Полный текст (8 687 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
وفي رواية: فأخذ فأتي به رسول الله ﷺ فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات.
متفق عليه: رواه البخاري في الديات (٦٨٧٧) ومسلم في القسامة (١٥: ١٦٧٢) كلاهما من طريق شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك، فذكره.
والرواية الثانية عند مسلم من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس.
وقوله: "فرجم حتى مات" لا تنافي الرواية الأولى بأنه قتل بين الحجرين.
قال القاضي عياض: "رضخه بين حجرين ورضه بالحجارة ورجمه بها بمعنى، والجامع أنه رمي بحجر أو أكثر ورأسه على آخره". ذكره النووي في شرح مسلم (١١/ ١٥٧).
قال الترمذي: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: لا قود إلا بالسيف".
٩ - باب ما رُويَ: لا قود إلا بالسيف
رُويَ فيه عن أبي بكرة، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وعلي.
وأما حديث أبي بكرة فرواه ابن ماجه (٢٦٦٨) والدارقطني (٣/ ١٠٦) والبيهقي (٨/ ٦٣) كلهم من حديث مُبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قود إلا بالسيف".
ومبارك بن فضالة البصري قال فيه أبو زرعة: يدلس كثيرًا فإذا قال: حدثنا فهو ثقة، وقال أبو داود: كان شديد التدليس. وقال النسائي: ضعيف.
وقال أبو حاتم الرازي: "حديث منكر. "العلل" (١/ ٤٦١).
وفي التلخيص (٤/ ١٩) قال عبد الحق: "طرقه كلها ضعيفة، وكذا قال ابن الجوزي. وقال البيهقي: "لم يثبت إسناده".
والحسن البصري مدلس رواه الدارقطني عنه مرسلا، هكذا رواه أصحابه عنه فأرسلوه وهو الصواب كما قال البزار في مسنده (٣٦٦٣).
وأما حديث النعمان بن بشير فرواه ابن ماجه (٢٦٦٧) وأحمد (١٨٣٩٥) وابن أبي عاصم في الديات (١١٦) والبيهقي (٨/ ٤٢) كلهم من حديث سفيان، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قود إلا بالسيف" هذا لفظ ابن ماجه.
ولفظ غيرهم: "لكل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش" وزاد ابن أبي عاصم: "هذا يدخل في قليل الخطأ وكثيره وفيه جابر بن يزيد الجعفي ضعيف باتفاق أهل العلم قال البيهقي: مطعون. وأبو عازب الكوفي اسمه: مسلم بن عمرو، أو ابن آراك لم يرو عنه إلا جابر بن يزيد. وقال البخاري: لا يتابع عليه. وفي التقريب "مستور".
قلت: هذا الحديث مضطرب لفظًا وسندًا.
стр. 4167
ورواه أبو داود الطيالسي (٨٠٢) عن قيس، عن جابر بإسناده نحو لفظ ابن ماجه "لا قوة إلا بحديدة" أي السيف.
ورواه الدارقطني (٣/ ١٠٧) من حديث قيس وزهير، عن جابر بلفظ: "كل شيء سوى الحديدة فهو خطأ. وفي كل خطأ أرش".
قال البيهقي: "مدار هذا الحديث علي جابر الجعفي وقيس بن الربيع ولا يحتج بهما".
وقال في المعرفة (١٢/ ٨٠): "تفرد به جابر الجعفي وهو ضعيف، لا يحتج به، واختلف عليه في لفظه" وقال: "وروي عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن النعمان بن بشير وقيل: عن أبي بكرة وكلاهما ضعيف، وروي من أوجه أخرى كلها ضعيف" انتهى.
وأما حديث عبد الله بن مسعود فرواه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٩) وابن أبي عاصم في الديات (١١٣) والدارقطني (٣/ ٨٨) والبيهقي (٨/ ٦٣) كلهم من حديث بقية، عن أبي معاذ، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قود إلا بسلاح". وفيه سلسلة الضعفاء والمتروكين.
بقية هو ابن الوليد مدلس كان يدلس تدليس التسوية.
وأبو معاذ: هو سليمان بن أرقم، قال الدراقطني: "متروك".
شيخه عبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف باتفاق أهل العلم.
وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٣٨٤) من طريق بقية، عن ورقاء، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قود إلا بالسلاح".
قال ابن عدي: "هكذا رواه المسيب فقال: بقية، عن ورقاء، عن الزهري.
وورقاء عن الزهري ليس بالمستوى، ولم يلق الزهري، وإنما يروي بقية هذا الحديث عن سليمان بن أرقم عن الزهري". اهـ
ورواه الدارقطني (٣/ ٨٧ - ٨٨) من طريق بقية عن أبي معاذ، عن الزهري، به. ومن طريق عامر بن سيار، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، به.
وأبو معاذ كنية سليمان بن أرقم وهو مدار الحديث، وهو متروك كما قاله الدارقطني وغيره.
وفيه بقية وهو ابن الوليد مدل يدلس التسوية. وهذا الحديث من تخليطه.
وأما حديث علي بن أبي طالب فرواه الدارقطني (٣/ ٨٨) والبيهقي (٨/ ٦٣) ولفظه: "لا قود إلا بحديدة، ولا قود في النفس وغيرها إلا بحديدة" قال الدارقطني: وفيه معلى بن هلال متروك.
خلاصة القول: أنه لم يثبت في هذا الباب شيء كما قال ابن عدي في "الكامل" ونقل عنه البيهقي في "الصغرى". انظر "المنة الكبرى" (٧/ ٦٣).
وكذلك لا يصح ما رُوي عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ قال: "من عرض عرضنا له، ومن
стр. 4168
حرّق حرّقناه، ومن غرّق غرّقناه".
رواه البيهقي في "الكبرى" (٨/ ٤٣) من طريق بشر بن حازم، عن عمران بن يزيد بن البراء، عن أبيه، عن جده.
ورواه أيضا في المعرفة (١٢/ ٤٠٩ - ٤١٠) وقال: "وفي هذا الإسناد بعض من يجهل".
إلا أن مجموع هذه الأحاديث يدل على أن له أصلا، وإليه ذهب أهل الكوفة، ومنهم أصحاب أبي حنيفة، وأما الإمام أحمد فاختلفت الرواية عنه، فرُويَ عنه لا يستوفي إلا بالسيف في العنق كما في "المغني".
١٠ - المسلمون تتكافأ دماؤهم وذمتهم واحدة ولا يقتل مؤمن بكافر
• عن أبي جحيفة قال: سألت عليًّا ﵁: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ وقال ابن عيينة مرة: ما ليس عند الناس؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهمًا يعطى الرجل في كتابه، وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر.
صحيح: رواه البخاري في الديات (٦٩١٥) من طريق مطرّف قال: سمعت الشعبي يحدث قال: سمعت أبا جحفة (واسمه وهب بن عبد الله السوائي) فذكره.
وقوله: "لا يقتل مؤمن بكافر" لشرف الإسلام ونقص الكفر، والقصاص يُشعر بالمساواة، ولا مساواة بين الكافر والمسلم، لكن يجوز للامام وولي الأمر أن يقتل القاتل المسلم تعزيرًا لحفظ الأمن، وقد قال جماعة من فقهاء الكوفة منهم أبو حنيفة: بل يقتل به، لأن النبي ﷺ أتى برجل من المسلمين قتل معاهدًا من أهل الذمة. فقدّم رسول الله ﷺ المسلم فضرب عنقه وقال: "أنا أولى من أوفى بذمته".
رواه أبو داود في مراسيله (٢٤١) والدارقطني (٣/ ١٣٥) والبيهقي (٨/ ٣١) كلهم من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن رسول الله ﷺ ، وعبد الرحمن بن البيلماني ضعيف، لا تقوم الحجة إذا وصل الحديث، فكيف إذا أرسله. وقد روي موصولا ولا يصح.
ورواه أيضا (٢٤٢) بإسناد آخر عن عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمي قال: قتل رسول الله ﷺ يوم خيبر مسلمًا بكافر. قتله غيلة. وقال: "أنا أولى أو أحق من أوفى بذمته" هذا مرسل ضعيف أيضا. عبد الله بن عبد العزيز والراوي عنه عبد الله بن يعقوب مجهولان.
والغيلة والاغتيال: هو أن يخدع ويقتل.
وقال مالك وأهل المدينة: إن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة فيقتل فيه المسلم والكافر.
• عن علي بن أبي طالب قال: ما كتبنا عن النبي ﷺ إلا القرآن وما في هذه
стр. 4169
الصحيفة، قال النبي ﷺ : "المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا. فمن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه عدل ولا صرف, وذمة المسلمين واحدة، بسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .. " الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في الجزية والموادعة (٣١٧٩) ومسلم في الحج (٤٦٨: ١٣٧٠) كلاهما من طريق الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي، فذكره إسحاق والسياق للبخاري.
قوله: "أخفر" أي نقض عهده.
• عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب. فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وذمة المسلمين واحد يسعى بها أدناهم ...... وذكر بقية الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في الاعتصام (٧٣٠٠) ومسلم في الحج (١٣٧٠) كلاهما من حديث الأعمش، عن إبراهيم التيمي بإسناده فذكره.
• عن الأشتر أنه قال لعلي: إن الناس قد تفشّع بهم ما يسمعون. فإن كان رسول الله ﷺ عهد إليك عهدًا فحدّثنا به، قال: ما عهد إلي رسول الله ﷺ عهدًا لم يعهده إلى الناس غير أن في قراب سيفي صحيفة فإذا فيها: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده".
صحيح: رواه النسائي (٤٧٤٦)، عن أحمد بن حفص قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن الحجاج، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن الأشتر فذكره.
وأبو حسان هو مسلم بن عبد الله الأحرد، مشهور بكنيته.
ورواه أبو داود (٢٠٣٥) والنسائي (٤٧٤٥) وأحمد (٩٥٩) كلهم من طريق همام، أخبرنا قتادة، عن أبي حسان أن عليًّا كان يأمر بالأمر فيُوتي فذكره. وأبو حسان لم يسمع من علي.
ولكن في سياق أحمد إشعار بأن الجزء المرفوع من الحديث يرويه الأشتر عن علي بن أبي طالب.
وقوله: "تفشّغ" أي فشا وانتشر.
وقال قيس بن عبّاد: انطلقت أنا والأشتر إلى علي، فقلنا: هل عهد إليك نبي الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة، فقال: لا، إلا ما كان في كتابي هذا. فأخرج كتابًا من قراب سيفه فإذا فيه: "المؤمنون تكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بعده .... " فذكر الحديث.
رواه النسائي (٤٧٣٤) وأبو داود (٤٥٣٠) وأحمد (٩٩٣) والبيهقي (٧/ ١٣٣ - ١٣٤) كلهم من
стр. 4170
حديث يحيى بن سعيد، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُباد فذكره.
رجاله ثقات وكان سماع يحيى بن سعيد من سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه. والحسن مدلس وقد عنعن والحديث صحيح بما قبله.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقتل مسلم بكافر، وقال: دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن".
حسن: رواه الترمذي (١٤١٣) واللفظ له، وأحمد (٦٦٩٢) وغيرهما من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
وهو جزء من خطبة النبي ﷺ في فتح مكة. وهي بتمامها في فتح مكة.
وفي معناه ما روي عن ابن عمر في حديث طويل: "ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده.
رواه ابن حبان (٥٩٩٦) من طريق القاسم بن الوليد، عن سنان بن الحارث بن مصرف، عن طلحة بن مصرف، عن مجاهد، عن ابن عمر فذكره.
وذكر ابن حبان سنان هذا في "الثقات" (٦/ ٤٢٤) ولم يذكر من الرواة عنه إلا القاسم بن الوليد وزاد أبو حاتم: محمد بن طلحة، وزاد ابنه "صالح بن حيي والد حسن بن صالح". ولكن لم يوثقه أحد غيره فهو على رأي ابن حجر "مقبول" أي عند المتابعة.
• عن عائشة قالت: وجدت في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابًا: "إن أشد الناس عُتوًّا من ضرب غير ضاربه، ورجل قتل غير قاتله، ورجل تولّى غير أهل نعمته، فمن فعل ذلك فقد كفر بالله ورسوله، لا يقبل الله منه صرفًا، ولا عدلًا، وفي الأجر المؤمنون تكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين، ولا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خذلتها، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا تسافر امرأة ثلاث ليال مع غير ذي محرم".
حسن: رواه أبو يعلى (٤٧٥٧) عن أبي خيثمة، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، سمعت مالك بن محمد بن عبد الرحمن قال: سمعت عمرة بنت عبد الرحمن، تحدث عن عائشة فذكرته.
ورواه أيضا ابن أبي عاصم في الديات (١٠٧) والدارقطني (٣/ ١٣١) والبيهقي (٨/ ٢٩ - ٣٠) كلهم من حديث عبيد الله بن عبد المجيد فذكره.
وإسناده حسن من أجل مالك بن محمد أبي رجال سئل الدارقطني عنه فقال: "صالح" سؤالات البرقاني (٤٩٨) وهو أخو حارثة بن أبي الرجال، وعبد الرحمن بن أبي الرجال، اشتهروا
стр. 4171
بكنية أبيهم.
قال أبو حاتم: "مالك أحسن حالًا من إخوته".
وذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/ ١٦٤)، وهو من رجال "التعجيل".
وفي الباب ما رُوي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد على أقصاهم" رواه ابن ماجه (٢٦٨٣) وإسناده ضعيف جدًّا فإن فيه حنش وهو الحسين بن قيس الرحبي أبو علي الواسطي، لقبه: حنش ضعيف باتفاق أهل العلم. بل قال البخاري: أحاديثه منكرة جدًّا.
