Полный текст (8 687 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
وقال البرقي: "إن أبا السنابل تزوّج سُبيعةَ بعد ذلك، فولد له سنابل بن أبي السنابل".
وسكن بعد ذلك في مكة، وقيل: الكوفة، وفي كل ذلك إشارة إلى أنه عاش بعد النبي ﷺ زمنا. فلا يبعد سماع الأسود منه.
وقوله: "تعلّت" أي ارتفعتْ بمعني طهرتْ من النفاس.
وقوله: "فتشوّفت" بالفاء أي طمعت، وتشوقت للنكاح.
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أن الحامل المتوفى عنها زوجُها، إذا وضعتْ فقد حلَّ الترويجُ لها، وإن لم تكن انقضت عدّتُها. وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق"، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: "تعتد آخر الأجلين" والقول الأول أصح. انتهى.
والحامل المطلقة حكمها حكمُ الحامل المتوفَّى عنها زوجُها.
وأما ما روي عن الزبير بن العوام أنه كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة فقالت له: وهي حامل: طيِّب نفسي بتطلّيقة. فطلّقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة، فرجع وقد وضعتْ. فقال: ما لها؟ خدعتْني خدعها الله، ثم أتى النبي ﷺ فقال: "سبق الكتابُ أجلَه، اخطبها إلى نفسها" فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (٢٠٦٤) محمد بن عمر بن هياج قال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن الزبير بن العوام فذكره.
قلت: فيه قبيصة بن عقبة، تكلموا في روايته عن سفيان الثوري لصغر سنه، فكان يغلط في روايته عنه، وفيه أيضا الانقطاع فإن ميمون وهو: ابن مهران روايته عن الزبير بن العوام مرسلة كما قال البوصبري: ولكن رواه البيهقي (٧/ ٤٢١) من وجه آخر عن عبيد الله الأشجعي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن أم كلثوم بنت عقبة أنها كانت تحت الزبير، فجاءته، وهو يتوضأ فذكر القصة.
وعبيد الله الأشجعي أثبت في سفيان من قبيصة بن عقبة، وجعل الحديث من مسند أم كلثوم وهذا أصح من ذاك، ولكن علة الإرسال لا تزال موجودة فيه، فإن ميمون بن مهران ولد سنة (٤٠) كما في تهذيب الكمال، وأم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات، هاجرت إلى المدينة وليس لها زوج في مكة فتزوجها زيد بن حارثة، فقتل، ثم تزوجها الزبير بن العوام، ثم طلقها، ثم تزوج عبد الرحمن بن عوف، فمات عنها، ثم تزوجها عمرو بن العاص فماتت عنده.
وعمرو بن العاص مات سنة (٤٣ هـ) على الصحيح كما قال ابن حجر في "التهذيب"، وقيل: إن أم كلثوم بنت عقبة ماتت في خلافة علي الذي مات سنة (٤٠ هـ).
وبهذا تبين أن لقاء ميمون بن مهران لا يمكن مع أم كلثوم بنت عقبة أيضا وإن كانت متأخرة الوفاة من الزبير بن العوام وبالله التوفيق.
والأمر الذي لا خلاف فيه أن المطلَّقةَ الحاملَ عدّتُها الوضع لقوله تعالى، كما سبق، ولأن
стр. 4062
العدة شرعت لاستبراء الرحم.
وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: "أجل كل حامل أن تضع ما في بطنها".
والحداد تابع للعدة، فإن كانت المرأةُ الحامل المتوفى عنها زوجُها في الأشهر الأول من الحمل، فحدادها يستمر إلى الوضع، ولو بلغ تسعة أشهر أو زيادة.
٢ - باب الإحداد ثلاثة أيام، إلا على الزوج فهي أربعة أشهر وعشرًا
• عن عائشة وحفصة زوجي النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميتٍ فوق ثلاث ليالٍ إلا على زوج".
صحيح: رواه مالك في الطلاق (١٠٤) عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة وحفصة، فذكرتاه. ورواه مسلم في الطلاق (١٤٩٠) من طريق الليث بن سعد، عن نافع، به، مثله.
وزاد في رواية يحيى بن سعيد، عن نافع من حديث حفصة وحدها: "فإنها تُجِدّ عليه أربعة أشهر وعَشْرًا".
• عن زينب ابنة أبي سلمة قالت: لما جاء نعي أبي سفيان من الشام دعتْ أم حبيبة بصفرة في اليوم الثالث، فمحتْ عارضَيها وذِراعَيها وقالت: إني كنت عن هذا لغنية، لولا أني سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج فإنها تُجِدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٨٠) ومسلم في الطلاق (١٤٨٦) كلاهما من حديث سفيان، حدثنا أيوب بن موسى، قال: أخبرني حميد بن نافع، عن زينب ابنة أبي سلمة فذكرت مثله، ولفظهما سواء.
• عن أم عطية قالت: كنا نُنْهي أن نُحِدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحلُ ولا نتطيبُ ولا نلبسُ ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب.
وقد رُخِّصَ لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كُستِ أظفار. وكُنّا نُنْهى عن اتباع الجنائز.
وفي رواية: عن محمد بن سيرين قال: تُوفي ابن لأم عطية. فلما كان اليوم الثالث دعتْ بصفرةٍ فتمسحتْ به وقالت: نُهينا أن نُحِدّ أكثر من ثلاثٍ إلا بزوج.
متفق عليه: رواه البخاري في الحيض (٣١٣) عن عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حفصة.
قال أبو عبد الله: أو هشام بن حسان، عن حفصة، عن أم عطية فذكرت مثله.
ورواه مسلم في الجنائز (٩٣٨) من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين ومن حديث هشام عن
стр. 4063
حفصة - كلاهما عن أم عطية مقتصرا على قوله: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا".
والرواية الثانية عند البخاري (١٢٧٩) من طريق سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين بإسناده مثله.
• عن حُميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، أنها أخبرتْه هذه الأحاديث الثلاثة.
قالت زينب: دخلتُ على أم حبيبة، زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب. فدعتْ أمُّ حبيبة بطيب فيه صفرةٌ خلوقٌ أو غيره. فدهنتْ به جاريةً. ثم مسحتْ بعارضَيْها. ثم قالت: والله، ما لي بالطيب من حاجةٍ، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهرٍ وعشرًا". (هذا أولها).
قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش، زوج النبي ﷺ حين تُوُفّي أخوها، فدعتْ بطيب فمسّتْ منه. ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ولا يحل لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهرٍ وعشرًا". (هذا ثانيها).
متفق عليه: رواه مالك في الطلاق (١٠١ - ١٠٢) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن حُميد بن نافع، به، فذكره.
ورواه البخاري في الطلاق (٥٣٣٤، ٥٣٣٥) ومسلم في الطلاق (١٤٨٦ - ١٤٨٩) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
٣ - باب النهي عن الاكتحال في الإحداد
• عن زينب قالت: سمعتُ أمي أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله. إن ابنتي تُوفّي عنها زوجُها. وقد اشتكتْ عينَيْها. أفتَكْحَلُهما؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا" مرتين أو ثلاثا. كل ذلك يقول: "لا" ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشرًا. وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول".
قال حميد: فقلت لزينب: ومن ترمي البعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجُها. دخلت جِفْشًا ولبستْ شر ثيابها. ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتي بدابةٍ، حمارٍ أو شاةٍ أو طيرٍ، فتفتضُّ به، فقلما تفتضُّ بشيء إلا مات، ثم تخرج، فتُعطى بعرة فترمي بها، ثم تُراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. (وهذا ثالثُها).
متفق عليه: رواه مالك في الطلاق (١٠٣) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة تقول: فذكرته. ورواه البخاري في الطلاق (٥٣٣٦) ومسلم في الطلاق (١٤٨٨) كلاهما من حديث مالك به.
стр. 4064
قال مالك: "الحِفْش: البيت الرديء، وتفتضُّ - بتشديد الضاد تمسح به جلدها كالنُّشرة" أي تأخذ طائرًا، فتمسح به فرجها، وتنبذه، فلا يكاد يعيش من الفض. كذا في "النهاية".
• عن أم سلمة، أن امرأة تُوفي عنها زوجُها، فخَشوا عينيها فأتوا رسولُ الله ﷺ فاستأذنوه في الكحل فقال: "لا تكحَّل، قد كانت إحداكن تمكثُ في شر أحلاسها، أو شر بيتها، فإذا كان حول فمرَّ كلب رمت ببعرة، فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشرًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٣٣٨) ومسلم في الطلاق (٦٠: ١٤٨٨) كلاهما من حديث شعبة، عن حميد بن نافع، قال: سمعت زينب بنت أم سلمة، تحدث عن أمها أم سلمة فذكرته.
وفي رواية عند مسلم: عن أم سلمة وأم حبيبة تذكران أن امرأة أتت النبي ﷺ فذكرت له ...
وقولها: "شر أحلاسها" بفتح همزة، جمع حلم وهو كساء يلي ظهر البعير، أي شر ثيابها، مأخوذ من حلس البعير.
وقولها: "شر بيتها" كذا في البخاري. وفي مسلم: "شر بيتها في أحلاسها" أو في "شر أحلاسها في بيتها".
وفي الباب ما روي عن أم حكيم بنت أسيد، عن أمِّها أن زوجَها توفي، وكانت تشتكي عينُها، فتكتحل الجلاء، فأرسلت مولاةَ لهم إلى أم سلمة فسألتْها عن كحل الجلاء. فقالت: لا تكحل إلا من أمر لا بد منه. دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ حين تُوفي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبرًا. فقال: "ما هذا؟ يا أم سلمة" قلت: إنما هو صبر يا رسول الله! ليس فيه طيب، قال: "إنه يشب الوجه، فلا تجعليها إلا بالليل، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب" قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: "بالسدر تغلفين به رأسك".
رواه أبو داود (٢٣٠٥) والنسائي (٣٥٣٧) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرنا مخرمة، عن أبيه، قال: سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: حدّثتْني أمُّ حكيم فذكرته.
وإسناده ضعيف لوجود المسلسل بالمجهولين. المغيرة بن الضحاك لم يرو عنه إلا أبو مخرمة، وهو بكير بن عبد الله بن الأشج، فهو "مجهول"، ولم يُوثّقِه غير ابن حبان. ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول"، والصواب أنه مجهول، فإن توثيق ابن حبان لا يرفع عنه جهالة العين.
وأم حكيم بنت أسيد وأمها لا تُعرفان كما قال الذهبي وابن حجر.
وقولها: "كحل الجلاء": بالكسر - الأثمد.
وقولها: "صبرًا": عُصارة شجر.
وقوله: "يشب الوجه": أي يتلألأُ نورًا وضياءً.
وقوله: "تغلفين به رأسك": من التغليف، أي تُغطين وتجعلين كالغلاف لرأسك، والمراد: تكثرين منه على شعرك.
стр. 4065
حديث أم سلمة الأول اختصره مالك وأرسله وذكره بلاغا في الطلاق (١١٩) أن رسول الله ﷺ دخل على أم سلمة وهي حاد على أبي سلمة فذكره.
كما أنه ذكر بلاغا آخر (١١٦) عن أم سلمة قالت لامرأة حاد على زوجها، اشتكتْ عينَيْها: "اكتحلي بكحل الجلاء بالليل، وامسحيه بالنهار" وهو الذي وصله أبو داود وغيره وفيه المسلسل بالمجهولين.
وقال أيضا (١١٧) بلغني عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهما كانا يقولان في المرأة المتوفّى عنها زوجُها: "إنها إذا خشِيَتْ على بصرها من رمد، أو شكوى أصابها، إنها تكتَحِل وتتداوى بدواء، أو كحل، وإن كان فيه طيب". وقد اختلف أهل العلم في اكتحال المتوفّى عنها زوجُها.
فقالوا: إنْ كان الاكتحال لزينة العين وتحسينها فلا خلاف في تحريمها.
وأما إذا كان للضرورة مثل أن يُخشى على ذهاب بصرها، أو إصابتها برمدٍ وغيره من الأمراض فلا حرج في ذلك؛ لأن من مقاصد الشريعة رفع الحرج، وحديث أم سلمة الأول يدل على الاكتحال مطلقا فنهى النبي ﷺ عن ذلك، والحديث الثاني يدل على جواز الاستعمال عند الضرورة جمعًا بين الحديثين، وبين آثار الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين، فإن الضرورات تُبيح المحظورات.
وأما ما روي عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب أتانا النبي ﷺ فقال: "تَسَلَّبِي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت" فهو شاذ.
رواه أحمد (٢٧٤٦٨) وابن حبان (٣١٤٨) والبيهقي (٧/ ٤٣٨) كلهم من طرق عن محمد بن طلحة بن مصرف، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أسماء بنت عميس، فذكرته.
وأسماء هي زوج جعفر بن أبي طالب، وهي والدة عبد الله ومحمد وعون وغيرهم من أولاد جعفر.
