← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

قلت: وهو كما قال، فإن سفيان بن عيينة أثبت في عمرو بن دينار. وله طرق أخرى عند النسائي وغيره وهو أضعف من هذا. • عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله أمره". صحيح: رواه أبو داود (٣٥٩٧) وأحمد (٥٣٨٥) وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٧) والبيهقي (٦/ ٨٢) كلهم من حديث زهير بن معاوية، حدثنا عمارة بن غزية، عن يحيى بن راشد، قال: خرجنا حُجاجًا عشرة من أهل الشام، حتى أتينا مكة، فذكر الحديث. قال: فأتيناه، فخرج إلينا - يعني ابن عمر فذكر الحديث في سياق أطول منه. وإسناده صحيح. وهذا بعد أن بلغ ذلك الإمام، فأما قبل بلوغ الإمام فإن الشفاعة فيها مستحبة حفظا للستر عليه. قال أحمد: يُشفع في الحد ما لم يبلغ السلطان. • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب". حسن: رواه أبو داود (٤٣٧٦) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٣٣١) والنسائي (٤٨٨٦) وصحّحه الحاكم (٤/ ٣٨٣) كلهم من حديث ابن وهب، سمعت ابن جريج، يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وهذا الحديث مما سمعه ابن جريج من عمرو بن شعيب. • عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود". حسن: رواه أبو داود (٤٣٧٥) وأحمد (٢٥٤٧٤) والنسائي في الكبرى (٧٢٩٧) والبيهقي (٨/ ٣٣٤) كلهم من حديث عبد الملك بن زيد بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، عن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة فذكرته. إلا أن أبا داود لم يذكر فيه "عن أبيه" والثقات الذين رووه عن عبد الملك ذكروا فيه "عن أبيه". وإسناده حسن من أجل عبد الملك بن زيد فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وليس في حديثه ما ينكر عليه، وصحّحه أيضا ابن حبّان (٩٤) وإنه لم يذكر فيه "عن أبيه" وفي إسناده بعض الضعفاء. وفي معناه رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم". رواه الطبراني في الأوسط (٧٥٥٨) عن محمد بن عاصم، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد الحنفي، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود فذكره. ورواه الخطيب في تاريخه (١٠/ ٨٥) من طريق الدارقطني وغيره عن محمد بن مخلد، حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد الحنفي بإسناده.

стр. 4272

قال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث عاصم، عن زر، عن عبد الله، تفرد به الحنفي، عن أبيه، عن أبي بكر بن عياش عنه. ولم نكتبه إلا عن ابن مخلد. وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلا أبو بكر بن عياش، تفرد به عبد الله بن يزيد بن محمد. ولا يروى عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد". قلت: لا يضر تفرد عبد الله بن يزيد، وهو عبد الله بن محمد بن يزيد الحنفي ترجمه الخطيب في تاريخه (١٠/ ٨٥) وقال: كان ثقة، مات سنة ٢٧٥ هـ، وإنما البلاء من أبيه محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي الرفاعي ثم الكوفي أبو هشام فإنه ضعيف باتفاق أهل العلم. قال البخاري: "رأيتهم مجمعين على ضعفه". وفي معناه أحاديث أخرى لا تصح. وأما معنى الحديث فقال الشافعي: "سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: يتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم يكن حدًّا". وقال أيضا: "وذووا الهيئات الذين يُقالون عثراتهم هم الذين ليسوا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم بالزلة". وقال الماوردي في عثراتهم وجهان: أحدهما الصغائر، والثاني: أول المعصية زل فيها مطيع. ذكر ذلك كله الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٨٠). وقال البغوي في شرحه (١٠/ ٣٣٠): وفيه دليل على جواز ترك التعزير، وأنه غير واجب، ولو كان واجبا كالحد، لاستوي فيه ذو الهيئة وغيره". ٥ - باب توبة السارق وقبول شهادته • عن عائشة، أن النبي ﷺ قطع يد امرأة، قالت عائشة: وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى النبي ﷺ فتابت وحسنت توبتها. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٠٠) ومسلم في الحدود (٩: ١٦٨٨) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاري، وذكره مسلم في الحديث الطويل في شأن المرأة التي أهمت قريشًا، وهي المخزومية كما في بعض الروايات. وترجم له البخاري بقوله "باب توبة السارق" وأورد فيه هذا الحديث وحديثًا آخر ثم قال: "إذا تاب السارق بعد ما قطع يده قُبلت شهادته، وكلّ محدود كذلك إذا تاب قُبلت شهادته". ٦ - باب لا يُقطع في الغزوة • عن جنادة بن أبي أمية، قال: كنا مع بسر بن أبي أرطاة في البحر، فأتي بسارق يقال له مِصْدر، قد سرق بُختيّة. فقال: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُقطع

стр. 4273

الأيدي في السفر" ولولا ذلك لقطعته. صحيح: رواه أبو داود (٤٤٠٨) والنسائي (٤٩٧٩) والبيهقي (٩/ ١٠٤) كلهم من حديث حيوة بن شريح، عن عياش بن عباس القِتْباني، عن شِيَيْم بن بَيْتان ويزيد بن صُبح الأصبحي، عن جنادة بن أبي أمية فذكره. والمراد بالسفر هنا هو الغزو كما جاء في الروايات عند الترمذي (١٤٥٠) وأحمد (١٧٦٢٦) معجم ابن قانع (١/ ٨٤) كلهم من حديث عبد الله بن لهيعة، حدثنا عباس بن عباس بإسناده عن جنادة بن أبي أمية أنه قال على المنبر برودس حين جلد الرجلين اللذين سرقا غنائم الناس. فقال: إنه لم يمنعني من قطعهما إلا أن بسر بن أرطاة وجد رجلا سرق في الغزو يقال له: مصدر. فجلده، ولم يقطع يده وقال: نهانا رسول الله ﷺ عن القطع في الغزو. واللفظ لأحمد ولفظ الترمذي مختصر. وقال: هذا حديث غريب. وقد رواه غير ابن لهيعة بهذا الإسناد نحو هذا. ويقال: بسر ابن أبي أرطاة أيضا". وقال: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي، لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يُقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب. ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه. كذلك قال الأوزاعي". انتهى. قلت: لعل الترمذي لم يحكم على الحديث بالصحة أو الحسن من أجل الاختلاف في صحبة بسر بن أبي أرطاة. فقد نقل ابن سعد عن الواقدي أنه قال: ولد قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، وقبض النبي ﷺ وهو صغير. وأنكر أن يكون روي عن النبي ﷺ رواية أو سماعا. كذا في تهذيب الكمال. وقال يحيى بن معين: "أهل المدينة ينكرون أن يكون سمع بسر بن أبي أرطاة من النبي، وأهل الشام يروون عنه، عن النبي ﷺ ". ولكن ذهب جمهور أهل العلم منهم: البخاري، والبغوي، وابن قانع، وابن حبّان، وابن منده، وغيرهم إلى إثبات الصحبة له. قال ابن حجر في التقريب: "من صغار الصحابة". وبهذا صح إسناد هذا الحديث. وقوله: "بُخْتِيّة" الأنثى من الجمال البخت. وأهل العلم مختلفون في إقامة الحد في دار الحرب. فمضى قول الأوزاعي أنه لا يقام في دار الحرب للعلة التي ذكرها وأيضا أمير الجيش ليس له صلاحية في إقامة الحدود التي فيها الإتلاف، فإن هذا راجع إلى الحاكم. وأكثر الفقهاء لا يفرقون بين أرض الحرب وغيرها ويرون إقامة الحد على من ارتكبها، كما يرون وجوب الفرائض والعبادات عليهم في دار الإسلام ودار الحرب سواء. ٧ - باب ما رُوِيَ في قتل السارق في المرة الخامسة رُوي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله ﷺ أتي بلص فقال: "اقتلوه" فقالوا: يا رسول الله! إنما سرق، فقال: "اقتلوه قالوا: يا رسول الله! إنما سرق قال: "اقطعوا يده" قال: ثم سرق.

стр. 4274

فقُطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قُطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا في الخامسة. فقال أبو بكر: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال: اقتلوه، ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم: عبد الله بن الزبير، وكان يحب الإمارة. فقال: أمّروني عليكم فأمّروه عليهم فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه. رواه النسائي (٤٩٧٧) والحاكم (٤/ ٣٨٢) كلاهما من حديث حماد بن سلمة، ثنا يوسف بن أسعد، عن الحارث بن حاطب فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي فقال: "بل منكر". قلت: ظاهر إسناده سلامة، ولكن معناه فيه نكارة. وفي الباب ما روي أيضا عن جابر بن عبد الله قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: "اقتلوها قالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال: "قطعوه" قال: فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: "اقتلوه" فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال: "قطعوه" قال: فقطع. ثم جيء به الثالثة، فقال: "اقتلوه" فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال: "اقطعوه" ثم جيء به الرابعة، فقال: "اقتلوه" فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: "قطعوه" فأتي به الخامسة فقال: "اقتلوه" قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة. رواه أبو داود (٤٤١٠) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٧٢) والنسائي (٤٩٧٨) كلاهما عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل قال: حدثنا جدي قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث"، وكذلك قال النسائي في الكبرى (٧٤٧١) وقال أيضا: "وهذا الحديث ليس بصحيح، ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا عن النبي ﷺ ". وكذلك قال أيضا ابن عبد البر في الاستذكار: بأن حديث القتل منكر، لا أصل له، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ... الحديث. ولم يذكر فيها: السارق. قلت: مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي ضعيف باتفاق أهل العلم. وتابعه هشام بن عروة، عن محمد بن المنكدر رواه الدارقطني (٣/ ١٨١) ولكن في طريقه إليه محمد بن يزيد بن سنان ضعيف. ضعفه النسائي والدارقطني وغيرهما. قال الخطابي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر حديث القتل في الخامسة: "ولا أعلم أحدًا من الفقهاء يبيح دم السارق، وإن تكررت منه السرقة مرة بعد أخرى إلا أنه قد يخرج على مذاهب بعض الفقهاء أن يباح دمه وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض في أن للإمام أن يجتهد في تعزير المفسدين ويبلغ به ما رأى من العقوبة، وإن زاد على مقدار الحد، وجاوزه، وإن رأى القتل قتل

стр. 4275

ويعزى هذا الرأي إلى مالك بن أنس وهذا الحديث إن كان له أصل فهو يؤيد هذا الرأي". معالم السنن (٣/ ٣١٣ - ٣١٤). وأما من يسرق مرارًا فلا خلاف بين أهل العلم أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى، واختلفوا فيما سرق ثالثا بعد قطع يده ورجله، فذهب أكثر العلماء إلى أنه تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق يعزر ويحبس. وإليه ذهب مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في رواية، وهو مروي عن أبي بكر الصديق ﵁. وذهب قوم إلى أنه إذا سرق بعد ما قطعت إحدي يديه، وإحدى رجليه لم يقطع، وحب. وإليه ذهب أحمد وأبو حنيفة والأوزاعي وهو مروي عن علي ﵁. المنة الكبرى (٧/ ٣٠٣). ٨ - باب ما رُويَ في تعليق يد السارق رُوي عن عبد الرحمن بن محيريز قال: سألنا فضائة بن عبيد عن تعليق اليد في العنق للسارق، أمن السنة هو؟ قال: أتي رسول الله ﷺ بسارق، فقطعت يده، ثم أمر بها، فعلقتْ في عنقه. رواه أبو داود (٤٤١١) والترمذي (١٤٤١) والنسائي (٤٩٨٣) وابن ماجه (٢٥٨٧) وأحمد (٢٣٩٤٦) كلهم من طرق عن عمر بن علي المقدمي، عن الحجاج، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن محيريز فذكره. قال النسائي: "الحجاج بن أرطاة ضعيف، ولا يحتج بحديثه". وقال المنذري: "قال بعضهم: وكأنه من باب التطويف والإشادة بذكره، ليرتدع به، ولو ثبت لكان حسنًا صحيحًا، ولكنه لم يثبت". وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي (٦/ ٢٢٧): لو ثبت لكان حسنا صحيحا، لكنه لم يثبت". ولكن قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن علي المقدمي، عن الحجاج بن أرطاة". كذا حسنه، مع أن الحجاج بن أرطاة مدلس ضعيف وقد عنعن. وفيه عبد الرحمن بن محيريز اختلف فيه، فذكره ابن عبد البر في الصحابة، وأشار إلى أنه ولد على عهد رسول الله ﷺ ، وكان فاضلًا. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال ابن القطان: "لا يعرف". ٩ - باب في قطع النبّاش • عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "كيف أنت إذا أصاب الناس موت، يكون البيت فيه بالوصيف؟ " يعني القبر. قلت: الله ورسوله أعلم، أو ما خار الله ورسوله. قال: "عليك بالصبر، أو قال: "تصبر".

