الدارقطني: "تفرد به عمر بن شبيب مرفوعًا، وكان ضعيفًا، والصحيح عن ابن عمر ما رواه سالم ونافع عنه من قوله".
وقال: "وحديث عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ منكر غير ثابت من وجهين: أحدهما أن عطية ضعيف، وسالم ونافع أثبت منه وأصح رواية.
والوجه الآخر: أن عمر بن شبيب ضعيف الحديث، لا يحتج بروايته.
٢٧ - باب ما جاء في المُحِلّ والمُحَلَّل له
• عن ابن مسعود قال: لعن رسولُ الله ﷺ المُحِلّ والمُحَلَّل له.
صحيح: رواه الترمذي (١٢٠) والنسائي (٣٤١١) وأحمد (٤٢٤٨) والبيهقي (٧/ ٢٠٨) كلهم من حديث سفيان الثوري، عن أبي قيس، عن هُزيل، عن عبد الله فذكره.
والهزيل هو ابن شرحبيل الأودي من رجال البخاري ثقة مخضرم.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وأبو قيس الأودي اسمه عبد الرحمن بن ثروان، وقد رُوي هذا الحديث، عن النبي ﷺ من غير وجه، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم. وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وسمعت الجارود بن معاذ يذكر عن وكيع أنه قال بهذا وقال: ينبغي أن يُرمي بهذا الباب من قول أصحاب الرأي. قال وكيع: وقال سفيان: "إذا تزوج المرأةَ ليحللها، ثم بدا له أن يمسكها فلا يحل له أن يُمسكها إلا بنكاح جديد". انتهى.
• عن أبي هريرة قال: لعن رسولُ الله ﷺ المُحِلّ والمُحَلَّل له.
حسن: رواه أحمد (٨٢٨٧) وابن الجارود (٦٨٤) والبزار - كشف الأستار - (١٤٤٢) والبيهقي (٧/ ٢٠٨) والترمذي في العمل الكبير (١/ ٤٣٧) من حديث عبد الله بن جعفر المخزومي، عن
стр. 4017
عثمان بن محمد الأخنسي، عن المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن جعفر المخزومي، وشيخه عثمان بن محمد الأخنسي فإنهما حسنا الحديث.
قال الترمذي: "سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر المخزومي صدوق ثقة، وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة، وكنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري".
• عن عقبة بن عامر، قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بالتَّيْس المستعار؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "هو المحلِّل. لعن الله المحلِّل والمحلَّل له"
حسن: رواه ابن ماجه (١٩٣٦) عن يحيى بن عثمان بن صالح المصري قال: حدثنا أبي، قال: سمعت الليث بن سعد يقول: قال لي أبو مصعب مشرح بن هاعان، قال عقبة بن عامر فذكره.
ومن هذا الوجه رواه أيضا الحاكم (٢/ ١٩٨ - ١٩٩) وقال: "صحيح الإسناد" وقال: "وقد ذكر أبو صالح كاتب الليث، عن الليث سماعه من مشرح بن هاعان" ثم قال بعد سياق الإسناد الذي فيه سماع الليث من مشرح: "صحيح الإسناد".
كأنه يريد الرد على قول أبي زرعة إذ قال كما في "العلل" (١/ ٤١١) لابن أبي حاتم: ذكرت هذا الحديث ليحيى بن عبد الله بن بكير، وأخبرته برواية عبد الله بن صالح وعثمان بن صالح فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا وقال: لم يسمع الليث من مشرح شيئًا، ولا روى عنه شيئا، وإنما حدثني الليث ابن سعد بهذا الحديث عن سليمان بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال.
قال أبو زرعة: "الصواب عندي: حديث يحيي يعني ابن عبد الله بن بكير". انتهى.
قلت: والمثبت مقدم على النافي، والإسناد حسن من أجل أبي مصعب مشرح بن هاعان، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وثّقه ابن معين، والعجلي، وابن حبان، وروى عنه عدد كبير، ثم أعاد ابن حبان ذكره في المجروحين فقال: "يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها، والصواب في أمره ترك ما انفرد من الروايات، والاعتبار بما يوافق الثقات".
ولكن كلام ابن عدي أكثر صوابًا إذ قال بعد أن سبر رواياته: "أرجو أنه لا بأس به".
