← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

أن رسول الله ﷺ أمر بشرائها - يعني أنها بقيت على حكم الرق حتَّى أمر بشرائها. "ذكره البيهقيّ. وقال: وحديث عكرمة إذا وقع فيه الاختلاف وجب التوقف فيه. وهذا المذهب إنّما يروى عن عليّ بن أبي طالب، وهو أن يعتق بقدر ما أدّى. وفي ثبوته عن النَّبِيّ ﷺ نظر". انتهى. قلت: ولذا لم يأخذ بهذا الحديث جمهور أهل العلم، وإنما قال به بعض أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ ﷺ وغيرهم. وقال أكثر أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ ﷺ وغيرهم: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. وهو قول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق كما قال الترمذيّ. ١٨ - باب دية أهل الذمة • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم: يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليه أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مُضْعفهم، ومتسريهم على قاعدهم، لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده". وفي رواية: "دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن". حسن: رواه أبو داود (٢٧٥١) واللّفظ له والتِّرمذيّ (١٤١٣) والنسائي (٤٨٠٦) وابن ماجة (٢٦٥٩) وأحمد (٦٦٩٢) وابن الجارود (١٠٥٢) واليهقي (٨/ ٢٩) والبغوي (٢٥٤٢) كلّهم من طرق عن عمرو بن شعيب به مثله، وهو جزء من خطبة النَّبِيّ ﷺ : عام الفتح ذكره أحمد وابن الجارود والبيهقي والبغوي مطولة، وستأتي كاملة في موضعه. وإسناده حسن من أجل عمرو وأبيه. والرّواية الثانية عند الترمذيّ وقال: حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب حديث حسن". قلت: وهو كما قال. رُوي عن مُجَّاعَةَ أنه أتى النَّبِيّ ﷺ : يطلب دية أخيه - قتلته بنو سدوس من بني ذهل - فقال النَّبِيّ ﷺ : "لو كنت جاعلا لمشرك دية جعلتها لأخيك، ولكن سأعطيك منه عقبي" فكتب له النَّبِيّ صلي الله عليه وسلم بمائة من الإبل من أول خمس يخرج من مشركي بني ذهل، فأخذ طائفة منها، وأسلمت بنو ذهل، فطلبها بعد مجاعة إلى أبي بكر، وأتاه بكتاب النَّبِيّ ﷺ ، فكتب له أبو بكر باثني عشر ألف صاع من صدقة اليمامة: أربعة آلاف بر، وأربعة آلاف شعير، وأربعة آلاف تمر، وكان في كتاب النَّبِيّ ﷺ لمجاعة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتاب من محمد النَّبِيّ، لمجاعة بن مرارة من بني سلمى، إني أعطيته مائة من الإبل من أول خمس يخرج من مشركي بني ذهل عقبةً من أخيه".

стр. 4202

رواه أبو داود (٢٩٩٠) وابن قانع في مُعْجَمُ الصّحابة (٣/ ١١٢ - ١١٣) من طريق عنبسة بن عبد الواحد القرشيّ، حَدَّثَنِي الدخيل بن إياس بن نوح بن مجاعة، عن هلال بن سراج بن مجاعة، عن أبيه، عن جده مجاعة، فذكره. وفي إسناده الدخيل بن إياس بن نوح بن مجاعة، لم يؤثر توثيقه عن أحد إِلَّا أن ابن حبَّان ذكره في ثقاته، ولم يتابع. وفيه أيضًا سراج بن مجاعة، قيل: إن له صحبة. لكن لم تثبت له من وجه معتبر، ولذا ذكره البخاريّ وابن أبي حاتم في جملة التابعين، ولم يؤثر توثيقه عن أحد إِلَّا أن ابن حبَّان ذكره في ثقات التابعين، ولم يتابع أيضًا. قال الترمذيّ: "واختلف أهل العلم في دية اليهودي والنصراني". فذهب بعض أهل العلم في دية اليهودية والنصراني إلى ما رُوي عن النَّبِيّ ﷺ . وقال عمر بن عبد العزيز: دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم. وبهذا يقول أحمد بن حنبل. ورُوي عن عمر بن الخطّاب أنه قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم. وبهذا يقول مالك بن أنس والشافعي وإسحاق وقال بعض أهل العلم: "دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة". انتهى. وأمّا الإمام أحمد فذهب إلى نصف الدية إن كان القتل خطأ، فإن كان عمدا لم يقد به، ويضاعف عليه باثني عشر ألفًا. روى عبد الرزّاق (١٨٤٩٢) عن معمر، عن الزّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر أن رجلًا مسلما قتل رجلًا من أهل الذمة عمدًا. فرفع إلى عثمان فلم يقتل به، وغلّظ عليه الدية مثل قتل المسلم. وكذلك قاله ابن مسعود وعلي والشعبي والنخعي على أن يكون ذميا أو معاهدًا. وأمّا من رُوي عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ ودى العامريّين بدية المسلمين. وكان لهما عهد من رسول الله ﷺ . فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (١٤٠٤) والبيهقي (٨/ ١٠٢) كلاهما من حديث أبي بكر بن عَيَّاش، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وقال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إِلَّا من هذا الوجه، وأبو سعد البقال اسمه: سعيد بن المرزبان". قلت: سعيد بن مرزبان العبسي مولاهم، الكوفي الأعور ضعيف باتفاق أهل العلم حتَّى قال البخاريّ: منكر الحديث. ١٩ - باب حثِّ الإمام على قبول الدية • عن عائشة، أن رسول الله ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا، فلاجَّه رجل في

стр. 4203

صدقته، فضربه أبو جهم، فشجَّه، فأتوا النَّبِيّ ﷺ فقالوا: القودَ يا رسول الله! فقال النَّبِيّ ﷺ : "لكم كذا وكذا" فلم يرضوا، فقال: "لكم كذا وكذا" فرضوا، فقال النَّبِيّ ﷺ : "إنِّي خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم؟ " فقالوا: نعم. فخطب النَّبِيّ ﷺ فقال: "إنَّ هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود، فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟ " قالوا: لا. فهم بهم المهاجرون، فأمر النَّبِيّ ﷺ أن يكفوا عنهم، فكفوا، ثمّ دعاهم فزادهم، فقال: "أرضيتم؟ " قالوا: نعم، قال: "إنِّي خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم، قالوا: نعم، فخطب النَّبِيّ ﷺ فقال: "أرضيتم؟ " قالوا: نعم. صحيح: رواه أبو داود (٤٥٣٤) والنسائي (٤٧٧٨) وابن ماجة (٢٦٣٨) وابن أبي عاصم في الديات (٢٤٧) وصحّحه ابن حبَّان (٤٤٧٨) كلّهم من حديث عبد الرزّاق وهو في مصنفه (١٨٠٣٢) عن معمر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح. ٢٠ - باب لا يؤخذ أحدٌ من جناية أحدٍ ولو كان من أبيه أو أخيه • عن أبي رِمْثة قال: انطلقت مع أبي نحو النَّبِيّ ﷺ فقال رسول الله ﷺ لأبي: "ابنك هذا؟ " قال: إي ورب الكعبة قال: "حقًّا" قال: أشهد به، قال: فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا من ثبْت شبهي في أبي. ومن حلف أبي عليّ. ثمّ قال: "أما إنه لا يجني عليك، لا تجني عليه" وقرأ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. صحيح: رواه أبو داود (٤٤٩٥) والنسائي (١٥٧٢) والتِّرمذيّ (٢٨١٢) وأحمد (٧١٠٩) وصحّحه ابن حبَّان (٥٩٩٥) والحاكم (٢/ ٤٢٥) كلّهم من حديث عبيد الله بن إياد بن لقيط، قال: حَدَّثَنَا إياد بن لقيط، عن أبي رمثة فذكره. واللّفظ لأبي داود، وقد اختصره البعض، ورواه البعض مطوَّلًا. انظر كتاب اللباس باب في الخضاب. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إِلَّا من حديث عبيد الله بن إياد، وأبو رمْثة التيمي: اسمه حبيب بن حبَّان، ويقال: اسمه رفاعة بن يثْربي". انتهى. كذا قال الترمذيّ: حسن، والحق أنه صحيح، وعبيد الله بن إياد، وثَّقه جمع من أهل العلم منهم ابن معين والنسائي والعجلي وأبو نعيم الفضل بن دكين وغيرهم. ثمّ قوله: لا نعرفه إِلَّا من حديث عبيد الله بن زياد ... قلت: ليس كما قال بل رواه أيضًا عبد الملك بن أبحر. رواه أحمد (١٧٤٩٢) والنسائي (٤٨٣٢) وابن أبي عاصم في الديات (٣١٥) كلّهم من حديث سفيان بن عيينة، عنه، عن إياد بن لقيط فذكر نحوه. وعبد الملك بن أبحر هو عبد الملك بن سعيد بن حبَّان بن أبحر ثقة. وله أسانيد أخرى عن إياد بن لقيط.

стр. 4204

• عن الخشخاش العنبريّ، قال: أتيت النَّبِيّ ﷺ ومعي ابن لي، قال: فقال: "ابنك هذا؟ " قال: قلت: نعم، قال: "لا يجني عليك، ولا تجني عليه". صحيح: رواه ابن ماجة (٢٦٧١) وأحمد (١٩٠٣١) كلاهما من طريق هُشيم بن بشير، أخبرنا يونس بن عبيد، عن حصين بن أبي الحر، عن الخشخاش فذكره. وحصين بن أبي الحر: اسم أبي الحر مالك، وهو ابن الخشخاش العنبري. لأبيه، ولجده صحبة روى عن جده الخشخاش. وهذا إسناد صحيح. ولكن قال الإمام أحمد: قال هُشيم مرة: حَدَّثَنَا يونس بن عبيد، قال: أخبرني مخبر، عن حصين بن أبي الحر، فجعل بين يونس وحصين أحدًا مبهمًا. والمبهم هو: الوليد بن مسلم بن شهاب العنبري أبي بشر كما ذكره المزي في ترجمة حصين، رواه عمرو بن عون، عن هُشيم، عن يونس بن عبيد، عن حصين بن أبي الحر، أو قال: عن الوليد بن أبي بشر، عن حصين بن أبي الحرّ. وقال: رواه غيرهم عن هُشيم، عن يونس، عن الوليد بن أبي بشر، عن حصين بن أبي الحرّ من غير شك، وهو الصَّحيح. انتهى كلام المزي. قلت: كذا رواه ابن أبي عاصم في الديات (٣١٣) عن إسماعيل بن سالم نا هُشيم، عن يونس، عن الوليد بن مسلم، بدون الشك. والإسناد صحيح، وقد يكون ليونس بن عبيد شيخان: حصين بن أبي الحر، والوليد بن أبي بشر، ولم يضبطه هُشيم بن بشير، وكلا الإسنادين صحيح. وقد رُوي مرسلًا والموصول أصح. • عن طارق المحاربي أن رجلًا قال: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة الذين قتلوا فلانًا في الجاهليّة فخذ لنا بثأرنا. فرفع يديه حتَّى رأيت بياض إبطيه وهو يقول: "لا تجني أم على ولد مرتين". حسن: رواه النسائيّ (٤٨٣٩) وابن ماجة (٢٦٧٠) واللّفظ لهما وصحّحه ابن حبَّان (٦٥٦٢) والحاكم (٢/ ٦١١ - ٦١٢) كلّهم من حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي فذكره في سياق طويل مذكور في السيرة النبوية ما لاقاه النَّبِيّ ﷺ من قومه. قال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين. وإسناده حسن من أجل يزيد بن زياد بن أبي الجعد فإنه حسن الحديث. • عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجني نفس على أخرى". حسن: رواه ابن ماجة (٢٦٧٢) عن محمود بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، قال: حَدَّثَنَا عمرو بن عاصم، قال: حَدَّثَنَا أبو العوام القطان، عن محمد بن جحادة، عن زياد بن عِلاقة، عن أسامة بن