وقال النسائي: "متروك الحديث".
وكذلك لا يصح ما روي أيضا عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون يد على من سواهم، وتتكافأ دماؤهم".
رواه ابن ماجه (٢٦٨٤) وفيه عبد السلام بن أبي الجَنُوب المدني قال أبو حاتم: شيخ متروك وضعّفه أيضا جمهور أهل العلم.
وقوله: "تتكافأ دماؤهم" التكافؤ التساوي أي الشريف والوضيع تتساوى في القصاص. معناه: إن دماء المسلمين متساوية في القصاص، يقاد الشريف بالوضيع، والكبير بالصغير فلا يقتل غير قاتله وإن كان المقتول شريفًا، أو ثريًا، بخلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية. ما كانوا يرضون في دم الشريف بقاتله فقط بل كانوا يقتلون عددا من قبيلة القاتل.
وقوله: "يسعى بذمتهم أدناهم": الذمة هي الأمان أي إن أدنى رجل من المسلمين إذا أعطى أمانا فليس للباقين إخفاره كالعبد والمرأة وغيرهما، وفي المسألة تفاصيل تُذكر في مواضعها.
وقوله: "المؤمنون يد على من سواهم": أي أن المسلمين إخوة يعاون بعضهم بعضا على غيرهم من الكفار والمشركين.
١١ - باب من قال: يقتل الحر بالعبد
رُوي عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، ومن خصاه خصيناه".
رواه أبو داود الطيالسي (٩٤٧) عن هشام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة فذكره.
وروى هذا الحديث عن قتادةَ شعبةُ وحمادٌ أيضا مجزءًا وحديثهم عند أبي داود (٤٥١٥، ٤٥١٦) والترمذي (١٤١٤) وابن ماجه (٢٦٦٣) والدارمي (٢٤٠٣) وابن المنذر في الأوسط (١٣/ ٥٠) وغيرهم. ولكن رواه ابن أبي شيبة (١٤/ ١٨٧) عن عبد الرحيم، حدثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه" مرسلًا.
ثم نسي الحسن هذا الحديث فكان يقول: لا يقاد الحر بالعبد.
стр. 4172
رواه أبو داود (٤٥١٨) عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام، عن قتادة، عن الحسن. فمع اختلاف سماع الحسن من سمرة مطلقًا وقع فيه اضطراب أيضا ولذا طعن فيه الإمام أحمد وغيره.
ولكن نقل الترمذي في العلل الكبير (٢/ ٥٨٨) عن البخاري قال: كان علي بن المديني يقول بهذا الحديث. وقال البخاري: وأنا أذهب إليه.
وذكر البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٠) في ترجمة الحسن البصري قال علي: وسماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بحديثه: "من قتل عبده قتلناه".
وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال: "وذهب بعض أهل العلم من التابعين منهم إبراهيم النخعي إلى هذا الحديث".
قلت: وبه قال ابن المسيب والشعبي وقالوا: "القصاص بين الأحرار والعبيد ثابت في النفس.
وذهب سفيان الثوري إلى أنه إذا قتل عبده عمدا قُتل. وفرق أبو حنيفة بين عبده وعبد غيره.
فقال: إن قتل عبد غيره عمدًا قتل. وهو قول سفيان الثوري أيضا.
وذهب جمهور أهل العلم منهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، إلى أنه لا قصاص بين الأحرار والعبيد. وهو مذهب أبي بكر وعمر. وكذلك روي عن ابن الزبير والحسن وعطاء وعكرمة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، لأنهم أجمعوا على أن لا قصاص بين الأحرار والعبيد في الأطراف فإذا منعوا منه في القليل كان منعه في الكثير أولى. هذا مختصر من إفادة الخطابي في "معالمه".
١٢ - باب من قال: لا يقتل السيد بالعبد
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدًا، فجلده النبي ﷺ مائة جلدة، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة.
حسن: رواه الدارقطني (٣/ ١٤٣ - ١٤٤) وعنه البيهقي (٨/ ٣٦) والطحاوي في شرحه (٣/ ١٣٧ - ١٣٨) كلهم من حديث محمد بن عبد العزيز الرملي، نا إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
وإسماعيل بن عياش ضعيف ولكن رواه عن الأوزاعي، وروايته عن الشاميين قوية.
وفي الإسناد محمد بن عبد العزيز الرملي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، بل وقد تابعه ابن الطباع قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن علي بن أبي طالب وعمرو بن شعيب فذكراه مثله.
رواه ابن ماجه (٢٦٦٤) عن محمد بن يحيى، قال حدثنا ابن الطباع بإسناده. وابن الطباع هو
стр. 4173
إسحاق بن عيسى إلا أن هذا الإسناد ضعيف جدًّا.
وإسحاق بن أبي فروة متروك، ومن طريقه رواه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٠٤) والدارقطني (٣/ ١٤٤) والبيهقي (٨/ ٣٦) وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير أهل بلده الشام. وهذا منها.
ثم إبراهيم بن عبد الله بن حنين لم يسمع من علي بن أبي طالب فالعمدة فيه هو الإسناد الأول.
ثم قال البيهقي: "أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة لا تقوم بشيء منها الحجة، إلا أن أكثر أهل العلم على أن لا يُقتل الرجل بعبده". انتهى.
• عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ صارخًا. فقال له سول الله ﷺ : "ما لك؟ " قال: سيدي رآني أقبّل جارية له، فجب مذاكيري، فقال النبي ﷺ : "علي بالرجل" فطلب، فلم يقدر عليه. فقال رسول الله ﷺ : "اذهب فأنت حر" قال: على من نُصرتي يا رسول الله؟ قال: يقول: أرأيت إن استرقني مولاي؟ فقال رسول الله ﷺ : "على كل مؤمن أو مسلم".
حسن: رواه أبو داود (٤٥١٩) وابن ماجه (٢٦٨٠) وأحمد (٦٧١٠) والبيهقي (٨/ ٣٦) وعبد الرزاق (١٧٩٣٢) كلهم من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره وإسناده حسن من أجله.
قال أبو داود: "الذي عُتق كان اسمه روح بن دينار".
قال أبو داود: "الذي جبّه زنباع".
قال أبو داود: "هذا زنباع أبو روح كان مولى العبد".
وفي أحمد: أن زنباعًا أبا روح وجد غلامًا له مع جارية له، فجدع أنفه وجبّه. فأتى النبي ﷺ فقال: "من فعل هذا بك؟ " قال: زنباع. فدعاء النبي ﷺ فقال: "ما حملك على هذا؟ " فقال: كان من أمره كذا وكذا. فقال النبي ﷺ للعبد: "اذهب فأنت حر" فقال: يا رسول الله، فمولى من أنا؟ قال: "مولى الله ورسوله" فأوصى به رسول الله ﷺ المسلمين، قال: فلما قُبض رسول الله ﷺ جاء إلى أبي بكر، فقال: وصية رسول الله ﷺ ، قال: نعم، نجري عليك النفقة وعلى عيالك. فأجراها عليه، حتى قُبض أبو بكر، فلما استخلف عمر جاءه، فقال: وصية رسول الله ﷺ ، قال: نعم، أين تريد؟ قال: مصر، فكتب عمر إلى صاحب مصر أن يعطيه أرضًا يأكلها. فلعله في بداية الأمر لم يقدر سيده، ثم قدر عليه وأنه ﷺ لم يقده.
١٣ - باب لا يقاد الأب من ابنه
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: نحلت الرجل من بني مدلج جارية، فأصاب منها ابنا، فكان يستخدمها، فلما شب الغلام دعاها يومًا فقال: اصنعي كذا وكذا. فقال: لا تأتيك، حتى متى تستأمي أمي؟ قال:
стр. 4174
فغضب فحذفه بسيفه. فأصاب رجله. فنزف الغلام فمات. فأنطلق في رهط من قومه إلى عمر. فقال: يا عدو نفسه، أنت الذي قتلت ابنك، لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقاد الأب من ابنه" لقتلتك. هلم ديته. قال: فأتاه بعشرين أو ثلاثين ومائة بعير. قال: فخيّر منها مائة فدفعها إلى ورثته، وترك أباه.
حسن: رواه البيهقي (٨/ ٣٨) وابن الجارود (٧٨٨) والدارقطني (٣/ ١٤٠) كلهم من حديث محمد بن مسلم بن وارة، نا محمد بن سعيد بن سابق، نا عمرو بن أبي قيس، عن منصور، عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب بإسناده واللفظ للبيهقي وابن الجارود.
وأما الدارقطني فاختصره على قوله: "لا يقاد الأب من ابنه" وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
وقال البيهقي في "المعرفة" (١٢/ ٤٠) وإسناده صحيح.
قلت: محمد بن عجلان صدوق، وتابعه الحجاج بن أرطاة في قوله: "لا يقتل والد بولده".
رواه الترمذي (١٤٠٠) وابن ماجه (٢٦٦٢) وأحمد (٣٤٦) وأبو عاصم في الديات (١٣٤) والدارقطني والبيهقي وغيرهم، كلهم من طريق الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قتل رجل ابنه عمدًا. فرفع إلى عمر بن الخطاب فجعل عليه مئة من الإبل إلى أن قال: ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقتل والد بولده" لقتلتك.
والحجاج بن أرطاة مدلس وهو ضعيف، ولكن تابعه أيضا ابن لهيعة فقال: حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقاد والد من ولد" وقال رسول الله ﷺ : "يرث المال من يرث الولاء".
رواه الإمام أحمد (١٤٧) عن أبي سعيد، حدثنا عبد الله بن لهيعة بإسناده وقيل: إن ابن لهيعة لم يسمع من عمرو بن شعيب، فهذه الرواية ترده لأن فيها التصريح بالتحديث.
والخلاصة في حديث عمرو بن شعيب أنه حسن من أجله، وقد صححه البيهقي كما مضى.
ولحديث عمرو بن شعيب أسانيد أخرى غير أن ما ذكرته أصحها.
وأما ما رُوي عن سراقة بن مالك قال: حضرت رسول الله ﷺ يُقيد الأب من ابنه، ولا يُقيد الابن من أبيه. فهو ضعيف.
رواه الترمذي (١٣٩٩) عن علي بن حُجر، ثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن سراقة بن مالك فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه من حديث سراقة إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بصحيح، رواه إسماعيل بن عياش، عن المثنى بن الصباح، والمثني بن الصباح يُضَعَّف في الحديث".
قلت: وإسماعيل بن عياش ضعيف في غير الشاميين. وهذا منه، فإن المثنى بن الصباح ليس بشامي.
стр. 4175
ثم قال الترمذي: "وقد روى هذا الحديث أبو خالد الأحمر، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن عمر، عن النبي ﷺ . وقد روي هذا الحديث عن عمرو بن شعيب مرسلًا وهذا حديث فيه اضطراب. ثم ساق رواية الحجاج بن أرطاة كما مر.
وكذلك ما رُوي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "لا تُقام الحدود في المساجد، ولا يُقتل الوالد بالولد" وهو ضعيف أيضًا.
رواه الترمذي (١٤٠١) وابن ماجه (٢٦٦١) والدارمي (٢٤٠٢) من حديث إسماعيل بن مسلم المكي، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه بهذا الإسناد مرفوعًا إلا من حديث إسماعيل بن مسلم، وإسماعيل بن مسلم المكي تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه".
ومن هذا الوجه رواه أيضا الدارقطني (٣/ ١٤١) والبيهقي (٨/ ٣٩) وأعله بإسماعيل بن مسلم المكي. إلا أنه توبع بمتابعات ضعيفة منها: سعيد بن بشير، عن عمرو بن دينار بإسناده مثله.
رواه الحاكم (٤/ ٣٦٩) وسكت هو والذهبي. مع أن سعيد بن بشير وهو الأزدي ضعيف عند جمهور أهل العلم، تكلم فيه البخاري وابن معين وأبو داود والنسائي وغيرهم إلا ابن عدي فإنه كان لا يرى بأسًا بروايته، وقول الجمهور أولى.
وله متابعات أخرى لا يفرح بها، والخلاصة فيه حديث ابن عباس لا يصح.
وأما قول عبد الحق في أحكامه (٤/ ٧٠) وابن القطان في الوهم والإيهام (٣/ ٥٦٥): هذه الأحاديث كلها معلولة، لا يصح منها شيء ففيه نظر لما سبق.
فإن حديث عمر بن الخطاب حسن في أقل أحواله، وقد قال البيهقي: صحيح. وصحّحه أيضا ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٤٣٧) وقال: "هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يتغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكاد أن يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفا". كذا قال مع أن وجود الإسناد أساس لصحة الحديث وضعفه.
فقه الحديث: قال الشافعي: وقد حفظت عن عدد من أهل العلم لقيتهم أن لا يقتل الوالد بالولد، وبذلك أقول. ذكره البيهقي (٨/ ٣٨).
وقال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب إذا قتل ابنه لا يُقتل به، وإذا قذف ابنه لا يحد". قلتُ: وبه قال الحنفية والحنابلة.
١٤ - باب أن الجنابة لا يُقتص منها إلا بعد الاندمال
رُوي عن جابر أن رجلا جرح، فأراد أن يستقيد فنهى رسول الله ﷺ أن يستفاد من الجارح حتى يبرأ المجروح.