стр. 4276

صحيح: أخرجه أبو داود (٤٢٦١، ٤٤٠٩) والحاكم (٤/ ٤٣٤) والبيهقي (٨/ ١٩١) كلهم من طريق حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن المشعب بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر فذكر الحديث مطولا. وسيأتي في كتاب الفتن. قال أبو داود: "لم يذكر المشغب في هذا الحديث غير حماد بن زيد. قلت: المشعّب بن طريف هذا "مقبول" عند الحافظ ابن حجر يعني عند المتابعة. ولم أجد له متابعا. ولكن رواه الثقات عن أبي عمران الجوني ولم يذكروا بين أبي عمران وبين عبد الله بن الصامت "المشعّب بن طريف". ومن هؤلاء شعبة عند البيهقي، ومرحوم بن عبد العزيز العطار عند أحمد (٢١٣٢٥) وابن حبّان (٦٦٨٥) ومعمر عند عبد الرزاق (٢٠٧٢٩) وحماد بن سلمة عند الحاكم كل هؤلاء وغيرهم عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر فذكروه. وهؤلاء أولى من حماد بن زيد، وأكد البيهقي وغيره بأن حماد بن زيد وهم فيه فزاد بين أبي عمران وعبد الله بن الصامت "المشعّب ابن طريف". وقول الحاكم: حماد بن زيد أثبت من حماد بن سلمة هذا إذا اختلفا، ولم يكن لأحدهما ما يرجح، أما إذا وجد من يرجح أحدهما الآخر فيقدم من معه المرجع كما هنا. والبيت هنا: القبر. والوصيف: الخادم. يريد أن الناس يُشغلون عن دفن موتاهم حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبرا لميت، ويدفنه إلا أن يُعطي وصيفا، أو قيمته. قاله الخطابي. استدل أبو داود في سننه فقال: "باب قطع النباش". ووجه استدلاله من الحديث أنه سمى القبر بيتًا. والبيت حرز، والسارق من الحرز مقطوع إذا بلغت سرقته مبلغ ما تقطع فيه اليد. وبهذا قال جمهور أهل العلم منهم: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة. وروي عن ابن الزبير أنه قطع نبّاشًا. قال البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٠٤): قال هشيم، ثنا سهيل قال: شهدت ابن الزبير قطع نباشا. ذكره البيهقي (٨/ ٢٧٠)، وقال عمر بن عبد العزيز: إن سارق الأموات يعاقب بما يعاقب به سارق الأحياء. وخالفهم أبو حنيفة فقال: لا قطع فيه لشبهة في تسمية القبر بيتا. ولو سمي القبر بيتا فهذا البيت ليس بحرز؛ لأن الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ، والكفن لا يوضع في القبر لذلك. وفي مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٢٠٥) عن عيسى بن يونس، عن معمر، عن الزهري، قال: أتي مروان بن الحكم بقوم يختفون القبور، يعني ينبشون، فضربهم ونفاهم، وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون. والاختفاء: نبش القبر واستخراج كفنه. وفيه أيضا (٢٩٢٠٦) عن حفص، عن أشعث، عن الزهري، قال: أخذ نباش في زمان

стр. 4277

معاوية، زمان كان مروان على المدينة، فسأل من كان بحضرته من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة والفقهاء. فلم يجدوا أحدا قطعه، قال: فأجمع رأيهم على أن يضربه، ويطاف به. ١٠ - باب تلقين السارق • رُوي عن أبي أمية المخزومي أن رسول الله ﷺ أتي بلص فاعترف اعترافا، ولم يوجد معه المتاع. فقال رسول الله ﷺ : "ما إخالك سرقت؟ " قال: بلى، ثم قال: "ما إخالك سرقت" قال: بلى. فأمر فقطع. فقال النبي ﷺ : "قل: أستغفر الله وأتوب إليه" قال: أستغفر الله وأتوب إليه، قال: "اللَّهم تب عليه" مرتين. رواه أبو داود (٤٣٨٠) والنسائي (٤٨٨١) وابن ماجه (٢٥٩٧) وأحمد (٢٢٥٠٨) والبيهقي (٨/ ٢٧٦) كلهم من حديث إسحاق بن أبي طلحة قال: سمعت أبا المنذر مولى أبي ذر، يذكر أن أبا أمية حدثه فذكر الحديث. وأبو المنذر مجهول. لم يرو عنه غير إسحاق بن أبي طلحة، ولم يوثقه أحد. تنبيه: لم أتنبه إلى جهالة هذا الراوي في "المنة الكبرى" (٧/ ٣١٢) فقلت: صحيح. والصواب أنه ضعيف. وأما تلقين السارق عن رجوعه من اعترافه فأحبه جماعة من أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين لما فيه درء الحدود. والنبي ﷺ كان يحب درء الحدود بالشبهات. وقد أتي عمر بن الخطاب برجل فسأله أسرفت؟ قل: لا. قال: فقال: لا، فتركه ولم يقطعه. ورُوي مثل هذا عن عدد من الصحابة. ١١ - باب في حسم يد السارق روي عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: أتي النبي ﷺ بسارق سرق شملة فقال: "ما إخالك سرقته قال: بلى، قد فعلت. قال: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه، ثم ائتوني به، فذهبوا به، فقطعوه، ثم حسموه، ثم أتوه به، فقال: "تُب إلى الله، قال: قد تُبت إلى الله. قال: "اللَّهم تب عليه". رواه أبو داود في المراسيل (٢٣٥) وابن أبي شيبة (٢٩١٩٥) كلاهما من حديث سفيان، عن يزيد بن خُصيفة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان فذكره. واللفظ لأبي داود. وتابعه ابن جريج فرواه عن يزيد بن خصيفة نحوه رواه عبد الرزاق (٧/ ٣٨٩). وكذلك رواه عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن خصيفة عن ابن ثوبان مرسلًا، وهو عند البيهقي (٧/ ٢٧١)، وقال البيهقي: "وبلغني أن محمد بن إسحاق رواه عن يزيد بن خصيفة، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة. وقال: ولا أراه حفظه وقال: وروي فيه أيضا مرسلًا. انتهى. قلت: ورواه عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن يزيد بن خصيفة ولكن اختلف عليه. فرواه

стр. 4278

يعقوب بن إبراهيم عنه بذكر أبي هريرة. وأرسله عنه علي بن المديني. ذكره البيهقي. والصواب أنه مرسل، وإن كان ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح الموصول لما فيه من زيادة علم، انظر "التلخيص" (٤/ ١٦). وإن ابن الزبير أتي بسارق فقطعه، فقال له أبان بن عثمان: احسمه. فقال: إنك به رحيم. قال: لا، ولكنه من السنة. رواه ابن أبي شيبة (٢٩١٩٧) عن وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن أبي سفيان أن ابن الزبير أتي بسارق فذكره. وكذلك كان علي بن أبي طالب إذا قطع اللصوص يحسم ويحبسهم ويداويهم. رواه أيضا ابن أبي شيبة (٢٩ ١٩٩). ١٢ - باب ما جاء في بيع العبد السارق • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سرق العبد فبيعوه ولو بنش". حسن: رواه أبو داود (٤٤١٢) والنسائي (٤٩٨٠) وابن ماجه (٢٥٨٩) والبخاري في الأدب المفرد (١٦٥) كلهم من حديث أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. قال النسائي: "عمر بن أبي سلمة ليس بالقوي في الحديث". قلت: ولكن قال البخاري: "صدوق" وقال أبو حاتم: "هو عندي صالح صدوق في الأصل"، وقال أحمد: "هو صالح ثقة إن شاء الله" وذكره البرقي في باب من احتمل حديثه من المعروفين قال: وأكثر أهل العلم بالحديث يثبتونه، وقال الدوري: "سألت ابن معين عن حديث من حديثه فقال: صحيح، وسألته عن آخر فاستحسنه" وقال ابن عدي: "حسن الحديث لا بأس به" فمثله يحسن حديثه إلا إذا خالف الثقات. وقوله: نشُّ: هو نصف كل شيء ولو بنصف القيمة. ١٣ - باب ما رُوي في اعتراف السارق رُوي عن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني سرقتُ جملًا لبني فلان، فطهّرني. فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملًا لنا، فأمر به النبي ﷺ فقُطعت يده. رواه ابن ماجه (٢٥٨٨) عن محمد بن يحيى قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أنبأنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه، أن عمرو بن سمرة بن حبيب جاء إلى النبي ﷺ فذكره. قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعتْ يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك، أردتِ أن تُدْخلي جسدي النار. وإسناده ضعيف للكلام في ابن لهيعة.

стр. 4279

جموع أبواب ما جاء في حد القذف ١ - باب وجوب صيانة أعراض المسلمين والمسلمات • عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟ " قالوا: ألا شهرنا هذا قال: "ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ " قالوا: ألا بلدنا هذا. قال: "ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ " قالوا: ألا يومنا هذا. قال: "فإن الله ﵎ قد حرّم عليكم دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ " (ثلاثا) كل ذلك يجيبونه: ألا نعم. قال: ويحكم - أو ويلكم - لا ترجعنَّ كفارًا بعدي، يضرب بعضكم رقاب بعض". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٧٨٥)، ومسلم في الإيمان (٦٦) كلاهما من طريق واقد بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر، فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم مختصر. ٢ - باب إثم قذف المحصنات قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السّبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٥٧) ومسلم في الإيمان (٨٩) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، فذكره. ٣ - باب حدّ القذف ثمانين جلدة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. • عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : "البيّنة أو حدّ في ظهرك" فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على

стр. 4280

امرأته رجلًا، ينطلق يلتمس البينة؟ ! فجعل يقول: "البيّنة وإلا حدّ في ظهرك" فذكر حديث اللعان. صحيح: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٧١) عن محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن هشام، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. • عن عائشة قالت: لما نزل عُذْري قام رسول الله ﷺ على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن. فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدّهم. حسن: رواه أبو داود (٤٤٧٤) والترمذي (٣١٨١) وابن ماجه (٢٥٦٧) وأحمد (٢٤٠٦٦) كلهم من حديث ابن أبي عدي (وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي) عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة فذكرته. وإسناده حسن فإن محمد بن إسحاق وإن كان مدلسا فقد صرح بالتحديث عند البيهقي في دلائله (٤/ ٧٤). قال الترمذي: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق". قلت: وهو كما قال، إلا أنه رواه مرة موصولا، وأخرى مرسلا. في سنن أبي داود (٤٤٧٥) عن النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق بهذا الإسناد. لم يذكر عائشة. قال: فأمر رجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة: حسان بن ثابت ومسطح بن أُثاثة. قال النفيلي: "ويقولون: المرأة: حمنة بنت جحش". ٤ - باب ما رُويَ فيمن يقول لآخر: يا مخنّث روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إذا قال الرجل للرجل: يا يهودي، فاضربوه عشرين، وإذا قال: يا مخنث، فاضربوه عشرين، ومن وقع على ذات محرم فاقتلوه". رواه الترمذي (١٤٦٢) وابن ماجه (٢٥٦٨) كلاهما من حديث ابن أبي فديك، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره، واللفظ للترمذي. ولفظ ابن ماجه: "إذا قال الرجل للرجل: يا مخنث، فاجلدوه عشرين، وإذا قال الرجل للرجل: يا لوطي، فاجلدوه عشرين". قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن إسماعيل يضعف في الحديث". قلت: وفيه أيضا داود بن حصين الأموي المدني أبو سليمان. قال أبو داود: "أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة مناكير". واعتمده الحافظ في التقريب فقال: "ثقة إلا في عكرمة". وفي المتن نكارة، فإن الله جعل حد القذف ثمانين جلدة، إلا أن يحمل لما في هذا الحديث على التعزير.

