Полный текст (8 687 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
الزيادة ليس من مكارم الأخلاق.
وأما ما رُوي عن أبي سعيد الخدري قال: كانت أُختي تحت رجل من الأنصار. تزوجها على حديقة، فكان بينهما كلام، فارتفعا إلى النبي ﷺ فقال: "تردين عليه حديقته، ويطلقك؟ " قالت: نعم، قال: "ردي عليه حديقته وزيديه" فهو ضعيف.
رواه الدارقطني (٣/ ٢٥٤) من طريق الحسن بن عمارة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
والحسن بن عمارة كذاب كما قال شعبة. وقال يحيي: يكذب. وشيخه عطية العوفي ضعّفه الثوري، وهشيم، وأحمد، ويحيى وغيرهم.
٤ - باب عدة المختلعة
• عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد النبي ﷺ ، فأمرها النبي ﷺ أو أُمِرَتْ أن تعتد بحيضة.
صحيح: رواه الترمذي (١١٨٥) عن محمود بن غيلان قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن سفيان، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار. عن الرُبيع فذكرته.
قال الترمذي: "حديث الربيع الصحيح: أنها أمرت أن تعتد بحيضة".
ورواه البيهقي (٧/ ٤٥٠) من طريق الفضل بن موسى بإسناده مثله كما رواه أيضا من وجه آخر عن وكيع، عن سفيان بإسناده وجاء فيه: "أنها اختلعت من زوجها، فأُمِرَتْ أن تعتد بحيضة".
قال البيهقي: "هذا أصح، وليس فيه مَن أمرها، ولا على عهد النبي ﷺ ".
قلت: هذا الترجيح منه بدون مرجع، والفضل بن موسى ثقة ثبت، وذكر أن الآمر هو النبي ﷺ لوقوع ذلك في عهده ﷺ وهذه زيادة يجب قبولها، لا سيما سيأتي حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ما يؤكد صحة ذلك.
وقد سبقه الدارقطني فأشار في العلل (١٥/ ٤٢٠ - ٤٢١) إلى هذا الاختلاف وقال: "فأُمرت أن تعتد بحيضة وهو الصحيح".
• عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قال: قلت لها: حدِّثِيني حديثك قالت: اختلعتُ من زوجي ثم جئتُ عثمان فسألته: ماذا علي من العدة؟ فقال: لا عدة عليك، إلا أن يكون حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضين حيضة. قالت: وإنما تبع ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه.
حسن: رواه النسائي (٣٤٩٨) وابن ماجه (٢٠٥٨) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن
стр. 4027
محمد بن إسحاق قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وقوله: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك: أي ليس على المختلعة عدة مثل عدة المطلقة إلا حيضة واحدة للاستبراء إن كانت حديث عهد بالزواج بدخوله عليك، أو بالجماع فتمكثين عنده، وإلا فلا عدة عليك، ولكن يعارض هذا ما جاء في حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره أمرها أن تعتد بحيضة. فيحمل هذا على الحكم الغالب بأن قد جامعها، فتعتد بحيضة للاستبراء.
• عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرت أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبَيّ، فأتي أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى ثابت فقال له: "خذ الذي لها عليك، وخلّ سبيلها" قال: نعم، فأمرها رسول الله ﷺ أن يتربص حيضة واحدة، فتلحق بأهلها.
صحيح: رواه النسائي (٣٤٩٧) عن أبي علي محمد بن يحيى المروزي، قال: أخبرني شاذان بن عثمان أخو عبدان، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن، أن الربيع بنت معوذ أخبرته فذكره وإسناده صحيح.
ورواه الدارقطني من وجه آخر عن ابن لهيعة، نا أبو الأسود، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان بإسناده فذكره وفيه متابعة ليحيى بن أبي كثير ومحمد بن عبد الرحمن. ولكن في إسناده ابن لهيعة وفيه كلام معروف.
• عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد رسول الله ﷺ فأمرها أن تعتد بحيضة.
حسن: رواه أبو داود (٢٢٢٩) والترمذي (١١٨٥ المكرر) والحاكم (٢/ ٢٠٦) كلهم من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال الترمذي: "حسن غريب".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد غير أن عبد الرزاق أرسله عن معمر".
وقال أبو داود: "هذا الحديث رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا.
قلت: هشام بن يوسف هو الصنعاني قاضي صنعاء كان ثقة متقنا، قدمه أبو زرعة على عبد الرزاق قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة وسألته عن هشام بن يوسف ومحمد بن نور وعبد الرزاق فقال: كان هشام أصحهم كتابا من اليمانيين.
وقال أبو زرعة مرة أخرى: كان هشام أكبرَهم وأحفظَهم وأتقن.
стр. 4028
وقال أبو حاتم: "ثقة متقن".
فمثله لا تضر مخالفة عبد الرزاق له.
وحديث عبد الرزاق في مصنفه (١١٨٥٨) عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: اختلعت امرأةُ ثابت بن قيس بن شماس من زوجها، فجعل رسولُ الله ﷺ عدتَها حيضة.
وفي الإسناد عمرو بن مسلم وهو الجندي اليماني روي له مسلم حديثا. وقال ابن معين في رواية: "لا بأس به" وقال ابن عدي: "ليس له حديث منكر جدًّا". ووثّقه ابن حبان فمثله يحسن حديثه.
وقع الخلاف في اسم زوجة ثابت بن قيس بن شماس فقيل: جميلة بنت سهل وهو الأشهر، وقيل: حبيبة بنت سهل، وقيل جميلة بنت سلول، وقيل زينب بنت عبد الرحمن بن أبيّ، وقيل مريم الغالية، وقيل غير ذلك ظاهره الاضطراب ولكن يمكن حمله على التعدد بأزواج ثابت بن قيس، والاختلاف في اسم المختلعة لا يضر في صحة الحديث.
وأما ما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة بائنة فهو ضعيف جدا. رواه الدارقطني (٤/ ٤٥ - ٤٦) والبيهقي (٧/ ٣١٦) كلاهما من حديث رواد بن الجراح، عن عباد بن كثير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وعباد بن كثير وهو الثقفي البصري قال أحمد: روى أحاديث كذب، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال النسائي: "متروك" وضعّفه البخاري وأبو زرعة والدارقطني والعجلي وغيرهم والخلاصة أنه ضعيف جدًّا، بل و "متروك" كما في "التقريب". وفيه أيضا روّاد بن الجراح ضعَّفه النسائي وقال الدارقطني: "متروك". وقال البيهقي بعد أن تكلم في عباد بن كثير البصري: "وكيف يصح، ومذهب ابن عباس وعكرمة بخلافه" وبمعناه أحاديث لا تصح.
اختلف أهل العلم في عدة المختلعة فقال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: إن عدة المختلعة ثلاث حيض، فإن ظاهر الكتاب في عدة المطلقات يتناول المختلعة وغيرها. وبه قال أحمد وإسحاق وأهل الكوفة.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إن عدة المختلعة حيضة واحدة مستدلين بحديث الربيع بن معوذ.
قال إسحاق بن راهويه: "وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي" ذكره الترمذي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من نظر هذا القول وجده مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة، ويتروى الزوج، ويتمكن من الرجعة في مدة العدة. فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء.
ويستفاد من أحاديث الباب أن الخلع فسخ، وليس بطلاق، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
стр. 4029
فلو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد. ولأن الله ذكر الطلاق في أول الآية وآخرها، وذكر الخلع فيما بين ذلك فقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩ - ٢٣٠] فلو جعل الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا. وإلى هذا ذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر وأحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم ﵏ لأن الزوج أحق بالرجعة في الطلاق بخلاف الخلعة؛ فإنه لا رجعة فيها، وإنما يتزوجها بمهر جديد ونكاح جديد.
وتظهر ثمرة الخلاف فيما لو طلق رجل امرأته تطليقتين ثم اختلعت فيه أيتزوجها أم لا؟ سئل ابن عباس عن هذا فقال:
ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك، فليس الخلع بطلاق ينكحها.
رواه البيهقي (٧/ ٣١٦) بإسناد صحيح، ونقل عن الإمام أحمد أنه ليس في الباب أصح من حديث ابن عباس هذا.
ويظهر الخلاف أيضا لو خالع رجل امرأته مرارًا لجاز له أن ينكحها بنكاح جديد، وبصداق جديد بغير أن تتزوج بزوج آخر.
стр. 4030
٢٧ - كتاب اللعان
١ - باب ما جاء في اللعان
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة النور: ٦ - ٩].
• عن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمرًا العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري. فقال له: يا عاصم، أرأيتَ رجلًا وجد مع امرأته رجلًا. أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ سل لي، يا عاصم، عن ذلك رسول الله ﷺ فسأل عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك. فكره رسولُ الله ﷺ المسائلَ وعابها. حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ . فلما رجع عاصم إلى أهله، جاءه عويمر. فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير. قد كَرِهَ رسولُ الله ﷺ المسألة التي سألته عنها. فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها. فأقبل عويمر حتى أتى رسولَ الله ﷺ وسط الناس. فقال: يا رسول الله، أرأيتَ رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله: "قد أنزل فيك وفي صاحبك. فاذهب فأت بها" فقال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس، عند رسول الله ﷺ . فلما فرغا من تلاعنهما، قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ .
قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك، بعد، سنة المتلاعنين.
متفق عليه: رواه مالك في الطلاق (٣٤) عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي، فذكره.
ورواه البخاري في الطلاق (٥٢٥٩)، ومسلم في اللعان (١: ١٤٩٢) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
• عن سهل بن سعد أخي بني ساعدة، أن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين فقال النبي ﷺ : "قد قضى الله فيك وفي امرأتك" قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. فلما فرغا قال: كذبت عليها
стр. 4031
يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلّقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبي ﷺ فقال: "ذاك تفريق بين كل متلاعنين".
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٣٠٩) ومسلم في اللعان (١٤٩٢: ٣) كلاهما من طريق عبد الرزاق. أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب عن الملاعنة وعن السنة فيها عن حديث سهل بن سعد، فذكره. والسياق للبخاري.
والرجل المبهم من الأنصار هو: عويمر العجلاني.
وقوله: "ذاك تفريق بين كل متلاعنين" فيه أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدًا.
• عن عبد الله قال: إنا ليلة الجمعة في المسجد. إذ جاء رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلَّم جلدتُموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ. والله! لأسألن عنه رسولَ الله ﷺ . فلما كان من الغد أتى رسول الله ﷺ فسأله، فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلا فتكلَّم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ. فقال: "اللهم افتح" وجعل يدعو. فنزلت آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] هذه الآيات. فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس. فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فذهبت لتلعن. فقال لها رسول الله ﷺ : "مه" فأبت فلعنتْ. فلما أدبرا قال: "لعلها أن تجيء به أسود جعدا" فجاءت به أسود جعدا.
صحيح: رواه مسلم في اللعان (١٤٩٥) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله (هو ابن مسعود) فذكره.
والرجل المبهم من الأنصار هو: عويمر العجلاني.
• عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء. فقال النبي ﷺ : "البينةُ أو حدُّ في ظهرك" فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة. فجعل النبي ﷺ يقول: "البينةُ أو حدٌّ في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يُبرّئ ظهري من الحد فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ [النور: ٦] فقرأ حتى بلغ - ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩].
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٧) عن محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن
стр. 4032
هشام بن حسان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: إن أول لعان كان في الإسلام أن هلال بن أمية قذفَ شريكَ بن السَحْماء بامرأته فأتى النبي ﷺ . فأخبره بذلك فقال له النبي ﷺ : "أربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك" يردد ذلك عليه مرارًا فقال له هلال: والله يا رسول الله! إن الله ليعلم أني صادق، ولينزلن الله عليك ما يُبْرئ ظهري من الجلد فبينما هم كذلك إذ نزلت عليه آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ إلى آخر الآية [النور: ٦] فدعا هلالًا فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم دُعيتِ المرأةُ، فشهدتُ أربعُ شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. فلما أن كان في الرابعة أو الخامسة قال رسول الله ﷺ : "وقِّفوها فإنها موجبة". فتلكأَتْ حتى ما شككنا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضحُ قومي سائر اليوم. فمضتْ على اليمين فقال رسول الله ﷺ : "انظروها فإن جاءت به أبيضَ سَيطًا قَضِيءَ العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به آدم جَعْدًا رَبْعًا حَمْشَ الساقين فهو لشَريك بن السحماء. فجاءتْ به آدم جَعْدًا رَبْعًا حَمْش الساقين فقال رسول الله ﷺ : "لولا ما سبق فيها من كتاب الله لكان لي ولها شأن".