رجاله ثقات غير محمد بن طلحة بن مصرف؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إلا أنه أخطأ في هذا الحديث لمخالفته للأحاديث الصحيحة في حداد المرأة على زوجها. ولذا حكم عليه بالنكارة. وأعله أحمد بالشذوذ كما ذكره ابن حجر في الفتح (٩/ ٤٨٧).
وقوله: "تَسَلَّبِي" أي: البسي ثوب الحداد ثلاثا، وتحرف في صحيح ابن حبان إلى "تَسَلَّمِي" وجعل يبين معنى "تسلَّمي"، وفيه تكلف، والصواب أنه محرف من "تَسَلَّبِي".
٤ - باب اجتناب الحادة من الثياب المُصْبَغة
• عن أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُحِدَّ المرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصْبٍ، ولا تَكْتَحِل، ولا تمس طيبًا، إلا عند طهرها حين تطهر: نبذة من قسط وأظفار".
متفق عليه: رواه البخاري في الحيض (٣١٣) ومسلم في الطلاق (٩٣٨) كلاهما من حديث
стр. 4066
هشام بن حسان، عن حفصة، عن أم عطية فذكرته.
• عن أم سلمة زَوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ أنه قال: "المتوفى عنها زوجُها لا تلبس المُعَصْفر من الثياب، ولا المُمشَّقة، ولا الحُلِيّ، ولا تَخْتضب، ولا تكْتَحِل".
صحيح: رواه أبو داود (٢٣٠٤) والنسائي (٣٥٣٥) وأحمد (٢٦٥٨١) وصحّحه ابن حبان (٤٣٠٦) كلهم من حديث يحيى بن أبي بكر، حدثنا إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني بُديل، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة فذكرته.
وإسناده صحيح، وبُديل هو: ابن ميسرة العقيلي ثقة.
٥ - باب اعتداد المتوفّى عنها زوجها في البيت الذي جاء فيه نعيُه
• عن زينب بنت كعب بن عُجْرة، أن الفُريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري، أخبرتْها، أنها جاءتْ رسولَ الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدرة، وأن زوجَها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم لَحِقهم فقتلوه. قالت: فسألتُ رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يترك لي مسكنا يملكه، ولا نفقة. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "نعم" قالت: فانصرفت، حتى إذا كنتُ في الحجرة أو في المسجد ناداني رسولُ الله ﷺ ، أو أمر بي فنوديتُ له، فقال: "كيف قلت؟ " قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي. قال: "امكثِي في بيتك حتى يبلغَ الكتابُ أجلَه" قالت: فاعتددتُ فيه أربعةَ أشهر وعشرًا. قالت: فلما كان عثمان، أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته، فاتبعه وقضى به.
صحيح: رواه مالك في الطلاق (٩٦) عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عُجرة فأخبرته، أن الفُريعة بنت مالك أخبرتها أنها جاءت إلى النبي ﷺ فذكرته.
ومن طريق مالك رواه أبو داود (٢٣٠٠) والترمذي (١٢٠٤) وابن ماجه (٢٠٣١) والنسائي (٣٥٢٨) وصحّحه ابن حبان (٤٢٩٢) والحاكم (٢/ ٢٠٨) إلا أن النسائي رواه من أوجه أخر عن زينب بنت كعب.
ورواه أبو داود الطيالسي (١٧٦٩) عن شعبة، عن سعد بن إسحاق، عن زينب، عن فُريعة أخت أبي سعيد أن زوجَها تبع أعلاجا، فقتلوه - وهي في قرية من قرى المدينة - فأتت النبيَّ ﷺ فذكرت ذلك له، واستأذنتْ أن تأتي أخواتها فتعتد عندهم فذكرت بقية الحديث نحوه.
ورواه ابن حبان (٤٢٩٣) من وجه آخر عن شعبة. وإسناده صحيح.
وزينب بنت كعب بن عُجرة الأنصارية ذكرها ابن حبان في "الثقات" وذكرها ابن الأثير وابن فتحون في الصحابة.
стр. 4067
قال الترمذي عقب إخراج حديث زينب:
"هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم لم يروا للمعتدة أن تنتقلَ من بيت زوجها حتى تنقضي عدّتُها، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: للمرأة أن تعتد حيث شاءت، وإن لم تعتد في بيت زوجها.
والقول الأول أصح". انتهى.
وبالقول الأول قال الأئمة الأربعة، قال ابن عبد البر: "وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر".
وقالوا أيضا: لو جاء النعي في غير منزلها فإنها تعتد في منزلها.
والقول الثاني روي عن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة من الصحابة، وكذلك قال به جماعة من التابعين.
وكانت حجتُهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠] فكانت المرأةُ في الجاهلية تمكثُ سنة في بيت زوجها المتوفى عنها، يُنفق عليها من ميراثه، فإذا تمَّ الحولُ خرجتْ إلى أهلها.
ثم جاء الإسلام فأقرهم على ما كانوا عليه من مكث الحول بهذه الآية، ثم نسخ ذلك بالآية المتقدمة في نظم القرآن على هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فجعل المكث أربعة أشهر وعشرًا، ونسخ الأمر بالوصية لها بما فرض لها من ميراثه، وبقي الخروج من بيت زوجها من غير إخراج لها على حالها.
قال ابن عباس: نسختْ هذه الآية (أعني الآية ٢٣٤) عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] (أي الآية ٢٤٠) وتكملة الآية ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] قول ابن عباس ذكره البخاري في تفسير الآية.
٦ - باب قصة فاطمة بنت قيس: لا نفقة لها ولا سكنى
• عن فاطمة بنت قَيس، أن أبا عمرو بن حفص طلَّقها البتَّة - وهو غائب بالشام - فأرسلَ إليها وكيلَه بشعير، فسخطَتْه. فقال: والله ما لكِ علينا من شيء، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فذكرتْ ذلك له. فقال: "ليس لك عليه نفقة" وأمرها أن تعتدَّ في بيتِ أم
стр. 4068
شريك، ثم قال: "تلك امرأة يَغْشَاها أصحابي، اعتدَّيْ عند عبد الله بن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابكِ عنده، فإذا حللتِ فآذنيني" قالت: فلما حللتُ ذكرتُ له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم بن هشام خَطباني. فقال رسولُ الله ﷺ : "أما أبو جهم فلا يضعُ عصَاه عن عاتقه، وأما معاويةُ فصعلوكٌ لا مال له، انكحي أسامة بن زيد" قالت: فكرهتُه، ثم قال: "انكحي أسامة بن زيد" فنكحتُه، فجعل الله في ذلك خيرًا واغتبطتُ به.
صحيح: رواه مالك في الطلاق (٦٧) عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن فاطمةَ بنت قيس، فذكرتُه. ورواه مسلم في الطلاق (٣٦: ١٤٨٠) من طريق مالك، به، مثله.
رواه مسلم (٣٧) من وجه آخر عن أبي سلمة، به، مختصرًا، وفيه قوله ﷺ : "لا نفقةَ لكِ ولا سُكْنى".
ورواه (٣٨) من طريق آخر عن أبي سلمة، به، بنحو حديث مالك. وفيه: "ليست لها نفقةٌ، وعليها العدَةُ".
وقوله ﷺ في أبي جهم: "لا يضعُ عصاه عن عاتِقه" كناية عن شدته على النساء وضربه إياهن، كما جاء مصرحا به في بعض الروايات.
• عن أبي بكر بن أبي الجهم قال: سمعت فاطمةَ بنت قيس تقول: أرسلَ إليَّ زَوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن عياش بن أبي ربيعة بطَلاقي، وأرسل إليّ بخمس آصع تمر، وخمسِ آصع شعير. فقلت: ما لي نفقة إلا هذا؟ ولا أعتد في بيتكم؟ قال: لا. فشددتُ عليّ ثيابي، ثم أتيتُ النبي ﷺ فذكرتُ له ذلك، فقال: "كم طلَّقَكِ؟ " قلت: ثلاثًا، قال: "صدق، ليس لكِ نفقةٌ، واعتدِّي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم، فإنه ضرير البصر، تلقين ثيابكِ عنكِ، فإذا انقضتْ عدّتُكِ فآذنيني" قالت: فخطبني خُطّابٌ، فيهم معاوية وأبو جهم، فقال رسول الله ﷺ : "إن معاويةَ تَرِتٌ خفيفٌ الحال، وأبوجهم يضرب النساء - أي - فيه شدة على النساء - ولكن عليكِ أسامةَ بن زيد". أو قال: "انكحيْ أسامةَ بن زيد"
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (٤٨: ١٤٨٠)، عن إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي بكر بن أبي الجهم فذكره.
ورواه أبو عاصم، عن سفيان مثل حديث عبد الرحمن بن مهدي وزاد فيه: قالت: فتزوجتُه فشرَّفني اللهُ بأبي زيد، وكرَّمني الله بأبي زيد.
• عن فاطمة بنت قيس قالت: طلَّقني زَوجي ثلاثًا، فلم يجعل لي رسولُ الله ﷺ -
стр. 4069
سُكنى ولا نفقةَ.
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (٥١: ١٤٨٠) عن حسن بن علي الحُلواني، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا حسن بن صالح، عن السدي، عن البهي، عن فاطمة بنت قيس فذكرته.
• عن فاطمة بنت قيس، عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثًا قال: "ليس لها سُكنى ولا نفقةَ".
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (٤٤/ ١٤٨٠) من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس فذكرته.
وفي معناه ما رُوي عن ابن عباس قال: حدّثتْني فاطمةُ بنت قيس: أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سُكنى ولا نفقة.
رواه أحمد (٢٧٣٣٠) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٦٢) والصغير (٣٨١) من طرق عن عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا الحجاج بن أرطاة قال: حدثنا عطاء، عن ابن عباس فذكره. والحجاج ضعيف.
وقال الدارقطني في "العلل" (١٥/ ٣٧٤): ورواه عمرو بن دينار عن عطاء، عن فاطمة بنت قيس، ولم يذكر فيه ابن عباس. وهو أشبه بالصواب.
وأما ما رُوي بزيادة قول النبي ﷺ : "إنما الفقةُ والسُّكنى للمرأة إذا كان لزوجِها عليها الرجعةُ" فهي ضعيفة.
رواه عامر الشعبي عن فاطمة بنت قيس.
وعنه رواه اثنان:
أحدهما سعيد بن يزيد الأحمسي، قال: حدثنا الشعبي ومن طريقه رواه النسائي (٣٤٠٣).
والثاني: مجالد قال: حدثنا عامر، قال: قدمت المدينة فأتيتُ فاطمة بنت قيس فذكر الحديث بطوله، ومن طريقه رواه أحمد (٢٧١٠٠).
وخالفهما جميع أصحاب عامر الشعبي فلم يذكروا هذه الزيادة في حديثهم، ومن هؤلاء ذكرهم مسلم وهم: سيار، وحصين، ومغيرة، وأشعث، ومجالد، وإسماعيل بن أبي خالد، وداود، كلهم عن الشعبي قال: دخلتُ على فاطمة بنت قيس فسألتُها عن قضاء رسول الله ﷺ عليها، فقالت: طلَّقها زوجها البتة. فقالت: فخاصمته إلى رسولِ الله ﷺ في السُّكنى والنفقةِ. قالت: فلم يجعل لها سكنى ولا نفقة.
والعمل عند فقهاء أهل الحديث على حديث فاطمة بنت قيس قالوا: ليس للمطلَّقة سُكنى ولا نفقة إذا لم يملك زوجُها الرجعةَ، وهم: أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود الظاهري، وكثير من السلف. وهو مذهب علي، وابن عباس، وجابر، وفاطمة بنت قيس صاحبة القصة، وكانت تناظر عليه.
وذهب أبو حنيفة، وأكثرُ أهل العراق إلى أن لها السُّكنى والنفقة.
стр. 4070
وهو مذهب عمر، وعبد الله بن مسعود.
وقال مالك، والشافعي: أن لها السُّكنى دون النفقة. وهو مذهب عائشة وفقهاء المدينة السبعة.
قال الشافعي: إنما جعلنا لها السُّكنى بكتاب الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
كذا قال ﵀ مع أن السُّكني تستلزِمُ النفقةَ، فإن قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] يستلزم السُّكنى والنفقة معا.
٧ - باب من أنكر على فاطمة بنت قيس وقال: إن المبتونة لها النفقةُ والسُّكنى
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧].
• عن عروة قال: تزوج يحيى بن سعيد بن العاص بنتَ عبد الرحمن بن الحكم، فطلّقها، فأخرجَها من عنده، فعاب ذلك عليهم عروة. فقالوا: إن فاطمة قد خرجتْ. قال عروة: فأتيت عائشة فأخبرتها بذلك، فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث.
متفق عليه: رواه مسلم في الطلاق (٥٢/ ١٤٨١)، عن أبي كُريب، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، حدثني أبي قال: فذكره.
ورواه البخاري في الطلاق (٥٣٢٤، ٥٣٢٦) من طريق سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال: قال عروة بن الزبير لعائشة فذكره بنحوه.
