وهؤلاء الزنادقةُ مِنْ أتباعِ عبدِ اللَّه بنِ سبأ، وأخبارُ عبدِ اللَّه بنِ سبأ شهيرةٌ في التواريخِ، وهو من غلاةِ الزنادقةِ، وليستْ له روايةٌ في كتبِ الحديثِ. وللَّه الحمد.
قيّض اللَّه رجالا في كل عصرٍ ومصرٍ لحفظ السنة
لقد أراد اللَّه حفظ سنة المصطفى ﷺ ، فقيّض لها في كل عصرٍ ومصر رجالا أتقياء صالحين، أفنوا أعمارهم في جمع السنة وحفظها، فميّزوا الصحيحَ من الضعيفِ، والطيبَ من الخبيثِ، وألَّفوا في ذلك مؤلفات نفيسة في تراجم الرواة وأحوالهم جرحًا وتعديلًا، بلغ عندي أكثر من ثلاثمائة وخمسين كتابًا إلى عصر الحافظ ابن حجر، كما ألَّفوا المسانيد والجوامع والسنن، وأنواعًا أخرى من كتب الحديث، ولم يأت القرن الخامس إلا وكانت سنة رسول اللَّه ﷺ كلها محفوظة في المدونات الكبيرة والصغيرة.
وهنا انتهى دور الرواية الذي عليه مدار صحة الحديث وضعفه، فمن جاء بعده بحديث ليس له أصول صحيحة، فيُنظر إليه بنظرة الغرابة.
ولذا عُدَّ الاشتغالُ بعلم الحديث، وتحقيق معرفة الصحيح من السقيم من أفضل القربات، وأجلّ الطاعات تحقيقًا لقول النبي ﷺ : "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسَّكتم بهما، كتاب اللَّه، وسنّة نبيّه" (١). ولقوله ﷺ : "إني أوتيتُ الكتاب ومثله معه". ولقوله ﷺ : "نضّرَ اللَّهُ امرأً سمع منَّا حديثًا فأدَّاه كما سمعه، فرُبَّ مبلّغٍ أوعي من سامعٍ". وسيأتي تخريجه بالتفصيل في موضعه.
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة اللسان: "فإن خيرَ الأعمالِ الاشتغالُ بالعلم الديني، وأفضلُه وأعظمُه بركةً معرفةُ صحيحِ حديثِ رسولِ اللَّه ﷺ من مدخولِه، ومنقطعِه من موصولِه، وسالِمه من معلولِه، ولما خصّ اللَّهُ هذه الأمةَ المحمديةَ بضبط حديث نبيها بالإسناد المأمون".
وكفا بهم شرفًا أنهم أكثر الناس صلاةً على حَبيبه ﷺ ، والاشتغالُ بسنته الشريفة، وتعظيمُها أعظم مرتبةً.
وقد سُئل الإمامُ أحمد هل اللَّه في الأرض أبدال؟ قال: نعم، قيل: من هم؟ قال: إنْ لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال، فما أعرف للَّه أبدالا.
стр. 37
وسئل أيضًا عن الطائفة التي ورد في الحديث أنها "لا تزالُ منصورةً لا يضرُّها مَنْ خَذَلَها حتى تقومَ الساعةُ".
فقال: إن لم تكن أهل الحديث فلا أدري من هي؟ .
وكان الشافعي يقول: إذا رأيتُ أصحاب الحديث فكأنّي رأيتُ رسول اللَّه ﷺ .
لأن سنته المباركة هي المفتاح لكتاب اللَّه الحكيم، وبها قامت دعائم الإسلام.
لا يُقدم قولُ أحدٍ على قول رسول اللَّه ﷺ -
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩].
أمرَ اللَّهُ المؤمنين أن يعزّروا الرسولَ ﷺ ، والتعزير هو: النصرة مع التعظيم، وأن يوقّروه من التوقير، وهو: الاحترام والإجلال والإعظام.
وفسَّرَ ابن عباس قوله تعالى في سورة الحجرات ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة.
وقوله: "السنة" المراد بها الآن هي السنة الصحيحة، فإن كل حديث صحيح أصل برأسه، معتبر بحكمه في نفسه.
وقد نصَّ العلماء كافة من المحدثين والفقهاء والأصوليين وغيرهم في جميع الأعصار والأمصار على أنه إذا صحَّ قول الرسول ﷺ يجب المصيرُ إليه، كان الشافعي بالعراق يقول لأحمد بن حنبل: "اعلموني بالحديث الصحيح أصير إليه"، وفي رواية: "إذا صحَّ الحديثُ عن رسول اللَّه ﷺ فقولوا حتى أذهب إليه" يعني إذا صحَّ الحديث فلا يُقدّم عليه قولُ غيره كائنا مَنْ كان، وذلك من أعظم تعزيره وتوقيره.
ذكر الأئمة الذين قاموا بتجريد الأحاديث الصحيحة
١ - الإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ) أول من قام بتجريد الصحيح من الجوامع، والموطآت، والمصنفات، والمسانيد، والأجزاء وغيرها التي كانتْ شاملةً الصحيحَ والضعيفَ بجميع أنواع الضعف مثل المرسل والمنقطع والمعضل والمدرج والمقلوب والشاذ، علاوةً على فتاوى الصحابة والتابعين ومن بعدهم، هو: أمير
стр. 38
المؤمنين في الحديث الإمام محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري ﵀ (١٦٤ هـ - ٢٥٦ هـ) الذي انتقي "جامعَه" من ستمائة ألف حديث، إلا أنه لم يستوعب جميعَ الصحاح.
يقول ﵀: "صنفت كتاب الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين اللَّه تعالى".
ويقول أيضًا: "ما أدخلتُ في كتابي الجامع إلا ما صحَّ، وتركت من الصحاح لحال الطول" (١).
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما ترك من الصحيح أكثر".
وعرض كتابه على حافظ زمانه أبي زرعة الرازي فقال: "كتابك كله صحيح إلا ثلاثة أحاديث" (٢).
قال محمد بن حمدويه: "سمعتُ البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.
وقال له وراقه: تحفظ جميع ما أدخلت في المصنف؟ فقال: لا يخفى عليّ جميع ما فيه، وصنّفتُ جميع كتبي ثلاث مرات" (٣) انتهى.
يعني أنه كان يؤلّف الكتاب، ثم يخرجه للناس، ويعرضه على كبار أئمة الحديث، فيجد فيه ملاحظات، فيُعيد الكتابَ مرة ثانية، ثم يُخرجه للناس، ويعرضه على كبار الأئمة، فيجد فيه ملاحظات، فيُعيد النظر، ثم يُخرجه للناس مرة ثالثة، وهذا الذي قاله البخاري تدل عليه الروايات المتعددة للجامع الصحيح، بلغ عددُها أكثر من إحدى عشرة رواية، وأشهرها رواية أبي عبد اللَّه محمد بن يوسف الفربري (٢٣١ - ٣٢٠ هـ) الذي يقول: سمع كتاب الصحيح لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل، ما بقي أحدٌ يرويه غيري".
стр. 39
قلت: هذا حسب علمه، وإلا فقد روى غيره أيضًا مِمّن تأخرتْ وفاتُه عنه.
قال الأمير الحافظ أبو نصر بن ماكولا: آخر من حدّث عن البخاري بالصحيح أبو طلحة منصور بن محمد بن علي البزدي من أهل بزدة، وكان ثقة، توفي سنة (٣٢٩ هـ).
وقال محمد بن طاهر المقدسي: روى صحيحَ البخاري جماعةٌ: منهم: الفربري (ت ٣٢٠ هـ)، وحماد بن شاكر (ت ٣١١ هـ)، وإبراهيم بن معقل النسفي (ت ٢٩٥ هـ) (وبنى عليها الخطابي شرح البخاري)، وطاهر بن محمد بن مخلد النسفي.
وفي هذه الروايات من الزيادة والنقصان، والتقديم والتأخير، وأتمّ الروايات هي رواية الفِربري كما قال الحافظ ابن حجر وغيره.
قلت: هذه الرواية هي المنتشرة في الشرق والغرب، وهي التي وصلت إلى اليونيني البعلبكي الحنبلي (٦٢١ - ٧٠١ هـ).
قال تلميذه أحمد بن عبد الوهاب النويري (ت ٧٣٣ هـ): "اعتني بصحيح البخاري من سائر طرقه، وحرَّرَ نسختَه تحريرًا شافيًا، وجعل لكل طريق إشارةً، وكتب عليه حواشي صحيحةً، وقد نقلتُ صحيح البخاري من أصله مرارًا سبعة، وحرَّرتُه كما حرّرَه، وقابلتُ بأصله وهو أصل سماعي على الحجار ووزيره" (١) اهـ. وهي من أصحّ نسخ صحيح البخاري.
فكان البخاري ﵀ وضع أساسا لجميع الأحاديث الصحيحة، ولكنّه لم يستوعِبْ، فكان الواجب على علماء الإسلام عموما، وعلى علماء الحديث خصوصًا أن يُكَمِّلوا ما بدأ به البخاري ﵀، إلى جانب شرحه، وتهذيبه، والتعليق عليه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ما في الكتب المصنفة المبوّبة كتابٌ أنفعُ من صحيح محمد بن إسماعيل البخاري، لكن هو وحده لا يقوم بأصول العلم، ولا يقوم بتمام المقصود للمتبحّر في أبواب العلم إذْ لا بُدَّ من معرفة أحاديث أُخَر، وكلام أهل الفقه، وأهل العلم في الأمور التي يختصّ بعلمها بعض العلماء" (٢).
стр. 40
قلت: ليس المراد من هذا العدد الذي ذكره الإمام البخاري وما يقال للإمام أحمد، متون الأحاديث، وإنما المقصود منه تكرار الأسانيد، والزيادات الواردة في متن حديث واحد، وأقوال الصحابة والتابعين، كما قال الحافظ البيهقي وغيره (١).
قال الذهبي تعليقا على قول أبي زرعة لعبد اللَّه بن أحمد: "أبوك يحفظ ألف ألف حديث. فقيل له: وما يُدريك؟ قال: ذاكرتُه فأخذتُ عليه الأبواب". قال: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد اللَّه (أحمد بن حنبل)، وكانوا يَعُدُّون في ذلك المكرر، والأثر، وفتوى التابعي، وما فُسِّرَ، ونحو ذلك، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك" (٢).
وكذلك ما نُسِبَ إلى أبي هريرة بأن عدد أحاديثه بلغَ (٥٣٧٤) حديثًا، فإنَّ هذا العدد يحمل على تكرار الأسانيد. انظر للتفصيل كتابي "أبو هريرة في ضوء مروياته" الطبعة الجديدة.
قوله: "وتركت من الصحاح لحال الطول" يشهد لقوله هذا عمل الترمذي في "السنن" و"العلل الكبير"، فإنه كثيرا ما ينقل حكم البخاري على الحديث بالصحة أو الحسن، كما أنه حكم على بعض الأحاديث بالصحة في كتابه "التاريخ الكبير"، وهذه الأحاديث غير موجودة في "صحيح البخاري".