• عن نافع أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له من غير موامرة منه ليُحلّها لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: لا إلا نكاح رغبة. كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه الطبراني في الأوسط - مجمع البحرين - (٢٣٦٧) والحاكم (٢/ ١٩٩) وعنه البيهقي (٧/ ٢٠٨) من طريق أبي غسان محمد بن مطرف، عن عمر بن نافع، عن أبيه فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ـ
стр. 4018
وفي معناه ما روي عن ابن عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ المحلّل والمحلَّل له" رواه ابن ماجه (١٩٣٤) عن محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عامر، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وزمعة بن صالح ضعيف باتفاق أهل العلم، ضعّفه الإمام أحمد وابن معين وأبو داود وأبو حاتم والنسائي وغيرهم. وقال ابن حبان: كان رجلًا صالحًا يهم ولا يعلم، ويُخطئ ولا يفهم، حتى غلب في حديثه المناكير التي يرويها عن المشاهير. وبه أعله أيضا البوصيري.
وأما شيخه سلمة بن وهرام فهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وأما ما روي عن علي قال: "لعن رسول الله ﷺ عشرة: آكلَ الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، والمحل والمحلل له، ومانع الصدقة، والواشمة والمستوشمة" فهو ضعيف.
انظر تخريجه في كتاب البيوع، وكذلك لا يصح حديث جابر.
قال الترمذي: "حديث علي وجابر حديث معلول هكذا رواه أشعث بن عبد الرحمن، عن مجالد، عن عامر الشعبي، عن الحارث، عن علي، وعامر عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ . وهذا حديث ليس إسناده بالقائم. لأن مجالد بن سعيد قد ضعَّفه بعضُ أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل. وروى عبد الله بن نُمير هذا الحديث عن مجالد، عن عامر، عن جابر بن عبد الله، عن علي. وهذا قد وهم فيه ابنُ نمير، والحديث الأول أصح، وقد رواه مغيرة، وابن أبي خالد وغير واحد عن الشعبي، عن الحارث، عن علي". انتهى.
قلت: وأما حديث علي بن أبي طالب فرواه أبو داود (٢٠٧٦) والترمذي (١١١٩) والنسائي (٨/ ١٤٧) وابن ماجة (١٩٣٥) وأحمد (٦٣٥) كلهم عن الشعبي، عن الحارث، عن علي فذكر الحديث. ذكر بعضهم مطولًا، وبعضهم مختصرًا. والحارث هو الأعور وهو ضعبف باتفاق أهل العلم.
قوله: والمحلّ: من الإحلال، والمحلَّل له: من التحليل، وهما بمعني، ولذا روي المُحِلّ والمُحَلّ له بلام واحد مشددة، والمحلل والمحلل له، بلامين أولهما مشددة، ثم المحلل من تزوج مطلقة الغير ثلاثا لتُحِل له، والمحلل له: هو المُطَلِّق، وإنما لعن، لأنه هتكُ مروءةٍ وقلةُ حميةٍ، وخِسَّة نفسٍ، وهو بالنسبة إلى المحلل له ظاهر، وأما المحلِّل فإنه كالتيس يُعير نفسه بالوطء لغرض الغير، وتسميته محلِّلا عند من يقول بصحة نكاحه ظاهرة، ومن لا يقول بها، لأنه قصد التحليل وإن كانت لا تحل، والله تعالى أعلم. قاله السندي.
٢٨ - باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث
وعن ابن عباس قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]ـ
стр. 4019
حسن: رواه أبو داود (٢١٩٥) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣٣٧) والنسائي (٣٥٥٤) من حديث علي بن حسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام الخفيف في علي بن حسين وأبيه.
وفي الباب ما رويَ عن عائشة قالت: كان الناس، والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مئة مرة، أو أكثر، حتى قال الرجل لامرأته: والله لا أطلِّقك فتَبِيني مني، ولا آويكِ أبدًا. قالت: وكيف ذاك؟ قال: أُطَلِّقُكِ، فكلما همَّت عدتُك أن تنقضي، راجعتُك، فذهبتِ المرأة حتى دخلتْ على عائشة فأخبرتها. فسكتت عائشة حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته، فسكتَ النبيُّ ﷺ ، حتى نزل القرآن: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاقَ مستقبِلا، من كان طلّق ومن لم يكن طلق.