رواه الدارقطني (٣/ ٨٨) عن محمد بن مخلد، نا إسماعيل بن الفضل، نا يعقوب بن حميد، نا
стр. 4176
عبد الله بن عبد الله الأموي، عن ابن جريج وعثمان بن الأسود ويعقوب بن عطاء، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
وعبد الله بن عبد الله الأموي مجهول، ويعقوب بن عطاء ضعيف ضعّفه أحمد وابن معين وغيرهما. قال ابن الهادي في "التنقيح" (٤/ ٤٩٠): "قال بعضهم هو من مناكير يعقوب".
وأخرج الطحاوي في شرح المعاني (٣/ ١٨٤): ثنا روح بن الفرج، ثنا مهدي بن جعفر، ثنا عبد الله بن المبارك، عن عنبسة بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ".
سئل أبو زرعة عن حديث رواه ابن المبارك. فقال: "هو مرسل مقلوب" العلل (١/ ٤٥٦) يعني المحفوظ من الشعبي مرسلًا.
وقال البيهقي في "المعرفة" (١٢/ ٨٥): "وقد روي من أوجه كلها ضعيف عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ نهى أن يُمتثل من الجارح حتى يبرأ المجروح".
وروي أيضا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل طعن رجلًا بقرن في رجله فقال: يا رسول الله، أقدني. فقال له رسول الله ﷺ : "لا تعجل حتى يبرأ جرحك" قال: فأبى الرجل إلا أن يستقيد. فأقاده رسول الله ﷺ منه، قال: فخرج المستقيد، وبرأ المستقاد منه، فأتي المستقيد إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله، عرجتُ، وبرأ صاحبي. فقال له رسول الله ﷺ : "ألم آمرك أن لا تستقيد حتى يبرأ جرحك، فعصيتني فأبعدك الله، وبطل جرحك" ثم أمر رسول الله ﷺ بعد الرجل الذي عرج: "من كان به جرح أن لا يستقيد حتى تبرأ جراحته، فإذا برئت جراحته استقاد".
رواه الإمام أحمد (٧٠٣٤) عن يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق قال: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكر الحديث.
هكذا رواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب مرفوعا. وهو مدلس، وليس فيه صيغة الأداء فالظاهر أنه لم يسمع منه.
وتابعه ابن جريج عن عمرو بن شعيب. ومن طريقه رواه الدارقطني (٣/ ٩٠)، وفي طريقه إليه مسلم بن خالد وهو الزنجي ضعيف.
وخالفهما أيوب فرواه عن عمرو بن شعيب مرسلًا. وهو عند الدارقطني أيضا كما رواه أيضا أيوب، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن طلحة، عن النبي ﷺ رواه أيضا الدارقطني وكذلك رواه أيضا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وكذلك رواه حماد بن زيد عن عمرو بن دينار. وروي من وجه آخر عن جابر كما قال البيهقي (٨/ ٦٧).
وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة عن حديث اختلف في الرواية عن عمرو بن دينار: أيوب
стр. 4177
السختياني وحماد بن سلمة فروى ابن علية، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته، فأتى النبي ﷺ يستقيد، فقيل له: حتى يبرأ. فعجل، فاستقاد ... فذكر الحديث.
وقال: ورواه حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة أن رجلا طعن رجلا فذكر الحديث.
قال أبو زرعة: "حديث حماد بن سلمة أشبه". "العلل" (١/ ٤٦٣).
قلت: حديث ابن علية أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٦٩) والدارقطني (٣/ ٨٩) وقال الدارقطني: قال أبو أحمد بن عبدوس: ما جاء بهذا إلا أبو بكر وعثمان. قال الشيخ: أخطأ فيه ابنا أبي شيبة. وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره، عن ابن علية، عن أيوب، عن عمرو مرسلًا. وكذلك قال أصحاب عمرو بن دينار عنه، وهو المحفوظ مرسلًا". انتهى.
ونقل الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧) عن التنقيح: "ظاهر هذا الحديث الانقطاع".
يستفاد من أحاديث الباب مع ضعفها وإنْ كان يعضد بعضه بعضا، أنه لا يجوز الاقتصاص من الجرح حتى يستقر أمره، إما باندمال أو غيره وهو مذهب جمهور أهل العلم. وأجاز الشافعي إذا رضي به المجروح وطلبه على إسقاط ما يؤول إليه جرحه من الموت أو العيب.
انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٧/ ٦٨).
١٥ - باب ما رُويَ في القصاص من الضرب
خطب عمر بن الخطاب فقال: يا أيها الناس، ألا إنا إنما كنا نعرفكم إذ بين ظهرانينا النبي ﷺ ، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله أخباركم، ألا وإن النبي ﷺ قد انطلق، وقد انقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما نقول لكم، من أظهر منكم خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شرًا، ظننا به شرًا، وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا إنه قد أتى عليّ حينٌ وأنا أحسب أن من قرأ القرآن يريد الله وما عنده، فقد خيّل إليّ بأخرة ألا إن رجالا قد قرؤوه يريدون به ما عند الناس، فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم.
ألا إني والله ما أرسل عُمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفسي بيده إذًا لأقصّنّه منه. فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين، أو رأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته، أئنك لَمُقتَصّه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده، إذًا لأقصّنّه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يُقص من نفسه؟ ألا لا تضربوا المسلمين فتذلّوهم، ولا تُجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتُضيّعوهم.
رواه أحمد (٢٨٦) واللفظ له، وأبو داود (٤٥٣٧) والنسائي (٤٧٧٧) وصحّحه الحاكم (٤/ ٤٣٩) كلهم من حديث الجريري سعيد بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي فراس، قال: خطب عمر فذكره.
стр. 4178
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وهذا وهمٌ منه فإن أبا فراس وهو النهدي، وقيل: اسمه الربيع بن زياد لم يخرج له مسلم، وهو من رجال أبي داود والنسائي، ثم هو ممن انفرد بالرواية عنه أبو نضرة، ولم يوثقه أحد غير ابن حبان. فهو "مجهول"، وقال أبو زرعة: لا أعرفه.
وأما الجزء الأول من الخطبة فهو صحيح. رواه البخاري (٢٦٤١) عن الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أنا عبد الله بن عتبة، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ وإن الوحي قد انقطع، وإنما تأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمِنّاه وقرّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، اللهُ يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة.
• * *
стр. 4179
جموع ما جاء في الديات
١ - باب ما جاء في الدية
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨].
• عن ابن عباس يقول: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية. فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فالعفو أن يقبل الدية في العمد. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] يتبع المعروف ويؤدي بإحسان ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي قتل بعد قبول الدية.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٤٩٨) عن الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت مجاهدًا قال: سمعت ابن عباس يقول: فذكره.
• عن أبي جحيفة قال: سألت عليًّا ﵁: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن. وقال مرة: ما ليس عند الناس؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر.
صحيح: رواه البخاري في الديات (٦٩٠٣) عن صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، حدّثنا مطرّف، قال: سمعت الشعبي قال: سمعت أبا جحيفة فذكره.
قوله: "العقل": أي الدية. وسميت الدية عقلًا تسميةً بالمصدر.
لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إبلًا. فتح الباري (١ ٢/ ٢٤٦).
٢ - باب ولي العمد مخير بين القتل أو العفو أو قبول الدية
• عن أبي هريرة قال: لما فتح الله على رسوله مكة قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: .... "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُفدى وإما أن يُقيد".
متفق عليه: رواه البخاري في اللقطة (٢٤٣٤)، ومسلم في الحج (١٣٥٥) كلاهما من حديث الوليد
стр. 4180
ابن مسلم، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حَدَّثَنِي يحيى بن أبي كثير، حَدَّثَنِي أبو سلمة، حَدَّثَنِي أبو هريرة فذكره.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل عمدًا دفع إلى أولياء القتيل، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية. وذلك ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة. وذلك عقل العمد، وما صولحوا فهو لهم، وذلك تشديد العقل".
حسن: رواه الترمذيّ (١٣٨٧) وابن ماجة (٢٦٢٦) وأبو داود (٤٥٠٦) مختصرًا كلّهم من حديث محمد بن راشد، قال: أخبرنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
قال الترمذيّ: "حسن غريب".
• عن أبي شريح الكعبي يقول: قال رسول الله ﷺ : "ألا إنكم معشر خُزاعة قتلتم هذا القتيل من هُذيل، وإني عاقله. فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرين: أن يأخذوا العقل، أو يقتلوه".
صحيح: رواه أبو داود (٤٥٠٤) والتِّرمذيّ (١٤٣٩) وأحمد (٢٧١٦٠) والدارقطني (٣/ ٩٥ - ٩٦) كلّهم من حديث يحيى بن سعيد، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي ذئب قال: حَدَّثَنَا سعيد المقبريّ، قال: سمعت أبا شريح الكعبي فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
ولأبي شريح الكعبي حديث آخر في الصحيحين في تحريم سفك الدماء في سياق طويل في فضائل مكة.
• عن أبي شُريح الخزاعي قال: لما بعث عمرو بن سعيد إلى مكة، بعثه يغزو ابن الزُّبير، أتاه أبو شريح فكلمه، وأخبره بما سمع رسول الله ﷺ فمما قال: "يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر أن يقع، لئن قتلتم قتيلًا لأدينّه. فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاؤوا فدم قاتله، وإن شاؤوا فعقله".
حسن: رواه أحمد (١٦٣٧٧) عن يعقوب، حَدَّثَنَا أبيّ، عن محمد بن إسحاق، قال: حَدَّثَنِي سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي شريح الخزاعي فذكره في خطبة يوم الفتح الطويلة.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وهذا الحديث روي أيضًا بإسناد آخر، وبلفظ آخر عن محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فُضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصيب بدم أو خَبْل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه: أن يقتل، أو يعفو،
стр. 4181
أو يأخذ الدية. فمن فعل شيئًا من ذلك فعاد، فإن له نار جهنّم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا".
رواه أبو داود (٤٤٩٦) وابن ماجة (٢٦٢٣) وأحمد (١٦٣٧٥) والدارقطني (٣/ ٩٦) كلّهم من هذا الوجه. وسفيان بن أبي العوجاء ضعيف عند جمهور العلماء. وعد الذّهبيّ في "الميزان" (٢/ ١٦٩ - ١٧٠) هذا الحديث من مناكيره. وفيه محمد بن إسحاق مدلِّس، وقد عنعن.
• عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ قال: "من قتل في عميّة، أو عصبية بحجر أو سوط أو عصا، فعليه عقل الخطأ، ومن قتل عمدًا فهو قود، ومن حال بينه وبينه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف، ولا عدْل".
وفي رواية: "من قتل عمدًا فقود يده".
حسن: رُوي موصولًا ومرسلا.
فأما الموصول فرواه أبو داود (٤٥٤٠) والنسائي (٤٧٨٩)، وابن ماجة (٢٦٣٥) والطحاوي في مشكله (٤٩٠٠) والدارقطني (٣/ ٩٤)، والبيهقي (٧/ ٢٥، ٥٣) كلّهم من طريق سليمان بن كثير، عن عمرو بن دينار عن طاوس، عن ابن عباس فذكره.
وقال ابن الملقن في الدر المنير (٨/ ٤٠٩): "رواية ابن ماجة على شرط الشّيخين". وقال في التنقيح (٤/ ٤٨١): "وإسناده جيد، لكن رُوي مرسلًا".
وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (١٠٠١) إسناده قويّ، وسكت في تعليقه على المشكاة (٣٤٠٨) فيكون حسنا كما صرَّح به في المقدمة: ما سكت عليه فهو حسن.
قلت: ظاهر إسناده حسن فإن سلمان بن كثير مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في غير الزّهريّ، وهذا ليس من حديث الزهري. وتابعه الحسن بن عمارة وإسماعيل بن مسلم كما قال البيهقيّ، ومن طريقهما رواه الدَّارقطنيّ في سننه (٣/ ٩٣ - ٩٤).
وأمّا المرسل: فرواه أبو داود (٤٥٣٩) من وجهين من حديث حمّاد وسفيان كلاهما عن عمرو، عن طاوس قال: قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث نحوه.
وأشار إليه البيهقيّ بقوله: رواه حمّاد بن زيد في آخرين عن عمرو، عن طاوس مرسلًا. وقد صحَّ الدَّارقطنيّ في العلل (١١/ ٣٥ - ٣٦) الإرسال.
ومما لا شك فيه أن سفيان أقوى وأثبت من سليمان بن كثير ولكن قال الطحاويّ: "إنَّ سفيان قد كان يحدث به هكذا بآخره، وقد كان يحدث به قبل ذلك كما حدّث به سليمان بن كثير، ولو اختلفا لكان سليمان مقبول الرواية، ثبتا فيها ممن لو روى حديثًا فتفرد به لكان مقبولًا منه، وإذا كان كذلك كان فيما زاده على غيره في حديث مقبولة زيادتُه فيه عليه". انتهى.
قلت: علاوة على ذلك فإن سليمان بن كثير لم ينفرد بوصلة كما سبق.
وأمّا معنى الحديث في قوله: "من قتل عمدًا فهو قود". أي أن الواجب هو القود، ولكن إذا
стр. 4182
تنازل أولياء المقتول عن القود فلهم ذلك إما العفو وإما الدية، فلا تعارض بين القود وقبول الدية. وقوله: "لا يقبل منه صرف" أي توبة.
وقوله: "ولا عدل" أي فدية.