стр. 4281

جموع ما جاء في شرب الخمر والحدّ فيه ١ - باب الترهيب من شرب الخمر • عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حُرِمَها في الآخرة". متفق عليه: رواه مالك في الأشربة (١١) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره. ورواه البخاري في الأشربة (٥٥٧٥)، ومسلم في الأشربة (٢٠٠٣/ ٧٦) كلاهما من طريق مالك، به، مثله. • عن جابر، أن رجلًا قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر؟ فقال النبي ﷺ "أو مسكر هو؟ " قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام، إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال" قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال "عرق أهل النار أو عصارة أهل النار". صحيح: رواه مسلم في الأشربة (٢٠٠٢) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. • عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، وإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه. وإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه. وإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخيال يوم القيامة" قالوا: يا رسول الله، وما ردغة الخبال؟ قال: "عصارة أهل النار". صحيح: رواه ابن ماجه (٤٣٧٧) وصححه ابن حبان (٥٣٥٧) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو، فذكره. والوليد بن مسلم مدلس، ولكنه صرح بالتحديث. وللحديث أسانيد أخرى، ذكرتها في كتاب الأشربة. ومن الترهيب الذي في شرب الخمر حديث ابن عباس مرفوعا: الخمر أم الفواحش وأكبر

стр. 4282

الكبائر، من شربها وقع على أمه وخالته وعمته" إلا أنه لا يصح. رواه الطبراني في الكبير (١١/ ١٦٤) عن أبي الزنباع روح بن الفرح، حدثنا يحيى بن بكير، ثنا رشدين بن سعد، عن أبي صخر، عن عبد الكريم أبي أمية، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، فذكره. ورشدين بن سعد وعبد الكريم أبو أمية ضعيفان. ٢ - باب حد شارب الخمر • عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين. قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس. فقال عبد الرحمن: أخفّ الحدود ثمانين، فأمر به عمر. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٧٧٣) ومسلم في الحدود (٣٥: ١٧٠٦) كلاهما من طريق شعبة، قال: سمعتُ قتادة يحدّث عن أنس بن مالك، فذكره، واللفظ لمسلم. ولم يذكر البخاري مشورة عمر، ولا فتوى عبد الرحمن بن عوف. ولفظه: "أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين". • عن عروة بن الزبير أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا له: ما يمنعك أن تكلم خالك عثمان في أخيه الوليد بن عقبة، وكان أكثر الناس فيما فعل به، قال عبيد الله: فانتصبت لعثمان حين خرج إلى الصلاة فقلت له: إن لي إليك حاجة وهي نصيحة فقال: أيها المرء أعوذ بالله منك فانصرفت، فلما قضيت الصلاة، جلست إلى المسور وإلى ابن عبد يغوث فحدثتهما بالذي قلت لعثمان وقال لي، فقالا: قد قضيت الذي كان عليك فبينما أنا جالس معهما إذ جاءني رسول عثمان، فقالا لي: قد ابتلاك الله. فانطلقتُ حتى دخلت عليه فقال: ما نصيحتك التي ذكرت آنفا. قال: فتشهدت ثم قلت: إن الله بعث محمدا ﷺ وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب الله ورسوله ﷺ وآمنت به وهاجرت الهجرتين الأوليين وصحبت رسول الله ﷺ ، ورأيت هديه وقد أكثر الناس في شأن الوليد بن عقبة، فحق عليك أن تقيم عليه الحد. فقال لي: يا ابن أخي، آدركت رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: لا ولكن قد خلص إلي من علمه ما خلص إلى العذراء في سترها. قال: فتشهد عثمان فقال: إن الله قد بعث محمدا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب وكنتُ ممن استجاب الله ورسوله ﷺ وآمنتُ بما بُعث به محمدٌ ﷺ ، وهاجرت الهجرتين الأوليين كما قلتَ، وصحبتُ رسول الله ﷺ وبايعته، والله ما

стр. 4283

عصيته، ولا غششته حتى توفاه الله ثم استخلف الله أبا بكر، فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استخلف عمر فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استخلفت، أفليس لي عليكم مثل الذي كان لهم علي؟ قال: بلى قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ فأما ما ذكرت من شأن الوليد بن عقبة فستأخذ فيه إن شاء الله بالحق. قال: فجلد الوليدَ أربعين جلدةً، وأمر عليا أن يجلده، وكان هو يجلده. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٧٢) عن عبد الله بن محمد الجعفي، حدّثنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثنا عروة بن الزبير، فذكره. ورواه في فضائل الصحابة (٣٦٩٦) عن أحمد بن شبيب بن سعيد، حدثني أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، به، نحوه إلا أنه قال: "ثم دعا عليًّا فأمره أن يجلد، فجلده ثمانين". • عن حصين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان وأُتي بالوليد، قد صلّى الصّبح ركعتين. ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حُمران أنه شرب الخمر. وشهد آخر أنه رآه يتقيّأ. فقال عثمان: إنه لم يتقيّأ حتى شربها. فقال: يا علي، قمْ فاجْلده، فقال علي: قم يا حسن؛ فاجلده، فقال الحسن: ولّ حارّها من تولّي قارّها فكأنه وجد عليه فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده، فجلده وعليّ يعدّ، حتى بلغ أربعين. فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين. كل سنة وهذا أحب إليّ. صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٧٠٧) من طرق عن إسماعيل ابن عليّة، عن ابن أبي عروبة، عن عبد الله الدّاناج. وعن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (هو ابن راهويه) واللفظ له أخبرنا يحيى بن حماد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله بن فيروز مولى ابن عامر الداناج، حدثنا حصين بن المنذر أبو ساسان (فذكره). وقوله: "ولّ حارها من تولى قارها" مثل أي ولّ العقوبة والضرب من توليه العمل والنفع. والقار: البارد. وقال الأصمعي: ولّ حارها من تولّى قارها: ولّ شديدها من تولى هيّنها. ذكره أبو داود (٤٤٨٠). • عن علي بن أبي طالب قال: ما كنت لأقيم حدًّا على أحد فيموت فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديتُه، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسُنْه. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٧٧٨) ومسلم في الحدود (٣٩: ١٧٠٧) كلاهما من طريق سفيان الثوري، حدثنا أبو حصين، سمعت عمير بن سعيد النخعي قال: سمعت علي بن أبي

стр. 4284

طالب قال فذكره. قوله: "لأن رسول الله ﷺ لم يسنّه" أي لم يقدر فيه حدًّا مقدرًا. قال النووي: "واختلف العلماء في قدر حدّ الخمر، فقال الشافعي وأبو ثور وداود وأهل الظاهر وآخرون: حده أربعون .... ونقل القاضي (يعني عياضًا) عن الجمهور من السلف والفقهاء منهم: مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق أنهم قالوا: حدّه ثمانون. واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة، وأن فعل النبي ﷺ لم يكن للتحديد، ولهذا قال في الرواية الأولى: "نحو أربعين". وحجة الشافعي وموافقيه أن النبي ﷺ إنما جلد أربعين، كما صرح به في الرواية الثانية. وأما زيادة عمر فهي تعزيرات، والتعزير إلى رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركهـ بحسب المصلحة في فعله وتركهـ .. " اهـ شرح النووي (١١/ ٢١٦). وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. فقال في "منهاج السنة النبوية" (٦/ ٨٣): وقد تنازع علماء المسلمين في الزائد عن الأربعين إلى الثمانين هل هو حد يجب إقامته أو تعزير يختلف باختلاف الأحوال على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد أحدهما: أنه حد لأن أقل الحدود ثمانون وهو حد القذف، وادعى أصحاب هذا القول أن الصحابة أجمعت على ذلك، وأن ما نقل من الضرب أربعين كان بسوط له طرفان فكانت الأربعون قائمة مقام الثمانين وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما. والثاني: أن الزائد على الأربعين جائز فليس بحد واجب وهو قول الشافعي واختاره أبو بكر وأبو محمد وغيرهما وهذا القول أقوى. ثم استدل لذلك بحديث علي في صحيح مسلم، وحديث أنس في الصحيحين" انتهى. • عن عبد الرحمن بن أزهر قال: أتي النبي ﷺ بشارب وهو بحنين، فحثا وجهه في التراب، ثم أمر أصحابه فضربوه بالنعال، وما كان في أيديهم. حتى قال لهم: "ارفعوا" فرفعوا. فتوفي رسول الله ﷺ ثم جلد أبو بكر في الخمر أربعين، ثم جلد عمر أربعين صدرًا من إمارته، ثم جلد عثمان ثمانين في آخر خلافته، ثم جلد عثمان الحدين كليهما: ثمانين وأربعين. ثم أثبت معاوية الحد ثمانين. حسن: رواه أبو داود (٤٤٨٨) عن ابن السرح (وهو أحمد بن عمرو بن السرح) قال: وجدت في كتاب خالي عبد الرحمن بن عبد الحميد، عن عقيل أن ابن شهاب أخبره، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر، أخبره عن أبيه فذكر الحديث. ومن هذا الوجه رواه أيضا النسائي في الكبرى (٥٢٨٣) إلى قوله: "فتوفي رسول الله ﷺ وتلك سنة". وعبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر، لم يوثقه غير ابن حبان. ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول"

стр. 4285

أي عند المتابعة، وقد توبع. رواه أبو داود (٤٤٨٧) من وجه آخر عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: فذكره. وكذلك رواه النسائي في "الكبرى" من أوجه كثيرة عن عبد الرحمن بن أزهر فذكره مختصرًا. قال أبو داود: "أدخل عقيل بن خالد بين الزهري وبين الأزهر في هذا الحديث: عبد الله بن عبد الرحمن بن الأزهر عن أبيه". وفي الباب ما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يَقِتْ في الخمر حدًا. وقال ابن عباس: "شرب رجل فسكر فلقي يميل في الضجّ" فانطُلق به إلى النبي ﷺ فلما حاذى بدار العباس انفلت. فدخل على العباس فالتزمه، وذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك وقال: "أفعلها؟ " ولم يأمر فيه بشيء. رواه أبو داود (٤٤٧٦) عن الحسن بن علي ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن محمد بن علي بن ركانة، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. قال أبو داود: هذا مما انفرد به أهل المدينة. حديث الحسن بن علي هذا. ومحمد بن علي بن ركانة هو محمد بن علي بن يزيد بن ركانة روى عنه اثنان، ولم يوثقه أحد غير ابن حبان فهو مقبول عند المتابعة. ولم أجد له متابعا. ٣ - باب ضرب شارب الخمر بالجريد والنّعال والثوب والأيدي وغيرها ولا يُشترط السوط والجلد • عن أبي هريرة قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب، قال: اضربوه. قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه. فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله. قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان. صحيح: رواه البخاري في الحدود (٦٧٧٧) عن قتيبة، حدثنا أبو ضمرة أنس، عن يزيد بن النهار، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. • عن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرْديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين. صحيح: رواه البخاري في الحدود (٦٧٧٩) عن مكي بن إبراهيم، عن الجعيد، عن يزيد بن خُصيفة، عن السائب بن يزيد، فذكره.

