← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

أو كان الحبل أو الاعتراف". ورواه مسلم في الحدود (١٦٩١) من طريق سفيان وغيره. قال الحافظ ابن حجر: "وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية جعفر الفريابي، عن علي بن عبد الله شيخ البخاري (عن سفيان به) فيه، فقال بعد قوله "أو الاعتراف": "وقد قرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة" وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده. فسقط من رواية البخاري من قوله: "وقرأ" إلى قوله "البتّة" ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدًا، فقد أخرجه النسائي (في الكبرى ٧١٥٦) عن محمد بن منصور، عن سفيان كرواية جعفر ثم قال: "لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث، الشيخ والشيخة" غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك. قال ابن حجر: "وقد أخرج الأئمة هذا الحديث من رواية مالك، ويونس، ومعمر، وصالح بن كيسان، وعقيل وغيرهم من الحفاظ عن الزهري فلم يذكروها .. " ا. هـ فتح الباري (١٢/ ١٤٣). ثم قال: "وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية "الموطأ" عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة خطب الناس، فقال: أيها الناس، قد سُنّتْ لكم السنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة - ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة. اهـ والحديث في الموطأ في "الحدود" (١٠). ويرى بعض المحققين أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢] عام في المحصن وغيره، فنسخ في حق المحصن بالرجم لرجم رسول الله ﷺ . فيكون نسخ الكتاب بالسنة القطعية الفعلية. وقالوا: هذا أولى من ادعاء كون الناسخ قوله تعالى: ﴿والشيخ والشيخة ... ﴾ لعدم القطع بثبوت كونها قرآن، ثم نسخ تلاوتها وبقاء حكمها، ولذا قال علي بن أبي طالب: جلدتهما بكتاب الله، ورجمتهما بسنة رسول الله ﷺ " ولم ينسبه إلى القرآن المنسوخ تلاوته. وعلى هذا فيكون الرجم حكما زائدا على كتاب الله في حق المحصن. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٧/ ٢١٤). • عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٢: ١٦٩٠) عن يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا هُشيم، عن منصور، عن الحسن، عن حِطّان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت فذكره. قوله: "قد جعل الله لهن سبيلًا": إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].

стр. 4237

اختلف أهل العلم في المحصن هل يجلد مع الرجم أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه يجلد مائة، ثم يرجم مستدلين بحديث عبادة. روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب. وإليه ذهب إسحاق وداود وذهب الأكثرون إلى أنه لا جلد على المحصن مع الرجم، يُروي ذلك عن أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة. وإليه ذهب عامة الفقهاء. وقالوا: إن الجلد منسوخ فيمن وجب عليه الرجم، لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا، والغامدية، واليهوديين، ولم يجلد واحدًا منهم وقال لأنيس الأسلمي: "واغد يا أنيس، على المرأة، فإن اعترفت فارجمها" فهذا الحديث آخر الأمرين، لأن راويه أبو هريرة متأخر الإسلام، فيكون ناسخا لما سبق من الجمع بين الجلد والرجم. • عن ابن عباس قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] وذكر الرجل بعد المرأة، ثم جمعهما فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦] نسخ ذلك بأية الجلد فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. حسن: رواه أبو داود (٤٤١٣) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢١٠) عن أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن الحسين عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن الحسين وأبيه الحسين بن واقد المروزي فإنهما صدوقان. • عن أبي إسحاق الشيباني، قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل رجم رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: قلت: بعد ما أنزلت سورة النور أم قبلها؟ قال: لا أدري. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨١٢) من طريق خالد (هو ابن عبد الله) ومسلم في الحدود (١٧٠٢) من طريق علي بن مُسهر، كلاهما عن أبي إسحاق الشيباني، به. • عن علي حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: قد رجمتها بسنة رسول الله ﷺ . صحيح: رواه البخاري في الحدود (٦٨١٢) عن آدم، حدثنا شعبة، حدثنا سلمة بن كهيل، قال: سمعت الشعبي يحدّث عن علي ﷺ فذكره. • عن جابر بن عبد الله قال: رجم النبي ﷺ رجلًا من أسلم، ورجلًا من اليهود، وامرأته. صحيح: رواه مسلم في الحدود (٢٨: ١٧٠١) عن هارون بن عبد الله، حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره. وقوله: "وامرأته" أي امرأة من اليهود.

стр. 4238

٥ - باب ما جاء في رجم ماعز بن مالك • عن أبي هريرة قال: أتى رجل من أسلم رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى رد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاء النبي ﷺ فقال: "أبك جنون؟ " قال: لا، قال: "فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ : "اذهبوا به فارجموه". قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع من جابر بن عبد الله قال: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨١٥ - ٦٨١٦) ومسلم في الحدود (١٦: ١٦٩١) كلاهما من طريق الليث بن سعد، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أنه قال فذكره. وابن شهاب سمع هذا الحديث من صحابيين في أحدهما شيخه أبو سلمة، وفي الثاني أبهم اسمه، ولكن تبين فيما بعد أنه أبو سلمة أيضا. الذي سمع هذا الحديث من أبي هريرة وجابر بن عبد الله كما يأتي. • عن أبي هريرة قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: إني زنيت. فأعرض عنه. ثم قال: إني زنيت، فأعرض عنه، ثم قال: إني زنيت، فأعرض عنه، ثم قال: إني زنيت، فأعرض عنه حتى قال أربع مرات. فأمر به أن يرجم. فلما أصابته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل بيده لَحْيُ جملٍ، فضربه فصرعه. فذكر للنبي ﷺ فراره حين مسته الحجارة فقال: "فهلا تركتموه؟ ". حسن: رواه الترمذي (١٤٢٨) وابن ماجه (٢٥٥٤) وأحمد (٩٨٠٩) وابن الجارود (٨١٩) وصححه ابن حبان (٤٤٣٩) والحاكم (٤/ ٣٦٣) والبيهقي (٨/ ٢٢٨) كلهم من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره، وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي حسن الحديث. وحسنه أيضا الترمذي. واللحي: هو العظم الذي عليه الأسنان. وأما ما روي عن أبي هريرة قال: جاء الأسلمي إلى النبي ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات كل ذلك يعرض عنه النبي ﷺ فأقبل في الخامسة فقال "أنكتها؟ ". قال نعم. قال "حتى غاب ذلك منك في ذلك منها". قال نعم. قال: كما يغيب المِرْوَدُ في المكحلة والرشاءُ في البشر". قال نعم. قال: "فهل تدري ما الزنا؟ ". قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا. قال: "فما تريد بهذا القول؟ ". قال أريد أن تطهرني. فأمر به فرجم فسمع النبي ﷺ -

стр. 4239

رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجِمَ رجْمَ الكلب. فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مرَّ بجيفة حمار شائل برجله. فقال: "أين فلانٌ وفلانُ؟ ". فقالا: نحن ذانِ يا رسول الله. قال: "انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار". فقالا: يا نبيَّ الله، من يأكل من هذا؟ قال: "فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من أكلٍ منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينقم فيها" فهو ضعيف: رواه أبو داود (٤٤٢٨) والدارقطني (٣/ ١٩٦ - ١٩٧) والبيهقي (٨/ ٢٢٨) وابن الجارود (٨١٤) وصحّحه ابن حبان (٤٣٩٩) كلهم من حديث ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أن عبد الرحمن بن الصامت بن عم أبي هريرة أخبره أنه سمع أبا هريرة فذكره. وعبد الرحمن بن الصامت، وقيل: ابن هضاض الدوسي لم يرو عنه غير ابن جريج، ولم يوثقة أحد إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته (٥/ ٩٧) وأخرج حديثه في صحيحه على قاعدته في توثيق المجاهيل. وقد قال البخاري: لا يعرف إلا بهذا الحديث. • عن جابر بن عبد الله أن رجلًا من أسلم، أتى النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، فتنحّى لشقّه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: "هل بك جنون؟ هل أحصنت؟ " قال: نعم. فأمر به أن يرجم بالمصلي. فلما أذلقته الحجارة جمز، حتى أدرك بالحرة فقُتل. متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٧٠) ومسلم في الحدود (١٦٩١) كلاهما من حديث ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة، عن جابر فذكره. ورواه البخاري في الحدود (٦٨٢٠) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر وزاد فيه: فقال النبي ﷺ : "خيرًا وصلى عليه" وقال: ولم يقل يونس وابن جريج عن الزهري: "فصلى عليه" وسئل أبو عبد الله (البخاري) قوله: "فصلى عليه" يصح أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا. انتهى. قلت: حديث عبد الرزاق في مصنفه (١٣٣٣٧) ومن طريقه رواه مسلم إلا أنه لم يسق لفظه بل قال: نحو رواية عقيل، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة. وليس في حديث أبي هريرة ذكر الصلاة. ورواه أيضا أبو داود (٤٤٣٠) والترمذي (١٤٢٩) والنسائي (٤/ ٦٢ - ٦٣) وغيرهم كلهم قالوا: "ولم يصل عليه". فذكر الصلاة في صحيح البخاري يرجع إلى اختلاف نسخ مصنف عبد الرزاق، والصحيح أنه لم يصل عليه، لأن جماعة من الرواة عن عبد الرزاق لم يذكروا الصلاة عليه، وخالفهم محمود بن غيلان الذي روى عنه البخاري فذكر الصلاة. انظر أسماء هؤلاء الجماعة في الفتح (١٢/ ١٣٠). وأما ما روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري الصلاة عليه فهو شاذ منقطع. وقوله

стр. 4240

أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم ضُرب ماعز، وطوّل الأوليين من الظهر حتى كان الناس يعجزون عنها من طول القيام، فلما انصرف أمر به أن يرجم، فرجم. فلم يُقتل حتى رماه عمر بن الخطاب بِلَحْيِ بعيرٍ، فأصاب رأسه فقتله، فقال رجل حين فاظ لماعز: تعست! فقيل للنبي ﷺ : يا رسول الله، تصلي عليه؟ قال: لا. فلما كان الغد صلى الظهر، فطوّل الركعتين الأوليين كما طولها بالأمس، أو أدنى شيئًا. فلما انصرف قال: فصلوا على صاحبكم. فصلى عليه النبي ﷺ والناس. رواه عبد الرزاق (١٣٣٣٩) قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر قال: أخبرني أيوب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري فذكره وفيه شذوذ في ذكر الصلاة على ماعز، والصحيح الثابت أنه لم يصل عليه. ثم أبو أمامة واسمه أسعد له رؤية، لم يسمع من النبي ﷺ . اختلف أهل العلم في الصلاة على المحدود. فذهب جمهور أهل العلم إلى جواز الصلاة عليه. وقد صلى النبي ﷺ على الغامدية، وأمر الناس أن يصلوا عليها ولكن يجوز للامام ولأهل العلم والفضل أن يتأخروا عن الصلاة على المحدود لأسباب أحيانا منها: ردع أهل المعاصي بخلاف المحاربين فقد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يصلى عليهم؛ لأنهم لا يستحقون أن يدعى لهم بالرحمة والمغفرة وقد حاربوا الله ورسوله. • عن جابر بن سمرة قال: رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي ﷺ رجل قصير أعضل ليس عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى، فقال رسول الله ﷺ : "فلعلك؟ " قال: لا، والله إنه قد زنى الأخر. قال: فرجمه. ثم خطب، فقال: ألا كلما نفرنا غازين في سبيل الله، خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس، يمنح أحدهم الكُثْبة، أما والله إن يمكنّي من أحدهم لأنكّلنّه عنه". صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٦٩٢) عن أُبي كامل فُضيل بن حسين الجحدري، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، فذكره. وقوله: "عضل" أي مشتد الخلق. ورواه شعبة، عن سماك بن حرب وفيه: أُتي رسول الله ﷺ برجل قصير، أشعث، ذي عضلات، عليه إزار، وقد زنى فرده مرتين، ثم أمر به فرجم، فقال رسول الله ﷺ مثله كما سبق. رواه مسلم من طرق عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة. قال: فحدثتُه سعيد بن جبير فقال: إنه رده أربع مرات. وقوله: "أشعث" الأشعث متغير الرأس، ومتلبد الشعر لقلة تعهده بالدهن. وقوله: "ذي عضلات" أي العضلة كل لحمة صلبة. وفي رواية أبي داود (٤٤٢٢): "ألا كلما نفرنا في سبيل الله ، خلف أحدهم له نبيب