وفي الباب ما رُوي عن زيد بن ضُميرة قال: حَدَّثَنِي أبي وعمي، وكانا شهدا حنينًا مع رسول الله ﷺ ، قالا: صلى النَّبِيّ ﷺ الظهر، ثمّ جلس تحت شجرة، فقام إليه الأقرع بن حابس، وهو سيد خِنْدِف، يردُ عن دم محلم بن جثّامة، وقام عيينة بن حصن يطلب بدم عامر بن الأضبط، وكان أشجعيا، فقال لهم النَّبِيّ ﷺ : "تقبلون الدية؟ " فأبوا، فقام رجل من بني ليث، يقال مُكَيِتل، فقال: يا رسول الله! والله! ما شبّهت هذا القتيل، في غرة الإسلام، إِلَّا كغنم وردت، فرميت فنفر آخرها، فقال النَّبِيّ ﷺ : لكم خمسون في سفرنا، وخمسون إذا رجعنا" فقبلوا الدية.
رواه ابن ماجة (٢٦٢٥) واللّفظ له، وأبو داود (٤٥٠٣) وابن الجارود (٧٧٧) وعبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٢١٠٨١) والبيهقي (٩/ ١١٦) كلّهم من حديث محمد بن إسحاق، قال: حَدَّثَنِي محمد بن جعفر، عن زيد بن ضُميرة فذكروه مطوَّلًا وقال فيهم: إن أباه وجَدَّه شهدا حنينًا.
زيد بن ضُميرة ويقال: زياد بن سعد بن ضُميرة، ويقال: زياد بن ضُميرة بن سعد لم يرو عنه غير محمد بن جعفر، ولم يوثقه غير ابن حبَّان ولذا قال الحافظ في "التقريب": "مقبول" أي عند المتابعة. ولم أقف على ذلك. وقد اختلف في إسناده أيضًا. فرواه أبو داود عن وهب بن بيان وأحمد بن سعيد الهمدانيّ، قالا: حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر أنه سمع زياد بن سعد بن ضُميرة السلمي يُحدث عروة بن الزُّبير، عن أبيه. ولم يذكر فيه "وعن جده" ومن طريقه رواه البيهقيّ.
فمرة يحكي القصة عن أبيه وعمه الذين شهدا حنينًا، وأخرى عن أبيه وجده، وثالثة عن أبيه وحده.
٣ - باب ما جاء من الديات على البطون
• عن جابر بن عبد الله يقول: كتب النَّبِيّ ﷺ على كل بطن عقوله.
صحيح: رواه مسلم في العنق (١٥٠٧) عن محمد بن رافع، ثنا عبد الرزّاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزُّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: فذكره.
والعقول: الديات، واحدها عقل كفلس وفلوس.
ومعناه: أن الدية في قتل الخطأ وعمد الخطأ تجب على العاقلة. وهم العصبات. سواء الآباء والأبناء، وإن علوا أو سفلوا.
والبطن دون القبيلة، والفخذ دون البطن.
стр. 4183
٤ - باب ما رُوي في فضل العقل أي الدية
رُوي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لَدِرْهَمٌ أعطيه في عقلٍ أحبُّ إليَّ من خمسة في غيره".
رواه ابن أبي عاصم في الديات (٢٩١)، وابن شاهين في الترغيب والترهيب (٢٦٠) والطَّبرانيّ في الأوسط (٦٨٦٤) كلّهم من حديث الوليد بن مسلم، نا عبد الصمد بن عبد الأعلى السلاميّ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس فذكره، ولفظُ الطبرانيّ: "أحب إليَّ من مائة في غيره" وفيه عبد الصمد بن الأعلى لم يوثقه غير ابن حبَّان على قاعدته في توثيق المجاهيل، ولذا قال الذّهبيّ في الميزان "حدّث عنه الوليد بن مسلم، فيه جهالة، وقل ما روى".
٥ - باب دية الجنين
• عن أبي هريرة أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى، فطرحتْ جنينها، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة عبد أو وليدة.
متفق عليه: رواه مالك في العقول (٥) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاريّ في الديات (٦٩٠٤)، ومسلم في القمامة (١٦٨١) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
والغرة: من كل شيء أنفسه، والمراد من الحديث: النسمة في الرقيق ذكرًا كان أو أنثى، يكون ثمنها نصف عشر الدية. ومن أهل العلم ممن حملوا الحديث على الظاهر فقالوا: الغرة: عبد أبيض، أو أمة بيضاء، فلا يقبل العبد الأسود، وهو خلاف الإجماع.
وقيل: أصل الغرة: بياض في الوجه، فعبر بذلك عن الجسم كله كإطلاق الرقية على العبد المملوك. وذلك في حالة الجنين ميتا، وإن سقط حيا ثمّ مات، ففيه الدية كاملة.
وقال الترمذيّ (١٤١٠) بعد أن أخرج حديث أبي هريرة: "والعمل على هذا عند أهل العلم. وقال بعضهم: الغرة: عبد، أو أمة، أو خمس مائة درهم، وقال بعضهم: أو فرس أو بغل".
قلت: وهو يشير إلى حديث رواه أبو داود (٢٥٧٩) وأبو عاصم في الديات (١٧٢) والدارقطني (٣/ ١١٤ - ١١٥) والبيهقي (٨/ ١١٥) وصحّحه ابن حبَّان (٦٠٢٢) كلّهم من طريق عيسى بن يونس قال: حَدَّثَنَا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة: عبد أو أمة، أو فرس، أو بغل.
قال أبو داود: "روى هذا الحديث حمّاد بن سلمة وخالد بن عبد الله عن محمد بن عمرو، لم يذكرا: أو فرس أو بغل".
قال الخطّابي في معالمه: "يقال: إن عيسى بن يونس قد وهم فيه، وهو يغلط أحيانًا فيما يرويه،
стр. 4184
إِلَّا أنه قد رُوي عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزُّبير أنهم قالوا: الغرة: عبد أو أمة أو فرس.
ويُشبه أن يكون الأصل عندهم فيما ذهبوا إليه حديث أبي هريرة هذا، وقال: وأمّا البغل فأمره أعجب، ويحتمل أن تكون هذه الزيادة إنّما جاءت من قبل بعض الرواة على سبيل القيمة إذا عدمت الغرة من الرقاب". والله أعلم.
وكذا قال البغوي (١٠/ ٢٠٩) بأن عيسى بن يونس وهم فيه، وقد رواه حمّاد وخالد الواسطي عن محمد بن عمرو ولم يذكرا الفرس والبغل.
وقال البيهقيّ: ذكر الفرس في المرفوع وهم.
• عن أبي هريرة قال: اقتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة عبدٍ أو وليدةٍ، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورّثها ولدَها ومن معهم.
فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطلّ. فقال رسول الله ﷺ : "إنّما هذا من إخوان الكهّان" من أجل سجعه الذي سجع.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (٦٩١٠) ومسلم في القسامة (٣٦: ١٦٨١) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال فذكره، واللّفظ لمسلم. وليس عند البخاريّ قال حمل بن النابغة ولا قوله: "وورّثها ولدها ومن معهم".
قوله: "على عاقلته": عاقلة الرّجل: قراباته من قبل الأب وهم عصبته وفيه أن الولد ليس من العاقلة، وأن العاقلة لا ترث إِلَّا ما فضل عن أصحاب الفروض.
قوله: "يطلّ": أي يهدر ولا يضمن.
وفيه دليل على أن دية شبه العمد على العاقلة بخلاف دية العمد فإنها هي على الجاني في ماله.
• عن المغيرة بن شعبة، عن عمر ﵁ أنه استشارهم في إملاص المرأة للمرأة؟ فقال المغيرة: قضى النَّبِيّ ﷺ بالغرة عبد أو أمة. قال: أنت من يشهد معك. فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النَّبِيّ ﷺ قضى به.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (٦٩٠٥ - ٦٩٠٨) عن موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا وُهيب، حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، به، وعن عبيد الله بن موسى، عن هشام، عن أبيه، أن عمر نشد الناس ... الحديث.
ومن طريق زائدة، حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن أبيه أنه سمع المغيرة بن شعبة يحدّث عن عمر.
فتبين بهذا الطريق أن عروة بن الزُّبير إنّما سمعه من المغيرة بن شعبة بلا واسطة. ولكن رواه
стр. 4185
مسلم في القسامة (١٦٨٩) من طرق عن وكيع، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، قال: استشار عمر بن الخطّاب الناس في مِلاص المرأة فقال المغيرة ... الحديث.
والمسور بن مخرمة صحابي صغير، وقد سمع منه عروة بن الزُّبير أحاديث، فيجوز أن يكون لعروة في هذا الحديث شيخان.
وأمّا الحافظ الدَّارقطنيّ في كتابه "التتبع" (٨٥) فتعقب فيه مسلمًا ووهم وكيعًا لمخالفته أصحاب هشام فلم يذكروا (المسور) قال: وهو الصواب".
• عن المغيرة بن شعبة قال: ضربت امرأة ضرّتها بعمود فُسطاط وهي حبلى، فقتلتها قال: وإحداهما لِحْيانية. قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة. وغرةً لما في بطنها. فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا شرب ولا استهل؟ فمثل ذلك يطلّ! فقال رسول الله ﷺ : "أسجع كسجع الأعراب؟ ! " قال: وجعل عليهم الدية.
صحيح: رواه مسلم في القسامة (٣٧: ١٦٨٢) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، أخبرنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن عُبيد بن نضيلة الخزاعيّ، عن المغيرة بن شعبة، فذكره.
• عن أسامة بن عمير الهذلي. وكان قد صحب النَّبِيّ ﷺ قال: كانت فينا امرأتان، فضربت إحداهما الأخرى بعمود، فقتلتها، وقتلت ما في بطنها، فقضى النَّبِيّ ﷺ في المرأة بالدية، وقضى بدية الغرة لزوجها، وقضى بالعقل على عصبة القاتلة، وقضى في الجنين بغرة عبد، أو أمة.
صحيح: رواه ابن أبي عاصم في الديات (١٧١) والطحاوي في مشكله (٤٥٢١) والطَّبرانيّ في الكبير (١/ ١٦٠) وعنه الضياء في المختارة (١٤١٦) كلّهم من طرق عن سفيان بن عينة، عن أيوب السختيانيّ، قال: سمعت أبا المليح الهذلي بن أسامة، عن أبيه فذكره واللّفظ لأبي عاصم مثله عند الطحاويّ. وإسناده صحيح.
وأمّا ما روي بزيادة: أو خمس مائة درهم، أو فرس، أو عشرون ومائة شاة فهو ضعيف.
رواه الطبرانيّ في الكبير (١/ ١٦٠) والبزّار في كشف الأستار - (١٥٢٣) ولم يذكر لفظه كاملًا، والطحاوي في مشكله (٤٥٢٨) وأبو عاصم في الديات (١٧٤) كلّهم من حديث المنهال بن خليفة، عن سلمة بن تمام، عن أبي المليح عن أبيه فذكره.
وفي سياقه قصة أخي الضاربة. فإنه انطلق بالضاربة إلى رسول الله ﷺ يقال له: عمران بن عويمر، فلمّا قصوا على النَّبِيّ ﷺ قصتها قال: "دوه" فقال عمران: يا نبي الله، أندي من لا أكل، ولا شرب، ولا صاح فاستهل، مثل هذا يطل؟ فقال رسول الله ﷺ : "دعني من رجز الأعراب، فيه
стр. 4186
غرة عبد أو أمة أو خمس مائة، أو فرس، أو عشرون ومائة شاة، فقال: يا نبي الله! إن لها ابنان هما سادة الحي وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم. قال: "أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها" قال: ما لي شيء أعقل فيه، قال: "يا حمل بن مالك" وهو يومئذ على صدقات هذيل، وهو زوج المرأتين، وأبو الجنين المقتول: اقبض من تحت يدك من صدقات هذيل عشرين ومائة شاة" ففعل.
وفي إسناده المنهال بن خليفة قال الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ٣٠٠) رواه الطبرانيّ، والبزّار باختصار كثير، والمنهال بن خليفة وتقه أبو حاتم، وضعّفه جماعة، وبقية رجاله ثقات.
قلت: كذا نقل عن أبي حاتم، والصواب أنه قال: صالح يكتب حديثه وقال البزّار: ثقة، وتكلم فيه البخاريّ والنسائي وابن حبَّان وأبو أحمد الحاكم وغيرهم، وجعله الحافظ في مرتبة "ضعيف" وسلمة بن تمام ضعَّفه أحمد والنسائي.
وأمّا البزّار فلم يذكر لفظه كاملًا بل اكتفى بقوله: بغرة عبد أو أمة وقال: لا نعلمه يُروى عن أبي المليح إِلَّا من هذا الوجه وإسناده حسن".
وهذا ليس بصحيح، فقد ثبت أنه رواه أيوب عن أبي المليح، والمنهال كما قلت ضعَّفه الجماعة.
وأمّا ما رُوي عن ابن عباس، عن عمر بن الخطّاب أنه نشد الناس قضاء النَّبِيّ ﷺ في ذلك - يعني في الجنين.
وجاء فيه: فقضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة عبد، وأن تقتل بها. فهو شاذ. رواه أبو داود (٤٥٧٢) وابن ماجة (٢٦٤١) والنسائي (٤٧٣٩) وأبو عاصم في الديات (١٦٧) والدارقطني (٣/ ١١٧) والبيهقي (٨/ ١١٤) وأحمد (١٦٧٢٩) وصحّحه ابن حبَّان (٦٠٢١) كلّهم من حديث ابن جريج، قال: حَدَّثَنِي عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره.
ورواه أحمد (٣٤٣٩) من هذا الوجه وفيه: قلت لعمرو بن دينار: أخبرني ابن طاوس، عن أبيه كذا وكذا (أي لم يذكر فيه تقتل المرأة) فقال: لقد شككتني.