صحيح: رواه النسائي (٣٤٦٩) وأحمد (١٢٤٥٠) وصحّحه ابن حبان (٤٤٥١) كلهم من حديث هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس فذكره إلا أن أحمد اختصره.
وأصله في الصحيح كما مضى.
وأما ما روي عن ابن عباس في حديث طويل فهو ضعيف. وهذا نصه:
لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] قال سعدُ بن عبادة، وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ " قالوا: يا رسول الله، لا تَلُمه، فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، وما طلّق امرأة له قطُّ، فاجترأَ رجل من على أن يتزوجها من شدة غيرتِه. فقال سعد: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنها حق، وأنها من الله، ولكني قد تعجتُ أني لو وجدتُ لكاعًا قد تفخذّها رجل، لم يكن لي أن أُهِيجَه ولا أُحرِّكهـ، حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته.
قال: فما لبثوا إلا يسيرًا، حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذي تِيبَ عليهم، فجاء من أرضه عشاءً، فوجد عند أهله رجلًا، فرأى بعينيه، وسمع بأذنَيه، فلم يهِجْه، حتى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاءً، فوجدتُ عندها رجلًا، فرأيت بعينيَّ، وسمعت بأذنيَّ، فكره رسولُ الله ﷺ ما جاء به، واشتد عليه، واجتمعتِ الأنصارُ، فقالوا:
стр. 4033
قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسولُ الله ﷺ هلالَ بن أمية، ويُبْطِل شهادتَه في المسلمين. فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا، فقال هلال: يا رسول الله، إني قد أرى ما اشتدَّ عليك مما جئتُ به، والله يعلم إني لصادق.
فوالله إن رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه، إذ نزل على رسول الله ﷺ الوحيُ، وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربُّدِ جِلْده، يعني، فأمسكوا عنه حتى فرَغ من الوحي، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] الآية كلها، فسُرِّي عن رسولِ الله ﷺ ، فقال: "أبشر يا هلال، قد جعل الله لك فرجا ومخرجا" فقال هلال: قد كنت أرجو ذاك من ربي . فقال رسول الله ﷺ : "أرسِلُوا إليها" فأرسلوا إليها، فجاءت، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، وذكّرهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله، لقد صدقتُ عليها، فقالت: كذبَ، فقال رسول الله ﷺ : "لَاعِنَوا بينهما" فقيل لهلال: اشهَدْ. فشهِدَ أربعَ شهاداتٍ بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة، قيل: يا هلال، اتّقِ الله، فإن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجة التي تُوجب عليك العذاب، فقال: لا والله لا يعذبُني الله عليها، كما لم يَجْلِدني عليها. فشهد في الخامسة: أن لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قال لها: اشهدِيْ أربعَ شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين. فلما كانت الخامسةُ قيل لها: اتقيِ الله، فإن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذابَ. فلتكَّأتُ ساعة، ثم قالت: والله لا أفضحُ قومي. فشهدتْ في الخامسة: أن غضَبَ الله عليها إن كان من الصادقين، ففرّقَ رسولُ الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يُدعي ولدُها لأبٍ، ولا تُرمي هي به، ولا يُرمي ولدُها، ومن رماها أو رمي ولدَها، فعليه الحدُّ، وقضى أن لا بيتَ لها عليه، ولا قُوْتَ من أجل أنهما يتفرَّقان من غير طلاق، ولا متوفَّى عنها، وقال: "إن جاءتْ به أصَيْبَ، أُريَسح، حَمْشَ الساقَين، فهو لهلالٍ، وإن جاءتْ به أورَقَ جَعْدًا، جُمالِيًا، خَدَلَّج الساقين، سابغَ الأَلْيَتين، فهو الذي رُمِيَتْ به" فجاءت به أورق، جعدًا، جماليا، خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فقال رسول الله ﷺ : "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" قال عكرمة: "فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وكان يُدعى لأمه، ولا يُدعى لأب".
رواه أبو داود (٢٢٥٦) والإمام أحمد (٢١٣١) كلاهما من حديث يزيد بن هارون، عن عبَّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
ورواه أبو داود الطيالسي (٢٦٦٧) وعنه البيهقي (٧/ ٣٩٤) عن عبّاد بن منصور، نا عكرمة فذكره.
وقال في آخره عباد: فسمعتُ عكرمة يقول: لقد رأيته أمير مصر من الأمصار، ولا يُدري من أبوه. وإسناده ضعيف فإن عبّاد بن منصور ضعيف ورمي بالتدليس، وقد صرّح بالتحديث في رواية أبي داود الطيالسي، ولكن الجمهور على تضعيفه لكثرة مناكيره.
قال يحيى بن سعيد القطان: "قلت لعبّاد بن منصور: عمن أخذت حديث اللعان، قال: ثني إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس.
стр. 4034
وقال ابن حبان: "كل ما روي عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى عن دواد، عن عكرمة" وإبراهيم هذا كذّاب معروف.
وكذلك لا يصح ما روي عن ابن عباس قال: تزوّج رجلٌ امرأةً من الأنصار - من بلْعجلان فدخل بها، فبات عندها فلما أصبح قال "ما وجدتُها عَذْراء. قال فرفع شأنها إلى رسول الله ﷺ ، فدعا الجارية رسولُ الله ﷺ فسألها فقالت: بلى، قد كنت عذْراء. قال: فأمر بهما رسول الله ﷺ فتلاعنا وأعطاها المهر.
رواه ابن ماجه (٢٠٧٠) وأحمد (٢٣٦٧) كلاهما من حديث يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: ذكر طلحة بن نافع، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
وفيه محمد بن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالسماع كما أنه ذكر فيه أمرًا غريبًا لم يذكره غيره.
وفي الباب أيضًا ما روي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلًا به؟ " قال: كنت فاعلًا به شرًّا. قال: "فأنت يا عمر؟ " قال: كنت والله قاتله، كنت أقول: لعن الله الأعجز، فإنه خبيث. قال: فزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ... ﴾ [النور: ٦].
رواه البزار في مسنده (٧/ ٣٤٣) عن إسحاق بن الضيف قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة فذكره.
ورواه أيضا الطحاوي في مشكله (٩٤٨) من وجه آخر عن النضر بن شميل وزاد فيه: "فأنت يا سهيل بن بيضاء؟ " قال: كنت أقول أو قائلًا: لعن الله الأبعد، لعن الله البعداء، ولعن أول الثلاثة. أخبر بهذا. فقال رسول الله ﷺ : "تأولت القرآن يا ابن بيضاء: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ﴾ [النور: ٦].
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أسنده إلا النضر بن شميل، عن يونس.
ثم روي هو، وعبد الرزاق (١٢٣٦٤) كلاهما من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، قال: قال النبي ﷺ فذكر الحديث.
وسفيان الثوري من قدماء أصحاب أبي إسحاق، فالمرسل أشبه بالصواب، والمتن فيه غرابة، فإنه لم يُعهد عن النبي ﷺ مثل هذا التخاطب بأصحابه.
وقد سئل أبو حاتم عن هذا الحديث، وذُكر له طريق آخر فقال: هو مرسل، وهو أشبه بالصواب "العلل" (١/ ٤٤٥).
٢ - باب قذف الرجل زوجتَه برجل بعينه
• عن محمد بن سيرين قال: سألت أنس بن مالك، وأنا أرى أن عنده فيه علمًا. فقال: إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سَحْماء، وكان أخا البراء بن مالك
стр. 4035
لأمه، وكان أول رجل لَاعَن في الإسلام. قال: فلَاعَنها. فقال رسول الله ﷺ : "أبصروها، فإن جاءتْ به أبيض سبطًا قضيئ العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحلَ جَعْدًا حَمْشَ الساقين فهو لشريك بن سحماء". قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين.
صحيح: رواه مسلم في اللعان (١١: ١٤٩٦) عن محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام، عن محمد، قال: فذكر الحديث.
٣ - باب في الملاعنة على الزنا ونفي الحمل
• عن سهل بن سعد أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيتَ رجلًا رأي مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فأنزل الله فيهما ما ذكر في القرآن. فقال له رسول الله ﷺ : "قد قضي فيك وفي امرأتك" قال: فتلّاعَنَا وأنا شاهد عند رسول الله ﷺ فَفَارقها فكانتْ سُنَّة أن يُفَرّق بين المتلاعنين. وكانت حاملًا، فأنكر حملها. وكان ابنُها يُدعى إليها. ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها، وترث منه ما فرض الله لها.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٦) عن سليمان بن داود أبي الربيع، حدثنا فُليح، عن الزهري، عن سهل بن سعد فذكره.
• عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لَاعَنَ بين العَجْلاني وامرأتِه قال: وكانت حبلى. فقال: والله ما قربتُها منذ عفَرْنا. قال: والعفرُ أن يُسْقَى النخلُ بعد أن يُترْك من السقي بعد الإبار بشهرين.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٣١٠٦) عن عبد الملك بن عمرو، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن القاسم بن محمد، أنه سمع ابن عباس فذكره في حديث طويل. ورواه النسائي (٣٤٦٧) من وجه آخر عن أبي الزناد، وأصله في الصحيحين بغير هذا اللفظ.
وفي الحديث دليل على أن اللعان كان على الزنا وعلى نفي الحمل، فإن الظاهر من نفي حمله أن حمله كان قديما، وكان الرجل يشك في امرأته، فلما تبين له أنها زانية أنكر حملها.
وفي ذلك تفصيل: فإن الحمل إن كان سابقا، ولم يشك فيه، وإنما لاعن علي زناها فقط عندما رآها تزني، فالولد له؛ لأن الولد للفراش، ولا يجوز نفي الولد باللعان، وإن لم يعلم حملها حال زناها الذي قد قذفها به، فهذا ينظر فيه، فإن جاءت بأقل من ستة أشهر من الزنا، فالولد له، ولا ينتفى عنه بلعانه، وإن ولدته لأكثر من ستة أشهر ونفاه، فالولد ينسب إلى أمه، والحكم النهائي يعود إلى القاضي.
стр. 4036
٤ - باب استحباب وعظ المتلاعنين وتذكيرهما بالله عند إرادة التلاعن
• عن سعيد بن جبير قال: سئلتُ عن المتلاعنين في إمرة مُصعَب، أيُفَرَّقُ بينهما؟ قال: فما دريتُ ما أقول، فمضيتُ إلى منزل ابن عمر بمكة. فقلت للغلام: استأذن لي. قال: إنه قائلٌ. فسمعَ صوتي. قال: ابن جبير؟ قلت: نعم. قال: ادخل. فوالله! ما جاء بك، هذه الساعة، إلا حاجة. فدخلت، فإذا هو مفترِش بَرْذَعة، متوسّدٌ وسادةً حشوُها ليف. قلت: أبا عبد الرحمن المتلاعنان، أيُفَرَّق بينهما؟ قال: سبحان الله! نعم. إن أولَ من سأل عن ذلك فلانُ بن فلان. قال: يا رسول الله! أرأيت أن لو وَجَد أحدُنا امرأته على فاحشة، كيف يَصنع؟ إنْ تكلَّم تكلَّم بأمر عظيم، وإنْ سكتَ سكتَ على مثل ذلك. قال: فسكتَ النبيُّ ﷺ فلم يُجِبْه. فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتُك عنه قد ابْتليتُ به. فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ﴾ [النور: ٦] فتلاهُنَّ عليه، ووعظَه وذَكَّره. وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. قال: لا، والذي بعثك بالحق! ما كذبتُ عليها. ثم دعاها فوعظها وذكَّرها، وأخبرها أن عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة. قالت: لا، والذي بعثك بالحق! إنه لكاذب. فبدأ بالرجل فشهِدَ أربعَ شهاداتٍ بالله إنه لمن الصادقين. والخامسةُ أن لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنَّى بالمرأة فشَهِدت أربعَ شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسةُ أن غَضبَ اللهِ عليها إن كان من الصادقين، ثم فرَّقَ بينهما.
صحيح: رواه مسلم في اللعان (٤: ١٤٩٣) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: فذكره.
• عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر: رجل قذف امرأته، فقال: فرَّق النبي ﷺ بين أخوي بني العجلان، وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب؟ " فأبيا وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب؟ " فأبيا فقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب؟ " فأبيا ففَرَّق بينهما.