رواه الترمذي (١١٩٢) عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا يعلى بن شبيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
وفيه يعلى بن شبيب المكي لم يوثقه أحد غير ابن حبان فهو مجهول، أو "مقبول" عند ابن حجر، إلا أنه قال في التقريب: "لين الحديث".
وخالفه عبد الله بن إدريس فرواه عن هشام بن عروة عن أبيه نحو هذا الحديث بمعناه ولم يذكر فيه: عن عائشة أخرجه الترمذي عقبه وقال: وهذا أصح من حديث يعلى بن شبيب".
وأما الحاكم فأخرجه في المستدرك (٢/ ٢٧٩) من وجه آخر عن يعلى بن شبيب وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يتكلم أحد في يعقوب بن حميد بن كاسب بحجة.
تعقَّبه الذهبي فقال: "قد ضعَّفه غير واحد".
قلت: وفيه علة أخرى وهي يعلى بن شبيب مجهول كما مضى.
٢٩ - باب متعة المطلقة
قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٤١].
• عن أبي أسيد قال: خرجنا مع النبي ﷺ حتى انطلقنا إلى حائط يقال له: الشوط، حتى انتهينا إلى حائطين فجلس بينهما، فقال النبي ﷺ : "اجلسوا هاهنا" ودخل، وقد أتى بالجونية، فأُنزلتْ في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها حاضنة لها. فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: "هبي نفسك لي" فقالت: وهل تَهَبُ الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن. فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "قد عُذتِ بمعاذ" ثم خرج علينا فقال: "يا أبا أسيد،
стр. 4020
اكسُها رازقيتين، وألْحِقها بأهلها".
صحيح: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٥٥) أبي نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن غَسيل، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبي أسيد فذكره.
وقال البخاري (٥٢٥٦) وقال الحسين بن الوليد النيسابوري، عن عبد الرحمن، عن عباس بن سهل، عن أبيه، وأبي أسيد قالا: تزوج النبي ﷺ أميمة بنت شراحيل، فلما أُدخلتْ عليه بسط يده إليها. فكأنها كرهت ذلك. فأمر أبا أسيد أن يُجهزها، ويكسوها ثوبين رازقيين.
وقوله: "داية": معرب يقال للممرضة والقابلة. والمراد هنا من كانت معها لاصلاح شأنها.
وقولها: "للسوقة": أي لواحد من الرعية. وهي جَهِلَتْ كونَه نبي الله ﷺ ولما علمت ذلك تأسفت وقالت: خَدِعتُ وأنا شَقية.
• عن جابر بن عبد الله قال: لما طلَّق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي ﷺ ، فقال لزوجها: "مَتِّعها" قال: لا أجد ما أمتعها. قال: "فإنه لا بد من المتاع" قال: "مَتِّعْهَا ولو نصف صاع من تمر".
حسن: رواه البيهقي (٧/ ٢٥٧) عن أبي عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر أحمد بن إسحاق، أنبأ علي بن عبد الصمد، ثنا أبو همام الوليد بن شجاع السكوني، ثنا مصعب بن سلَّام، ثنا شعبة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل علي بن عبد الصمد، وهو أبو الحسن الطيالسي يعرف بعلان ماغمه، كان ثقة كما قال الخطيب في ترجمته (١٢/ ٢٨)، وقال أيضا: وكان كثير الحديث قليل المروءة.
وفيه أيضا عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف.
ونقل البيهقي قصة ظريفة عن القاضي شريح أن رجلا طَلَّق امرأته عنده فقال: مَتِّعْها. فقالت المرأة: إنه ليس لي عليه متعة، إنما قال الله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المحسنين، وليس من أولئك.
стр. 4021
٢٦ - كتاب الخلع
١ - باب في جواز الخلع
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
• عن عبد الله بن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتتِ النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتبُ عليه في خُلُق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقتَه؟ " قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : "أقبل الحديقة وطلِّقها تطليقة".
صحيح: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٧٣) عن أزهر بن جميل، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وفي رواية (٥٢٧٧) سماها "جميلة".
وأخرج عبد الرزاق (١١٧٥٩)، عن معمر، قال: بلغني أنها قالت: يا رسول الله! لي من الجمال ما ترى، وثابت رجل دميم.