ورواية ابن جريج عن ابن طاوس، عن أبيه أخرجه عبد الرزّاق (١٨٣٤٢) وجاء فيه: ذكر لعمر بن الخطّاب قضاء رسول الله ﷺ في ذلك. فأرسل إلى زوج المرأتين. فأخبره: إنّما ضربت إحدى امرأتيه الأخرى بعمود البيت. فقتلتها وذا بطنها، فقضى رسول الله ﷺ بديتها وغرة في جنينها. فكبّر عمر وقال: كدنا نقضي في مثل هذا برأينا.
قال البيهقيّ بعد سرد رواية عمرو بن دينار السابقة: كذا قال: "أن تقتل بها" يعني المرأة القاتلة، ثمّ شك عمرو بن دينار. والمحفوظ أنه قضى بديتها على عاقلة القاتلة.
وفي الباب ما رُوي عن ابن عباس في صفة الجنين الذي قضى فيه النَّبِيّ ﷺ فقال: "قد نبتت ثنيّتاه، ونبت شعره" قال: فقال أبو القاتلة: والله ما أكل، ولا شرب ولا استهل، فمثل ذلك يطل. فقال النَّبِيّ ﷺ : "أسجع الجاهليّة وكهانتها؟ أدّ الغرة".
стр. 4187
قال ابن عباس: "اسم إحداهما مليكة، والأخرى: أم عفيف".
رواه أبو داود (٤٥٧٤) والنسائي (٤٨٢٨) وأبو عاصم في الديات (١٦٨) وصحّحه ابن حبَّان (٦٠١٩) كلّهم من طريق عمرو بن طلحة، نا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن ابن عباس فذكره.
وأسباط بن نصر ضعَّفه النسائيّ وابن معين في رواية.
وقال الساجي: "روى أحاديث لا يتابع عليها عن سماك بن حرب".
وفي الباب ما رُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ في عقل الجنين إذا كان في بطن أمه بغرة عبد أو أمة. فقضى بذلك في امرأة حمل بن مالك بن النابغة الهذلي.
رواه الإمام أحمد (٧٠٢٦) عن يعقوب، حَدَّثَنَا أبي، عن ابن إسحاق، قال: ذكر عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
وابن إسحاق لم يسمع هذا الحديث من عمرو بن شعيب.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منها زوج وولد، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتول على عائلة القاتلة، وبرّأ زوجها وولدها.
قال: فقال عاقلة المقتول: ميراثها لنا. فقال رسول الله ﷺ : "لا، ميراثها لزوجها ولولدها".
قال: وكانت حُبلى فقالت عائلة المقتولة: إنها كانت حبلى، وألقت جنينًا.
قال: فخاف عائلة القاتلة أن يُضمّنهم.
قال: فقالوا: يا رسول الله! لا شرب، ولا أكل، ولا صاح فاستهل. فقال رسول الله ﷺ : "أشجع الجاهليّة؟ " فقضى في الجنين غرّة: عبدًا أو أمة.
رواه أحمد (١٨٢٣) واللّفظ له، وأبو داود (٤٥٧٥) وابن ماجة (٢٦٤٨) وأبو يعلى (١٨٢٣) كلّهم من حديث عبد الواحد بن زياد، حَدَّثَنَا مجالد بن سعيد، حَدَّثَنِي الشعبي، عن جابر فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني ضعَّفه جمهور أهل العلم، إِلَّا أن البخاريّ كان حسن الرأي فيه.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن بريدة أن امرأة خذفت امرأة، فأسقطتْ فجعل رسول الله ﷺ في ولدها خمسين شاة ونهي يومئذ عن الخذف.
رواه النسائيّ (٤٨١٣) وأبو داود (٤٥٧٨) والبيهقي (٨/ ١١٥) وأبو عاصم في الديات (١٧٣) كلّهم من حديث عبد الله بن موسى، عن يوسف بن صُهَيب، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه فذكره واللّفظ للنسائي.
ولفظ أبي داود: فجعل في ولدها خمس مائة شاة وكذا عند أبي عاصم أيضًا.
قال أبو داود: "كذا الحديث. "خمس مائة شاة" والصواب: مائة شاة.
قال أبو داود: هكذا قال عباس (وهو عباس بن عبد العظيم شيخ أبي داود، عن عبيد الله بن
стр. 4188
موسى) وهو وهم. انتهى. وقال النسائيّ: "أرسله أبو نعيم".
ثمّ رواه من حديث أبي نعيم، حَدَّثَنَا يوسف بن صُهيب، قال: حَدَّثَنِي عبد الله بن بريدة أن امرأة خذفتْ امرأة، فأسقطت المخذوفة فرفع ذلك إلى النَّبِيّ ﷺ فجعل عقل ولدها خمس مائة من الغر، ونهى يومئذ عن الخذف.
قال النسائيّ: "هذا وهم، وينبغي أن يكون أراد مائة من الغرّ".
٦ - باب دية المرأة نصف دية الرّجل
رُوي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "دية المرأة على النصف من دية الرّجل".
رواه البيهقيّ (٨/ ٩٥) من طريق بكر بن حُنين، عن عبادة بن نسي، عن ابن غنْم، عن معاذ بن جبل فذكره.
وبكر بن حُنين - مصغرًا ضعيف ضعَّفه النسائيّ وأبو داود وأبو زرعة. وقال الدَّارقطنيّ: متروك، وقال الجوزجاني: كان يروي كل منكر، وكان لا بأس به.
ثمّ قال البيهقيّ: "ورُوي ذلك من وجه آخر عن عبادة بن نُسي وفيه ضعف".
أي أن الضعف في طريقه، وقد قال البيهقيّ نفسه في الباب الذي يليه: ورُوي عن معاذ بن جبل بإسناد لا يثبت مثله.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل المرأة مثل عقل الرّجل، حتَّى يبلغ الثلث من ديتها" رواه النسائيّ (٤٨٠٥) عن عيسى بن يونس قال: ثنا ضمرة، عن إسماعيل بن عَيَّاش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب فذكره.
وإسماعيل بن عَيَّاش في روايته عن غير شاميين ضعيف وهذا منها. وكذا أعلّه أيضًا ابن حجر في التلخيص (٤/ ٢٥) بقوله "وهو من رواية إسماعيل بن عَيَّاش عن ابن جريج".
ومن الآثار في هذا الباب ما رُوي عن عليّ، وعثمان، وابن عباس، ابن عمر وغيرهم كلّهم قالوا: دية المرأة نصف دية الرّجل.
قال السيوطيّ: "إن المرأة تساوي الرّجل في الدية فيما كان إلى ثلث الدية. فإذا تجاوزت الثلث وبلغ العقل نصف الدية، صارت دية المرأة على نصف دية الرّجل".
وكان ابن مسعود يقول: دية المرأة في الخطأ على النصف من دية الرّجل إِلَّا السن والموضحة، فهما فيه سواء، وكان زيد بن ثابت يقول: دية المرأة في الخطأ مثل دية الرّجل حتَّى تبلغ ثلث الدية. فما زاد فهو على النصف.
أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٠٠) عن عليّ بن مسهر، عن هشام، عن الشعبيّ، عن شريح أن هشام بن هُبَيْرة كتب إليه يسأله. فكتب إليه أن دية المرأة على النصف من دية الرّجل فيما دق وجل. وكان ابن مسعود يقول: فذكره.
стр. 4189
٧ - باب عقل المرأة على عصبتها، وميراثها لورثتها
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ أن يعقل المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثون منها شيئًا إِلَّا ما فَضل عن ورثتها، وإن قُتلت فعقلها بين ورثتها، فهم يقتلون قاتلها.
حسن: رواه ابن ماجة (٢٦٤٧) عن إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
٨ - باب ديات الأعضاء
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يقوم دية الخطأ على أهل القرى أربع مئة دينار أو عدلها من الورق. ويقوّمها على أثمان الإبل، فإذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخصًا نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله ﷺ ما بين أربع مئة دينار إلى ثمان مئة دينار، أو عدلها من الورق ثمانية آلاف درهم.
قال: وقضى رسول الله ﷺ على أهل البقر مئتي بقرة.
ومن كان دية عقله في الشاء فألفي شاة.
قال: وقضى رسول الله ﷺ أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على قرابتهم، فما فضل فللعصبة.
قال: وقضى رسول الله ﷺ في الأنف إذا جدع الدية كاملة، وإن جدعت ثندوته فنصف العقل: خمسون من الإبل أو عدلها من الذهب أو الورق، أو مئة بقرة أو ألف شاة.
وفي اليد إذا قطعت نصف العقل.
وفي الرّجل نصف العقل.
وفي المأمومة ثلث العقل: ثلاث وثلاثون من الإبل وثلث، أو قيمتها من الذهب أو الورق أو البقر أو الشاء. والجائفة مثل ذلك.
وفي الأصابع في كل إصبع عشر من الإبل.
وفي الأسنان في كل سن خمس من الإبل.
وقضى رسول الله ﷺ أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا: لا يرثون منها شيئًا إِلَّا
стр. 4190
ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلهم.
وقال رسول الله ﷺ : "ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئًا".
قال محمد: هذا كله حَدَّثَنِي به سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبِيّ ﷺ .
قال أبو داود: محمد بن راشد من أهل دمشق هرب إلى البصرة من القتل.
حسن: رواه أبو داود (٤٥٦٤) والبيهقي (٦/ ٢٢٠) كلاهما من حديث شيبان بن فروخ، ثنا محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره واللّفظ لأبي داود. واكتفى البيهقيّ بذكر "ليس للقاتل ميراث".
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث وكذلك محمد بن راشد وهو المكحولي الشّاميّ وشيخه سليمان بن موسى الأموي الدّمشقيّ حسنا الحديث.
قال البيهقيّ: "رواه جماعة عن إسماعيل بن عَيَّاش، وقيل عنه عن يحيى بن سعيد وابن جريج والمثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النَّبِيّ ﷺ مثله.
وقوله: "القاتل لا يرث" له شواهد انظر: كتاب الفرائض.
وأمّا بقية فقرات الحديث فلكل منها شواهد مذكورة في أبوابها.
والمأمومة: ما كان الجراح في الرأس، وهي ما بلغت أم الدماغ.
والجائفة: هي الطعنة التي تبلغ الجوف.
وقيل: التي تصل الجوف من بطن، أو ظهر، أو ثغرة نحر، أو كيف كان. وفيها ثلث الدية كما في الحديث.
قال الخطّابي: "وهو قول عامة أهل العلم، فإن نفذت الجائفة حتَّى خرجت من الجانب الآخر فإن فيها ثلثي الدية، لأنها حينئذ جائفتان". انتهى قوله.
ومن الجراحات أيضًا التي تجب فيها الدية دون القصاص الدامية الخارمة، والباضعة، والملاحقة، والسمحاق، والهاشمة، والموضحة، والمنقلة، وجاء ذكر بعضها في كتاب عمرو بن حزم.
قال ابن شهاب: قد قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم وجاء فيه:
"هذا بيان من الله ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فكتب الآية حتَّى بلغ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤] ثمّ كتب: "هذا كتاب الجراح. في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعى جذعه مائة من الإبل، وفي العين خمسون من الإبل، وفي اليد خمسون من الإبل، وفي
стр. 4191
الرّجل خمسون من الإبل، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي المأمومة ثلث النفس، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المقلة خمس عشر، وفي الواضحة خمس من الإبل، وفي السن خمس من الإبل.
رواه البيهقيّ (٨/ ٨٠ - ٨١) وهو مرسل، ولكن اشتهر هذا الكتاب بين أهل العلم، فتلقوه بالقبول، واعتمدوا عليه، ومضى ذكره في كتاب الزّكاة.
وهذا مما لا خلاف فيه أنه لا قصاص في الجراحات والشجاج، وإنما القصاص في كسر أو جرح. كما روى ذلك عدد من فقهاء أهل المدينة. لأن القصاص يقتضي المماثلة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ولا تحقق المماثلة إِلَّا إذا توفر فيه ثلاثة شروط:
١ - التماثل في الفعل.
٢ - التماثل في المحل.
٣ - التماثل في المنفعة.
وهذه الشروط لا تتوفر في الجراحات المذكورة، انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٧/ ٩٢) باب جماع الديات فيما دون النفس.
وأمّا ما روي: لا قود في المأمومة والجائفة والمنقلة وغيرها فأسانيدها كلها ضعيفة.
منها ما رُوي عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قود في المأمومة، ولا الجائفة، ولا المنقلة".
رواه ابن ماجة (٢٦٣٧) وأبو يعلى (٦٧٠٠) وعنه البيهقيّ (٨/ ٦٥) عن أبي كريب، ثنا رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن معاذ بن محمد الأنصاريّ، عن ابن صُهبان، عن العباس فذكره.
وفيه رشدين بن سعد ضعيف، وابن صُهبان "مجهول".
ورواه أبو عاصم في الديات (١٦٢) من حديث بشر بن عمر، عن ابن لهيعة، نا معاذ بن محمد الأنصاري فذكره. وابن لهيعة فيه كلام معروف.
وكذلك لا يصح ما روي نمران بن جارية، عن أبيه، أن رجلًا ضرب رجلًا بالسيف على ساعده فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النَّبِيّ ﷺ فأمر له بالدية، فقال: يا رسول الله! أريد القصاص. قال له: "خذ الدية بارك الله فيها" ولم يقض له بالقصاص.