قال أيوب: فقال لي عمر بن دينار: إن في الحديث شيئا لا أراك تحدثه؟ قال: قال الرجل: مالي؟ قال: قيل: "لا مال لك إن كنت صادقا فقد دخلت بها، وإن كنت كاذبا فهو أبعد منك".
صحيح: رواه البخاري في الطلاق (٥٣١١) عن عمرو بن زرارة، أخبرنا إسماعيل، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، فذكره.
стр. 4037
٥ - باب وضع اليد على فم الرجل عند الخامسة
• عن ابن عباس قال أن النبي ﷺ أمر رجلًا حين أمر المتلاعنين أن يتلاعن: أن يضع يده على فمه عند الخامسة يقول: إنها موجبة.
حسن: رواه أبو داود (٢٢٥٥) والنسائي (٣٤٧٢) والبيهقي (٧/ ٤٠٥) كلهم من حديث سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب فإنه حسن الحديث. وكذا أبوه كليب بن شهاب الجرمي.
ولم يثبت في السنن وضع اليد على فم المرأة.
٦ - باب تحريم أخذ صداق المُلاعِنة
• عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: "حِسابُكما على الله. أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها" قال: يا رسول الله، مالي؟ قال: "لا مال لك، إن كنتَ صدقتَ عليها فهو بما استحللتَ من فرجِها، وإن كنت كذبتَ عليها فذلك أبعد لك منها".
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٣١٢)، ومسلم في اللعان (١٤٩٢: ٥) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو (هر ابن دينار) سمعت سعيد بن جبير قال: سألت ابن عمر عن المتلاعنين فقال: قال النبي ﷺ للمتلاعنين، فذكره.
٧ - باب لا تُرجم المرأةُ ولو كانتِ الأمارةُ تدل على كذبها في اللعان
• عن ابن عباس أنه ذَكِر التلاعنُ عند النبي ﷺ فقال عاصم بن عدي في ذلك قولا ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه قد وجد مع امرأته رجلا، فقال عاصم: ما ابتُلِيتُ بهذا إلا لقولي. فذهب به إلى النبي ﷺ فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مُصفَّرًا، قليلَ اللحم، سبطَ الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله آدمَ خَذَلًا كثيرَ اللحم، فقال النبيُّ ﷺ : "اللهم بيّن"، فجاءت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده، فلاعن النبيُّ ﷺ بينهما. قال رجل لابن عباس في المجلس: هي التي قال النبيُّ ﷺ لو رجمتُ أحدًا بغير بيّنةٍ لرجمتُ هذه؟ فقال: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء.
قال أبو صالح وعبد الله بن يوسف: خذلا.
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٣١٠)، ومسلم في اللعان (١٢: ١٤٩٧) كلاهما من طريق الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن ابن
стр. 4038
عباس، فذكره.
• عن سهل بن سعد أخي بني ساعدة، أن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذُكِر في القرآن من أمر المتلاعنين فقال النبي ﷺ : "قد قضى الله فيكَ وفي امرأتِك" قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. فلما فرغا قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتُها، فطلّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبي ﷺ فقال: "ذاك تفريق بين كل متلاعنين".
قال ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي في هذا الحديث: إن النبي ﷺ قال: "إن جاءت به أحمر قصيرًا، كأنه وحرة، فلا أراها إلا قد صدقتْ، وكذب عليها. وإن جاءت به أسود أعين، ذا أليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها" فجاءت به على المكروه من ذلك.
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٣٠٩) ومسلم في اللعان (٣: ١٤٩٢) كلاهما من طريق عبد الرزاق. أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب عن الملاعنه وعن السنة فيها عن حديث سهل بن سعد، فذكره. والسياق للبخاري.
٨ - باب السكنى للحامل الملاعنة
• عن عباس بن سهل، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال لعاصم بن عدي: "أمسكِ المرأةَ عندك حتى تلدَ".
حسن: رواه أبو داود (٢٢٤٦) عن عبد العزيز بن يحيى، حدثنا محمد - يعني ابن سلمة، عن محمد بن إسحاق، حدثني عباس بن سهل، عن أبيه فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق إلا أنه انفرد بقوله: "أمسكِ المرأةَ عندك حتى تلدَ" مع أن هذه القصة رُويتْ من أوجه كثيرة، وليس فيها "أمسكِ المرأةَ عندك حتى تلدَ".
ومن طريق ابن إسحاق رواه الإمام أحمد (٢٢٨٣٧) وزاد فيه: "فإن تلده أحمر فهو لأبيه الذي انتفى منه لعويمر، وإن ولدته قططَ الشعر، أسودَ اللسان فهو لابن السَّحْماء" قال عاصم: فلما وقع أخذته إليّ. فإذا رأسه مثل فروة الحمل الصغير، ثم أخذت، قال يعقوب: بفقْميه - فإذا هو أُحَيمر مثل النبعة، وأستقبلني لانه أسود مثل التمرة، قال: فقلت: صدق الله ورسوله.
وقوله: "قطط الشعر" أي شديد التقبض كشعر السودان.
وقوله: "بفقميه" أي بلحييه.
وقوله: "أمسكِ المرأةَ حتى تلد" استمسك به الشافعي فقال: "لها السكنى وليس لها النفقة"، وهو قول الزهري ومالك.
стр. 4039
وقال أبو حنيفة وصاحبه محمد الشيباني: "لها النفقة والسكنى لأن اللعان تطليقة بائنة.
وقال أحمد وأبو ثور وأبو عبيد وغيرهم: "ليس لها النفقة ولا السكني" وقد حكى الأثرم عن أحمد أنه قال: هذا أشدّ من المطلقة ثلاثا. أي لا نفقة ولا سكنى. ذكره ابن المنذر في الأوسط (٩/ ٥٢٦).
والتحقيق في هذه المسألة إنْ كان اللعانُ على الحمل، فلا نفقةَ ولا سكنى لها، وإنْ كان اللعان على غير الحمل فللحامل النفقةُ والسكنى؛ لأن الحمل له، فعليه نفقته، فأشبهت المطلقة البائن الحامل.
٩ - باب تفريق الإمام بين المتلاعنين، وأنهما لا يجتمعان أبدا
• عن سعيد بن جبير قال: لم يفرّق المصعب بين المتلاعنين قال سعيد: ذكر ذلك لابن عمر فقال: فرّقَ رسول الله ﷺ بين أخوي العجْلان.
صحيح: رواه مسلم في اللعان (٧: ١٤٩٣)، والنسائي (٣٤٧٤) كلاهما من حديث محمد بن المثنى واللفظ له قالا: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير فذكره.
ظاهره لا بد من إيقاع اللعان عند الحاكم، وتقع الفرقة بتفريقه لما يترتب عليه من أحكام أخرى كحد القذف إن سمي الرجل الزاني وطالبه. وأما إذا لم يطالبه فلا يُحد، وكذلك لا يحد المقذوف لمجرد القذف فإنه لم يثبت أن شريك بن سَحْماء حُدَّ، كما لم يثبت أنه طالب الحد للقاذف وهو هلال بن أمية، ولكن لو طلب لحُدّ.
١٠ - باب من قال: يقع التفريق باللعان
• عن سهل بن سعد قال: فطلّقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ فأنْفذَه رسولُ الله ﷺ . وكان ما صُنع عند النبي ﷺ سنة.
قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله ﷺ فمضت السنّةُ بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا.
حسن: رواه أبو داود (٢٢٥٠)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٠١) عن أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن عياض بن عبد الله الفِهري وغيره، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد في خبره فذكره.
وإسناده حسن من أجل عياض بن عبد الله الفِهري، فهو إلى الضعف أقرب من التوثيق.
قال أبو صالح: ثَبْت، له بالمدينة شأن كبير، وفي حديثه شيء. ووثّقه ابن حبان. وذكره ابن شاهين في "الثقات".
وتكلم فيه يحيى بن معين، والبخاري، وأبو حاتم إلا أنه توبع.
стр. 4040
قال البيهقي (٧/ ٤٠٠) ورواه الأوزاعي، عن الزبيدي، عن الزهري عن سهل بن سعد فذكر فيه: فتلاعنا. ففرّقَ رسولُ الله ﷺ بينهما. وقال: "لا يجتمعان أبدًا".
• عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ لاعن بين عويمر وبين امرأته. فقال عويمر: إنْ انطلقتُ بها يا رسول الله، لقد كذبتُ عليها. قال: ففارَقَها قبل أن يأمره رسول الله ﷺ فصارت سنة المتلاعنين.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٢٨٣٠) عن أبي كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعد بن سهل فذكره في حديث طويل. وأصله في الصحيحين وغيرهما.
وفي الباب ما روي عن ابن مسعود وعلي أيضا ولكن الصحيح ما ذكرته.
١١ - باب إلحاق الولد بأمه في الملاعنة، وأنه يُدعى بها
• عن ابن عمر، أن رجلًا لَاعنَ امرأته في زمان رسول الله ﷺ وانتقل من ولدها، ففرَّقَ رسول الله ﷺ بينها، وألحق الولد بالمرأة.
متفق عليه: رواه مالك في الطلاق (٣٥) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره. ورواه البخاري في الطلاق (٥٣١٥)، ومسلم في اللعان (٨: ١٤٩٤) كلاهما من طريق مالك، به.
قوله: "وانتقل" أي تبرأ. وفي البخاري: "فانتفى".
• عن سهل بن سعد أن رجلًا أتى النبي ﷺ فذكر الحديث وقال فيه: وكانت حاملًا. فأنكر حملها، وكان ابنها يُدعى إليها.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٦) عن سليمان بن داود أبي الربيع، حدثنا فليح، عن الزهري، عن سهل بن سعد فذكره.
ورواه مسلم في اللعان (٢/ ١٤٩٢) من طريق يونس عن ابن شهاب به نحوه.
وفي سنن أبي داود (٢٢٤٧) من طريق يونس: حضرتُ لعانَهما عند رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة، وساق الحديث. قال فيه: ثم خرجتْ حاملًا. فكان الولد يُدعَى إلى أمه.
١٢ - باب أن الزوج يُحَدُّ إذا كذَّب نفسه وتراجع عن اللعان
• عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحْماء. فقال له النبي ﷺ : "البينةُ أو حدٌّ في ظهرك" فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلًا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: "البيِّنةُ أو حدٌّ في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلنّ الله ما يُبْرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل فأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَقَرَأَ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ
стр. 4041
الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩].
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٧) عن محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن هشام بن حسان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
١٣ - باب لا يكون التلاعنُ إذا شكَّ الرجلُ في ولده
• عن أبي هريرة قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدتْ غلامًا أسودَ. فقال النبي ﷺ : "هل لك من إبل؟ " قال: نعم. قال: "فما ألوانُها؟ " قال: حمر. قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: إن فيها لورقًا. قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: "عسى أن يكون نزعه عرق". قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق".
وزاد في رواية: "ولم يرخّص له في الانتفاء منه".
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٣٠٥) من طريق مالك، ومسلم في اللعان (١٥٠٠) من طريق سفيان بن عيينة، كلاهما عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره.
والسياق لمسلم، وكذا الزيادة له أيضًا من طريق معمر عن الزهري.
• عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ قام رجل فقال: يا رسول الله! إني وُلِدَ لي غلامٌ أسودُ. فقال رسول الله ﷺ فذكر الحديث مثله. وجاء فيه: فمن أجله قضى رسول الله ﷺ هذا: لا يجوز لرجل أن ينتفي من ولدٍ وُلِدَ على فراشه إلا أن يزعم: أنه رأى فاحشة.
صحيح: رواه النسائي (٣٤٨٠) عن أحمد بن محمد بن المغيرة، قال: حدثنا أبو حيوة حمصي، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح، وأبو حيوة حمصي هو: شُريح بن يزيد. وفي بعض النسخ: "أبو حية" والصحيح الأول.
١٤ - باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفِه صاحبُه
• عن عائشة قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام. فقال سعد: هذا يا رسولَ الله، ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عَهد إليَّ أنه ابنه. انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، وُلِدَ على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبَها بينًا بعُتْبة فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة" فلم تره قط، وفي رواية زيادة: "هو أخوك يا عبد".
стр. 4042
متفق عليه: رواه مالك في الأقضية (٢٢) عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة فذكرته. ورواه البخاري في البيوع (٢٢١٨) ومسلم في الرضاعة (١٤٥٧) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن شهاب بإسناده مثله. والزيادة عند أبي داود (٢٢٧٣) بإسناد صحيح.