стр. 4205

شريك فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي العوّام القطان وهو عمران بن داود مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. • عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي قال: كان رسول الله ﷺ يخطب في أناس من الأنصار. فقالوا: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلانًا في الجاهليّة فقال النَّبِيّ ﷺ وهتف بصوته: "ألا لا تجني نفس على الأخرى". صحيح: رواه النسائيّ (٤٨٣٣) عن محمود بن غيلان قال: حَدَّثَنَا بشر بن السري، قال: حَدَّثَنَا سفيان (وهو الثوري) عن أشعث، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي فذكره. وإسناده صحيح إن صحَّ صحبةُ ثعلبة بن زهدم. - والكلام فيه كما يأتي - وإن لم تصحّ صحبتُه فهو يرُوي عن أناس من بني ثعلبة أدركوا النَّبِيّ ﷺ كما رواه شعبة، عن أشْعث بن أبي الشعثاء، قال: سمعت الأسود بن هلال، يحدث عن رجل من بني ثعلبة بن يربوع أن ناسًا من بني ثعلبة أتوا النَّبِيّ ﷺ فذكر نحوه. رواه أيضًا النسائيّ (٤٨٣٥) عن محمود بن غيلان، عن أبي داود قال: أنبأنا شعبة. ورواه أبو عوانة ومن طريقه النسائيّ وأحمد (١٦٦١٣)، وأبو الأحوص عند النسائيّ، كلاهما من حديث أشعث، عن أبيه (وهو سليم أبو الشعثاء المحاربي) عن رجل من بني ثعلبة بن يربوع قال: أتيت النَّبِيّ ﷺ وهو يتكلم فقال رجل: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين أصابوا فلانًا فقال رسول الله ﷺ : "لا، يعني لا تجني نفس على نفس". والإسنادان صحيحان، وأشعث وهو ابن أبي الشعثاء ثقة، له شيخان: الأسود بن هلال، وأبوه أبو الشعثاء إِلَّا أن ثعلبة بن زهدم مختلف في صحبته. ففي "التهذيب" قال ابن حجر: جزم بصحة صحبته ابن حبَّان وابن السكن وأبو محمد بن حزم وجماعة ممن صنّف في الصّحابة بطول تعدادهم. وذكره البخاريّ في التاريخ الكبير وقال: قال الثوري: له صحبة، ولا يصح، وقال الترمذيّ في تاريخه: أدرك النَّبِيّ ﷺ ، وعامة روايته عن الصّحابة. وقال العجلي: تابعي ثقة، ذكره مسلم في الطبقة الأوّلى من التابعين". انتهى قول الحافظ ابن حجر. قلت: فإن صحت صحبتُه فذاك، وإلَّا فإبهام الصحابي في رواية أبي عوانة وأبي الأحوص لا يضر كما هو معلوم. وفي الباب عن عمرو بن الأحوص قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول في حجّة الوداع: "ألا لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده". رواه ابن ماجة (٢٦٦٩) والتِّرمذيّ (١١٦٣، ٢١٥٩) وأحمد (١٦٠٦٤) وابن أبي عاصم في الديات (٣١٢) كلّهم من حديث شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه

стр. 4206

فذكره. قال الترمذيّ: حسن صحيح. قلت: فيه سليمان بن عمرو لم يرو عنه سوى شبيب بن غرقدة، ولم يوثقه غير ابن حبَّان. ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة ولم أجد له متابعًا. وجهله ابن القطان. وهذا جزء من خطب النَّبِيّ ﷺ في حجّة الوداع، انظر كتاب الحجّ. وأمّا ما رُوي عن عاصم بن لقيط أن لقيطا خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ ومعه صاحب له يقال له: نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق فذكر الحديث بطوله. وجاء فيه: "ولا يجني عليك إِلَّا نفسك"، فهو ضعيف جدًّا. رواه عبد الله بن أحمد (١٦٢٠٦) قال: كتب إليّ إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزُّبير الزُّبيري: كتبتُ إليك بهذا الحديث، وقد عرضته وسمعتُه على ما كتبت به إليك. فحدّث بذلك عني قال: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن المغيرة الحزاميّ، قال: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن عَيَّاش السمعي الأنصاري القبائي من بني عمرو بن عوف، عن دَلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيليّ، عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر قال دلْهم: وحدثنيه أبي الأسود، عن عاصم بن لقيط أن لقيطة خرج وافدًا فذكره. أورده الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٣٨ - ٣٤٠) وقال: رواه عبد الله (ابن أحمد) والطَّبرانيّ نحوه، وأحد طريقي عبد الله إسنادها متصل، ورجالها ثقات، والإسناد الآخر وإسناد الطبرانيّ مرسل عن عاصم بن لقيط، أن لقيطًا". انتهى. وقال ابن حجر في "تهذيبه" في ترجمة (عاصم بن لقيط بن عامر) رواه أبو القاسم الطبرانيّ مطوَّلًا وهو حديث غريب جدًّا. قلت: أخرجه أبو داود (٣٢٦٦) مختصرًا بقوله: "لعمر إلهك" من طريق إبراهيم بن حمزة، ثنا عبد الملك بن عباس السمعي الأنصاري عن دلْهم بن الأسود بإسناده. ٢١ - باب من تطبب ولم يُعلم منه طب رُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "من تطبّب، ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن". رواه أبو داود (٤٥٨٦) والنسائي (٤٨٣٠) وابن ماجة (٣٤٦٦) والدارقطني (٣/ ١٩٦) والحاكم (٤/ ٢١٢) والبيهقي (٨/ ١٤١) كلّهم من حديث الوليد بن مسلم، قال: حَدَّثَنَا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. قال أبو داود: "هذا لم يروه إِلَّا الوليد، ولا يُدرى أصحيح هو أم لا؟ ". وأعله الدَّارقطنيّ بقوله: "لم يسنده عن ابن جريج غير الوليد بن مسلم، وغيره يرويه عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب مرسلًا عن النَّبِيّ ﷺ ".

стр. 4207

وأعله البيهقيّ بعلة أخرى فقال: "ورواه حمود بن خالد، عن الوليد، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن جده، عن النَّبِيّ ﷺ ، ولم يذكر أباه". كذا قال، مع أن النسائيّ (٤٨٣١) رواه بالإسناد الثاني عن محمود بن خالد قال: حَدَّثَنَا الوليد، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مثله سواء". أي بذكر أبيه. فانحصرت العلة في أمرين: أحدهما: عنعنة ابن جريج. والثاني: غير الوليد بن مسلم رواه عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب مرسلًا عن النَّبِيّ ﷺ كما قال الدَّارقطنيّ ولم أقف على هذا الإرسال. إِلَّا أن ابن حجر قال في بلوغ المرام (١٠١١): "أن من أرسله أقوى ممن وصله". وفي الباب ما رواه أيضًا أبو داود (٤٥٨٧) عن محمد بن العلاء، حَدَّثَنَا حفص، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، حَدَّثَنِي بعض الوفد الذين قدموا على أبي قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما طبيب تطبّب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك فأعْنَتَ فهو ضامن". قال عبد العزيز: "أما إنا ليس بالنعت، إنّما هو قطع العروق والبط والكي". وفيه جهالة الوفد، مع الإرسال فإن الغالب أن الوفد ليس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ . قال الخطّابي: "لا أعلم خلافًا في المعالج إذا تعدّى فتلف المريض كان ضامنًا. والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعد. فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية. وسقط عنه القود، لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض. وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته". ٢٢ - باب التماس إسقاط الدية من الغلام الصغير إذا كان أهله من الفقراء • عن عمران بن الحصين أن غلامًا لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء. فأتى أهله النَّبِيّ ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنا أناس فقراء. فلم يجعل عليه شيئًا. صحيح: رواه أبو داود (٤٥٩٠) والنسائي (٤٧٥١) كلاهما من حديث معاذ بن هشام، حَدَّثَنَا أبي، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن عمران بن الحصين قال: فذكره. وإسناده صحيح. والغلام معناه الولد الصغير، والظاهر من السياق أنه كان حرًا، وجنايته كانت خطأ. وكانت عاقلته فقراء، وكذلك الغلام المجني عليه أيضًا كان حرًا لأنه لو كان عبدًا لم يكن لاعتذار أهله بالفقر معنى، لأن العاقلة لا تحمل عبدًا، كما لا تحمل عمدًا، ولا اعترافًا في قول أكثر أهل العلم كما قاله الخطّابي. وقد فهم النسائيّ وأبو داود أن المراد بالغلام العبد. فلو كان هذا صحيحًا فإن الغلام المملوك إذا جنى على عبد، أو حر فجنايته في رقبته في قول عامة الفقهاء.

стр. 4208

٢٣ - باب جرح العَجماء جبار • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "جرح العجماء جبار، والبئر جبار، والعدن جبار، وفي الركاز الخمس". متفق عليه: رواه مالك في العقول (٤٢) عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاريّ (٦٩١٢) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن قُتَيبة بن سعيد كلاهما عن اللّيث، عن ابن شهاب بإسناد مثله. وقد رواه عن أبي هريرة ابن سيرين ومحمد بن زياد والأعرج وأبو صالح وعروة بن الزُّبير وهمام وغيرهم وأحاديثهم مخرج في مصنف ابن أبي شيبة (٩/ ٢٧١ - ٢٧٢). قال أبو داود (٤٥٩٣): "العجماء التي تكون منفلتة، ولا يكون معها أحد. وتكون بالنهار، ولا تكون بالليل". وقال الزهري: "يغرم قاتل البهيمة، ولا يغرم أهلها ما قتلت. وعن إبراهيم أن بعيرًا افترس رجلًا فقتله. فجاء رجل فقتل البعير. فأبطل شريح دية الرّجل، وضمن الرّجل قيمة البهيمة. ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه. وأمّا ما رواه أبو داود (٤٥٩٢) وابن أبي عاصم في الديات (١٩٣) والدارقطني (٣/ ١٥٢) والبيهقي (٨/ ٣٤٣) كلّهم من سفيان بن حسين، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "الرّجل جبار" فهو ضعيف. قال أبو داود: الدابة تضرب برجلها وهو راكب. قلت: إسناده ضعيف من أجل سفيان بن حسين بن حسن أبو محمد الواسطي ثقة وثَّقه جماعة إِلَّا في الزهري فإنه ضعيف فيه. لأنه لا يتابع على الزّهريّ، وقد خالفه جماعة من الثّقات عن الزّهريّ، ولم يذكروا "الرّجل جبار". قال الدَّارقطنيّ: "هذا وهم، لأن الثّقات الذين قدّمنا أحاديثهم خالفوه. ولم يذكروا ذلك. وكذلك رواه أبو صالح السمان وعبد الرحمن الأعرج ومحمد بن سيرين ومحمد بن زياد وغيرهم، عن أبي هريرة ولم يذكروا فيه: "الرّجل جبار". وقال الخطّابي: "وقد تكلم الناس في هذا الحديث، وقيل: إنه غير محفوظ، وسفيان بن حسين معروف بسوء الحفظ". وقالوا: وإنما هو "العجماء جرحها جبار" ولو صحَّ الحديث لكان القول به واجبا. وقد قال به أبو حنيفة وأصحابه، وذهبوا إلى أن الراكب إذا رمحت دابته إنسانا برجلها فهو هدر، فإن نفحته بيدها فهو ضامن. قالوا: وذلك أن الراكب يملك تصريفا من قدامها. ولا يملك منها فيما وراءها. وقال الشافعي: "اليد والرجل سواء. لا فرق بينهما وهو ضامن". انتهى.