رواه ابن ماجة (٢٦٣٦) وفيه دهشم بن قُرّان ضعيف باتفاق أهل العلم. وقال ابن الجنيد: متروك. وشيخه نمران بن جارية "مجهول".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن يحيى وعيسى ابني طلحة، أو أحدهما عن طلحة أن النَّبِيّ ﷺ قال: "ليس في المأمومة قود".
رواه البيهقيّ (٨/ ٦٥) وفي أسانيده من لا يعرف. وقال: هذه الأسانيد لا تثبت.
стр. 4192
٩ - باب دية العين العوراء، واليد الشلاء، والسن السوداء
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قضى في العين العوراء السادة لمكانها إذا طُمست بثلث دينها. وفي اليد الشلّاء إذا قطعت بثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا نُزعت بثلث ديتها.
حسن: رواه النسائيّ (٤٨٤٠) وأبو داود (٤٥٦٧) كلاهما من حديث الهيثم بن حميد، حَدَّثَنَا العلاء بن الحارث، حَدَّثَنِي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، والراوي عنه العلاء بن الحارث بن الوارث الحضرمي الدّمشقيّ ثقة، وثَّقه جمهور أهل العلم إِلَّا أنه خولط اختلاطا خفيفًا ولذا لم يهتم الأئمة باختلاطه، وأحاديثه قليلة. وبهذا قال الإمام أحمد في إحدى روايتيه، والرّواية الثانية عنده في كل واحدة حكومة. وبه قال الأئمة الآخرون أبو حنيفة ومالك والشافعي.
وفي الموطأ العقول (٢٠) عن زيد بن ثابت: في العين القائمة إذا طفئت مائة دينار. قال مالك: "الأمر عندنا في العين القائمة العوراء إذا طفئت، وفي اليد الشلاء إذا قطعت أنه ليس في ذلك إِلَّا الاجتهاد، وليس في ذلك عقل مسمى".
وقال الشافعي: "قضاء زيد بن ثابت كان اجتهادا منه".
١٠ - باب ما جاء في الموضحة
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النَّبِيّ قال: "في المواضع خمس".
حسن: رواه أبو داود (٤٥٦٦) والتِّرمذيّ (١٣٩٠) والنسائي (٤٨٥٢) وابن ماجة (٢٦٥٥) والبيهقي (٨/ ٨١) وابن الجارود (٧٨٥) وأبو عاصم في الديات (١٥٧) كلّهم من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب به مثله.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
وكذا حسّنه أيضًا الترمذيّ وقال: "والعمل على هذا عند أهل العلم. وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق أن في الموضحة خمسًا من الإبل". انتهى.
والموضحة هو الشجة التي توضح العظم أي تظهره.
وهي الغالب ما تكون في الوجه والرأس ففيها خمس من الإبل.
والموضحة في غير الوجه والرأس ففيها حكومة.
وفي كلام الفقهاء تفاصيل كثيرة في أنواع الشجاجات وتحديد موضع الموضحة، هل تكون في الوجه والرأس دون سائر الجسد، أو هي شاملة لجميع الجسم؟ راجع تفاصيل ذلك في كتب الفقه.
стр. 4193
١١ - باب دية الأصابع
• عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "هذه وهذه سواء"، يعني الخنصر والإبهام.
صحيح: رواه البخاريّ في الديات (٦٨٩٥) عن آدم، حَدَّثَنَا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه أبو داود (٤٥٥٩) وابن الجارود (٦٨٩٥) كلاهما من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، حَدَّثَنِي شعبة بإسناده وفيه: "الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء".
قال أبو داود: "ورواه النضر بن شميل، عن شعبة بمعني عبد الصمد".
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "دية الأصابع اليدين والرجلين سواء. عشرة من الإبل لكل أصبع".
صحيح: رواه الترمذيّ (١٣٩١) واللّفظ له، وأبو داود (٤٥٦٠، ٤٥٦١) والنسائي (٤٨٤٩) وابن الجارود (٧٨٠) كلّهم من طريق عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
ومنهم من أبهم بقوله: هذه سواء الإبهام والخنصر كما في رواية شعبة عند البخاريّ.
قال الترمذيّ: "والعمل على هذا عند أهل العلم. وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق".
وبه كان يفتي ابن عباس، فأرسل مروان إليه فقال: أتُفتي في الأصابع عشر عشر. وقد بلغك عن عمر في الأصابع. فقال ابن عباس: رحم الله عمر، قول رسول الله ﷺ أحق أن يتبع من قول عمر. أخرجه البيهقيّ (٨/ ٩٣) بإسناد صحيح. لأن عمر بن الخطّاب فضي في الإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي اللتي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست. رواه الشافعي عن سفيان وعبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر فذكره. وأخرجه البيهقيّ (٨/ ٩٣) من طريق الشافعي.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النَّبِيّ ﷺ قال في خطبته - وهو مسند ظهره إلى الكعبة - "في الأصابع عشر عشر".
حسن: رواه أبو داود (٤٥٦٢) وابن ماجة (٢٦٥٣) والنسائي (٤٨٥٠) واحمد (٧٠١٣) والدارقطني (٣/ ٢١٠) كلّهم من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو فإنه حسن الحديث.
• عن أبي موسى الأشعريّ، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "الأصابع سواء عشر عشر من الإبل".
حسن: رواه أبو داود (٤٥٥٧) وأحمد (١٩٥٥٠) والدارقطني (٣/ ٢١١) والبيهقي (٨/ ٩٢) والدارمي (٢٤١٤) وصحّحه ابن حبَّان (٦٠١٣) كلّهم من حديث شعبة، عن غالب التمَّار، عن مسروق بن أوس، عن أبي موسى فذكره.
стр. 4194
قال أبو داود: ورواه محمد بن جعفر، عن شعبة، عن غالب قال: سمعت مسروق بن أوس.
قلت: لأنه رواه غير شعبة فأدخل بين غالب التمار وبين مسروق بن أوس "حميد بن هلال" كما عند أبي داود (٤٥٥٦) والنسائي (٤٨٤٥) وابن ماجة (٢٦٥٤) وأبو عاصم في الديات (١٥٢) كلّهم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن غالب التمار.
إِلَّا أن الدَّارقطنيّ رجّح في "العلل" (٧/ ٢٤٩) قول شعبة، وتابعه على ذلك ابن علية، وخالد بن يحيى البصريّ، وحنظلة بن أبي صفية، وعلي بن عاصم، كلّهم عن غالب، عن مسروق بن أوس، عن أبي موسى إِلَّا أن شعبة ربما شك فقال: مسروق بن أوس، أو أوس بن مسروق، والصواب قول من قال: مسروق بن أوس.
قلت: وأخرج أحاديث هؤلاء في سننه (٣/ ٢١١).
وإسناده حسن من أجل مسروق بن أوس فقد روى عنه جمعٌ، ووثَّقه ابن حبَّان، وكان معروفا غزا في خلافة عمر، قال الحافظ في "التهذيب": "بين المصنف في الأطراف أن الصواب مسروق بن أوس، وأن شعبة روى الحديث مرة بالشك، وعنه أحمد وغيره من رواية شعبة عن غالب سمعت أوس بن مسروق رجلًا منا .... وسنده صحيح".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عمرو بن حزم مرفوعًا: "وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل" وكتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النَّبِيّ ﷺ إلى أهل اليمن وذكر فيه الديات، والفرائض، والسنن، والصدقات كتاب مشهور، يرى ابن عبد البر أن شهرته تُغني عن الإسناد، لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة. التمهيد (١٧/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
وجمهور أهل العلم أنه لم يرو بإسناد صحيح، وإنما رواه الزهري مرسلًا. راجع تخريجه مفصلا وكلام أهل العلم فيه في "البدر المنير" (٨/ ٣٧٧ - ٣٨٧).
١٢ - باب ما جاء في دية الأسنان
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الأسنان سواء، والأصابع سواء".
صحيح: رواه أبو داود (٤٥٦٠) وأحمد (٢٦٢٤) والبيهقي (٨/ ٩٠) كلّهم من حديث عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: أخبرنا أبو حمزة، قال: حَدَّثَنَا يزيد النحويّ، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه ابن ماجة (٢٦٥١) عن إسماعيل بن إبراهيم البالسيّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الحسن بن شقيق بإسناده وقال فيه: "قضى النَّبِيّ ﷺ في السن خمسا من الإبل".
وإسماعيل بن إبراهيم ثقة، وإسناده صحيح أيضًا كما قال البوصيري.
وروى مالك في العقول (٢٩) عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المريّ، أن مروان بن الحكم بعثه إلى عبد الله بن عباس يسأله ماذا في الضرس فقال: فيه خمس من الإبل.
стр. 4195
قال: فردني إليه مروان قال: أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس؟ فقال ابن عباس: لو لم تعتبر ذلك إِلَّا بالأصابع، عقلها سواء".
قال مالك: الأمر عندنا أن مقدم الفم والأضراس والأنياب عقلها سواء. وذلك أن رسول الله ﷺ قال: "في السن خمس من الإبل، والضرس سن من الأسنان، لا يفضل بعضها على بعض". انتهى.
١٣ - باب السوط والعصا خطأ شبه العمد
• عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ خطب يوم فتح مكة، فكبّر ثلاثًا ثمّ قال: "لا إله إِلَّا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مأثرةٍ كانت في الجاهليّة تذكر وتُدعى من دم، أو مال تحت قدمَيَّ، إِلَّا ما كان من سقاية الحاج، وسدانة البيت". ثمّ قال: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها".
حسن: رواه أبو داود (٤٥٤٧) وابن ماجة (٢٦٢٧) والدارقطني (٣/ ١٠٤ - ١٠٥) وابن الجارود (٧٧٣) وصحّحه ابن حبَّان (٦٠١١) كلّهم من طرق عن خالد الحذاء، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو فذكره واللّفظ لأبي داود. واختصره البعض.
وهذا إسناد حسن من أجل عقبة بن أوس الدوسي فإنه حسن الحديث.
ولكن رواه ابن ماجة (٢٦٢٧) والنسائي (٤٧٩١) وأحمد (٦٥٣٣) كلّهم من حديث شعبة، عن أيوب، سمعت القاسم بن ربيعة يحدث عن عبد الله بن عمرو فذكره مختصرًا.
فأسقط أيوب من الإسناد "عقبة بن أوس".
فلعل القاسم بن ربيعة سمع الحديث من الوجهين، فإن ابن عمرو وعقبة بن أوس، ويقال يعقوب بن أوس من شيوخه وهو ثقة.
وللحديث أسانيد أخرى ذكرها النسائيّ والدارقطني وغيرهما، إِلَّا أن الصَّحيح منها لا يضره
اختلاف الأسانيد كما هو مقرر في أصول الحديث. وبالله التوفيق
وأمّا ما رواه أبو داود (٤٥٤٩) وابن ماجة (٢٦٢٨) والنسائي (٤٧٩٩) والدارقطني (٣/ ١٠٥) كلّهم من حديث عليّ بن زيد، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ بمعناه كما قال أبو داود قال: خطب رسول الله ﷺ يوم الفتح أو فتح مكة على درجة البيت أو الكعبة كذا عند أبي داود.
وجاء فيه: "ألا إن قتيل الخطأ قتيل السوط والعصا، فيه مائة إبل. منها أربعون خِلفة في بطونها أولادها" فهو ضعيف.
عليّ بن زيد بن جدعان ضعيف لا يحتج به، وخاصة إذا خالف.
فإنه جعل الحديث من مسند عبد الله بن عمر بن الخطّاب، والصحيح أنه من مسند عبد الله بن
стр. 4196
عمرو بن العاص.
١٤ - باب دية الخطأ
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشر بني لبون ذكر.
حسن: رواه أبو داود (٤٥٤١) وابن ماجة (٢٦٣٠) والدارقطني (٣/ ٩٥) ومن طريقه البيهقيّ (٨/ ٧٤) كلّهم من حديث يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره واللّفظ لأبي داود.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث ومحمد بن راشد هو الدّمشقيّ المكحولي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وزاد ابن ماجة: وكان رسول الله ﷺ يقومها على أهل القرى أربع مائة دينار، أو عدلها من الورق، ويقومها على أزمان الإبل، إذا غلتْ رفع في ثمنها، وإذا هانت نقص من ثمنها، على نحو الزمان ما كان فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ما بين الأربع مئة دينار إلى ثمان مائة دينار، أو عدلها من الورق ثمانية آلاف درهم.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كانت قيمة الدية في عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك حتَّى استخلف عمر ﵁ فقام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلتْ، ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية.
حسن: رواه أبو داود (٤٥٤٢) عن يحيى بن حكيم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عثمان، حَدَّثَنَا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب فذكره.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا البيهقيّ (٨/ ٧٧) وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب وهو حسن الحديث.
وفي الباب ما رواه أيضًا أبو داود (٤٥٤٣) عن موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا حمّاد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح أن رسول الله ﷺ قضى في الدية على أهل الإبل مئة من الإبل، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة، وعلى أهل القمح شيئًا لم يحفظه محمد (يعني ابن إسحاق) وهذا مرسل.
стр. 4197
ثمّ وصله أبو داود (٤٥٤٤) فقال: قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقانيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو تُميلة، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق قال: ذكر عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: فرض رسول الله ﷺ .
فذكر مثل حديث موسى. قال: وعلى أهل الطعام شيئًا لم أحفظه.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا البيهقي (٨/ ٧٨) وقال: كذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار، ورواية من رواه عن عمر أكثر وأشهر.