стр. 4241

كنبيب التيس يمنح إحداهن الكُثبة، أما إن الله إن يمكنني من أحد منهم إلا نكلته عنهن". قال شعبة: سألت سماكاعن الكُثبة فقال: اللبن القليل. • عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لماعز بن مالك: "أحق ما بلغني عنك؟ " قال: وما بلغك عني؟ قال: "بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان" قال: نعم. قال: فشهد أربع شهادات، ثم أمر به فرجم. صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٦٩٣) من طريق أبي عوانة، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس قال لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ قال له: "لعلك قَبَّلْتَ أو غمزت أو نظرت؟ " قال: لا يا رسول الله. قال: "أنكتها" لا يكني. قال: فعند ذلك أمر برجمه. صحيح: رواه البخاري في الحدود (٦٨٢٤) عن عبد الله بن محمد الجعفي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. ورواه أبو داود (٤٤٢٧) من طرق عن جرير بن حازم وفيه: "أفنكحتها؟ " قال: نعم. قال: فعند ذلك أمر برجمه. وفي رواية عنده: سأل النبي ﷺ قومه: "أمجنون هو؟ " قالوا: ليس به بأس. قال: "أفعلت بها؟ " قال: نعم. فأمر به أن يرجم. فانطلق به فرجم، ولم يصل عليه. (٤٤٢١). • عن بريدة بن الحصيب أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فردّه، فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت فرده الثانية. فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه فقال: "أتعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟ " فقالوا: ما نعلمه إلا وفيّ العقل من صالحينا فيما نرى. فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضا فسألوه عنه فأخبروه: أنه لا بأس به ولا بعقله. فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم ... الحديث. صحيح: رواه مسلم في الحدود (٢٣: ١٦٩٥) من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا بشير بن المهاجر، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره. • عن أبي سعيد أن رجلا من أسلم يقال له: ماعز بن مالك، أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه علي، فرده النبي ﷺ مرارًا. قال: ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسًا إلا أنه أصاب شيئًا، يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد. قال: فرجع إلى النبي ﷺ فأمرنا أن نرجمه. قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد.

стр. 4242

قال: فما أوثقناه ولا حفرنا له. قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف. قال: فاشتد واشتددنا خلفه، حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرة (يعني الحجارة) قال: ثم قام رسول الله ﷺ خطيبا من العشي فقال: "أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله، تخلف رجل في عيالنا، له نبيب كنبيب التيس، عليّ أن لا أوتي برجل فعل ذلك إلا نكلت به" قال: فما استغفر له ولا سبه. صحيح: رواه مسلم في الحدود (٢٠: ١٦٩٤) عن محمد بن المثنى، حدثني عبد الأعلى، حدثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره. وفي رواية لأبي داود (٤٤٣٢) عن أبي نضرة مرسلًا: ذهبوا يسبونه فنهاهم، قال: ذهبوا يستغفرون له فنهاهم. وقال: "هو رجل أصاب ذنبًا حسيبه الله". فقه الباب: دل حديث بريدة بن الحصيب السابق على مشروعية الحفر للمرجوم والمرحومة، وبذلك ترجم له البيهقي في "السنن الكبري" (٨/ ٥٥ - ٥٦) وقال: "وفي هذا إثبات الحفر للرجل والمرأة جميعًا". واستظهره الشوكاني في نيل الأوطار (٤/ ٥٦٠) وأجاب عن حديث أبي سعيد الخدري في قوله: "فما أوثقناه، ولا حفرنا له" بقوله: "وقد جمع بين الروايتين بأن المنفي حفيرة لا يمكنه الوثوب منها، والمثبت عكسه، أو أنهم لم يحفروا له أول الأمر، ثم لما فرّ فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب فيها حتى فرغوا منه، أو أنهم حفروا له في أول الأمر، ثم لما وجد مس الحجارة خرج من الحفر فتبعوه" قال: "وعلى فرض عدم إمكان الجمع، فالواجب تقديم رواية الإثبات على النفي". قال: "وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يحفر للرجل" قال: "والمشهور عن الأئمة (يعني مالكًا والشافعي وأحمد): "أنه لا يحفر مطلقًا". • عن أبي أمامة قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد، ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه عليّ، فسكت عنه رسول الله ﷺ وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله ﷺ قال أبو أمامة: فاتّبع الرجلُ رسول الله ﷺ حين انصرف. واتبعت رسول الله ﷺ أنظر ما يرد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقمه علي. قال أبو أمامة: فقال له رسول الله ﷺ : "أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ " قال: بلى يا رسول الله! قال: "ثم شهدت الصلاة معنا؟ " فقال: نعم يا رسول الله. قال: فقال له رسول الله ﷺ : "فإن الله قد غفر لك حدك أو قال: ذنبك".

стр. 4243

صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٧٦٥) من طريق عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمّار، حدثنا شدّاد، حدثنا أبو أمامة قال: فذكره. • عن يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه قال: كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي. فأصاب جاريةً من الحي فقال له أبي: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك، وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجا، فأتاه فقال: يا رسول الله، إني زنيتُ فأقم عليَّ كتاب الله. فأعرض عنه فعاد فقال: يا رسول الله، إني زنيتُ فأقم على كتاب الله. حتى قالها أربع مرار. قال ﷺ : "إنك قد قلتها أربع مرات فيمن؟ ". قال بفلانة. قال: "هل ضاجعتها". قال: نعم. قال: "هل باشرتها". قال: نعم. قال: "هل جامعتها". قال: نعم. قال: فأمر به أن يرجم فأَخرِجَ به إلى الحرة. فلما رُجم فوجد مس الحجارة جزع فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فنزحَ له بوظيف بعيرٍ فرماه به فقتله، ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "هلا تركتموه لعله أن يتوبَ فيتوبَ الله عليه". حسن: رواه أبو داود (٤٤١٩) عن محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا وكيع، عن هشام بن سعد، قال: أخبرني يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه، قال: كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي. ورواه الإمام أحمد (٢١٨٩٠) عن وكيع، وزاده في آخره قال هشام: فحدثني يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال لأبي حين رآه: "والله يا هزال؛ لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا مما صنعت به". وإسناده حسن من أجل يزيد بن نعيم بن هزال وأبيه نعيم فهما حسنا الحديث. وقد قيل: نعيم بن هزال له صحبة. وأما هزال فهو ابن يزيد الأسلمي الصحابي الذي كان ماعزًا عنده ووقع على جارية له. رواه الحاكم (٤/ ٣٦٣) من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن ابن الهزال، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "يا هزال، لو سترته بثوبك كان خيرًا لك". قال شعبة: قال يحيي: فذكرت هذا الحديث لمجلس فيه يزيد بن نعيم بن هزال فقال يزيد: هذا الحق حق وهو حديث جدي. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد. وقد تفرد بهذه الزيادة أبو داود عن شعبة". قلت: بل رواه أيضا هشام بن سعد هذه الزيادة كما مضى. • عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الأسلمي عن أبيه قال: كنت فيمن رجمه فلما

стр. 4244

وجد مس الحجارة جزع جزعًا شديدًا فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ قال: "فهلا تركتموه؟ ". قال محمد: فذكرت ذلك من حديثه حين سمعته: "ألا تركتموه" لعاصم بن عمر بن قتادة فقال لي حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب قال: حدثني ذلك من قول رسول الله ﷺ : "ألا تركتموه لماعز بن مالك" من ثبت من رجال أسلم قبلًا، ولم أعرف وجه حديث فجئت جابر بن عبد الله فقلت: إن رجال أسلم يحدثوني: أن رسول الله ﷺ قال لهم حين ذكروا جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: "فهلا تركتموه؟ " وما أتهم القوم وما أعرف الحديث قال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجم الرجل، إنا لما خرجنا به فرجمناه فوجد مس الحجارة، صرخ بنا يا قوم، ردوني إلى رسول الله ﷺ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتل، فلم ننزع عنه حتى قتلناه. فلما ذهبنا إلى رسول الله ﷺ قال: "فهلا تركتم الرجل، وجئتموني به، فيتثبت رسول الله ﷺ منه. فأما ترك حد فلا". حسن: رواه أبو داود (٤٤٢٠) والنسائي في الكبرى (٧٢٩٧) واللفظ له، والطحاوي في مشكله (٤٣٤) كلهم من حديث يزيد بن زريع، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم، عن أبي الهيثم فذكره. وزاد في أبي داود: "فعرفت وجه الحديث". قال النسائي: "هذا الإسناد خير من الذي قبله". قلت: فيه أبو الهيثم بن نصر لم يرو عنه غير محمد بن إبراهيم، ولم يوثقه أحد إلا أنه توبع في الرواية الثانية التي يشير إليها النسائي. ومحمد بن إسحاق مدلس إلا أنه صرّح بالتحديث. • عن أنس بن مالك قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه علي. قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقم فيّ كتاب الله. قال: "أليس قد صليت معنا؟ " قال: نعم قال: "فإن الله غفر لك ذنبك، أو قال: حدك". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٢٣) ومسلم في التوبة (٢٧٦٤) كلاهما من طريق عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال فذكره. وفي الباب ما روي عن مساور بن عبيد قال: أتيت أبا برزة فقلت: هل رجم رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم رجلا منا يقال له: ماعز بن مالك. رواه أحمد (١٩٧٩٧) وأبو يعلى (٧٤٣١) والبزار - كشف الأستار - (٣٨٥٠) كلهم من طريق عوف الأعرابي، عن مساور بن عبيد فذكره. قال رَوح: مساور بن عبيد الحماني. قلت: مساور بن عبيد لم يوثقه أحد، وهو من رجال التعجيل (١٠٢٦) روى عنه عوف الأعرابي

стр. 4245

وعيسى بن طهمان. قال ابن حجر: "فرق البخاري وابن أبي حاتم بين الذي روى عنه عوف والذي روى عنه عيسى بن طهمان. فقال في الأول: يعد في البصريين. وفي الثاني: مولى أبي برزة الأسلمي، وتبعه ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٤٤٢). وعلى هذا فهو مجهول. وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي ذر وفيه قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر، ألم تر إلى صاحبكم غفر له، وأُدخل الجنة" رواه أحمد (٢١٥٥٤) عن يزيد بن هارون، أخبرنا حجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن عبد الله بن المقدام، عن ابن شداد، عن أبي ذر فذكر الحديث بطوله. وفيه الحجاج بن أرطاة مدلس، وقد عنعن وعبد الله بن المقدام بن ورد من رجال التعجيل (٥٨٨) قال الحسيني: ليس بالمشهور ولم يذكر من الرواة عنه غير عبد الملك بن المغيرة الطائفي. فهو في عداد المجهولين، وفي لفظ الحديث نكارة. وخلاصة قصة ماعز الأسلمي أنه كان محصنا، وزنى فأقيم عليه حد الزنا وهو الرجم. وأما الرواة فاختلفوا في سرد هذه القصة. فمنهم من ذكرها من أولها إلى آخرها. ومنهم من ذكر جزءًا منها، ومنهم من ذكر كيف أقيم عليه الحد؟ والأمر الذي لم يختلف فيه أحد هو أن حد الزنا للمحصن هو الرجم، فلا ينبغي أن يحكم على هذه القصة بالاضطراب لإسقاط حد زنا المحصن. وبالله التوفيق. ٦ - باب ما جاء في رجم الغامدية • عن بريدة بن الحصيب أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني. فرده. فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله! إني قد زنيت. فرده الثانية. فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه فقال: "أتعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟ " فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى. فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه: أنه لا بأس به ولا بعقله. فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم. قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله! إني قد زنيت فطهرني. وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله! لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا. فوالله! إني لحبلى. قال: "إما لا، فاذهبي حتى تلدي" فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة. قالت: هذا قد ولدته. قال: "اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه" فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز. فقالت: هذا، يا نبي الله! قد فطمته، وقد أكل الطعام،

стр. 4246

فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين. ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فتنضّح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع نبي الله ﷺ إياها، فقال: "مهلا! يا خالد! فوالذي نفسي بيده! لقد تابت توبة، لو تابها صاحب مكس لغفر له" ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت. صحيح: رواه مسلم في الحدود (٢٣: ١٦٩٥) من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا بشير بن المهاجر، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره. وقوله: "صاحب مكس" أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب، وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده. • عن بريدة قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! طهرني فقال: "ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه" قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني، فقال رسول الله ﷺ : "ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه" قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ : "فيم أطهرك؟ " فقال: من الزنى. فسأل رسول الله ﷺ "أبه جنون؟ " فأخبر أنه ليس بمجنون فقال: "أشرب خمرا؟ " فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، قال: فقال رسول الله ﷺ : "أزنيت؟ " فقال: نعم فأمر به، فرجم، فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته. وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز: أنه جاء إلى النبي ﷺ فوضع يده في يده. ثم قال اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة. ثم جاء رسول الله ﷺ "وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال: "استغفروا لماعز بن مالك" قال: فقالوا غفر الله لماعز بن مالك قال: فقال رسول الله: "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم". قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسولَ الله! طهّرني. فقال: "ويحك! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه" فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك. قال: "وما ذاك؟ " قالت: إنها حبلى من الزنى. فقال: "آنت؟ " قالت: نعم، فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك" قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: "إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعها فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه، يا نبي الله. قال: فرجمها.