стр. 4286

٤ - باب لا يجوز لعن شارب الخمر أو تكفيره • عن عمر بن الخطاب أن رجلًا كان على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يلقّب حمارًا، وكان يُضحِكُ رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللَّهم الْعنْه، ما أكثر ما يُؤتي به! فقال النبي ﷺ : "لا تلْعنوه، فوالله ما علمتُ إلا أنه يحبّ الله ورسوله". صحيح: رواه البخاري في الحدود (٦٧٨٠) عن يحيى بن بكُير، حدّثني الليث، قال حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، فذكره. ٥ - باب من شرب الخمر مرارًا • عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه". حسن: رواه أبو داود (٤٤٨٢) والترمذي (١٤٤٤) وابن ماجه (٢٥٧٣) وأحمد (١٦٨٥٩) وصحّحه ابن حبان (٤٤٤٦) والحاكم (٤/ ٣٧٢) والبيهقي (٨/ ٣١٣) كلهم من حديث عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن معاوية فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة فإنه حسن الحديث. وأخرجه أحمد (١٦٨٤٧) والنسائي (٥٢٩٨) كلاهما من وجه آخر من حديث المغيرة بن مقسم الضبي، عن معبد القاص، عن عبد الرحمن بن عبد، عن معاوية مثله. وهذا إسناد صحيح. ومعبد القاص: هو معبد بن خالد الجدلي وعبد الرحمن بن عبد هو أبو عبد الله الجدلي. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه". حسن: رواه أبو داود (٤٤٨٤) والنسائي (٥٦٦٢) وابن ماجه (٢٥٧٢) وأحمد (٧٩١١) وصحّحه ابن حبان (٤٤٤٧) والحاكم (٤/ ٣٧١) والبيهقي (٨/ ٣١٣) كلهم من حديث ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل الحارث بن عبد الرحمن القرشي العامري خال ابن أبي ذئب، فإنه حسن الحديث. وزاد أحمد: قال الزهري: فأتي رسول الله ﷺ برجل سكران في الرابعة فخلّى سبيله. ورواه الحاكم (٤/ ٣٧١) من وجه آخر عن سعيد بن أبي عروبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر مثله. وقال: "صحيح على شرط مسلم". ورواه عبد الرزاق (١٧٠٨١) عن معمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة

стр. 4287

مثله. ومن طريقه النسائي في الكبرى (٥٢٩٦). قال معمر: "فذكرت ذلك لابن المنكدر فقال: قد ترك القتل. قد أتي النبي ﷺ بابن النعيمان فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به الرابعة فجلده، أو أكثر". قال الترمذي: "حديث معاوية هكذا روى الثوري أيضا، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية، عن النبي ﷺ . وروى ابن جريج ومعمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وقال: سمعت محمدًا يقول: "حديث أبي صالح عن معاوية عن النبي ﷺ في هذا أصح من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ " انتهى. وكذا رجح الدارقطني حديث أبي صالح عن معاوية. "العلل" (١٠/ ٩١). قلت: هذا قول الإمامين العظيمين، ولكن حسب القواعد الحديثية لا أرى ما يمنع من أن يكون لأبي صالح شيخان من الصحابة وهما معاوية وأبو هريرة والله تعالى أعلم. • عن شرحبيل بن أوس وكان من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: قال النبي ﷺ : من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه". حسن: رواه الإمام أحمد (١٨٠٥٣) والطبراني في الكبير (١/ ١٩٨) و (٧/ ٣٦٦) والحاكم (٤/ ٣٧٣) كلهم من حديث حريز بن عثمان الجمحي، قال: حدثني نمران بن مخْمر، عن شرحبيل بن أوس فذكره. قال الحافظ ابن حجر: "رواته ثقات". قلت: وإسناده حسن من أجل نمران بن مخمر أبي الحسن الرحبي وهو من رجال "التعجيل" قال فيه: روى عنه حريز بن عثمان وبهذا ذكره البخاري. ولم يذكر فيه جرحا فقال: سمع أوسا. قال الحافظ ابن حجر: قال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٨/ ٤٩٧) أن من شيوخه حريز بن عثمان، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وحريث بن عمرو الحضرمي. ثم روي هذا الحديث من وجه آخر. رواه أحمد (١٣٠٢٣) والحاكم من حديث محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت يزيد بن أبي كبشة يخطب بالشام قال: سمعت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يحدث عبد الملك بن مروان في الخمر أن رسول الله ﷺ قال: فذكر مثله. قال الحاكم: "سمعت أبا علي الحافظ يحدث بهذا الحديث فقال في آخره: هذا الصحابي من أهل الشام هو شرحبيل بن أوس". • عن ابن عمر، ونفر من أصحاب النبي ﷺ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه".

стр. 4288

حسن: رواه النسائي (٥٦٦١) عن إسحاق بن إبراهيم، (ابن راهويه) قال: أنبأنا جرير، عن مغيرة الضبي، عن عبد الرحمن بن أبي نُعم، عن ابن عمر فذكره. وصحّحه الحاكم (٤/ ٣٧١) ورواه من طريق جرير بإسناده عن ابن عمر وحده وقال: "صحيح على شرط الشيخين". وعبد الرحمن بن أبي نُعم البجلي من رجال الصحيح، وهو كوفي تابعي مشهور، وكان من أولياء الثقات كما قال الذهبي في الميزان (٢/ ٥٩٥) وقال: وقال أحمد بن أبي خيثمة: عن ابن معين: قال: ابن أبي نُعم ضعيف. كذا نقل ابن القطان. وهذا لم يتابعه عليه أحد". انتهى. فهو لا ينزل عن درجة "صدوق". وقد أشار أبو داود إلى حديث ابن عمر مع غيره بأن القتل كان في الرابعة، بدون شك. وأما ما رواه هو (٤٤٨٣) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد بن يزيد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال بهذا المعنى (يعني حديث معاوية بن أبي سفيان) قال: وأحسبه في الخامسة قال: "إن شربها فاقتلوه" فهو ضعيف. فإن حُميد بن يزيد وهو أبي الخطاب لم يرو عنه غير حماد بن سلمة فهو "مجهول الحال" كما في "التقريب" ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٦١٩٧). قال ابن حجر: "قرأت بخط الذهبي يقول: لا يدري من هو؟ ". وقال ابن القطان: "مجهول الحال". • عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه، فأتي رسول الله ﷺ برجل منا فلم يقتله. حسن: رواه ابن حزم في المحلي (١١/ ٣٦٨) والطحاوي في شرحه (٤٨٣٦) والنسائي في الكبرى (٥٣٠٢) كلهم من طريق شريك، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله فذكره. واللفظ لابن حزم. ولفظ الطحاوي: "فثبت الجلد ودُرِئَ القتل". وشريك هو ابن عبد الله القاضي سيء الحفظ ولكنه توبع. روي ابن حزم أيضا من طريق النسائي (٥٣٠٣) أخبرنا محمد بن موسى، حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه" فضرب رسول الله ﷺ نعيمان أربع مرات. فرأى المسلمون أن الحد قد وقع، وأن القتل قد رُفع.

стр. 4289

فتابعه زياد بن عبد الله البكائي ومن طريقه رواه أيضا الحاكم (٤/ ٣٧٣) والبيهقي (٨/ ٣١٤). ورواية جابر هذه ذكرها أيضا الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٣٤٧) عن محمد بن إسحاق بإسناده، وعزاه إلى النسائي في "الكبرى" ثم قال: "ورواه البزار في مسنده عن ابن إسحاق به أن النبي ﷺ أتي بنعيمان قد شرب الخمر ثلاثا فأمر بضربه، فلما كان الرابعة أمر به فجلد الحد، فكان ناسخًا" انتهى. • عن ديلم الحميري أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: إنا بأرض باردة، وإنا لنستعين بشراب يُصنع لنا من القمح. فقال رسول الله ﷺ : أيسكر؟ " قال: نعم. قال: "فلا تشربوه" فأعاد عليه فقال له رسول الله ﷺ : "أيسكر؟ قال: نعم، قال: "فلا تشربوه" فأعاد عليه الثالثة. فقال له رسول الله ﷺ : أيسكر؟ " قال: نعم، قال: فلا تشربوه" قال: فإنهم لا يصبرون عنه. قال: فإن لم يصبروا عنه فاقتلهم". صحيح: رواه أحمد (١٨٠٣٤) والطبراني في الكبير (٤/ ٢٦٩) كلاهما من حديث عبد الحميد بن جعفر، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، حدثنا مرثد بن عبد الله اليزني، قال: حدثنا الديلم فذكره وإسناده صحيح. والديلم هو ابن هوشع الحميري اليمني وفد على النبي ﷺ من اليمن. ورواه أيضا أحمد (١٨٠٣٥) عن محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن ديلم الحميري قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض باردة، نعالج بها عملًا شديدًا. وإنا نتخذ شرابًا من هذا القمح نتقوى بها على أعمالنا، وعلى برد بلادنا، قال: "هل يسكر؟ قلت: نعم. قال: "فاجتنبوه" قال: ثم جئت من بين يديه. فقلت له مثل ذلك. فقال: هل يُسكر؟ قلت: نعم. قال: "فاجتنبوه" قلت": إن الناس غير تاركيه. قال: "فإن لم يتركوه فاقتلوهم". ورواه البيهقي (٨/ ٢٩٢) من طريق شيخ أحمد وقال في آخره: "وكذلك رواه عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب". ورواه أبو داود (٣٦٨٣) من طريق محمد بن إسحاق إلا أنه ذكر فيه القتل المرة الثانية. ومحمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "الخمر إذا شربوها فاجلدوهم، ثم إذا شربوها فاجلدوهم، ثم إذا شربوها فاجلدوهم، ثم إذا شربوها فاقتلوهم عند الرابعة". حسن: رواه الإمام أحمد (٦٥٥٣) عن معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة وعبد الصمد