قلت: ومحمد بن إسحاق مدلِّس، ولم يسمع هذا الحديث من عطاء، وبهذا قالت الحنابلة وبعض الحنفية.
وقال الشافعي: إن الواجب الأصلي في الدية هو مائة إبل إن وجدت، فإن انعدمت يرجع إلى القيمة من عملة البلد في حينه.
وفي الباب ما رُوي عن عبادة بن الصَّامت أن النَّبِيّ ﷺ قضى في دية الكبرى المغلظة ثلاثين ابنة لبون، وثلاثين حقة، وأربعين خلفة، وقضى في دية الصغرى: ثلاثين ابنة لبون، وثلاثين حقة، وعشرين ابنة مخاض، وعشرين بني مخاض ذكور.
ثمّ غلت الإبل بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وهانت الدراهم. فقوم عمر بن الخطّاب إبل الدية ستة آلاف درهم حساب أوقية لكل بعير، ثمّ غلت الإبل وهانت الورق، فزاد عمر بن الخطّاب ألفين حساب أوقيتين لكل بعير، ثمّ غلت الإبل، وهانت الدراهم فأتمها عمر اثني عشر ألفا حساب ثلاث أواق لكل بعير. قال: فزاد ثلث الدية في الشهر الحرام، وثلثا آخر في البلد الحرام. قال: فتمت دية الحرمين عشرين ألفا.
قال: فكان يقال: يؤخذ من أهل البادية من ماشيتهم لا يكلفون الورق ولا الذهب. ويؤخذ من كل قوم ما لهم قيمة العدل من أموالهم.
رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٢٢٧٧٨) وابن أبي عاصم في الديات (١٤١) والبيهقي (٨/ ٧٤) كلّهم من حديث الفُضيل بن سليمان، حَدَّثَنَا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت، عن عبادة بن الصَّامت قال: فذكره.
وإسحاق لم يلق جد أبيه عبادة بن الصَّامت فهو مرسل كما قال البيهقيّ ولم يرو عنه إِلَّا موسى بن عقبة فهو "مجهول" أيضًا، والفضيل بن سلمان ضعيف ضعَّفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم.
وقوله: "دية الكبرى": أي إذا قتله عمدًا. وقوله: "دية الصغرى": أي إذا قتله خطأ.
١٥ - باب من قال: دية الخطأ أخماس
رُوِيَ عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض ذكر" إِلَّا أنه موقوف.
رواه أبو داود (٤٥٤٥)، والتِّرمذيّ (١٣٨٦) والنسائي (٤٨٠٢) وابن ماجة (٢٦٣١) كلهم من
стр. 4198
حديث الحجاج بن أرطاة، عن زيد بن جبير، عن خشْف بن مالك، قال: سمعت ابن مسعود فذكره.
قال أبو داود: وهو قول عبد الله. والحجاج بن أرطاة مدلس، وقد عنعن.
وخشف بن مالك مختلف فيه. فوثّقه النسائيّ، وذكره ابن حبَّان في الثّقات، ولم يرو عنه إِلَّا زيد بن جبير الجشميّ، ونقل ابن حجر في "التهذيب": قال الدَّارقطنيّ في السنن: مجهول، وتبعه البغوي في المصابيح، وقال الأزدي: ليس بذاك. ورجح الترمذيّ أنه موقوف فقال: حديث ابن مسعود لا نعرفه إِلَّا من هذا الوجه، وقد رُوي عن عبد الله موقوفًا.
وقال الدَّارقطنيّ (٣/ ١٧٢ - ١٧٣) بعد أن رواه من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود قوله: دية الخطأ خمسة أخماس موقوفًا عليه.
وقال: وهذا إسناد حسن، ورواته ثقات، وقد رُويَ عن علقمة، عن عبد الله نحوه.
قلت: أما رواية علقمة فرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٩/ ١٣٤) وأبو داود (٤٥٥٣) والبيهقي (٨/ ٦٩) كلّهم من حديث أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن علقمة النخعيّ، عن ابن مسعود فذكره. وفيه أبو إسحاق مختلط، ولم يعرف عن أبي الأحوص هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعد الاختلاط. ثمّ قال الدَّارقطنيّ بعد أن ساق الحديث من طريق الحجاج، عن زيد بن جبير، عن خلف بن مالك، عن عبد الله مرفوعًا: هذا حديث ضعيف، غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة. ثمّ ذكر هذه الوجوه - والخلاصة فيه أنه موقوف عليه".
ورأى البيهقيّ (٨/ ٧٦) بعد أن ساق عدة أسانيد إلى ابن مسعود موقوفًا عليه أن الموقوف عليه أيضًا ليس بصحيح فإن فيه انقطاعا بين ابن مسعود وبين من روى عنه، كما أن المرفوع ضعيف لجهالة خشف بن مالك لم يرو عنه إِلَّا زيد بن جبير وقال: ولا نعلم أحدًا رواه عن زيد بن جبير إِلَّا حجَّاج بن أرطاة. والحجاج رجل مشهور بالتدليس، وإنه يحدث عمن لم يلقه، ولم يسمع منه". انتهى.
وجعل الشافعي مكان بني المخاض بني لبون لحديث ابن مسعود موقوفًا عليه وهو قوله: دية الخطأ خمس أخماس: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون ذكور.
رواه الدَّارقطنيّ (٣/ ١٧٢) عن دعْلج، ثنا حمزة بن جعفر الشيرازيّ، ثنا أبو سلمة، ثنا حمّاد بن سلمة، أنا سليمان التميميّ، عن أبي مجلز، عن أبي عبيدة، أن ابن مسعود قال: فذكره.
قال الدَّارقطنيّ: "هذا إسناد حسن. ورواته ثقات. وقد رُوي عن علقمة عن عبد الله نحوه".
وقال: أما حديث خِشف بن مالك فضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، أحدها أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه بالسند الصَّحيح عنه الذي لا مطعن فيه ولا تأويل عليه، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه وفتياه من خشف بن مالك ونظرائه وعبد الله بن مسعود أتقى لربه وأشح على دينه من أن يرُوي عن رسول الله ﷺ أنه يقضي
стр. 4199
بقضاء، ويفتي هو بخلافه، هذا لا يتوهم مثله على عبد الله بن مسعود، وهو القائل في مسألة وردت عليه لم يسمع فيها من رسول الله ﷺ شيئًا ولم يبلغه عنه فيها قول، أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله ورسوله، وإن يكن خطأ فمني، ثمّ بلغه بعد ذلك أن فتياه وافق قضاء رسول الله ﷺ في مثلها، فرآه أصحابه عند ذلك فرح فرحًا لم يروه فرح مثله، من موافقة فتياه قضاء رسول الله ﷺ ، فمن كانت هذه صفته وهذا حاله، فكيف يصح عنه أن يروي عن رسول الله ﷺ شيئًا ويخالفه، ويشهد أيضًا لرواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ما رواه وكيع وعبد الله بن وهب وغيرهما، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: دية الخطأ أخماسًا.
قلت: كذا قال رحمه الله تعالى، ومن المعروف أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ثمّ أدرك الدَّارقطنيّ قائلًا: "ويشهد أيضًا لرواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، ما رواه وكيع وعبد الله بن وهب وغيرهما عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: دية الخطأ أخماسًا.
ثمّ قال: ثمّ فسرها كما فسرها أبو عبيدة وعلقمة عنه سواء. فهذه الرواية وإن كان فيها إرسال.
فإبراهيم النخعي هو أعلم الناس بعبد الله وبرأيه وبفتياه وأطال الكلام فيه.
ولكن رواه البيهقيّ (٨/ ٧٥) من حديث يزيد بن هارون، أنبأنا سليمان التيميّ، عن أبي مجلز، عن أبي عبيدة، عن عبد الله في دية الخطأ أخماس: خمس بنو مخاض، وخمس بنات مخاض، وخمس بنات لبون، وخمس حقاق، وخمس جذاع. وقال: هذا هو المعروف عن عبد الله بن مسعود بهذه الأسانيد. قد روى بعض حفاظنا وهو الشّيخ أبو الحسن الدَّارقطنيّ هذه الأسانيد عن عبد الله، وجعل مكان بني المخاض - بني لبون، وهو غلط منه. وقد رأيته أيضًا في كتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة وهو إمام، في رواية وكيع، عن سفيان بإسناديه كذلك بني لبون، وفي رواية سعيد بن بشير عن قتادة، عن أبي مجلز، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود كذلك بني لبون".
١٦ - باب ما جاء في الدية من الدراهم
رُويَ عن ابن عباس أن رجلًا من بني عدي قتل، فجعل النَّبِيّ ﷺ ديته اثني عشر ألفا.
رواه أبو داود (٤٥٣٦) والتِّرمذيّ (١٣٨٨) والنسائي (٤٨٠٣) وابن ماجة (٢٦٢٩ - ٢٦٣٢) كلّهم من حديث محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال الترمذيّ: "لا نعلم أحدًا يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم".
وقال أبو داود: "رواه ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة عن النَّبِيّ ﷺ . ولم يذكر ابن عباس" أي مرسلًا.
قلت: هذه الرواية وصلها الترمذيّ (١٣٨٩) عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة فذكره. وكذلك رواه النسائيّ (٤٨٠٤) عن محمد بن ميمون، قال: حَدَّثَنَا سفيان، عن
стр. 4200
عمرو، عن عكرمة سمعناه مرة يقول: عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ قضى باثني عشر ألفا في الدية".
ورواه الدَّارقطنيّ (٣/ ١٣٠) وقال فيه محمد بن ميمون: وإنما قال لنا فيه: عن ابن عباس مرة واحدة، وأكثر من ذلك يقول: عن عكرمة، عن النَّبِيّ ﷺ .
وقال الترمذيّ في "العلل الكبير" (٢/ ٥٧٧): "سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: سفيان بن عيينة يقول: عمرو بن دينار عن عكرمة، عن النَّبِيّ ﷺ مرسلًا. وكأن حديث ابن عيينة عنده أصح". وكذا رجّح أيضًا أبو حاتم المرسل. "العلل" (١/ ٤٦٣).
قال الترمذيّ بعد أن ذكر حديث ابن عباس: "والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم. وهو قول أحمد. ورأى بعض أهل العلم الدية عشرة آلاف. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة. وقال الشافعي: "لا أعرف الدية إِلَّا من الإبل وهي مائة من الإبل". انتهى.
قلت: وقال الشافعي أيضًا: فإن عدمت الإبل فيعدل إلى ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم، أو إلى قيمة الإبل حين القبض زائدة وناقصة.
وأمّا مالك فكان يجعلها في الإبل، وفي الدنانير وفي الدراهم. وكذلك قول أبي حنيفة.
١٧ - دية المكاتب
• رُوي عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه" وقال النَّبِيّ ﷺ : يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر، وما بقي دية عبد".
رواه أبو داود (٤٥٨١)، والتِّرمذيّ (١٢٥٩) والنسائي (٤٨٠٨) وأحمد (١٩٤٤) وابن أبي عاصم في الديات (٢٤٢) والدارقطني (٣/ ١٩٩) وصحّحه الحاكم (٢/ ٢١٨) والبيهقي (١٠/ ٣٢٦) كلّهم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس إِلَّا الترمذيّ فإنه رواه عن أيوب، عن عكرمة به واللّفظ للترمذي.
وقال: حديث حسن، وهكذا روي يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ . وروي خالد الحذاء، عن عكرمة، عن عليٍّ قولَه.
وقال: سألت البخاريّ عن هذا الحديث فقال: روى بعضهم هذا الحديث عن أيوب، عن عكرمة، عن عليّ.
وقال أبو داود بعد أن رواه أيضًا من طريق حمّاد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "رواه وهيب، عن أيوب، عن عكرمة، عن النَّبِيّ ﷺ . وأرسله حمّاد بن زيد وإسماعيل عن أيوب، عن عكرمة، عن النَّبِيّ ﷺ . وجعله إسماعيل ابن علية قول عكرمة". انتهى.
وقال أبو عليّ التغلبي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: أنا أذهب إلى حديث بريدة
стр. 4201
أن رسول الله ﷺ أمر بشرائها - يعني أنها بقيت على حكم الرق حتَّى أمر بشرائها. "ذكره البيهقيّ.
وقال: وحديث عكرمة إذا وقع فيه الاختلاف وجب التوقف فيه.
وهذا المذهب إنّما يروى عن عليّ بن أبي طالب، وهو أن يعتق بقدر ما أدّى. وفي ثبوته عن النَّبِيّ ﷺ نظر". انتهى.
قلت: ولذا لم يأخذ بهذا الحديث جمهور أهل العلم، وإنما قال به بعض أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ ﷺ وغيرهم.
وقال أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ ﷺ وغيرهم: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. وهو قول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق كما قال الترمذيّ.
١٨ - باب دية أهل الذمة
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم: يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليه أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مُضْعفهم، ومتسريهم على قاعدهم، لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده".
وفي رواية: "دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن".
حسن: رواه أبو داود (٢٧٥١) واللّفظ له والتِّرمذيّ (١٤١٣) والنسائي (٤٨٠٦) وابن ماجة (٢٦٥٩) وأحمد (٦٦٩٢) وابن الجارود (١٠٥٢) واليهقي (٨/ ٢٩) والبغوي (٢٥٤٢) كلّهم من طرق عن عمرو بن شعيب به مثله، وهو جزء من خطبة النَّبِيّ ﷺ : عام الفتح ذكره أحمد وابن الجارود والبيهقي والبغوي مطولة، وستأتي كاملة في موضعه.