وجميع ما في جامعه من الأحاديث المسندة والمتابعات والمعلقات بالتكرار تسعة آلاف واثنان وثمانون (٩٠٨٢) حديثًا كما قال الحافظ ابن حجر (٣)، والمسند الموصول منها بلا تكرار ألفان وستمائة وحديثان (٢٦٠٢).
٢ - ثم تلاه تلميذه مسلم بن الحجاج القشيري (٢٠٦ هـ -٢٦١ هـ) وهو الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْد بن كوشاذ القشيري النيسابوري.
قال أبو قريش محمد بن جمعة الحافظ: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، والدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخاري، ومسلم بنيسابور (٤).
стр. 41
يقول مسلم: "صنّفتُ هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة".
قال أحمد بن سلمة: "كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة قال: وهو اثنا عشر ألف حديث" (١).
قال الذهبي: "يعني بالمكرر، بحيث إنه إذا قال: حدثنا قتيبة، وأخبرنا ابن رمح يُعَدّان حديثين، اتفق لفظهما أو اختلف في كلمة".
قلت: وهو كما قال: إلا أن العدد الموجود في النسخ المطبوعة (٧٥٦٣) حديثا، ولم يُراع في إحصائها ما أشار إليه الذهبي كما أن مسلمًا عرض كتابَه هذا على أبي زرعة كما قال: "فكلُّ ما أشار عليَّ في هذا الكتاب أن له علّة وسببًا تركتُه، وكل ما قال: إنه صحيح ليس له علّة فهو الذي أخرجتُ".
إلا أنه لم يستوعبْ أيضًا كما قال ﵀: "ليس كل شيءٍ عندي صحيحٍ وضعتُه ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه" (٢).
ولمّا عاتبه أبو زرعة وقال له: أخرجتَ لأسباط بن نصر، وقَطن بن نُسير، وأحمد بن عيسى، وتركتَ ابنَ عجلان، ونظراءَه فقال: "إنما أدخلتُ من حديث أسباط وقَطن وأحمد، ما رواه ثقاتٌ وقع لي بنزولٍ، ووقع لي عن هولاء بارتفاعٍ، فاقتصرتُ عليهم، وأصلُ الحديثِ معروفٌ".
وكان في خُلُقِه حدّة، فانحرف عن شيخه البخاري، ولم يذكر له حديثا، ولا سمّاه في صحيحه، بل افتتح الكتاب بالحَطِّ على من اشترطَ اللُّقيَّ (يعني به ابن المديني والبخاري) لمن روى عنه بصيغة "عن" وادعي الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقّف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبّخَ من اشترط ذلك (٣).
وقد قال الدارقطني: "لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء" (٤).
وأشهر روايات صحيح مسلم في الشرق روايةُ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم.
стр. 42
وروي عن ابن سفيان جماعة أشهرهم أحمد بن محمد بن عيسى الجلودي، وعن الجلودي أبو الحسين عبد الغافر الفارسي، وعن الفارسي محمد بن الفضل الفراوي. وعلى هذه الرواية بنى النووي شرحه.
وأما أهل الغرب فاشتهرتْ عندهم رواية أبي محمد أحمد بن علي القلانسي، عن مسلم.
قال أبو عمرو بن الصلاح: "وأما القلانسي فوقعت روايته عند أهل الغرب ولا رواية له عند غيرهم، دخلت روايته إليه من جهة أبي عبد اللَّه محمد بن يحيى بن الحذاء التميمي القرطبي وغيره، سمعوها بمصر من أبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى ابن عبد الرحمن بن ماهان البغدادي، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر الفقيه على مذهب الشافعي، قال: حدثنا أبو محمد القلانسي، قال: حدثنا مسلم إلا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب، أولها: حديث الإفك الطويل، فإن أبا العلاء بن ماهان كان يروي ذلك عن أبي أحمد الجلودي، عن أبي سفيان، عن مسلم ﵁" (١).
وسمّى كتابَه: "المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن رسول اللَّه ﷺ " ويسمّى بالاختصار: "الجامع الصحيح".
قال أبو عمرو بن الصلاح: رُوينا عن أبي قريش الحافظ قال: كنتُ عند أبي زرعة الرازي، فجاء مسلم بن الحجاج، فسلّم عليه وجلس ساعة، وتذاكرا، فلما قام قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح. قال أبو زرعة: "فلمن ترك الباقي؟ " (٢)
وفي قول أبي زرعة إشارة إلى أن مسلمًا لو استوعب جميع الأحاديث الصحيحة لكان حسنًا.
وعدد أحاديثه في صحيحه بلا تكرار ومتابعات ثلاثة آلاف وواحد وثلاثون حديثا (٣٠٣١) حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ومع التكرار (٧٥٦٣) حديثا كما سبق ذكره.
стр. 43
والمجموع من الكتابين خمسة آلاف وستمائة وثلاثة وثلاثون حديثًا (٥٦٣٣)، وبعد حذف التكرار من الكتابين يصفو لنا ما يقارب أربعة آلاف حديث، وقد بلغ عددُ أحاديث كتاب الحميدي "الجمع بين الصحيحين" ثلاثةَ آلاف وخمسمائة وأربعة وسبعين حديثا (٣٥٧٤).
إن أحاديث الصحيحين كلها صحيحة إلا نذرًا يسيرًا، ويجب العملُ بها إلا ما خُصَّ أو نُسِخَ، لأنهم اشترطا شروطا شديدة في رواة الحديث عُلِمَ بالاستقراء بأنهم على نوعين:
النوع الأول: يشملُ من وُصِفَ بأنه أوثق الناس، أو أنه ثقة ثقة، أو وُصِفَ بأنه ثقة بالإفراد، أو وُصِف بأنه صدوق، أو بأنه لا بأس به، فهؤلاء يُخرج لهم الشيخان في الأصول.
والنوع الثاني: يشملُ من وُصِفَ بأنه صدوق سيء الحفظ، أو مقبول، أو مستور، أو ضعيف خفيف الضعف، فهؤلاء يُخرج لهم الشيخان في المتابعات والشواهد، وأحيانا يخرج لهم مسلم في الأصول.
وأما النوع الثالث: الذي يشملُ من وُصِفَ بأنه شديد الضعف، أو مجهول، أو متروك، أو ساقط، أو متهم، أو كذّاب، فهؤلاء لم يخرج لهم الشيخان أصلا، إلا من اختلفَ فيه فاختارا التعديل لقرائن وأسباب، على أن لا يكون في متنه نكارة.
وبعد توفّر شروطهما تتوفّر فيهما أمران آخران أيضًا، عُلِمَ ذلك بالاستقراء:
أحدهما: أن يكون قد سبق الحكم عليها من الأئمة الذين كانوا قبل الشيخين مثل شيوخهم، وشيوخ شيوخهم إلا نادرًا.
والثاني: أن يكون الحديث معمولا به قبلهما في الديار الإسلامية عموما، وفي الحرمين خصوصا، ولذا لم نجد في الصحيحين أحاديث لم يعمل بها.
٣ - وابن الجارود (ت ٣٠٧ هـ) هو الإمام أبو محمد عبد اللَّه بن علي بن الجارود النيسابوري الحافظ المجاور بمكة.
قال الحافظ الذهبي: صاحب كتاب "المنتقى في السنن" في مجلد واحد في الأحكام، لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدًا إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها
стр. 44
اجتهاد النقاد (١).
بلغ عدد أحاديثه (١١١٤) حديثا، وحقّقه أخونا الفاضل الشيخ أبو إسحاق الحويني الأثري تحقيقا جيدًا.
٤ - وابن خزيمة (ت ٣١١ هـ) وهو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، وصنّف كتابا في الصحيح سمّاه: "المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ "، ثم اختصره فسمّاه "مختصر المختصر"، والجزء الأكبر من الكتاب لا يزال مفقودًا منذ زمن كما نصّ عليه الحافظ في المعجم المفهرس فقال: "عُدِمَ سائرُه". ولم يقف ابن حجر منه إلا على ربع العبادات بكماله، ومواضع متفرقة من غيره كما نصّ عليه في إتحاف المهرة.
وخرج الكتاب بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي عام (١٣٩٩ هـ) في أربعة مجلدات، وبلغ عدد أحاديثه (٣٠٧٩) حديثا، ثم حقّقه الدكتور ماهر ياسين الفحل في عام (١٤٣٠ هـ)، وكتب ذيلا لمختصر المختصر من كتاب "إتحاف المهرة" ومن "صحيح ابن حبان" ما رواه ابن حبان عن شيخه ابن خزيمة، فبلغ عدد أحاديثه (٣٥٧) حديثا.
واسم الكتاب يدلّ على أنه ألّف أولا "المختصر من المسند الصحيح"، ثم اختصره فسمّاه "مختصر المختصر"، يعني أنه لم يلتزم باستيعاب الصحيح.
ومن منهجه أنه لا يحتج إلا بإسناد يكون وحدَه ثابتًا، وفي هذه الحالة يقدّم الإسنادَ على المتن إلا أن يتوقّف أو يعلّق.
وأما الحديث الذي فيه مقال فيُقدّم المتن ثم يُعِلّه ويُبيّن ضعفَه، وهو قد يكون عند غيره صحيحا أو حسنا لشواهده ولاعتبارات أخرى؛ لأن الحديث إذا رُويَ من طريقين مختلفين وليس فيهما منهم فأقلّ أحواله أن يكون حسنا.
٥ - وابن الشرقي (ت ٣٢٥ هـ) هو الإمام الحافظ أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري ابن الشرقي -كان يسكن الجانب الشرقي بنيسابور فنُسِبَ إليه- تلميذ مسلم، ذكره الذهبي (٢)، والتاج السبكي (٣)، وعبارة التاج: "صنّف الصحيح". ووصفه
стр. 45
أبو عبد اللَّه الحاكم فقال: هو واحد عصره حفظا وإتقانا ومعرفة، وقال: سمعت الحسين التميمي، سمعت ابن خزيمة يقول: -ونظر إلى أبي حامد ابن الشرقي فقال-: حياة أبي حامد تَحْجُزُ بين الناس وبين الكذب على رسول اللَّه ﷺ .
يعني أنه يعرفُ الصحيحَ وغيرَه من الموضوعِ. انتهى.
٦ - وابن أصبغ القرطبي (ت ٣٤٠ هـ) هو الإمام أبو محمد قاسم بن الأصبغ، قال الذهبي: "فاته السماع من أبي داود، فصنّف سننًا على وضع سننه، وصحيحُ مسلم فاته أيضًا، فخرج الصحيحَ على هيئته" (١).
واستفاد من تواليفه: ابنُ حزم، وابن عبد البر، وأبو الوليد الباجي وغيرهم، وقال ابن حزم: "وهو خير انتفاء منه" (٢).
ومن مصنفاته كتاب المنتقى، وهو كصحيح مسلم في الصحة.
