Полный текст (8 687 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
طريق أبي قلابة، حدثني أنس، فذكره. والسياق لمسلم. والرواية الثانية للبخاري.
ورواه البخاري من وجه آخر عن سعيد، عن قتادة، أن أنسا حدثهم فذكر نحوه (٤١٩٢). وفيه: قال قتادة: بلغنا أن النبي ﷺ بعد ذلك كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة. وهذا البلاغ سيأتي موصولا في الباب الذي يليه.
• عن عائشة قالت: إن قومًا أغاروا على لقاح رسول الله ﷺ فقطع النبي ﷺ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينَهم.
حسن: رواه النسائي (٤٠٣٨) وابن ماجه (٢٥٧٩) كلاهما عن محمد بن المثنى وقرنه ابن ماجه بمحمد بن بشار عن إبراهيم بن أبي الوزير، قال: حدثنا الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
وإسناده حسن من أجل الدراوردي، وهو وُصف بالخطأ إلا أنه توبع. فرواه النسائي (٤٠٣٧) من وجه آخر عن مالك بن سُعير، عن هشام بإسناده نحوه ومالك بن سُعير لا بأس به في المتابعات. وقد رُوي مرسلا، وهو لا يُعل ما جاء موصولا.
٤ - باب النهي عن المثلة
• عن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: نهى النبي ﷺ عن النبي والمثلة.
صحيح: رواه البخاري في المظالم (٢٤٧٤) عن آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا عدي بن ثابت، سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري وهو جده أبو أمه، قال: فذكر الحديث.
وقوله: وهو جده أبو أمه: أي جد عدي بن ثابت لأمه، والنهبة هو أخذ المال قهرًا.
• عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة.
صحيح: رواه النسائي (٤٠٤٧) عن محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا هشام (هو الدستوائي)، عن قتادة، عن أنس فذكره.
ورواه أبو داود (٤٣٦٨) من وجه آخر عن هشام بإسناده في قصة عرينة وزاد: ثم نهى عن المثلة. وإسناده صحيح.
وذكرُ أبي داود النهي عن المثلة في قصة عُرينة يدل على أن قتادة كان يذكره موصولا وبلاغًا.
وهذا خلاف للحافظ ابن حجر الذي يرى أن النهي عن المثلة إدراج، وأن هذا القدر من الحديث لم يسنده قتادة عن أنس. الفتح (٧/ ٤٠٩).
• عن الهياج بن عمران، أن عمران أبق له غلام، فجعل الله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده. فأرسلني لأسأل له فأتيت سمرة بن جندب فسألته فقال كان نبي الله ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة. فأتيت عمران بن حصين فسألته، فقال: كان
стр. 4307
رسول الله ﷺ يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة.
حسن: رواه أبو داود (٢٦٦٧) عن محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن الهياج بن عمران فذكره.
وإسناده حسن، من أجل الهياج بن عمران فإنه وثقه ابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأما قول الحافظ: "مقبول" فالصواب أنه صدوق. ولذا قال في الفتح (٧/ ٤٥٩): "وإسناد هذا الحديث قوي، وقال: هياج بن عمران البصري وثّقه ابن سعد، وابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح". وقال: وأخرجه أحمد من طريق سعيد، عن قتادة بهذا الإسناد إلى عمران بن حصين، وفيه قصة".
٥ - باب الحكم فيمن سبّ النبي ﷺ
• عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولده كانت تشتم رسول الله ﷺ ، وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ ، وتشتمه، فأخذ المغولَ فوضعه في بطنها، واتكأ عليه فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هنالك بالدم، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمع الناس فقال: "أنشد الله رجلًا فعل ما فعل، لي عليه حق إلا قام" فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك، وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ : "ألا اشهدوا أن دمها هدر".
حسن: رواه أبو داود (٤٣٦١) والنسائي (٤٠٧٠) وابن أبي عاصم في الديات (٢٩٩)، والدارقطني (٣/ ١١٢)، والحاكم (٤/ ٣٥٤) كلهم من طريق إسرائيل، عن عثمان الشحام، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل عثمان الشحّام العدوي أبو سلمة البصري. يقال اسم أبيه ميمون، أو عبد الله، وهو مختلف فيه. وثّقه أبو داود، وقال أحمد: "ليس به بأس" وقال أبو زرعة: "ما أرى بحديثه بأسا" وقال النسائي: "ليس بالقوي".