стр. 4290

قال: حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو فذكره. وصحّحه الحاكم (٤/ ٣٧٢) رواه من طريق قتادة. وإسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب غير أنه حسن الحديث إذا لم يُخالف. وقد كان ابن المديني والبخاري وغيرهما حسن الرأي فيه. وأما ما روي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه، فذكر الحديث مثله. ثم قال: ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة، فلكم عليَّ أن أقتله. فهو ضعيف. رواه الإمام أحمد (٦٧٩١) عن وكيع، حدثني قرة وروح، حدثنا أشعث وقرة بن خالد المعنى، عن الحسن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره. والحسن البصري مدلس وقد عنعن ثم أنه لم يسمع هذا الحديث من عبد الله بن عمرو كما صرح به (٦٩٧٤) فقال: والله لقد زعموا أن عبد الله بن عمرو شهد بها على رسول الله ﷺ فذكر الحديث. قال: فكان عبد الله بن عمرو يقول: ائتوني برجل قد جلد في الخمر أربع مرات. فإن لكم علي أن أضرب عنقه. فقول عبد الله بن عمرو لا ينقض الإجماع في نسخ القتل لأنه لم يصح عنه. وفي الباب ما روي عن أبي سليمان مولى لأم سلمة زوج النبي ﷺ أن أبا الرمداء حدثه أن رجلًا منهم شرب فأتوا به رسول الله ﷺ فضربه، ثم شرب الثانية فضربه، ثم شرب الثالثة، فأتوا به إليه. فما أدري أفي الثالثة أو الرابعة أمر به فحمل على العجل، أو قال: على الفحل. وفي رواية: أمر به فحمل على العجل. فضرب عنقه. رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (٣٠٢) والدولابي في الكنى (١/ ٣٠) والطحاوي في شرحه (٤٨٢٦) كلهم من طرق عن ابن لهيعة قال: حدثنا عبد الله بن هبيرة، عن أبي سليمان مولى أم سلمة فذكره. وأبو سليمان مجهول. قال ابن القطان: "لا يعرف حاله" ثم إن في المتن نكارة. فإن الروايات الصحيحة أنه ﷺ لم يقتل أحدًا في الرابعة بل خلّى سبيله. وأعله ابن حجر في "الفتح" (١٢/ ٧٩) بابن لهيعة، مع أن في بعض طرقه الراوي عنه عبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ وروايتهما عنه قبل الاختلاط وقال: "أفاد هذا الحديث أنه ﷺ عمل به قبل النسخ، فإن ثبت كان فيه رد على من زعم أنه لم يعمل به" ولكنه لم يثبت بإسناد صحيح. وفي الباب ما رُوي أيضا عن الشّريد بن سويد الثقفي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا شرب الرجل فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه" أربع مرات أو خمس مرات "ثم إذا شرب فاقتلوه". رواه أحمد (١٩٤٦٠) والطبراني (٧/ ٣١٧) والدارمي (٢٣٩٥) والنسائي في الكبرى (٥٣٠١)

стр. 4291

كلهم من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن عتبة بن عروة بن مسعود الثقفي، عن عمرو بن الشّريد، عن أبيه فذكره هكذا بالشك في الرابعة أو الخامسة. وفي بعض المصادر أنه جاء الأمر بالقتل في الرابعة بدون شك. وفي الإسناد عبد الله بن عتبة بن عروة لم يعرف من هو؟ وبه أعله أيضا الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٧٢٧ - ٢٧٨). وأما ما رواه الحاكم (٤/ ٣٧٢) عن أبي عبد الله الصفار، ثنا محمد بن مسلمة، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عمرو بن الشريد بإسناده مثله. وقال: صحيح على شرط مسلم، وهذا وهم منه. فإن محمد بن مسلمة ليس من رجال مسلم، كما أنه ليس بثقة ضعّفه الخلال وغيره. وفي الباب ما روي أيضا: عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من شرب الخمر فاجلدوه، ومن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه". رواه ابن حبان (٤٤٤٥) عن أبي يعلى، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي سعيد فذكره. قال ابن حبان: "هذا الخبر سمعه أبو صالح من معاوية ومن أبي سعيد معًا". ولكن قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٢/ ٦٩) المحفوظ من حديث معاوية. كما قال البخاري، وكذلك من حديث أبي هريرة. فلعل الخطأ كان من عاصم بن أبي بهدلة. وفي الباب ما روي أيضا عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه". رواه البخاري في التاريخ الكبير في ترجمة "خالد بن جرير" والطحاوي في شرحه (٢/ ٩١) والحاكم (٤/ ٣٧١) كلهم من طريق مكي بن إبراهيم، ثنا داود بن يزيد، عن سماك بن حرب، عن خالد بن جرير، عن جرير فذكره. وداود بن يزيد هو الأودي الكوفي ضعيف باتفاق أهل العلم. وفي الباب أيضا ما روي عن أبي موسى أنه قال: حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فقال: إن قومي يصيبون من شراب من الذرة - يقال له المزر. فقال النبي ﷺ : "أيسكر؟ قال: نعم. قال: "فانههم عنه" ثم رجع إليه فسأله عنه فقال: "انههم عنه" ثم سأله الثالثة. فقال: قد نهيتُهم عنه فلم ينتهوا. قال: "فمن لم ينته منهم فاقتله". رواه أحمد في كتاب الأشربة (ص ٣٢) عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا محمد بن راشد، قال: سمعت عمرو بن شعيب يحدث أن أبا موسى قال: فذكره. وفيه انقطاع، فإن عمرو بن شعيب لم يدرك أبا موسى فإني لم أجد من نص على أنه روى عنه.

стр. 4292

وفي الباب ما روي أيضا عن أم حبيبة بنت أبي سفيان أن أناسًا من أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فأعلمهم الصلاة والسنن والفرائض، ثم قالوا: يا رسول الله، إن لنا شرابًا نصنعه من القمح والشعير. قال: فقال: "الغبيراء؟ " قالوا: نعم، قال: "لا تطعموه" ثم لما كان بعد ذلك بيومين ذكروهما له أيضا، فقال: "الغبيراء؟ " قالوا: نعم، قال: ولا تطعموه" ثم لما أراد أن ينطلقوا سألوه عنه، فقال: "الغبيراء؟ " قالوا: نعم. قال: "لا تطعموه" قالوا: فإنهم لا يدعونها، قال: "من لم يتركها فاضربوا عنقه". رواه أحمد (٢٧٤٠٧) عن حسن قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا دراج، عن عمر بن الحكم أنه حدثه عن أم حبيبة بنت أبي سفيان فذكرته. ورواه أيضا أبو يعلى (٧١٤٧) والطبراني (٢٣/ ٤٨٣) وصحّحه ابن حبان (٥٣٦٧) والبيهقي (٨/ ٢٩٢) كلهم من طرق عن دراج بإسناده اختصره البعض. وإسناده ضعيف من أجل درّاج بتشديد الراء ابن سمعان أبو السمح، مختلف فيه. فوثّقه ابن معين والدارمي. وقال أبو داود: "أحاديثه مستقيمة" وضعّفه النسائي وأبو حاتم والدارقطني. وقال أحمد: "حديثه منكر" وقال ابن عدي: "عامة الأحاديث التي أمليتُها عن دراج مما لا يتابع عليه". وفي الإسناد ابن لهيعة أيضا وفيه كلام مشهور إلا أنه توبع، تابعه عمرو بن الحارث عند اليهقي وغيره. وفي الباب ما روي أيضا عن قبيصة بن ذُؤيب أن النبي ﷺ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة، فاقتلوه" فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورُفع القتل، وكانت رخصة. قال سفيان وهو ابن عيينة: "حدث الزهري بهذا الحديث وعنده منصور بن المعتمر ومخْول بن راشد فقال لهما: كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث". رواه أبو داود (٤٤٨٥) عن أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا سفيان قال الزهري: أخبرنا عن قبيصة بن ذُؤيب فذكره. ورواه الشافعي في الأم (٦/ ١٧٧) عن سفيان بن عيينة ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٠/ ٣٣٥) والبيهقي (٨/ ٣١٤) ورواه البيهقي أيضا من وجه آخر عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن قبيصة بن ذُويب، قال: قال رسول الله ﷺ فذكره مثله. وقال في آخره: فأتي رسول الله ﷺ برجل من الأنصار يقال له نعيمان فضربه أربع مرات. فرأى المسلمون أن القتل قد أخر، وأن الضرب قد وجب. وقبيصة بن ذُؤيب ولد عام الفتح على الأصح، وروايته عن أبي بكر وعمر مرسلة. قال الشافعي: "والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم علمه".

стр. 4293

وقال الترمذي: "إنما كان هذا في أول الأمر، ثم نسخ بعد ذلك. ثم قال: "والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك في القديم والحديث. ومما يُقوي هذا ما رُوي عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب بالثيب، والتارك لدينه". قال النووي في شرح مسلم: "وهذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله. فهو حديث منسوخ. دل الإجماع على نسخه". وقال الترمذي أيضا في أول كتاب" العلل" الذي ختم به السنن: "جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين، حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر. وحديث النبي ﷺ أنه قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه". وقد بينا علة الحديثين جميعا في الكتاب. انتهى. قال الحافظ: "وتعقبه النووي فسلّم قوله في حديث الباب دون الآخر". قال ابن المنذر: "وقد كان هذا من سنة رسول الله ﷺ ثم أزيل القتل عن الشارب في المرة الرابعة بالأخبار الثابتة عن نبي الله ﷺ ، وبإجماع عوام أهل العلم من أهل الحجاز، وأهل العراق، وأهل الشام، وكل من نحفظ قوله من أهل العلم عليه، إلا من شذّ ممن لا يعد خلافًا". "الأوسط" (١٣/ ١٦) وقال الخطابي في معالمه: "قد يرد الأمر بالوعيد، ولا يراد به وقوع الفعل، فأنما يقصد به الردع والتحذير كقوله ﷺ : لمن قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه" وهو لو قتل عبده لم يقتل به في قول عامة العلماء، وكذلك لو جدعه لم يُجدع به بالاتفاق. وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبًا، ثم نسخ لحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل. وقد رُوي عن قبيصة بن ذُؤيب ما يدل على ذلك". وقال المنذري: "أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر، وأجمعوا أنه لا يُقتل إذا تكرر منه إلا طائفة شاذة، قالت: يُقتل بعد حده أربع مرات للحديث، وهو عند الكافة منسوخ". وبالله التوفيق. • * *

стр. 4294

جموع أبواب ما جاء في التعزير وحد السحر ١ - باب ما جاء في التعزير • عن أبي بردة الأنصاري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تجلدوا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله". وفي لفظ: "لا يُجلد فوق عشرة جلدات إلا في حدّ من حدود الله". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٥٠) ومسلم في الحدود (١٧٠٨) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو، أن بكير بن الأشجّ حدّثه قال: بينما أنا جالسٌ عند سليمان بن يسار إذ جاء عبد الرحمن بن جابر فحدث سليمان بن يار، ثم أقبل علينا سليمان بن يسار، فقال: حدّثني عبد الرحمن بن جابر أن أباه حدّثه، أنه سمع أبا بردة الأنصاري قال فذكره. واللفظ للبخاري. قال أبو داود: "أبو بردة اسمه هانئ". قلت: وقيل: اسمه الحارث بن عمرو، وقيل غير ذلك وهو أبو بردة بن نِيار البلوي، حليف الأنصار صحابي. • عن عبد الرحمن بن جابر، عمن سمع النبي ﷺ يقول: "لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٤٩) عن عمرو بن علي، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا مسلم بن أبي مريم، حدثني عبد الرحمن بن جابر فذكره. هذا الحديث رُوي من ثلاثة أوجه: الأول: إن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله رواه عن أبيه، عن أبي بردة الأنصاري، كما رواه مسلم في الحدود (١٧٠٨/ ٤٠). والثاني: إن عبد الرحمن بن جابر سمع هذا الحديث من أبي بردة الأنصاري مباشرة. والثالث: إن عبد الرحمن بن جابر يحدث بهذا الحديث عمن سمع النبي ﷺ فأبهم اسم الصحابي. ولا منافاة بين الوجه الثاني والثالث فإن عبد الرحمن بن جابر سمع هذا الحديث بدون واسطة أبيه إلا أنه مرة صرح باسم الصحابي وهو أبو بردة الأنصاري، وأخرى أبهمه. والجمع بين الوجه الأول والوجهين الآخرين أنه سمع أولا من أبيه، عن أبي بردة، ثم تيسر له السماع من أبي بردة مباشرة. وهذا له أمثلة كثيرة في كتب الحديث. فإذا أمكن الجمع فلا يلتفت إلى قول من قال: في إسناده اضطراب. لأن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ثقة فإذا صرّح بالسماع يُقبل قوله. وإبهام الصحابي لا يضر كما هو معروف في هذا العلم.