٧ - وابن السكن (ت ٣٥٣ هـ) هو الإمام الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن المصري البزاز، وأصله بغدادي، قال الذهبي: "جمع وصنّف، وجرّحَ وعدّلَ، وصحّحَ وعلّلَ، ولم نر تواليفه وهي عند المغاربة" (٣).
وقال: كان ابن حزم يُثني على "صحيحه" المنتقى، وفيه غرائب.
وقال الكتاني: "ويسمى" بالصحيح المنتقى"، و"بالسنن الصحاح" المأثورة عن رسول اللَّه ﷺ ، لكنه كتاب محذوف الأسانيد، جعله أبوابا في جميع ما يحتاج إليه من الأحكام، ضمنه ما صح عنده من السنن المأثورة قال: وما ذكرتُه في كتابي هذا مجملا فهو مما أجمعوا على صحته، وما ذكرتُه بعد ذلك مما يختاره أحدٌ من الأئمة الذين سميتهم، فقد بيّنتُ حُجّته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون غيره، وما ذكرته مما ينفرد به أحد من أهل النقل للحديث فقد بيّنتُ علّته، ودلّلتُ على انفراده دون غيره" (٤).
стр. 46
٨ - وابن حبان البُستي (ت ٣٥٤ هـ) هو الإمام محمد بن أحمد بن حبان أبو حاتم التميمي البستي، صنّف المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها.
وبيّن سببَ تأليفه في مقدمة كتابه فقال: "وإني لما رأيتُ الأخبار طرقُها كثرتْ، ومعرفة الناس بالصحيح منها قلّتْ لاشتغالهم بكَتْبَة الموضوعات، وحفظ الخطأ والمقلوبات، حتى صار الخبرُ الصحيحُ مهجورًا لا يُكتب، والمنكر المقلوب عزيزًا يُستغرب، وأن من جمع السنن من الأئمة المرضيين، وتكلم عليها من أهل الفقه والدين، أمعنوا في ذكر الطرق للأخبار، وأكثروا من تكرار المعاد للآثار، قصدا منهم لتحصيل الألفاظ على من رام حفظها من الحفاظ، فكان ذلك سبب اعتماد المتعلم على ما في الكتاب، وترك المقتبس التحصيل للخطاب، فتدبرتُ الصحاحَ لأُسهّل حفظَها على المتعلمين، وأمعنتُ الفكر فيها لئلا يصعب وَعْيُها على المقتبسين، فرأيتها تنقسم خمسة أقسام متساوية متفقة التقسيم غير متنافية" ثم ذكر الأقسام.
ورتّبَ كتابَ ابن حبان الأميرُ علاءُ الدين علي بن بلبان الفارسي الحنفي (ت ٧٣٩ هـ)، وسماه: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" وهو مطبوع بتحقيق شعيب الأرنؤوط. وبلغ عدد أحاديثه (٧٤٩١) حديثا.
٩ - وأبو عبد اللَّه الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) هو: أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن حمدويه النيسابوري، وصفه الذهبي بقوله: "الإمام الحافظ الناقد العلامة شيخ المحدثين، صنّفَ وخرّجَ، وجرَحَ وعدّلَ، وصحّحَ وعلّلَ، وكان من بحور العلم، الحافظ الكبير إمام المحدثين" (١).
ألّفَ "المستدرك"، وهو نوع من التصنيف عند المحدثين وعَرّفوه: بأن يُخرّج فيه صاحبه أحاديثَ على شرط صاحب الكتاب الأصلي الذي لم يُخْرجه.
إلا أن كتابه المستدرك كان موضع النقد من أهل العلم لتساهله، فإنه صحّحَ فيه الأحاديث الضعيفة، بل المنكرة والموضوعة كما قال الذهبي في تلخيص المستدرك، كما أنه وقع في تناقض، فذكر رجلا في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك
стр. 47
الرواية عنهم، ومنع الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركهـ وصحّحها.
قلت: ولعل السبب في ذلك أنه بدأ تصنيف هذا الكتاب في آخر عمره كما هو الظاهر من المجلد الثالث (ص ١٥٦) فلم يتمكن من مراجعة الكتاب.
ومع تساهله فإني التزمتُ بذكر حكمه على الإسناد، والتعقيب عليه عند اللزوم إلا أني لم ألتزم بالردّ عليه إذا صحّح الإسناد وهو حسن، لأن الحاكم لا يفرّق بين الصحيح والحسن، وإنما ذكرت حكمي على الإسناد استقلالًا، لا استدراكًا، كما أني لم ألتزم بالتعقيب على الحاكم في قوله: صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما، وخاصة إذا قال: على شرط البخاري، والبخاري أخرج له في صحيحه تعليقا، أو أخرج له في كتبه الأخرى كالأدب المفرد وغيره.
وأحيانا أعقّبه إذا لم يكن الراوي ممن أخرج له البخاري مطلقا في أي كتاب من كتبه.
١٠ - ضياء الدين المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) هو الحافظ ضياء الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المقدسي الدمشقي الحنبلي، وسماه: "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين"، ويسمى بالاختصار: "المختارة"، وقد فضّل العلماء كتابه على مستدرك الحاكم فقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "تصحيح الحافظ أبي عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاره خير من تصحيح الحاكم، فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب، عند من يعرف الحديث" (١).
وقال الحافظ ابن كثير: "وكتاب المختارة فيه علوم حسنة حديثية، وهي أجود من مستدرك الحاكم لو كمل" (٢).
إلا أن الحافظ ضياء المقدسي صحّح أحاديث وفي أسانيدها رجال مجهولون وضعفاء.
قال الحافظ ابن عبد الهادي في أثناء كلامه على الأحاديث الواردة في الإمامة: وفي المختارة أحاديث كثيرة ضعيفة.
стр. 48
وفي "الجامع الكامل" عدد من الأحاديث من المختارة وهي ضعيفة، وبيّنتُ ضعفها.
هولاء أئمة الحديث بذلوا جهدًا عظيمًا في جمع الأحاديث الصحيحة في ديوان واحد، إلا أن العلماء لم يتلقّوا كتبهم بالقبول ما عدا الصحيحين: البخاري ومسلم، لما في مناهجهم من تساهل، ثم لم أجدْ أحدًا من هولاء من اشترط استقصاء الصحيح.
أهم أسباب عدم استقصاء الأحاديث الصحيحة
١ - من أهم أسباب عدم الاستقصاء أنهم اقتصروا على مسموعاتهم؛ فإن عصرهم كان عصر الرواية، فلم يخرّجوا في مؤلفاتهم ما لم يسمعوا من شيوخهم، ولو كان معروفا عند غيرهم بإسناد صحيح، ومثاله في صحيح مسلم (١). أنه يقول: حُدّثتُ عن أبي أسامة، -وهو من شيوخه- إلا أنه لم يسمع منه، وإنما سمعه ممن روى عنه، وهو إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة إلى آخر الحديث.
٢ - ومنها: أنهم قصدوا الاختصارَ مع شمول الموضوعات التي يحتاج إليها المسلم.
٣ - ومنها: من اقتصر على أحاديث الأحكام.
محاولة أبي داود لاستقصاء الأحاديث الصحيحة في الأحكام
قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة (ص ٦٨): "ولا أعرفُ أحدًا جمعَ على الاستقصاء غيري". كما أنه ادعى: فإنْ ذُكرَ لك عن النبي ﷺ سنةٌ ليس مما خرّجتهُ فاعلمْ أنه حديث واهٍ".
إلا أنه لم يستطع أن يجمع أكثر من أربعة آلاف وثمانمائة حديث فقط، وفاته شيء لا بأس به، كما أنه اقتصر على السنن والأحكام، ولم يذكر أحاديث الزهد والفضائل كما قال.
طلب كثير من الناس عن كتاب شامل للأحاديث الصحيحة
وقد سئلت كثيرا من مختلف الفئات، فقالوا: إنكم تقولون: إن السنة حجة في
стр. 49
الدين، فهل عندكم كتاب جامعٌ شاملٌ نرجع إليه لمعرفة أقوال النبي ﷺ ونحن مطمئنون بصحتها؟
فلما رأيتُ كلَّ ذلك شعرتُ بأهمية تأليف كتاب يجمع الصحِّاح والحِسان والجياد من الأحاديث المسندة المرفوعة المتفرقة في دواوين السنة، فاستخرت اللَّه ، وطلبتُ منه العونَ والتوفيقَ، وشمّرتُ عن ساعد الجِدّ لإِكمال هذا المشروع المبارك، أرجو من ورائه النفعَ والخيرَ الكثيرين للأمة الإسلامية.
الأحاديث الصحيحة كلها محفوظة
أقول -وباللَّه التوفيق-: إن السنة الصحيحة كلها محفوظة بحفظ اللَّه تعالى لها، ثم بجهود علماء الحديث الأتقياء الصالحين، ولكنها لم تكن مجتمعة عند شخص واحد، وإنما كانت مفرقة عند أفراد الأمة كما قال به كثير من أهل العلم.
قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "لا نعلم رجلًا جمع السننَ فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع عِلْم عامة أهل العلم بها أتي على السنن، وإذا فَرَّق عِلْم كلِّ واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيره" (١).
لأن الأحاديث لم تكن مدوّنة كلها في عصره، وإنما كانت نُتلقّى من أفواه الرجال، وهم متفرقون في البلدان، ولو كان الشافعي ﵀ وجد كتابًا في أحكام السنن أكبر من "الموطأ" لحفظه مضافا إلى ما تلقاه من أفواه مشائخه.
ولما طلب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور من مالك ﵀ أن يضعَ للناس كتبا وقال له: "جَنِّبْ فيها شدائدَ عبد اللَّه بن عمر، ورُخَص ابن عباس، وشواذّ ابن مسعود، وأقصد أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأمة والصحابة، ولئنْ بقيتُ لأكتبنّ كتبك بماء الذهب، فأحمِلُ الناسَ عليها".
فقال مالك: "يا أمير المؤمنين! لا تفعلْ هذا؛ فإن الناسَ قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا له من اختلاف أصحاب رسول اللَّه ﷺ وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديدٌ، فدعِ الناسَ وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم" فقال: العمري
стр. 50
لو طاوعْتَني على ذلك لأمرتُ به" (١).
ومات أبو جعفر المنصور عام (١٥٨ هـ) قبل أن يفرغ الإمام مالك من كتابة الموطأ.
إتمام تدوين الأحاديث النبوية في القرن الخامس
قول الشافعي هذا له أهمية كبيرة في بيان حفظ السنة النبوية، فقد كانت السنة النبوية متفرقة عند علماء الأمة، وهم متفرقون في البلدان، ومن الصعب لشخصٍ واحدٍ أن يرحل إلى جميع هذه المدن والقرى لسماع الحديث وتدوينه، إما لمشقّة السفر، وإما لقلة المال، قال الإمام أحمد: "لو كان عندي خمسون درهمًا لخرجتُ إلى جرير إلى الريّ" (٢).