وعُتبة هذا مات كافرًا، وهو الذي كسرَ رباعيةَ النبيّ ﷺ يوم أحد، فدعا عليه النبيُّ ﷺ أن لا يحولَ الحولُ حتى يموتَ كافرًا. فما حال عليه الحولُ حتى مات كافرًا.
وفي معناه ما رويَ عن عبد الله بن الزبير قال: كانت لزمعة جارية يطؤها هو، وكان يظن بآخر يقع عليها. فجاءت بولدٍ شبه الذي كان يظن به، فمات زمعةُ وهي حُبلى، فذكرتْ ذلك سودةُ لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ".
رواه النسائي (٣٤٨٥) عن إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير مولى لهم، عن عبد الله بن الزبير فذكره.
ويوسف بن الزبير المكي المدني الأسدي مولى آل الزبير قال ابن جرير: "مجهول، لا يحتج به" وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي عند المتابعة وإلا فليِّنُ الحديث. وإني لم أقف على متابعته.
• عن ابن عمر أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن امرأتي ولدتْ على فراشي غلامًا أسود، وإنا أهل بيت لم يكن فينا أسود قط. قال: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "هل فيها أسود؟ " قال: لا، قال: "فيها أورق؟ " قال: نعم، قال: "فأنى كان ذلك؟ " قال: عسي أن يكون نزعه عرق. قال: "فلعل ابنك هذا نزعَه عِرقٌ".
حسن: رواه ابن ماجه (٢٠٠٣) عن أبي كريب، قال: حدثنا عبادة بن كليب الليثي أبو غسان، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
اختلف أهل العلم في عبادة بن كليب فقال أبو حاتم: "قدم الري، وكتب عنه الرازيون صدوق، وفي حديثه إنكار. أخرجه البخاري في الضعفاء فقال أبو حاتم: "يحول من هنا" وذكره العقيلي في الضعفاء فقال: "لا يتابع على حديثه".
خلاصة القول فيه أنه لا بأس به في الشواهد، أما إذا تفرد في حديث فلا يقبل.
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨١٨) عن آدم، حدثنا شعبة، حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة بقول: فذكره. ورواه مسلم في الرضاع (١٤٥٨) من أوجه أخرى عن أبي هريرة مثله.
• عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
стр. 4043
صحيح: رواه النسائي (٣٤٨٦) وابن حبان (٤١٠٤) كلاهما من حديث جرير، عن مغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله فذكره.
وإسناده صحيح إلا أن النسائي قال: "ولا أحسب هذا عن عبد الله بن مسعود".
قلت: ظاهر إسناده أنه صحيح، ولا أدري ما سبب قول النسائي هذا؟
• عن عمر أن رسول الله ﷺ قضى بالولد للفراش.
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٠٠٥) وأحمد (١٧٣) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن عمر فذكره.
وإسناده صحيح، وأبو يزيد هو المكي، حليف بني زهرة، يقال: له صحبة.
وأخرج البيهقي (٧/ ٤٠٢) من طريق الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه قال: أرسل عمرُ بنُ الخطاب إلى شيخ من بني زهرة، كان يَسْكن دارَنا، فذهبتُ معه إلى عمر بن الخطاب. فسأل عن ولاد من ولاد الجاهلية فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان. فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله ﷺ قضى بالفراش.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قام رجل فقال: يا رسول الله! إن فلانا ابني، قد عاهرت بأمه في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ : "لا دِعْوة في الإسلام، ذهب أمرُ الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
حسن: رواه أبو داود (٢٢٧٤) عن زهير بن حرب، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب بإسناده فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٦٩٣٣) عن يزيد بن هارون بإسناده في سياق طويل.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
والدِّعْوة: بكسر الدال، وسكون العين. هو أن ينتسبَ الرجل إلى غير أبيه، وعشيرتِه، وقد كانوا يفعلونه في الجاهلية، فمنعه الإسلام، وجعل الولدَ للفراش.
• عن أبي أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبة عام حجة الواداع: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
حسن: رواه الترمذي (٢١٢٠) وأبو داود (٣٥٦٥) وابن ماجه (٢٠٠٧) وأحمد (٢٢٢٩٤) كلهم من حديث إسماعيل بن عياش قال: حدثنا شُرحيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة الباهلي فذكر الحديث في سياق طويل وفيه هذا الجزء، إلا أن أبا داود لم يذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في إسماعيل بن عياش فإنَّ روايته عن أهل الشام أعدل وأصح، وهذا منها.
стр. 4044
وفي الباب ما رُوي من قصة رباح، قال: زوّجني أهلي أمةً لهم روميَّةً. فوقعتُ عليها، فولدتْ غلامًا أسودَ مثلي، فسمّيتُه عبد الله، ثم وقعت عليها فولدت غلامًا أسود مثلي فسمّيتُه عبد الله، ثم طبنَ لها غلامٌ لأهلي رومي، يقال له: يُوحنَّه فراطَنها بلسانه. فولدتْ غلامًا كأنه وزغة من الوزغات. فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: هذا ليُوحنَّه. فرفعنا إلى عثمان قال: فسألهما، فاعترفا، فقال لهما: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله ﷺ ؟ إنَّ رسول الله ﷺ قضى أن الولد للفراش. وأحسبه قال: فجلدها وجلده، وكانا مملوكين.
رواه أبو داود (٢٢٧٥) وأحمد (٤١٦) والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣١٥) كلهم من حديث مهدي بن ميمون، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي، عن رباح فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل رباح فإنه "مستور" ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٤٨٨) فقال: كوفي روى عن عثمان بن عفان. وروى عنه الحسن بن سعد. سمعت أبي يقول ذلك.
وكذا ذكره أيضا المزي في "تهذيب الكمال". وقال: "ذكره ابن حبان في الثقات". وزاد ابن حجر في تهذيبه: "وبقية كلامه: لا أدري من هو، ولا ابن من هو؟ ".
وهذا وهمٌ من ابن حجر، فإن الذي قال فيه ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٢٤٢) "رباح شيخ يروي عن ابن المبارك، عداده في أهل الكوفة. روى عنه إبراهيم بن موسى الفراء، لست أعرفه، ولا أباه، إن لم يكن رباح بن خالد فلا أدري من هو؟ " فهذا رجل آخر متأخر عن رباح المترجم عندنا. فلعل الذي قصد به المزي سقط من نسخة ابن حبان، أو هو أيضا وهم كما وهم ابن حجر.
وعلى كل حال فرباح هذا لا يزال في عداد المستورين.
١٥ - باب التغليظ في الانتفاءِ من الولد
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "كفرٌ بامرئ ادعاءُ نسب، لا يعرفه، أو جحدُه وإن دقَّ".
حسن: رواه ابن ماجه (٢٧٤٤) عن محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنا سلمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
وأخرجه أيضا أحمد (٧٠١٩) عن علي بن عاصم، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب فذكره. وإسناده ضعيف. علي بن عاصم وشيخه المثني بن الصباح تكلَّم فيهما غيرُ واحدٍ من أهل العلم إلا أنهما قد توبعا.
• عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلتْ آية الملاعنة: "أيما
стр. 4045
امرأة أدْخلتْ على قومٍ من ليس منهم، فليستْ من الله في شيء، ولن يُدخلها الله جنّتَه، وأيما رجلٍ جحَدَ ولدُه وهو ينظر إليه احتجب الله تعالى منه، وفَضَحه على رُؤوسِ الأولين والآخرين".
حسن: رواه أبو داود (٢٢٦٣) والنسائي (٣٤٨١) وصحّحه ابن حبان (٤١٠٨) والحاكم (٢/ ٢٠٢) كلهم من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عبد الله بن يونس، أنه سمع سعد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" وهو ليس كما قال، فإن عبد الله بن يونس وهو: الحجازي لم يخرج له مسلم، ثم هو "مجهول" إذ لم يرو عنه سوي يزيد بن عبد الله بن الهاد، ولم يُوثِّقه غيرُ ابن حبان. وفي التقريب "مقبول" أي عند المتابعة، وقد تابعه يحيى بن حرب، فرواه عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة نحوه.
ومن طريقه رواه ابن ماجه (٢٧٤٣) إلا أنه "مجهول" أيضا كما قال ابن المديني والدارقطني والذهبي وغيرهم.
والطريقان يقوي أحدهما الآخر، وهو رسم الحديث الحسن عند الترمذي وغيره.
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من انتفى من ولده ليفضحه في الدنيا، فَضَحه الله يوم القيامة على رؤوسِ الأشهاد، قصاص بقصاص".
حسن: رواه الإمام أحمد (٤٧٩٥) ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٠٠) عن وكيع، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي المجالد، عن مجاهد، عن ابن عمر فذكره. وإسناده حسن من أجل والد وكيع وهو الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث.
قال أبو أحمد بن عدي: "له أحاديث صالحة، وروايات مستقيمة، وحديثه لا بأس به، وهو صدوق، لم أجد في حديثه منكرًا فأذكره، وعامة ما يرويه عنه ابنه وكيع، وقد حدَّث عنه غير وكيع الثقاتُ من الناس.
وقد تكلّم فيه ابن معين بكلام شديد، ولكن لتعارض الروايات عنه، سقط كلامُه هذا، فقيل عنه: ما كتبت عن وكيع عن أبيه، وقيل عنه: ضعيف، وقيل عنه: ليس به بأس، وقيل عنه: ثقة، وقيل عنه: كذّبه وقال: كان وضّاعا. انظر كلامه في "تهذيب التهذيب".
ورواه البيهقي (٨/ ٣٣٢ - ٣٣٣) بإسناد آخر عن مطر الورّاق، حدثه عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ثم ذكر أشياء ومنها قوله: "من انتفي من ولده يفضحه به في الدنيا، فَضَحَه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة" ومطر الوراق أيضا مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وقوله: "قصاص بقصاص": أي يؤخذ منه قصاص في الآخرة بمقابل ما فعله بولده من انتفاء نسبه وفضيحته في الدنيا.
стр. 4046
٢٨ - كتاب الظهار والإيلاء
١ - باب ما جاء في الظهار
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
• عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسِعَ سمعُه الأصواتَ، لقد جاءتْ خولةُ بنتُ ثعلبة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجَها، فكان يخفَى عليَّ كلامُهما، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [سورة المجادلة: ١].
صحيح: رواه النسائي (٣٤٦٠) وابن ماجه (١٨٨) (٢٠٦٣) والإمام أحمد (٢٤١٩٥) والحاكم (٢/ ٤٨١) كلهم من طريق الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده صحيح، وصحّحه الحاكم.
وعلّقه البخاري في التوحيد (١٣/ ٣٧٢ - مع الفتح) عن الأعمش به.
وزاد الحاكم في أوله من كلام المجادلة الذي سمعته عائشة وهو قولها: "يا رسول الله! أكلَ شَبابي، ونشرتُ له بطني، حتى إذا كبرتْ سِنّي وانقطع له ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك".
• عن عائشة أن جميلةَ كانت امرأة أوس بن الصامت، وكان أوس امرءا به لَمَمٌ، فإذا اشتدَّ لممُه ظاهرَ من امرأته، فأنزل اللهُ فيه كفارة الظهار.
صحيح: رواه أبو داود (٢٢٢٠) والحاكم (٢/ ٤٨١) والبيهقي (٧/ ٣٨٢) كلهم من طريق محمد بن الفضل أبي النعمان، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
ومحمد بن الفضل الملقب بعارم، وإن كان ثقة. فقد اختلط بآخره، واستحكم به ذلك سنة ٢١٦ هـ، وروى عنه هنا هارون بن عبد الله عند أبي داود. وعلي بن الحسن الهلالي عند الحاكم والبيهقي. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
واختلف فيه على حماد بن سلمة.
فرواه عنه عارم موصولًا وتابعه عليه سليمان بن حرب عند البيهقي في "المعرفة" (٥/ ٢٧).
وقد قال سليمان بن حرب: إذا وافقني أبو النعمان فلا أبالي بمن خالفني. نقله النسائي في السنن الكبرى.
وتابعه أيضا أسد بن موسى عند الطبري في تفسيره.
стр. 4047
وخالفهم موسى بن إسماعيل التبوذكي فرواه عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، أن جميلة ... الخ هكذا مرسلًا. رواه أبو داود (٢٢٩١).
والحكم لمن وصل لكثرتهم.