وفي رواية معتمر بن سليمان، عن فضيل، عن أبي جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس: أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا، إني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدُّهم سوادا، وأقصرُهم قامة، وأقبحهم وجهًا. رواه ابن جرير في تفسيره عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر به.
• عن حبيبة بنت سهل الأنصاري، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس. وأن رسول الله ﷺ خرج إلى الصبح. فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغَلَس، فقال لها رسول الله ﷺ : "من هذه؟ " فقالت: أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله. قال: "ما شأنك؟ " قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها، فلما جاء زوجُها ثابت بن قيس، قال له رسول الله ﷺ : "هذه حبيبة بنت سهل، قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر" فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس: "خذ منها" فأخذ منها وجلست في بيت أهلها.
صحيح: رواه مالك في الطلاق (٢١) عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصاري، فذكرته.
стр. 4022
ومن طريق مالك رواه الإمام أحمد (٢٧٤٤٤)، وأبو داود (٤٢٨٠)، والنسائي (٤٢٨٠) وابن ماجه (٣٤٦٢) وابن حبان (٣٤٦٢) وابن الجارود (٧٤٩) وغيرهم. وإسناده صحيح.
وفي قوله: "جلستْ في بيت أهلها": دليل على أنه لا سكن للمختلعة على الزوج.
• عن عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس، فضربها، فكسر بعضها، فأتت النبي ﷺ بعد الصبح، فاشتكته إليه. فدعا النبي ﷺ ثابتا فقال: "خذ بعض مالها وفارقها"، فقال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم"، قال: فإني أصدقتها حديقتين وهما بيدها. فقال النبي ﷺ : "خذهما وفارقها" ففعل.
صحيح: رواه أبو داود (٢٢٢٨) عن محمد بن معمر، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا أبو عمرو السدوسي المديني، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة فذكرته.
ولكن رواه البيهقي (٧/ ٣١٥) من وجه آخر عن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن عبد الله بن أبي بكر وفيه: فأخذ إحداهما ففارقها، ثم تزوجها أُبَيُّ بن كعب بعد ذلك، فخرج بها إلى الشام فتوفيت هنالك.
وإسناده صحيح. والحديثان صحيحان سمعت عمرة بنت عبد الرحمن هذا الحديث أولا من عائشة، ثم تيسر لها السماع من حبيبة بنت سهل صاحبة القصة.
وفي قوله: "خذهما وفارقها": دليل على أن يأخذ الرجل كل ما أعطاها، ولكن في الرواية الثانية أنه أخذ إحداهما فلعله أخذ في أول الأمر كلتيهما ثم رد إحداهما تنزها منه.
وفي معناه ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس. وكان رجلًا دميمًا فقالت: يا رسول الله! والله! لولا مخافة الله إذا دخل عليّ لبصقت في وجهه، فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. قال: فردت عليه حديقتَه قال: ففرق بينهما رسولُ الله ﷺ .
رواه ابن ماجه (٢٠٥٧) عن أبي كريب، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. والحجاج هو ابن أرطاة مدلس معروف، وقد ضُعِّف من غير التدليس أيضا.
ورواه الإمام أحمد (١٦٠٩٥) من وجهين أحدهما من طريق الحجاج بإسناده السابق، والثاني من طريق الحجاج، عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة، عن عمه سهل بن أبي حثمة قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فذكره مثله. وقال في آخره: فكان ذلك أول خلع في الإسلام. وفي الطريقين الحجاج بن أرطاة.
стр. 4023
٢ - باب كراهية الخلع للمرأة
• عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة سألت زوجَها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحةُ الجنة".
صحيح: رواه أبو داود (٢٢٢٦) والترمذي (١١٨٧) وابن ماجه (٢٠٥٥) وابن الجارود (٧٤٨) وصحّحه ابن حبان (٤١٨٤) والحاكم (٢/ ٢٠٠) والبيهقي (٧/ ٣١٦) كلهم من طرق عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان فذكره. وإسناده صحيح، وأبو أسماء اسمه: عمرو بن مرثد الرحبي إلا أن الترمذي رواه عن أبي قلابة، عمن حدّثه، عن ثوبان. وقال: "هذا حديث حسن، ويروى هذا الحديث عن أيوب عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإسناد، ولم يرفعه". انتهى.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: قول أبي قلابة: عمن حدثه عن ثوبان.