стр. 4295

وقد اتفق الشيخان على تصحيحه، وهما العمدة في التصحيح. إنما الخلاف في الترجيح فرجح الدارقطني رواية الليث، ورجح غيره رواية عمرو بن الحارث الذي ذكر الواسطة بين عبد الرحمن بن جابر وبين أبي بردة. وكله صحيح. وصحّحه أيضا الدارقطني بعد وقوفه على الاختلاف، وجنح إلى ما جنح إليه صاحبا الصحيح والحمد لله رب العالمين. وله شاهد ضعيف وهو ما روي عن أبي هريرة مرفوعا: "لا تعزروا فوق عشرة أسواط" رواه ابن ماجه (٢٦٠٢) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا عبّاد بن كثير، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وعبّاد بن كثير هو الثقفي البصري ضعيف باتفاق أهل العلم حتى قال أحمد: "روى أحاديث كذب". • عن ابن عمر أنهم كانوا يُضربون على عهد النبي ﷺ إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانهم حتى يُؤووه إلى رحالهم. صحيح: رواه البخاري في الحدود (٦٨٥٢) عن عياش بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر فذكره. • عن عائشة أنها قالت: ما خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما. فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تُنتهك حُرمة الله . متفق عليه: رواه مالك في حسن الخلق (٢) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته. ورواه البخاري في المناقب (٣٥٦٠) ومسلم في الفضائل (٢٣٢٧) كلاهما من طريق مالك به. قال الترمذي بعد أن أخرج حديث أبي بردة الأنصاري (١٤٦٣): "وقد اختلف أهل العلم في التعزير وأحسن شيء روي في التعزير هذا الحديث". وقال بظاهره أحمد في المشهور عنه، وقال مالك والشافعي: "تجوز الزيادة على العشر". انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٧/ ٤٠٤ - ٤١٠). وخلاصته أن التعزير على قدر عظم الذنب وصغره قد يبلغ حد القتل إن كان فساده لا يزول إلا به، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأن الفساد يتجدد ولا نهاية له. قلت: مثل مهربي المخدرات، ومغتصبي الفتيات، ومروجي الدعارات. ٢ - باب ما جاء في السحر قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].

стр. 4296

وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] والنفاثات: السواحر. رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من عقد عقدة، ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه. رواه النسائي (٤٠٧٩) والطبراني في الأوسط (١٤٩٢) كلاهما من حديث أبي داود الطيالسي قال: حدثنا عباد بن ميسرة المنْقري، عن الحسن، عن أبي هريرة فذكره. والحسن هو الإمام البصري مدلس ولم يسمع من أبي هريرة. وعباد بن ميسرة المنْقري ضعيف، ضعفه الإمام أحمد وابن معين في رواية وأبو داود. وخالفه أبان وهو بن صالح فرواه عن الحسن مرسلا وهو أوثق من عباد بن مسرة. وهذا أشبه بالصواب. ورُوي عن صفوان بن عسّال أن يهودين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله، فقال: لا تقل له نبي؛ فإنه إن سمعها تقول نبي كانت له أربعة أعين، فأتيا النبي ﷺ ، فسألاه عن قول الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] فقال رسول الله ﷺ : "لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف - شك شعبة -، وعليكم يا معشر اليهود، خاصة ألا تعتدوا في السبت، فَقبَّلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي، قال: "فما يمنعكما أن تسلما؟ ، قالا: إن داود دعا الله أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود. رواه الترمذي (٣١٤٤) والنسائي (٤٠٧٨) وابن ماجه (٣٧٠٥) وصحّحه الحاكم (١/ ٩) والبيهقي (٨/ ١٦٦) كلهم من طرق عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عسّال قال: فذكره، واللفظ للترمذي. وإسناده ضعيف من أجل عبد الله بن سلمة المرادي الكوفي، لم يرو عنه إلا عمرو بن مرة، وأبو إسحاق السبيعي. قال الإمام أحمد: لا أعلم روى عنه غيرهما، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه، وقال أبو حاتم: "يعرف وينكر". وقال شعبة عن عمرو بن مرة: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا فيعرف وينكر. قلت: قوله: تسع آيات بينات خطأ، فإن الذي ذكره في هذا الحديث ليست هي الآيات التسعة التي جاء ذكرها في القرآن، بل إنما هي من الوصايا والأحكام. وثبت عن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أنه كتب لجزء بن معاوية عم الأحنف قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر، وفي رواية: ساحر وساحرة. رواه أحمد (١٦٥٧) وأبو داود (٣٠٤٣) وأبو يعلى (٨٩٠) وابن الجارود (١١٠٥) والبيهقي (٨/ ١٣٦) كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة بن عبدة يقول: كنت

стр. 4297

كاتبا لجزء بن معاوية. فأتانا كتاب عمر قبل موته بسنة يقول فيه: فذكره في سياق طويل. وهو في صحيح البخاري (٣١٥٦) من هذا الوجه غير أنه لم يذكر "قتل الساحر". وعن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرتها، واعترفت بذلك. فأمرتْ بها عبد الرحمن بن زيد فقتلها. فأنكر ذلك عليها عثمان. فقال ابن عمر: ما تنكر على أم المؤمنين من امرأة سحرت، واعترفت، فسكت عثمان. رواه عبد الرزاق (١٠/ ١٨٠ - ١٨١) والبيهقي (٨/ ١٣٦) كلاهما من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكر إلا أن عبد الرزاق شك كونه عبد الله بن عمر أو عبيد الله بن عمر. وفي سنن البيهقي: فبلغ ذلك عثمان فغضب. فأتاه ابن عمر فقال: جاريتها سحرتها، أقرت بالسحر، وأخرجته، قال: فكف عثمان. وكأنه إنما كان غضبه لقتلها إياها بغير أمره. وفيه دليل على أنه ليس لكل واحد أن يقتل، بل لا بد من الرفع إلى السلطان. وقيد الشافعي في قتل الساحر إن كان سحره كفرًا، أو شركًا. ولكن الذي نعرفه أن السحر كله كفر وشرك، فإن الساحر يعمل عمل الكفر والشرك في تأثير السحر، ويستخدم لذلك الشياطين ومردة الجن، وهم يأمرونه بالمعصية والشرك بالله، فإن لم يقبل أمرهم يقتلونه. وقد حكي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد: أن السحر كفر، وأن الساحر من أهل الذمة لا يقتل إلا إذا تعدى فساده بأن قتل بسحره أحدا فيقتل قصاصًا، وأما الساحر من المسلمين فيقتل لكفره ولا يستاب وبه قال أحمد وجماعة. وفي الباب ما روي عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "حد الساحر ضرية بالسيف". رواه الترمذي (١٤٠٦) وابن أبي عاصم في الديات (٢٣٦) والدارقطني (٣/ ١١٤) والحاكم (٤/ ٣٦٠) والبيهقي (٨/ ١٣٦) كلهم من حديث أبي معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب، فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه". وإسماعيل بن مسلم العبدي البصري قال وكيع: "هو ثقة، ويُروى عن الحسن أيضا، والصحيح عن جندب موقوف". وقال أيضا: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم وهو قول مالك بن أنس. وقال الشافعي: "إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر، فإذا عمل عملا دون الكفر لم نر عليه قتلًا". وكذلك ضعّفه أيضا البيهقي فقال: إسماعيل بن مسلم ضعيف. وأما الحاكم فقال: "هذا

стр. 4298

حديث صحيح الإسناد، وإن كان الشيخان تركاحديث إسماعيل بن مسلم فإنه غريب صحيح". قلت: القول ما قال به جمهور أهل العلم وهو أن إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق ضعيف بالاتفاق. ورواه ابن عيينة، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن قال النبي ﷺ : "حد الساحر ضربة بالسيف" رواه عبد الرزاق (١٠/ ١٨٤) عن ابن عيينة فذكره مرسلًا. وفي المصنف أيضا ما روي عن يزيد بن رومان أن النبي ﷺ أتي بساحر فقال: "أحبسوه، فإن مات صاحبه، فاقتلوه". وفيه انقطاع. واختلف في توبته فقال مالك: لا يستتاب، ولا تقبل توبته، بل يتحتم قتله. وقال الشافعي: "فإن تاب قبلت توبته". ولا خلاف بين أهل العلم أن عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (٧/ ١٥٩). • * *

стр. 4299

٣٤ - كتاب المرتد وشاتم الرسول ١ - باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٨٦]. • عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة". متفق عليه: رواه البخاري في الديّات (٦٨٧٨) ومسلم في القسامة (١٦٧٦) كلاهما من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، فذكره. • عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "والذي لا إله غيره، لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إلا الله، وأنّي رسول الله، إلا ثلاثة نفر: التارك للإسلام المفارق للجماعة، والثيب الزاني، والنفس بالنفس". صحيح: رواه مسلم في القيامة (٢٦: ١٦٧٦) عن أحمد بن حنبل ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله فذكره. قال الأعمش: "فحدثتُ به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة بمثله". • عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محاربا لله ورسوله فإنه يُقتل أو يُصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسًا فيقتل بها، وفي رواية: "رجل يخرج من الإسلام يحارب الله ورسوله فيقتل". صحيح: رواه أبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي (٤٠٤٨)، والدارقطني (٣/ ٨١)، والحاكم (٤/ ٣٦٧)، والبيهقي (٨/ ٢٨٣) كلهم من طريق إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد بن عمير، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح.

стр. 4300

قال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين". • عن عائشة أنها قالت للأشتر: أنت الذي أردت قتل ابن أختي؟ قال: قد حرصتُ على قتله، وحرص على قتلي. قالت: أو ما علمت ما قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم رجل إلا رجل ارتد، أو ترك الإسلام، أو زنى بعد ما أحصن، أو قتل نفسا بغير نفس". حسن: رواه أحمد (٢٥٤٧٧) عن عبد الرحمن (ابن مهدي) عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن غالب، عن عائشة فذكرته. ورواه النسائي (٤٠١٧) والطحاوي في مشكله (١٨٠٨) كلاهما من حديث سفيان إلا أن النسائي لم يذكر قصة الأشتر. قلت: اختلف على أبي إسحاق السبيعي فرواه سفيان الثوري وجماعة عن أبي إسحاق السبيعي موصولًا. ورواه إسماعيل بن أبان الغنوي وحماد بن زيد وغيرهما عن أبي إسحاق السبيعي مرسلا عن عائشة. قال الدارقطني في "علله" (١٤/ ٣٨٥): "والصواب قول الثوري ومن معه". قلت: إسناده حسن من أجل الاختلاف في عمرو بن غالب غير أنه حسن الحديث. وقد وثقه النسائي وابن حبان، وصحح له الترمذي حديثا في سننه. • عن عكرمة، قال: أُتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله ﷺ : "لا تعذبوا بعذاب الله" ولقتلتهم القول رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". صحيح: رواه البخاري في استتابة المرتدين (٦٩٢٢) عن أبي النعمان محمد بن الفضل، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، فذكره. ورواه أبو داود (٤٣٥١) وزاد في آخره من كلام علي "ويح ابن عباس" والترمذي (١٤٥٧) وقال في آخره من كلام علي: "صدق ابن عباس ولفظ "ويح" أصله للدعاء عليه، ومعناه: المدح الله والإعجاب بقوله كما قال الخطابي. • عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". صحيح: رواه النسائي (٤٠٦٥) وأحمد (٢٩٦٦) وصححه ابن حبان (٤٤٧٥) والبيهقي (٨/ ٢٠٢) كلهم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس أن عليا أتي بأناس من الزُّطِّ يعيدون وثنا فأحرقهم. فقال ابن عباس فذكر الحديث. وإسناده صحيح. وقوله: "الزُّط": بضم الراء ونشيد الطاء. هم جنس من السودان والهنود. وقوله: "يعبدون وثنا": أي بعدما أسلموا. وقوله: "أحرقهم": أي من رأي واجتهاد، ولذا لما بلغه حديث ابن عباس استحسنه ورجع إليه.