وإسناده حسن من أجل عمرو وأبيه.
والرّواية الثانية عند الترمذيّ وقال: حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب حديث حسن". قلت: وهو كما قال.
رُوي عن مُجَّاعَةَ أنه أتى النَّبِيّ ﷺ : يطلب دية أخيه - قتلته بنو سدوس من بني ذهل - فقال النَّبِيّ ﷺ : "لو كنت جاعلا لمشرك دية جعلتها لأخيك، ولكن سأعطيك منه عقبي" فكتب له النَّبِيّ صلي الله عليه وسلم بمائة من الإبل من أول خمس يخرج من مشركي بني ذهل، فأخذ طائفة منها، وأسلمت بنو ذهل، فطلبها بعد مجاعة إلى أبي بكر، وأتاه بكتاب النَّبِيّ ﷺ ، فكتب له أبو بكر باثني عشر ألف صاع من صدقة اليمامة: أربعة آلاف بر، وأربعة آلاف شعير، وأربعة آلاف تمر، وكان في كتاب النَّبِيّ ﷺ لمجاعة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتاب من محمد النَّبِيّ، لمجاعة بن مرارة من بني سلمى، إني أعطيته مائة من الإبل من أول خمس يخرج من مشركي بني ذهل عقبةً من أخيه".
стр. 4202
رواه أبو داود (٢٩٩٠) وابن قانع في مُعْجَمُ الصّحابة (٣/ ١١٢ - ١١٣) من طريق عنبسة بن عبد الواحد القرشيّ، حَدَّثَنِي الدخيل بن إياس بن نوح بن مجاعة، عن هلال بن سراج بن مجاعة، عن أبيه، عن جده مجاعة، فذكره.
وفي إسناده الدخيل بن إياس بن نوح بن مجاعة، لم يؤثر توثيقه عن أحد إِلَّا أن ابن حبَّان ذكره في ثقاته، ولم يتابع. وفيه أيضًا سراج بن مجاعة، قيل: إن له صحبة. لكن لم تثبت له من وجه معتبر، ولذا ذكره البخاريّ وابن أبي حاتم في جملة التابعين، ولم يؤثر توثيقه عن أحد إِلَّا أن ابن حبَّان ذكره في ثقات التابعين، ولم يتابع أيضًا.
قال الترمذيّ: "واختلف أهل العلم في دية اليهودي والنصراني".
فذهب بعض أهل العلم في دية اليهودية والنصراني إلى ما رُوي عن النَّبِيّ ﷺ . وقال عمر بن عبد العزيز: دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم. وبهذا يقول أحمد بن حنبل.
ورُوي عن عمر بن الخطّاب أنه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم. وبهذا يقول مالك بن أنس والشافعي وإسحاق وقال بعض أهل العلم: "دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة". انتهى.
وأمّا الإمام أحمد فذهب إلى نصف الدية إن كان القتل خطأ، فإن كان عمدا لم يقد به، ويضاعف عليه باثني عشر ألفًا.
روى عبد الرزّاق (١٨٤٩٢) عن معمر، عن الزّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر أن رجلًا مسلما قتل رجلًا من أهل الذمة عمدًا. فرفع إلى عثمان فلم يقتل به، وغلّظ عليه الدية مثل قتل المسلم.
وكذلك قاله ابن مسعود وعلي والشعبي والنخعي على أن يكون ذميا أو معاهدًا.
وأمّا من رُوي عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ ودى العامريّين بدية المسلمين. وكان لهما عهد من رسول الله ﷺ . فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (١٤٠٤) والبيهقي (٨/ ١٠٢) كلاهما من حديث أبي بكر بن عَيَّاش، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إِلَّا من هذا الوجه، وأبو سعد البقال اسمه: سعيد بن المرزبان".
قلت: سعيد بن مرزبان العبسي مولاهم، الكوفي الأعور ضعيف باتفاق أهل العلم حتَّى قال البخاريّ: منكر الحديث.
١٩ - باب حثِّ الإمام على قبول الدية
• عن عائشة، أن رسول الله ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا، فلاجَّه رجل في
стр. 4203
صدقته، فضربه أبو جهم، فشجَّه، فأتوا النَّبِيّ ﷺ فقالوا: القودَ يا رسول الله! فقال النَّبِيّ ﷺ : "لكم كذا وكذا" فلم يرضوا، فقال: "لكم كذا وكذا" فرضوا، فقال النَّبِيّ ﷺ : "إنِّي خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم؟ " فقالوا: نعم. فخطب النَّبِيّ ﷺ فقال: "إنَّ هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود، فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ " قالوا: لا. فهم بهم المهاجرون، فأمر النَّبِيّ ﷺ أن يكفوا عنهم، فكفوا، ثمّ دعاهم فزادهم، فقال: "أرضيتم؟ " قالوا: نعم، قال: "إنِّي خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم، قالوا: نعم، فخطب النَّبِيّ ﷺ فقال: "أرضيتم؟ " قالوا: نعم.
صحيح: رواه أبو داود (٤٥٣٤) والنسائي (٤٧٧٨) وابن ماجة (٢٦٣٨) وابن أبي عاصم في الديات (٢٤٧) وصحّحه ابن حبَّان (٤٤٧٨) كلّهم من حديث عبد الرزّاق وهو في مصنفه (١٨٠٣٢) عن معمر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح.
٢٠ - باب لا يؤخذ أحدٌ من جناية أحدٍ ولو كان من أبيه أو أخيه
• عن أبي رِمْثة قال: انطلقت مع أبي نحو النَّبِيّ ﷺ فقال رسول الله ﷺ لأبي: "ابنك هذا؟ " قال: إي ورب الكعبة قال: "حقًّا" قال: أشهد به، قال: فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا من ثبْت شبهي في أبي. ومن حلف أبي عليّ. ثمّ قال: "أما إنه لا يجني عليك، لا تجني عليه" وقرأ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].
صحيح: رواه أبو داود (٤٤٩٥) والنسائي (١٥٧٢) والتِّرمذيّ (٢٨١٢) وأحمد (٧١٠٩) وصحّحه ابن حبَّان (٥٩٩٥) والحاكم (٢/ ٤٢٥) كلّهم من حديث عبيد الله بن إياد بن لقيط، قال: حَدَّثَنَا إياد بن لقيط، عن أبي رمثة فذكره. واللّفظ لأبي داود، وقد اختصره البعض، ورواه البعض مطوَّلًا. انظر كتاب اللباس باب في الخضاب.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إِلَّا من حديث عبيد الله بن إياد، وأبو رمْثة التيمي: اسمه حبيب بن حبَّان، ويقال: اسمه رفاعة بن يثْربي". انتهى.
كذا قال الترمذيّ: حسن، والحق أنه صحيح، وعبيد الله بن إياد، وثَّقه جمع من أهل العلم منهم ابن معين والنسائي والعجلي وأبو نعيم الفضل بن دكين وغيرهم.
ثمّ قوله: لا نعرفه إِلَّا من حديث عبيد الله بن زياد ...
قلت: ليس كما قال بل رواه أيضًا عبد الملك بن أبحر. رواه أحمد (١٧٤٩٢) والنسائي (٤٨٣٢) وابن أبي عاصم في الديات (٣١٥) كلّهم من حديث سفيان بن عيينة، عنه، عن إياد بن لقيط فذكر نحوه. وعبد الملك بن أبحر هو عبد الملك بن سعيد بن حبَّان بن أبحر ثقة.
وله أسانيد أخرى عن إياد بن لقيط.
стр. 4204
• عن الخشخاش العنبريّ، قال: أتيت النَّبِيّ ﷺ ومعي ابن لي، قال: فقال: "ابنك هذا؟ " قال: قلت: نعم، قال: "لا يجني عليك، ولا تجني عليه".
صحيح: رواه ابن ماجة (٢٦٧١) وأحمد (١٩٠٣١) كلاهما من طريق هُشيم بن بشير، أخبرنا يونس بن عبيد، عن حصين بن أبي الحر، عن الخشخاش فذكره.
وحصين بن أبي الحر: اسم أبي الحر مالك، وهو ابن الخشخاش العنبري. لأبيه، ولجده صحبة روى عن جده الخشخاش. وهذا إسناد صحيح.
ولكن قال الإمام أحمد: قال هُشيم مرة: حَدَّثَنَا يونس بن عبيد، قال: أخبرني مخبر، عن حصين بن أبي الحر، فجعل بين يونس وحصين أحدًا مبهمًا.
والمبهم هو: الوليد بن مسلم بن شهاب العنبري أبي بشر كما ذكره المزي في ترجمة حصين، رواه عمرو بن عون، عن هُشيم، عن يونس بن عبيد، عن حصين بن أبي الحر، أو قال: عن الوليد بن أبي بشر، عن حصين بن أبي الحرّ.
وقال: رواه غيرهم عن هُشيم، عن يونس، عن الوليد بن أبي بشر، عن حصين بن أبي الحرّ من غير شك، وهو الصَّحيح. انتهى كلام المزي.
قلت: كذا رواه ابن أبي عاصم في الديات (٣١٣) عن إسماعيل بن سالم نا هُشيم، عن يونس، عن الوليد بن مسلم، بدون الشك.
والإسناد صحيح، وقد يكون ليونس بن عبيد شيخان: حصين بن أبي الحر، والوليد بن أبي بشر، ولم يضبطه هُشيم بن بشير، وكلا الإسنادين صحيح. وقد رُوي مرسلًا والموصول أصح.
• عن طارق المحاربي أن رجلًا قال: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة الذين قتلوا فلانًا في الجاهليّة فخذ لنا بثأرنا. فرفع يديه حتَّى رأيت بياض إبطيه وهو يقول: "لا تجني أم على ولد مرتين".
حسن: رواه النسائيّ (٤٨٣٩) وابن ماجة (٢٦٧٠) واللّفظ لهما وصحّحه ابن حبَّان (٦٥٦٢) والحاكم (٢/ ٦١١ - ٦١٢) كلّهم من حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي فذكره في سياق طويل مذكور في السيرة النبوية ما لاقاه النَّبِيّ ﷺ من قومه. قال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين.
وإسناده حسن من أجل يزيد بن زياد بن أبي الجعد فإنه حسن الحديث.
• عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجني نفس على أخرى".
حسن: رواه ابن ماجة (٢٦٧٢) عن محمود بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، قال: حَدَّثَنَا عمرو بن عاصم، قال: حَدَّثَنَا أبو العوام القطان، عن محمد بن جحادة، عن زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن
стр. 4205
شريك فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي العوّام القطان وهو عمران بن داود مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
• عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي قال: كان رسول الله ﷺ يخطب في أناس من الأنصار. فقالوا: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلانًا في الجاهليّة فقال النَّبِيّ ﷺ وهتف بصوته: "ألا لا تجني نفس على الأخرى".
صحيح: رواه النسائيّ (٤٨٣٣) عن محمود بن غيلان قال: حَدَّثَنَا بشر بن السري، قال: حَدَّثَنَا سفيان (وهو الثوري) عن أشعث، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي فذكره.
وإسناده صحيح إن صحَّ صحبةُ ثعلبة بن زهدم. - والكلام فيه كما يأتي - وإن لم تصحّ صحبتُه فهو يرُوي عن أناس من بني ثعلبة أدركوا النَّبِيّ ﷺ كما رواه شعبة، عن أشْعث بن أبي الشعثاء، قال: سمعت الأسود بن هلال، يحدث عن رجل من بني ثعلبة بن يربوع أن ناسًا من بني ثعلبة أتوا النَّبِيّ ﷺ فذكر نحوه.
رواه أيضًا النسائيّ (٤٨٣٥) عن محمود بن غيلان، عن أبي داود قال: أنبأنا شعبة.
ورواه أبو عوانة ومن طريقه النسائيّ وأحمد (١٦٦١٣)، وأبو الأحوص عند النسائيّ، كلاهما من حديث أشعث، عن أبيه (وهو سليم أبو الشعثاء المحاربي) عن رجل من بني ثعلبة بن يربوع قال: أتيت النَّبِيّ ﷺ وهو يتكلم فقال رجل: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين أصابوا فلانًا فقال رسول الله ﷺ : "لا، يعني لا تجني نفس على نفس".
والإسنادان صحيحان، وأشعث وهو ابن أبي الشعثاء ثقة، له شيخان: الأسود بن هلال، وأبوه أبو الشعثاء إِلَّا أن ثعلبة بن زهدم مختلف في صحبته.
ففي "التهذيب" قال ابن حجر: جزم بصحة صحبته ابن حبَّان وابن السكن وأبو محمد بن حزم وجماعة ممن صنّف في الصّحابة بطول تعدادهم. وذكره البخاريّ في التاريخ الكبير وقال: قال الثوري: له صحبة، ولا يصح، وقال الترمذيّ في تاريخه: أدرك النَّبِيّ ﷺ ، وعامة روايته عن الصّحابة. وقال العجلي: تابعي ثقة، ذكره مسلم في الطبقة الأوّلى من التابعين". انتهى قول الحافظ ابن حجر.
قلت: فإن صحت صحبتُه فذاك، وإلَّا فإبهام الصحابي في رواية أبي عوانة وأبي الأحوص لا يضر كما هو معلوم.
وفي الباب عن عمرو بن الأحوص قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول في حجّة الوداع: "ألا لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده".
رواه ابن ماجة (٢٦٦٩) والتِّرمذيّ (١١٦٣، ٢١٥٩) وأحمد (١٦٠٦٤) وابن أبي عاصم في الديات (٣١٢) كلّهم من حديث شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه
следующие страницы →