والمِغول: بكسر الميم، وسكون الغين. قال الخطابي: "شبه المِشْمَل، نصله دقّيق ماضٍ"، والمشمل السيف القصير، وسمي بذلك لأنه يشتمل عليه الرجل أي يغطيه بثوبه.
• عن جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف، فإنه
стр. 4308
آذى الله ورسوله؟ " فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله! أتحبُّ أن أقتله؟ قال: "نعم" فذهب فقتله.
متفق عليه: رواه البخاري في الرهن (٢٥١٠) ومسلم في الجهاد (١٨٠١) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو، عن جابر فذكره مختصرا ومطولا.
• عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر ﵁، فتغيظ على رجل فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله ﷺ أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل فأرسل إلي فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلًا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله ما كانت لبشر بعد محمد ﷺ .
صحيح: رواه أبو داود (٤٣٦٣) والنسائي (٤٠٧٧) وأحمد (٦١) وابن أبي عاصم في الديات (٣٠٢) كلهم من طريق يزيد بن زريع، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مطرف، عن أبي برزة فذكره.
قال النسائي: هذا الحديث أحسن الحديث وأجودها".
وقال الدارقطني أيضا في العلل (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧): رواه يونس بن عبيد فجوّد إسناده.
قلت: فيه عبد الله بن مطرف وهو ابن الشخير صدوق إلا أنه توبع.
فقد رواه النسائي (٤٠٧١) وأحمد (٥٤) والحاكم (٤/ ٣٥٤) كلهم من طرق عن شعبة، عن توبة العنبري قال: سمعت أبا سوار القاضي يقول: عن أبي برزة الأسلمي، قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق قال: فقال أبو برزة: ألا أضرب عنقه؟ فانتهره وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله ﷺ .
وللحديث طرق أخرى ذكرها ابن أبي عاصم والدارقطني في العلل وغيرهما.
قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل: أي لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله ﷺ : "كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفسه وكان للنبي أن يقتل (أي من سبّه).
وذكر هذا القول الخطابي أيضا في معالمه فقال: أخبرني الحسن بن يحيى، عن ابن المنذر قال: قال أحمد بن حنبل فذكر مثله. وهو في الأوسط لابن المنذر (١٣/ ٤٨٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد استدل به على جواز قتل ساب النبي ﷺ جماعة من العلماء، منهم: أبو داود، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر بن عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى وغيرهم من العلماء. وذلك لأن أبا برزة لما رأى الرجل قد شتم أبا بكر، وأغلظ له حتى تغيّظ أبو بكر استأذنه في أن يقتله بذلك، وأخبره أنه لو أمره لقتله، فقال أبو بكر: ليس لأحد بعد النبي ﷺ . وقال "فقد تضمن الحديث خِصيصتين لرسول الله ﷺ .
стр. 4309
إحداهما: أنه يطاع في كل من أمر بقتله (أي بخلاف غيره فإنه لا يطاع في كل من أمر بقتله إلا بحقه) والثانية: أن له أن يقتل من شتمه وأغلظ له.
وهذا المعنى الثاني الذي كان له باق في حقه بعد موته، فكل من شتمه، أو أغلظ في حقه كان قتله جائزا بل بعد موته أوكد وأوكد، لأن حرمته بعد موته أكمل، والتساهل في عرضه بعد موته غير ممكن.
وهذا الحديث يُفيد أن سبّه في الجملة يبيح القتل، ويستدل بعمومه على قتل الكافر والمسلم. انتهى. انظر: الصارم المسلول علي شاتم الرسول ﷺ (ص ١٢٨ - ١٢٩).
وكذلك من شتم نبيا من أنبياء الله يقتل ولا يستتاب.
قلت: قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن حدّ من سب النبي ﷺ القتلُ. وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي.
وقال: وحكي عن النعمان (أبو حنيفة): "لا يُقتل، يعني الذي هم عليه من الشرك أعظم" الإجماع (ص ١٤٤) وانظر أيضا الأوسط له (١٣/ ٤٨٣).