стр. 4209

وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "النّار جبار". رواه أبو داود (٤٥٩٤) وابن ماجة (٢٦٧٦) وابن أبي عاصم في الديات (١٩٢) كلّهم من حديث عبد الرزّاق، وقرنه أبو داود بعبد الملك الصنعانيّ، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة فذكره. قال الدَّارقطنيّ (٣/ ١٥٣): "يقول أحمد بن حنبل في حديث عبد الرزّاق في حديث أبي هريرة: "والنار جبار". ليس بشيء، لم يكن في الكتب، باطل ليس هو بصحيح، وقال أحمد أيضًا: أهل اليمن يكتبون النّار النير، ويكتبون البير مثل ذلك. وإنما لقن عبد الرزّاق: النّار جبار". ولكن قال الخطّابي: "لم أزل أسمع أصحاب الحديث يقولون: غلط فيه عبد الرزّاق، إنّما هو "البئر جبار" حتَّى وجدته لأبي داود عن عبد الملك الصنعاني عن معمر فدل أن الحديث لم ينفرد به عبد الرزّاق، ومن قال هو تصحيف "البئر" احتج في ذلك بأن أهل اليمن يميلون "النّار" ويكسرون النون فيها. فسمعه بعضهم على الإمالة، فكتبه بالباء، ثمّ نقله الرواة مصحفًا". وأمّا معنى الحديث فقال بعض أهل العلم: النّار تطير بها الريح، فتحرق متاعا لقوم فإنه لا يلزم موقدها غرامة. وفرق قوم بين النّار التي يوقدها صاحبها ليشوي عليها لحمًا، وبين أن يوقدها عبثًا فقالوا: ما تجني هذه فيه الغرامة. وأمّا ما رُوي عن عامر بن ربيعة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "العجماء جبار" فهو خطأ. رواه النسائيّ في الكبرى (٥٨٣٠) والطَّبرانيّ في الأوسط (٣٩٤٠) كلاهما من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن اللّيث بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة فذكره. قال النسائيّ: "خالفه قُتَيبة بن سعيد. فرواه عن اللّيث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وابن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. وقال الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث عن ليث بن سعد إِلَّا يعقوب بن إبراهيم". فالصواب أنه من حديث أبي هريرة. والعجماء: البهيمة، وسميت العجماء لأنها لا تتكلم. وقوله: جبار أي هدر، لا دية فيه. وقوله: البئر جبار: أي أن الإنسان لو حفر بئرًا في بلكهـ أو في موات فوقع فيها إنسان فلا ضمان عليه. وكذلك لو استأجره لحفرها فوقعتْ عليه فمات، فلا ضمان عليه. ٢٤ - باب إذا عضّ رجلًا فوقعت ثناياه فلا دية له • عن عمران بن حصين أن رجلًا عض يد رجل فنزع يده من فمه فوقعت ثنيتاه،

стр. 4210

فاختصموا إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: يعض أحدكم أخاه كما يعضّ الفحل، لا دية له". وفي لفظ: فرفع إلى النَّبِيّ ﷺ فأبطله، وقال: "أردت أن تأكل لحمه؟ ! ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (٦٨٩٢) ومسلم في القسامة (١٨: ١٦٧٣) كلاهما من طريق شعبة، حَدَّثَنَا قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين، فذكره. واللّفظ الثاني: رواه مسلم من وجه آخر عن قتادة، به. • عن عمران بن حصين، أن رجلًا عضّ يد رجل، فانتزع يده فسقطت ثنيته أو ثناياه، فاستعدي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟ ! ادفع يدك حتَّى بعضها ثمّ انتزِعْها". صحيح: رواه مسلم في القسامة (٢١: ١٦٧٣) عن أحمد بن عثمان النوفليّ، حَدَّثَنَا قريش بن أنس، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين، فذكره. في هذه الرواية أن النَّبِيّ ﷺ أمر الجاني بالاقتصاص منه، وفي رواية زرارة بن أوفىّ، عن عمران بن حصين أن النَّبِيّ ﷺ أبطله. وفي حديث يعلى بن أمية - الآتي - أن النَّبِيّ ﷺ أهدر ثنيه. ورواية مسلم هذه أشار إليها الحافظ في الفتح (١٢/ ٢٢١) ثمّ قال: "كذا قال، وعند أبي نعيم في "المستخرج" من الوجه الذي أخرجه مسلم: "إنَّ شئت أمرناه فعض يدك ثمّ انتزعها أنت". وهذه الرواية تدل على أن الأمر الوارد في رواية مسلم على التخيير وليس على الإلزام، ثمّ أهدر النَّبِيّ ﷺ ثنيته. • عن يعلى بن أمية، قال: أتى النَّبِيّ ﷺ رجل، وقد عضّ يد رجل، فانتزع يده فسقطت ثنيتاه (يعني الذي عضّه) قال: فأبطلها النَّبِيّ ﷺ ، وقال: "أردْت أن تقضمه كما يقضم الفحل؟ ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (٦٨٩٣) ومسلم في القسامة (٢٢: ١٦٧٤) كلاهما من حديث عطاء (هو ابن أبي رباح) عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، فذكره. واللّفظ لمسلم. ولفظ البخاريّ مختصر. ٢٥ - باب من اطلع في بيت قوم فقؤوا عينه فلا دية له • عن أنس بن مالك، أن رجلًا اطلع في بعض حُجر النَّبِيّ ﷺ فقام إليه بمشقص أو مشاقص، وجعل يخيله ليطعنه. متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (٦٩٠٠) ومسلم في الآداب (٢١٥٨) من طريق حمّاد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، فذكره.

стр. 4211

قوله: "مشاقص" جمع مشقص وهو نصل عريض للسهم. وقوله: "ويختله" بفتح أوله وكسر التاء أي يراوغه ويستغفله. • عن سهل بن سعد أخبره أن رجلًا اطّلع في جحر في باب رسول الله ﷺ ومع رسول الله ﷺ مِدْري يحك به رأسه فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: "لو أعلم أنك تنتظرني لطعنت به في عينيك". وقال رسول الله ﷺ : "إنَّما جعل الإذن من قبل البصر". متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (٦٩٠١) ومسلم في الآداب (٢١٥٦) كلاهما من طريق قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا ليث (هو ابن سعد)، عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره، فذكره. قوله: "جحر" أي الخرق. وقوله: "إنَّما جعل الأذن" أي أن الاستئذان مشروع مأمور به. وإنما جعل لئلا يقع البصر على الحرام، فلا يحل لأحد أن ينظر في جحر باب وغيره. وفي هذا الحديث جواز رمي عين المتطلع بشيء خفيف فلو رماه ففقأها فلا ضمان عليه. • عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح". متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (٦٩٠٢) ومسلم في الآداب (٤٤: ٢١٥٨) من طريق أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. ورواه مسلم في الآداب (٤٤: ٢١٥٨) من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه". • عن أبي هريرة أن النَّبِيّ ﷺ قال: "إذا دخل البصر فلا إذْن". حسن: رواه أبو داود (٥١٧٣) والبخاري في الأدب المفرد (١٠٨٢) والبيهقي (٨/ ٣٣٩) كلّهم من حديث كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل كثير بن زيد الأسلميّ، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وقد حسّنه أيضًا الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢٤). وفي الحديث ذم لمن يدخل بصره في داخل البيت قبل أن يؤذن له فمثله لو فقأ الإنسان عينه فلا دية عليه. • عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كشف سترًا فأدخل بصره في البيت قبل أن يؤذن له، فرأى عورة أهله، فقد أتى حدًا لا يحل له أن يأتيه، لو أنه حين أدخل بصره استقبله رجل ففقأ عينيه ما عيّرت عليه. وإن مر الرّجل على باب لا ستر له غير مغلق فنظر، فلا خطيئة عليه، إنّما الخطيئة على أهل البيت".

стр. 4212

حسن: رواه الترمذيّ (٢٧٠٧) عن قُتَيبة، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي عبد الرحمن الحُبْلى، عن أبي ذرّ فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه مثل هذا إِلَّا من حديث ابن لهيعة، وأبو عبد الرحمن الحُبْلي: اسمه عبد الله بن يزيد. قلت: إسناده حسن وإن ابن لهيعة وإن كان سيء الحفظ، إِلَّا أن رواية العبادلة عنه، أعدل من غيرهم، وألحق بعض أهل العلم قُتَيبة بن سعيد بهم. وهذا منه. ورواه أحمد (٢١٣٥٩، ٢١٥٧٢) من طرق أخرى عن ابن لهيعة بعضه مختصرًا. وقوله: "أتى حدًّا". أي يستحق أن يعزر، لأنه أتى أمرًا منكرًا، لا يحل له أن يأتيه. وقوله: ما عيّرت عليه. وفي مسند أحمد: لهدرتْ: أي لا دية عليه. • * *

стр. 4213

جموع ما جاء في القسامة ١ - باب القسامة في الجاهليّة • عن عبد الله بن عباس قال: إن أولَ قسامة كانت في الجاهليّة لفينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذٍ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمرَّ رجلٌ به من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه فقال: أغثني بعقال أشدُّ به عروة جوالقي لا تنفر الإبل. فأعطاه عقالا، فشد به عروة جوالقه، فلمّا نزلوا عقلت الإبل إِلَّا بعيرا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال. قال: فأين عقاله؟ قال: فحذفه بعصا كان فيها أجلُه، فمرَّ به رجلٌ من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته. قال هل أنت مبلغ عني رسالة مرةً من الدَّهر قال: نعم. قال: فكتب إذا أنت شهدت الموسم فناد يا آل قريش، فإذا أجابوك، فناد يا آل بني هاشم. فإن أجابوك فسل عن أبي طالب، فأخبره أن فلانًا قتلني في عقال، ومات المستأجر، فلمّا قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض، فأحسنتُ القيام عليه، فولِيتُ دفنه. قال: قد كان أهلَ ذاك منك. فمكث حينًا، ثمّ إن الرّجل الذي أوصى إليه أن يُبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا آل قريش. قالوا: هذه قريش. قال: يا آل بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم. قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب. قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلانًا قتله في عقال. فأتاه أبو طالب فقال له: اختر منا إحدى ثلاث، إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به فأتى قومه، فقالوا: نحلف. فأتته امرأةٌ من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له. فقالت: يا أبا طالب! أُحِبُّ أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تُصبر يمينه حيث تُصبر الأيمان. ففعل فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردتَ خمسين رجلًا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل، يصيب كل رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلْهما عني ولا تصبر يميني حيث نصبر الأيمان. فقبِلَهما، وجاء ثمانيةٌ وأربعون فحلفوا. قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين

стр. 4214

عينٌ تطرِفُ. صحيح: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٨٤٥) عن أبي معمر، حَدَّثَنَا عبد الوارث، حَدَّثَنَا قطن أبو الهيثم، حَدَّثَنَا أبو يزيد المدنيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. ٢ - باب ما جاء في إقرار النَّبِيّ ﷺ القسامة على ما كانت عليه في الجاهليّة • عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ من الأنصار، أن رسول الله ﷺ أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهليّة. وزاد في رواية: وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود. صحيح: رواه مسلم في القيامة (١٦٧٠) من طريق يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النَّبِيّ عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، فذكره. والزيادة من رواية ابن جريج قال: حَدَّثَنَا ابن شهاب بهذا الإسناد. ورواه مسلم أيضًا من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب، وتابعها الأوزاعي عند النسائيّ، وعقيل بن خالد الأيلي عند أحمد (١٦٥٩٨) كل هؤلاء عن ابن شهاب بإسناده موصولًا برجل من الأنصار. وخالفهم معمر فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب نحوه مرسلًا، رواه عبد الرزّاق (١٨٢٥٢) ومن طريقه النسائيّ (٤٧٠٩) والحكم للأكثر. ٣ - باب تبدئة أهل الدم في القسامة • عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره رجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل ومُحيصة خرجا إلى خيبر من جَهْدٍ أصابهم. فأُتي محيصةُ. فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير بئر أو عين، فأتي يهود. فقال: أنتم والله قتلتموه. فقالوا: والله ما قتلناه. فأقبل حتَّى قدم على قومه. فذكر لهم ذلك. ثمّ أقبل هو وأخوه حويصة، وهو أكبر منه، وعبد الرحمن. فذهب محيصة ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر. فقال له رسول الله: "كبر، كبر" يريد السن. فتكلم حويصة. ثمّ تكلم محيصة. فقال رسول الله ﷺ : "إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب" فكتب إليهم رسول الله ﷺ في ذلك فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ " فقالوا: لا، قال: "أفتحلف لكم يهود؟ " قالوا: ليسوا بمسلمين. فوداه رسول الله ﷺ من عنده. فبعث إليهم بمائة ناقة حتَّى أدخلت عليهم الدار، قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء، قال مالك: الفقير هو البئر.