стр. 4247

صحيح: رواه مسلم في الحدود (٢٢: ١٦٩٥) عن محمد بن العلاء الهمداني، حدثنا يحيى بن يعلى (هو ابن الحارث المحاربي) عن غيلان وهو ابن جامع المحاربي عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، فذكره. الظاهر من الحديثين بينهما خلاف في قضية رضاعة الطفل ففي الحديث ردَّها النبي ﷺ حتى يفطم الطفل، وفي الثاني تكفّل رضاعة الطفل رجل من الأنصار، والأول قاض على الثاني بأن المراد بالرضاعة الرعاية الكاملة إلا أن الراوي لم يوفق في التعبير. وفي الحديث دليل للإمام أحمد: أن المرأة تترك حتى تضع ما في بطنها، ثم تترك حولين حتى تفطمه، وبه قال إسحاق. وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أن الحامل إذا وضعت رُجمت. • وعن عمران بن الحصين، أن امرأة من جهينة أتت نبي الله ﷺ وهي حبلى من الزنى. فقالت: يا نبي الله! أصبت حدًا فأقمه علي. فدعا نبي الله ﷺ وليها. فقال: "أحسن إليها. فإذا وضعت فائتني بها" ففعل فأمر بها نبي الله ﷺ فشكت عليها ثيابها. ثم أمر بها فرجمت. ثم صلى عليها. فقال له عمر: نصلي عليها؟ يا نبي الله! وقد زنت، فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم. وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها الله تعالى". صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٦٩٦) عن أبي غسّان مالك بن عبد الواحد المسْمعي، حدثنا معاذ يعني ابن هشام حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، أن أبا المهلّب حدّثه عن عمران بن حصين، فذكره. ٧ - باب إقامة الحد على الأمة • عن أبي عبد الرحمن قال: خطب عليّ فقال: يا أيها الناس، أقيموا على أرقَّائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أحسنت". وزاد في رواية: "اتركها حتى تماثل". صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٧٠٥) عن محمد بن أبي بكر المقدّمي، حدثنا سليمان أبو داود، حدّثنا زائدة، عن السّدي، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، به. والرواية الأخرى من طريق إسرائيل، عن السدي بهذا الإسناد.

стр. 4248

٨ - باب حد الزاني البكر جلد مائة وتغريب عام قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. • عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر - وهو أفقههما -: أجل يا رسول الله، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم. قال: "تكلم" فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي. ثم إني سألت أهل العلم، فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام. وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ : "أما والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردٌّ عليك" وجلد ابنه مائة، وغرّبه عامًا. وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، "فإن اعترفت فارجمها"، فاعترفت فرجمها. متفق عليه: رواه مالك في الحدود (٦) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني فذكراه. ورواه البخاري في الحدود (٦٨٤٢، ٦٨٤٣) من طريق مالك، به، مثله. ورواه مسلم في الحدود (١٦٩٨، ١٦٩٧) من وجوه أخرى عن الزهري. • عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت النبي ﷺ يأمر فيمن زنى، ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام. قال ابن شهاب: وأخبرني عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب غرّب، ثم لم تزل تلك السنة. صحيح: رواه البخاري في الحدود (٦٨٣١، ٦٨٣٢) عن مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز (هو ابن سلمة الماجشون)، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن زيد بن خالد الجهني، فذكره. والمراد بكتاب الله الآية التي نُسِخت تلاوتها وبقي حكمها وهي: ﴿والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ وقيل غير ذلك. وأما التغريب فثبت عن النبي ﷺ أنه غرّب، وبه قال أصحاب النبي ﷺ ، منهم: أبو بكر، وعمر وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر وغيرهم. وكذلك روي عن غير واحد من فقهاء التابعين. وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم. وقال أبو حنيفة: لا يُنفي أحد، لأن فيه تمكينا له على الزنا، إلا أن يرى الإمام مصلحة

стр. 4249

تعزيزًا وسياسة. ٩ - باب لا يُقام حد الزنا إلا بالاعتراف أو البينة أو الحمل • عن عبد الله بن عباس أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. متفق عليه: رواه مالك في الحدود (٨) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، فذكره. ورواه الشيخان من وجوه أخرى عن الزهري مختصرًا ومطولًا كما سبق. • عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت فلانة. فقد ظهر منها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٥٥٩) عن العباس بن الوليد الدمشقي، قال: حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأسود، عن عروة، عن ابن عباس فذكره وإسناده صحيح. • عن القاسم بن محمد، قال: قال عبد الله بن شداد وذُكر المتلاعنان عند ابن عباس فقال ابن شداد: أهما اللذان قال النبي ﷺ : "لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينةٍ لرجمتهما! " فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة أعلنت. وفي رواية: "لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٥٥) ومسلم في اللعان (١٣: ١٤٩٧) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، حدّثنا أبو الزناد، عن القاسم بن محمد، به. والرواية الثانية لهما البخاري في الحدود (٦٨٥٦) ومسلم في اللعان (١٢: ١٤٩٧) من طريق الليث، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد فذكره. ١٠ - باب من وجد مع امرأته رجلا لا يقتله حتى يبلغ السلطان • عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصفح! فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٤٦) ومسلم في اللعان (١٧: ١٤٩٩) من طريق أبي عوانة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن ورّاد كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، فذكره.

стр. 4250

• وعن أبي هريرة قال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، لو وجدت مع أهلي رجلًا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم" قال: كلا، والذي بعثك بالحق إن كنت لأُعاجله بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله ﷺ : اسمعوا إلى ما يقول سيّدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني". صحيح: رواه مسلم في اللعان (١٦: ١٤٩٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، حدثني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال لرسول الله ﷺ : أرأيت لو أني وجدت مع امرأتي رجلًا، أأمهله حتى آتي بأربعة شهود؟ فقال رسول الله: "نعم". صحيح: رواه مالك في الحدود (٧) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه مسلم في اللعان (١٥: ١٤٩٨) من طريق مالك، به، مثله. وفي الباب ما روي عن سعد بن عبادة حين نزلت آية الحدود. وكان رجلًا غيورًا: أرأيت لو أنك وجدت مع امرأتك رجلًا، أي شيء كنت تصنع؟ قال: كنت ضاربهما بالسيف. أنتظر حتى أجيء بأربعة؟ إلى ما ذاك قد قضى حاجته وذهب، أو أقول: رأيت كذا وكذا، فتضربوني الحدّ ولا تقبلوا لي شهادة أبدًا. قال: فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "كفى بالسيف شاهدًا، ثم قال: "لا، إني أخاف أن يتتابع في ذلك السكران والغيران". رواه ابن ماجه (٢٦٠٦) عن علي بن محمد قال: حدثنا وكيع، عن الفضل بن دلْهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبّق قال: قيل لأبي ثابت سعد بن عبادة حين نزلت آية الحدود فذكره. وإسناده ضعيف لعلل: منها: الفضل بن دلْهم الواسطي القصّاب ضعيف. ومنها: شيخه الحسن وهو البصري مدلس وقد عنعن. ومنها: شيخه قبيصة بن حريث الأنصاري البصري قال فيه البخاري: "في حديثه نظر". وقال النسائي: "لا يصح حديثه". ١١ - باب الرجل يُقِرُّ بالزنا دون المرأة • عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ أن رجلًا أتاه فأمر عنده أنه أتي بامرأة سماها له، فبعث رسول الله ﷺ إلى المرأة. فسألها عن ذلك. فأنكرت أن تكون زنت. فجلده الحد وتركها. حسن: رواه أبو داود (٤٤٣٧، ٤٤٦٦) عن عثمان بن أبي شيبة، ثنا طلق بن غنام، ثنا عبد السلام بن حفص، ثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد فذكره ومن طريقه رواه البيهقي (٨/ ٢٢٨).

стр. 4251

وهذا إسناد حسن من أجل عبد السلام بن حفص فإنه حسن الحديث وقد وثقه يحيى بن معين. ورواه أحمد (٢٢٨٧٥) والدارقطني (٣/ ٩٩) والحاكم (٤/ ٣٧٠) كلهم من حديث مسلم بن خالد الزنجي، عن عباد بن إسحاق، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن رجلًا من أسلم جاء النبي ﷺ فذكره. وفيه "فحده وتركها". وفيه مسلم بن خالد الزنجي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقوله: "فحده": هذا هو الصحيح يعني حده حد الزنى وهو الرجم، لأنه كان محصنا، وأما قوله: "جلده" فهو يحتاج إلى تأويل بأن جلده أولا ثم ظهر له أنه محصن فأمر برجمه، ولم يثبت في الروايات الصحيحة أن النبي ﷺ جمع بين الجلد والرجم في أحد. وقوله: "من أسلم": وهو ماعز بن مالك الأسلمي. وأما ما رُوي عن ابن عباس أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبي ﷺ فأقر أنه زني بامرأة أربع مرات، فجلده مائة وكان بكرًا، ثم سأله البينة على المرأة فقالت: كذب والله يا رسول الله، فجلده حد الفرية ثمانين فهو ضعيف. رواه أبو داود (٤٤٦٧) والبيهقي (٨/ ٢٢٨) كلاهما من حديث القاسم بن فياض الأباوي، عن خلاد بن عبد الرحمن، عن ابن المسيب، عن ابن عباس فذكره واللفظ لأبي داود. ولفظ البيهقي أطول من هذا. وإسناده ضعيف من أجل القاسم بن فياض الأنباوي ضعّفه ابن معين. قال الآجري عن أبي داود، قال هشام بن يونس لما حدثني بتلك الأحاديث اتهمته. فقلت له: هي عندك مكتوبة؟ قال: نعم، وأخرج لي قرطاسًا وأملاها علي. قلت لأبي داود: هو ثقة، قال: نعم. وقال النسائي: "هو منكر الحديث"، وقال المديني: مجهول". ولم يرو عنه غير هشام. وذكره ابن حبان في "الثقات". ثم ذكره في "الضعفاء" وقال: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به. ١٢ - باب ما جاء أن للسيد إقامة الحد على رقيقه بأمرٍ من السلطان قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] والعذاب هنا مائة جلدة. وإحصان الأمة هنا بالمعنى الصحيح هو التزويج، والمحصنات بمعنى الحرة العفيفة، وأخطأ من جعل المحصنات ذات الأزواج لأن أول الآية ترد على هذا وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] أي الحرة العفيفة. والآية تنص على الأمة المحصنة إذا زنت فعليها الحد، ووردت الأحاديث الصحيحة عامة في إقامة الحد على الإماء. فذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء

стр. 4252

كانت مسلمة أو كافرة، متزوجة أو بكرًا. وفيه خلاف سيأتي. وأما العبد فيقاس على الأمة في الحد. • عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنتْ ولم تحصن؟ فقال: "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها. ثم بيعوها ولو بضفير". قال ابن شهاب: "لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة". متفق عليه: رواه مالك في الحدود (١٤) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، فذكراه. ورواه البخاري في الحدود (٦٨٣٨، ٦٨٣٧) ومسلم في الحدود (٣٢: ١٧٠٣) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. قال البيهقي (٨/ ٢٤٢) وكذلك رواه جماعة من الحفاظ الثقات عن الزهري في تنصيصه على جلدها إذا زنت ولم تُحصن، فيكون جلدها بعد إحصانها بالنكاح ثابنا بالكتاب، وجلدها قبل إحصانها بالنكاح ثابتا بالسنة في قول من زعم أن الإحصان المذكور فيهن المراد به النكاح. وقال الخطابي: "أما قوله: "إذا زنت ولم تحصن" فقد اختلف الناس في هذه اللفظة". فقال بعضهم: إنها غير محفوظة، وروي هذا الحديث من طريق غير هذا، ليس فيه ذكر الإحصان". وقال بعضهم: إنما هو مسألة عن أمة زنت ولا زوج لها. فقال النبي ﷺ : "تُجلد" أي كما تجلد ذوات الزوج، وإنما هو اتفاق حال في المسؤول عنه، وليس بشرط يتعلق به الحكم. فيختلف من أجل وجوده وعدمه. وذهب عبد الله بن عباس وجماعة من التابعين أن الأمة إذا زنت، ولم تحصن فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديبًا. وعمدتهم المفهوم المخالف من الآية الكريمة ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. وفي حالة عدم الإحصان لا شيء عليها. وورد في ذلك حديث ضعيف وهو ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على الأمة حد حتى تحصن - أو حتى تزوج - فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات". رواه ابن خزيمة وقال: رفعه خطأ، إنما هو قول ابن عباس ذكره ابن كثير. قلت: وهو كما قال. رواه البيهقي (٨/ ٢٤٣) من وجه آخر عن مجاهد وعكرمة، عن ابن عباس من قوله. وقال أكثر الفقهاء: إنها تجلد، وإن لم تتزوج، ومعنى الإحصان عندهم الإسلام. وقرأها

стр. 4253

عاصم والأعمش وحمزة والكسائي: "أحصنّ" مفتوحة الألف بمعنى: أسلمن. • عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: قال النبي: "إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرّب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرّب، ثم إن زنت الثالثة فليبعْها ولو بحبل من شعر". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٣٩) ومسلم في الحدود (٣٠: ١٧٠٣) كلاهما من طريق الليث (هو ابن سعد)، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي عبد الرحمن قال: خطب علي فقال: يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يُحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "أحسنت". صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٧٠٦) عن محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا سليمان أبو داود، حدثنا زائدة، عن السدي، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن فذكره. وفي رواية زاد: "اتركها حتى تماثل". فقوله: "أقيموا على أرقائكم الحد" الظاهر أنه مدرج في الحديث من قول علي، وليس بمرفوع، ولكن له حكم الرفع لأنه هو الذي أنابه رسول الله ﷺ في جلد الأمة الزانية. وقد رواه أبو داود (٤٤٧٣) وأحمد (٧٣٦) والطحاوي (٣/ ١٣٦) والبيهقي (٨/ ٢٤٥) كلهم من طريق عبد الأعلى الثعلبي، عن أبي جميلة الطُّهري، عن علي قال: فجرتْ جارية لآل رسول الله ﷺ فقال: فذكر الحديث. وجاء فيه مرفوعا: "وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". إلا أن فيه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي ضعيف، وشيخه أبو جميلة الطّهري، لم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ في "التقريب": "مقبول" أي عند المتابعة ولم أجد من تابعه. وكذلك لا يصح ما روي عن عائشة مرفوعًا: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، وإن زنت فاجلدوها، وإن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير" والضفير الحبل. رواه ابن ماجه (٢٥٦٦) وأحمد (٢٤٣٦١) كلاهما من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمار بن أبي فروة، أن محمد بن مسلم حدثه أن عروة حدثه، أن عمرة بنت عبد الرحمن حدثته، أن عائشة حدثها فذكرته. وعمار بن أبي فروة الأموي مولاهم المدني قال فيه البخاري: "لا يتابع على حديثه، وذكره العقيلي في الضعفاء (١٣٤٠) وأخرج هذا الحديث، وبين أن غيره رووه عن الزهري، عن عبيد الله

стр. 4254

ابن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد". قلت: ولم يرو عنه إلا يزيد بن أبي حبيب، فهو مجهول أيضا مع مخالفته للرواة عن الزهري. أخذ بهذه الأحاديث الإمام أحمد وإسحاق فقالا: للرجل أن يقيم الحد على مملوكهـ دون السلطان. وقال بعضهم: يدفع إلى السلطان، ولا يقيم الحد هو بنفسه. قال الترمذي (١٤٤٠) بعد أن نقل القولين: "والقول الأول أصح". قلت: وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الفقهاء الذين ينتهي إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون: "لا ينبغي لأحد أن يقيم شيئًا من الحدود دون السلطان إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده وأمته". أخرجه البيهقي (٨/ ٢٤٥) بإسناده عن ابن أبي الزناد، عن أبيه. وقال أبو حنيفة: ليس للسيد إقامة الحد على رقيقه دون السلطان لأن إقامة الحدود من حقوق السلطان ونائبه. ١٣ - باب إقامة الحد على المريض قال تعالى مخاطبًا لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. • عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: أخبرني بعض أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أُضْنيَ فعاد جلده على عظْمٍ. فدخلت جارية البعضهم، فهشّ إليها، فوقع عليها. فلما دخل عليه رجال من قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ ، فإني قد وقعت على جارية دخلتْ عليّ. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ما رأينا بأحد من الناس من الضُّر مثل الذي هو به، لو حملنا إليك لتفسّختْ عظامُه ما هو إلا جلد على عظْم. فأمرهم رسول الله ﷺ بمائة شِمراخٍ، فيضربونه ضربة واحدة. صحيح: رواه أبو داود (٤٤٧٢) وابن الجارود (٨١٧) كلاهما من طريقين عن يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حُنيف فذكر مثله. وإسناده صحيح. وللحديث طرق أخرى منها ما رواه أحمد (٢١٩٣٥) وابن ماجه (٢٥٧٤) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كان بين أبياتنا إنسان مُخدج ضعيف، ثم يُرَع أهل الدار وإلا وهو على أمة من إماء الدار بخبث بها، وكان مسلما. فرفع شأنه سعد إلى رسول الله ﷺ فقال: فذكره نحوه. وهذا الإسناد لا بأس به غير أن محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، ومنها رواه الشافعي ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٣٠) عن سفيان، عن يحيى بن سعيد وأبي الزناد، كلاهما عن أبي أمامة بن

стр. 4255

سهل بن حنيف أن رجلا كان عند جوار سعد فأصاب امرأة حبل فذكر نحوه. قال البيهقي: "هذا هو المحفوظ عن سفيان مرسلًا. ورُوي عنه موصولًا بذكر أبي سعيد، وقيل: عن أبي الزناد، عن أبي أمامة، عن أبيه، وقيل عن أبي أمامة عن سعيد بن سعد بن عبادة". انتهى قلت: رواية سفيان الموصلة رواها الدارقطني (٣/ ١٠٠) من طريق عمرو بن عون، نا سفيان، عن أبي الزناد ويحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد فذكره. والخلاصة فيه أن أبا أمامة روى هذا الحديث مرسلا، وهو الذي رجحه الدراقطني في العلل (١٢/ ٢٧٦/ ٢٧٨) كما رواه أيضا عن جماعة من الصحابة موصولًا. وكلها صحيحة ومحفوظة، كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٤/ ٥٩) بعد أن سرد طرقها. وقوله: "أضْني" أي أصابه الضّني، وهو شدة المرض، وسوء الحال حتى ينحل بدنه. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، فقالوا: إن المريض الذي به مرض، لا يُرجى زواله إذا وجب عليه حد الزنا وهو بكر يضرب بأثكال عليه مائة شِمراخ ضربة واحدة، بحيث تمسه الشماريخ كلها، فيسقط الحد عنه. وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وأما المريض الذي يرجي برءه فلا خلاف بين أهل العلم في تأخير الحد حتى يبرأ لحديث علي كما سبق. وذهب قوم إلى أن لا يضرب بالشماريخ وهو قول مالك وأصحاب الرأي. ١٤ - باب ما جاء في حد من يعمل عمل قوم لوط قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨١]. وقال في نزول العذاب عليهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣]. • عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به". حسن: رواه أبو داود (٤٤٦٢) والترمذي (١٤٥١) وابن ماجه (٢٥٦١) وابن الجارود (٨٢٠) وأحمد (٢٧٣٢) والحاكم (٤/ ٣٥٥) والبيهقي (٨/ ٢٣٢) كلهم من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره وزاد الحاكم إتيان البهيمة كما سيأتي ذكره وقال: صحيح الإسناد. وقال أبو داود: "رواه سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو مثله، ورواه عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس رفعه، ورواه ابن جريج، عن إبراهيم، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس رفعه".

стр. 4256

ووصل حديث عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس البيهقي (٨/ ٢٣٣) وحديث إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، ابن ماجه (٢٥٦٤) ولكنهما جعلا متن الحديث في إتيان البهيمة. فالذي يظهر أنه وقع خلط في المتنين الذين رُوِيَا بإسناد واحد. إلا أن أحدهما تفرد به عمرو بن أبي عمرو وهو إتيان البهيمة، كما قال الترمذي، وحكم عليه البخاري بالنكارة. وأما المتن الثاني هو قتل الفاعل والمفعول به من يعمل عمل قوم لوط فلم ينفرد به عمرو بن أبي عمرو كما قال أبو داود. ولذا حسن هذا الحديث. وأخذ به جمهور أهل العلم قال الترمذي: واختلف أهل العلم في حد اللوطي فرأى بعضهم أن عليه الرجم أحصن أو لم يُحصن. وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من فقهاء التابعين، منهم: الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم قالوا: حد اللوطي حد الزاني، وهو قول الثوري وأهل الكوفة". انتهى وفي الباب ما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الذي يعمل عمل قوم لوط فارجموا الأعلى والأسفل. ارجموهما جميعًا". رواه ابن ماجه (٢٥٦٢) والطحاوي في مشكله (٣٨٣٣) كلاهما من حديث عاصم بن عمر، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث في إسناده مقال، ولا نعرف أحدًا رواه عن سُهيل بن أبي صالح غير عاصم بن عمر العمري. وعاصم بن عمر يُضعف في الحديث من قبل حفظه". وأما ما رواه الحاكم (٤/ ٣٥٥) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري، عن سُهيل بن أبي صالح بإسناده ففيه عبد الرحمن بن عبد الله العمري ساقط كما قال الذهبي، ولذا لم يعد الأئمة هذا الإسناد شيئًا، وإن كان الحاكم جعله شاهدًا لحديث ابن عباس. وفي الباب ما روي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط". رواه الترمذي (١٤٥٧) وابن ماجه (٢٥٦٣) وأحمد (١٥٠٩٣) كلهم من حديث القاسم بن عبد الواحد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله فذكره. والقاسم بن عبد الواحد "مقبول" كما قال الحافظ في "التقريب". ولم أجد له متابعًا، فهو لين الحديث. ١٥ - باب من أتى بهيمة رُوي عن ابن عباس مرفوعا: "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها".