قال البخاري: وزاد ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عابتْ عائشة أشدَّ العيب وقالت: إن فاطمةَ كانت في مكان وحشٍ مُخيف على ناحيتها فلذلك أرْخصَ لها النبي ﷺ .
قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٧٩): "وصله أبو داود من طريق ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد".
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
قال ابن عباس: أن تبدو على أهلها، فإذا بذتْ عليهم فقد حل لهم إخراجَها. ذكره البيهقي (٧/ ٤٣١).
• عن عائشة قالت: ما لفاطمة - ألا تتقي الله يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة.
متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٣٢٣) ومسلم في الطلاق (٥٤: ١٤٨١) كلاهما من حديث شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
• عن القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، أنه سَمِعَهما يذكُران، أن يحيى بن
стр. 4071
سعيد بن العاص طلّق ابنة عبد الرحمن بن الحكم البتة. فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم. فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان بن الحكم، وهو يومئذ أمير المدينة. فقالت: اتقِ الله واردد المرأة إلى بيتها. فقال مروان، في حديث سليمان: إن عبد الرحمن غلبني. وقال مروان، في حديث القاسم: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ فقالت عائشة: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة. فقال مروان: إن كان بك الشرُّ، فحسبُك ما بين هذَين من الشر.
صحيح: رواه مالك في الطلاق (٣٦) عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد به، فذكره. ورواه البخاري في الطلاق (٥٣٢١، ٥٣٢٢) من طريق مالك، به، مثله.
ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة كما يقال من شرٍّ كان في لسانها، فيكفيك ما بين يحيى بن سعيد بن العاص وبين امرأته من الشر.
• عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، فحدَّث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ لم يجعلْ لها سُكنى ولا نفقةَ، ثم أخذ الأسود كفًّا من حصى فحصبه به، فقال: ويلك! تحدث بمثل هذا؟ ! قال عمر: لا نترك كتابَ الله، وسنةَ نبيه ﷺ لقول امرأةٍ لا ندري لعلَّها حفظتْ أو نسيتْ، لها السكنى والنفقةُ. قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
صحيح: رواه مسلم (٤٦: ١٤٨٠) عن محمد بن عمرو بن جبلة، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عمار بن رُزَيق، عن أبي إسحاق، به، فذكره.
وما ورد في بعض كتب الفقهاء، والطحاوي في شرحه (٢/ ٣٩) "لعلها كذبتْ" فهو شاذ، غلط فيه الراوي، والصحيح كما في صحيح مسلم "لعلها حفظت أو نسيت".
• عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس قالت: طلّقني زوجي فأردت النقلةَ، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فقال: "انتقِلي إلى بيت ابن عمك عمرو بن أم مكتوم، فاعتدي فيه" فحصبه الأسود وقال: ويلك لم تُفتي بمثل هذا؟ قال عمر: إن جئتِ بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله ﷺ ، وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
صحيح: رواه النسائي (٣٥٤٩) والدارقطني ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٣١) كلهم من حديث عمار بن رُزيق، عن أبي إسحاق، عن الشعبي فذكره.
إنكار عمر بن الخطاب على فاطمة بنت قيس مبنيٌّ على موقفِه من السنة النبوية بأنه كان يحتاط
стр. 4072
في قبولها، ولذا كان يطلب من يشهد له، لا أنه كان منكرا لها.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله هذا لم يصح كما نقل أبو داود عن الإمام أحمد في مسائل أحمد (ص ١٨٤).
فلعله أراد ما ورد من طريق إبراهيم النخعي عن عمر لكونه لم يلقه كما قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ٣٩٧) وهو يريد ما رواه الترمذي (١١٨٠) من طريق مغيرة، عن الشعبي قال: قالت فاطمة بنت قيس طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "لا سكنى لك ولا نفقة".
قال مغيرة: فذكرته لإبراهيم فقال: قال عمر: لا ندع كتاب الله، وسنة نبيه لقول امرأة لا ندري أحفِظتْ أم نَسيتْ، وكان عمر يجعل لها السكنى والنفقة.
٨ - باب ما جاء في النفقة والسكنى للمطلقة طلاقا رجعيا أو كانت حاملا
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١].
وقال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
• عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها. وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فقالا لها: والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملًا. فأتت النبي ﷺ فذكرت له قولهما، فقال: "لا نفقه لك" فاستأذنته في الانتقال فأذن لها.
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (٤١: ١٤٨٠) من طرق عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فذكره.
وفي آخره قال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبيني وبينكم القرآن. قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي شيء يحدث بعد الثلاث، فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا؟ فعلام تحبونها؟
٩ - باب في خروج المعتدة من بينها للحاجة
• عن جابر بن عبد الله قال: طُلِّقت خالتي، فأرادت أن تُجِدَّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبيَّ ﷺ فقال: "بلي فجُدّي نخلَكِ، فإنك عسى أن تصدَّقِي أو
стр. 4073
تفعَلي معروفًا".
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (١٤٨٣)، من طرق عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره.
• عن فاطمة بنت قيس قالت: قلت: يا رسول الله، زوجي طلَّقني ثلاثا، وأخاف أن يُقْتَحم عليّ. قال: فأمرها فتحوّلتْ.
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (١٤٨٢) عن محمد بن المثني، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا هشام، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس، فذكرته.
وفاطمة بنت قيس، هي قرشية فهرية، كانت من المهاجرات الأول، وكانت ذات جمال وعقل، وفي بيتها اجتمع أهل الشورى لما قُيل عمر، وقد خطبها أبو جهم بن هشام ومعاوية بن أبي سفيان فقال النبي ﷺ : فانكحي أسامة بن زيد"، فكرهته، ثم رضيت به، فجعل الله في ذلك خيرًا كثيرًا.
• عن عائشة قالت: إن فاطمة كانت في مسكن وحش، فخيف عليها، فلذلك أرْخص لها رسولُ الله ﷺ .
حسن: رواه أبو داود (٢٢٩٢) وابن ماجه (٢٠٣٢) كلاهما من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: دخلتُ على مروان، فقلت له: امرأة من أهلك طلّقت، فمررتُ عليها، وهي تنتقل. فقالت: أمرتْنا فاطمهُ بنت قيس، وأخبرتْنا أن رسول الله ﷺ أمرها أن تنتقل. فقال مروان: هي أمرتهم بذلك.
قال عروة: فقلت: أما والله! لقد عابتْ ذلك عائشةُ وقالت: إن فاطمة كانت في مسكن فذكرته. هذا لفظ ابن ماجه.
وأما أبو داود فلم يذكر قصة مروان، إنما اكتفى بقوله: لقد عابتْ ذلك عائشةُ أشدَّ العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك رخّص لها رسولُ الله ﷺ .
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
١٠ - باب عدة أم الولد المتوفى عنها سيدها
رُويّ عن عمرو بن العاص أنه قال: لا تفسدوا علينا سنة نبينا: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشرًا.
رواه أبو داود (٢٣٠٨) وابن ماجه (٢٠٨٣) وابن الجارود (٧٦٩) والدارقطني (٣/ ٣٠٩) وابن حبان (٤٣٠٠) والحاكم (٢/ ٢٠٩) كلهم من حديث رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص فذكره.
قال الدارقطني: قبيصة لم يسمع من عمرو بن العاص".
стр. 4074
وقال ابن المنذر: "ضعّف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص" وقال الميموني: "رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا ثم قال: أين سنةُ النبي ﷺ في هؤلاء؟
وقال: "أربعة أشهر وعشرا إنما هي عدة الحرة من النكاح".
وقال: "وإنما هذه أمة خرجت من الرق إلى الحرية، ويلزم من قال بهذا أن يورثها. وليس القول من قال: تعتد بثلاث حيض وجه، وإنما تعتد بذلك المطلقة، وليست هذه مطلقة، ولا في معنى المطلقة، وأما قياسُهم إياها على الزوجات فلا يصح، لأن هذه ليست زوجة، ولا في حكم الزوجة، ولا مطلقة، ولا في حكم المطلقة". انظر المغني (١١/ ٢٦٤).
١١ - باب عدة الأمة
رُوِيَ عن عائشة قالت: أُمرتْ بريدةُ أن تعتد بثلاث حيض.
رواه ابن ماجه (٢٠٧٧) عن علي بن محمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة فذكرته.
رجاله ثقات غير شيخ ابن ماجه علي بن محمد وهو أبو الحسن الطنافسي أو القرشي الهاشمي تُكلِّم فيهما.
وفي الباب أحاديث أخرى لا تصح انظر التحقيق لابن الجوزي (٤/ ٤٢٧) ونصب الراية (٣/ ٢٢٦) وإنما فيه أقوال الصحابة والتابعين.
ذهب كثير من التابعين ومن بعدهم منهم: الحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن المسيب وابن قسيط إلى أن الأمة إذا مات عنها زوجُها اعتدت شهرين وخمسة أيام أي نصف الحرة.
ذكره ابن أبي شيبة (١٩٢١٥ - ١٩٢١٩).
• * *
стр. 4075
٣٠ - كتاب الرضاعة
١ - باب النساء اللاتي يحرم نكاحهن بالنسب والمصاهرة
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣].
قال ابن عباس: "حرُمَ من النسب سبعٌ، ومن الصهر سبعٌ، ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ".
صحيح: رواه البخاري في النكاح (٥١٠٥) قال: قال لنا أحمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن سعيد (هو القطان)، عن سفيان (هو الثوري)، حدثني حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
فائدة: في قول البخاري: "قال لنا أحمد بن حنبل" قال الحافظ: "هذا فيما قيل أخذه المصنّف عن الإمام أحمد في المذاكرة أو الإجازة، والذي ظهر لي بالاستقراء أنه إنما استعمل هذه الصيغة في الموقوفات، وربما استعملها فيما فيه قصور ما عن شرطه".
• عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة".
صحيح: رواه مالك في الرضاع (١٦) عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار وعن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته.
وغلِطَ يحيى في قوله: "وعن" أي بزيادة الواو - ولم يتابعه أحد من رواة الموطأ عليه. وفي سائر الروايات "عن سليمان، عن عروة" بدون زيادة "الواو". قاله ابن عبد البر.
قلت: وهو كما قال، كذا رواه أبو داود (٢٠٥٥) عن عبد الله بن مسلمة والترمذي (١١٤٧) من رواية يحيى بن سعيد ومعن، وكذا النسائي (٣٣٠٠) وأحمد (٢٤١٧٠) من حديث يحيى بن سعيد وحده، كل هؤلاء عن مالك بإسناده بدون زيادة الواو.
وإسناده صحيح. وصحّحه ابن حبان (٤٢٢٣) ورواه من حديث أحمد بن أبي بكر، عن مالك بإسناده. وسيأتي لفظ هذا الحديث في باب لبن الفحل.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب
стр. 4076
النبي ﷺ وغيرهم، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا.
٢ - باب في تحريم ابنة الأخ من الرضاعة
عن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: يا رسول الله! انكح أختي بنت أبي سفيان. فقال: "أوتحبين ذلك؟ ". فقلت: نعم، لست لك بمخْلية. وأحب من شاركني في خيرٍ أُختي. فقال النبي ﷺ : "إن ذلك لا يحل لي" قلت: فإنا نُحدِّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: "بنت أم سلمة؟ " قلت: نعم، فقال: "لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّتْ لي. إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثُويبة. فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن".
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥١٠١) ومسلم في الرضاعة (١٩: ١٤٤٩) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته، أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها فذكرتها واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم نحوه.
وفي الآثار الأخرى أن ثُويبة أرضعتِ النبي ﷺ وحمزةَ وأبا سلمة فصار هؤلاء إخوة من الرضاعة وهي الآتية.
• عن ابن عباس قال: قيل للنبي ﷺ ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة".
وزاد في رواية: "وإنه يَحرُم من الرضاعة ما يَحرُم من النَّسب".
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥١٠٠)، ومسلم في الرضاع (١٣: ١٤٤٧) كلاهما من طريق شعبة، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، فذكره. واللفظ للبخاري.
والرواية الأخرى لمسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به.
• عن علي قال: قلت: يا رسول الله، ما لك تَنَوَّقُ في قريش وتدعُنا؟ فقال "وعندكم شيء؟ " قلت: نعم، بنتُ حمزة. فقال رسول الله ﷺ : "إنها لا تَحِلُّ لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة".
صحيح: رواه مسلم في الرضاع (١٤٤٦) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن سعد بن عيبدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي، فذكره.
قوله: "تنوَّقُ" أي تختار وتبالغ في الاختيار من قريش، وتدعنا يعني بني هاشم. وضبط بعضهم بتاءين مثناتين الثانية مضمومة: "تتُوق" من التوق وهو الشوق والميل.