стр. 4215

متفق عليه: رواه مالك في القسامة (١) عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة فذكره. ورواه البخاريّ في الأحكام (٧١٩٢) ومسلم في القسامة (٦: ١٦٦٩) كلاهما من طريق مالك. وأبو ليلى بن عبد الله هكذا قاله غير واحد عن مالك. وقيل: عن مالك، عن أبي ليلى عبد الله بن سهل. هكذا قاله بشر بن عمر عن مالك عند مسلم. • عن بشير بن يسار مولى الأنصار عن رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة أنهما حدثاه: أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى النَّبِيّ ﷺ ، فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن، وكان أصغر القوم، فقال النَّبِيّ ﷺ : "كبر الكبر" قال يحيى: يعني: لِيلي الكلام الأكبر، فتكلموا في أمر صاحبهم، فقال النَّبِيّ ﷺ : "أتستحقون قتيلكم، أو قال: صاحبكم، بأيمان خمسين منكم" قالوا: يا رسول الله، أمر لم نره. قال: "فتُبرئكم يهود في أيمان خمسين منهم" قالوا: يا رسول الله، قوم كفار. فوداهم رسول الله ﷺ من قبله. قال سهل: فأدركت ناقة من تلك الإبل، فدخلتْ مرْبدًا فركضتني برجلها. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦١٤٢، ٦١٤٢) ومسلم في القسامة (٢: ١٦٦٩) كلاهما من طريق حمّاد بن زيد، ثنا يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار مولى الأنصار، به. واللّفظ للبخاريّ. • عن بشير بن يسار زعم أن رجلًا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلًا، وقالوا للذي وُجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا وما علمنا قاتلًا، فانطلقوا إلى النَّبِيّ ﷺ فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلًا، فقال: "الكبر الكبر" فقال لهم: "تأتون بالبينة على من قتله؟ " قالوا: ما لنا بينة، قال: "فيحلفون" قالوا: لا نرض بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يُطلّ دمه، فوداه مائة من إبل الصّدقة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (٦٨٩٨) ومسلم في القسامة (٥: ١٦٦٩) من طريق سعيد بن عُبيد، حَدَّثَنَا بُشير بن يسار الأنصاري فذكره. واللّفظ للبخاريّ، وأمّا مسلم فاختصره. هذا الحديث فيه اختصار من الرواة. وتفصيله أن النَّبِيّ ﷺ طلب أولا البينة من الأنصار. فقالوا: ما لنا بينة، فقال لهم: "إذا تحلفون وتستحقون دم صاحبكم" فقالوا: كيف نحلف؟ فقال: "فيحلفون" فبهذا استقام معنى الحديث ولم يخالف بعضه بعضًا. وقد رواه مالك في القسامة (٢) عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار أنه أخبره أن عبد الله بن

стр. 4216

سهل الأنصاري ومحيّصة بن مسعود خرجا إلى خيبر. وجاء فيه: فقال لهم رسول الله ﷺ : "أتحلفون خمسين يمينًا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم؟ " وهو موصول كما سبق، فبُشير بن يسار رُوي عنه يحيى بن سعيد مثل الجماعة. وروى عنه سعيد بن عبيد فاختصره. • عن أبي قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يومًا للناس، ثمّ أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة! ونصبني للناس. فقلت: يا أمير المؤمنين! عندك رؤوس الأجناد، وأشراف العرب، أرأيتَ لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى، لم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. قلت: فوالله ما قتل رسول الله ﷺ قطّ إِلَّا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقُتل، أو رجلٌ زنى بعد إحصان، أو رجلٌ حارب اللهَ ورسولَه وارتدَّ عن الإسلام. فقال القوم: أو ليس قد حدث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قطع في السرق وسمر الأعين، ثمّ نبذهم في الشّمس؟ فقلت: أنا أحدّثكم حديث أنس، حَدَّثَنِي أنس أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض فسقمت أجسامُهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ قال: "أفلا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟ " قالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا، فقتلوا راعي رسول الله ﷺ ، وأطردوا النعم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأرسل في آثارهم، فأُدْركوا فجيء بهم، فأمر بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثمّ نبذهم في الشّمس حتَّى ماتوا. قلت: وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء؟ ارتدوا عن الإسلام وقتلوا وسرقوا. فقال عنبسة بن سعيد: والله إنْ سمعتُ كاليوم قطّ. فقلتُ أتردُّ عليَّ حديثي يا عنبسة؟ قال: لا، ولكن جئتَ بالحديث على وجهه، والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشّيخ بين أظهرهم. قلت: وقد كان في هذا سنة من رسول الله ﷺ دخل عليه نفر من الأنصار فتحدثوا عنده، فخرج رجل منهم بين أيديهم فقُتل، فخرجوا بعده، فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! صاحبنا كان تحدث معنا، فخرج بين أيدينا، فإذا نحن به يتشحط في الدم. فخرج رسول الله ﷺ فقال: "بمن تظنون أو ترون قتله؟ " قالوا: نرى أن اليهود قتلته. فأرسل إلى اليهود فدعاهم، فقال: "آنتم قتلتم هذا؟ ". قالوا: لا. قال: "أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه". فقالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثمّ ينتفلون. قال: "أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم". قالوا: ما كنا لنحلف فوداه من عنده.

стр. 4217

قلت: وقد كانت هذيل خلعوا خليعا لهم في الجاهليّة فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء فانتبه له رجلٌ منهم فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني فرفعوه إلى عمر بالموسم وقالوا: قتل صاحبنا. فقال: إنهم قد خلعوه. فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه. قال فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلًا، وقدم رجل منهم من الشام فسألوه أن يقسم فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلًا آخر، فدفعه إلى أخي المفتول فقُرنت يده بيده، قالوا: فانطلقا والخمسون الذين أقسموا حتَّى إذا كانوا بنخلة، أخذتهم السماء فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغارُ على الخمسين الذين أقسموا فماتوا جميعًا، وأفلت القرينان واتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول، فعاش حولا ثمّ مات. قلت: وقد كان عبد الملك بن مروان أقاد رجلًا بالقسامة ثمّ ندم بعد ما صنع، فأمر بالخمسين الذين أقسموا فمُحُوا من الديوان وسيَّرهم إلى الشام. متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (٦٨٩٩) ومسلم في القسامة (١٠: ١٦٧١) كلاهما من طريق ابن علة، حَدَّثَنَا الحجاج بن أبي عثمان، حَدَّثَنِي أبو رجاء مولى أبي قلابة، عن أبي قلابة، فذكره. والسباق للبخاريّ. وأمّا مسلم فاختصره مقتصرًا على قصة العرنيين. وطريق الجمع بين هذا الحديث والأحاديث التي قبلها يقال: حفظ بعضهم ما لم يحفظ الآخر، وتفصيله أنه طلب البينة أولا من المدعي وهم الأنصار، فلمّا لم تكن عندهم البينة عرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف اليهود فأبوا. فوداه رسول الله ﷺ من عنده من بيت المال. حتَّى لا يتعارض بعضه بعضًا، والقصة واحدة. إِلَّا أن البخاريّ يذهب إلى أصل المسألة وهي أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، ولذا أخرج في باب القسامة حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار وفيه: "تأتوا بالبينة أو فيحلفون" وكذلك في حديث عمر بن عبد العزيز، والجمهور على خلافه كما سيأتي من قول الخطّابي. • عن بُشير بن يسار مولى بني حارثة الأنصاريين أخبر، وكان شيخا كبيرًا فقيها، وكان قد أدرك من أهل داره من بني حارثة من أصحاب النَّبِيّ ﷺ رجالًا منهم: رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة، وسويد بن النعمان، حدثوه أن القسامة كانت فيهم في بني حارثة بن الحارث في رجل من الأنصار يُدعى عبد الله بن سهل قُتل بخيبر. وإن رسول الله ﷺ قال لهم: "تحلفون خمسين فتستحقون قاتلكم" أو قال: "صاحبكم" قالوا: يا رسول الله! ما شهدنا ولا حضرنا، فزعم بُشير أن رسول الله ﷺ قال لهم: "فتُبرئكم يهود بخمسين" فذكره. حسن: رواه البيهقيّ (٨/ ١١٩) من طريق يعقوب بن سفيان، ثنا ابن أبي أويس، حَدَّثَنِي أبي، عن يحيى بن سعيد، أن بُشير بن يسار أخبره فذكره.

стр. 4218

وإسناده حسن من أجل ابن أبي أويس هو إسماعيل بن عبد الله بن أوس بن مالك الأصبحي ضعَّفه النسائيّ ومشاه الآخرون، وهو حسن الحديث. وأبوه عبد الله بن عبد الله بن أوس الأصبحي مختلف فيه أيضًا وهو مثله حسن الحديث، أو دونه. قال البيهقيّ: ورواه سفيان بن عيينة، عن يحيى فخالف الجماعة في لفظه. يعني أنه ذكر في حديثه تبدئة اليهود وقال النَّبِيّ ﷺ للأنصاريين: "أفتُبرئكم يهود بخمسين يمينا يحلفون أنهم لم يقتلوه". رواه مسلم (١٦٦٩: ٢) عن عمرو الناقد، حَدَّثَنَا سفيان ح وحدثنا محمد بن المثنى حَدَّثَنَا عبد الوهّاب الثقفي جميعًا - عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة بنحو حديثهم. ولم يسق لفظ الحديث. مع أن لفظه يخالف لفظ حديث الجماعة في تبدئة القسم. وقد أشار الشافعي إلى أن ابن عيينة كان لا يثبت: أقدّم النَّبِيّ ﷺ الأنصاريين في الأيمان أو يهود. فيقال في الحديث: أنه قدم الأنصاريين فيقول: فهو ذاك أو ما شابه هذا. ذكره البيهقيّ. وهو كما قال الشافعيّ، فقد رواه النسائيّ (٤٧١٧) عن محمد بن منصور، قال: حَدَّثَنَا سفيان بإسناده وفيه تبدئة الأيمان من الأنصاريين. فظهر منه أن سفيان بن عيينة لم يثبت على لفظ واحد، ومسلم وقف على لفظ عمرو الناقد عن سفيان مثل لفظ الجماعة، ولذا لم يسقه. ٤ - باب من قال تبدأ الأيمان من المدعى عليهم رُوي عن سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، عن رجال من الأنصار أن النَّبِيّ ﷺ قال لليهود وبدأ بهم: "أيحلف منكم خمسون رجلًا" فأبوا. فقال للأنصار: "استحقُّوا" قالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله؟ فجعلها رسول الله ﷺ دية على اليهود، لأنه وجد بين أظهرهم. رواه أبو داود (٤٥٢٦) عن الحسن بن عليّ، حَدَّثَنَا عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، فذكراه. قال الخطّابي: "في هذا حجّة لمن رأى أن اليمين على المدعى عليهم، إِلَّا أن أسانيد الأحاديث المتقدمة أحسن اتصالًا، وأوضح متونًا. وقال: وقد روى ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه بدأ في اليمين بالمدعين: سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج وسويد بن النعمان". قلت: وبهذا يكون حديث الباب شاذ! قلت: احتج أهل الكوفة بحديث أبي داود فقالوا: تكون تبدئة الأيمان بالمدعى عليهم كسائر الحقوق "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر". وذهب جمهور أهل العلم إلى أحاديث الباب بأن تبدئة الأيمان تكون بالمدعين. وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وبقية علماء أهل الحديث.