٢ - باب المظاهر يجامع قبل أن يكفر
• عن عبد الله بن عباس أن رجلا ظاهرَ من امرأته، فغَشِيَها قبل أن يُكفِّر، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك، فقال: "ما حملك على ذلك؟ " فقال: يا رسول الله! رأيت بياض حِجْلَيْها في القمر، فلم أملكْ نفسي أن وقعتُ عليها، فضحِكَ النبي ﷺ وأمره ألا يقربَها حتى يُكفِّرَ.
حسن: رواه الترمذي (١١٩٩) وابن ماجه (٢٠٦٥) والنسائي (٣٤٥٧) وأبو داود (٢٢٢٥، ٢٢٢٣) (إلا أنه لم يذكر لفظ الحديث)، والحاكم (٢/ ٢٠٤) والبيهقي (٧/ ٣٨٦) كلهم من حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل الحكم بن أبان؛ فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذي: "حسن غريب صحيح".
وحسّنه أيضا الحافظ في "الفتح" (٩/ ٤٣٣).
إلا أن أبا داود لم يذكر ابن عباس في روايتيه، وساقهما عن سفيان بن عيينة وإسماعيل، كلاهما عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: إن رجلا ظاهر من امرأته فذكره. وقال: وسمعت محمد بن عيسى يحدث به، حدثنا معتمر قال: سمعت الحكم بن أبان بهذا الحديث، ولم يذكر ابن عباس قال عن عكرمة.
قال أبو داود: "كتب إليَّ الحسينُ بن حريث قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس بمعناه عن النبي ﷺ ". انتهى.
قلت: ومن هذا الوجه: أخرجه الترمذي والنسائي المشار إليه، والفضل بن موسى السيناني ثقة ثبت، فزيادته مقبولة.
قال ابن عباس: "كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنتِ عليَّ كظهر أمي، حرُمَتْ عليه، فكان أول من ظاهر في الإسلام أوسُ بنُ الصامت.
• عن خولة بنت ثعلبة، قالت: فِيَّ والله، وفي أوس بن صامت أنزل الله صدر سورة المجادلة. قالت: كنت عنده، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقُه وضَجِر، قالت: فدخل عليَّ يوما، فراجعتُه بشيء، فغضب، فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ، فإذا هو يُريدني على
стр. 4048
نفسي. قالت: فقلتُ: كلَّا والذي نفسُ خويلة بيده، لا تَخْلُص إليَّ، وقد قُلتَ ما قُلتَ، حتى يحكم اللهُ ورسولهُ فينا بحكمه، قالت: فواثَبني وامتنعتُ منه، فغلبتُه بما تَغلبُ به المرأة الشيخَ الضعيفَ، فألقيتُه عني. قالت: ثم خرجتُ إلى بعض جاراتي، فاستعرتُ منها ثيابها، ثم خرجتُ حتى جئتُ رسولَ الله ﷺ فجلستُ بين يديه، فذكرتُ له ما لقيتُ منه، فجعلتُ أشكو إليه ﷺ ما ألقَى من سوء خُلُقِه، قالت: فجعل رسولُ الله ﷺ يقول: "يا خويلةُ ابن عمك شيخٌ كبيرٌ، فاتقي اللهَ فيه" قالت: فوالله ما برحتُ حتى نزل فيّ القرآنُ، فتغشَّي رسولُ الله ﷺ ما كان يتغشَّاه، ثم سُرِّي عنه، فقال لي: "يا خُويلة، قد أنزل الله فيك وفي صا حبك" ثم قرأ علي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤] فقال لي رسول الله ﷺ : "مُريه، فليُعتقْ رقبة" قالت: فقلت: والله يا رسول الله، ما عنده ما يُعتق، قال: "فليصُمْ شهرين متتابِعَين" قالت: فقلت: والله يا رسول الله، إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: "فليُطعمْ ستين مسكينًا وسقًا من تمر" قالت: فقلتُ: والله يا رسول الله، ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "فإنا سنُعينه بعَرق من تَمر"، قالت: فقلت: وأنا يا رسولَ الله، سأُعينه بعَرق آخر، قال: "قد أصبتِ وأحسنتِ"، فاذهبي، فتصدَّقِي عنه، ثم استوصِي بابن عمك خيرًا. قالت: ففعلتُ، قال عبد الله: قال أبي: قال سعد: العرق: الصن.
حسن: رواه أحمد (٢٧٣١٩) واللفظ له، وأبو داود (٢٢١٤، ٢٢١٥) وابن الجارود (٧٤٦) وصحّحه ابن حبان (٤٢٧٩)، والبيهقي (٧/ ٣٨٩) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، حدّثني معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت مالك بن ثعلبة فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، ومن أجل شيخه معمر بن عبد الله بن حنظلة فقد وثّقه ابن حبان، وأخرج حديثه في صحيحه، وحسّنه أيضا الحافظ ابن حجر، وقال ابن كثير في تفسيره بعد أن رواه من طريق الإمام أحمد: "هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه القصة".
إلا أن الذهبي قال في "الميزان" في ترجمة معمر بن عبد الله بن حنظلة: "كان في زمن التابعين لا يُعرف".
وأما البيهقي (٧/ ٣٨٩ - ٣٩٠) فأخرج هذه القصة من طريق عطاء بن يسار أن خُويلة بنت ثعلبة قالت .. فذكر القصة مختصرًا وقال: "هذا مرسل وهو شاهد للموصول قبله".
وقلت: وسبق له شاهد صحيح أيضا وهو حديث عائشة.
وسياق هذه الروايات يدل على أن هذه القصة وقعت لأوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت
стр. 4049
وامرأته خولة بنت ثعلبة.
وأما حديث سلمة بن صخر الآتي - فليس فيه أنه كان سببُ النزول، ولكن أمره بما أنزل الله في هذه السورة من العتق، أو الصيام، أو الإطعام.
• عن سلمة بن صخر البياضي قال: كنتُ امرءًا أستكثرُ من النساء، لا أُرى رجلا كان يصيبُ من ذلك ما أُصيبُ، فلما دخل رمضان ظاهرتُ من امرأتي حتى يَنْسلخَ رمضانُ، فبينما هي تُحدِّثني ذاتَ ليلة انكشفَ لي منها شيءٌ، فوثبتُ عليها فواقعتُها، فلما أصبحتُ غدوتُ على قومي، فأخبرتهم خبري، وقلتُ لهم: سَلُوا لي رسولَ الله ﷺ فقالوا: ما كنا نفعلُ، إذًا يُنْزِل اللهُ فينا كتابًا، أو يكون فينا من رسول الله ﷺ قولٌ، فيبقى علينا عارُه، ولكن سوف نَسَلِّمُكَ بجريرتِك، اذهبْ أنتَ فاذكُرْ شأنَكَ لرسول الله ﷺ قال: فخرجتُ حتى جئتُه، فأخبرتُه الخبرَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أنت بذاك؟ ". قلت: أنا بذاك، وها أنا، يا رسولَ الله! صابرٌ لحكم الله عليَّ. قال: "فأعتِقْ رقبةً" قال، قلت: والذي بعثك بالحق! ما أصبحتُ أملكُ إلا رقبتي هذه، قال: "فصُمْ شهرين متتابعين" قال، قلتُ يا رسول الله! وهل دخل عليَّ ما دخل من البلاء إلا بالصوم؟ قال: "فتصدَّقْ أو أطعِمْ ستين مسكينا" قال، قلت: والذي بعثك بالحق! لقد بِتْنا ليلتنا هذه، ما لنا عشاءٌ، قال: "فاذهب إلى صاحب صدقة بني رُزيق فقل له، فليدفعها إليك، وأطعِمْ ستين مسكينًا. وانتفِعْ ببقيتها".
حسن: رواه أبو داود (٢٢١٣) وابن ماجه (٢٠٦٢) والترمذي مطولا (٣٢٩٩) ومختصرا (١١٩٨) وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٧٨) والحاكم (٢/ ٢٠٣) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر فذكره.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وقال الترمذي: "حديث حسن قال محمد: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر، وقال: ويقال: سلمة بن صخرٍ، ويقال: سلمان بن صخر" انتهى. وكذلك قال البخاري كما في العلل الكبير (١/ ٤٧٣).
ولكن رواه الترمذي (١٢٠٠) من وجه آخر عن علي بن المبارك، قال حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، أن سلمان بن صخر الأنصاري - أحد بني بياضة - جعل امرأته عليه كظهر أمه، حتى يمضي رمضان. فلما مضى نصف من رمضان وقع عليها ليلًا. فأتى رسولَ الله ﷺ فذكر ذلك له فقال رسول الله ﷺ : "أَعتِقَ رقبة" قال: لا أجدها. قال: "فصُمْ شهرين متتابعين" قال: لا أستطيع قال: "أطعِمْ ستين مسكينا" قال: لا أجد. فقال رسول الله
стр. 4050
- ﷺ لفروة بن عمرو: "أعطه ذلك العرقَ" وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا أو ستة عشر صاعًا - إطعام ستين مسكينا. قال الترمذي: "هذا حديث حسن". والعمل على هذا عند أهل العلم في كفارة الظهار.
وقال الحاكم (٢/ ٢٠٤) بعد أن أخرجه من حديث يحيى بن أبي كثير وجعله شاهدا لحديث سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر: "صحيح على شرط الشيخين".
وللحديث طرق أخرى وقد رواه سعيد بن المسيب وسماك بن عبد الرحمن كلاهما عن سلمة بن صخر. انظر للمزيد كتاب الزكاة.
وفي الحديث دليل على أن المظاهر إن واقع أهله قبل أن يُكَفِّر تكفيه كفارة واحدة.
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وهو قول سفيان، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال بعضُهم: إذا واقع قبل أن يُكفّر فعليه كفارتان. وهو قول عبد الرحمن بن مهدي.
٣ - باب ليس من الظهار أن يقول الرجل لامرأته: يا أختي
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله .
وقوله لسارة: أختي".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٨) ومسلم في الفضائل (٢٣٧١) كلاهما من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكره في سياق أطول كما هو مذكور في أخبار الأنبياء.
وأما ما روي عن أبي تميمة الهجيمي - وهو طريف بن مجالد البصري - أن رجلا قال لامرأته: يا أخية فقال رسول الله ﷺ : "أختك هي؟ " فكره ذلك، ونهى عنه فهذا مرسل كما قال المنذري في مختصر أبي داود.
رواه أبو داود (٢٢١٠) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد.
ح وحدثنا أبو كامل، حدثنا عبد الواحد وخالد الطحان المعني كلهم عن خالد، عن أبي تميمة الهجيمي فذكره.
ورواه أيضا أبو داود (٢٢١١) عن محمد بن إبراهيم البزار، حدثنا أبو نُعيم، حدثنا عبد السلام - يعني ابن حرب، عن خالد الحذاء، عن أبي تَميمة، عن رجل من قومه أنه سمع النبي ﷺ سمع رجلا يقول لامرأته فذكره.
قال أبو داود: "ورواه عبد العزيز بن المختار، عن خالد، عن أبي عثمان، عن أبي تميمة، عن النبي ﷺ . ورواه شعبة، عن خالد، عن رجل، عن أبي تميمة، عن النبي ﷺ فذكره.
стр. 4051
قال المنذري: "وذكر أبو داود ما يدل على اضطرابه".
قلت: وفيه عبد السلام بن حرب مختلفة فيه، والخلاصة فيه أنه مع إمامته في بعض أحاديثه مناكير، وقد اختلف في وصله وإرساله، والصواب الإرسال.
وفيه من الفقه: أن من قال لزوجته: أنتِ أختي ولم ينو الظهار، وإنما نوى الكرامة والتوقير أو التورية فهو ليس بظهار، وأما إذا نوى الظهار فهو مثل قوله: أنتِ كأمي.
وأما كذب إبراهيم فيحمل على التورية.
وقد أشكل على الناس تسميتها كذبة لكون المتكلم إنما أراد باللفظ المعنى الذي قصده، فكيف يكون كذبا. والتحقيق في ذلك أنها كذب بالنسبة على إفهام المخاطب، لا بالنسبة إلى غاية المتكلم. فإن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم، ونسبة إلى المخاطب، فلما أراد الموري أن يفهمَ المخاطبُ خلاف ما قصده بلفظه أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار، وإن كان المتكلم صادقًا باعتبار قصده ومراده": قاله الحافظ ابن القيم في "تهذيب السنن" (٣/ ١٣٧).
٤ - باب ما جاء في الإيلاء
قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].
• عن عبد الله بن عمر كان يقول في الايلاء الذي سمى الله: "لا يحلُّ لأحد بعد الأجل إلا أن يُمْسِك بالمعروف، أو يعزم الطلاق كما أمرَ اللهُ ".