وفي معناه ما رُويَ عن علي بن أبي طالب قال: قلت لرسول الله ﷺ ألا أدلك على أجمل فتاة في قريش؟ قال: "ومن هي؟ " قلت: ابنة حمزة. قال: "أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة، إن
стр. 4077
الله حرَّم من الرضاع ما حرَّم من النسب" إلا أنه ضعيف.
رواه أحمد (١٠٩٦) والبزار - كشف الأستار - (٥٢٥) وأبو يعلى (٣٨١) واختصره الترمذي (١١٤٦) كلهم من حديث علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل علي بن زيد - وهو ابن جدعان ضعيف باتفاق أهل العلم. ومع هذا قال الترمذي: "حديث على صحيح" وفي نسخة "حسن صحيح"، ولعله صحّحه من أجل أسانيده الأخرى التي تُقوّيه.
• عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: قيل لرسول الله ﷺ : أين أنت يا رسول الله، عن ابنة حمزة؟ أو قيل: ألا تخطب بنتَ حمزة بن عبد المطلب؟ قال: "إن حمزة أخي من الرضاعة".
صحيح: رواه مسلم في الرضاع (١٤٤٨) من طريق ابن وهب، أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت عبد الله بن مسلم يقول: سمعت محمد بن مسلم يقول: سمعت حميد بن عبد الرحمن يقول: سمعت أم سلمة تقول: فذكرته.
٣ - باب في لبن الفحل
• عن عائشة أم المؤمنين قالت: جاء عمي من الرضاعة يستأذن عليّ، فأبيتُ أن آذن له عليّ، حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك. فجاء رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك. فقال: "إنه عمك فأذني له" قالت: فقلت: يا رسول الله، إنما أرْضَعتْني المرأةُ ولم يُرضِعْني الرجل. فقال: "إنه عمك فليَلِج عليك".
قالت عائشة: وذلك بعد ما ضرب علينا الحجاب.
وقالت عائشة: يَحرُم من الرضاعة ما يَحرُم من الولادة.
متفق عليه: رواه مالك في الرضاع (٢) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: فذكرته.
ورواه البخاري في النكاح (٥٢٣٩) من طريق مالك، به، مثله. ورواه مسلم في الرضاع (٧: ١٤٤٥) من طريق ابن نمير، عن هشام، به، مثله إلى قوله: "فلْيلج عليكِ".
• عن عائشة أم المؤمنين، أنها أخبرتْ، أن أفلح أخا أبي القُعَيْس، جاء يستأذن عليها - وهو عمها من الرضاعة - بعد أن أنزل الحجاب. قالت: فأبيتُ أن آذن له عليَّ. فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعتُ، فأمرني أن آذن له عليَّ.
متفق عليه: رواه مالك في الرضاع (٣) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم
стр. 4078
المؤمنين، فذكرته.
ورواه البخاري في النكاح (٥١٠٣)، ومسلم في الرضاع (٣: ١٤٤٥) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
• عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ كان عندها، وأنها سمعتْ صوت رجل يستأذنُ في بيت حفصة. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، هذا رجلٌ يستأذن في بيتك. فقال رسول الله ﷺ : "أراه فلانا". لعمٍّ لحفصةَ من الرضاعة. فقالت عائشة: يا رسول الله، لو كان فلان حيا - لعمِّها من الرضاعة - دخل عليّ؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، إن الرضاعة تُحرِّم ما تُحرِّم الولادة".
متفق عليه: رواه مالك في الرضاع (١) عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة أم المؤمنين أخبرتها، فذكرته.
ورواه البخاري في الشهادات (٢٦٤٦)، ومسلم في الرضاع (١: ١٤٤٤) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
قال الترمذي (١١٤٨) عقب حديث عائشة الأول: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. كرهوا لبن الفحل، والأصل في هذا حديث عائشة. وقد رخص بعض أهل العلم في لبن الفحل. والقول الأول أصح.
وقد سئل ابن عباس عن رجل له جاريتان. أرضعت إحداهما جارية، والأخرى غلامًا. أن يحل للغلام أن يتزوج بالجارية فقال: لا، اللقاح واحد.
ذكره مالك، ومن طريقه الترمذي (١١٤٩) وإسناده صحيح.
قال الترمذي: "وهذا تفسير لبن الفحل، وهذا الأصل في هذا الباب. وهو قول أحمد وإسحاق".
وكذلك ممن كان يحرِّمُ بلبن الفحل: مالك، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأحناف، وغيرهم، وممّن رخّص في ذلك سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والنخعي، والقاسم بن محمد، وأبو قلابة.
وقال القاسم بن محمد: كان يدخل على عائشة من أرضعه بنات أبي بكر، ولا يدخل عليها من أرضع نساء بني أبي بكر.
ورُويَ عن ابن عمر أنه قال: "لا بأس بلبن الفحل" ذكره ابن المنذر في "الأوسط" (٨/ ٥٦٣ - ٥٦٥) وقال: "وبالقول الأول أقول، وذلك لثبوت الأخبار عن النبي ﷺ الدالة على ذلك".
٤ - باب ما جاء أن الرضعات المحرِّمة هي الخمسُ للصغير دون الحولين
• عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان فيما أُنزل من القرآن - عشرُ رضعات
стр. 4079
معلوماتٍ يحرِّمْنَ، ثم نُسِخْنَ بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهو فيما يقرأ من القرآن.
صحيح: رواه مالك في الرضاع (١٧) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: فذكرته.
ورواه مسلم في الرضاع (٢٤: ١٤٥٢) من طريق مالك، به، مثله.
قولها: "فتوفّيَ رسولُ الله ﷺ وهو فيما يقرأ من القرآن".
وقد اعتُرِض على حديث عائشة بأنها لم تنقل هذا الخبر نَقْلَ الحديث، وإنما نقلتْه نقلَ القرآنِ، والقرآنُ إنما يثبت بالتواتر، فأجيب عليه بأن المسألة ذو شقين:
أحدهما: كونه من القرآن.
والثاني: وجوب العمل به.
أما الأون: فكونه من القرآن فإنه لم يثبت ذلك، ولو ثبت لجازت قراءته في الصلاة.
وأما الثاني: وهو وجوب العمل به، فإن انتفاء الأحكام لعدم التواتر، لم يلزم انتفاءَ العمل به، فإنه يكفي فيه الظن. وقد احتج كلٌّ من الأئمة الأربعة به في مواضع. فاحتج الشافعي وأحمد في هذا الموضع، واحتج أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" انظر للمزيد: زاد المعاد (٥/ ٥٧٣).
وقال النووي: معناه أن النسخَ خمسُ رضعاتٍ تأخر إنزالُه حتى توفي رسول الله ﷺ . وبعض الناس يقرأ "عشر رضعات". ويجعلها قرأنًا متلوًا لكونه لم يبلغه النسخُ لقرب عهده. فلما بلغه النسخُ بعد ذلك رجعوا عن ذلك. وأجمعوا على أن هذا لا يُتْلَى.
والنسخُ ثلاثة أنواع: أحدها: ما نُسِخَ حكمُه وتلاوتُه كعشر رضعات.
والثاني: ما نُسِختْ تلاوتُه دون حكمِه كخمس رضعات، وكالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما.
والثالث: ما نُسِخَ حكمُه، وبقيت تلاوتُه. وهذا هو الأكثر ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآية. انتهى.
وهذا مما نسخ رسمُه كما ذكره ابن الجوزي في نواسخ القرآن (ص ١١٨).
وأما ما روي عن عائشة قالت: لقد نزلت آيةُ الرجم، ورضاعةُ الكبير عشرًا. ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله ﷺ وتشاغَلنا بموته، دخل داجن فأكلها. فهو منكر.
والداجن هو الشاة التي تؤلف في البيوت ولا تخرج إلى المرعى.
رواه ابن ماجه (١٩٤٤) وأحمد (٣٦٣١٦) وابن الجوزي في نواسخ القرآن (ص ١١٨) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة. وعبد الرحمن بن
стр. 4080
القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وهذا كله عند ابن ماجة، وعند الإمام أحمد رواية عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة وحدها ولفظه: "لقد أنزلت آيةُ الرجم ورضعاتُ الكبير عشرٌ، فكانت في ورقةٍ تحت سرير بيتيّ، فلمّا اشتكى رسولُ الله ﷺ تشاغلنا بأمره، ودخلت دويبةٌ فأكلتْها".
وعند ابن الجوزي من هذا الطريق وحده وجاء فيه: "ربيبة لنا فأكلتها، تعني الشاة".
ومداره على محمد بن إسحاق هو: ابن يسار أبو بكر المخزومي مولاهم المدنيّ، المؤرخ المعروف، وإمام في المغازي وهو حسن الحديث إذا صرَّح، ولكن إذا تفرّد في الأحكام فأهل العلم لا يقبلون تفرده، فكيف يُقبل قولُه في ذهاب آيةٍ من كتاب الله، ففي القصة نكارة واضحة، لأن هذه الصحيفةَ التي أكلها الداجن إن كانت تشمل أيةً من القرآن، ولم ينسخها الله تعالى فكانت محفوظة في قلب النَّبِيّ ﷺ وفي قلوب أصحابه لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وحيث أنها لا توجد في القرآن، فدل على بطلان هذه القصة، وإن كان ظاهر إسناده حسن؛ لأن محمد بن إسحاق مدلِّس، ولكنه صرَّح بالتحديث غير أنه لا يقبل تفرده كما قال الذّهبيّ في "الميزان"، ولذا أنكر ابن حزم القصة بشدة، وجعلها مكذوبة.
انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تُحرّمُ المصَّةُ والمصَّتان".
صحيح: رواه مسلم في الرضاع (١٤٥٠) من طريق أيوب، عن ابن أبي مُليكة، عن عبد الله بن الزُّبير، عن عائشة قالت: فذكرته.
• عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، ورأيتُ الغضبَ في وجهه، قالت: فقلت: يا رسول الله، إنه أخي من الرضاعة. قالت: فقال: "انظرنَ إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعةُ من المجاعة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥١٠٢)، ومسلم في الرضاع (١٤٥٠) من طريق أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق. قال: قالت عائشة: فذكرته، والسياق لمسلم.
قوله: "فإنما الرضاعة من المجاعة": أي أن الرضاعة التي تَثبتُ بها الحرمةُ، وتَحِلُّ بها الخلوةُ هي حيث يكون الرضيعُ طفلا، ويكون اللبنُ هو غذاءَه، ويسد به جوعُه، ويكون هذا الإرضاع خلال السنتين الأوّليين من عمر الرضيع لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] وعليه يدل حديث أم سلمة.
وأبو الشعثاء هو: سُليم بن أسود المحاربي والد أشعث، روى عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة كما رُوي عن عائشة أيضًا بدون الواسطة كما في الحديث الآتي.
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تُحَرِّمُ الخطفةُ والخطفتان".
стр. 4081
صحيح: رواه النسائيّ (٣٣١١) عن محمد بن عبد الله بن بَزيع، - بالباء المفتوحة والزاء المكسورة - قال ثنا يزيد - يعني ابن زريع -، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: كتبنا إلى إبراهيم بن يزيد النخعي نسأله عن الرضاع. فكتب أن شُريحًا حَدَّثَنَا أن عليًّا وابنَ مسعود كانا يقولان: يحرمُ من الرضاع قليلُه وكثيرُه. وكان في كتابه: أن أبا الشعثاء المحاربيّ، ثنا، أن عائشة حدّثته أن نبي الله ﷺ قال: فذكرته. وإسناده صحيح.
• عن عبد الله بن الزُّبير أن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا يُحرِّم من الرضاعة المصَّةُ والمصتان". صحيح: رواه النسائيّ (٣٣٠٩) وأحمد (١٦١١٠) وعبد الرزّاق (٧/ ٤٦٩) والبيهقي (٧/ ٤٥٤) والمروزي في السنة (٢٧٩، ٢٨٠، ٢٨٣) كلّهم من طرق عن عروة بن الزُّبير، عن أخيه عبد الله بن الزُّبير فذكره.
وإسناده صحيح. وقد أدرك عبد الله بن الزُّبير النَّبِيّ ﷺ وهو ابن تسع سنين كما قال الشافعي وفي كلام الشافعي إشارة إلى صحة رواية عبد الله بن الزُّبير، وقد أشار أيضًا ابن حبَّان إلى هذا فقال: "لستُ أنكر أن يكون ابن الزُّبير سمع هذا الخبر عن النَّبِيّ ﷺ فمرة أدى ما سمع، وأخرى رُوي عن عائشة، وهذا شيء مستفيض في الصّحابة".
وقال البيهقيّ بعد أن نقل قول الشافعي: "وهو كما قال، إِلَّا أن ابن الزُّبير إنّما أخذ هذا الحديث عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ "، السنن الكبري (٧/ ٤٥٤).
وهو كما قال: فقد سبق تخريج مسلم له من طريق ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزُّبير، عن عائشة.
وقد رواه أيضًا البيهقيّ من طريق محمد بن إسحاق، نا أبو عبيد، نا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن الزُّبير، عن عائشة.