стр. 4257

رواه أبو داود (٤٤١٤) والترمذي (١٤٥٥) وابن ماجه (٢٥٦١) وأحمد (٢٤٢٠) والدارقطني (٣/ ١٢٦/ ١٢٧) والحاكم (٤/ ٣٥٥) والبيهقي (٨/ ٢٣٣) كلهم من حديث عمرو بن أبي سلمة، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وزاد بعضهم: قيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا، ولكن أرى رسول الله ﷺ كره أن يؤكل من لحمها، أو ينتفع بها، وقد عُمل بها ذلك العمل. وفيه عمرو بن أبي عمرو مختلف فيه، فوثقه أحمد وأبو زرعة وقال أبو حاتم: "لا بأس به، وقد روى عنه مالك". وقال ابن عدي: "لا بأس به، لأن مالكًا روى عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة" وقلت: ولكن تكلم أهل العلم في روايته حديث البهيمة. فقال البخاري: "عمرو صدوق، ولكهـ روي عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمعتُ من عكرمة" وقال: "ليس هذا بالقوي". ثم روى أحمد بن يونس، أن شريكًا وأبا الأحوص وأبا بكر بن عياش حدثوهم، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس قال: "ليس على الذي يأتي البهيمة حد". وعاصم هو ابن بهدلة. قال أبو داود: "حديث عاصم يضعّف حديث عمرو بن أبي عمرو". وقال الترمذي: "هذا الحديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . وقد روي سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس أنه قال: من أتي بهيمة فلا حد عليه. وقال: "وهذا أصح من الحديث الأول". قلت: تبين من هذا أن حديث عمرو بن أبي عمرو يُضعف من وجهين: الأول: تفرده عن عكرمة. الثاني: مخالفة عاصم بن بهدلة له، فإنه روي عن ابن عباس من قوله في الحد على من أتى البهيمة. فلو كان هذا الحديث عن ابن عباس لما خالفه. ولهذا لم يأخذ أحد من الفقهاء بهذا الحديث، وخاصة منهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد. وإنما قالوا فيه بالتعزير. وروي ذلك عن عطاء، والشعبي، والنخعي، والحاكم وغيرهم. والقول الثاني عند الشافعي: حكمه حكم الزاني. وفي معناه أحاديث أخرى وكلها ضعيفة. وقد نصر البيهقي قول الشافعي هذا فقال: "وقد رويناه من أوجه عن عكرمة، ولا أدري عمرو بن أبي عمرو يقصر عن عاصم بن بهدلة في الحفظ، كيف وقد تابعه على روايته جماعة، وعكرمة عند أكثر الأئمة من الثقات الأثبات". انتهى. هكذا قال ﵀ بأن هذا الحديث روي عن عكرمة من أوجه، ونص الترمذي بأنه لا يروي

стр. 4258

إلا عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، فنظرنا في الأخبار فوجدنا أن عباس بن منصور وداود بن الحصين روياه عن عكرمة نحوه. وعباد بن منصور الناجي ضعيف باتفاق أهل العلم، لا سيما في عكرمة. وأما داود بن الحصين فحديثه عند ابن ماجه (٢٥٦٤) فهو وإن كان ثقة ولكن روايته عن عكرمة فيه اضطراب. فلا تصح هذه المتابعة. وبالله التوفيق. ١٦ - باب درء الحد عن المجنونة • وعن ابن عباس قال: مَرّ علي بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زنت، أمر عمر برجمها، فردها علي، وقال لعمر: يا أمير المؤمنين! أترجم هذه؟ قال: نعم، قال: أو ما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة، عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم" قال: صدقت، فخلى عنها. صحيح: رواه أبو داود (٤٤٠١) وصححه ابن خزيمة (١٠٠٣) وابن حبان (١٤٣) والحاكم (٤/ ٣٨٩) وعنه البيهقي (٨/ ٢٦٤) كلهم من حديث جرير بن حازم، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. ورواه شعبة وابن نمير عن الأعمش موقوفا والحكم لمن زاد. وأما ما رواه الإمام أحمد (١٣٢٨) وأبو داود (٤٤٠٢) من طريق عطاء بن السائب، عن أبي ظبيان أن عمر بن الخطاب أتي بامرأة فذكر نحوه ففيه انقطاع، فإن أبا ظبيان لم يدرك عمر بن الخطاب. والأمر الذي لا خلاف بين أهل العلم أنه لا حد على المجنون. وقد ورد في قصة ماعز الأسلمي أن النبي ﷺ سأل قومه: "أمجنون هو؟ " حتى قال له أيضا: "أبك جنون؟ " ولكن هل خفي على عمر بأن الحد لا يقام على المجنون؟ أستبعد ذلك. فلعلها تُجن مرة وتُفيق أخرى. وكان زناها في حال الإفاقة، ولم يدر عمر أنها تجن مرة وتفيق أخرى. فرأى عليٌّ أن الجنون شبهة، يدرأ بها الحد على من ابتلى به، ولو كان في حال الافاقة، فقبله عمر ﵁. ١٧ - باب درء الحد عن المستكرهة • عن وائل بن حجر قال: خرجت امرأة إلى الصلاة، فلقيها رجل، فتجلّلها بثيابه، فقضى حاجته منها، فصاحت، فانطلق. ومر عليها رجل فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا. ومرت بعصابة من المهاجرين. فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا. فانطلقوا فأخذوا الرجل الذي ظنّت أنه وقع عليها وأتوها. فقالت: نعم هو

стр. 4259

هذا. فأتوا به رسول الله ﷺ . فلما أمر به ليُرجم قام صاحبها الذي وقع عليها. فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها. فقال لها: "اذهبي فقد غفر الله لك" وقال للرجل قولًا حسنًا، فقيل: يا نبي! ألا ترجمه؟ فقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقُبل منهم". حسن: رواه أبو داود (٤٣٧٩) والترمذي (١٤٥٤) وأحمد (٢٧٢٤٠) وابن الجارود في المنتقى (٨٢٣) والبيهقي (٨/ ٢٨٤ - ٢٨٥) كلهم من طريق سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل بن حجر فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب صحيح" وعلقمة بن وائل بن حجر سمعتُ من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه". قلت: وهو كما قال. وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب وهو حسن الحديث في غير روايته عن عكرمة، فإنه مضطرب فيه. وقد جاء في رواية أبي داود والترمذي: "ارجموه" وهو شاذ، والصحيح أن الرجل لم يرجم. وعند الترمذي (١٤٥٣) وابن ماجه (٢٥٩٨) وأحمد (١٨٨٧٢) من حديث الحجاج بن أرطاة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: استُكرهت امرأة على عهد رسول الله ﷺ . فدرأ عنها الحدّ. وأقامه على الذي أصابها، ولم يذكر أنه جعل لها مهرًا. قال الترمذي: "هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه. يقول: سمعت محمدًا يقول: عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه، ولا أدركهـ. يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر". وقال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أنه ليس على المستكرهة حد". انتهى.

стр. 4260

جموع أبواب ما جاء في حد السرقة ١ - باب التسوية بين الشريف والضعيف في إقامة الحدود قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. • عن عائشة أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ومن يجترئ عليه إلا أسامة حبُّ رسول الله ﷺ ، فكلم رسول الله ﷺ فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قال فخطب، قال: "يا أيها الناس، إنما ضل من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطع محمدُ يدها". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٧٨٨) ومسلم في الحدود (٨: ١٦٨٨) كلاهما من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. ورواه ابن أبي حمزة وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن القاسم، عن عائشة: أن تلك المرأة المقطوعة تابت، فكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ . قال الدارقطني في "العلل" (١٤/ ١١٨): "وذلك صحيح عن الزهري، عن القاسم، عن عائشة". • عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ أن تُقطع يدها. فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه. فكلم رسول الله ﷺ فيها، ثم ذكر نحو حديث الليث ويونس. صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٠: ١٦٨٨) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: فذكرته. هكذا جاء في رواية معمر أنها تستعير وتجحد. • عن ابن عمر قال: كانت مخزومية تستعير المتاع، وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها. صحيح: رواه أبو داود (٤٣٩٥) والنسائي (٤٨٨٧) وأحمد (٦٣٨٣) كلهم من طريق عبد الرزاق وهو في المصنف (١٠/ ٢٠٢) قال: حدثنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وإسناده صحيح. وقوله: "نستعير المتاع وتجحدها بيان لحال المرأة بأنها كانت تستعير المتاع، ثم تجحد لا أن

стр. 4261

القطع وقع من أجل الجحد، بل الصحيح إن القطع وقع من أجل السرقة كما في الأحاديث السابقة، ولذا ذهب عامة أهل العلم أن المستعير إذا جحد العارية لم يُقطع، لأن الله إنما أوجب القطع على السارق، وهذا خائن ليس بسارق. وذكر الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦). "وذكر بعض أهل العلم أن معمر بن راشد تفرد بذكر العارية في هذا الحديث من بين سائر الرواة، والليث راوي السرقة تابعه عليها جماعة منهم: يونس بن يزيد، وأيوب بن موسى، وسفيان بن عيينة وغيرهم. فرووه عن الزهري كرواية الليث. وذكر أن بعضهم وافق معمرًا في رواية العارية، لكن لا يقاوم من ذكر السرقة. فظهر أن ذكر العارية، إنما كان تعريفا لها بخاص صفتها، إذ كانت كثيرة الاستعارة حتى عرفت بذلك، كما عرفت بأنها مخزومية، واستمر بها على هذا الصنيع حتى سرقت. فأمر النبي ﷺ بقطعها". • عن جابر، أن امرأة من بني مخزوم سرقتْ، فأُتي بها النبي ﷺ فعادتْ بأم سلمة زوج النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : "والله لو كانت فاطمة لقطعتُ يدها" فقطعت. صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٦٨٩) عن سلمة بن شيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدّثنا معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. • عن محمد بن طلحة بن رُكانة، عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود، عن أبيها قال: لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله ﷺ أعظمنا ذلك. وكانت امرأة من قريش. فجئنا إلى النبي ﷺ نُكلمه. وقُلنا: نحن نفديها بأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ : "تطهّر خير لها" فلما سمعنا لين قول رسول الله ﷺ أتينا أسامة فقلنا: كلّم رسول الله ﷺ فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك قام خطيبًا فقال: "ما إكثارهم عليّ في حد من حدود الله وقع على أمةٍ من إماء الله! والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة ابنة رسول الله نزلت بالذي نزلت به لقطع محمد يدها". حسن: رواه ابن ماجه (٢٥٤٨) والحاكم (٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٨١) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن شداد بن ركانة بإسناده مثله. قال محمد بن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ بعد ذلك كان يرحمها ويصلها. وهو معطوف على الإسناد السابق. قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة". وإسناده حسن من أجل تصريح محمد بن إسحاق، وحسن إسناده أيضا الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٢/ ٨٩).

стр. 4262

وفي الباب ما رُوي عن عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ . فجاء بها الذين سرقتْهم. فقالوا: يا رسول الله! إن هذه المرأة سرقتا قال قومها: فنحن نفْديها. يعني أهلها - فقال رسول الله ﷺ : اقطعوا يدها، فقالوا: نحن نفديها بخمس مائة دينار. قال: "اقطعوا يدها" قال: فقطعت يدها اليمنى. فقالت المرأة: هل من توبة يا رسول الله؟ قال: "نعم، أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك، فأنزل الله في سورة المائدة: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩]. رواه أحمد (١٦٥٧) عن حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حُيّي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبْلي، حدثه عن عبد الله بن عمرو فذكره. وابن لهيعة، فيه كلام معروف، وشيخه حيي بن عبد الله المعافري مختلف فكلم فيه أحمد والبخاري والنسائي، ومشّاه ابن معين وابن عدي وذكره ابن حبان في الثقات، فيحسن حديثه إذا لم يأت ما ينكر عليه. ٢ - باب النّصاب الذي تقطع فيه يد السّارق • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لعن الله السارق يسرق البيضةَ فتقطع يده، ويسرقُ الحبلَ فتقطعُ يده". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٧٨٣) ومسلم في الحدود (١٦٨٧) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. وزاد البخاري: قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنه منهما ما يساوي دراهم. وقول الأعمش: "بيض الحديد" يعني التي تجعل في الرأس في الحرب. والحديث منهم من حمله على ظاهره، ومنهم من تأوّله. • عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "تُقطع اليد في رُبع دينار فصاعدًا". وفي لفظ: "كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعدًا. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٧٨٩) ومسلم في الحدود (١٦٨٤) كلاهما من طريق الزهري، عن عمرة، عن عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاري، واللفظ الثاني لمسلم. والرواية الأخرى لمسلم أيضًا من طريق ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ قال فذكره. ورواه مالك في الحدود (٢٣) عن يحيى بن سعيد (هو الأنصاري) عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: فما طال علي وما نسبت، القطع في رُبُع دينارٍ فصاعدًا".