جاء التصريح به في روايات أخرى أنه أبو أسماء الرحبي، وبذكره زال هذا الإبهام والإعلال به، وهو ثقة.
وقول الترمذي: رواه بعضهم عن أيوب، بهذا الإسناد ولم يرفعه. إشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٧١) عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، وأيوب، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ مرسلًا.
والحكم لمن وصله. وقد وصله ابن أبي شيبة نفسه بعده بذكر أبي أسماء، عن ثوبان كما مضى.
وقوله: سألتْ زوجَها الطلاق. أي الخلع، لأن الطلاق بيد الرجل، وهو حق من حقوقه. وله أن يستعمله إذا لزم الأمر.
والخلع من حقوق المرأة، فإن رأت أن الحياة الزوجية لا تَستقيم فلها أن تطلب الخلع من زوجها، ويجوز للزوج أن يطلب منها ما أنفق عليها من المهر لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وأما ما رُوي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا تسأل المرأةُ زوجها الطلاقَ في غير كنهه، فتجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (٢٠٥٤) عن بكر بن خلف أبي عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمه عمارة بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس فذكره.
وفيه جعفر بن يحيى بن ثوبان وعمه، وهو شيخه عمارة بن ثوبان مجهولان، وعطاء هو: ابن أبي رباح.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ثوبان، عن النبي ﷺ أنه قال: "المختلعات هن المنافقات". رواه
стр. 4024
الترمذي (١١٨٦) عن أبي كريب، حدثنا مزاحم بن ذُوّاد بن عُلْية، عن أبيه، عن ليث، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي".
قلت: فيه سلسلة الضعفاء والمجاهيل فوالد مزاحم وهو ذُوّاد بن علبة الحارثي ضعيف عند أكثر أهل العلم، وشيخه ليث وهو: ابن أبي سليم وفيه كلام معروف. وهو ضعيف أيضا عند أكثر أهل العلم، وشيخه أبو الخطاب مجهول.
وروى معناه أيضا في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "المختلعات والمنتزعات هن المنافقات".
رواه النسائي (٣٤٦١) وأحمد (٩٣٥٨) والبيهقي (٧/ ٣١٦) كلهم من حديث وُهيب بن خالد، عن أيوب، عن الحسن، عن أبي هريرة فذكره.
وجاء في سنن النسائي. قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة.
وعلق عليه النسائي بقوله: الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا.
قلت: وعليه جمهور أهل العلم. منهم بهز بن أسد يقول: لم يسمع من أبي هريرة، ولم يره.
وقال يونس بن عبيد: "الحسن ما رآه قط".
وقال أحمد بن حنبل: "قال بعضُهم عن الحسن، ثنا أبو هريرة".
فقال ابن أبي حاتم: "إنكارًا عليه أنه لم يسمع من أبي هريرة".
وقال علي بن المديني: "لم يسمع من أبي هريرة شيئًا".
وقال أبو حاتم: لم يسمع الحسن من أبي هريرة".
وقال أبو زرعة: "لم يسمع من أبي هريرة ولم يره، قيل له: فمن قال: ثنا أبو هريرة، قال: يخطئ.
قال ابن أبي حاتم: "قلت لأبي: إن سالمًا الخياط روي عن الحسن قال: سمعت أبا هريرة. فقال: هذا مما يُبين ضعفَ سالم".
وعلى آراء أقوال أهل العلم يحمل قول الحسن على أنه ما نفى علمه بأن يكون هذا الحديث قد روي عن غير أبي هريرة، لا أنه سمع منه.
ومعنى الحديث: أن اللاتي يطلبنَ الخلق والطلاقَ بدون عذر مقبول هن كالمنافقات اللاتي يدّعين الإسلام، ولا يعملن ما يدعو إليه الإسلام من المصالحة والمصابرة على الحياة الزوجية.
٣ - باب لا يجوز للزوج أن يأخذ أكثر مما أعطاها
• عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتتِ النبيَّ ﷺ فقالت: والله ما أعتبُ ثابتا في دِين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام. لا أطيقه بغْضًا. فقال لها النبي
стр. 4025
- ﷺ : "أتردين عليه حديقتَه؟ " قالت: نعم. فأمره النبي ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد.