وأمّا ما رواه محمد بن دينار الطاحيّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزُّبير، عن الزُّبير فزاد فيه "الزُّبير" فهو خطأ.
رواه ابن حبَّان في صحيحه (٤٢٢٦) من طريقه، وقد نبَّه البخاريّ في "العلل الكبير" (١/ ٤٥٤) على أنه أخطأ فيه محمد بن دينار فزاد في الإسناد "الزُّبير" وكذا قال الترمذيّ في سننه (١١٥٠) عند تخريج حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزُّبير، عن عائشة.
• عن عبد الله بن الزُّبير أن رسول الله ﷺ قال: "لا رضاع إِلَّا ما فتقَ الأمعاءَ".
حسن: رواه ابن ماجة (١٩٤٦) عن حرملة بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عبد الله بن الزُّبير فذكره.
وإسناده حسن من اجل ابن لهيعة، وفيه كلام معروف، إِلَّا رواية العبادلة عنه أعدل من غيرهم، وهذا منها.
• عن أم الفضل قالت: دخل أعرابي على نبي الله ﷺ وهو في بيتي. فقال:
стр. 4082
يا نبي الله! إني كانتْ لي امرأةٌ فتزوجتُ عليها أخرى. فزعمت امرأتي الأوّلى أنها أرضعتْ امرأتي الحُدْثَى رضعةً أو رضعتين. فقال نبي الله ﷺ : "لا تُحرِّم الإملاجةُ والإملاجتان".
صحيح: رواه مسلم في الرضاع (١٨: ١٤٥١) من طريق المعتمر بن سليمان عن أيوب، يحدث عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل فذكرته.
وفي رواية: "لا تُحرم الرضعةُ أو الرضعتان، أو المصةُ أو المصتان".
وفي رواية: "والرضعتان والمصتان".
وفي رواية: "هل تُحرم الرضعة الواحدة"، قال: "لا".
قوله: "الإملاجة" هي المصة، يقال: ملج الصبيُّ أمه إذا رضعها. وأملجتْه أمُّه أي أرضعتْه.
• عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يُحرِّمُ من الرضاعة إِلَّا ما فتقَ الأمعاءَ في الثديّ، وكان قبل الفِطام".
صحيح: رواه الترمذيّ (١١٥٢) والنسائي في الكبرى (٥٤٤١) كلاهما عن قُتَيبة، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة فذكرته.
إسناده صحيح، وصحّحه أيضًا ابن حبَّان (٤٢٢٤) ورواه من وجه آخر عن أبي عوانة مختصرًا.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ ﷺ وغيرهم، أن الرضاعة لا تُحرِّم إِلَّا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يُحرِّم شيئًا".
وفاطمة بنت المنذر بن الزُّبير بن العوّام هي امرأة هشام بن عروة، ولكن اختلف على هشام بن عروة فرواه عنه أبو عوانة هكذا مرفوعًا، وخالفه وهيب وهو - ابن خالد بن عجلان - فرواه عن هشام بإسناده موقوفًا على أم سلمة. رواه إسحاق بن راهويه (٤/ ١٧٥) عن المخزوميّ، نا وهيب به.
وكذا خالفه يحيى القطان، فرواه عن هشام، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن أم سلمة موقوفًا.
ذكره الدَّارقطنيّ في "العلل" (١٥/ ٢٥٥) وقال: "قول يحيى أشبه".
قلت: هشام بن عروة له شيخان: أحدُهما: فاطمة بنت المنذر زوجته وهي رواية أبي عوانة المرفوعة وهي أشبه بالصواب لأنها من روايته عن زوجته. ولكن يعكره ما رواه وهيب بن خالد وهو ثقة أيضًا - موقوفًا.
فلعل فاطمة بنت المنذر تروي مرة مرفوعًا، وأخرى موقوفًا. والحكم للزيادة.
وأعله ابن حزم في "المحلى" (١١/ ٢٠٢) بالانقطاع بين فاطمة بنت المنذر - وبين أم سلمة فقال: وُلدتْ فاطمة سنة (٤٨ هـ) وماتت أم سلمة سنة (٥٩ هـ).
стр. 4083
قلت: هذه العلة غير قادحة؛ فإن فاطمة كان عمرها (١١ سنة) وهي كانت بالمدينة فلقاءهما ممكن.
وأمّا رواية يحيى القطان ففيه يحيى بن عبد الرحمن لم أعرف من هو؟ وفي الإسناد أيضًا انقطاع فلا يعتمد عليه.
وقد صحح هذا الحديث أيضًا الحاكم، وابن القيم، وسكت عليه الحافظ في الفتح بعد أن نقل حكم الترمذيّ بأنه: حسن صحيح.
وقوله: "فتق الأمعاء" أي شقَّها، ودخل فيها بحيث صار غذاء للولد.
وقوله: "في الثدي" أي في زمن الثدي.
قال الحافظ ابن القيم في زاده (٥/ ٥٨٠): "وهذه لغة معروفة عند العرب، فإن العرب يقولون: فلان مات في الثدي، أي: في زمن الرضاع قبل الفطام، ومنه الحديث المشهور: "إن إبراهيم مات في الثدي، وإن له مُرْضِعًا في الجنّة تُتِمُّ رضاعَه" يعني إبراهيم ابنه صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: وأكد ذلك بقوله: "لا رضاعَ إِلَّا ما فتقَ الأمعاءَ، وكان في الثدي قبل الفِطام".
وفي الباب ما رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رضاعَ إِلَّا ما كان في الحولين".
رواه الدَّارقطنيّ (٤/ ١٧٤) والبيهقي (٧/ ٤٦٢) كلاهما من حديث أبي الوليد بن برد الأنطاكيّ، نا الهشم بن جميل، نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس فذكره.
قال الدَّارقطنيّ: "لم يُسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ".
ونقل البيهقيّ عن ابن عدي أنه قال: "هذا يعرف بالهيثم بن جميل، عن ابن عيينة مسندًا، وغير الهيثم يُوقِف على ابن عباس".
قلت: وهو كما قال: فقد رواه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة موقوفًا.
والهيثم بن جميل وإن كان ثقة حافظا كما قال الدارقطنيّ، إِلَّا أنه وهم في رفع هذا الحديث، والصحيح وقفه على ابن عباس.
وفي معناه ما رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحرّم من الرضاعة المصّةُ والمصّتان، ولا يحرّمُ منه إِلَّا ما فتقَ الأمعاء".
رواه البزّار - كشف الأستار - (١٤٤٤)، والبيهقي (٧/ ٤٥٥) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن عقبة، عن حجَّاج بن حجَّاج، عن أبي هريرة فذكره.
قال البزّار: "لا نعلمه بهذا اللّفظ إِلَّا بهذا الإسناد، وحجاج بن حجَّاج رُوي عن أبيه وأبي هريرة، وروى عنه عروة وهو معروف".
وقال البيهقيّ: "ورواه الزهري وهشام عن عروة موقوفًا على أبي هريرة بعض معناه.
وقد رُويَ من أوجه أخرى أضعف من هذا.
ومنها: ما ذكره أبو حاتم في "العلل" (١/ ٤١٧) فإنه ذكره من طريق ابن لهيعة، عن عيسى بن
стр. 4084
عبد الرحمن الزرقيّ، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، أو أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وقال: "هذا حديث باطل، وعبسي هذا أبو عباد لا أعرف له حديثًا صحيحًا.
وقال ابن عدي: "يروي المناكير عن الزهري".
فقه الحديث: يستفاد من أحاديث الباب أن خمس رضعات فما فوقها هي المحرمة، وبه قال أحمد والشافعي وإسحاق ومعظم أهل الحديث.
قال الإمام أحمد: "إن ذهب ذاهب إلى قول عائشة في خمس رضعات فهو مذهب قوي".
والمراد بالخمس الرضعات هنا: خمس مصّات، فإذا مصَّ الطفلُ ثدي المرأة، ثمّ تركهـ باختياره فهذه رضعة واحدة، ثمّ عاد إليه، فهذه رضعة ثانية، ثمّ عاد إلى المص، ثمّ تركه للتنفس، أو للانتقال إلى ثدي آخر، فهذه ثالثة، وهكذا الرابعة والخامسة أيضًا، وليس المراد منه كما يَفْهم بعضُ الناس أن الشبع في فترةٍ واحدةٍ تُعتبر رضعةٌ واحدةٌ، ولو مصر خمس مرات أو أكثر، فعلي قولهم يجب أن يشبع خمس مرات، ولو كثر عدد الرضعات، وإنما الصَّحيح هو عدد المصات لا عدد الشبعات.
وبه أفتتِ اللجنةُ الدائمةُ للفتوى للمملكة العربية السعودية، وقالت اللجنة: "ولو وصل اللبن إلى جوف الطفل بغير الإرضاع، كأن يُقطر في فمه، أو يشربه في إناء ونحوه، فحكمه حكم الرضاع بشرط أن يحصل من ذلك خمس مرات. ولو لم يحصل الشبع في بعض المرات حُسبتْ رضعة، وهكذا حتَّى تتم خمسُ رضعات، فإذا نقص ولو رضعة واحدةٌ فإنها لا تُحرِّم".
وقالت اللجنة: "وسواء ارتضع من الثدي، أو شربه في إناء خمس جرعات".
وقالت اللجنة: "وإن حصل الشك في عدد الرضعات هل هي خمس أو أقل؟ فالأصل عدم الرضاع، فلا يحرم". انتهى.
والقول الثاني: إن رضعةً واحدةً تُحرِّم بظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وبه قال أبو حنيفة ومالك، وتركا لذلك الأحاديثَ الصحيحةَ بحجة إنها زيادة على القرآن.
والقول الثالث: لا تُحرّمه أقل من ثلاث رضعات لقول النَّبِيّ ﷺ : "لا تحرِّمُ المصة والمصتان". وبه قال داود الظاهري.
والصحيح هو القول الأوّل لوجود أدلة صحيحة واضحة من السنة الصحيحة، وهي ليست زائدة على القرآن، بل هي مُخصّصة لمطلقه مثل أحكام الصّلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها. وبالله التوفيق.
٥ - باب ما جاء في رَضاعة الكبير
• عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس - وكان ممن شهد بدرًا
стр. 4085
مع النَّبِيّ ﷺ تبنّى سالمًا، وأنكحَه بنتَ أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأةٍ من الأنصار، كما تبنّى النَّبِيّ ﷺ زيدًا، وكان من تبنّى رجلًا في الجاهليّة دعاء الناس إليه، وورث من ميراثه، حتَّى أنزل الله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فردوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلم له أب كان مولى وأخًا في الدين، فجاءتْ سهلةُ بنت سُهيل بن عمرو القرشيّ، ثمّ السامريّ، - وهو امرأة أبي حذيفة بن عتبة - إلى النَّبِيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله! إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، وقد أنزل الله فيه ما قد علمت" فذكرت الحديث.
صحيح: رواه البخاريّ في النكاح (٥٠٨٨) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزّهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزُّبير، عن عائشة فذكرته.
هكذا قال البخاريّ يعني: فذكر الحديث وفيه إشارة إلى اختصار الحديث.
ورواه أيضًا في كتاب المغازي (٤٠٠٠) من حديث عقيل، عن ابن شهاب بإسناده واختصره أيضًا. ولم يكمله. وهذا يحتاج إلى التأمل هل البخاريّ ما كان يرى رضاعة الكبير؟ فحذف بقية القصة عمدًا؟ وكان يرى أنها من خصوصية سالم كغيره من العلماء.
وتمام الحديث عند أبي داود (٢٠٦١) من طريق يونس، عن ابن شهاب، حَدَّثَنِي عروة بن الزُّبير، عن عائشة وأم سلمة وجاء فيه: "فقال لها النَّبِيّ ﷺ : "أرضعيه" فأرضعتْه خمس رضعات. فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة. فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أخواتها، وينات إخوتها أن يُرضِعن من أحبتْ عائشةُ أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيرًا، خمس رضعات ثمّ يدخل عليها، وأبتْ أم سلمة وسائرُ أزواج النَّبِيّ ﷺ أن يُدخلنَ عليهن بتلك الرضاعة أحدًا من الناس حتَّى يُرْضَع في المهد. وقلنا لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النَّبِيّ ﷺ لسالم دون الناس.