فكان العلماء في الصدر الأول معذورين في ترك الحديث الصحيح لعدم الوقوف عليه، لأن الأحاديث لم تكن كلها مدونة، وإنما لا يزال بعضها يتلقى من أفواه الشيوخ، وهم متفرقون في البلدان، ثم زال هذا العذر بعد القرن الرابع وأوائل القرن الخامس عصر البيهقي وابن عبد البر والخطيب البغدادي وغيرهم من جهابذة هذا الفن، فإنه قد تمّ تدوين هذه الأحاديث المنتشرة في الآفاق في المدونات الكبيرة والصغيرة، وصارت في متناول أيدي الجميع، إلا أنها كانت مختلطة بالصحيح وغيره.
فكان من الممكن دراسة هذه الأحاديث، واستخراج الصحيح منها، واستيعابها في مؤلف واحد ليكون مرجعًا هامًّا مع كتاب اللَّه في فهم أصول الدين وقواعده.
عدد متون الأحاديث في دواوين السنة
في تقديري أنَّ دواوين السنَّة تحوي نحو أربعين ألف حديث بدون تكرار، منها: قرابة ثمانية آلاف حديث في "الكتب الستة" بدون تكرار الأسانيد، وتسعة عشر ألف حديث في "مجمع الزوائد" (يعني مسند أحمد، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى، والمعاجم الثلاثة للطبراني)، والزوائد على هذه الكتب -وهي اثنا عشر كتابا- لا أظن أنها تزيد على أكثر من عشرة آلاف في بقية كتب الحديث.
стр. 51
ثم وقفتُ على كلام السيوطي في تدريب الراوي يقول: "الأحاديث الصحاح التي بين أظهرنا بل وغير الصحاح لو تتبعت من المسانيد والجوامع والسنن والأجزاء وغيرها لما بلغت مائة ألف بلا تكرار بل ولا خمسين ألفا" اهـ.
موسوعة متون الأحاديث
ولا يتم تحديد العدد الحقيقي للأحاديث إلا بوضع خطة موسوعة شاملة كما أشار إليه الحافظ ابن حجر بقوله: "ولقد كان استيعاب الأحاديث سهلا لو أراد اللَّه تعالى ذلك بأن يجمع الأول منهم ما وصل إليه، ثم يذكر من بعده ما اطلع عليه مما فاته من حديث مستقل، أو زيادة في الأحاديث التي ذكرها، فيكون كالدليل عليه، وكذا من بعده، فلا يمضي كثير من الزمان إلا وقد استوعبت، وصارت كالمصنف الواحد ولعمري لقد كان هذا في غاية الحسن".
ولمزيد من التفصيل انظر كتابي: "معجم مصطلحات الحديث" لفظ: "موسوعة الحديث".
أسأل اللَّه أن يوفق إحدى المؤسسات العلمية للقيام بهذا العمل الجليل، وأنا في أتم الاستعداد للتعاون معها إنْ شاء اللَّه تعالى.
عدد الأسانيد في دواوين السنة، وعدد رواتها
وأقول وباللَّه التوفيق: إن الأحاديث في هذه الكتب التي سبق ذكرُها وغيرها تُروي بنحو ثلاثمائة ألف إسنادٍ (١) -منها في الكتب الستة وحدها (٣٤٤٥٧) حسب طبعة دار السلام بالرياض للكتب الستة في مجلد واحد، فكيف إذا أضيف إليها الكتب المؤلفة في الحديث إلى القرن الخامس الذي أراه نهاية عصر الرواية.
وتدور هذه الأسانيد على خمسين ألف راوٍ تقريبا.
عدد متون الأحاديث الصحيحة
إن المتون الصحيحة المجردة الصافية من هذا العدد تبلغ من اثني عشر ألف
стр. 52
حديث إلى خمسة عشر ألف حديث تقريبا: منها ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وسبعون (٣٥٧٤) حديثا في الصحيحين حسب النسخة المطبوعة لكتاب: "الجمع بين الصحيحين" للحميدي (ت ٤٨٨ هـ)، وأتوقع أن تزيد الأحاديث الصحيحة على هذا العدد بمثليه أي ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف؛ فإننا إذا نظرنا إلى الأحاديث الزائدة على الصحيحين نجد أن زوائد السنن الأربعة على الصحيحين حوالي سبعة آلاف، وإذا أضيف إلى هذا العدد زوائد مسند الإمام أحمد على الكتب الستة -وعددها (٥١٥٣) حديثا حسب النسخة المطبوعة لكتاب: "غاية المقصد في زوائد المسند" للحافظ الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) - تبلغ زوائد السنن والمسند قرابة اثني عشر ألف حديث، ولا يصفو من هذا العدد على شرط الصحيح والحسن إلا ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف.
مظان الأحاديث الصحيحة
ويمكن أن أقول في ضوء خبرة امتدّت نحو أربعة عقود أنه لا يوجد من الحديث الصحيح والحسن فيما زاد على الكتب الستة ومسند الإمام أحمد وموطأ مالك إلا القليل، ما أظنه يتجاوز ألفي حديث.
مكانة مسند الإمام أحمد
قال حنبل بن إسحاق (ابن عمّ الإمام أحمد): جمعنا أحمدُ بنُ حنبل أنا وصالح وعبد اللَّه، وقرأ علينا "المسند"، وما سمعه غيرنا، وقال:
"هذا الكتاب جمعتُه وانتقيتُه من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول اللَّه ﷺ فارجعوا إليه، فإنْ وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجّةٍ" (١).
وقال لابنه عبد اللَّه: "احتفِظْ بهذا المسندِ؛ فإنه سيكونُ للناس إمامًا" (٢).
стр. 53
وقال ابن الجوزي: "إنه كتابٌ لم يُروَ على وجه الأرض كتابٌ في الحديث أعلى منه" (١). يعني به: شمولًا.
وبلغ عددُ أحاديثه حسب النسخة المطبوعة (٢٧٦٤٧) حديثا بتكرار الأسانيد، وبعد حذف الأسانيد يصفو نحو عشرة آلاف حديث بما فيه صحيح وضعيف، وأما الموضوع فلا، ولذا كان ابن الجوزي موضع النقد قديما وحديثا لأنه أدخل بعض أحاديث "المسند" في كتابه "الموضوعات"، فتعقّبه الحافظ العراقي في بعضها، وتعقّبه الحافظ ابن حجر في سائرها في كتابه "القول المسدّد في الذبّ عن مسند أحمد". وذيّله السيوطي وسمّاه: "الذيل الممهد على القول المسدد"، وأنه أحسن انتقاءً من الكتب التي لم تلتزم الصحة مثل السنن الأربع وغيرها، وزاد فيه عبد اللَّه ابن أحمد أحاديث كثيرة عن مشائخه مما يُماثلُه ويشابِهُه وهو راوي المسند عن أبيه، ثم روى المسند عن عبد اللَّه بن أحمد أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي -نسبة على القطيعة في بغداد- (٢٧٤ هـ - ٣٦٨ هـ) وزاد فيه أربعة أحاديث رواها عن شيوخ متروكين، وفي أسانيدها رجال متهمون، وبهذا يتبيّن أن الوضع وقع في روايات القطيعي لا في نفس "المسند" إلا من اختفى أمرُه، ولم يظهر ضعفُه إلا بعد وفاة الإمام أحمد.
عدد أحاديث المستدرك
وكذلك إذا تدبّرنا صنيع من عمل على استدراك الأحاديث الصحيحة الزائدة على الصحيحين نجد أن أحاديث المستدرك على الصحيحين للحاكم (ت ٤٠٥ هـ) تبلغ ثمانية آلاف وثمانمائة وتسعة وثلاثين (٨٨٣٩) حسب النسخة المطبوعة، ولكن ثلثي الكتاب ليس على شرط الشيخين، ولا على شرط الصحيح، وإليه يشير الذهبي بقوله:
". . . . في المستدرك شيءٌ كثيرٌ على شرطهما، وشيءٌ كثيرٌ على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذاك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب،
стр. 54
وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها" (١). اهـ.
قال الحافظ ابن القيم رحمه اللَّه تعالى (٢): "ولا يعبأ الحفاظ أطباء على الحديث بتصحيح الحاكم شيئا، ولا يرفعون به رأسا البتة، بل لا يُعوّل على تصحيحه، ولا يدل على حسن الحديث، بل قد يصحّح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث".
عدد أحاديث المختارة
وكذلك عدد أحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما للضياء المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) في القدر المطبوع منه خمسة آلاف وأربعمائة (٥٤٠٠)، وذكر محقق الكتاب أن ما وقف عليه من هذا الكتاب هو أكثر من النصف بقليل، فإذا قُدِّرَ أن عدد الأحاديث في القدر المفقود منه خمسة آلاف، فيكون مجموع ذلك عشرة آلاف وأربعمائة (١٠٤٠٠)، وإذا حذف منه الأسانيد المكررة، وما ليس بصحيح فيبلغ عدد الحديث الصحيح فيه قرابة تسعة آلاف.
عدد الأحاديث الصحيحة على الصحيحين
وحاصل الأمر أن الأحاديث الصحيحة الزائدة على الصحيحين تتراوح ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف، وبهذا يبلغ عدد الأحاديث الصحيحة في دواوين السنة النبوية نحو اثني عشر ألف حديث إلى خمسة عشر ألف حديث تقريبا، والعدد الصحيح لا يمكن تحديده إلا بعد تجريد "الجامع الكامل" وحذف المكررات.
أسباب تأليف الجامع الكامل
وإني لم أجد حسب علمي من وضع منهجًا متكاملًا لاستقصاء الأحاديث الصحيحة والحسنة في ديوانٍ واحدٍ، مع أن له أهمية كبيرة في الدراسات الحديثية من وجوه عديدة، أذكر بعضا منها:
السبب الأول:
أن يكون هذا الكتاب جامعا للسنة الصحيحة كلها في سفر واحد، يُرْجَع إليه
стр. 55
المعرفة أقوال الرسول ﷺ ، فيكون مصدرًا هامًّا لعامة الناس الذين يغترُّون كثيرًا بوجود الحديث في الكتب والصحف، ولا يدرون أصحيح هو أم لا؟ كما يكون مرجعا للكُتَّاب والباحثين الذين ينقلون الحديث في كتاباتهم وبحوثهم من غير معرفتهم بالصحيح من الضعيف، إذْ هم ليسوا متخصصين في هذا العلم الذي يتطلب معارف كثيرة، كعلم الجرح والتعديل، وعلم التخريج، وعلم مختلف الحديث وغيرها من العلوم الحديثية، مع اطلاع واسع على كتب الحديث والرجال والعلل والشروح وغيرها.
وقد وُجدت طائفة من الناس تنشر عمدًا في المجتمع الإسلامي الأحاديث الضعيفة والموضوعة غير مبالين بالتحذير الوارد عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة، منها قوله ﷺ : "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ معقده من النار" رواه مسلم في مقدمة صحيحه (ح: ٣) (١).