حسن: رواه ابن ماجه (٢٠٥٦) عن أزهر بن مروان، قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
ورواه البيهقي (٧/ ٣١٣) من وجه آخر عن همام، عن قتادة مختصرا فإنه لم يذكر فيه: ولا يزداد.
وإسناده حسن من أجل أزهر بن مروان فإنه حسن الحديث، وصحّحه ابن حجر في الدراية (ص ٧٥) ورواه البيهقي (٧/ ٣١٣) من طريق همام، نا قتادة مختصرا، ومن طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى مفسرًا. وقال: كذا رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة موصولًا، وأرسله غيره منه.
وفي الباب ما روي عن أبي الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن سلول، وكان أصدقّها حديقه. فكرهته، فقال النبي ﷺ : "أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟ " قالت: نعم وزيادة. فقال النبي ﷺ : "أما الزيادة فلا، ولكن حديقته"، قالت: نعم، فأخذها له، وخلا سبيلها، فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلتُ قضاءَ رسولِ الله ﷺ .
رواه الدارقطني (٣/ ٢٥٥) من حديث حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير فذكره. قال الدارقطني: سمعه أبو الزبير من غير واحد.
وقال ابن الجوزي في التحقيق (٤/ ٣٩٤): إسناده صحيح، وأقرّه ابن عبد الهادي. وحجاج هو: ابن محمد المصيصي. إلا أن البيهقي قال: (٧/ ٣١٤): "وهذا أيضا مرسل". وقال ابن حجر في الفتح (٩/ ٤٠٢): "رجال إسناده ثقات، وقد وقع في بعض طرقه: سمعه أبو الزبير من غير واحد، فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح، وإلا فيعتضد بما سبق".
يعني حديث ابن عباس عند ابن ماجه، ومرسل عطاء.
قلت: ومرسل عطاء رواه أبو داود في مراسيله (٢٢٧) وعبد الرزاق (٦/ ٥٠٢) كلاهما من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عطاء قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشكو زوجها قال: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، وزيادة. قال: "أما الزيادة فلا، قال الدارقطني (٣/ ٣٢١): وخالفه الوليد، عن ابن جريج فأسنده عن عطاء، عن ابن عباس. والمرسل أصح. وكذا صحّح المرسل أبو حاتم. في "العلل" (١/ ٤٢٩).
فقه الحديث:
يستفاد من أحاديث الباب أن طلب الزيادة على المهر غير جائز، وبه قال جمهور أهل العلم منهم أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وسعيد بن المسيب، وغيرهم قالوا: لا يأخذ أكثر من الصداق، فإذا أخذ أكثر مما أعطاها لم يُسَرِّح بالإحسان الذي أمر الله به.
وقال مالك، والشافعي، وجماعة من التابعين: لا بأس بأخذ الزيادة. إلا أن مالكا يقول: أخذ
стр. 4026
الزيادة ليس من مكارم الأخلاق.
وأما ما رُوي عن أبي سعيد الخدري قال: كانت أُختي تحت رجل من الأنصار. تزوجها على حديقة، فكان بينهما كلام، فارتفعا إلى النبي ﷺ فقال: "تردين عليه حديقته، ويطلقك؟ " قالت: نعم، قال: "ردي عليه حديقته وزيديه" فهو ضعيف.
رواه الدارقطني (٣/ ٢٥٤) من طريق الحسن بن عمارة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
والحسن بن عمارة كذاب كما قال شعبة. وقال يحيي: يكذب. وشيخه عطية العوفي ضعّفه الثوري، وهشيم، وأحمد، ويحيى وغيرهم.
٤ - باب عدة المختلعة
• عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد النبي ﷺ ، فأمرها النبي ﷺ أو أُمِرَتْ أن تعتد بحيضة.
صحيح: رواه الترمذي (١١٨٥) عن محمود بن غيلان قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن سفيان، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار. عن الرُبيع فذكرته.
قال الترمذي: "حديث الربيع الصحيح: أنها أمرت أن تعتد بحيضة".
ورواه البيهقي (٧/ ٤٥٠) من طريق الفضل بن موسى بإسناده مثله كما رواه أيضا من وجه آخر عن وكيع، عن سفيان بإسناده وجاء فيه: "أنها اختلعت من زوجها، فأُمِرَتْ أن تعتد بحيضة".