صحيح: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٩٠) عن قتيبة، حدثنا الليث، عن نافع، أن ابن عمر كان يقول: وعنه أيضا قال: إذا مضتْ أربعةُ أشهرٍ يُوقَفُ حتى يطلّق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يُطلِّق.
رواه البخاري أيضا (٥٢٩١) وقال: ويُذكر ذلك عن عثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وعائشة، واثنتي عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ .
يعني: إذا مضتْ أربعة أشهر يُوقف، فإما أن يَفيء أي يجامع، وإما أن يُطلِّق. وبه قان جمهور أهل العلم منهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم.
وقال الثوري وأهل الكوفة: إذا مضت أربعةُ أشهر فهي تطليقة بائنة.
والإيلاء: الحلف، جمعه ألايا، وهو أن يحلِف ألا يدخل على أهله شهرًا فجعل الله المدة القصوى أربعة أشهر، وفي خلال هذه المدة إما أن يرجع عن حلفه ويُكفر، أو يطلق. فإنه لا يجوز له أن يجعل المرأة معلقة، لا يُجامعها ولا يُطلقها. فإن رفض الأمرين فإن القاضي يُطلق عليه، أو يفسخ.
• عن ابن عباس ﵄ قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ
стр. 4052
صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] حتى حجَّ وحججتُ معه، وعدل وعدلتُ معه بإداوة، فتبرزَ ثم جاء فسكبتُ على يديه منها فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين! مَن المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: ﴿﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]؟ قال: واعجبا لك يا ابن عباس، هما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهم من عَوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ ، فينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار، إذا قوم تغلبهم نساؤُهم، فطفق نساؤُنا يأخذن من أدب نساء الأنصار. فصَخِبْتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرتُ أن تراجعني قالت: ولم تُنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنَه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. فأَفْزعني ذلك فقلت لها: قد خاب من فعل ذلك منهن. ثم جمعتُ علي ثيابي، فنزلت حتى دخلتُ على حفصة فقلت لها: أي حفصة، أتُغاضب إحداكن النبي ﷺ اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خبتِ وخسرتِ، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله ﷺ فتهلكي؟ لا تستكثري النبي ﷺ ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه، وسَليني ما بدا لكِ، ولا يغرنك أن كانت جارتُك أوضأَ منك، وأحب إلى النبي ﷺ ، - يريد عائشة - قال عمر: وكنا قد تحدثنا أن غسان تُنْعل الخيلَ لتغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري يومَ نوبتِه، فرجع إلينا عشاء فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال: أثم هو؟ ففزعتُ فخرجتُ إليه، فقال: قد حدثَ اليوم أمرٌ عظيم، قلت: ما هو؟ أجاء غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهولُ، طلّق النبي ﷺ نساءه.
وقال عبيد بن حنين: سمع ابن عباس عن عمر فقال: اعتزل النبي ﷺ أزواجه، فقلت: خابت حفصةُ وخسرتْ، وقد كنت أظنُّ هذا يوشك أن يكون، فجمعتُ عليّ ثيابي، فصليتُ صلاة الفجر مع النبي ﷺ ، فدخل النبي ﷺ مشربةً له فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: ما يُبكيك؟ ألم أكن حذّرتك هذا، أطلّقكن النبي ﷺ ؟ قالت: لا أدري، ها هو ذا معتزل في المشربة. فخرجت فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلستُ معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد فجئتُ المشربةَ التي فيها النبي ﷺ ، فقلتُ لغلام أسود: استأذنْ لعمر. فدخل الغلام فكلّم النبي ﷺ ثم رجع فقال: كلّمتُ النبي ﷺ وذكرتُك له فصمتَ، فانصرفتُ حتى
стр. 4053
جلستُ مع الرهط الذين عند المنبر. ثم غلبني ما أجدُ فجئت فقلت للغلام: استأذن لعمر، فدخل ثم رجع فقال: قد ذكرتك له فصمتُ، فرجعتُ فجلست مع الرهط مع المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم رجع إليَّ فقال: قد ذكرتك له فصمَتَ، فلمّا ولَّيتُ منصرفا قال: إذا الغلام يدعوني فقال: قد أذنَ لك النبي ﷺ . فدخلت على رسول الله ﷺ فإذا هو مُضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثّر الرمال بجنبه، متكئا على وسادة من أدم حشوها ليف، فسلّمتُ عليه. ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله! أطلقتَ نساءك؟ فرفع إليَّ بصره فقال: "لا". فقلت: الله أكبر. ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسولَ الله! لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلبُ النساءَ، فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسّم النبي ﷺ ثم قلت: يا رسول الله، لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنّك أن كانت جارتُك أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ يريد عائشة. فتبسّم النبي ﷺ تبسمة أخرى. فجلستُ حين رأيته تبسَّم، فرفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت في بيته شيئا يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله! ادع الله فليُوسّع على أمتك، فإن فارس والروم قد وُسّعَ عليهم، وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله. فجلس النبي ﷺ وكان متكئا فقال: "أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قوم قد عُجِّلُوا طيباتهم في الحياة الدنيا" فقلت: يا رسول الله! استغفر لي.
فاعتزل النبي ﷺ نساءَه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصةُ إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: "ما أنا بداخل عليهن شهرًا" من شدة موجدتِه عليهن حين عاتبه الله ، فلما مضت تسعٌ وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: يا رسول الله! إنك كنتَ قد أقسمتَ أن لا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عدًا، فقال: الشهر تسع وعشرون ليلة، فكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة، قالت عائشة: ثم أنزل الله تعالى آية التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترتُه، ثم خّير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة.
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥١٩١) من طريق شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، فذكره. ورواه مسلم (٣٤: ١٤٧٩) من طريق معمر، عن الزهري، به، مثله إلى قوله: "حين عاتبه الله " وفي مسلم "حتى عاتبه الله " ثم قال مسلم (٣٥: ١٤٧٥) قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة قالت: "لما مضى تسع
стр. 4054
وعشرون ليلة ... " وذكرت بقية الحديث.
ويؤخذ من هذه القصة أنه شاع بين الناس أن النبي ﷺ طلّق نساءَه لأخبار الأنصاري به، فتناقله أهل النفاق، وأصله هو ما وقع من اعتزاله ﷺ نساءه ولم تجر عادته بذلك، فظنوا أنه طلّقهن. ولذلك لم يعاتب عمرُ الأنصاري على قوله، وعلى هذا يُحمل ما يروي في كتب السنن بأن النبي ﷺ طلّق حفصة، ثم راجعها كما قال عمر بن الخطاب ﵁.
رواه أبو داود (٢٣٨٣) والنسائي (٣٥٦٢) وابن ماجه (٢٠١٦) والدارمي (٢٣١٠) وصحّحه ابن حبان (٤٢٧٥) والحاكم (٢/ ١٩٧) كلهم من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حي، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر فذكره. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وكذلك روى ابنه عبد الله بن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي فقال: ما يُبكِيك؟ لعلَّ رسولَ الله ﷺ طلَّقك؟ إنه قد كان طلقك، ثم راجعك من أجلي، فأيم الله لئن كان طلّقك لا كلمتك كلمة أبدًا.
رواه الطبراني في الكبير (٢٣/ ١٨٧) وابن حبان (٤٢٧٦) كلاهما من حديث محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر فذكره.
وإسناده حسن من أجل يونس بن بكير فإنه حسن الحديث.
وكذلك روي عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ طلّق حفصة ثم راجعها.
رواه الدارمي (٢٣١١) وأبو يعلى (٣٨١٥) والحاكم (٢/ ١٩٦ - ١٩٧) والبيهقي (٧/ ٣٦٧ - ٣٦٨) كلهم من حديث هُشيم، عن حميد، عن أنس فذكره.
ونقل الدارمي قول علي بن المديني أنه: أنكر هذا الحديث. وقال: ليس عندنا هذا الحديث بالبصرة عن حميد. وأما الحاكم فقال: "صحيح على شرط الصحيح".
ثم رواه الحاكم (٤/ ١٥) من وجه آخر عن الحسن بن أبي جعفر، ثنا ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ طلق حفصة تطليقة فأتاه جبريل ﵇ فقال: "يا محمد، طلقت حفصة، وهي صرامة قوامة وهي زوجتك في الجنة فراجعها".
والحسن بن أبي جعفر هو الجفري البصري، ضعيف باتفاق أهل العلم.
ثم رواه الحاكم (٤/ ١٥) من وجه آخر عن حماد بن سلمة، أنبأنا أبو عمران الجوني، عن قيس بن زيد: أن النبي ﷺ طلّق حفصة بنت عمر، فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون فبكت، وقالت: والله ما طلّقني عن شبع، وجاء النبي ﷺ فقال: "قال لي جبريل ﵇ راجعْ حفصةَ فإنها صوامة قوامة، وأنها زوجتك في الجنة".
وفيه قيس بن زيد مجهول، لم يوثّقه غير ابن حبان (٥/ ٣١٦) وذكر الحافظ ابن حجر في
стр. 4055
الإصابة (٩/ ٢٢٦ في ترجمة قيس بن زيد) أن في متنه وهما، لأن عثمان بن مظعون مات قبل أن يتزوج النبي ﷺ حفصة، لأنه مات قبل أُحد بلا خلاف، وزوجُ حفصة مات بأحُدٍ، فتزوجها النبي ﷺ بعد أُحد بلا خلاف.
ولما لم تتحقق الروايات على الطلاق المعهود تجنب الشيخان إخراج هذه الأحاديث.
• عن أم سلمة أن النبي ﷺ حلف لا يدخل على بعض أهله شهرًا، فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا عليهن - أو راح - فقيل له: يا نبي الله، حَلفتَ أن لا تدخل عليهن شهرًا؟ قال: "إن الشهر يكون تسعةً وعشرين يومًا".
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥٢٠٢) ومسلم في الصيام (١٠٨٥) من طريق ابن جريج، أخبرني يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي، أن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث أخبره، أن أم سلمة أخبرته، فذكرته.
• عن أنس بن مالك قال: آلَى رسولُ الله ﷺ من نسائه، وكان انفكَّتْ رجلُه، فأقام في مشربة له تسعًا وعشرين، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله، آليت شهرًا؟ فقال: "الشهر يكون تسع وعشرون".
صحيح: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٨٩) عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان، عن حميد الطويل، أنه سمع أنس بن مالك يقول: فذكره. ورواه في كتاب الصلاة (٣٧٨) من وجه آخر عن حميد الطويل مطولًا.
• عن جابر قال: كان رسولُ الله ﷺ اعتزل نساءَه شهرًا. فخرج إلينا في تسع وعشرين فقلنا: إنما اليوم تسع وعشرون فقال: "إنما الشهرة وصفّق بيديه ثلاث مرات، وحبس إصبعا واحدة في الآخرة.
صحيح: رواه مسلم في الصوم (١٠٨٤) من طرق عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
• عن الزهري قال: إن النبي ﷺ أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرًا، قال الزهري: "فأخبرني عروة، عن عائشة قالت: لما مضت تسعٌ وعشرون ليلة أعُدُّهن، دخل عليّ رسول الله ﷺ قالت: بدأ بي. فقلت: يا رسول الله! إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن فقال: "إن الشهر تسع وعشرون".
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١٠٨٣) عن عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري فذكره.
قول الزهري أوله مرسل، وآخره متصل. ووصله أيضا ابن ماجه (٢٠٥٩) وأحمد (٢٤٧٤٣) كلاهما من حديث عبد الرحمن بن أبي الرجال قال: سمعت أبي، يحدث عن عمرة، عن عائشة
стр. 4056
قالت: "إن رسول الله ﷺ حلف أن لا يدخل على نسائه شهرًا .... ".
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الرجال فإنه حسن الحديث. وأما أبوه فهو ثقة.
وأما ما روي عن عائشة قالت: "آلى رسول الله ﷺ من نسائه، وحرّم، فجعل الحرام حلالًا، وجعل في اليمين كفارة" فهو ضعيف.
رواه الترمذي (١٢٠١) وابن ماجه (٢٠٧٢) وصححه ابن حبان (٤٢٧٨) والبيهقي (٧/ ٣٥٢) كلهم من طريق مسلمة بن علقمة، قال: حدثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة فذكرته.
وإسناده ضعيف من أجل مسلمة بن عَلْقمة فقد اختلف فيه، والجمهور على تضعيفه وقالوا: له أحاديث مناكير عن داود بن أبي هند، وقالوا: وهذا منها.