السبب الثاني:
أن يكون هذا الجامع سدًّا منيعًا -بإذن اللَّه- أمام دعاة التجديد الذين ظهروا في عصرنا داعين إلى وضع خطة جديدة حسب زعمهم لتدوين السنة، وهي تتلخص في اختيار بعض الأحاديث التي توافق هواهم، والتشكيك في الباقي بأنه غير ثابت أو أنه مخالف للعقل والمجتمع المدني، ليتخلصوا بذلك من عدد كبير من الأحاديث الصحيحة.
وقد تلقت بعض الصحف الأوربية هذا النبأ بترحيب واسع، لأنه يوافق توجّهاتهم في إيجاد إسلام أوربي على غرار النصرانية في أوربا.
стр. 56
وهذا العمل الموسوعي للأحاديث الصحيحة سوف يُفشل مخططات هولاء ويُحقّق قول النبيّ ﷺ : "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسّكتم بهما، كتاب اللَّه، وسنة نبيه". وسيأتي تخريجه في كتاب الاعتصام.
السبب الثالث:
أن يكون هذا الجامع بإذن اللَّه تعالى سدًّا منيعا أمام كل من يحاول تحريف هذا الدين الصحيح الصافي القائم على الكتاب والسنة الصحيحة بإدخال الأحاديث الموضوعة والمنكرة.
السبب الرابع:
أن يكون هذا الجامع مرجعا هاما -بإذن اللَّه تعالى- عند التنازع، فقد أمرنا اللَّه بالرجوع إلى اللَّه والرسول عند التنازع، أي إلى الكتاب والسنة، والمراد بالسنة هي السنةُ الصحيحةُ، لا الواهية والمنكرة، فإنّ اللَّه لم يأمرنا بالتعبّد بما لم يثبت.
السبب الخامس:
إن هذا الجامع سوف يساعد على فهم الحديث وفقهه، لأن الحديث يُفسّر بعضُه بعضًا كما قال الإمام أحمد ﵀ وغيره، وقد وقفتُ على كلام بعض أهل العلم أنهم أنكروا على وجود بعض الألفاظ الواردة في الصحاح لعدم وقوفهم عليها، ومن ثم أخطؤوا في فقه الحديث.
السبب السادس:
إن هذا الجامع سوف يُساهِم في جمع كلمة الأمة على الكتاب والسنة، في كل أمر وقع فيه التنازع والاختلاف، لأني بعد تفكير طويل اقتنعت بأن من أهم أسباب فُرقة الأمة الإسلامية عَدم تدوين الأحاديث الصحيحة في سِفْر واحد يرجع إليه أهلُ العلم خاصةً، وجمهور المسلمين عامةً عند الحاجة، لأن السنة مصدر من مصادر الإسلام. فكل من يريد ترويجَ فكرةٍ مُناهضةٍ لتعاليم الإسلام الصحيحة يجد في كتب الحديث والتفسير والفقه والتاريخ الأحاديثَ الضعيفةَ والمنكرة ما يوافق هواه.
ومن أهل العلم من كانوا مخلصين لدينهم وعقيدتهم، ولكن لعدم تمكنهم من
стр. 57
علم الحديث استدلوا بأحاديث ضعيفة.
وإليه يُشير شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديثَ ضعيفةٍ ظنوها صحيحةً، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأي رأوه، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم" (١).
السبب السابع:
أن يكون هذا الجامع بإذن اللَّه تعالى للراغبين في العمل بالحديث الصحيح منهلًا يرجعون إليه؛ لأن العمل بالأحاديث الصحيحة فيه مندوحة عن العمل بالأحاديث الضعيفة والمنكرة، سواءً أَكان في الحلال والحرام، أم في الترغيب والترهيب؟ ، وقد أبدى الإمام مسلم بن الحجاج في مقدمة جامعه الصحيح استياءَه الشديد لمن يروي الأحاديث الضعيفة ولا يُبين ضعفها.
بل إن بعض أهل العلم قد تساهلوا في ذكر الأحاديث الواهية والمنكرة في الترغيب والترهيب دون بيان عللها خوفا من التنفير المعارض للترغيب والترهيب كما قالوا.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "ولا يجوز أن يُعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة، ولكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يُروى في فضائل الأعمال ما لم يُعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب، وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقًّا، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع" (٢).
هذه بعض الأسباب الداعية للقيام بهذا العمل المبارك -وهو في الحقيقة إكمال لعمل الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما، وإنْ كان أكثرُه ليس على مرتبتهما ولكنها صحيحة- لنُبيّن للناس بأن ما عليه أهل السنة والجماعة أساسُهم الكتاب
стр. 58
والسنة الصحيحة.
قال الحافظ البيهقي ﵀: "ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، ولا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزًا فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار" (١).
بخلافِ أهل البدعِ، فإنَّ اعتمادَهم غالبًا يكونُ على الأحاديثِ الضعيفةِ والمنكرةِ بل الموضوعةِ في أعيادِهم وعاداتِهم، وفضائلِ الأعمالِ والأذكارِ وغيرِها، وقد قال بعضُ السلفِ: مَا ابتدعَ أحدٌ بِدْعةً إلا خَرجتْ حَلاوةُ الحديثِ مِنْ قلبِه.
ميزة هذه الأمة باستعمال الإسناد
تميّزتْ هذه الأمةُ الإسلامية من بين سائر الأمم، باستعمال الإسناد في فجر تاريخها لمعرفة الحديث الصحيح من السقيم، فكما لم يقبلوا حديثا بدون إسناد، كذلك لم يقبلوا كتابا بدون سماع من المؤلف أو من الرواة عنه، ولما وقف المستشرقون على هذه الميزة تحيروا، لأن كتبهم المقدسة لديهم خالية من الإسناد كليا والمنصفون منهم أثنوا على هذا العلم الذي وضعه المسلمون، حتى قال اسبرنكوالتيرولي في مقدمة كتاب الإصابة طبعة (١٨٥٣ م) في مدينة كالكتة بالهند: "إن هذه الكتب -أي كتب الرجال- حفظت لنا ترجمة الرواة، بلغ عددهم نحو خمسمائة ألف شخص".
قلت: وفي قوله هذا مبالغة إلا إنْ أراد رواية كتب الحديث إلى عصره -وخاصة في الهند- لأنه عاش فيها نحو خمس وثلاثين سنة، ورأى أن كتب السنة تُروى بالأسانيد.
ورواة الحديث إلى نهاية القرن الخامس الذين عليهم المدار في صحة الحديث وضعفه، فلا يتجاوزون عن خمسين أو ستين ألف راويا، وأما المتعصبون من المستشرقين فتغيظوا وبدؤوا يفترون على كبار المحدثين افتراءات بدون حجة وبرهان، وأخذ عنهم بعضُ الكُتّاب المسلمين للتشكيك في الحفاظ على السنة النبوية، فإلى هؤلاء جميعا أهدي هذا العمل المبارك، لعل اللَّه يهديهم إلى الحق والصواب.
стр. 59
المحدّث كالصيرفيّ الماهر
ولا يضرُّ ما يُثير بعضُ الكُتّاب الشبهات في أهمية السنة وحجيتها بأن العلماء لم يتفقوا على تصحيح الحديث وتضعيفه، وتعديل الرجال وتضعيفهم، والترجيح بين المرسل والمتصل، والموقوف والمرفوع وفي غيره من الموضوعات الحديثية، فأقول لهم جميعا: إن الأصل هو الاحتجاج بالحديث الصحيح كما نص عليه جميع أهل العلم من المحدثين والفقهاء والأصوليين وغيرهم، وأما الاختلاف في التصحيح والتضعيف فهو ناشئ إما من عدم العلم بالتخريج، وإما من تطبيق بعض قواعد علوم التخريج المختلف فيها بين أهل العلم، وعدم القدرة على التوفيق بين أقوالهم، ثم هو في هذا كغيره من العلوم الإسلامية مثل التفسير والفقه والأصول واللغة العربية وبلاغتها، فهذا الخلاف لا يجعل هذه العلوم محل شك وارتياب، فكذلك علم التخريج مع أن الغالب فيه اتفاق أهل العلم المتمكنين في هذا العلم كما يدل عليه قصة أبي حاتم قال: "جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه عليّ فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح.
فقال لي: من أين علمتَ أن هذا خطأٌ، وأن هذا باطلٌ، وأن هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب، بأني غلطت، وإني كذبتُ في حديث كذا؟ فقلت: لا، ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال: تدّعي الغيب؟ قلت: ما هذا ادّعاء الغيب.
قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سل عما قلت من يُحسن مثل ما أُحسن، فإن اتفقنا علمتَ أنا لم نُجازف، ولم نقله إلا بفهم. قال: من هو الذي يُحسن مثل ما تُحسن؟ قلت: أبو زرعة، قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلتَ؟ قلت: نعم، قال: هذا عجب.
فأخذ فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إليّ وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فما قلت: إنه باطل قال أبو زرعة: هو كذب، قلت: الكذب والباطل واحد، وما قلت: إنه كذب، قال أبو زرعة: هو
стр. 60
باطل، وما قلت: إنه منكر، قال أبو زرعة: هو منكر، كما قلت، وما قلت: إنه صحاح، قال أبو زرعة: صحاح.
فقال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما؟ فقلت: فقد ثبت من ذلك أنا لم نُجازف، وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أُوتينا.
والدليلُ على صحة ما نقوله بأن دينارًا مبهرجًا يحمل إلى الناقد فيقول: هذا دينار مبهرج، ويقول الدينار: هو جيد، فإن قيل له: من أين قلت: إن هذا مبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا، فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا، قيل فمن أين قلت: إن هذا مبهرج؟ قال: علما رزقتُ، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك" (١)
منهج جمع الأحاديث في الجامع الكامل
والمنهج الذي سرتُ عليه في جمع الأحاديث ودراستها هو كالتالي:
١ - جعلت الكتب الثلاثة وهي: موطأ الإمام مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، والصحيحين في مرتبة واحدة، فإذا كان الحديث في هذه الكتب الثلاثة مجتمعة أو منفردة خرجته في الجامع.
وأطلقت لفظ: "متفق عليه" على ما أخرجه الشيخان ولو بجزء من الحديث إذا رواه صحابيٌّ واحدٌ، بغَضّ النظر عن الإسناد من أوله إلى آخره، وأضفتُ إليهما مالكا إنْ كان الحديث في الموطأ وأخرجاه من طريقه، لعلوّ شأنه.
وإذا انفرد أحد الشيخين بحديث. قلت: صحيح: أخرجه البخاري أو مسلم؛ فإن قولي: "صحيح" دليلُه إخراج البخاري أو مسلم له، وليس ذلك حكما مستقلا مني. وقد فعل ذلك غيرُ واحد من الأئمة، منهم البغوي في شرح السنة، والنووي في شرح المهذب، وبيّنتُ ذلك بالتفصيل في مقدمة "المنة الكبرى".