قال البيهقي: "هذا أصح، وليس فيه مَن أمرها، ولا على عهد النبي ﷺ ".
قلت: هذا الترجيح منه بدون مرجع، والفضل بن موسى ثقة ثبت، وذكر أن الآمر هو النبي ﷺ لوقوع ذلك في عهده ﷺ وهذه زيادة يجب قبولها، لا سيما سيأتي حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ما يؤكد صحة ذلك.
وقد سبقه الدارقطني فأشار في العلل (١٥/ ٤٢٠ - ٤٢١) إلى هذا الاختلاف وقال: "فأُمرت أن تعتد بحيضة وهو الصحيح".
• عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قال: قلت لها: حدِّثِيني حديثك قالت: اختلعتُ من زوجي ثم جئتُ عثمان فسألته: ماذا علي من العدة؟ فقال: لا عدة عليك، إلا أن يكون حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضين حيضة. قالت: وإنما تبع ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه.
حسن: رواه النسائي (٣٤٩٨) وابن ماجه (٢٠٥٨) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن
стр. 4027
محمد بن إسحاق قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وقوله: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك: أي ليس على المختلعة عدة مثل عدة المطلقة إلا حيضة واحدة للاستبراء إن كانت حديث عهد بالزواج بدخوله عليك، أو بالجماع فتمكثين عنده، وإلا فلا عدة عليك، ولكن يعارض هذا ما جاء في حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره أمرها أن تعتد بحيضة. فيحمل هذا على الحكم الغالب بأن قد جامعها، فتعتد بحيضة للاستبراء.
• عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرت أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبَيّ، فأتي أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى ثابت فقال له: "خذ الذي لها عليك، وخلّ سبيلها" قال: نعم، فأمرها رسول الله ﷺ أن يتربص حيضة واحدة، فتلحق بأهلها.
صحيح: رواه النسائي (٣٤٩٧) عن أبي علي محمد بن يحيى المروزي، قال: أخبرني شاذان بن عثمان أخو عبدان، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن، أن الربيع بنت معوذ أخبرته فذكره وإسناده صحيح.
ورواه الدارقطني من وجه آخر عن ابن لهيعة، نا أبو الأسود، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان بإسناده فذكره وفيه متابعة ليحيى بن أبي كثير ومحمد بن عبد الرحمن. ولكن في إسناده ابن لهيعة وفيه كلام معروف.
• عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد رسول الله ﷺ فأمرها أن تعتد بحيضة.
حسن: رواه أبو داود (٢٢٢٩) والترمذي (١١٨٥ المكرر) والحاكم (٢/ ٢٠٦) كلهم من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال الترمذي: "حسن غريب".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد غير أن عبد الرزاق أرسله عن معمر".
وقال أبو داود: "هذا الحديث رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا.
قلت: هشام بن يوسف هو الصنعاني قاضي صنعاء كان ثقة متقنا، قدمه أبو زرعة على عبد الرزاق قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة وسألته عن هشام بن يوسف ومحمد بن نور وعبد الرزاق فقال: كان هشام أصحهم كتابا من اليمانيين.
وقال أبو زرعة مرة أخرى: كان هشام أكبرَهم وأحفظَهم وأتقن.
стр. 4028
وقال أبو حاتم: "ثقة متقن".
فمثله لا تضر مخالفة عبد الرزاق له.
وحديث عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٥٨) عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: اختلعت امرأةُ ثابت بن قيس بن شماس من زوجها، فجعل رسولُ الله ﷺ عدتَها حيضة.
وفي الإسناد عمرو بن مسلم وهو الجندي اليماني روي له مسلم حديثا. وقال ابن معين في رواية: "لا بأس به" وقال ابن عدي: "ليس له حديث منكر جدًّا". ووثّقه ابن حبان فمثله يحسن حديثه.
وقع الخلاف في اسم زوجة ثابت بن قيس بن شماس فقيل: جميلة بنت سهل وهو الأشهر، وقيل: حبيبة بنت سهل، وقيل جميلة بنت سلول، وقيل زينب بنت عبد الرحمن بن أبيّ، وقيل مريم الغالية، وقيل غير ذلك ظاهره الاضطراب ولكن يمكن حمله على التعدد بأزواج ثابت بن قيس، والاختلاف في اسم المختلعة لا يضر في صحة الحديث.