стр. 4219

وأمّا ما رُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر إِلَّا في القسامة" فهو ضعيف. رواه الدَّارقطنيّ (٣/ ١١١) والبيهقي (٨/ ١٢٣) كلاهما من حديث مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، فذكره. ومسلم بن خالد الزنجي ضعيف ضعَّفه البيهقيّ وغيره، وقد اختلف عليه فرواه بعضهم عنه، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة فذكر مثله. ورواه عبد الرزّاق عن ابن جريج، عن عمرو مرسلًا، كذا ذكره الدارقطنيّ، وعبد الرزّاق أوثق من مسلم بن خالد الزنجي. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٧/ ١٣٤). ٥ - باب ما جاء في القتل بالقسامة • عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ قال: "تُسمون قاتلكم، ثمّ تحلفون عليه خمسين يمينا فتُسلمه إليكم". حسن: رواه ابن أبي عاصم في الديات (٢٥٩) واللّفظ له، وأحمد (١٦٠٩٦) والبيهقي (٨/ ١٢٦) كلّهم من حديث محمد بن إسحاق، حَدَّثَنِي الزّهريّ، عن سهل بن أبي حثمة فذكره ولفظهما مطوَّلًا. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. قال ابن أبي عاصم: "وممن قال: يقاد بالقسامة، ويسلموا إلى أولياء المقتول: عمر بن الخطّاب ومروان بن الحكم وعمر بن عبد العزيز". قلت: وبه قال مالك وأحمد في حالة العمد، والدية في شبه العمد أو الخطأ. وقال أبو حنيفة والشافعي: "الدية في جميع الحالات. وتألوا دم صاحبكم في الأحاديث السابقة - أي الدية، انظر للمزيد "المنة الكبرى" (٧/ ١٣٩).

стр. 4220

٣٣ - كتاب الحدود جموع ما جاء في الحدود عامة ١ - باب ما جاء من المحرمات • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". متفق عليه: رواه البخاري في الأشرية (٥٥٧٨) ومسلم في الإيمان (٥٧) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب يقولان قال أبو هريرة، فذكر الحديث. ٢ - باب ما جاء في الستر على المسلم • عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة، فرّج الله عنه بها كربةً من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة". متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٤٢) ومسلم في البر والصلة (٢٥٨٠) كلاهما من حديث الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، أن سالمًا أخبره أن عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". صحيح: رواه مسلم في الذكر (٢٦٩٩) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره في سياق أطول منه. وفي الباب ما رُوي عن عقبة بن عامر قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر عورة مؤمن فكأنما أحيا موءودة من قبرها". رواه أبو داود (٤٨٩٢) وأحمد (١٧٩٥) كلاهما من حديث الليث بن سعد، عن إبراهيم بن نشيط

стр. 4221

الخولاني، عن كعب بن علقمة، عن أبي الهيثم، عن دُخين كاتب عقبة بن عامر قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانًا بشربون الخمر، وأنا داع لهم الشُّرط فيأخذونهم. فقال: لا تفعل، ولكن عِظهم وتهددهم. قال: ففعل فلم ينتهوا، قال: فجاء دُخين فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا. وأنا داع لهم الشرط. فقال عقبة: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره. وفيه أبو الهيثم مجهول، كما أنه وقع فيه اضطراب شديد أشار إليه المنذري في مختصر أبي داود - فلا تطمئن النفس إلى تحسينه فضلا عن تصحيحه. وكذلك لا يصح ما روي عن ابن عباس مرفوعًا: "من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته". رواه ابن ماجة (٢٥٤٦) وفيه محمد بن عثمان الجمحي المكي ضعيف باتفاق أهل العلم. ٣ - باب الستر على نفسه • عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قام بعد أن رجم الأسلمي فقال: "اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، فمن أَلَمَّ فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحة نُقِمْ عليه كتاب الله ". صحيح: رواه الحاكم (٤/ ٢٤٤) والبيهقي (٨/ ٣٣٠) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، يقول: حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره. إسناده صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ٤ - باب ما جاء أن الحدود كفارة • عن عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقبَ به، فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك، فستر الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٧٨٤) ومسلم في الحدود (١٧٠٩/ ٤١) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت فذكره. واللفظ لمسلم. • عن عبادة بن الصامت قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضنا بعضا. "فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارته، ومن

стр. 4222

ستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له". صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٧٠٩/ ٤٣) عن إسماعيل بن سالم، أخبرنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة، فذكره. وقوله: "ولا يعضه" معناه لا يرميه بالعضيهة وهي البهتان. هذا القيد بين المقصود من الحديث بأنه لا يشمل الشرك بالله الذي ذكر في أول الحديث لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فإن الشرك ليس تحت المشيئة. فإذا ارتد المسلم، وصار مشركافقتل على ارتداده فهذا القتل لا يكون كفارة له، إنما هو مخصوص بالمسلم الذي أتى بالحد من الزنا والسرقة والفرية والشرب وغيرها. قال الشافعي: "لم أسمع في هذا الباب أن الحد كفارة لأهله شيئًا أحسن من هذا الحديث. وقال: وأحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستر على نفسه، ويتوب فيما بينه وبين ربه" ذكره الترمذي (١٤٣٩). • عن علي، عن النبي ﷺ قال: "من أصاب حدًّا فعُجّلت عقوبتُه في الدنيا، فالله أعدل من أن يثنّي على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حدًّا فستره الله عليه، وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه". حسن: رواه الترمذي (٢٦٢٦) وابن ماجه (٢٦٠٤) وأحمد (٧٧٥) والدارقطني (٣/ ٢١٥) والطحاوي في مشكله (٢١٨١) والحاكم (٢/ ٤٤٥) والبيهقي (٨/ ٣٢٨) كلهم من حديث حجاج بن محمد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي جحيفة، عن علي فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في يونس بن أبي إسحاق في روايته عن أبيه أبي إسحاق إلا أنه حسن الحديث إذا لم يخالفه، وإن كان ابنه إسرائيل بن يونس أوثق منه في جده أبي إسحاق. ومن خالفه فرواه عن أبي إسحاق موقوفا لا يساوي شيئًا. ذكر الدارقطني في العلل (٣/ ١٢٨ - ١٢٩) بعض هؤلاء من رووه عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة موقوفا ثم قال: "ورفعه صحيح". وقال الترمذي: "حسن غريب صحيح" وفي نسخة: "حسن غريب". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين". والصواب أنه حسن كما قلت. وفي الباب ما رُوي عن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ قال: "من أصاب ذنبًا أقيم حدُّ ذلك الذنب فهو كفارته". رواه أحمد (٢١٨٦٦) والطبراني (٣٧٣١) والدارقطني (٣/ ٢١٤) والحاكم (٤/ ٣٨٨) كلهم من حديث أسامة بن زيد، عن محمد بن المنكدر، عن ابن خزيمة بن ثابت، عن أبيه فذكره.

стр. 4223

قال الحاكم: صحيح الإسناد. وهو كما قال من ظاهر الإسناد، ولا يضر عدم تسمية ابن خزيمة فإنه عمارة بن خزيمة وهو ثقة معروف من روايته عن أبيه، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (١/ ٦٧)، (١٢/ ٨٤) ولكن وقع الخلاف على أسامة بن زيد، فإنه وصف بكثير الخطأ وإن كان هو صدوقا في نفسه، فمرة روي هكذا. وأخرى كما سيأتي. وقد سأل الترمذي البخاري كما في "العلل الكبير" (٢/ ٢٠٦) عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث فيه اضطراب" وضعّفه جدًّا. قال: وقال محمد: وقد رُوي عن أسامة بن زيد، عن رجل، عن بكير بن الأشج، عن محمد بن المنكدر، عن خزيمة بن ثابت. ورواه المنكدر بن محمد، عن أبيه، عن خزيمة بن معمر. انتهى. والمنكدر بن محمد مختلف فيه فقال الإمام أحمد: "ثقة" وقال ابن معين: "ليس به بأس" وضعّفه النسائي والجوزجاني والعجلي. وقال أبو زرعة: "ليس بقوي" وقال أبو حاتم: "كان رجلًا صالحًا لا يفهم الحديث، وكان كثير الخطأ". وأما ما روي عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال: "ما أدري أعزير نبيًا كان أم لا، وتبع لعينا كان أم لا، والحدود كفارات لأهلها أم لا" فهذا صحيح مرسلًا. رواه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٥٢) قال: قال لي عبد الله بن محمد، حدثنا هشام قال: حدثنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري فذكره. ورواه أبو داود (٤٦٧٤) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما أدري أتبع لعين هو أم لا؟ ما أدري أعزير نبي هو أم لا؟ " ولم يذكر فيه: "الحدود كفارات لأهلها". ورواه أيضا الحاكم (١/ ٩٢) من طريق عبد الرزاق وذكر فيه: "ما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا". قال البخاري: "والأول أصح، ولا يثبت هذا عن النبي ﷺ لأن النبي ﷺ قال: "الحدود كفارة" وكذا رجح الإرسال غير واحد من أهل العلم، لأن هشاما وهو ابن يوسف الصنعاني أوثق وأضبط من عبد الرزاق. سئل أبو حاتم الرازي عن هشام وعبد الرزاق ومحمد بن ثور فقال: كان هشام أكبرهم وأحفظهم وأتقن. الجرح والتعديل (٩/ ٧١). فكان ترجيح البخاري للإرسال من وجهين: أحدهما: مخالفته للحديث الصحيح. والثاني: هشام بن يوسف الصنعاني أوثق من عبد الرزاق وسيأتي مزيد من الكلام في أخبار

стр. 4224

الماضيين. ولا يقال حديث أبي هريرة متقدم على حديث عبادة بن الصامت ليكون حديث عبادة ناسخًا لحديث أبي هريرة، لأن حديث عبادة كان بمكة ليلة العقبة لما بايع النبي ﷺ الأنصار بمنى، وحديث أبي هريرة يكون متأخرًا، لأنه أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر إلا أن الحافظ ابن حجر ينكر أن يكون حديث عبادة بمكة وعلى فرض التسليم فإنه ذكر تأويلات بعد أن صحّح حديث أبي هريرة. انظر "الفتح" (١/ ٦١). وقال الهيثمي في "المجمع (٦/ ٢٦٥) فقال: رواه البزار - كشف الأستار - (١٥٤٣) بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح غير أحمد بن منصور الرمادي وهو ثقة. ٥ - باب ما جاء في فضل إقامة الحدود • عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم". حسن: رواه ابن ماجه (٢٥٤٠) عن عبد الله بن سالم المفلوج، قال: حدثنا عبيدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن عبادة بن الصامت فذكره. ومن هذا الطريق رواه عبد الله بن أحمد في زوائده (٢٢٧٩٥) مطولا، وسيأتي في كتاب الجهاد. وفيه ربيعة بن ناجد الأزدي، ويقال الأسدي الكوفي، ذكره ابن حبان في "ثقاته" وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، واعتمد الحافظ ابن حجر توثيقهما فقال في التقريب: "ثقة" وهو ليس بثقة بل "مجهول" لأنه لم يرو عنه غير أبي صادق، وأما توثيق ابن حبان والعجلي فهو على قاعدتهما في توثيق من لم يعرف فيه جرح، وقد جَهَّلَه الذهبي في "المغني". ولكن الحديث له إسناد آخر وهو ما رواه عبد الله بن أحمد (٢٢٧٧٦) عن يحيى بن عثمان أبي زكريا البصري الحربي، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله، عن أبي سلام، عن المقدام بن معدي كرب الكندي أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي. فتذاكروا الحديث فقال أبو داود لعبادة: يا عبادة! كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا في شأن الأخماس. فقال عبادة: فذكر الحديث بطوله. وجاء فيه: "أقيموا حدود الله في الحضر والسفر". ورواه الإمام أحمد (٢٢٦٨٠، ٢٢٦٩٠) عن إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش بإسناده مختصرًا ومطولًا ومداره على أبي بكر بن عبد الله هو ابن أبي مريم الغاني الشامي ضعيف. قال ابن حبان: كان من خيار أهل الشام، لكن كان رديء الحفظ، يحدث بالشيء فيهم، فكثر ذلك منه حتى استحق الترك. وللحديث إسناد ثالث وهو ما رواه عبد الله بن أحمد (٢٢٧٧٧) عن يحيى بن عثمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلّام نحوه. وسعيد بن يوسف هو الرحبي، ويقال: الزرقي من صنعاء دمشق ضعيف وبمجموع هذه الطرق