ولم أخرج من صحيح البخاري المعلقات، ولكن إذا وجدتها موصولة وصحّ إسنادها خرّجتها.
وكذلك لم أخرج من موطأ مالك البلاغات والمراسيل، وإنما اقتصرتُ على المرفوعات
стр. 61
المتصلة البالغ عددها ستمائة حديث، والصحيح منها دخل في الجامع الكامل.
واعتنيتُ بذكر الزيادات التي في السنن على الصحيحين إن كانت صحيحة وتفيد حكما زائدا، أو توضّح غامضا بقدر الإمكان.
٢ - ثم توجهت إلى السنن الأربعة، وهي سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، فما زاد في هذه السنن على الكتب الثلاثة (الصحيحين والموطأ) وهو صحيح أو حسن خرجته في الجامع.
ومنهجي في ذكر الزوائد على الصحيحين: الأصل فيه أن لا أذكر غير السنن، ولكن أحيانا أزيد عليها من المصادر المعروفة مثل مسند الإمام أحمد، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، وسنن الدارقطني، ومستدرك الحاكم، وسنن البيهقي وغيرها لأَطْمئنَّ على التقاء الإسناد، ولمعرفة رواته إن كان مدلّسا صرّحَ أو لم يُصرّح، وإنْ كان مختلطا فهل الراوي عنه روي قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط، وإنْ كان زيادة في المتن فهل هذه الزيادة منافية أو غير منافية.
وقد لا أجد هذه المبررات ومع ذلك أذكر بعض هذه المصادر لشهرتها، وأتجنّب عن ذكر كثير من المصادر الأخرى التي لا تفيد شيئا في التخريج خوفًا من ثقل الحواشي.
٣ - ثم تتبعت ما زاد على الكتب السبعة من الأحاديث الصحيحة والحسنة من "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للحافظ الهيثمي، و"المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" للحافظ ابن حجر.
فإن الأول جامع لما زاد على الكتب الستة من مسند الإمام أحمد ومسند البزار ومسند أبي يعلى ومعاجم الطبراني الثلاثة.
والثاني جامعٌ لما زاد على الكتب الستة ومسند الإمام أحمد من مسانيد: الطيالسي، والحميدي، وابن أبي عمر العدني، ومسدد، وأحمد بن منيع، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة، وأضاف إليها مؤلفه ما فات الهيثمي من زوائد مسند أبي يعلى أيضًا لكونه اقتصر على الرواية المختصرة، كما أضاف إليها زوائد ما وجده من مسند إسحاق بن راهويه، وهو قدر النصف منه.
فما وجدت في هذين الكتابين من الأحاديث الزائدة على الكتب السبعة وهي
стр. 62
صحيحة أو حسنة خرجتها في الجامع.
٤ - ثم خرجت الأحاديث الزائدة على الكتب السابقة (وهي الموطأ، والكتب الستة، ومجمع الزوائد، والمطالب العالية) في دواوين الأحاديث الأخرى مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور، وسنن الدارمي، والمنتقى لابن الجارود، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، وكتب الطحاوي، والدارقطني، ومستدرك الحاكم، وكتب البيهقي، والكتب المسندة المفردة في أبواب معينة مثل كتب التفسير، وكتب العقيدة، وكتب الأحكام، وكتب الزهد، وكتب الدعاء، وكتب الأخلاق، وغيرها من الكتب المؤلفة المسندة.
هذا ما يختصُّ باستيعاب مادة الكتاب، وأما التخريج فكان من هذه الكتب وغيرها حسب أصول التخريج.
الزوائد على الكتب المشهورة الغالب عليها النكارة والشذوذ
وأعتقد أن الزوائد على هذه الكتب من الأجزاء والأمالي والفوائد والمعاجم والمشيخات المطبوعة والمخطوطة فالغالب عليها النكارة والشذوذ والوضع؛ لأن المقبول منها قد دخل في دواوين الإسلام المشهورة. أقول هذا عن خبرة ودراية بحمد اللَّه وتوفيقه.
ويشهد به عمل جهابذة هذا الفن مثل البخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وابن عدي، والدارقطني، وابن الجوزي وغيرهم في كتب العلل، فيغترّ من لم يُمعن النظر في كتب العلل، فيحكم بصحة الحديث لظاهر الإسناد.
مظانّ الأحاديث الصحيحة عند الحافظ ابن حجر
ثم وقفت على كلام الحافظ ابن حجر في مقدمة: إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة وهي:
١ - صحيح الدارمي
٢ - صحيح ابن خزيمة
٣ - صحيح ابن الجارود
٤ - صحيح أبي عوانة
٥ - صحيح ابن حبان
٦ - المستدرك على الصحيحين
٧ - موطأ مالك
٨ - مسند الشافعي
стр. 63
٩ - مسند أحمد
١٠ - شرح معاني الآثار
١١ - سنن الدارقطني.
أضاف الحافظ "سنن الدارقطني" (١) إلى هذه الكتب العشرة لجبر ما فات من الوقوف على جميع صحيح ابن خزيمة.
قال: "وهذه المصنفات قلَّ أن يشذّ عنها شيءٌ من الأحاديث الصحيحة لا سيما في الأحكام إذا ضُمَّ إليها أطراف المزي" أي الكتب الستة وتوابعها.
بل كان كثير من أهل العلم يستدلون على ضعف الحديث ونكارته بعدم إخراجه في دواوين الإسلام كالصحيحين، والسنن الأربعة، وموطأ مالك، ومسند الإمام أحمد، كما يقول ذلك ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٤١). وقال أيضًا: "كل حديثٍ رأيتَه يخالف المعقولَ أو يناقض الأصول فاعلمْ أنه موضوع. وقوله: "يناقض الأصول" أي: دواوين الإسلام.
وهذا إن لم يكن على إطلاقه فهو الغالب.
وخلاصة القول أنه يمكن حصرُ الأحاديث الصحيحة في مكان واحد بعد ظهور هذه الدواوين، وإنْ كان فيه مشقة بالغة لا يقدرها إلا اللَّه والراسخون في هذا العلم.
أنواع الأحاديث في كتب الحديث
وأما الأحاديث في هذه الكتب فهي على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما اتفق أهل العلم بالحديث على صحته مثل أحاديث الصحيحين وغيرهما.
النوع الثاني: ما اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجه.
النوع الثالث: ما اختلف أهل العلم بالحديث في تصحيحه وتضعيفه، فهذا هو النوع الذي أجتهد في الحكم عليه قبولًا أو ردًّا، في ضوء قواعد علوم الحديث وتخريجه، معتمدًا على أقوال العلماء البارزين، فلسنا نحن إلا عيالًا عليهم.
стр. 64
وإلى هذا النوع يشير الحافظ البيهقي في مقدمة دلائل النبوة (١/ ٣٨) بقوله: "وأما النوع الثالث من الأحاديث فهو حديث قد اختلف أهل العلم بالحديث في ثبوته، فمنهم من يضعفه بجرح ظهر له من بعض رواته خفي ذلك على غيره، أو لم يقف من حاله على ما يوجب قبول خبره، وقد وقف عليه غيره، أو المعنى الذي يجرحه به لا يراه غيره جرحا، أو وقف على انقطاعه أو انقطاع بعض ألفاظه، أو إدْراج بعض رواته قولَ رواته في متنه، أو دخول إسناد حديث في حديث خفي ذلك على غيره.
فهذا الذي يجب على أهل العلم بالحديث بعدهم أن ينظروا في اختلافهم، ويجتهدوا في معرفة معانيهم في القبول والرد، ثم يختاروا من أقاويلهم أصحّها. وباللَّه التوفيق". انتهى قول البيهقي.
ذكر بعض الفوائد المهمّة وقواعد التخريج التطبيقية التي اشتمل عليها الجامعُ الكامل
أذكر هنا بعض الفوائد التطبيقية في أصول التخريج ليستفيد منها طلبة الحديث المشتغلين بالتخريج، وهي مما كتبتُها بالعجالة؛ لأن استيعاب هذه الفوائد يحتاج إلى قراءة الكتاب من أوله إلى آخره، ويستغرق ذلك زمنا طويلا واللَّه المستعان.
١ - ربط السنة بالقرآن
ربطتُ السُّنّةَ بالقرآنِ بقدرِ الإمكانِ؛ لأنَّ السُنَّةَ مفسرةٌ له، فَلا يَسْتَغْنِي أحدُهمَا عن الآخرِ، لأنهما أسَاسُ هذا الدّينِ الحنيفِ.
وكان من منهج المحدثين الرجوع إلى الكتاب والسنة لاستنباط الأحكام منهما قبل تَفْرِيعِها، فإذا كان القرآن محتملًا لوجوه خصَّصوه بالسنّة.
وكانَ الإمامُ البخاريُّ رحمه اللَّهُ تعالى الذي أوّل من جرّدَ الصحيحَ يُتَرْجِمُ للحديث ما يُستفادُ منه، ويَرْبِطُه بالقرآن، ويَدْعَمْه بآثار الصحابة والتابعين، ويكتفي بها تعبيرًا عن رأيه، ولذا قيل: فقهُ البخاري في تراجمِه، فإذا لم يَقْطَع الحكمَ أتي بصيغة الاستفهام، وتبعه في هذا المنهج الإمامُ البغويُّ في كتابه: "شرح السنة" ثم توقّف هذا المنهج.
٢ - تصحيح الحديث ولو بطريق واحد
إذا صحَّ الحديثُ بشروطه المعتبرة ولو ببعض الطرق لم ألتزم بذكر جميع طرقه
стр. 65
كما هو منهج أصحاب الصحاح.
٣ - إذا صحّ الحديث لا يلزم ذكر جميع مصادره
وكذلك لم ألتزم بذكر جميع المصادر الحديثية، بل انتقيتُ منها المشهورة المعتمدة فقط؛ فإن حشر المصادر دون فائدة حديثية لا يفيد شيئا في تصحيح الحديث وتضعيفه، وإنما يتضخم به الكتاب فحسبُ.
٤ - أصول التخريج
وقد بيّنتُ في كتابي: "معجم مصطلحات الحديث ولطائف الأسانيد" في مادة "التخريج" أن التخريج على نوعين فقط، لا ثالث لهما:
الأول: التخريج على طريق أطراف الأسانيد.
والثاني: التخريج على طريق التقاء الأسانيد.
ولكل من النوعين أصول وضوابط بيّنتُها بالتفصيل في الموضع المُشار إليه.
ثم إن كتابي هذا ليس كتاب علل وتخريج، وإنما هو كتاب جامع للأحاديث الصحيحة والحسنة. فلم أطوّل فيه تخريج الأحاديث، وبيان عللها، بل اكتفيتُ بما يؤدي المطلوب على منهج أصحاب الصحاح.
٥ - أخبار الآحاد
خبر الآحاد يفيد العلم والعمل إذا صحَّ بشروطه المعتبرة، وليس فيه علة ولا شذوذ.
وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم وأنه وقع التعبّد به بدون فرق بين العقيدة والشريعة.