وذكره مالك أيضًا القصة الكاملة وهي:
• عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزُّبير، أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وكان قد شهد بدرًا. وكان تبنّي سالمًا الذي يقال له: سالم مولى أبي حذيفة، كما تبنّى رسولُ الله ﷺ زيدَ بن حارثة، وأنكح أبو حذيفة سالمًا، وهو يرى أنه ابنه، أنكحه بنتَ أخيه فاطمةَ بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهي يومئذ من المهاجرات الأُوَل. وهي من أفضل أيامي قريش. فلمّا أنزل الله في كتابه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] رُدَّ كلُّ واحدٍ من أولئك إلى أبيه، فإن لم يُعلم أبوه رُدَّ إلى مولاه. فجاءت سهلة بنت سُهيل وهي امرأة أبي حذيفة، وهي من بني عامر بن لؤي - إلى رسول الله
стр. 4086
صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! كنا نرى سالمًا ولدًا وكان يدخل عليَّ، وأنا فُضُلٌ وليس لنا إِلَّا بيت واحد. فماذا ترى في شأنه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أرضِعيه خمسَ رضعات فيَحرُمُ بلبنها" وكانت تراه ابنا من الرضاعة. فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين. فيمن كانت تُحب أن يدخل عليها من الرجال. فكانت تأمر أختَها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق. وبنات أخيها أن يُرضعنَ من أحبتْ أن يدخل عليها من الرجال. وأبى سائرُ أزواج النَّبِيّ ﷺ أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس. وقلن: لا، ما نرى الذي أمر به رسول الله ﷺ إِلَّا رخصة من رسول الله ﷺ في رضاعة سالم وحده. لا، والله، لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد.
فعلى هذا كان أزواج النَّبِيّ ﷺ في رضاعة الكبير بأنه خاص بسالم.
صحيح: رواه مالك في الرضاع (١٢) عن ابن شهاب، أنه سئل عن رضاعة الكبير، فقال: أخبرني عروة بن الزُّبير، به. هكذا رواه يحيى، عن مالك مرسلًا.
ورواه عبد الرزّاق (١٣٨٨٦) موصولًا عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن أبا حُذيفة بن عتبة بن ربيعة - وكان بدريا - فذكره.
وكذلك رواه عثمان بن عمر، عن مالك موصولًا بذكر عائشة. ذكره ابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ٢٥) وإسناده صحيح.
وقول سهلة بنت سهيل: "يدخل عليّ وأنا فُضُل".
قال ابن عبد البر: "معنى الحديث عندي أنه كان يدخل عليها، وهي متكشفة بعضها، مثل الشعر، واليد، والوجه".
وقال في صفة إرضاع الكبير هو أن يُحلَب له اللبن ويسقاه.
قال: وأمّا أن تلقمه المرأة ثديها كما نصنع بالطفل فلا، لأن ذلك لا يحل عند جماعة العلماء. انتهى.
• عن عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سهيل النَّبِيَّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم - وهو حليفُه - فقال النَّبِيّ ﷺ : "أرضِعِيه" قالت: وكيف أُرضعه وهو رجل كبير؟ ! فتبسَّم رسول الله ﷺ وقال: "قد علمتُ أنه رجل كبير".
وفي رواية: "أرْضِعيه تحرُمي عليه، ويذهبُ الذي في نفس أبي حذيفة" فرجعت فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة.
صحيح: رواه مسلم في الرضاع (١٤٥٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
стр. 4087
والرّواية الثانية رواها من طريق عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة.
قال: فمكثت سنة، أو قريبًا منها، لا أحدث به، وهِبْته، ثمّ لقيت القاسم فقلت له: لقد حدّثتني حديثًا ما حدثتُه بعد. قال: فما هو؟ فأخبرته، قال: فحدِّثه عني أن عائشة أخبرتْنيه.
وأمّا ما رواه حمّاد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن سهلة نفسها، فهو خطأ. أخطأ فيه حمّاد بن سلمة، والصحيح أنه سقط فيه "عن عائشة" كما في رواية سفيان عند مسلم.
وحديث حمّاد بن سلمة رواه أحمد (٢٧٠٠٥) عن يونس بن محمد، قال: حَدَّثَنَا حمّاد بن سلمة، فذكره.
• عن عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! إن سالمًا يُدعى لأبي حذيفة، ويأوي معه، ويدخل عليّ فيراني فُضُلًا. ونحن في منزل ضيِّق. وقال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] فقال: "أرْضِعيه تحرُمي عليه".
صحيح: رواه عبد الرزّاق (١٣٨٨٥) عن معمر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
قال الزهري: "قالت بعض أزواج النَّبِيّ ﷺ : لا ندري لعل هذه كانت رخصة لسالم خاصة.
وقال الزهري: "وكانت عائشةُ تُفتي بأنه يُحرّم الرضاع بعد الفصال حتَّى ماتت".
وقولها: "فُضُل" أي مبتذلة وهي المرأة إذا لبستْ ثيابَ مهنتِها.
• عن زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفعُ الذي ما أحب أن يدخل عليّ. قال: فقالت عائشة: أما لك في رسول الله ﷺ أسوة؟ قالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله! إن سالمًا يدخل عليّ وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء. فقال رسول الله ﷺ : "أرْضِعيه حتَّى يدخلَ عليكِ".
صحيح: رواه مسلم في الرضاع (٢٩: ١٤٥٣) عن محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة، قالت: فذكرته.
• عن أم سلمة زوج النَّبِيّ ﷺ أنها كانت تقول: أبي سائرُ أزواج النَّبِيّ ﷺ أن يُدخِلْنَ عليهن أحدًا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذه إِلَّا رخصة أرْخَصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحدٌ بهذه الرضاعة، ولا رائينا.
صحيح: رواه مسلم في الرضاع (١٤٠٤) عن عبد الملك بن شعيب بن اللّيث، حَدَّثَنِي أبيّ، عن جدّي، حَدَّثَنِي عقيل بن خالد، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، أن
стр. 4088
أمه زينب بنت أبي سلمة أخبرته، أن أمّها أم سلمة زوج النَّبِيّ ﷺ كانت تقول: فذكرته.
وقول عائشة في الحديث السابق: "أما لكِ في رسول الله ﷺ أسوة" فيه إشارة إلى أنها ترى أن رضاعَة الكبير تُحرِّم، بخلاف سائر أمهات المؤمنين وجمهور الصّحابة والتابعين.
فكانت عائشة تأمر أختها أمَّ كلثوم بنت أبي بكر، وبنات أخيها أن يُرضعن من أحبتْ أن يدخل عليها من الرجال.
وقد أمرت أم كلثوم أن تُرضع سالم بن عبد الله بن عمر، ولم يقل بقولها إِلَّا عطاء والليث.
وأمّا الصّحابة فلم يوافق عليها أحدٌ.
وقد روى مالك في الرضاع (١٤) عن عبد الله بن دينار أنه قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، وأنا معه عند دار القضاء، يسأله عن رضاعة الكبير. فقال عبد الله: جاء رجل إلى عمر بن الخطّاب فقال: إني كانت لي وئيدة، وكنت أطؤها، فعمدتْ امرأتي إليها فأرضعتْها. فدخلتُ عليها. فقالت: دونك فقد والله أرضعتُها، فقال عمر: أوجِعها. وأتِ جاريتَك، فإنما الرضاعة رضاعةُ الصغير.
ورواه عبد الرزّاق (٧/ ٤٦٢) عن معمر، عن الزّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر أن امرأة أرضعتْ جاريةٌ لزوجِها لتحرمها عليه، فأتى عمر فذكر ذلك له، فقال: عزمتُ عليك لما رجعتَ فأوجعتَ ظهر امرأتك، وواقعتَ جاريتك.
ورواه مالك أيضًا عن يحيى بن سعيد أن رجلًا سأل أبا موسى الأشعري فقال: إني مصصتُ من امرأتي من ثديها لبنًا، فذهب في بطني، فقال أبو موسى: لا أراها إِلَّا قد حرُمَتْ عليك. فقال عبد الله بن مسعود: انظر ماذا تُفتي به الرّجل. فقال أبو موسى: ماذا تقول أنت؟ فقال عبد الله بن مسعود: لا رضاعة إِلَّا ما كان من الحولين.
فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحَبْرُ بين أظهركم.
وكذلك رواه أبو داود (٢٠٥٩) عن عبد السّلام بن مطهّر، أن سليمان بن المغيرة حدثهم، عن أبي موسى، عن أبيه، عن ابن لعبد الله بن مسعود عن ابن مسعود قال: "لا رضاع إِلَّا ما شدَّ العظم، وأنبتَ اللحم" موقوفًا، ولكن فيه أبو موسى وهو الهلاليّ، وأبوه لا يُعرفان.
وروى عبد الرزّاق (٧/ ٤٦٣) عن الثوريّ، عن أبي حصين، عن أبي عطية الوادعي قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إنها كانت معي امرأتي، فحبس لبنها في ثديها فجعلت أمصه ثمّ أمجه، فأتيتُ أبا موسى فسألته فقال: حرمت عليك. قال: فقام، وقمنا معه حتَّى انتهى إلى أبي موسى، فقال: ما أفتيت هذا؟ فأخبره بالذي أفتاه. فقال ابن مسعود: وأخذ بيد الرّجل. أرضيعًا ترى هذا؟ إنّما الرضاع ما أنبت اللحم والدم. فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبرُ بين أظهركم.
وقد رُوي مرفوعًا، ولا يصح وهو ما رواه أبو داود (٢٠٦٠) وأحمد (٤١١٤) والبيهقي (٧/ ٤٦١) كلّهم من حديث وكيع، حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلاليّ، عن أبيه أن
стр. 4089
رجلًا كان في سفر، فولدتْ امرأته، فاحتبس لبنُها، فجعل يمصُّه ويمجُّه، فدخل حلْقَه، فأتى أبا موسى فقال: حرُمتْ عليك. قال: فأتى ابن مسعود فسأله فقال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إِلَّا ما أنبت اللحم، وأنشر العظْم" وفيه مع الجهالة انقطاع فإن أبا موسى الهلالي لم يدرك عبد الله بن مسعود، كما وقع فيه اضطراب فإن البعض زاد فيه عن ابن لعبد الله بن مسعود.
وقوله: "ما أنشر العظم" أي زاد في حجمه، فنشزه، وفي رواية: "أنشر" بالراء ومعناه شد العظم وقواه. والإنشاء بمعنى الأحياء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢].
ومعناه أن الرضاعة التي تقع بها الحرمةُ هي ما كان في الصغر، والرضيعُ طفل يقوتُه اللبنُ ويسد جوعه، وأمّا ما كان منه بعد ذلك في الحال التي لا يسد جوعه اللبنُ، ولا يُشبعه إِلَّا الخبزُ واللحم، وما في معناهما من الثقل فلا حرمة له. أفاده الخطّابي.
قال ابن المنذر في الأوسط (٨/ ٥٥٨): "وأكثر أهل العلم غير قائلين بقصة سالم هذا، يحتجون في هذا بظاهر كتاب الله، وبالأخبار الثابتة عن نبي الله ﷺ ، وبأخبار أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو قول عوام أهل العلم من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وغيرهم".
وقال: وأمّا ما احتجوا به من كتاب الله فقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] فجعل الله تعالى تمام الرضاع حولين، ودلّ ذلك على أن لا حكم لما أرضعتْه المولود بعد الحولين. وثبتَت الأخبار عن رسول الله ﷺ بأن الرضاعة من المجاعة ثمّ ذكر هذه الأخبار.
قلت: وعائشة أم المؤمنين كانت تروي كما ثبت في الصحيحين: "إنما الرضاعة من المجاعة"، ثمّ خالفت فأجازت رضاعة الكبير، فليس لنا إِلَّا أن نأخذ بما روت، ونجعل رأيها يخص بها لسبب من الأسباب. وقد نقل بعض أهل العلم أنها رجعت عن رأيها قبل موتها - والله أعلم - ولكن قال الزهري: وكانت عائشة تفتي بأنه يُحَرّمُ الرضاعُ بعد الفصال حتَّى ماتت كما سبق، فلعل رجوعها خفى على الزهري. فلا ينبغي إحداث قول جديد بتحريم رضاع الكبير بحجة المصلحة والحاجة، وهل يتصور رضاع الكبير بدون المصلحة والحاجة، فما الفائدة من قول النَّبِيّ ﷺ : "إنما الرضاعة من المجاعة".
٦ - باب شهادة المُرضِعة
• عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء. فقالت: أرضعتُكما. فأتيتُ النَّبِيَّ ﷺ فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إني قد أرضعتُكما، وهي كاذبة، فأعرض، فأتيتُه من قبل وجهه، قلت: إنها كاذبة، قال: "كيف بها وقد زعمتْ أنها قد أرضعتْكما دعْها عنك".
صحيح: رواه البخاريّ في النكاح (٥١٠٤) عن عليّ بن عبد الله، حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم،
стр. 4090
أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة. قال: حَدَّثَنِي عبيد بن أبي مريم، عن عقبة بن الحارث قال: وقد سمعته من عقبة، لكني لحديث عبيد أحفظ قال: فذكر الحديث.
وفي الصَّحيح أيضًا (٨٨) من وجه آخر عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، أنه تزوّج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعتُ عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة. فسأله فقال رسول الله ﷺ : "كيف وقد قيل" ففارقها عقبة، ونكحتْ زوجًا غيره.
وفيه دلالة واضحة بأن عبد الله بن أبي مليكة سمع هذا الحديث من عقبة بن الحارث، كما سمعه أيضًا من عيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث. وكان لحديث عبيد أحفظ كما قال.