стр. 4225

يكون الحديث حسنا. رُوي في هذا الباب عن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر. فأما حديث أبي هريرة فرواه الإمام أحمد (٨٧٣٨) وابن ماجه (٢٥٣٨) والنسائي (٤٩٠٤) وابن الجارود (٨٠١) وصحّحه ابن حبان (٤٣٩٨) كلهم من حديث عبد الله بن المبارك، عن عيسى بن يزيد، عن جرير بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "حد يقام في الأرض خير للناس من أن يمطروا ثلاثين - أو أربعين صباحًا". وفيه جرير بن يزيد بن عبد الله البجلي ضعيف باتفاق أهل العلم. تنبيه: وقع سقط في نسخة ابن حبان المطبوعة بين عيسى بن يزيد وبين أبي هريرة فسقط منه "جرير بن يزيد عن أبي زرعة" ورواه ابن حبان (٣٤٩٧) عن ابن قتيبة، حدثنا محمد بن قدامة، حدثنا ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين صباحًا". ظاهر إسناده السلامة، ولكنه معلول، فإن أصحاب ابن علية (وهو إسماعيل ابن علية) اختلفوا عليه، فرواه محمد بن قدامة وهو ابن أيمن المصيصي هكذا. قال النسائي: "لا بأس به"، وقال الدارقطني: "ثقة". وخالفه عمرو بن زرارة فرواه عن إسماعيل ابن علية قال: حدثنا يونس بن عبيد، عن جرير بن يزيد، عن أبي زرعة قال: قال أبو هريرة فذكره موقوفا عليه. رواه النسائي (٤٩٠٥) عن عمرو بن زرارة. وعمرو بن زرارة الكلابي أوثق من محمد بن قدامة. وقد خالفه في موضعين: الأول: جعل جرير بن يزيد شيخ يونس بن عبيد. وجرير بن يزيد ضعيف كما مضى. والثاني: رواه موقوفًا على أبي هريرة. وهذا هو الصحيح، وهو الذي رجّحه أيضا الدارقطني في العلل (١١/ ٢١٣). وأما حديث ابن عباس فرواه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٣٧) والبيهقي (٨/ ١٦٢) كلاهما من حديث أحمد بن يونس، ثنا سعيد أبو غيلان، ثنا عفان بن جبير الطائي، عن أبي جرير أو حريز الأزدي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : اليوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين عامًا" واللفظ للطبراني. وعند البيهقي: "أربعين يومًا" وفيه رجال لا يعرفون كما قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٦٣). قلت: وفي متنه نكارة في قوله: "أربعين عامًا" ولذا قال المنذري في الترغيب والترهيب (٣٥٨٢): وهو غريب بهذا اللفظ إلا أنه حسّن إسناده. وأما حديث ابن عمر فرواه ابن ماجه (٢٥٣٧) ولفظه: "إقامة حد من حدود الله خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله ".

стр. 4226

وفيه سعيد بن سنان الحنفي الحمصي رماه الدارقطني وغيره بالوضع. ٦ - باب إقامة الحدود الحرمات الله • عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: ما خُيّر رسول الله ﷺ في أمرين قط إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم الله بها. متفق عليه: رواه مالك في حسن الخلق (٢) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته، ورواه البخاري في المناقب (٣٥٦٠)، ومسلم في الفضائل (٢٣٢٧) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. ورواه البخاري في الحدود (٦٧٨٦) من طريق عقيل، عن ابن شهاب، به، نحوه. ٧ - باب لا محاباة في إقامة الحدود • عن عائشة زوج النبي ﷺ أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح. فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد. فتلوّن وجه رسول الله ﷺ فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب. فأثنى على الله بما هو أهله. ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد. وإني، والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ . متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٧٨٨) ومسلم في الحدود (١٦٨٨) كلاهما عن طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. ورواه مسلم من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، بإسناده عن عائشة، فذكرته والسياق له. ٨ - باب ما جاء في حبس المتهم للتحقيق • عن بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده قال: أخذ النبي ﷺ ناسًا من قومي في تهمة، فحبسهم، فجاء رجل من قومي إلى النبي ﷺ وهو يخطب فقال: يا محمد، علام تحبس جيرتي؟ فصمت النبي ﷺ فقال: إن ناسًا ليقولون: إنك تنهى عن

стр. 4227

الشر وتستخلي به، فقال النبي ﷺ : "ما يقول؟ " قال: فجعلت أعرّض بينهما بالكلام مخافة أن يسمعها، فيدعو على قومي دعوة لا يُفلِحون بعدها أبدًا. فلم يزل النبي ﷺ به حتى فهمها. فقال: "قد قالوها أو قائلها منهم؟ والله لو فعلتُ لكان عليّ وما كان عليهم، خلُّوا له عن جيرانه". حسن: رواه أحمد (٢٠٠١٩) عن عبد الرزاق وهو في مصفه (١٨٨٩١) عن معمر، عن بهز بن حكيم بإسناده. واختصره أبو داود (٣٦٣٠) والترمذي (١٤١٧) والنسائي (٤٨٧٦) والحاكم (٤/ ١٠٢) كلهم من حديث معمر، عن بهز بإسناده يقوله: إن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة، ثم خلّى عنه. قال الترمذي: "حديث حسن". قلت: وهو كما قال فإن بهز بن حكيم بن معاوية القشيري مختلف فيه غير أنه حين الحديث. • عن النعمان بن بشير أنه رفع إليه نفر من الكلاعيين أن حاكة سرقوا متاعًا لهم، فحبسهم أيامًا، ثم خلى سبيلهم. فأتوه فقالوا: خليت سبيل هؤلاء بلا امتحان ولا ضرب. فقال النعمان: ما شئتم، إن شئتم أضربهم فإن أخرج الله متاعكم فذاك. وإلا أخذت من ظهوركم مثله. قالوا: هذا حكمك؟ قال: هذا حكم الله ورسوله ﷺ . حسن: رواه النسائي (٤٨٧٤) وأبو داود (٤٣٨٢) كلاهما من حديث بقية بن الوليد، قال حدثني صفوان بن عمرو، قال: حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي، عن النعمان بن بشير فذكره. قال أبو داود: إنما أرهبهم بهذا القول أي لا يجب الضرب إلا بعد الاعتراف. وإسناده حسن من أجل أزهر بن عبد الله الحرازي الحمصي. قال البخاري: "أزهر بن عبد الله وأزهر بن سعيد وأزهر بن يزيد واحد نسبوه مرة: مرادي، ومرة: هوزني، ومرة حرازي". قال ابن حجر: ووافقه جماعة على ذلك" وأما شرح حال أزهر فلم يذكر المزي شيئا منه في الترجمتين، وقد قال ابن الجارود في كتاب الضعفاء: كان يسب عليًّا. ثم قال: لم يتكلموا إلا في مذهبه، وقد وثّقه العجلي. وقال في التقريب: "صدوق" وكذلك قال في أزهر بن سعيد الحرازي. وأما بقية بن الوليد فهو مدلس، كثير التدليس عن الضعفاء، كما أنه مختلف في توثيقه وتضعيفه غير أنه حسن الحديث إذا صرّح كما هنا. وفي الباب أحاديث أخرى لا تصح. ٩ - باب ما روي في درء الحدود رُوي عن عائشة مرفوعًا: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".

стр. 4228

رواه الترمذي (١٤٢٤) والدارقطني (٣/ ٨٤) والحاكم (٤/ ٣٨٤) والبيهقي (٨/ ٢٣٨) كلهم من طريق يزيد بن زياد الدمشقي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة فذكرته. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" رده الذهبي فقال: قال النسائي: "يزيد بن زياد شامي متروك". وقال الترمذي: "حديث عائشة لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث محمد بن ربيعة، عن يزيد بن زياد الدمشقي ... ". وقال: "رواه وكيع، عن يزيد بن زياد نحوه ولم يرفعه .. ورواية وكيع أولى". وقال: وقد رُوي نحو هذا عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: مثل ذلك. "ويزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في الحديث". انتهى قول الترمذي. وفي معناه أيضا ما رُويَ عن أبي هريرة مرفوعًا: "ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا". رواه ابن ماجه (٢٥٤٥) عن عبد الله بن الجرّاح، قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن الفضل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده ضعيف فإن إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني أبو إسحاق ضعيف باتفاق أهل العلم حتى قال الدارقطني: "متروك". وفي معناه أيضا ما رُوي عن علي مرفوعًا: "ادرؤوا الحدود بالشبهات". رواه الدارقطني والبيهقي. قال البيهقي: في هذا الإسناد ضعف. قلت: فيه مختار التمار وهو مختار بن نافع التميمي وأبو إسحاق التمار ضعيف باتفاق أهل العلم. وفي معناه أحاديث أخرى لا يصح منها شيء. ولكن صحّ عن بعض الصحابة درء الحدود بالشبهات. فقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: "لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات". رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وكذلك روي عن ابن مسعود وغيره، ودرءُ الحدود بالشبهات من عمدة الفقهاء والقضاة للمصلحة العامة، وأحاديث الباب مع ضعفها يعضد بعضه بعضا للحفاظ على حياة الإنسان، وسلامة أعضائه. ١٠ - باب الغلام الذي يقام عليه الحد • عن عطية القرظي يقول: عُرضنا على رسول الله ﷺ : يوم قريظة، فكان من أنبت قُتل، ومن لم ينبت خلّي سبيله. فكنت فيمن لم ينبت فخلّي سبيلي. وفي رواية: "فكشفوا عانتي، فوجدوها لم يَنبُت فجعلوني في السبي". حسن: رواه أبو داود (٤٤٠٤) والترمذي (١٥٨٤) وابن ماجه (٢٥٤١) والنسائي (٤٩٨١) وصحّحه ابن حبان (٤٧٨٠) والحاكم (٣/ ٣٥) كلهم من طرق عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت عطية القُرظي يقول: فذكره.