стр. 4301

• عن أبي موسى الأشعري قال: أقبلت إلى رسول الله ﷺ ومعي رجلان من الأشعرين أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول الله ﷺ يستاك، فكلاهما سأل، فقال: يا أبا موسى، - أو يا عبد الله بن قيس - قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل. فكأني أنظر إلى سواكهـ تحت شفته قلصت، فقال: لن أولا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس إلى اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة قال: انزل، فإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود. قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات)، فأمر به فقتل. ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي. متفق عليه: رواه البخاري في استتابة المرتدين (٦٩٢٣) ومسلم في الإمارة (١٥: ١٧٢٣) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد القطان، حدّثنا قرة بن خالد، حدثني حميد بن هلال، حدثني أبو بردة، قال: قال أبو موسى، فذكره. • عن أنس أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر. فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: "اقتلوه". متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٦٢) عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك فذكره. ورواه البخاري في الجهاد (٣٠٤٤) ومسلم في الحج (١٣٥٧) كلاهما من حديث مالك بن أنس فذكره. وذكر أهل المغازي أن جريمته أن رسول الله ﷺ استعمله على الصدقة، وأصحبه رجلا يخدمه، فغضب على رفيقه لكونه لم يصنع له طعاما أمره بصنعه، فقتله، ثم خاف أن يُقتل فارتد، واستاق إبل الصدقة، وأنه كان يقول الشعر يهجو به رسول الله ﷺ ، ويأمر جاريتيه أن تغنيا به. ذكره الواقدي في مغازيه (٢/ ٨٥٩ - ٨٦٠)، وابن هشام في سيرته (٤/ ٥١ - ٥٢). فقد جمع هذا اللعين ثلاث جرائم وكلها مبيحة للدم: قتل النفس، والردة، والهجاء. • عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرْح يكتب لرسول الله ﷺ فأزلّه الشيطان، فلحق بالكفار. فأمر به رسول الله ﷺ أن يُقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله ﷺ . حسن: رواه أبو داود (٤٣٥٨) والنسائي (٤٠٦٩) كلاهما من حديث علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره واللفظ لأبي داود. وأما لفظ النسائي: فقال ابن عباس في سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ

стр. 4302

أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] فنسخ واستثنى من ذلك فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] وهو عبد الله بن سعد بن أبي السرح، الذي كان على مصر، كان يكتب لرسول الله ﷺ ، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله ﷺ . وإسناده حسن من أجل علي بن حسين وأبيه فإنهما حسنا الحديث. وقصته مستفيضة في كتب المغازي والسير، ومنها ما رواه أبو داود، وهو الآتي: • عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرْح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك يأبى. فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله" فقالوا: ما ندري يا رسول الله، ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك! قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين". صحيح: رواه أبو داود (٤٣٥٩) والنسائي (٤٠٦٧) كلاهما من حديث أحمد بن المفضل، حدثنا أسباط بن نصر، قال زعم السدي، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص فذكره. وإسناده صحيح واللفظ لأبي داود. وأما النسائي فرواه بأبسط من هذا فقال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح". فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر. فسبق سعيدٌ عمارًا. وكان أشبّ الرجلين فقتله. وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه. وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصف. فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا غني عنكم شيئًا هاهنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجّني من البحر إلا الإخلاص لا ينجّني في البر غيره. اللهم إن لك عليّ عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى اضع يدي في يده. فلأجدنّه عفوا كريما. فجاء فأسلم. وأما عبد الله بن أبي السرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان. فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله فذكر بقية القصة. هذه قصة ابن أبي سرْح أنه أسلم، ثم ارتد ولحق بأهل مكة، وبدأ يفتري على الله ورسوله فأمر رسول الله ﷺ بقتله.

стр. 4303

وأما ما ذكر في كتب التفسير أنه ﷺ إذا أملى عليه: "سميعا عليمًا" فكتب عليما حكيما" وإذا قال: "عليما حكيما" كتب "سميعا عليما" فشك وكفر وقال: إن كان محمد يوحى إليه، فقد أوحي إلي، وإن كان الله ينزله، فقد أنزلتُ مثل ما أنزل الله، قال محمد: "سميعا عليما" فقلت أنا: "عليما حكيما" فلحق بالمشركين. ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي - أو لبني عبد الدار، فأخذوهم، فعُذّبوا حتى كفروا، وجدع أذن عمار يومئذ فانطلق عمار إلى النبي ﷺ ، فأخبره بما لقي، والذي أعطاهم من الكفر، فأبى النبي ﷺ أن يتولاه، فأنزل الله في شأن ابن أبي سرح وعمار وأصحابه من كفر بالله من بعد إيمانه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] فالذي أكره عمار وأصحابه، والذي شرح بالكفر صدرًا ابن أبي سرح. فهو ضعيف. رواه ابن جرير الطبري - سورة الأنعام: آية ٩٣ - عن محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٤٣] قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرْح، أسلم وكان يكتب للنبي ﷺ فكان إذا أملى عليه: "سميعًا عليمًا ... فذكره. وإسناده معضل. وفيه أسباط وهو ابن نصر الهمداني. قال النسائي: "ليس بالقوي، وضعّفه أبو نعيم، وتوقف أحمد، ولكن وثّقه ابن معين"، وقال البخاري: "صدوق". وكذلك روي نحوه من طريق ابن جريج، عن عكرمة. وابن جريج لم يسمع من عكرمة، وفيه إرسال. ونظرًا لضعف هذه الروايات لم يذكرها ابن كثير كعادته من سرد روايات ابن جرير الطبري. وأما ما رُوي عن جابر بن عبد الله قال: ارتدت امرأة عن الإسلام. فأمر رسول الله ﷺ أن يعرضوا عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا قُتلت. فعرض عليها الإسلام فأبت أن تُسلم، فقتلت. واسمها أم مروان. فهو ضعيف. رواه الدارقطني (٣/ ١١٩) من وجهين عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٤/ ٤٩): "وإسنادهما ضعيفان". وكذلك لا يصح ما روي عن عائشة أن امرأة ارتدت يوم أحد فأمر النبي ﷺ أن تُستتاب، فإن تابت وإلا قتلت. رواه الدارقطني أيضا من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة فذكرته. قال الحافظ ابن حجر: "وروي من وجه آخر ضعيف عن الزهري ... ". ويستفاد من هذه الأحاديث أن المرتدة حكمها حكم المرتد. وقد ثبت أن أبا بكر قتل امرأة في خلافته ارتدت، والصحابة متواجدون، فلم ينكر ذلك عليه أحد. وقال به ابن عمر والزهري وإبراهيم النخعي كما قال البخاري، وإليه ذهب جمهور أهل العلم:

стр. 4304

مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. واستدلوا أيضا بعموم قول النبي ﷺ : من بدّل دينه فاقتلوه" يدخل فيه الرجال والنساء. ووقع في حديث معاذ أن النبي ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له: "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها" قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٢/ ٢٧٢)، وسنده حسن. وقال أبو حنيفة: "تُجبر على الإسلام، ولا تُقتل. وإجبارها يكون بحبسها إلى أن تُسلم أو تموت". وتمسك أيضا بعموم النهي عن قتل النساء في الحرب "لا تقتلوا المرأة". ٢ - باب ما جاء في توبة المرتد قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]. • عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ولحق بالشرك، ثم تندم، فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن فلانا قد ندم وأنه أمرنا أن نسألك: هل له من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ - إلى قوله - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩]. فأرسل إليه فأسلم. صحيح: رواه النسائي (٤٠٦٨) والحاكم (٤/ ٣٦٦) كلاهما من طريق داود وهو ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٣١): أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي ﷺ ، ثم كفر الحارث، فرجع إلى قومه، فأنزل الله : ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩] قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه. فقال الحارث: إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق الثلاثة قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه. وإسناده منقطع. وروى مالك في الأقضية (١٨) عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري، عن أبيه، أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري، فسأله عن الناس فأخبره، ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مغرّبةٍ خبرٌ؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه. قال: فما فعلتم

стр. 4305

به قال: قرّبناه فضربنا عنقه. فقال عمر: أفلا حبسمتوه ثلاثًا، وأطعمتوه كل يوم رغيفًا، واستَتَبْتُموه لعله يتوب ويراجع أمر الله. ثم قال عمر: اللَّهم إن لم أحضر ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني. ورواه الشافعي عن مالك، وعنه البيهقي (٨/ ٢٠٦). قال الشافعي: "من لم يتأنّ به زعم أن الذي روي عن عمر ليس بثابت، لأنه لا يعلمه متصلًا. وتعقبه ابن التركماني فقال: "أخرج هذا الأثر عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة كلاهما عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد القارئ، عن أبيه، فعلى هذا هو متصل، لأن عبد الرحمن بن عبد سمع عمر". قلت: عبد الله بن عبد - بغير إضافة - القاري - بتشديد الياء وعبد الرحمن بن عبد لهما رؤية، وقد قيل: لهما صحبة. وقوله: "مغرية خبر" أي هل هناك خبر جديد، جاء من البلاد النائية. ويستفاد من الآية والحديث والآثار أن المرتد يستاب وبه قال جمهور أهل العلم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. وبه قال عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم. وفسروا قول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه، أي إذا لم يرجع إلى الحق بعد التوبة، وأنه لا يقتل في الحال. وفي المسألة أقوال أخرى ذكرها ابن المنذر في الأوسط (١٣/ ٤٦٠) غير أن الصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم. ٣ - باب إقامة الحدّ على المحاربين ونوعه قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. • عن أنس، أن نفرًا من عكل ثمانيةً، قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام فاستوخموا الأرض وسقمتْ أجسامُهم. فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها؟ " فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحّوا. فقتلوا الراعي وطردوا الإبل. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم. فأُدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسُمرتْ أعينهم. ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا. وفي رواية: فأمر بمسامير فأُحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم، ثم أُلقوا في الحرة يستسقون، فما سُقوا حتى ماتوا. قال أبو قلابة: سرقوا وقتلوا وحاربوا الله ورسوله. متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (١٨٠٤) ومسلم في القسامة (١٦٧١/ ١٠) كلاهما من