وأما ما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة فهو ضعيف جدا. رواه الدارقطني (٤/ ٤٥ - ٤٦) والبيهقي (٧/ ٣١٦) كلاهما من حديث رواد بن الجراح، عن عباد بن كثير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وعباد بن كثير وهو الثقفي البصري قال أحمد: روى أحاديث كذب، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال النسائي: "متروك" وضعّفه البخاري وأبو زرعة والدارقطني والعجلي وغيرهم والخلاصة أنه ضعيف جدًّا، بل و "متروك" كما في "التقريب". وفيه أيضا روّاد بن الجراح ضعَّفه النسائي وقال الدارقطني: "متروك". وقال البيهقي بعد أن تكلم في عباد بن كثير البصري: "وكيف يصح، ومذهب ابن عباس وعكرمة بخلافه" وبمعناه أحاديث لا تصح.
اختلف أهل العلم في عدة المختلعة فقال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: إن عدة المختلعة ثلاث حيض، فإن ظاهر الكتاب في عدة المطلقات يتناول المختلعة وغيرها. وبه قال أحمد وإسحاق وأهل الكوفة.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إن عدة المختلعة حيضة واحدة مستدلين بحديث الربيع بن معوذ.
قال إسحاق بن راهويه: "وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي" ذكره الترمذي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من نظر هذا القول وجده مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة، ويتروى الزوج، ويتمكن من الرجعة في مدة العدة. فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء.
ويستفاد من أحاديث الباب أن الخلع فسخ، وليس بطلاق، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
стр. 4029
فلو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد. ولأن الله ذكر الطلاق في أول الآية وآخرها، وذكر الخلع فيما بين ذلك فقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩ - ٢٣٠] فلو جعل الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا. وإلى هذا ذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر وأحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم ﵏ لأن الزوج أحق بالرجعة في الطلاق بخلاف الخلعة؛ فإنه لا رجعة فيها، وإنما يتزوجها بمهر جديد ونكاح جديد.
وتظهر ثمرة الخلاف فيما لو طلق رجل امرأته تطليقتين ثم اختلعت فيه أيتزوجها أم لا؟ سئل ابن عباس عن هذا فقال:
ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك، فليس الخلع بطلاق ينكحها.
رواه البيهقي (٧/ ٣١٦) بإسناد صحيح، ونقل عن الإمام أحمد أنه ليس في الباب أصح من حديث ابن عباس هذا.
ويظهر الخلاف أيضا لو خالع رجل امرأته مرارًا لجاز له أن ينكحها بنكاح جديد، وبصداق جديد بغير أن تتزوج بزوج آخر.
стр. 4030
٢٧ - كتاب اللعان
١ - باب ما جاء في اللعان
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة النور: ٦ - ٩].
• عن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمرًا العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري. فقال له: يا عاصم، أرأيتَ رجلًا وجد مع امرأته رجلًا. أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ سل لي، يا عاصم، عن ذلك رسول الله ﷺ فسأل عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك. فكره رسولُ الله ﷺ المسائلَ وعابها. حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ . فلما رجع عاصم إلى أهله، جاءه عويمر. فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير. قد كَرِهَ رسولُ الله ﷺ المسألة التي سألته عنها. فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها. فأقبل عويمر حتى أتى رسولَ الله ﷺ وسط الناس. فقال: يا رسول الله، أرأيتَ رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله: "قد أنزل فيك وفي صاحبك. فاذهب فأت بها" فقال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس، عند رسول الله ﷺ . فلما فرغا من تلاعنهما، قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ .
قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك، بعد، سنة المتلاعنين.
متفق عليه: رواه مالك في الطلاق (٣٤) عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي، فذكره.
ورواه البخاري في الطلاق (٥٢٥٩)، ومسلم في اللعان (١: ١٤٩٢) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
• عن سهل بن سعد أخي بني ساعدة، أن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين فقال النبي ﷺ : "قد قضى الله فيك وفي امرأتك" قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. فلما فرغا قال: كذبت عليها
следующие страницы →