لأن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: لا ينتقض العهد بالسب، ولا يُقتل الذمي بذلك، لكن يعزر على إظهار ذلك كما يعزر على إظهار المنكرات.
ومن التعزير إذا رأى الإمام أن يَقْتل من سبّ النبي ﷺ قتله سياسة لا حدًّا. وأما المسلم إن سب النبي ﷺ فإنه يكفر بذلك، ويقتل بغير الخلاف وبه قال الأئمة الأربعة وغيرهم.
قال الخطابي: "لا أعلم أحدًّا من المسلمين اختلف في وجوب قتله".
وأما ما روي عن علي ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها فهو منقطع.
رواه أبو داود (٤٣٦٢) عن عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الجراح، عن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي فذكره.
اختلف في سماع الشعبي من علي بن أبي طالب فأثبت سماعه البخاري في صحيحه (٦٨١٢) عن آدم، حدثنا شعبة، حدثنا سلمة بن كهيل، قال: سمعت الشعبي يحدث عن علي ﵁ حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: قد رجمتها بسنة رسول الله ﷺ .
وقد سئل الدارقطني في العلل (٤/ ٩٧) فقال: "سمع منه حرفا ما سمع غير هذا" هو يشير إلى ما ذكره البخاري. وينفي عنه سماعه مطلقا. وكذلك قال أحمد: إن روايته عن علي ليست بشيء. المراسيل (٢٩٠).
وكذلك لا يصح ما روي عن عمير بن أمية، أنه كانت له أخت، وكان إذا خرج إلى النبي ﷺ آذتْه وشتمت النبي ﷺ ، وكانت مشركة، فاشتمل لها يومًا على السيف، ثم أتاها فوضعه عليها فقتلها، فقام بنوها فصاحوا وقالوا: قد علمْنا من قتلها، فتُقْتل أمنا؟ وهؤلاء قوم لهم آباء وأمهات
стр. 4310
مشركون، فلما خاف عمير أن يقتلوا غير قاتلها ذهب إلى النبي ﷺ في فأخبره، فقال: "أقتلت أختك؟ " قال: نعم، قال: "ولم؟ " قال: لأنها كانت تؤذيني فيك، فأرسل النبي ﷺ إلى بنيها فسألهم، فسموا غير قاتلها، فأخبرهم بي وأهدر دمها، فقالوا: سمعًا وطاعةً.
رواه ابن أبي عاصم في الديات (٣١٠) والطبراني في الكبير (١٧/ ٦٤) كلاهما من حديث يعقوب بن حميد، نا عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب، أن يزيد بن أبي حبيب حدثه أن أسلم بن يزيد وزيد بن إسحاق حدثاه عن عمير بن أمية فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، وقد ينسب إلى جده، جمهور أهل العلم على تضعيفه.
قال العقيلي عن زكريا بن يحيى الحلواني: "رأيت أبا داود السجستاني قد جهل حديث يعقوب بن كاسب، وقال: مات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبنا بالأصول فدافعنا، ثم أخرجها بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها".
وفي الإسناد أيضا أسلم بن يزيد، وكذلك زيد بن إسحاق وقيل: يزيد بن إسحاق وبعض هؤلاء من المجهولين. ولم يضبطهم الرواة. ولعله يعود ذلك إلى يعقوب بن حميد فإنه كثير الخطأ ويروي الغرائب والعجائب.
٦ - باب من افترى على النبي ﷺ
• عن أنس قال: كان رجل نصرانيًا، فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران. فكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانيا فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له. فأماته الله فدفنوه. فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم. نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه. فحفروا له، وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا. فأصبح قد لفظته الأرض. فعلموا: أنه ليس من الناس فألقوه.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦١٧) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس فذكره.
وأخرجه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٨١) من وجه آخر عن أنس بن مالك وزاد فيه قوله: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ : فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب فرفعوه وقالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به. فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم فحفروا له فواروه، وذكر في دفنه ثلاث مرات ثم قال: فتركوه منبوذًا".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فهذا الملعون الذي افترى على النبي ﷺ أنه ما كان
стр. 4311
يدري إلا ما كتب له، قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارًا. وهذا أمر خارج عن العادة، يدل كل أحد على أن هذا كان عقوبة لما قاله، وأنه كان كاذبًا، إذ كان عامة الموتى لا يُصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد. إذ عامة المرتدين يموتون، ولا يُصيبهم مثل هذا وأن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه، ومظهر لدينه، ولكذب الكاذب، إذ لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد".