стр. 4306

طريق أبي قلابة، حدثني أنس، فذكره. والسياق لمسلم. والرواية الثانية للبخاري. ورواه البخاري من وجه آخر عن سعيد، عن قتادة، أن أنسا حدثهم فذكر نحوه (٤١٩٢). وفيه: قال قتادة: بلغنا أن النبي ﷺ بعد ذلك كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة. وهذا البلاغ سيأتي موصولا في الباب الذي يليه. • عن عائشة قالت: إن قومًا أغاروا على لقاح رسول الله ﷺ فقطع النبي ﷺ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينَهم. حسن: رواه النسائي (٤٠٣٨) وابن ماجه (٢٥٧٩) كلاهما عن محمد بن المثنى وقرنه ابن ماجه بمحمد بن بشار عن إبراهيم بن أبي الوزير، قال: حدثنا الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وإسناده حسن من أجل الدراوردي، وهو وُصف بالخطأ إلا أنه توبع. فرواه النسائي (٤٠٣٧) من وجه آخر عن مالك بن سُعير، عن هشام بإسناده نحوه ومالك بن سُعير لا بأس به في المتابعات. وقد رُوي مرسلا، وهو لا يُعل ما جاء موصولا. ٤ - باب النهي عن المثلة • عن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: نهى النبي ﷺ عن النبي والمثلة. صحيح: رواه البخاري في المظالم (٢٤٧٤) عن آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا عدي بن ثابت، سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري وهو جده أبو أمه، قال: فذكر الحديث. وقوله: وهو جده أبو أمه: أي جد عدي بن ثابت لأمه، والنهبة هو أخذ المال قهرًا. • عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة. صحيح: رواه النسائي (٤٠٤٧) عن محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا هشام (هو الدستوائي)، عن قتادة، عن أنس فذكره. ورواه أبو داود (٤٣٦٨) من وجه آخر عن هشام بإسناده في قصة عرينة وزاد: ثم نهى عن المثلة. وإسناده صحيح. وذكرُ أبي داود النهي عن المثلة في قصة عُرينة يدل على أن قتادة كان يذكره موصولا وبلاغًا. وهذا خلاف للحافظ ابن حجر الذي يرى أن النهي عن المثلة إدراج، وأن هذا القدر من الحديث لم يسنده قتادة عن أنس. الفتح (٧/ ٤٠٩). • عن الهياج بن عمران، أن عمران أبق له غلام، فجعل الله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده. فأرسلني لأسأل له فأتيت سمرة بن جندب فسألته فقال كان نبي الله ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة. فأتيت عمران بن حصين فسألته، فقال: كان

стр. 4307

رسول الله ﷺ يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة. حسن: رواه أبو داود (٢٦٦٧) عن محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن الهياج بن عمران فذكره. وإسناده حسن، من أجل الهياج بن عمران فإنه وثقه ابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات. وأما قول الحافظ: "مقبول" فالصواب أنه صدوق. ولذا قال في الفتح (٧/ ٤٥٩): "وإسناد هذا الحديث قوي، وقال: هياج بن عمران البصري وثّقه ابن سعد، وابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح". وقال: وأخرجه أحمد من طريق سعيد، عن قتادة بهذا الإسناد إلى عمران بن حصين، وفيه قصة". ٥ - باب الحكم فيمن سبّ النبي ﷺ • عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولده كانت تشتم رسول الله ﷺ ، وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ ، وتشتمه، فأخذ المغولَ فوضعه في بطنها، واتكأ عليه فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هنالك بالدم، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمع الناس فقال: "أنشد الله رجلًا فعل ما فعل، لي عليه حق إلا قام" فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك، وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ : "ألا اشهدوا أن دمها هدر". حسن: رواه أبو داود (٤٣٦١) والنسائي (٤٠٧٠) وابن أبي عاصم في الديات (٢٩٩)، والدارقطني (٣/ ١١٢)، والحاكم (٤/ ٣٥٤) كلهم من طريق إسرائيل، عن عثمان الشحام، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل عثمان الشحّام العدوي أبو سلمة البصري. يقال اسم أبيه ميمون، أو عبد الله، وهو مختلف فيه. وثّقه أبو داود، وقال أحمد: "ليس به بأس" وقال أبو زرعة: "ما أرى بحديثه بأسا" وقال النسائي: "ليس بالقوي". والمِغول: بكسر الميم، وسكون الغين. قال الخطابي: "شبه المِشْمَل، نصله دقّيق ماضٍ"، والمشمل السيف القصير، وسمي بذلك لأنه يشتمل عليه الرجل أي يغطيه بثوبه. • عن جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف، فإنه

стр. 4308

آذى الله ورسوله؟ " فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله! أتحبُّ أن أقتله؟ قال: "نعم" فذهب فقتله. متفق عليه: رواه البخاري في الرهن (٢٥١٠) ومسلم في الجهاد (١٨٠١) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو، عن جابر فذكره مختصرا ومطولا. • عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر ﵁، فتغيظ على رجل فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله ﷺ أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل فأرسل إلي فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلًا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله ما كانت لبشر بعد محمد ﷺ . صحيح: رواه أبو داود (٤٣٦٣) والنسائي (٤٠٧٧) وأحمد (٦١) وابن أبي عاصم في الديات (٣٠٢) كلهم من طريق يزيد بن زريع، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مطرف، عن أبي برزة فذكره. قال النسائي: هذا الحديث أحسن الحديث وأجودها". وقال الدارقطني أيضا في العلل (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧): رواه يونس بن عبيد فجوّد إسناده. قلت: فيه عبد الله بن مطرف وهو ابن الشخير صدوق إلا أنه توبع. فقد رواه النسائي (٤٠٧١) وأحمد (٥٤) والحاكم (٤/ ٣٥٤) كلهم من طرق عن شعبة، عن توبة العنبري قال: سمعت أبا سوار القاضي يقول: عن أبي برزة الأسلمي، قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق قال: فقال أبو برزة: ألا أضرب عنقه؟ فانتهره وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله ﷺ . وللحديث طرق أخرى ذكرها ابن أبي عاصم والدارقطني في العلل وغيرهما. قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل: أي لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله ﷺ : "كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفسه وكان للنبي أن يقتل (أي من سبّه). وذكر هذا القول الخطابي أيضا في معالمه فقال: أخبرني الحسن بن يحيى، عن ابن المنذر قال: قال أحمد بن حنبل فذكر مثله. وهو في الأوسط لابن المنذر (١٣/ ٤٨٥). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد استدل به على جواز قتل ساب النبي ﷺ جماعة من العلماء، منهم: أبو داود، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر بن عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى وغيرهم من العلماء. وذلك لأن أبا برزة لما رأى الرجل قد شتم أبا بكر، وأغلظ له حتى تغيّظ أبو بكر استأذنه في أن يقتله بذلك، وأخبره أنه لو أمره لقتله، فقال أبو بكر: ليس لأحد بعد النبي ﷺ . وقال "فقد تضمن الحديث خِصيصتين لرسول الله ﷺ .

стр. 4309

إحداهما: أنه يطاع في كل من أمر بقتله (أي بخلاف غيره فإنه لا يطاع في كل من أمر بقتله إلا بحقه) والثانية: أن له أن يقتل من شتمه وأغلظ له. وهذا المعنى الثاني الذي كان له باق في حقه بعد موته، فكل من شتمه، أو أغلظ في حقه كان قتله جائزا بل بعد موته أوكد وأوكد، لأن حرمته بعد موته أكمل، والتساهل في عرضه بعد موته غير ممكن. وهذا الحديث يُفيد أن سبّه في الجملة يبيح القتل، ويستدل بعمومه على قتل الكافر والمسلم. انتهى. انظر: الصارم المسلول علي شاتم الرسول ﷺ (ص ١٢٨ - ١٢٩). وكذلك من شتم نبيا من أنبياء الله يقتل ولا يستتاب. قلت: قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن حدّ من سب النبي ﷺ القتلُ. وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. وقال: وحكي عن النعمان (أبو حنيفة): "لا يُقتل، يعني الذي هم عليه من الشرك أعظم" الإجماع (ص ١٤٤) وانظر أيضا الأوسط له (١٣/ ٤٨٣). لأن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: لا ينتقض العهد بالسب، ولا يُقتل الذمي بذلك، لكن يعزر على إظهار ذلك كما يعزر على إظهار المنكرات. ومن التعزير إذا رأى الإمام أن يَقْتل من سبّ النبي ﷺ قتله سياسة لا حدًّا. وأما المسلم إن سب النبي ﷺ فإنه يكفر بذلك، ويقتل بغير الخلاف وبه قال الأئمة الأربعة وغيرهم. قال الخطابي: "لا أعلم أحدًّا من المسلمين اختلف في وجوب قتله". وأما ما روي عن علي ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها فهو منقطع. رواه أبو داود (٤٣٦٢) عن عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الجراح، عن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي فذكره. اختلف في سماع الشعبي من علي بن أبي طالب فأثبت سماعه البخاري في صحيحه (٦٨١٢) عن آدم، حدثنا شعبة، حدثنا سلمة بن كهيل، قال: سمعت الشعبي يحدث عن علي ﵁ حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: قد رجمتها بسنة رسول الله ﷺ . وقد سئل الدارقطني في العلل (٤/ ٩٧) فقال: "سمع منه حرفا ما سمع غير هذا" هو يشير إلى ما ذكره البخاري. وينفي عنه سماعه مطلقا. وكذلك قال أحمد: إن روايته عن علي ليست بشيء. المراسيل (٢٩٠). وكذلك لا يصح ما روي عن عمير بن أمية، أنه كانت له أخت، وكان إذا خرج إلى النبي ﷺ آذتْه وشتمت النبي ﷺ ، وكانت مشركة، فاشتمل لها يومًا على السيف، ثم أتاها فوضعه عليها فقتلها، فقام بنوها فصاحوا وقالوا: قد علمْنا من قتلها، فتُقْتل أمنا؟ وهؤلاء قوم لهم آباء وأمهات

стр. 4310

مشركون، فلما خاف عمير أن يقتلوا غير قاتلها ذهب إلى النبي ﷺ في فأخبره، فقال: "أقتلت أختك؟ " قال: نعم، قال: "ولم؟ " قال: لأنها كانت تؤذيني فيك، فأرسل النبي ﷺ إلى بنيها فسألهم، فسموا غير قاتلها، فأخبرهم بي وأهدر دمها، فقالوا: سمعًا وطاعةً. رواه ابن أبي عاصم في الديات (٣١٠) والطبراني في الكبير (١٧/ ٦٤) كلاهما من حديث يعقوب بن حميد، نا عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب، أن يزيد بن أبي حبيب حدثه أن أسلم بن يزيد وزيد بن إسحاق حدثاه عن عمير بن أمية فذكره. وإسناده ضعيف من أجل يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، وقد ينسب إلى جده، جمهور أهل العلم على تضعيفه. قال العقيلي عن زكريا بن يحيى الحلواني: "رأيت أبا داود السجستاني قد جهل حديث يعقوب بن كاسب، وقال: مات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبنا بالأصول فدافعنا، ثم أخرجها بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها". وفي الإسناد أيضا أسلم بن يزيد، وكذلك زيد بن إسحاق وقيل: يزيد بن إسحاق وبعض هؤلاء من المجهولين. ولم يضبطهم الرواة. ولعله يعود ذلك إلى يعقوب بن حميد فإنه كثير الخطأ ويروي الغرائب والعجائب. ٦ - باب من افترى على النبي ﷺ • عن أنس قال: كان رجل نصرانيًا، فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران. فكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانيا فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له. فأماته الله فدفنوه. فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم. نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه. فحفروا له، وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا. فأصبح قد لفظته الأرض. فعلموا: أنه ليس من الناس فألقوه. متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦١٧) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس فذكره. وأخرجه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٨١) من وجه آخر عن أنس بن مالك وزاد فيه قوله: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ : فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب فرفعوه وقالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به. فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم فحفروا له فواروه، وذكر في دفنه ثلاث مرات ثم قال: فتركوه منبوذًا". قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فهذا الملعون الذي افترى على النبي ﷺ أنه ما كان
следующие страницы →