стр. 4263

هذا الموقوف لا يُعل المرفوع، بل يؤيده فإنها كانت تحدث عن رسول الله ﷺ وتفتي به. • عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك". وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا. قال: وكانت سرقته دون ربع الدينار، فلم أقطعه. حسن: رواه الإمام أحمد (٤٥١٥) عن هاشم قال: حدثنا محمد يعني ابن راشد، عن يحيى بن يحيى الغساني، قال: قدمت المدينة. فلقيت أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو عامل على المدينة، قال: أتيتُ بسارقٍ، فأرسلت إليّ خالتي عمرة بنت عبد الرحمن أن لا تعجل في أمر هذا الرجل حتى آتيك، فأُخبرك ما سمعت عن عائشة في أمر السارق قال: فأتي وأخبرتني أنها سمعت عائشة تقول فذكرت الحديث. ورواه أيضا البيهقي (٨/ ٢٥٥) من وجه آخر عن محمد بن راشد نحوه. وإسناده حسن. ومحمد بن راشد هو المكحولي الخزاعي الدمشقي مختلف فيه فوثقه أحمد وابن معين والنسائي، ولكن تكلم فيه غيرهم من ناحية حفظه. وأما يحيى بن يحيى الغساني فهو أبو عثمان الشامي ثقة وثقه ابن معين ويقعوب بن سفيان. وقال ابن حبان: "كان من فقهاء أهل الشام". وحديث أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة أخرجه أيضا مسلم (٤: ١٦٨٤) من وجه آخر عنه ولفظه: "لا تُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا". • عن عائشة قالت: لم تُقطع يد سارق في عهد رسول الله ﷺ في أقلّ من ثمن المجنّ، حجفةٍ أو تُرْسٍ، وكلاهما ذو ثمن. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (١٧٩٤)، ومسلم في الحدود (١٦٨٥) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. • عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قطع في مجنّ ثمنه ثلاثة دراهم. متفق عليه: رواه مالك في الحدود (٢١) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره. ورواه البخاري في الحدود (٦٧٩٥) ومسلم في الحدود (٦: ١٦٨٦) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. • عن ابن عمر أن النبي ﷺ قطع يد رجل سرق تُرسًا من صُفّة النساء، ثمنه ثلاثة دراهم. صحيح: رواه أحمد (٦٣١٧) عن عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، أن نافعا مولى عبد الله حدثه فذكره. ومن هذا الطريق رواه أبو داود (٤٣٨٦). ورواه النسائي (٤٩٠٩) من وجه آخر عن ابن جريج به مثله. وإسناده صحيح. والحديث في الصحيحين دون ذكر الصّفة. وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، وجعلوا الحد فيما يجب فيه القطع ثلاثة دراهم، أو ربع

стр. 4264

دينار، أو قيمة ثلاثة دراهم من العروض والأثمان. إلا أن الشافعي جعل قيمة العروض ربع دينار. وأما ما رواه النسائي (٤٩٠٦) عن عبد الحميد بن محمد قال: ثنا مخلد، قال: ثنا حنظلة، قال: سمعت نافعًا قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قطع رسول الله ﷺ في مجن قيمته خمسة دراهم كذا قال. فقال النسائي بعد أن روي من وجه آخر عن ابن وهب: حدثنا حنظلة أن نافعًا حدثهم أن عبد الله بن عمر قال: قطع رسول الله ﷺ في مجن ثمنه ثلاثة دراهم قال: هذا الصواب. أي أن ذكر خمسة دراهم وهم من بعض الرواة، والصواب هو ثلاثة دراهم كما رواه مالك وغيره. وقال أبو حنيفة وأصحابه أن قدر النصاب هو عشرة دراهم، أو دينار، أو قيمة أحدهما من العروض. ورُوي عن أيمن بن أم أيمن، عن أمه أم أيمن قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقطع يد السارق إلا في حجفة، وقوّمت يومئذ على عهد رسول الله ﷺ دينارًا، أو عشرة دراهم، إلا أنه مرسل. ورواه النسائي (٤٩٤٨) والطحاوي في شرحه (٢/ ٩٣) كلاهما من حديث شريك، عن منصور، عن عطاء، عن أيمن بن أم أيمن فذكره. قال البيهقي في المعرفة (١٢/ ٣٨٩): قوله في هذا الإسناد: "عن أم أيمن خطأ، إنما قاله شريك بن عبد الله القاضي، وخلط في إسناده، وشريك ممن لا يحتج به فيما يخالف فيه أهل الحفظ والثقة لما ظهر من سوء حفظه". رواه الحاكم (٤/ ٣٧٩) من حديث سفيان، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد، عن أيمن قال: لم تقطع اليد على عهد رسول الله ﷺ إلا بثمن المجن، وثمنه يومئذ دينار. وقال: سمعت أبا العباس يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: أيمن هذا هو ابن امرأة كعب، وليس بابن أم أيمن، ولم يدرك النبي ﷺ . ووافقه الحاكم على ذلك. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (٤٢): أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل، فيما كتب إلي قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده قال: حدثني محمد بن إدريس الشافعي ﵀ قال: قال لي محمد بن الحسن: فقد روى شريك حديثا عن أيمن بن أم أيمن: أخي أسامة بن زيد لأمه. قلت: "لا علم لك بأصحابنا، أيمن أخو أسامة بن زيد قتل مع رسول الله ﷺ يوم حنين قبل أن يولد مجاهد، ولم يبق بعد النبي ﷺ ، فيحدث به". قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه الحسن بن صالح، عن منصور، عن الحكم، عن عطاء ومجاهد، عن أيمن - وكان فقيهًا قال: يقطع السارق في ثمن المجن، وكان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ دينارًا. قال أبي: هو مرسل، وأرى أنه والد عبد الواحد بن أيمن، وليست اله صحبة". انتهى.

стр. 4265

وكذا ذكره ابن حبان والدارقطني وغيرهم بأنه تابعي، لا صحة له. وأما أيمن عن ابن أم أيمن فهو صحابي كما ذكر البغوي وأبو نعيم وابن منده وابن قانع وغيرهم، واستشهد مع النبي ﷺ يوم حنين. والحاصل فيه كما قال الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٣٥٨): "الحديث معلول، فإن كان أيمن صحابيًّا فعطاء ومجاهد ثم يدركاه، فهو منقطع، وإن كان تابعيًا فالحديث مرسل". ثم قال: ولكنه يتقوى بغيره من الأحاديث المرفوعة والموقوفة ثم ذكر هذه الأحاديث. منها: ما روي عن ابن عباس قال: قطع رسول الله ﷺ يد رجل في مجن قيمته دينار، أو عشرة دراهم. رواه أبو داود (٤٣٨٧) والنسائي (٤٩٥١) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس فذكره. ورواه النسائي من وجه آخر عن محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء مرسلًا. ومحمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، كما أنه اضطرب فيه فمرة رواه موصولا، وأخرى مرسلًا. وثالثة رواه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم. رواه النسائي (٤٩٥٦) عن خلاد بن أسلم، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب بإسناده. وكذلك رواه أيضا ابن أبي شيبة في مصنفه (٢٨٦٨٨) عن عبد الأعلى وعبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق بإسناده إلا أنه لم يذكر فيه "عهد رسول الله ﷺ ". وأما ما نقله الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٣٥٩) من طريق ابن أبي شيبة وفيه: قال رسول الله ﷺ : لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن" فهو سبق النظر، فإن هذا المتن الحديث عبد الله بن عباس السابق. ولكن رواه ابن أبي شيبة (٢٨٦٧٢) عن عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "القطع في ثمن المجن". ورواه الإمام أحمد (٦٩٠٠) عن نصر بن باب، عن الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب به مرفوعا: "لا قطع فيما دون عشرة دراهم". ونصر بن باب قال البخاري: "يرمونه بالكذب، وقال النسائي: "متروك" والحجاج بن أرطاة مدلس، ولم يسمع هذا الحديث من عمرو. هذه الأحاديث فيها ضعف وشذوذ واضطراب تخالف الأحاديث الصحيحة التي ذكرت في أول الباب بأن ثمن المجن في عهد النبي ﷺ كان ثلاثة دراهم. وأما كونه قطع يد رجل في مجن قيمته دينار، أو عشرة دراهم، فعلى تقدير صحته فليس فيه موضع التحديد، وإنما فيه ذكر حكم التنفيذ، لأنه إذا كان السارق يقطع في ربع دينار فكونه يقطع

стр. 4266

في دينار أولى كما قال أنس: قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة دراهم. أخرجه النسائي (٤٩١٣) وروي مرفوعا. والصواب أنه موقوف. وقد اتفق ابن عمر وعائشة على أن ثمن المجن في عهد رسول الله ﷺ ثلاثة دراهم، وهي تساوي ربع دينار، لأن الصرف في عهد النبي ﷺ كان اثنا عشر درهما بدينار. وخالفهما في ذلك ابن عباس فيرى ثمن المجن عشرة دراهم، وكذلك عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الشافعي: "المجان قديمًا وحديثًا سلع يكون ثمنه عشرة ومائة ودرهمين، فإذا قطع رسول الله ﷺ في ربع دينار، قطع في أكثر منه". انظر: البيهقي (٨/ ٢٥٩). ٣ - باب ما لا قطع فيه • عن رافع بن خديج، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا قطع في ثمر، ولا كثَرٍ". صحيح: رواه الترمذي (١٤٤٩) والنسائي (٤٩٦٧) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن عمه واسع بن حبان، عن رافع بن خديج فذكره. قال النسائي: والكثير الجمّار. وإسناده صحيح، ولكن اختلف على يحيى بن سعيد، فرواه عنه الليث بن سعد هكذا، وتابعه سفيان الثوري، ومن طريقه رواه النسائي (٤٩٦٦) وابن ماجه (٢٥٩٣) وابن الجارود (٨٢٦) وصحّحه ابن حبان (٤٤٩٦) والبيهقي (٨/ ٢٦٣) كلهم عنه عن يحيى بن سعيد بإسناده موصولا. وكذلك رواه سفيان بن عينة. ومن طريقه رواه الحميدي في مسنده (١/ ١٩٩) وقال الحميدي: فقيل لسفيان: ليس يقول أحد في هذا الحديث عن عمه، فقال: هكذا حفظي، قال الحميدي: فقال لي أبو زيد المدائني: حماد بن دليل أثبت عنيه. فإن شعبة كذا حدثنا عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه. هذا الكلام ذكر ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٣/ ٣٠٥) ولم أجده في النسخة المطبوعة للحميدي ثم ساق ابن عبد البر الروايات المذكورة. وخالفهم مالك في الحدود (٣٥) فرواه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان، أن عبدًا سرق وديا من حائط رجل، فغرسه في حائط سيده. فخرج صاحب الودي يلتمس وديّه فوجده. فاستعدى على العبد مروان بن الحكم. فسجن مروانُ العبدَ. وأراد قطع يده. فانطلق سيد العبد إلى رافع بن خديج، فسأله عن ذلك. فأخبره أنه سمع رسول الله ﷺ بقول: "لا قطع في تمر ولا كثر" والكثر الجمّار. فقال الرجل: إن مروان بن الحكم أخذ غلامًا لي وهو يريد قطعه، وأنا أحب أن تمشي معي إليه فتخبر بالذي سمعت من رسول الله ﷺ . فمشى مع رافع بن خديج إلى مروان بن الحكم. فقال: أخذت غلامًا لهذا؟ فقال: نعم. فقال: فما أنت صانع به، قال: أردت قطع يده، فقال له رافع: سمعت رسول الله