ثم قال ﵀: "ونظير هذا ما حدثنا أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر، وهو ممتنع علينا، حتى نكاد نيأس إذ تعرض أهله لسب رسول الله ﷺ والوقيعة في عرضه، فعجلنا فتحه وتيسر ولم يكد يتأخر إلا يوما أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظا بما قالوه فيه.
وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل الغرب حالهم مع النصاري كذلك، ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده، وتارة بأيدي عباده المؤمنين.
وكذلك لما تمكن النبي ﷺ من ابن أبي سرح أهدر دمه لما طعن في النبوة وافترى عليه الكذب، مع أنه قد آمن جميع أهل مكة الذين قاتلوه وحاربوه أشد المحارية، ومع أن السنة في المرتد أنه لا يقتل حتى يستاب إما وجوبا أو استحبابا.
وسنذكر - إن شاء الله تعالى - أن جماعة ارتدوا على عهد النبي ﷺ ثم دعوا إلى التوبة وعرضت عليهم حتى تابوا فقبلت توبتهم.
وفي ذلك دليل على أن جرم الطاعن على رسول الله ﷺ في الساب له أعظم من جرم المرتد". الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ (ص ١٤٨).
• * *
стр. 4312
٣٥ - كتاب الأيمان والنذور
جموع أبواب ما جاء في الأيمان
١ - باب ما جاء في حفظ الأيمان
قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
روى عبد الرزاق (١٥٩٢٩) عن الثوري، عن أبي سلمة، عن وبرة قال: قال عبد الله: - لا أدري ابن مسعود أو ابن عمر - "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا". وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٧): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح".
٢ - باب في الحلف بصفة من صفات الله تعالى
قال الله تعالى مخبرا عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [سورة ص: ٨٢ - ٨٣].
• عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : "لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزّتك، ويُزْوى بعضها إلى بعض".
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٦١) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٣٧: ٢٨٤٨) كلاهما من طريق شيبان، عن قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، فذكره.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " ... ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا رب قد نشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها، فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلّك إن أعطيتك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره .. " الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٧٣) ومسلم في الإيمان (٢٩٩: ١٨٢) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة. فذكر الحديث بطوله.
• عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل ﵇ إلى الجنة، فقال: انظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر
стр. 4313
إليها، فرجع، فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها، فحفّت بالمكاره، فقال: اذهب إليها، فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فإذا هي قد حفت بالمكاره، فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب فانظر إلى النار، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضًا، فرجع، فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد، فأمر بها، فحفّت بالشهوات، فقال: ارجع فانظر إليها، فنظر إليها، فإذا هي قد حفت بالشهوات، فرجع، وقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها".
حسن: رواه النسائي (٣٧٦٣) والترمذي (٢٥٦٠) وأحمد (٨٣٩٨) كلهم من حديث محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي حسن الحديث.
وقال الترمذي: "حسن صحيح".
٣ - باب القسم بـ "وأيم الله "
• عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ بعْثًا، وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمْرته، فقام رسول الله ﷺ فقال: إن كنتم تطعنون في إمْرته، فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ الناس إليّ بعده".
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٢٧) ومسلم في الفضائل (٦٣: ٢٤٢٦) كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يقول، فذكره.
ورواه مسلم من طريق سالم بن عمر عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر: "إن تطعنوا في إمارته - يريد أسامة بن زيد - فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله إن كان لخليقًا لها، وأيم الله إن كان لأحبّ الناس إلي، وأيم الله إن هذا لها لخليق - يريد أسامة بن زيد -، وأيم الله إن كان لأحبّهم إليّ من بعده، فأوصيكم به فإنه من صالحيكم".