стр. 4229

وإسناده حسن من أجل عبد الملك بن عمير اللخمي فإنه حسن الحديث. قال الترمذي: حسن صحيح. وقال: "العمل على هذا عند بعض أهل العلم أنهم يرون الإنبات بلوغًا إن لم يُعرف احتلامه، ولا سنُّه وهو قول أحمد وإسحاق". ١١ - باب النهي عن ضرب الوجه في الحد ّ • وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه". حسن: رواه أبو داود (٤٤٩٣) عن أبي كامل، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل عمر بن أبي سلمة فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. ورواه أحمد (٧٣٢٣) عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة وزاد فيه: "فإن الله خلق آدم على صورته" وقد أشار مسلم (٢٦١٢) إلى رواية سفيان، عن أبي الزناد، بهذا الإسناد وقال: "إذا ضرب أحدكم". وأصل حديث أبي هريرة في الصحيحين: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه" وهو مخرج في موضعه. • * *

стр. 4230

جموع ما جاء في حد الزنا ١ - باب ما جاء في تحريم الزنا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. • عن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل الله ندًّا وهو خلقك" قلت: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أي؟ قال: "وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٤٧٧) ومسلم في الإيمان (٨٦) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرحبيل، عن عبد الله بن مسعود فذكره. • عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ " قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال ذات غداة: "إنه أتاني الليلة أتيان وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما .. " فذكر الحديث بطوله. وفيه: "فانطلقنا فأتينا على مثل التنور - قال: وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لَغط وأصوات. قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عُراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوضَوا، قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق .. " ثم أخبراه بذلك فقالا: "وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني". متفق عليه: رواه البخاري في التعبير (٧٠٤٧) عن مؤمل بن هشام بن أبي هاشم، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سمرة بن جندب، فذكره. ورواه مسلم في الفضائل (٢٢٧٥/ ٢٣) من وجه آخر عن أبي رجاء العطاردي مختصرا. • عن أبي أمامة قال: إن فتى شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل عليه القوم فزجروه وقالوا: مه مه فقال: "ادنه" فدنا منه قريبا قال: فجلس قال: "أتحبه لأمك؟ " قال: لا، والله جعلني الله فداءك قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم" قال: "أفتحبه لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم" قال: "أفتحبه لأختك؟ " قال: لا والله،

стр. 4231

جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم" قال: "أفتحبه لعمتك؟ ، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم" قال: "أفتحبه لخالتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم" قال: فوضع يده عليه، وقال: "اللهم اغفر لذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه" قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. صحيح: رواه أحمد (٢٢٢١١) والطبراني (٧٦٧٩) كلاهما من طريق حَريز بن عثمان، ثنا سليم بن عامر، عن أبي أمامة فذكر الحديث. وإسناده صحيح. ٢ - باب فضل من دُعي إلى الزنا فامتنع • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل ذكر الله في خلاء ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق في المسجد، ورجلان تحابا في الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٠٦) ومسلم في الزكاة (١٠٣١) من طريق عبيد الله بن عمر، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة فذكره. ٣ - باب ثبوت رجم المحصن في التوراة • عن عبد الله بن عمر أنه قال: جاءت اليهود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شان الرجم؟ " فقالوا: نفضحهم ويُجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنثروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، ثم قرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرُجما. فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يَحْنِي على المرأة، يَقيها الحجارة. متفق عليه: رواه مالك في الحدود (١) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره. ورواه البخاري في الحدود (٦٨٤١) من طريق مالك، به، مثله. ورواه مسلم في الحدود (٢٦: ١٦٩٩) من طريق عبيد الله عن نافع، به، نحوه. ورواه من طريق ابن وهب، أخبرني رجال من أهل العلم منهم مالك بن أنس، أن نافعًا أخبرهم عن ابن عمر،

стр. 4232

فذكره باختصار. ورواه الشيخان البخاري (٧٥٤٣) ومسلم (٢٧: ١٦٩٩) كلاهما من حديث إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن نافع وفيه: قالوا: نُسَخِّمُ وجوههما ونُخزيهما قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] فجاؤوا فقالوا لرجل ممن يرضون: يا أعور، اقرأ. فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه. قال: "ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيه آية الرجم تلوح، فقال يا محمد! إن عليهما الرجم، ولكنا نكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما فرأيته يجانئ عليها الحجارة. هذا لفظ البخاري، وأما مسلم فلم يسق لفظه. ورواه الإمام أحمد (٤٤٩٨) عن إسماعيل ابن علية وفيه: وجاؤوا بقارئ لهم أعور يقال له: ابن صوريا. وقوله: يجانئ بجيم وهمزة في آخره يكب عليها. وقوله: نُسخّم وجوههما: من التسخيم أن نُسود. وقوله: "نُخزيهما": من الخزي بأن يركبا على الحمار معكوسا، ويدارا في الأسواق. • عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود، فدعوا رسول الله ﷺ إلى القفّ فأتاهم في بيت المدراس فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلًا منا زنى بامرأة، فاحكم، فوضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها. ثم قال: "ائتوني بالتوراة" فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها. ثم قال: "آمنت بك وبمن أنزلك" ثم قال: "ائتوني بأعلمكم" فأتي بفتى شاب. ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك، عن نافع. حسن: رواه أبو داود (٤٤٤٩) عن أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا ابن وهب، حدثني هشام بن سعد، أن زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر فذكره. وإسناده حسن من أجل هشام بن سعد المدني أبو عباد مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. • عن البراء بن عازب، قال: مرّ على النبي ﷺ بيهودي مُحممًا مجلودًا. فدعاهم ﷺ فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم، فقال: "أنشدُك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قالوا: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا. فكنا، إذا أخذنا الشريف تركناه. وإذا أخذنا الضعيف، أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم! إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه" فأمر به فرجم. فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] يقول: ائتوا

стр. 4233

محمدًا ﷺ فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه. وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] في الكفار كلها. صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٧٠٠) من طريق أبي معاوية (هو الضرير) عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، فذكره. • عن جابر بن عبد الله يقول: رجم النبي ﷺ رجلًا من أسلم، ورجلا من اليهود وامرأته. وفي رواية: وامرأة. صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٧٠١) عن هارون بن عبد الله حدثنا الحجاج بن محمد، قال: قال ابن جريح، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله فذكره. وأما ما روي عن جابر قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا فقال: "ائتوني بأعلم رجلين منكم" فأتوه بابني صوريا قال: فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رُجما. قال: "فما يمنعكما أن ترجموهما؟ " قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود. فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة. فأمر رسول الله ﷺ برجمها. فهو ضعيف. رواه أبو داود (٤٤٥٢) عن يحيى بن موسى البلخي، حدثنا أبو أسامة، قال مجالد: أُخبرنا عن عامر الشعبي، عن جابر بن عبد الله فذكره. وإسناده ضعيف من أجل مجالد وهو ابن سعيد. ورواه أيضا أبو داود (٣٦٢٦) من وجه آخر مرسلًا باختصار. • عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ رجم يهوديا ويهودية. حسن: رواه الترمذي (١٤٣٧) وابن ماجه (٢٥٥٧) وأحمد (٢٠٨٥٦) كلهم من طريق شريك، عن سماك، عن جابر بن سمرة فذكره. وشريك هو ابن عبد الله النخعي ضُعّف لسوء حفظه، وقد توبع. رواه أبو داود الطيالسي (٨١٢) عن حماد بن سلمة، عن سماك به. وبهذه المتابعة حسن هذا الحديث. قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم قالوا: إذا اختصم أهل الكتاب، وترافعوا إلى حكام المسلمين حكموا بينهم بالكتاب والسنة وبأحكام المسلمين. وهو قول أحمد وإسحاق وقال بعضهم: لا يقام عليهم الحد في الزنا. والقول الأوصل أصح". انتهى. • عن الشيباني قال: قلت لابن أبي أوفى: رجم رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، يهوديا ويهودية قال: قلت: بعد نزول النور أو قبلها؟ قال: لا أدري.

стр. 4234

صحيح: رواه أحمد (١٩١٢٦) وابن حبان (٤٤٣٣) كلاهما من حديث هُشيم بن بشير، قال: قال الشيباني فذكره. وإسناده صحيح. والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان الكوفي. وأخرجه الشيخان كما سيأتي من وجه آخر عن أبي إسحاق الشيباني وليس فيه ذكر رجم اليهودي واليهودية. • عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ برجم اليهودي واليهودية عند باب مسجده، فلما وجد اليهودي مس الحجارة قام على صاحبته، فجنا عليها يقيها مس الحجارة، حتى قتلا جميعا، فكان مما صنع الله لرسوله في تحقيق الزنا منهما. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٦٨) عن يعقوب وسعد، قالا: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: وحدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن إسماعيل بن إبراهيم الشيباني، عن ابن عباس فذكره. ورواه الطبراني في الكبير (١٠/ ٤٠٣) والحاكم (٤/ ٣٦٥) كلاهما من وجه آخر عن محمد بن إسحاق، قال حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة بإسناده وفيه: قد أحصنا فسألوه أن يحكم فيهما بالرجم فرجمهما في فناء المسجد. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرح بالسماع. وإسماعيل بن إبراهيم الشيباني حجازي ثقة، وثّقه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في "الثقات" وهو من رجال "التعجيل" (٤٧). وليس من رجال "التهذيب" إبراهيم بن إسماعيل، ويقال: إسماعيل بن إبراهيم السلمي ويقال الشيباني حجازي فهو مجهول كما قال أبو حاتم. فقد فرق بينهما أبو حاتم الرازي وابن حبان، وجمع بينهما البخاري فتبعه المزي. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولعل متوهما من غير أهل الصنعة يتوهم أن إسماعيل الشيباني هذا مجهول، وليس كذلك. فقد روى عنه عمرو بن دينار الأثرم". انتهى. وفي الباب ما رُوي عن أبي هريرة قال: أول مرجوم رجمه رسول الله ﷺ من اليهود. رواه أبو داود (٤٤٥٠) عن محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق وهو في مصنفه (١٣٣٣٠) أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثنا رجل من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه نحن عند سعيد بن المسيب، فحدثنا عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، قلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النبي ﷺ ، وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة حتى أتي بيت مِدْراسهم، فقام على الباب، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ " قالوا: يُحمم، ويُجبّه ويُجلد، والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتُهما ويطاف بهما. قال:

стр. 4235

وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي ﷺ سكت ألظّ به النشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة الرجم، فقال النبي ﷺ : "فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ " قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في أسرة من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم، فقال النبي ﷺ : "فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرجما". قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] كان النبي ﷺ منهم. ورواه الإمام أحمد (٦٣٨٥) عن عبد الرزاق بإسناده مختصرا، ورواه أيضا أبو داود (٤٤٥١) من وجه آخر عن محمد بن إسحاق، عن الزهري قال: سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: زني رجل وامرأة من اليهود، وقد أحصنا حين قدم رسول الله ﷺ المدينة، وقد كان الرجم مكتوبا عليهم في التوراة، فتركوه وأخذوا بالتجيية يُضرب مائة بحبل مطلي بقار، ويحمل على حمار، وجهه مما يلي دبر الحمار، فاجتمع أحبار من أحبارهم، فبعثوا قومًا آخرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سلوه عن حد الزاني، وساق الحديث فقال فيه: قال: ولم يكونوا من أهل دينه فيحكم بينهم. فخيّر في ذلك قال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٧] ورواه البيهقي (٨/ ٢٤٧) من طريق أبي داود وفيه أيضا رجل من مزينة لم يسم. ٤ - باب ثبوت رجم المُحْصَن في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ - • عن عبد الله بن عباس أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أُحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. متفق عليه: رواه مالك في الحدود (٨) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، فذكره. وهو طرف من خطبة طويلة كانت في آخر حجة حجها عمر بن الخطاب بعد أن رجع إلى المدينة. رواها بطولها البخاري في الحدود (٦٨٣٠) من طريق صالح (هو ابن كيسان) عن الزهري، به. وروى البخاري طرفا في الحدود أيضا (٦٨٢٩) عن علي بن عبد الله، حدثنا سفيان (هو ابن عيينة عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : "إن الله قد بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها. فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشي إن طال بالناس زمان، أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة،

стр. 4236

أو كان الحبل أو الاعتراف". ورواه مسلم في الحدود (١٦٩١) من طريق سفيان وغيره. قال الحافظ ابن حجر: "وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية جعفر الفريابي، عن علي بن عبد الله شيخ البخاري (عن سفيان به) فيه، فقال بعد قوله "أو الاعتراف": "وقد قرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة" وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده. فسقط من رواية البخاري من قوله: "وقرأ" إلى قوله "البتّة" ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدًا، فقد أخرجه النسائي (في الكبرى ٧١٥٦) عن محمد بن منصور، عن سفيان كرواية جعفر ثم قال: "لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث، الشيخ والشيخة" غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك. قال ابن حجر: "وقد أخرج الأئمة هذا الحديث من رواية مالك، ويونس، ومعمر، وصالح بن كيسان، وعقيل وغيرهم من الحفاظ عن الزهري فلم يذكروها .. " ا. هـ فتح الباري (١٢/ ١٤٣). ثم قال: "وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية "الموطأ" عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة خطب الناس، فقال: أيها الناس، قد سُنّتْ لكم السنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة - ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة. اهـ والحديث في الموطأ في "الحدود" (١٠). ويرى بعض المحققين أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢] عام في المحصن وغيره، فنسخ في حق المحصن بالرجم لرجم رسول الله ﷺ . فيكون نسخ الكتاب بالسنة القطعية الفعلية. وقالوا: هذا أولى من ادعاء كون الناسخ قوله تعالى: ﴿والشيخ والشيخة ... ﴾ لعدم القطع بثبوت كونها قرآن، ثم نسخ تلاوتها وبقاء حكمها، ولذا قال علي بن أبي طالب: جلدتهما بكتاب الله، ورجمتهما بسنة رسول الله ﷺ " ولم ينسبه إلى القرآن المنسوخ تلاوته. وعلى هذا فيكون الرجم حكما زائدا على كتاب الله في حق المحصن. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٧/ ٢١٤). • عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٢: ١٦٩٠) عن يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا هُشيم، عن منصور، عن الحسن، عن حِطّان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت فذكره. قوله: "قد جعل الله لهن سبيلًا": إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].