وأعله الترمذي بالمخالفة فقال: حديث مسلمة بن عَلْقمة عن داود، رواه علي بن مسهر وغيره، عن داود، عن الشعبي، أن النبي ﷺ مرسلًا، وليس فيه عن مسروق، عن عائشة وقال: وهذا أصح من حديث مسلمة بن علقمة.
وقال: "والإيلاء هو أن يحلف الرجل أن لا يقرب امرأته أربعة أشهر فأكثر".
وكذلك لا يصحُّ ما ذكر من سبب إيلاء النبي ﷺ ، أن زينب ردَّت عليه هديّتَه، وهو ما رواه ابن ماجه (٢٠٦٠) عن سويد بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ إنما آلى، لأن زينب ردت عليه هديته. فقالت عائشة: لقد أقمأتك، فغضب ﷺ فآلى منهن".
حارثة بن محمد وهو: ابن عبد الرحمن بن أبي الرجال، ضعيف جدًّا.
وقوله: "أقمأتك": أي أحقرتك.
• * *
стр. 4057
٢٩ - كتاب العدد، والإحداد، والنفقات
١ - باب عدة الحامل المطلقة والمتوفى عنها زوجها وضع الحمل
قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٤].
الآية شاملة للحامل المطلقة، والحامل المتوفى عنها زوجُها فعدتُهن وضع حملِهن على أي صفة كان حيا أو ميتا، تام الخِلقة أو ناقصُها.
• عن أبي سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس عنده فقال: أفْتِني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة، فقال ابن عباس: آخر الأجلين. قلت أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، يعني أبا سلمة، فأرسل ابن عباس كُريبًا إلى أم سلمة، يسألها، فقالت: قُتل زوجُ سُبَيْعة الأسلمية وهي حُبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخُطِبتْ، فأنكحَها رسولُ الله ﷺ وكان أبو السَّنابل فيمن خَطَبَها.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٠٩) عن سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيى (هو ابن أبي كثير) قال: أخبرني أبو سلمة، فذكره.
ورواه مالك في الطلاق (٨٦)، ومسلم في الطلاق (١٤٨٥) من طريق عبد الوهاب - كلاهما عن يحيى بن سعيد (هو الأنصاري) عن سليمان بن يسار، أن عبد الله بن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف اختلفا في المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال ... فذكر الحديث نحوه.
وفي لفظ مالك: "قد حللتِ فانكحِي من شئت".
اختلفت الروايات في تحديد أيام وضعها بعد وفاة زوجها، فالترجيح لما في الصحيحين، ولكن المهم أنها حلت بمجرد وضعها بدون تقيد من الشارع بتحديد الأيام.
• عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سُئل عبد الله بن عباس، وأبو هريرة عن المرأة الحامل يتوفى عنها زوجُها؟ فقال ابن عباس: آخر الأجلين. وقال أبو هريرة: إذا ولدتْ فقد حلَّتْ. فدخل أبو سلمة بن عبد الرحمن على أم سلمة زوج النبي ﷺ فسألها عن ذلك، فقالت أم سلمة: ولدتْ سُبَيْعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بنصف شهر، فخطبها رجلان، أحدهما شابٌّ، والآخر كهلٌ، فحطّتْ إلى الشاب، فقال الشيخ: لم تَحِلّي بعد، وكان أهلُها غيبًا، ورجا إذا جاء أهلُها أن يؤثروه بها، فجاءتْ
стр. 4058
رسول الله ﷺ فقال: "قد حللتِ فانكِحي من شئت".
صحيح: رواه مالك في الطلاق (٨٣) عن عبد ربه بن سعد بن قيس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، فذكره.
وإسناده صحيح، ومن طريق مالك أخرجه أيضا النسائي (٣٥١٠).
• عن أم سلمة أن امرأة من أسلم يقال لها سُبَيْعة كان تحت زوجها توفي عنها وهي حُبلى، وخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبتْ أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تَنْكِحيه حتى تعتدِّي آخر الأجلين، فمكثت قريبا من عشر ليال، ثم جاء النبي ﷺ فقال: "انكحي".
صحيح: رواه البخاري في الطلاق (٥٣١٨) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة زوج النبي ﷺ فذكرته.
• عن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري، يأمره أن يدخل على سُبيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حَديثها وعما قال لها رسول الله ﷺ حين اسْتَفَتْه. فكتب عمر بن عبد الله إلى عبد الله بن عتبة يخبره، أن سبيعة أخبرته، أنها كانت تحت سعد بن خولة. وهو في بني عامر بن لُؤي. وكان ممن شهد بدرًا. فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل. فلم تَنْشبْ أن وضعتْ حملَها بعد وفاته. فلما تعلّت من نفاسها تجمَّلتْ للخُطّاب. فدخل عليها أبو السَّنابل بن بعكك (رجل من بني عبد الدار) فقال لها: ما لي أراك متجمِّلة؟ لعلكِ ترْجِين النكاح. إنك، والله! ما أنت بناكحٍ حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سُبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعتُ عليَّ ثيابي حين أمسيتُ. فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعتُ حملي. وأمرني بالتزوج إن بدا لي.
قال ابن شهاب: فلا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعتْ. وإن كانت في دمها. غير أن لا يقربها زوجُها حتى تطهر.
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٣١٩) من طريق يزيد - ومسلم في الطلاق (١٤٨٤) من طريق يونس بن يزيد - كلاهما عن ابن شهاب الزهري، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري، فذكره واللفظ لمسلم، وعند البخاري مختصرا جدًّا.
وعلقه في المغازي (٣٩٩١) عن الليث، قال حدثني يونس، عن ابن شهاب، به فذكره بتمامه.
стр. 4059
قال الحافظ في "الفتح" (٧/ ٣١١): "وصله في "التاريخ الكبير" قال: قال لنا عبد الله بن صالح، أنبأنا الليث" فذكره بتمامه.
• عن محمد بن سيرين قال: جلست إلى مجلس فيه عُظْم من الأنصار، وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكرتُ حديث عبد الله بن عتبة في شأن سُبيعة بنت الحارث. فقال عبد الرحمن: ولكن عمّه كان لا يقول ذلك فقلت: إني لجريء إن كذبتُ على رجل في جانب الكوفة، ورفع صوته، قال: ثم خرجتُ، فلقيتُ مالك بن عامر أو مالك بن عوف. قلت: كيف كان قول ابن مسعود في المتوفى عنها زوجُها. وهي حامل؟ فقال: قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظَ، ولا تجعلون لها الرخصة؟ لنزلتْ سورةُ النساء القصري بعد الطولي.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٥٣٢) عن حبان، حدثنا عبد الله، أخبرنا عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين فذكره.
وذكره معلقا في تفسير سورة الطلاق (٤٩١٠).
وقوله: "عمه كان لا يقول ذلك". المراد به عبد الله بن مسعود ما كان يقول بهذا سُبيعة بنت الحارث. إلا أن هذا النقل منه ليس بصحيح، فإن ابن مسعود كان يقول خلاف ذلك، فلعله كان يقول أولًا ثم رجع عنه، أو وهم الناقل عنه كذا قاله ابن حجر.
وقوله: سورة النساء القصرى - أي سورة الطلاق.
وقوله: بعد الطولى: أي بعد البقرة.
ففي سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
وفي سورة الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: ٤].
ومراد ابن مسعود أنه وقع نسخ، فالمتأخر هو الناسخ.
وإلى هذا يُشير ابن مسعود بقوله: "من شاء لاعنتُه لأُنزلتْ سورة النساء القصري بعد الأربعة الأشهر وعشرا" والملاعنة هنا بمعنى: المباهلة.
رواه أبو داود (٢٣٠٧) وابن ماجه (٢٠٣٠) بإسناد صحيح.
قال الحافظ ابن حجر: "وإلا فالتحقيقُ أن لا نسخ هناك، بل عموم آية البقرة، مخصوصٌ بأية الطلاق". "الفتح" (٨/ ٦٥٦)
• عن المسور بن مخرمة أنه أخبره أن سُبيعة الأسلمة نُفِسَتْ بعد وفاة زوجها بليال، فقال لها رسول الله ﷺ : "قد حللتِ فانكِحي من شئتِ".
стр. 4060
صحيح: رواه مالك في الطلاق (٥٨) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، به، فذكره. ورواه البخاري في الطلاق (٥٣٢٠) من طريق مالك، به، بنحوه.
• عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب قالت: إنها سمعت عمر بن الخطاب وأبي بن كعب يختصمان، فقالت أم الطفيل: أفلا يسأل عمرُ بن الخطاب سُبيعة الأسلمية؟ توفي عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد ذلك بأيام، فأنكحها رسول الله ﷺ .
حسن: رواه أحمد (٢٧١٠٩) عن يحيى بن إسحاق وقتيبة بن سعيد، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، قال: سمعت أم الطفيل، فذكرته. وإسناده حسن من أجل ابن لهيعة، فإن سماع قتيبة بن سعيد كان قبل اختلاطه.
• عن أبي السنابل بن بعكك قال: وضعتْ سُبيعةُ بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين يومًا. فلما تعلّتْ تشوّفتْ للنكاح فأنكر عليها. فذُكِر ذلك للنبي ﷺ فقال: "إن تفعل فقد حلَّ أجلُها".
صحيح: رواه الترمذي (١١٩٣) والنسائي (٣٥٠٨) وابن ماجه (٢٠٢٧) وأحمد (١٨٧١٣) وصحّحه ابن حبان (٤٢٩٩) كلهم من حديث منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن أبي السنابل فذكره.
قال الترمذي: "حديث أبي السنابل حديث مشهور من هذا الوجه، ولانعرف للأسود سماعًا من أبي السنابل، وسمعت محمدًا يقول: لا أعرف أن أبا السنابل عاش بعد النبي ﷺ ".
كذا قال البخاري على قاعدته في اشتراط ثبوت اللقاء، ولو مرة، والأسود بن يزيد النخعي من كبار التابعين من أصحاب ابن مسعود، ولم يُوصف بالتدليس، فالحديث صحيح على شرط مسلم قاله الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٩/ ٤٧٢).
• عن مسروق وعمرو بن عتبة، أنهما كتبا إلى سُبيعة بنت الحارث يسألانها عن أمرها. فكتبت إليهما: أنها وضعت بعد وفاة زوجها بخمسة وعشرين. فتهيأت تطلب الخير. فمَرَّ بها أبو السنابل بن بعكك. فقال: قد أسرعت. اعتدي آخر الأجلين، أربعة أشهر وعشرا. فأتيتُ النبي ﷺ . فقلتُ: يا رسول الله، استغفر لي. قال "وفيم ذاك؟ " فأخبرته. فقال: "إن وجدت زوجا صالحا فتزوجي".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٠٢٨) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق وعمرو بن عتبة، فذكراه. وإسناده صحيح.
وأبو السنابل اختلف في اسمه كثيرًا، وقد جزم العسكري أن اسمه كنيته.
وأما قول البخاري: "لا يصح أن أبا السنابل عاش بعد النبي ﷺ فقد جزم ابن سعد أنه بقيَ بعد النبي ﷺ زمنا".
стр. 4061
وقال البرقي: "إن أبا السنابل تزوّج سُبيعةَ بعد ذلك، فولد له سنابل بن أبي السنابل".
وسكن بعد ذلك في مكة، وقيل: الكوفة، وفي كل ذلك إشارة إلى أنه عاش بعد النبي ﷺ زمنا. فلا يبعد سماع الأسود منه.
وقوله: "تعلّت" أي ارتفعتْ بمعني طهرتْ من النفاس.
وقوله: "فتشوّفت" بالفاء أي طمعت، وتشوقت للنكاح.
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أن الحامل المتوفى عنها زوجُها، إذا وضعتْ فقد حلَّ الترويجُ لها، وإن لم تكن انقضت عدّتُها. وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق"، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: "تعتد آخر الأجلين" والقول الأول أصح. انتهى.
والحامل المطلقة حكمها حكمُ الحامل المتوفَّى عنها زوجُها.
وأما ما روي عن الزبير بن العوام أنه كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة فقالت له: وهي حامل: طيِّب نفسي بتطلّيقة. فطلّقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة، فرجع وقد وضعتْ. فقال: ما لها؟ خدعتْني خدعها الله، ثم أتى النبي ﷺ فقال: "سبق الكتابُ أجلَه، اخطبها إلى نفسها" فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (٢٠٦٤) محمد بن عمر بن هياج قال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن الزبير بن العوام فذكره.