٤ - باب القسم بـ "وأيم الذي نفس محمد بيده "
• عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "قال سليمان: لأطوفنّ الليلة على تسعين امرأة، كلهنّ تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فطاف عليهنّ جميعًا فلم يحْمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وأيم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله
стр. 4314
فرسانًا أجمعون".
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٣٩) ومسلم في الأيمان والنذور (٢٥: ١٦٥٤) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة فذكره.
٥ - باب القسم بـ "والذي نفسي بيده "
• عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدّريّ الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: "بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٥٦) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٣١) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
• عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإن هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتُنفقنّ كنوزهما في سبيل الله".
متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (٣١٢١) ومسلم في الفتن (٢٩١٩) كلاهما من حديث جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة فذكره واللفظ للبخاري.
٦ - باب القسم بـ "لعمْرُ الله "
• عن عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله، فقام النبي ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أبي، فقام أسيد بن حضير، فقال لسعد بن عبادة: لعمْر الله لنقتلنَّه.
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٦٢) ومسلم في التوبة (٥٦: ١٧٧٠) من طريق عن الزهري، سمعت عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله، وكلّ حدثني طائفة من الحديث، فذكره والسياق للبخاري في هذا الموضع، وهو عند مسلم بطوله وتمامه.
٧ - باب الحلف بـ "لا ومقلب القلوب "
• عن عبد الله بن عمر قال: كثيرا ما كان رسول الله ﷺ يحلف بهذه اليمين: "لا ومقلب القلوب".
صحيح: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٢٨) عن محمد بن يوسف، عن سفيان، عن
стр. 4315
موسى بن عقبة، عن سالم، عن عبد الله بن عمر فذكره.
٨ - باب القسم بـ "ورب الكعبة "
• عن أنس بن مالك أبي ذرّ قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: "هم الأخسرون، ورب الكعبة" قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقارّ أن قمت، فقلت: يا رسول الله، فداك أبي وأمي من هم؟ قال: "هم الأكثرون أموالًا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا (من بين يديه ومن خلفه عن يمينه وعن شماله) ... الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٣٨) ومسلم في الزكاة (٣٠: ٩٩٠) كلاهما من طريق الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، فذكره، والسياق لمسلم.
٩ - باب صفة من يبرُّ الله قسمه
• عن حارثة بن وهب، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ألا أدلكم على أهل الجنة؟ كل ضعيف متضعّف، لو أقسم على الله لأبرّه، وأهل النار: كل جوّاظ عُتُلّ مستكبِر".
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٥٧) ومسلم في الجنة (٢٨٥٣) كلاهما من طريق شعبة، حدثني معبد بن خالد، أنه سمع حارثة بن وهب، فذكره.
قوله: "كل ضعيف" أي فقير.
"متضعّف" أي الناس يستضعفونه ويحتقرونه.
"لو أقسم على الله لأبرّه" أي لو حلف يمينًا على شيء أن يقع طمعًا في كرم الله بإبراره لأبرّه وأوقعه لأجله.
"الجوّاظ": هو المختال في مشيته.
• عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ربّ أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة والأدب (٢٦٢٢) عن سويد بن سعيد، حدثني حفص بن ميسرة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
١٠ - باب الأمر بإبرار القسم
• عن البراء بن عازب قال: أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، وردّ السّلام، وتشميت العاطس .. الحديث.
стр. 4316
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٣٩) ومسلم في اللباس والزينة (٣: ٢٠٦٦) كلاهما من طريق أشعث بن أبي الشعثاء، قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن، عن البراء، فذكره.
واللفظ للبخاري، وزاد مسلم: "أو المقْسم".
• عن أمامة أن ابنة لرسول الله ﷺ أرسلت إليه ومع رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وسعد وأبي أو أُبيّ أن ابني قد احتضر، فاشهدنا. فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وما أعطى، وكل شيء عنده مسمى فلتصبر وتحتسب. فأرسلت إليه تقسم عليه، فقام وقمنا معه، فلما قعد رفع إليه فأقعده في حجره ونفس الصبي تقعقع، ففاضت عينا رسول الله ﷺ ، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦١٥٥) ومسلم في الجنائز (١١: ٩٢٣) كلاهما من طريق عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، أن ابنة رسول الله ﷺ أرسلت إليه فذكرته.