стр. 4237

اختلف أهل العلم في المحصن هل يجلد مع الرجم أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه يجلد مائة، ثم يرجم مستدلين بحديث عبادة. روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب. وإليه ذهب إسحاق وداود وذهب الأكثرون إلى أنه لا جلد على المحصن مع الرجم، يُروي ذلك عن أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة. وإليه ذهب عامة الفقهاء. وقالوا: إن الجلد منسوخ فيمن وجب عليه الرجم، لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا، والغامدية، واليهوديين، ولم يجلد واحدًا منهم وقال لأنيس الأسلمي: "واغد يا أنيس، على المرأة، فإن اعترفت فارجمها" فهذا الحديث آخر الأمرين، لأن راويه أبو هريرة متأخر الإسلام، فيكون ناسخا لما سبق من الجمع بين الجلد والرجم. • عن ابن عباس قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] وذكر الرجل بعد المرأة، ثم جمعهما فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] نسخ ذلك بأية الجلد فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. حسن: رواه أبو داود (٤٤١٣) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢١٠) عن أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن الحسين عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن الحسين وأبيه الحسين بن واقد المروزي فإنهما صدوقان. • عن أبي إسحاق الشيباني، قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل رجم رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: قلت: بعد ما أنزلت سورة النور أم قبلها؟ قال: لا أدري. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨١٢) من طريق خالد (هو ابن عبد الله) ومسلم في الحدود (١٧٠٢) من طريق علي بن مُسهر، كلاهما عن أبي إسحاق الشيباني، به. • عن علي حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: قد رجمتها بسنة رسول الله ﷺ . صحيح: رواه البخاري في الحدود (٦٨١٢) عن آدم، حدثنا شعبة، حدثنا سلمة بن كهيل، قال: سمعت الشعبي يحدّث عن علي ﷺ فذكره. • عن جابر بن عبد الله قال: رجم النبي ﷺ رجلًا من أسلم، ورجلًا من اليهود، وامرأته. صحيح: رواه مسلم في الحدود (٢٨: ١٧٠١) عن هارون بن عبد الله، حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره. وقوله: "وامرأته" أي امرأة من اليهود.

стр. 4238

٥ - باب ما جاء في رجم ماعز بن مالك • عن أبي هريرة قال: أتى رجل من أسلم رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى رد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاء النبي ﷺ فقال: "أبك جنون؟ " قال: لا، قال: "فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ : "اذهبوا به فارجموه". قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع من جابر بن عبد الله قال: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨١٥ - ٦٨١٦) ومسلم في الحدود (١٦: ١٦٩١) كلاهما من طريق الليث بن سعد، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أنه قال فذكره. وابن شهاب سمع هذا الحديث من صحابيين في أحدهما شيخه أبو سلمة، وفي الثاني أبهم اسمه، ولكن تبين فيما بعد أنه أبو سلمة أيضا. الذي سمع هذا الحديث من أبي هريرة وجابر بن عبد الله كما يأتي. • عن أبي هريرة قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: إني زنيت. فأعرض عنه. ثم قال: إني زنيت، فأعرض عنه، ثم قال: إني زنيت، فأعرض عنه، ثم قال: إني زنيت، فأعرض عنه حتى قال أربع مرات. فأمر به أن يرجم. فلما أصابته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل بيده لَحْيُ جملٍ، فضربه فصرعه. فذكر للنبي ﷺ فراره حين مسته الحجارة فقال: "فهلا تركتموه؟ ". حسن: رواه الترمذي (١٤٢٨) وابن ماجه (٢٥٥٤) وأحمد (٩٨٠٩) وابن الجارود (٨١٩) وصححه ابن حبان (٤٤٣٩) والحاكم (٤/ ٣٦٣) والبيهقي (٨/ ٢٢٨) كلهم من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره، وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي حسن الحديث. وحسنه أيضا الترمذي. واللحي: هو العظم الذي عليه الأسنان. وأما ما روي عن أبي هريرة قال: جاء الأسلمي إلى النبي ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات كل ذلك يعرض عنه النبي ﷺ فأقبل في الخامسة فقال "أنكتها؟ ". قال نعم. قال "حتى غاب ذلك منك في ذلك منها". قال نعم. قال: كما يغيب المِرْوَدُ في المكحلة والرشاءُ في البشر". قال نعم. قال: "فهل تدري ما الزنا؟ ". قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا. قال: "فما تريد بهذا القول؟ ". قال أريد أن تطهرني. فأمر به فرجم فسمع النبي ﷺ -

стр. 4239

رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجِمَ رجْمَ الكلب. فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مرَّ بجيفة حمار شائل برجله. فقال: "أين فلانٌ وفلانُ؟ ". فقالا: نحن ذانِ يا رسول الله. قال: "انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار". فقالا: يا نبيَّ الله، من يأكل من هذا؟ قال: "فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من أكلٍ منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينقم فيها" فهو ضعيف: رواه أبو داود (٤٤٢٨) والدارقطني (٣/ ١٩٦ - ١٩٧) والبيهقي (٨/ ٢٢٨) وابن الجارود (٨١٤) وصحّحه ابن حبان (٤٣٩٩) كلهم من حديث ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أن عبد الرحمن بن الصامت بن عم أبي هريرة أخبره أنه سمع أبا هريرة فذكره. وعبد الرحمن بن الصامت، وقيل: ابن هضاض الدوسي لم يرو عنه غير ابن جريج، ولم يوثقة أحد إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته (٥/ ٩٧) وأخرج حديثه في صحيحه على قاعدته في توثيق المجاهيل. وقد قال البخاري: لا يعرف إلا بهذا الحديث. • عن جابر بن عبد الله أن رجلًا من أسلم، أتى النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، فتنحّى لشقّه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: "هل بك جنون؟ هل أحصنت؟ " قال: نعم. فأمر به أن يرجم بالمصلي. فلما أذلقته الحجارة جمز، حتى أدرك بالحرة فقُتل. متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٧٠) ومسلم في الحدود (١٦٩١) كلاهما من حديث ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة، عن جابر فذكره. ورواه البخاري في الحدود (٦٨٢٠) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر وزاد فيه: فقال النبي ﷺ : "خيرًا وصلى عليه" وقال: ولم يقل يونس وابن جريج عن الزهري: "فصلى عليه" وسئل أبو عبد الله (البخاري) قوله: "فصلى عليه" يصح أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا. انتهى. قلت: حديث عبد الرزاق في مصنفه (١٣٣٣٧) ومن طريقه رواه مسلم إلا أنه لم يسق لفظه بل قال: نحو رواية عقيل، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة. وليس في حديث أبي هريرة ذكر الصلاة. ورواه أيضا أبو داود (٤٤٣٠) والترمذي (١٤٢٩) والنسائي (٤/ ٦٢ - ٦٣) وغيرهم كلهم قالوا: "ولم يصل عليه". فذكر الصلاة في صحيح البخاري يرجع إلى اختلاف نسخ مصنف عبد الرزاق، والصحيح أنه لم يصل عليه، لأن جماعة من الرواة عن عبد الرزاق لم يذكروا الصلاة عليه، وخالفهم محمود بن غيلان الذي روى عنه البخاري فذكر الصلاة. انظر أسماء هؤلاء الجماعة في الفتح (١٢/ ١٣٠). وأما ما روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري الصلاة عليه فهو شاذ منقطع. وقوله

стр. 4240

أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم ضُرب ماعز، وطوّل الأوليين من الظهر حتى كان الناس يعجزون عنها من طول القيام، فلما انصرف أمر به أن يرجم، فرجم. فلم يُقتل حتى رماه عمر بن الخطاب بِلَحْيِ بعيرٍ، فأصاب رأسه فقتله، فقال رجل حين فاظ لماعز: تعست! فقيل للنبي ﷺ : يا رسول الله، تصلي عليه؟ قال: لا. فلما كان الغد صلى الظهر، فطوّل الركعتين الأوليين كما طولها بالأمس، أو أدنى شيئًا. فلما انصرف قال: فصلوا على صاحبكم. فصلى عليه النبي ﷺ والناس. رواه عبد الرزاق (١٣٣٣٩) قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر قال: أخبرني أيوب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري فذكره وفيه شذوذ في ذكر الصلاة على ماعز، والصحيح الثابت أنه لم يصل عليه. ثم أبو أمامة واسمه أسعد له رؤية، لم يسمع من النبي ﷺ . اختلف أهل العلم في الصلاة على المحدود. فذهب جمهور أهل العلم إلى جواز الصلاة عليه. وقد صلى النبي ﷺ على الغامدية، وأمر الناس أن يصلوا عليها ولكن يجوز للامام ولأهل العلم والفضل أن يتأخروا عن الصلاة على المحدود لأسباب أحيانا منها: ردع أهل المعاصي بخلاف المحاربين فقد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يصلى عليهم؛ لأنهم لا يستحقون أن يدعى لهم بالرحمة والمغفرة وقد حاربوا الله ورسوله. • عن جابر بن سمرة قال: رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي ﷺ رجل قصير أعضل ليس عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى، فقال رسول الله ﷺ : "فلعلك؟ " قال: لا، والله إنه قد زنى الأخر. قال: فرجمه. ثم خطب، فقال: ألا كلما نفرنا غازين في سبيل الله، خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس، يمنح أحدهم الكُثْبة، أما والله إن يمكنّي من أحدهم لأنكّلنّه عنه". صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٦٩٢) عن أُبي كامل فُضيل بن حسين الجحدري، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، فذكره. وقوله: "عضل" أي مشتد الخلق. ورواه شعبة، عن سماك بن حرب وفيه: أُتي رسول الله ﷺ برجل قصير، أشعث، ذي عضلات، عليه إزار، وقد زنى فرده مرتين، ثم أمر به فرجم، فقال رسول الله ﷺ مثله كما سبق. رواه مسلم من طرق عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة. قال: فحدثتُه سعيد بن جبير فقال: إنه رده أربع مرات. وقوله: "أشعث" الأشعث متغير الرأس، ومتلبد الشعر لقلة تعهده بالدهن. وقوله: "ذي عضلات" أي العضلة كل لحمة صلبة. وفي رواية أبي داود (٤٤٢٢): "ألا كلما نفرنا في سبيل الله ، خلف أحدهم له نبيب
следующие страницы →