وعبيد بن أبي مريم مكي ما له في الصَّحيح سوى هذا الحديث كما قال الحافظ في "الفتح" والعمدة فيه على سماع ابن أبي مليكة من عقبة بن الحارث نفسه.
وفي الحديث دليل على قبول شهادة المُرضِعة على رَضاع. وبه يقول أحمد وإسحاق. وهو قول ابن عباس، وطاوس، والزهريّ، والأوزاعيّ، وغيرهم وقالوا: إذا كانت مرضيّة، وتُستحلَف مع شهادتِها.
ورُوي عن عمر بن الخطّاب أنه أتي في امرأة شهدتْ على رجل وامرأته أنها أرضعهما فقال: لا، حتَّى يشهد رجلان، أو رجل وامرأتان.
رواه سعيد بن منصور (٩٩٢)، ومن طريقه البيهقيّ (٧/ ٤٦٣) عن هُشيم، أنا ابن أبي ليلى والحجاج، عن عكرمة بن خالد المخزوميّ، أن عمر بن الخطّاب فذكره إِلَّا أنه مرسل، فإن عكرمة بن خالد لم يسمع من عمر بن الخطّاب كما قال الإمام أحمد.
وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وزاد الشافعي: أنه لا بأس بقبول شهادة أربع نسوة وهو قول عطاء وقتادة والشعبي.
٧ - باب ما روي في الرضخ عند الفصال
رُوي عن حجَّاج بن حجَّاج، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! ما يذهب عني مذمة الرضاعة؟ قال: "الغرة: العبد أو الأمة".
رواه أبو داود (٢٠٦٤) والتِّرمذيّ (١١٥٣) والنسائي (٣٣٢٩) وصحّحه ابن حبَّان (٤٢٣٠) كلّهم من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجَّاج بن حجَّاج الأسلميّ، عن أبيه فذكره.
إسناده ضعيف من أجل جهالة حجَّاج بن حجَّاج، وأبوه حجَّاج هو ابن مالك بن عويمر الأسلمي صحابي.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
قلت: ليس بحسن ولا صحيح. فإن فيه حجَّاج بن حجَّاج وهو ابن مالك الأسلمي لم يرو عنه غير عروة، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا فهو في عداد المجهولين.
стр. 4091
وأمّا ابن حبَّان فذكره في كتابه "الثّقات" وأخرج له في صحيحه كعادته في توثيق المجاهيل.
كما أن البيهقيّ (٧/ ٤٦٤) ذكر فيه اضطرابا فقال: كذلك رواه أبو معاوية وعبد الله بن إدريس عن هشام بن عروة. وقيل: عن عروة، عن حجَّاج بن حجَّاج بن مالك، عن النَّبِيّ ﷺ ، وقيل: عنه عن حجَّاج بن أبي الحجاج، عن أبيه، والصواب: الحجاج بن حجَّاج، عن أبيه. قاله البخاريّ، انتهى.
وذكر الترمذيّ أيضًا بعض الاضطراب الذي وقع فيه، وذكر معنى قوله: "يذهب عني مذمة الرضاع" يقول: إنّما يعني به ذِمام الرضاعة وحقها، يقول: إذا أعطيتَ المرضعة عبدًا أو أمة، فقد قضيتَ ذمامَها.
فكأنه سأل النَّبِيّ ﷺ ما يُسقط عني حقَّ المُرضعة حتَّى أكون قد أديتُه كاملًا؟ وكانوا يستحبون أن يُعطوا للمرضِعة عند فصال الصبي شيئًا سوى أجرتها.
و"الغُرة": بضم المعجمة، وتشديد المهملة: هو المملوك.
وأمّا ما رُوي عن عائشة فهو خطأ.
رواه البزّار - كشف الأستار - (١٤٤٥) عن أحمد بن بكار، أبو هاني الباهليّ، عن عثمان بن عفّان الغطفانيّ، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
قال البزّار: "أخطأ فيه عثمان إنّما يرويه هشام، عن أبيه عن حجَّاج بن الحجاج، عن أبيه".
قال الهيثميّ في "المجمع" (٤/ ٢٦٢) رواه البزّار عن أحمد بن بكار الباهلي ولم أعرفه، ويقية رجاله رجال الصَّحيح.
٨ - باب ما جاء في إكرام المُرضعة
رُوي عن أبي الطفيل أن النَّبِيّ ﷺ كان بالجعرانة يقسم لحمًا، وأنا يومئذ غلام أحمل عضوَ البعير قال: فأقبلتْ امرأة بدوية، فلمّا دنت من النَّبِيّ ﷺ بسط لها رداءَه، فجلست عليه. فسألت من هذه؟ قالوا: أمه التي أرضعتْه.
رواه أبو داود (٥١٤٤) والبخاري في الأدب المفرد (١٢٩٥) وابن حبَّان في صحيحه (٤٢٣٢) وأبو يعلى (٩٠٠) والحاكم (٣/ ٦١٨) كلّهم من حديث أبي عاصم الضَّحَّاك بن مخلد، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، قال: حَدَّثَنِي عمارة بن ثوبان، قال: حَدَّثَنِي أبو الطفيل فذكره.
وسقط في إسناد أبي يعلى أبو عاصم الضَّحَّاك، وهو ثابت في إسناد ابن حبَّان فإنه رواه عن أبي يعلى فتنبه. وإسناده ضعيف.
جعفر بن يحيى بن ثوبان، "مجهول" كما قال ابن المدينيّ، وإن كان ابن حبَّان وثَّقه على قاعدته في توثيق المجاهيل، وكذلك شيخُه وعمُّه عمارة بن ثوبان "مجهول" لم يرو عنه غير ابن أخيه جعفر بن يحيى بن ثوبان، ومع ذلك وثَّقه ابن حبَّان على قاعدته في توثيق المجاهيل، وأخرج حديثه في صحيحه، وقال عبد الحق: ليس بالقوي.
стр. 4092
فتعقبه ابن القطان فقال: "مجهول الحال".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عمر بن السائب أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان جالسًا يومًا، فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه، فقعد عليه، ثمّ أقبلت أمه فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الآخر، فجلست عليه، ثمّ أقبل أخوه من الرضاعة، فقام له رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه.
رواه أبو داود (٥١٤٥) عن أحمد بن سعيد الهمدانيّ، حَدَّثَنَا ابن وهب، قال: حَدَّثَنِي عمرو بن الحارث، أن عمر بن السائب حدَّثه فذكره.
وفيه عمرو بن الحارث بن الضَّحَّاك الزبيدي "مقبول" أي عند المتابعة وعمر بن السائب مات سنة (١٣٤ هـ) ففيه انقطاع.
• * *
стр. 4093
٣١ - كتاب القضاء
جموع ما جاء في أدب القاضي
١ - باب العدل في القضاء
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
وقال لنبيه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
• عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يومَ لا ظلَّ إِلَّا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل ذكر الله في خلاء، ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق في المسجد، ورجلان تحابا في الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمالٍ إلى نفسها، قال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتَّى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحدود (٦٨٠٦)، ومسلم في الزّكاة (٩١: ١٠٣١) كلاهما من طريق عبيد الله بن عمر، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمينٌ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولُوا".
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٢٧) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، فذكره.
• عن عياض بن حمار المجاشعي أن نبي الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته فذكر الحديث: قال: "أهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم
стр. 4094
رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال ... " فذكر الحديث.
صحيح: رواه مسلم في كتاب الجنّة (٢٨٦٥) من طرق عن معاذ بن هشام، حَدَّثَنِي أبي، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصّائم حتَّى يُفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتُفتح لها أبوابُ السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٥٩٨)، وابن ماجة (١٧٥٢)، وأبو داود الطيالسي (٢٧٠٧) وصحّحه ابن حبَّان (٣٤٢٨) كلّهم من حديث سعد أبي مجاهد الطائي (قال ابن ماجة: وكان ثقة) عن أبي مدلة (قال ابن ماجة: وكان ثقة) عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن كما قال الترمذيّ من أجل أبي مدلَّة فقد جهّله غير واحد من أهل العلم ولكن كما رأيت وثَّقه ابن ماجة وابن حبَّان وغيرهما فهو لا ينزل على درجة الحسن".
• عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : "يد الله مع القاضي حين يقضي، ويد الله مع القاسم حين يَقسم".
حسن: رواه أحمد (٢٣٥١١) عن عليّ بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، حدَّثه عن عمرو بن الأسود، عن أبي أيوب فذكره.
إسناده حسن من أجل ابن لهيعة فإن فيه ضعفا، ورواية العبادلة عنه أعدل، وهذا منها، وعبد الله هو: ابن المبارك.
وتابعه يحيى بن إسحاق السيلحيني فرواه عن ابن لهيعة بإسناد مثله ومن هذا الطريق رواه أيضًا أحمد والبيهقي (١٠/ ١٣٢).
وقوله: "يد الله مع القاضي": يعني إذا قضى بالعدل.
٢ - باب فضل من أوتي الحكمة فقضى بها
قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
• عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إِلَّا في اثنتين: رجل آتاه اللهُ مالًا، فسلّطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلِّمها".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأحكام (٧١٤١)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٨١٦) كلاهما من طريق إسماعيل، عن قيس، عن عبد الله بن مسعود فذكره.
قال الحافظ: "وفي الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه، وقوي على أعمال الحق، ووجد له أعوانا لما فيه من الأمر بالمعروف ونصر المظلوم، وأداء الحق لمستحقه
стр. 4095
وكف يد الظالم والإصلاح بين الناس، وكلّ ذلك من القربات، ولذلك تولاه الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء الراشدين، ومن ثمّ اتفقوا على أنه من فروض الكفاية؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه". الفتح (١ ٣/ ١٢١).
٣ - باب أن الله مع القاضي العدل، فإذا جار تخلّى عنه
• عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله مع القاضي ما لم يَجُر، فإذا جار تخلى عنه، ولزمه الشّيطان".
حسن: رواه الترمذيّ (١٣٣٠)، وصحّحه ابن حبَّان (٥٠٦٢)، والحاكم (٤/ ٩٣) والبيهقي (١٠/ ٨٨) كلّهم من حديث عمرو بن عاصم قال: حَدَّثَنَا عمران القطان، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، عن عبد الله بن أبي أوفى فذكره. واللّفظ للترمذي واختصره ابن حبَّان.
وقال الترمذيّ: حسن غريب.
ورواه ابن ماجة (٢٣١٦) والبيهقي كلاهما من حديث محمد بن بلال، عن عمران القطان، عن حسين بن عمران المعلم، عن أبي إسحاق الشيباني فذكر الحديث. فزاد في الإسناد: "حسين بن عمران المعلم".
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في عمران وهو ابن دَاوَر - بفتح الواو وبعدها راء - أبو العوام مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وعن سعيد بن المسيب قال: "إن عمر بن الخطّاب اختصم إليه مسلم ويهودي فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضى له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيتَ بالحق، فضربه عمر بن الخطّاب بالدرة ثمّ قال: وما يدريك؟ فقال له اليهودي: إنا نجد أنه ليس قاض يقضي بالحق إِلَّا كان عن يمينه ملك، وعن شماله ملك، يسدّدانه ويوفّقانه للحق ما دام مع الحق، فإذا ترك الحق عرجا وتركاه".
رواه مالك في الأقضية (٢) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب فذكره.
رُوي عن معقل بن يسار المزني قال: أمرني النَّبِيّ ﷺ أن أقضي بين قوم فقلتُ: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله. قال: "الله مع القاضي ما لم يَحِفْ عمدًا".
رواه أحمد (٢٠٣٠٥) والطَّبرانيّ في الكبير (٢٠/ ٥٢٩) وفي الأوسط (٦٥٠٤) كلّهم من حديث نُفيع بن الحارث، عن معقل المزني فذكره.
ونفيع بن الحارث هو أبو داود الأعمى الهمداني الدَّارميّ ضعيف باتفاق أهل العلم، قال ابن حبَّان: يروي عن الثّقات الموضوعات توهما. وقال النسائيّ: متروك الحديث، وضعّفه البخاريّ وأبو حاتم والتِّرمذيّ وغيرهم.
стр. 4096
٤ - باب التغليظ من قبول الرشوة في الحكم
• عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لعنة الله على الراشي والمرتشي".
حسن: رواه أبو داود (٣٨٥٠)، والتِّرمذيّ (١٣٣٧)، وابن ماجة (٢٣١٣)، وأحمد (٦٥٣٢)، وابن الجارود (٥٨٦)، وصحّحه ابن حبَّان (٥٠٧٧)، والحاكم (٤/ ١٠٢ - ١٠٣)، والبيهقي (١٠/ ١٣٨ - ١٣٩) كلّهم من حديث ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: إسناده حسن من أجل الحارث بن عبد الرحمن فإنه حسن الحديث.
• عن أبي هريرة قال: لعن رسولُ الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم.