стр. 4267

- ﷺ يقول ﷺ : "لا قطع في ثمر ولا كثر" فأمر مروان بالعبد فأرسل. ومن طريقه رواه أبو داود (٤٣٨٨) وقال: الكثر: الجمار، ورواه من وجه آخر عن حماد، حدثنا يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبّان بهذا الحديث قال: فجلده مروان جلدات، وخلّى سبيله. ورواه أيضا الإمام أحمد (١٥٨٠٤) عن يزيد بن هارون، عن يحيى، عن محمد بن يحيى، عن رافع بن خديج فذكره. وهي كلها منقطعة. وإلى هذا يشير الترمذي بعد أن رواه من طريق الليث كما سبق: "هكذا روى بعضهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن عمه واسع بن حبّان، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ نحو رواية الليث بن سعد. وروى مالك بن أنس وغير واحد هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ ولم يذكروا فيه عن واسع بن حبّان". وهو كما قال، فقد رواه جمعٌ من الرواة عن يحيى بن سعيد الأنصاري موصولًا، منهم من ذكرتهم، كما رواه جمع من الرواة عنه ولم يذكروا بين محمد بن يحيى بن حبّان وبين رافع بن خديج "واسع بن حبّان" وساق بعض هذه الأسانيد النسائي في سننه، والحكم لمن زاد. وذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى ظاهر هذا الحديث فلم يوجب القطع في سرقة شيء من الفواكه الرطبة. سواء كانت محرزة أو غير محرزة، وقاس عليه اللحوم والألبان والأشربة والجبون. وقال الشافعي كما ذكره البيهقي (٨/ ٢٦٣): وبهذا نقول في تمر معلق، لأنه غير محرز، ولا جمار لأنه غير محرز، وهو يشبه حديث عمرو بن شعيب". وهو الآتي. وقوله: "كثر": بفتحتين - الجُمار - وهو قلب النخل وشحمها. وله شاهد ضعيف وهو ما رواه ابن ماجه (٢٥٩٤) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا سعد بن سعيد المقبري، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قطع في ثمر ولا كثَر". وسعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال فيه ابن عدي: "رواياته عن أخيه، عن أبيه، عن أبي هريرة عامتها لا يتابعه أحد عليها". الكامل (٣/ ١١٩)، وأما أخوه فهو عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري أشد ضعفًا منه وفي "التقريب": متروك. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه والعقوية، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع". وذكر في ضالة الإبل والغنم كما ذكره غيره.

стр. 4268

قال: وسئل عن اللقطة فقال: "ما كان منها في طريق الميناء، أو القرية الجامعة فعرّفها سنة، فإن جاء طالبها فادفعها إليه، وإن لم يأت فهي لك. وما كان في الخراب يعني ففيها وفي الركاز الخمس". حسن: رواه أبو داود (١٧١٠) والترمذي (١٢٨٨) والنسائي (٨٩٥٨) وابن ماجه (٢٥٩٦) كلهم عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكر الحديث. إلا ابن ماجه فرواه من وجه آخر عن الوليد بن كثير، عن عمرو بن شعيب. واللفظ لأبي داود، وعند الآخرين مختصرًا. ورواه الحاكم (٤/ ٣٨١) من وجه آخر عن عمرو بن شعيب بإسناده نحوه وقال: هذه سنة تفرد بها عمرو بن شعيب بن محمد، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص. إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة فهو كأيوب عن نافع، عن ابن عمر. انتهى. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب. ورواه الإمام أحمد (٦٦٨٣) بكماله من وجه آخر عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ومحمد بن إسحاق مدلس وعنعن إلا أنه توبع. • عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع". صحيح: رواه أبو داود (٤٣٩١، ٤٣٩٢، ٤٣٩٣) والترمذي (١٤٤٨) وابن ماجه (٢٥٩١) والنسائي (٤٩٧٣) وصحّحه ابن حبان (٤٤٥١) والبيهقي (٨/ ٢٨٩) كلهم من طرق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. واللفظ للترمذي، ومنهم من فرق متن الحديث. قال الترمذي: "حسن صحيح" ولكن نازعه أهل العلم في صحة هذا الحديث. فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه ابن جريج، عن أبي الزبير .. فقالا: لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من أبي الزبير، يقال: إنه سمعه من ياسين، أنا حدثت به ابن جريج، عن أبي الزبير. فقلت لهما: ما حال ياسين؟ فقالا: ليس بقوي". انتهى. وقال أبو داود بعد أن فرق متنه في حديثين: "وهذان الحديثان لم يسمعهما ابن جريج، من أبي الزبير، وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه قال: إنما سمعهما ابن جريج من ياسين الزيات، قال أبو داود: وقد رواهما المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ . انتهى. وفيه رد على إعلال الحديث بابن جريج لمتابعة المغيرة لابن جريج. وحديث المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير رواه النسائي (٤٩٧٥) إلا أنه قال في "الكبرى" (٤/ ٣٤٨): "والمغيرة بن مسلم ليس بالقوي في أبي الزبير، وعنده غير حديث منكر". وقال أيضا: "روى هذا الحديث عن ابن جريج: عيسى بن يونس، والفضل بن موسى، وابن وهب، ومحمد بن ربيعة، ومخلد بن يزيد، وسلمة بن سعيد بصري ثقة، - قال ابن أبي صفوان:

стр. 4269

وكان خير أهل زمانه - فلم يقل أحد منهم فيه: حدثني أبو الزبير، ولا أحبه سمعه من أبي الزبير. هكذا قال رحمه الله تعالى. وقد رواه هو في "السنن الكبرى" فقال: أخبرنا محمد بن حاتم، قال: أنا سويد، قال: أنا عبد الله، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر فذكر الحديث. ولكنه قال أيضا: "ما حمل شيئا، ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير عندنا". ورواه عبد الرزاق (١٨٨٤٤) عن ابن جريج قال: قال لي أبو الزبير: قال جابر بن عبد الله فذكر الحديث. وفيه تصريح من ابن جريج بالسماع من أبي الزبير. وأما حديث ياسين بن الزيات فرواه عبد الرزاق، عنه، أنه سمع أبا الزبير، يحدث عن جابر، عن رسول الله ﷺ فذكر الحديث. وفيه تصريح من أبي الزبير أنه سمع من جابر بن عبد الله، ورواه الدارمي (٢٣٥٦) عن أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: أنبأنا أبو الزبير، قال جابر: قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث. ورواية أبي عاصم عن ابن جريج لم يقف عليها النسائي وفيها التصريح من ابن جريج في سماع هذا الحديث من أبي الزبير. وخلاصة القول أنه حديث صحيح، صحّحه ابن حبان، وسكت عنه عبد الحق في أحكامه، وابن القطان بعده فهو صحيح عندهما كما قال الزيلعي (٣/ ٣١٤) وقال: وتصحيح الترمذي له يدل على أنه تحقق إيصاله. ثم ذكر له شاهدين من حديث عبد الرحمن بن عوف، ومن حديث أنس الآتيان. • عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس على المختلس قطع". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٥٩٢) عن محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن عاصم بن جعفر المصري، قال: حدثنا المفضّل بن فضالة، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: فذكره. وإسناده صحيح. وصحّحه أيضا الحافظ ابن حجر في "التلخيص". • عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "ليس على منتهب، ولا مختلس، ولا خائن قطعه. صحيح: رواه الطبراني في الأوسط (مجمع البحرين ٢٤٦٦) حدثنا أحمد بن القاسم بن المساور، ثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم، قال: أملى عليّ عبد الله بن وهب من حفظه، عن يونس، عن الزهري، عن أنس بن مالك فذكره. قال الطبراني: لم يرو عن الزهري إلا يونس، ولا عنه إلا ابن وهب، تفرد به أبو معمر. انتهى. قلت: رجاله ثقات، ولا تضر تفرد بعضهم عن بعض.

стр. 4270

وكذا قال الحافظ في الدراية (٦٨١) رجاله ثقات. والخلسة - ما يؤخذ سلبًا ومكابرة. والخائن: هو من يأخذ المال بالغش والخيانة، ويظهر النصح للمالك. يقول الخطابي: "أجمع عامة أهل العلم على أن المختلس، والخائن لا يقطعان، وذلك أن الله إنما أوجب القطع على السارق". وكذلك ادعى ابن عبد البر إجماع أهل العلم على أن الخلسة لا قطع فيها إلا إياس بن معاوية. انظر: الاستذكار (٢٤/ ٢٣٦). قلت: داود الظاهري، وأحمد في رواية أوجبا القطع في الخلسة، والخيانة، لأن فيهما الاستعلاء على مال الغير بغير الحق، فالقضية تعود إلى حكم الحاكم. ٤ - لا شفاعة للسارق إذا بلغ السلطان • عن صفوان بن أمية بن خلف أنه قيل له: هلك من لم يهاجر. قال: فقلت: لا أصل إلى أهلي حتى آتي رسول الله ﷺ فركبت راحلتي، فأتيت رسول الله ﷺ . فقلت: يا رسول الله، زعموا أنه هلك من لم يهاجر؟ قال: "كلا أبا وهب، فارجع إلى أباطح مكة" قال: فبينما أنا راقد إذ جاء السارق، فأخذ ثوبي من تحت رأسي، فأدركته. فأتيت به النبي ﷺ . فقلت: إن هذا سرق ثوبي. فأمر به ﷺ أن يقطع. قال: قلت: يا رسول الله! ليس هذا أردت. هو عليه صدقة. قال: فهلا قبل أن تأتيني به؟ ". صحيح: رواه مالك في الحدود (٣١) وأحمد (١٥٣٠٣) واللفظ له، وأبو داود (٤٣٩٤) والنسائي (٤٨٨١) وابن ماجه (٢٥٩٥) والحاكم (٤/ ٣٨٠) والبيهقي (٨/ ٢٦٥) كلهم من طرق عن صفوان بن أمية. ومنهم من رواه مرسلًا، ومنهم من رواه موصولا، والحديث صحيح، وصحّحه الحاكم. قال الخطابي: "واحتج من رأى أن المتاع المسروق لا قطع فيه إذا ملكهـ السارق قبل أن يرفع إلى الإمام بقوله: "فهلّا كان هذا قبل أن تأتيني به" قالوا: "فقد دل هذا على أنه لو وهبه منه، أو أبرأه من ذلك قبل أن يرفعه إلى الإمام سقط عنه القطع". وأما ما روي عن ابن عباس أن صفوان بن أمية أتى النبي ﷺ برجل قد سرق حلة له، فقال: با رسول الله هبه لي، فقال رسول الله ﷺ : "فهلا قبل أن تأتينا بها "فهو ضعيف. رواه الدارقطني (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٦) والحاكم (٤/ ٣٨٠) كلاهما من حديث أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، ثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره. وخالفه سفيان بن عيينة فرواه عن عمرو بن دينار عن طاوس، ولم يذكر ابن عباس. رواه البيهقي (٨/ ٢٦٥) من طريق الشافعي، عن سفيان وقال: ذكر ابن عباس فيه ليس بصحيح".