قال الحافظ ابن القيم: "فمن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم، ونصَّ عليه الحسين علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي" (١).
وقال الإمام أحمد في حديث الرؤية: نعلم أنها حق، ونقطع على العلم بها، وروى المروزي فقال: قلت لأبي عبد اللَّه: ههنا اثنان يقولان: إن الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما فقال: لا أدري ما هذا؟ قال القاضي: ظاهره أنه يُسوّي بين العلم والعمل إذا صحَّ سنده.
стр. 66
وأوّل من تصدّى للردّ على من أنكر حجية أخبار الآحاد الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى فقال (١): "قال لي قائل: احدُدْ لي أقل ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يثبت عليهم خبر الخاصة. قال: فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي ﷺ ، أو من انتهي به إليه دونه. وقال: لا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا:
منها: أن يكون من حدّث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدّي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدرِ لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أدّاه بحروفه فلم يبق وجهٌ يخاف فيه إحالته الحديث، حافظا إنْ حدث به من حفظه، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه، إذا شركَ أهل الحفظ في الحديث وافق حديثَهم، بريئا أن يكون مدلّسا -يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه، ويحدّث عن النبي ﷺ ما يحدّث الثقات خلافه عن النبي ﷺ ويكون هكذا من فوقه ممن حدّثه حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدّثه، ومثبت على ما حدث عنه، فلا يُستغني في كل واحد منهم عما وصف". انتهى قول الشافعي.
وهذا القول من الشافعي ﵀ فيه دليل واضح بأن خبر الخاصة إذا رواه من وُجِدَ فيه الصفات التي ذكرها فإنه حجة، ولا يُستغني عنه، وعليه جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء، فإنهم جميعا قالوا: إذا صحّ الخبر فأضربوا بقولي الحائط، وقالوا أيضًا: إذا صحَّ الحديث فلم أقلْ به فأنا مجنون. فردُّ خبر الآحاد بحجة أنها ظنيةٌ ما عُرفَ إلا بعد القرون المفضلة المشهود لها بالخير.
وأما تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد فهو متأخر، ولم يكن معروفا عند المحدثين، وحسب علمي أول من ذكر هذا التقسيم هو الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه "الكفاية" فقال: "تقسيم الأصوليين للخبر إلى المتواتر والآحاد"، ولم يعز ذلك إلى أهل الحديث. قال ابن الصلاح في معرفة علوم
стр. 67
الحديث ص (٢٦٧): وإنْ كان الخطيب قد ذكره، ففي كلامه ما يُشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث".
وقد تكلمتُ في هذه المسألة بالتفصيل في كتابي "دراسات في الجرح والتعديل"، والطبعة الخامسة، طبعة دار السلام
٦ - ذكر المتابعات لتقوية الحديث
لا يلزم من رواية الحديث من وجوه كثيرة أن يحصل من مجموعها أنه حسن، بل إنما تفيد المتابعة إذا كان راويه ضعيفا لسوء حفظه، أو لاختلاطه، أو كان مستورا، أو لتدليسه، إلا إنْ كان المدلّسان من طبقة واحدة، فيُخشى أن يكون شيخُهما واحدًا.
وأكتفي في هذا لبيان مدار الإسناد إلا إذا اختلف في رفعه ووقفه، أو وصله وإرساله، فأترجم أطراف الأسانيد لبيان الراجح منها، وقد أذكره أحيانا لنفي التفرّد إنْ كان راويه ثقة.
والمتابعة على قسمين:
المتابعة التامة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي من أول الإسناد، ومثاله ما رواه الشافعي، عن مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين.
قال الحافظ إن الحديث المذكور في جميع المؤطآت عن مالك بهذا الإسناد بلفظ: فإن غم عليكم فاقدروا له، فأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ عن مالك فنظرنا فإذا البخاري قد روى الحديث في صحيحه (١٩٠٧) فقال: حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، ثنا مالك بإسناده فساقه بالذي ذكره الشافعي سواء.
فهذه متابعة تامة في غاية الصحة.
والمتابعة القاصرة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي في أثناء الإسناد، ومثاله ما أخرجه مسلم في صحيحه (١٠٨٠) من طريق أبي أسامة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكر الحديث، وفي آخره: فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين.
وأخرجه ابن خزيمة (١٩٠٩) من طريق عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر بلفظ: فإن غمَّ عليكم فكمّلوا ثلاثين. فهذه متابعة ناقصة.
стр. 68
٧ - ذكرتُ ما صحّ في كل باب
ذكرتُ في كل باب ما صحّ من الأحاديث، وكذلك ذكرتُ الأحاديث التي فيها ضعف يسير إنْ كان لها أصول صحيحة.
فإذا قلتُ: إسناده صحيح، وتعدّدَتْ مخارجُه، فليس معناه أن إسناد كل مخرج من المخارج صحيح لذاته، وإنما المقصودُ منه صحة الإسناد من مدار الإسناد، وإن كان في بعض رجال الإسناد ممن دون ملتقى الإسناد مقال، فإن متابعة بعضهم لبعض يجبره إلا أن يكون في الإسناد متروك أو متهمٌ أو كذّابٌ فهذا لا بد من بيانه.
وكذلك ذكرتُ تحت الباب بعض الأحاديث التي لا يصحّ إسناده، إنْ كان معناه صحيح مثل ما كان يفعل الترمذي أحيانا، انظر مثال ذلك في سننه (١٧٣٦) فإنه ذكر فيه حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ إذا اعتمّ سدل عمامته بين كتفيه، وقال: وفي الباب عن عليّ، ولا يصحّ حديثُ عليٍّ في هذا من قبل إسناده.
فإذا قلت: إسناده صحيح فلا ألتزم أن أقول: رجاله ثقات، أو رجاله رجال الصحيح، لأن الحكم بالصحة يلزم أن يكون رجاله ثقات، وهو الشرط الأول لصحّة الحديث، وهذا المنهج المتبع عند الترمذي والبغوي وغيرهما من أئمة الحديث.
٨ - الاجتناب من تصحيح الأحاديث المنكرة والموضوعة بالشواهد
تجنّبتُ من تصحيح الأحاديث الضعيفة شديدة الضعف، وكذلك المنكرة والموضوعة بالشواهد الصحيحة، لأن هذا المنهج لم يكن معروفا في القرون الثلاثة الأولى، والعمدة في ذلك منهج الشيخين البخاري ومسلم فإنهما لم يُصحّحا الأحاديث الضعيفة بالشواهد، وكذلك لم يفعل ذلك ابن خزيمة وابن حبان مع تساهلهما في الرجال، وأوّل من انتهج هذا المنهج وتوسّع فيه الحافظ أبو عبد اللَّه الحاكم صاحب المستدرك، ولذا كثر فيه الأحاديث المنكرة والموضوعة كما قال الذهبي وغيره، ولو كان هذا المنهج سائغا لما اجتهد المحدثون هذا الاجتهاد العظيم في تنقية الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الضعيفة.
وأما الأحاديث التي لها شواهد كثيرة وليس لها أصول ثابتة، وكذلك الأحاديث الضعيفة التي لا ترتقي إلى درجة الحسن بالمتابعات، فقد ذكرتُ بعض هذه الأحاديث في التخريج لبيان حالها، وأعرضتُ عن ذكرها في صُلب الكتاب.
стр. 69
وكذلك ذكرتُ أحيانًا أحاديثَ المتروكين والمتهمين لبيان حالها فقط.
٩ - الاعتماد على تصحيح الأئمة المتقدمين
إذا صحّح الحديثَ الأئمةُ الأولون المعتبرون الذين هم القدوة في هذا الفن فلا أشتغل في تضعيفه وتأويله وتنسيخه؛ لأن التصحيح يقتضي انتفاء جميع موانع الضعف مثل الإرسال، والانقطاع، والإعضال في الإسناد، والضعف في الرجال، والنكارة والشذوذ والاضطراب والنسخ في المتن؛ فإن الاشتغال فيه يؤدّي إلى تضعيف عدد كبير من الأحاديث الصحيحة، إلا أن يكون الإمام موصوفا بالتساهل في التصحيح مثل الترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم، فلا بأس بمخالفتهم إذا ظهرت العلة، بخلاف إذا ضعّفوا الحديث فلا بأس بالاشتغال به لازالة العلة التي أعلّوا بها، وفي الجامع الكامل أمثلة كثيرة من هذا النوع، وأذكر هنا مثالًا واحدًا.
قال إسحاق بن هانئ: قال لي أبو عبد اللَّه -يعني أحمد بن حنبل- قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد اللَّه يعني ابن عمر أخطأ إلا في حديث واحد لنافع عن ابن عمر أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام. . . " الحديث، قال أبو عبد اللَّه: "فأنكره يحيى بن سعيد عليه! ".
قال أبو عبد اللَّه فقال لي يحيى بن سعيد: "فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن نافع عن ابن عمر مثله".
قال أبو عبد اللَّه: "لم يسمعه إلا من عبيد اللَّه، فلما بلغه عن العمري صحّحه".
قال ابن رجب: وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر (١).
стр. 70
١٠ - حكم الترمذي على الحديث بالغريب
إذا حكم الترمذي على الحديث بالتصحيح والتحسين مؤكدًا بأنه غريب من هذا الوجه، وفيه رجال مجهولون أو ضُعفاء، فَحَمْلُ الخطأِ على الترمذي لتساهله أولى من قولنا: لعله صحّحه أو حسّنه لشواهده، وذلك إذا لم يذكر في الباب عن فلان وفلان، انظر مثال ذلك في السنن عنده (٢٠٤٠).
وأما إنْ ذكر في الباب عن فلان وفلان، فالحملُ على الشواهد أولى من تخطئته.
١١ - الفرق بين توثيق المتقدمين وتوثيق المتأخرين
فنقبل توثيق المتقدمين أعني به الأئمة الذين كانوا قبل نهاية القرن الرابع الهجري مثل أئمة القرون الثلاثة ثم الذين جاءوا بعدهم مثل: النسائي وابن خزيمة، والعقيلي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن عدي، وأبو أحمد الحاكم، وابن شاهين، والدارقطني، والأزدي وغيرهم.
وأما توثيق المتأخرين الذين جاؤوا بعدهم فإنْ كان مبنيًّا على كلام أهل العلم الذين سبقوهم فهو مقبول، وإلّا فيُتوقّف حتى يتبيّن لنا وجه توثيقهم وإنْ كان عصرُ الرواية استمرَّ إلى القرن الخامس.
١٢ - مراتب أهل العلم في التصحيح والتضعيف
اتفق أهل العلم على أن تصحيح البخاري أعلى مرتبة من تصحيح مسلم، وتصحيح مسلم أعلى مرتبة من تصحيح الترمذي والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان وابن منده وغيرهم، وتَصحيحُ هولاء أعلى من تصحيحِ الحاكم، فإن الحاكم أضعفُ مرتبةً ممن يُصحّح الحديثَ.