حسن: رواه الترمذيّ (١٣٣٦)، وأحمد (٩٠٢٣)، وابن الجارود (٥٨٥) وصحّحه ابن حبَّان (٥٠٧٦) والحاكم (٤/ ١٠٣) كلّهم من حديث عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمر بن أبي سلمة الزهري قاضي المدينة مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إِلَّا أنه خالف فيه فجعله من مسند أبي هريرة وجعله الحارث بن عبد الرحمن من مسند عبد الله بن عمرو، فنقل الترمذيّ عن عبد الله بن عبد الرحمن (وهو الدَّارميّ) يقول: "حديث أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ أحسن شيء في هذا الباب وأصح".
إِلَّا أن هذه المخالفة لا تؤثر على صحة حديث أبي هريرة؛ فإن الحارث بن عبد الرحمن القرشي وإن كان أحسن حالا من عمر بن أبي سلمة؛ فإن الابن قد يكون أعلم بحديث أبيه فلا يبعد أن يكون لأبي سلمة نفسه شيخان: عبد الله بن عمرو وأبو هريرة، ولذا حسّن الترمذيّ حديث أبي هريرة وإن كان نقل عن الدَّارميّ تصحيح حديث عبد الله بن عمرو، وكذا صحَّحه أيضًا جماعة من أهل العلم كما يظهر من تخريج حديثه.
وفي الباب ما رُوي عن ثوبان قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش: يعني الذي يمشي بينهما.
رواه أحمد (٢٢٣٩٩) عن الأسود بن عامر، حَدَّثَنَا أبو بكر - يعني ابن عَيَّاش -، عن ليث، عن أبي الخطّاب، عن أبي زرعة، عن ثوبان فذكره.
إسناده ضعيف من أجل ليث هو ابن أبي سليم فإنه سيء الحفظ، وقد اضطرب فيه فأتى فيه بألوان: مرّةً قال هكذا عن أبي زرعة عن ثوبان، وأبو زرعة لم يسمع من ثوبان ففيه إرسال.
وثانيةً: أدخل بينهما أبا إدريس الخولاني.
стр. 4097
وثالثة: عن أبي الخطّاب، عن أبي إدريس، عن ثوبان، وليس فيه ذكر أبي زرعة، وأبو الخطّاب مجهول.
رابعة: عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان كما عند البزّار - كشف الأستار - (١٣٥٣).
وخامسة: عن ليث، عن أبي زرعة، عن ثوبان. عند الحاكم (٤/ ١٠٣) وليس فيه أبو الخطّاب ولا أبو إدريس، وهذا كله يزيد ضعفا إلى ضعَّفه.
وأمّا قوله: "الرائش" فهو منكر لم يذكر إِلَّا في هذا الحديث، وفي الباب أحاديث أخرى كلها معلولة.
وقوله: "الراشي" وهو المعطي، و"المرتشي" وهو الآخذ، وإنما يلحقها العقوبة معا إذا استويا في القصد والإرادة فرشا المعطي لينال به باطلا، ويتوصل به إلى ظلم، وأمّا إذا أعطى ليتوصل به إلى حق، أو يدفع عن نفسه ظلما فإنه غير داخل في هذا الوعيد، ذكره الخطّابي.
٥ - باب الترهيب من تولي القضاء لمن لا يثق بنفسه
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من وليَ القضاء، فقد ذبح بغير سكين".
حسن: رواه أبو داود (٣٥٧١)، والتِّرمذيّ (١٣٢٥)، والدارقطني (٤/ ٢٠٤)، والبيهقي (١٠/ ٩٦) كلّهم من طريق فضيل بن سليمان، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه".
قلت: فُضيل بن سليمان النميري صدوق له خطأ كثير إِلَّا أنه توبع.
رواه النسائيّ في الكبرى (٥٩٢٤)، والحاكم (٤/ ٩١)، والبيهقي (١٠/ ٩٦) كلّهم من طرق عن ابن أبي ذئب، عن عثمان بن محمد الأخنسيّ، عن سعيد المقبريّ به مثله.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وللحديث أسانيد أخرى عن عثمان بن محمد الأخنسيّ، عن سعيد المقبريّ.
رواه أحمد (٨٧٧٧)، وابن ماجة (٢٣٠٨)، والدارقطني (٤/ ٢٠٤) والبيهقي وغيرهم. ومن قال فيه: "سعيد بن المسيب" فقد أخطأ. نبه على ذلك الدَّارقطنيّ في العلل (١٠/ ٤٠٠).
وانظر للمزيد من التخريج: المنة الكبرى (٩/ ٧ - ٨).
٦ - باب في القاضي يخطيء
• عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٣٥٢) ومسلم في الأقضية (١٥: ١٧١٦) كلاهما من طريق يزيد بن عبد الله بن أسامة بن العماد، عن محمد بن إبراهيم بن
стр. 4098
الحارث، عن بُسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص فذكره.
قال يزيد: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو بن حزم فقال: هكذا حَدَّثَنِي أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد".
صحيح: رواه الترمذيّ (١٣٢٦)، والنسائي (٥٣٨١)، وابن الجارود (٩٩٦)، وصحّحه ابن حبَّان (٥٠٦٠)، والدارقطني (٤/ ٢٠٤)، والبيهقي (١٠/ ١١٩) كلّهم من حديث عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن سفيان الثوريّ، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
قال الترمذيّ: "حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث سفيان الثوريّ، عن يحيى بن سعيد إِلَّا من حديث عبد الرزّاق، عن معمر، عن سفيان الثوري".
وقال ابن الجارود: "لا نعلم أحدًا روي هذا الحديث عن الثوري غير معمر".
قلت: لا يضر ذلك فإن معمرا ثقة، وفيه كلام خفيف في روايته عن العراقيين إِلَّا أنه لا يؤثّرُ في صحة الحديث.
• عن بريدة بن الحُصيب عن النَّبِيّ ﷺ قال: "القضاة ثلاثة، واحد في الجنّة، واثنان في النّار، فأما الذي في الجنّة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النّار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النّار".
حسن: رواه أبو داود (٣٥٧٣)، وابن ماجة (٢٣١٥)، والطحاوي في مشكله (٥٥)، والبيهقي (١٠/ ١١٦) كلّهم من حديث خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكره.
قال أبو داود: "هذا أصح شيء فيه" يعني حديث ابن بريدة.
قلت: إسناده حسن من أجل خلف بن خليفة فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وقد توبع لما رواه الترمذيّ (١٣٢٢)، والطحاوي في مشكله (٥٤)، وصحّحه الحاكم (٤/ ٩٠)، والبيهقي (١٠/ ١١٧) كلّهم من حديث شريك، عن الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكر نحوه.
وشريك هو ابن عبد الله النخعي سيء الحفظ، وأنه لم يُخطِئُ فيه لمتابعته.
وللحاكم إسناد آخر رواه عن أبي بكر بن إسحاق، أنبأ محمد بن غالب، ثنا شهاب بن عباد، ثنا عبد الله بن بكير، عن حكيم بن جبير، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه فذكر نحوه.
قال الحاكم: "وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم" وهو يقصد به رواية شريك بن عبد الله
стр. 4099
النخعي. وأمّا هذا الإسناد ففيه حكيم بن جبير الأسدي "ضعيف".
وأمّا ما رُوي عن عقبة بن عامر قال: جاء خصمان إلى رسول الله ﷺ يختصمان فقال لي: "قُمْ يا عقبة! فاقضِ بينهما". قلت: يا رسول الله! أنت أولى بذلك مني. قال: "وإن كان اقض بينهما، فإن اجتهدت فأصبت فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر واحد" فهو ضعيف.
رواه الدَّارقطنيّ (٤/ ٢٠٤) فيه الفرج بن فضالة بن النعمان التنوخي الشّاميّ مختلف فيه غير أن جمهور أئمة الحديث ذهبوا إلى تضعيفه.
ومعنى الاجتهاد من الحاكم إنّما يكون بعد أن لا يكون فيما يريد القضاء فيه كتاب ولا سنة، ولا أمر مجتمع عليه، فأما وشيء من ذلك موجود فلا. الأم (٦/ ٢٠٠).
وكذلك لا يصح ما رُويَ عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ قال: "من طلب قضاء المسلمين حتَّى يناله ثمّ غلب عدلُه جورَه فله الجنّة، ومن غلب جورُه عدلَه فله النّار".
رواه أبو داود (٣٥٧٥) عن عباس العنبريّ، حَدَّثَنَا عمر بن يونس، حَدَّثَنَا ملازم بن عمرو، حَدَّثَنِي موسى بن نجدة، عن جده يزيد بن عبد الرحمن - وهو أبو كثير - حَدَّثَنِي أبو هريرة فذكره.
وموسى بن نجدة الحنفي اليمامي "مجهول" كما قال الحافظ في التقريب.
٧ - باب من ولي القضاء بدون طلب منه
• عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٢٢) ومسلم في الأيمان (١٦٥٢) كلاهما من حديث جرير بن حازم، حَدَّثَنَا الحسن، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن سمرة فذكره.
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكّره، وإن ذكر لم يُعنه".
صحيح: رواه أبو داود (٢٩٣٢) واللّفظ له، والنسائي (٤٢٠٤) وأحمد (٢٤٤١٤) وابن حبَّان (٤٤٩٤) والبيهقي (١٠/ ١١١ - ١١٢) كلّهم من طرق عن القاسم بن محمد، عن عائشة فذكرته.
وفي بعض طرقه ضعف يسير يتقوى بمجيئه من طرق أخرى.
وقد رُوي عن عائشة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين الاثنين في تمرة قط".
رواه أحمد (٢٤٤٦٤) والطَّبرانيّ في الأوسط (٢٦٤٠) وصحّحه ابن حبَّان (٥٠٥٥) والبيهقي (١٠/ ٩٦)
стр. 4100
كلّهم من طرق عن عمرو بن العلاء الشنّي من عبد القيس قال: حَدَّثَنِي صالح بن سرج، حَدَّثَنِي عمران بن حطَّان قال: دخلت على عائشة فذاكرتها حتَّى ذكرنا القاضي فذكرته.
وفيه صالح بن سرج مجهول، لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبَّان في ثقاته (٦/ ٤٦٠) واعتمده الهيثميّ في "المجمع" (٤/ ١٩٢) فحسَّن إسناده.
روي أيضًا عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان قاضيا فقضى بالعدل فبالحري أن ينقلب منه كفافًا".
رواه الترمذيّ (١٣٢٢) عن محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، قال: حَدَّثَنَا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عبد الملك يحدث عن عبد الله بن موهب أن عثمان قال لابن عمر: اذهب فاقضِ بين الناس. قال: أو تُعافيني يا أمير المؤمنين! ، قال: فما تكره من ذلك؟ وقد كان أبو بكر يقضي؟ قال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: فذكر الحديث.
قال الترمذيّ: حديث ابن عمر حديث غريب، وليس إسناده عندي بمتصل".
قلت: لأن عبد الله بن موهب وهو الشّاميّ أبو خالد لم يسمع من عثمان.
قال أبو حاتم كما في العلل (١/ ٤٦٨): "عبد الملك بن أبي جميلة مجهول، وعبد الله هو ابن موهب الرملي على ما أرى وهو عن عثمان مرسل".
وفي الباب ما روي أيضًا عن أنس بن مالك قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من طلب القضاء، واستعان عليه وُكل إليه، ومن لم يطلبه، ولم يستعن عليه أنزل الله ملكًا يسدّده".
رواه أبو داود (٣٥٧٨) والتِّرمذيّ (١٣٢٣) وابن ماجة (٢٣٠٩) والحاكم (٤/ ٩٢) والبيهقي (١٠/ ١٠٠) وأحمد (١٢١٨٤) كلّهم من طرق عن إسرائيل، عن عبد الأعلى الثعلبيّ، عن بلال بن أبي موسى، عن أنس بن مالك فذكره.
وإسناده ضعيف فإن عبد الأعلى الثعلبي ضعيف باتفاق أهل العلم.
وأمّا الحاكم فصحَّحه. وهو تساهل منه كما أنه لا معنى لقول الترمذيّ (١٣٢٤) رواه من حديث أبي عوانة، عن عبد الأعلى الثعلبيّ، عن بلال بن مرداس الفزاريّ، عن خيثمة وهو البصريّ، عن أنس، عن النَّبِيّ ﷺ : "من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وُكل إلى نفسه. ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكًا يسدده" قال: هذا حديث حسن غريب، وهو أصح من حديث إسرائيل، عن عبد الأعلى".
لأن مداره على عبد الأعلى الثعلبيّ، ثمّ هو اضطرب فيه فمرة رواه عن بلال بن مرداس وهو ابن أبي موسى الفزاريّ، عن أنس، وأخرى أدخل بينهما "خيثمة" ومرداس الفزاري نفسه لم يوثقه أحد غير ابن حبَّان، ولذا جعله الحافظ في درجة "مقبول" أي عند المتابعة، ولم يتابع فيكون لين الحديث. وكذلك خيثمة هو ابن أبي خيثمة "لين الحديث" كما في التقريب.
следующие страницы →