стр. 4271

قلت: وهو كما قال، فإن سفيان بن عيينة أثبت في عمرو بن دينار. وله طرق أخرى عند النسائي وغيره وهو أضعف من هذا. • عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله أمره". صحيح: رواه أبو داود (٣٥٩٧) وأحمد (٥٣٨٥) وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٧) والبيهقي (٦/ ٨٢) كلهم من حديث زهير بن معاوية، حدثنا عمارة بن غزية، عن يحيى بن راشد، قال: خرجنا حُجاجًا عشرة من أهل الشام، حتى أتينا مكة، فذكر الحديث. قال: فأتيناه، فخرج إلينا - يعني ابن عمر فذكر الحديث في سياق أطول منه. وإسناده صحيح. وهذا بعد أن بلغ ذلك الإمام، فأما قبل بلوغ الإمام فإن الشفاعة فيها مستحبة حفظا للستر عليه. قال أحمد: يُشفع في الحد ما لم يبلغ السلطان. • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب". حسن: رواه أبو داود (٤٣٧٦) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٣٣١) والنسائي (٤٨٨٦) وصحّحه الحاكم (٤/ ٣٨٣) كلهم من حديث ابن وهب، سمعت ابن جريج، يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وهذا الحديث مما سمعه ابن جريج من عمرو بن شعيب. • عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود". حسن: رواه أبو داود (٤٣٧٥) وأحمد (٢٥٤٧٤) والنسائي في الكبرى (٧٢٩٧) والبيهقي (٨/ ٣٣٤) كلهم من حديث عبد الملك بن زيد بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، عن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة فذكرته. إلا أن أبا داود لم يذكر فيه "عن أبيه" والثقات الذين رووه عن عبد الملك ذكروا فيه "عن أبيه". وإسناده حسن من أجل عبد الملك بن زيد فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وليس في حديثه ما ينكر عليه، وصحّحه أيضا ابن حبّان (٩٤) وإنه لم يذكر فيه "عن أبيه" وفي إسناده بعض الضعفاء. وفي معناه رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم". رواه الطبراني في الأوسط (٧٥٥٨) عن محمد بن عاصم، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد الحنفي، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود فذكره. ورواه الخطيب في تاريخه (١٠/ ٨٥) من طريق الدارقطني وغيره عن محمد بن مخلد، حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد الحنفي بإسناده.

стр. 4272

قال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث عاصم، عن زر، عن عبد الله، تفرد به الحنفي، عن أبيه، عن أبي بكر بن عياش عنه. ولم نكتبه إلا عن ابن مخلد. وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلا أبو بكر بن عياش، تفرد به عبد الله بن يزيد بن محمد. ولا يروى عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد". قلت: لا يضر تفرد عبد الله بن يزيد، وهو عبد الله بن محمد بن يزيد الحنفي ترجمه الخطيب في تاريخه (١٠/ ٨٥) وقال: كان ثقة، مات سنة ٢٧٥ هـ، وإنما البلاء من أبيه محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي الرفاعي ثم الكوفي أبو هشام فإنه ضعيف باتفاق أهل العلم. قال البخاري: "رأيتهم مجمعين على ضعفه". وفي معناه أحاديث أخرى لا تصح. وأما معنى الحديث فقال الشافعي: "سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: يتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم يكن حدًّا". وقال أيضا: "وذووا الهيئات الذين يُقالون عثراتهم هم الذين ليسوا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم بالزلة". وقال الماوردي في عثراتهم وجهان: أحدهما الصغائر، والثاني: أول المعصية زل فيها مطيع. ذكر ذلك كله الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٨٠). وقال البغوي في شرحه (١٠/ ٣٣٠): وفيه دليل على جواز ترك التعزير، وأنه غير واجب، ولو كان واجبا كالحد، لاستوي فيه ذو الهيئة وغيره". ٥ - باب توبة السارق وقبول شهادته • عن عائشة، أن النبي ﷺ قطع يد امرأة، قالت عائشة: وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى النبي ﷺ فتابت وحسنت توبتها. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٠٠) ومسلم في الحدود (٩: ١٦٨٨) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاري، وذكره مسلم في الحديث الطويل في شأن المرأة التي أهمت قريشًا، وهي المخزومية كما في بعض الروايات. وترجم له البخاري بقوله "باب توبة السارق" وأورد فيه هذا الحديث وحديثًا آخر ثم قال: "إذا تاب السارق بعد ما قطع يده قُبلت شهادته، وكلّ محدود كذلك إذا تاب قُبلت شهادته". ٦ - باب لا يُقطع في الغزوة • عن جنادة بن أبي أمية، قال: كنا مع بسر بن أبي أرطاة في البحر، فأتي بسارق يقال له مِصْدر، قد سرق بُختيّة. فقال: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُقطع

стр. 4273

الأيدي في السفر" ولولا ذلك لقطعته. صحيح: رواه أبو داود (٤٤٠٨) والنسائي (٤٩٧٩) والبيهقي (٩/ ١٠٤) كلهم من حديث حيوة بن شريح، عن عياش بن عباس القِتْباني، عن شِيَيْم بن بَيْتان ويزيد بن صُبح الأصبحي، عن جنادة بن أبي أمية فذكره. والمراد بالسفر هنا هو الغزو كما جاء في الروايات عند الترمذي (١٤٥٠) وأحمد (١٧٦٢٦) معجم ابن قانع (١/ ٨٤) كلهم من حديث عبد الله بن لهيعة، حدثنا عباس بن عباس بإسناده عن جنادة بن أبي أمية أنه قال على المنبر برودس حين جلد الرجلين اللذين سرقا غنائم الناس. فقال: إنه لم يمنعني من قطعهما إلا أن بسر بن أرطاة وجد رجلا سرق في الغزو يقال له: مصدر. فجلده، ولم يقطع يده وقال: نهانا رسول الله ﷺ عن القطع في الغزو. واللفظ لأحمد ولفظ الترمذي مختصر. وقال: هذا حديث غريب. وقد رواه غير ابن لهيعة بهذا الإسناد نحو هذا. ويقال: بسر ابن أبي أرطاة أيضا". وقال: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي، لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يُقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب. ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه. كذلك قال الأوزاعي". انتهى. قلت: لعل الترمذي لم يحكم على الحديث بالصحة أو الحسن من أجل الاختلاف في صحبة بسر بن أبي أرطاة. فقد نقل ابن سعد عن الواقدي أنه قال: ولد قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، وقبض النبي ﷺ وهو صغير. وأنكر أن يكون روي عن النبي ﷺ رواية أو سماعا. كذا في تهذيب الكمال. وقال يحيى بن معين: "أهل المدينة ينكرون أن يكون سمع بسر بن أبي أرطاة من النبي، وأهل الشام يروون عنه، عن النبي ﷺ ". ولكن ذهب جمهور أهل العلم منهم: البخاري، والبغوي، وابن قانع، وابن حبّان، وابن منده، وغيرهم إلى إثبات الصحبة له. قال ابن حجر في التقريب: "من صغار الصحابة". وبهذا صح إسناد هذا الحديث. وقوله: "بُخْتِيّة" الأنثى من الجمال البخت. وأهل العلم مختلفون في إقامة الحد في دار الحرب. فمضى قول الأوزاعي أنه لا يقام في دار الحرب للعلة التي ذكرها وأيضا أمير الجيش ليس له صلاحية في إقامة الحدود التي فيها الإتلاف، فإن هذا راجع إلى الحاكم. وأكثر الفقهاء لا يفرقون بين أرض الحرب وغيرها ويرون إقامة الحد على من ارتكبها، كما يرون وجوب الفرائض والعبادات عليهم في دار الإسلام ودار الحرب سواء. ٧ - باب ما رُوِيَ في قتل السارق في المرة الخامسة رُوي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله ﷺ أتي بلص فقال: "اقتلوه" فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، فقال: "اقتلوه قالوا: يا رسول الله! إنما سرق قال: "اقطعوا يده" قال: ثم سرق.

стр. 4274

فقُطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قُطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا في الخامسة. فقال أبو بكر: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال: اقتلوه، ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم: عبد الله بن الزبير، وكان يحب الإمارة. فقال: أمّروني عليكم فأمّروه عليهم فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه. رواه النسائي (٤٩٧٧) والحاكم (٤/ ٣٨٢) كلاهما من حديث حماد بن سلمة، ثنا يوسف بن أسعد، عن الحارث بن حاطب فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي فقال: "بل منكر". قلت: ظاهر إسناده سلامة، ولكن معناه فيه نكارة. وفي الباب ما روي أيضا عن جابر بن عبد الله قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: "اقتلوها قالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال: "قطعوه" قال: فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: "اقتلوه" فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال: "قطعوه" قال: فقطع. ثم جيء به الثالثة، فقال: "اقتلوه" فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال: "اقطعوه" ثم جيء به الرابعة، فقال: "اقتلوه" فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: "قطعوه" فأتي به الخامسة فقال: "اقتلوه" قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة. رواه أبو داود (٤٤١٠) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٧٢) والنسائي (٤٩٧٨) كلاهما عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل قال: حدثنا جدي قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث"، وكذلك قال النسائي في الكبرى (٧٤٧١) وقال أيضا: "وهذا الحديث ليس بصحيح، ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا عن النبي ﷺ ". وكذلك قال أيضا ابن عبد البر في الاستذكار: بأن حديث القتل منكر، لا أصل له، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ... الحديث. ولم يذكر فيها: السارق. قلت: مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي ضعيف باتفاق أهل العلم. وتابعه هشام بن عروة، عن محمد بن المنكدر رواه الدارقطني (٣/ ١٨١) ولكن في طريقه إليه محمد بن يزيد بن سنان ضعيف. ضعفه النسائي والدارقطني وغيرهما. قال الخطابي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر حديث القتل في الخامسة: "ولا أعلم أحدًا من الفقهاء يبيح دم السارق، وإن تكررت منه السرقة مرة بعد أخرى إلا أنه قد يخرج على مذاهب بعض الفقهاء أن يباح دمه وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض في أن للإمام أن يجتهد في تعزير المفسدين ويبلغ به ما رأى من العقوبة، وإن زاد على مقدار الحد، وجاوزه، وإن رأى القتل قتل

стр. 4275

ويعزى هذا الرأي إلى مالك بن أنس وهذا الحديث إن كان له أصل فهو يؤيد هذا الرأي". معالم السنن (٣/ ٣١٣ - ٣١٤). وأما من يسرق مرارًا فلا خلاف بين أهل العلم أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى، واختلفوا فيما سرق ثالثا بعد قطع يده ورجله، فذهب أكثر العلماء إلى أنه تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق يعزر ويحبس. وإليه ذهب مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في رواية، وهو مروي عن أبي بكر الصديق ﵁. وذهب قوم إلى أنه إذا سرق بعد ما قطعت إحدي يديه، وإحدى رجليه لم يقطع، وحب. وإليه ذهب أحمد وأبو حنيفة والأوزاعي وهو مروي عن علي ﵁. المنة الكبرى (٧/ ٣٠٣). ٨ - باب ما رُويَ في تعليق يد السارق رُوي عن عبد الرحمن بن محيريز قال: سألنا فضائة بن عبيد عن تعليق اليد في العنق للسارق، أمن السنة هو؟ قال: أتي رسول الله ﷺ بسارق، فقطعت يده، ثم أمر بها، فعلقتْ في عنقه. رواه أبو داود (٤٤١١) والترمذي (١٤٤١) والنسائي (٤٩٨٣) وابن ماجه (٢٥٨٧) وأحمد (٢٣٩٤٦) كلهم من طرق عن عمر بن علي المقدمي، عن الحجاج، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن محيريز فذكره. قال النسائي: "الحجاج بن أرطاة ضعيف، ولا يحتج بحديثه". وقال المنذري: "قال بعضهم: وكأنه من باب التطويف والإشادة بذكره، ليرتدع به، ولو ثبت لكان حسنًا صحيحًا، ولكنه لم يثبت". وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي (٦/ ٢٢٧): لو ثبت لكان حسنا صحيحا، لكنه لم يثبت". ولكن قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن علي المقدمي، عن الحجاج بن أرطاة". كذا حسنه، مع أن الحجاج بن أرطاة مدلس ضعيف وقد عنعن. وفيه عبد الرحمن بن محيريز اختلف فيه، فذكره ابن عبد البر في الصحابة، وأشار إلى أنه ولد على عهد رسول الله ﷺ ، وكان فاضلًا. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال ابن القطان: "لا يعرف". ٩ - باب في قطع النبّاش • عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "كيف أنت إذا أصاب الناس موت، يكون البيت فيه بالوصيف؟ " يعني القبر. قلت: الله ورسوله أعلم، أو ما خار الله ورسوله. قال: "عليك بالصبر، أو قال: "تصبر".
следующие страницы →