١٣ - منهج المحدثين في إيراد أحاديث الفضائل والأحكام
وكان كثير من أهل العلم من عادتهم رواية الحديث سواء كان صحيحا أو ضعيفا وخاصة في فضائل الأعمال والأوقات والأمكنة والأشخاص، ويجعلون العهدة على ناقلها كما يفعل أبو الشيخ الأصبهاني في فضائل الأعمال، وخيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة، وأبو نعيم الأصبهاني في فضائل الخلفاء في كتاب مفرد، وفي أول حلية الأولياء بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون بالحديث، ويبنون عليه دينهم، مثل: مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد
стр. 71
الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زُرْعَة، وأبي حاتم، وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة، وابن المنذر، وداود بن علي، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم، فإن هؤلاء الذين يَبْنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها، وتمييز رجالها". هذا مما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "الوسيلة" (ص ١٧٩).
قلت: وقد يسكت بعض هولاء الأئمة على بعض الأحاديث، ويجعلون العهدة على من ينقل عنهم بعد أن ساقوا الأحاديث بأسانيدها، فيجب على من يشتغل بهذا العلم أن يُبين حكم هذه الأحاديث التي سكتوا عنها لما يترتب عليه من الأحكام في أمور الدين.
١٤ - تفرد ابن حبان بالتوثيق
الرواة الذين انفرد ابن حبان بتوثيقهم، ولم يُنقل توثيقهم عن إمام معتبر آخر، فقَبِلَ حديثَهم بعضُ أهل العلم، منهم: الحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي، والمنذري، وابن كثير، والعراقي، والهيثمي وغيرهم، وردّه الآخرون بحجة أن من منهج ابن حبان توثيق المجاهيل الذين لم يعرف فيهم جرح، وتفصيل ذلك ذكرته في كتابي: "دراسات في الجرح والتعديل".
فاخترت منهجا وسطا بين المنهجين، فلم أصحّح حديثهم لفقدان شرط من شروط الصحيح، ولم أُضَعِّفْ حديثهم لعدم وجود الجرح فيهم، فمن وجدت له متابعا جعلت حديثه حسنا، ومن لم أجد له متابعا جعلته تحت الباب، وعن مثل هؤلاء يقول الحافظ في التقريب غالبا: "مقبول" (١).
стр. 72
إلا أن يكون الراوي من التابعين وروى عنه جمعٌ، ولم يجرحْه أحدٌ، ولم يكن في حديثه نكارة أو شذوذ، فالظاهر أنه عندهم صالح، فيُنظر في حديثه فيُحسّن حديثه إنْ كان لحديثه أصل ثابت، ولو لم يتابع.
وأما من سبق فيهم التجهيل من أحد أئمة المتقدمين مثل: ابن المديني، وابن معين، وأحمد، وأبي حاتم، وأبي زرعة وغيرهم، ولم يشتهر في طلب الحديث فالقول قولهم، وقد يُحمل قولهم "لا أعرفه" لقلة حديثه، وكذلك قول أبي حاتم: "مجهول" أي قليل الحديث.
وفي كل هذه الأمور يجب على الباحث أن يكون متنَبِّهًا، هل هو ممن توفرت فيهم الشروط المذكورة أم لا؟ فإن لم تتوفر فيهم الشروط المذكورة فهو يرادف "مجهول" لأن ابن حبان ذكر خلقا كثيرا في كتابه "الثقات" من لم يرو عنه إلا واحد.
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة اللسان: "وهذا الذي ذهب اليه ابنُ حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبيّن جرحُه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب "الثقات" الذي ألّفه، فإنه يذكر خلقا من نص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره". انتهى
يعني المجهول عند ابن حبان وشيخه ابن خزيمة: من روى عنه واحدٌ غيرُ مشهور، ويدلّ عليه ما قاله ابن حبان في "المجروحين" في ترجمة سعيد بن زياد بن قائد بن أبي هند الداري (٤٠٢): "والشيخ إذا لم يرو عنه ثقة فهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا يُخْرج مَنْ ليس بعدلٍ عن حدّ المجهولين إلى جملة أهل العدالة؛ لأن ما روى الضعيفُ وما لم يرو في الحكم سيّان". انتهى.
١٥ - ذكر قول الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد للاستئناس به
وإني التزمتُ بذكر قول الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد": بعد الحكم على الإسناد صحةً وضعفًا فإن قولَه: "رجاله ثقات" أو "رجاله موثقون"، يقصد به غالبا توثيق ابن حبان، وكذلك قوله: "رجاله رجال الصحيح" أي رجال الشيخين أو
стр. 73
أحدهما، ولا يلزم منه تصحيح الإسناد وتحسينه؛ لاحتمال وجود العلل كالانقطاع، والارسال، والشذوذ، والنكارة وغيرها، فإن قول الهيثمي المراد منه الحكم على الرجال دون الإسناد.
وكذلك إذا قال: إسناده صحيح، إسناده حسن. . . فلا ينبغي للباحث أن يسارع إلى تصحيح الإسناد أو تحسينه لما عُرِفَ من منهجه الاعتماد على توثيق ابن حبان، بل يجب عليه دراسة الإسناد، ثم الحكم عليه.
١٦ - رجال الصحيحين لا يلزم منه تصحيح الحديث
إذا كان رجال الإسناد رجال الصحيحين فلا يلزم منه صحته على شرطهما لوجود شذوذ أو علة خفية كما هو معروف عند أهل العلم، ولذا لم أستعملْ (صحيح على شرط الشيخين، أو صحيح على شرط أحدهما).
١٧ - صحة الإسناد لا يستلزم صحة المتن
قال الحافظ ابن القيم ﵀: "وقد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث، وليست موجبة لصحته؛ فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور.
منها: صحة سنده.
ومنها: انتفاء علته.
ومنها: عدم شذوذه.
ومنها: عدم نكارته.
ومنها: أن لا يكون راويه قد خالف الثقات، أو شذّ عنهم". (١)
إذًا من الخطأ أن يُظنّ أن كل حديثٍ رواه الثقات فهو صحيح.
١٨ - لكلّ حديثٍ نقدٌ خاصٌّ
ينبغي أن يُعلم أن لكل حديث ذوقًا ونقدًا يختصّ به دون غيره، فإن السند الواحد قد يُحكم له بالصحة إذا كان سالما من الشذوذ والنكارة، ويُحكم عليه بالضعف عند وجود العلة، وكذا الحال في الرواة الذين تفردوا ولم يخالفهم الثقات، فالحكم على هؤلاء يعود إلى جهابذة هذا الفن، كما قال الحافظ ابن
стр. 74
رجب الحنبلي:
"وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث -إذا تفرّد به واحد- وإن لم يرو الثقات خلافه-: "إنه لا يتابع عليه"، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثُرَ حفظُه واشتهرتْ عدالتُه وحديثُه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعضَ تفرّدات الثقاتِ الكبار أيضًا، ولهم في كلِّ حديثٍ نقدٌ خاصٌّ، وليس عندهم لذلك ضابطٌ يضبطه" (١).
١٩ - ذكر أحاديث جماعة سبق الكلام فيهم
وقد ذكرتُ في هذا الجامع أحاديث جماعة من الرواة الذين سبق الكلام الخفيف فيهم من بعض الأئمة، فنظرتُ في أخبار ما رووه فإنْ ظهر لي صدق ما رووه أدخلته في الجامع، وإنْ ظهر لي خطأهم تجنّبتُ منه.
قال ابن عبد الهادي: "وأصحاب الصحيح إذا رووا لمن تُكلّمَ فيه فإنهم ينتقون من حديثه ما لم ينفردْ به، بل وافق فيه الثقاتُ، وقامت شواهدُ صدقه" (٢).
وكل حديث له نقدٌ خاصّ لا يقاس عليه غيره.
٢٠ - حديث المدلس
وهو أن يروي عمن لقيه أو عاصره فإن بيّن السماع فلا خلاف بين أهل العلم في قبول حديثه إذا لم يكن لقبوله مانع آخر. انظر شرحه المفصل في كتابي: "معجم مصطلحات الحديث".
واختلف أهل العلم في الذي لم يبين فيه السماع، وقد ثبت لقاؤه فذهب أصحاب الكتب الصحاح مثل البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيره وكذلك أصحاب السنن الدارقطني والبيهقي قبولهم مطلقا في الغالب سواء بيّن السماعَ أو لم يبيّن.
والمثال على ذلك أبو الزبير وهو محمد بن مسلم بن تدرس أحد أئمة الحديث، واعتمده مسلم، وروى له البخاري متابعة وهو ممن عُرفَ بالتدليس، وكان الإمام مسلم ﵀ قبل حديثه مطلقا سواء صرّح بالتحديث أو لم يصرّح، وسواء رواه
стр. 75
عنه الليث بن سعد أو روى عنه غيره، لأن الليث بن سعد قال: جئت أبا الزبير فدفع إلى كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو أنني عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر؟ فسألته فقال: منه ما سمعت منه، ومنه ما حُدّثتُ عنه، فقلت له: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي" (١).
وقد تتبع الذهبي رواية أبي الزبير في صحيح مسلم فقال: "وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع من جابر، وهي من غير طريق الليث عنه، ففي القلب منه شيء".
ومن هذه الأحاديث:
لا يحل لأحد حمل السلاح بمكة. صحيح مسلم (١٣٥٦)
رأى النبي ﷺ امرأة، فأتي أهله زينب، فقضى حاجته، صحيح مسلم (١٤٠٣)
نهى النبي ﷺ عن تجصيص القبور. صحيح مسلم (٩٧٠) انتهى كلام الذهبي.
قلت: وقد وجدت في صحيح مسلم أحاديث أبي الزبير، عن جابر من غير طريق الليث بن سعد عنه أكثر من هذا بدون التصريح، فالظاهر أن الإمام مسلم لم يُعِلّ الحديثَ بعنعنة أبي الزبير سواء روى عنه الليث بن سعد أو غيره.
فالمنهج الذي اخترتُه في حديث المدلسين هو ما يأتي:
١ - المدلّسون الذين ذكرهم الحافظ ابن حجر في الطبقة الأولي والثانية مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، وسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري وسفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي وغيرهم يُقبل تدليسُهم مطلقا، لأنهم لا يدلّسون إلا عن الثقات، ويُلحق بهم الأعمش، والزهري، وقتادة، وعمرو بن دينار وغيرهم، وإن كان بعض هؤلاء ممن ذكرهم ابن حجر في الطبقة الثالثة. فإنَّ ردَّ رواية هؤلاء بالعنعنة يودّي إلى تضعيف طائفة كبيرة من الأحاديث الصحيحة.
فإن قيل: لماذا كان هؤلاء يدلّسون؟ وهم أئمة هذا الفن وعمدتهم! ؟
فالجواب: لهم ظروف وحالات، فإذا كانوا في مجلس التحديث والرواية فما كانوا يدلسون، إذ المطلوب في مجلس التحديث اتصال الإسناد، وحديث المدلّس