قلت: فيه قبيصة بن عقبة، تكلموا في روايته عن سفيان الثوري لصغر سنه، فكان يغلط في روايته عنه، وفيه أيضا الانقطاع فإن ميمون وهو: ابن مهران روايته عن الزبير بن العوام مرسلة كما قال البوصبري: ولكن رواه البيهقي (٧/ ٤٢١) من وجه آخر عن عبيد الله الأشجعي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن أم كلثوم بنت عقبة أنها كانت تحت الزبير، فجاءته، وهو يتوضأ فذكر القصة.
وعبيد الله الأشجعي أثبت في سفيان من قبيصة بن عقبة، وجعل الحديث من مسند أم كلثوم وهذا أصح من ذاك، ولكن علة الإرسال لا تزال موجودة فيه، فإن ميمون بن مهران ولد سنة (٤٠) كما في تهذيب الكمال، وأم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات، هاجرت إلى المدينة وليس لها زوج في مكة فتزوجها زيد بن حارثة، فقتل، ثم تزوجها الزبير بن العوام، ثم طلقها، ثم تزوج عبد الرحمن بن عوف، فمات عنها، ثم تزوجها عمرو بن العاص فماتت عنده.
وعمرو بن العاص مات سنة (٤٣ هـ) على الصحيح كما قال ابن حجر في "التهذيب"، وقيل: إن أم كلثوم بنت عقبة ماتت في خلافة علي الذي مات سنة (٤٠ هـ).
وبهذا تبين أن لقاء ميمون بن مهران لا يمكن مع أم كلثوم بنت عقبة أيضا وإن كانت متأخرة الوفاة من الزبير بن العوام وبالله التوفيق.
والأمر الذي لا خلاف فيه أن المطلَّقةَ الحاملَ عدّتُها الوضع لقوله تعالى، كما سبق، ولأن
стр. 4062
العدة شرعت لاستبراء الرحم.
وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: "أجل كل حامل أن تضع ما في بطنها".
والحداد تابع للعدة، فإن كانت المرأةُ الحامل المتوفى عنها زوجُها في الأشهر الأول من الحمل، فحدادها يستمر إلى الوضع، ولو بلغ تسعة أشهر أو زيادة.
٢ - باب الإحداد ثلاثة أيام، إلا على الزوج فهي أربعة أشهر وعشرًا
• عن عائشة وحفصة زوجي النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميتٍ فوق ثلاث ليالٍ إلا على زوج".
صحيح: رواه مالك في الطلاق (١٠٤) عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة وحفصة، فذكرتاه. ورواه مسلم في الطلاق (١٤٩٠) من طريق الليث بن سعد، عن نافع، به، مثله.
وزاد في رواية يحيى بن سعيد، عن نافع من حديث حفصة وحدها: "فإنها تُجِدّ عليه أربعة أشهر وعَشْرًا".
• عن زينب ابنة أبي سلمة قالت: لما جاء نعي أبي سفيان من الشام دعتْ أم حبيبة بصفرة في اليوم الثالث، فمحتْ عارضَيها وذِراعَيها وقالت: إني كنت عن هذا لغنية، لولا أني سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج فإنها تُجِدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٨٠) ومسلم في الطلاق (١٤٨٦) كلاهما من حديث سفيان، حدثنا أيوب بن موسى، قال: أخبرني حميد بن نافع، عن زينب ابنة أبي سلمة فذكرت مثله، ولفظهما سواء.
• عن أم عطية قالت: كنا نُنْهي أن نُحِدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحلُ ولا نتطيبُ ولا نلبسُ ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب.
وقد رُخِّصَ لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كُستِ أظفار. وكُنّا نُنْهى عن اتباع الجنائز.
وفي رواية: عن محمد بن سيرين قال: تُوفي ابن لأم عطية. فلما كان اليوم الثالث دعتْ بصفرةٍ فتمسحتْ به وقالت: نُهينا أن نُحِدّ أكثر من ثلاثٍ إلا بزوج.
متفق عليه: رواه البخاري في الحيض (٣١٣) عن عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حفصة.
قال أبو عبد الله: أو هشام بن حسان، عن حفصة، عن أم عطية فذكرت مثله.
ورواه مسلم في الجنائز (٩٣٨) من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين ومن حديث هشام عن
стр. 4063
حفصة - كلاهما عن أم عطية مقتصرا على قوله: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا".
والرواية الثانية عند البخاري (١٢٧٩) من طريق سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين بإسناده مثله.
• عن حُميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، أنها أخبرتْه هذه الأحاديث الثلاثة.
قالت زينب: دخلتُ على أم حبيبة، زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب. فدعتْ أمُّ حبيبة بطيب فيه صفرةٌ خلوقٌ أو غيره. فدهنتْ به جاريةً. ثم مسحتْ بعارضَيْها. ثم قالت: والله، ما لي بالطيب من حاجةٍ، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهرٍ وعشرًا". (هذا أولها).
قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش، زوج النبي ﷺ حين تُوُفّي أخوها، فدعتْ بطيب فمسّتْ منه. ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ولا يحل لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهرٍ وعشرًا". (هذا ثانيها).
متفق عليه: رواه مالك في الطلاق (١٠١ - ١٠٢) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن حُميد بن نافع، به، فذكره.
ورواه البخاري في الطلاق (٥٣٣٤، ٥٣٣٥) ومسلم في الطلاق (١٤٨٦ - ١٤٨٩) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
٣ - باب النهي عن الاكتحال في الإحداد
• عن زينب قالت: سمعتُ أمي أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله. إن ابنتي تُوفّي عنها زوجُها. وقد اشتكتْ عينَيْها. أفتَكْحَلُهما؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا" مرتين أو ثلاثا. كل ذلك يقول: "لا" ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشرًا. وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول".
قال حميد: فقلت لزينب: ومن ترمي البعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجُها. دخلت جِفْشًا ولبستْ شر ثيابها. ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتي بدابةٍ، حمارٍ أو شاةٍ أو طيرٍ، فتفتضُّ به، فقلما تفتضُّ بشيء إلا مات، ثم تخرج، فتُعطى بعرة فترمي بها، ثم تُراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. (وهذا ثالثُها).
متفق عليه: رواه مالك في الطلاق (١٠٣) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة تقول: فذكرته. ورواه البخاري في الطلاق (٥٣٣٦) ومسلم في الطلاق (١٤٨٨) كلاهما من حديث مالك به.
стр. 4064
قال مالك: "الحِفْش: البيت الرديء، وتفتضُّ - بتشديد الضاد تمسح به جلدها كالنُّشرة" أي تأخذ طائرًا، فتمسح به فرجها، وتنبذه، فلا يكاد يعيش من الفض. كذا في "النهاية".
• عن أم سلمة، أن امرأة تُوفي عنها زوجُها، فخَشوا عينيها فأتوا رسولُ الله ﷺ فاستأذنوه في الكحل فقال: "لا تكحَّل، قد كانت إحداكن تمكثُ في شر أحلاسها، أو شر بيتها، فإذا كان حول فمرَّ كلب رمت ببعرة، فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشرًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٣٣٨) ومسلم في الطلاق (٦٠: ١٤٨٨) كلاهما من حديث شعبة، عن حميد بن نافع، قال: سمعت زينب بنت أم سلمة، تحدث عن أمها أم سلمة فذكرته.
وفي رواية عند مسلم: عن أم سلمة وأم حبيبة تذكران أن امرأة أتت النبي ﷺ فذكرت له ...
وقولها: "شر أحلاسها" بفتح همزة، جمع حلم وهو كساء يلي ظهر البعير، أي شر ثيابها، مأخوذ من حلس البعير.
وقولها: "شر بيتها" كذا في البخاري. وفي مسلم: "شر بيتها في أحلاسها" أو في "شر أحلاسها في بيتها".
وفي الباب ما روي عن أم حكيم بنت أسيد، عن أمِّها أن زوجَها توفي، وكانت تشتكي عينُها، فتكتحل الجلاء، فأرسلت مولاةَ لهم إلى أم سلمة فسألتْها عن كحل الجلاء. فقالت: لا تكحل إلا من أمر لا بد منه. دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ حين تُوفي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبرًا. فقال: "ما هذا؟ يا أم سلمة" قلت: إنما هو صبر يا رسول الله! ليس فيه طيب، قال: "إنه يشب الوجه، فلا تجعليها إلا بالليل، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب" قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: "بالسدر تغلفين به رأسك".
رواه أبو داود (٢٣٠٥) والنسائي (٣٥٣٧) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرنا مخرمة، عن أبيه، قال: سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: حدّثتْني أمُّ حكيم فذكرته.
وإسناده ضعيف لوجود المسلسل بالمجهولين. المغيرة بن الضحاك لم يرو عنه إلا أبو مخرمة، وهو بكير بن عبد الله بن الأشج، فهو "مجهول"، ولم يُوثّقِه غير ابن حبان. ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول"، والصواب أنه مجهول، فإن توثيق ابن حبان لا يرفع عنه جهالة العين.
وأم حكيم بنت أسيد وأمها لا تُعرفان كما قال الذهبي وابن حجر.
وقولها: "كحل الجلاء": بالكسر - الأثمد.
وقولها: "صبرًا": عُصارة شجر.
وقوله: "يشب الوجه": أي يتلألأُ نورًا وضياءً.
وقوله: "تغلفين به رأسك": من التغليف، أي تُغطين وتجعلين كالغلاف لرأسك، والمراد: تكثرين منه على شعرك.
стр. 4065
حديث أم سلمة الأول اختصره مالك وأرسله وذكره بلاغا في الطلاق (١١٩) أن رسول الله ﷺ دخل على أم سلمة وهي حاد على أبي سلمة فذكره.
كما أنه ذكر بلاغا آخر (١١٦) عن أم سلمة قالت لامرأة حاد على زوجها، اشتكتْ عينَيْها: "اكتحلي بكحل الجلاء بالليل، وامسحيه بالنهار" وهو الذي وصله أبو داود وغيره وفيه المسلسل بالمجهولين.
وقال أيضا (١١٧) بلغني عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهما كانا يقولان في المرأة المتوفّى عنها زوجُها: "إنها إذا خشِيَتْ على بصرها من رمد، أو شكوى أصابها، إنها تكتَحِل وتتداوى بدواء، أو كحل، وإن كان فيه طيب". وقد اختلف أهل العلم في اكتحال المتوفّى عنها زوجُها.
فقالوا: إنْ كان الاكتحال لزينة العين وتحسينها فلا خلاف في تحريمها.
وأما إذا كان للضرورة مثل أن يُخشى على ذهاب بصرها، أو إصابتها برمدٍ وغيره من الأمراض فلا حرج في ذلك؛ لأن من مقاصد الشريعة رفع الحرج، وحديث أم سلمة الأول يدل على الاكتحال مطلقا فنهى النبي ﷺ عن ذلك، والحديث الثاني يدل على جواز الاستعمال عند الضرورة جمعًا بين الحديثين، وبين آثار الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين، فإن الضرورات تُبيح المحظورات.
وأما ما روي عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب أتانا النبي ﷺ فقال: "تَسَلَّبِي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت" فهو شاذ.
رواه أحمد (٢٧٤٦٨) وابن حبان (٣١٤٨) والبيهقي (٧/ ٤٣٨) كلهم من طرق عن محمد بن طلحة بن مصرف، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عميس، فذكرته.
وأسماء هي زوج جعفر بن أبي طالب، وهي والدة عبد الله ومحمد وعون وغيرهم من أولاد جعفر.
رجاله ثقات غير محمد بن طلحة بن مصرف؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إلا أنه أخطأ في هذا الحديث لمخالفته للأحاديث الصحيحة في حداد المرأة على زوجها. ولذا حكم عليه بالنكارة. وأعله أحمد بالشذوذ كما ذكره ابن حجر في الفتح (٩/ ٤٨٧).
وقوله: "تَسَلَّبِي" أي: البسي ثوب الحداد ثلاثا، وتحرف في صحيح ابن حبان إلى "تَسَلَّمِي" وجعل يبين معنى "تسلَّمي"، وفيه تكلف، والصواب أنه محرف من "تَسَلَّبِي".
٤ - باب اجتناب الحادة من الثياب المُصْبَغة
• عن أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُحِدَّ المرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصْبٍ، ولا تَكْتَحِل، ولا تمس طيبًا، إلا عند طهرها حين تطهر: نبذة من قسط وأظفار".
متفق عليه: رواه البخاري في الحيض (٣١٣) ومسلم في الطلاق (٩٣٨) كلاهما من حديث
следующие страницы →