نقولها: "تقسم عليه" ليس بيمين لأنه لو كانت يمينا لأمرها بإبرارها، ويدل عليه أيضا حديث ابن عباس الآتي:
• عن ابن عباس قال: إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام ... فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي ﷺ : "اعْبُرْ" فلما عبر قال: "أصبت بعضا وأخطأت بعضاه فقال: فوالله لتحدثني بالذي أخطأت، قال: "لا تقسم".
متفق عليه: رواه البخاري في التعبير (٧٠٤٦) ومسلم في الرؤيا (٢٢٦٩) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، أن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، أخبره أن ابن عباس كان يحدث أن رجلا، فذكره في حديث طويل. وهو مخرج في موضعه.
فقوله: "لا تقسم" أي لا تحلف، فمجرد قوله أقسمت أو حلفت لا يكون يمينا إلا إذا اقترن بالله، ولذا لم يأمر النبي ﷺ أبا بكر بالإبرار، والعلماء مختلفون فيه، والمسألة مبسوطة في كتب الفقه، وكذلك في فتح الباري (١١/ ٥٤٢).
وأما ما روي عن عائشة أنها قالت: أهدت إليَّ امرأة تمرا في طبق، فأكلت بعضا، وبقي بعض، فقالت: أقسمت عليك إلا أكلت بقيته. فقال رسول الله ﷺ : "أبرِّيها، فإن الإثم على المحنث" فهو منقطع.
رواه أحمد (٢٤٨٢٥) وأبو داود في المراسيل (٣٧٨) كلاهما من حديث معاوية بن صالح، عن
стр. 4317
أبي الزاهرية - وقرنه أبو داود براشد بن سعد عن عائشة، فذكرته. وأبو الزاهرية لم يسمع من عائشة، وراشد بن سعد وُصِفَ بكثير الإرسال. وأعلَّه البيهقي (١٠/ ٤١) أيضا بالإرسال.
١١ - باب يمين الحالف على نيّة المستحلف
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يمنيك على ما يُصدّقك عليه صاحبك".
وفي لفظ: "اليمين على نيّة المستحلف".
صحيح: رواه مسلم في الأيمان والنذور (١٦٥٣) من طريق هشيم بن بشير، عن عبد الله بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
١٢ - باب الزجر عن الحلف من غير استحلاف
• عن عبد الله بن مسعود قال: سئل النبي ﷺ : أي الناس خير؟ قال: "قرْني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادته".
قال إبراهيم: وكان أصحابنا ينهونا - ونحن غلمان - أن نحلف بالشهادة والعهد.
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٥٨) ومسلم في فضائل الصحابة (٢١١: ٢٥٣٣) كلاهما من طريق منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، فذكره.
١٣ - باب جواز الحلف من غير استحلاف للحاجة
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب وكان يلبسه، فيجعل فصّه في باطن كفّه، فصنع الناس، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه، فقال: إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصّه من داخل" فرمي به ثم قال: والله لا ألبسه أبدًا" فنبذ الناس خواتيمهم.
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٥١) ومسلم (٥٣: ٢٠٩١) كلاهما عن قتيبة حدثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
١٤ - باب الترهيب من اليمين الغموس
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤].
قال ابن جرير الطبري: أي تجعلون أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتموه دخلًا بينكم خديعة وغرورًا ليطمئنوا إليكم وأنتم مضمرون لهم الغدر وترك الوفاء.
• عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق
стр. 4318
الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس".
صحيح: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٥٧) عن محمد بن مقاتل، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، حدثنا فراس قال: سمعت الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، فذكره.
قوله: "الغموس" قيل سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار، وقيل: الأصل في ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يتعاهدوا أحضروا جفنة فجعلوا فيها طيبًا أو دمًا أو رمادًا، ثم يحلفون عندما يدخلون أيديهم فيها ليتم لهم بذلك المراد من تأكيد ما أرادوا. فسميت تلك اليمين إذا غدر صاحبها غموا لكونه بالغ في نقض العهد. الفتح (١١/ ٥٥٦).
١٥ - باب التغليظ في الأيمان الفاجرة
• عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين كاذبة مصبورة متعمدًا، فليتبوأ بوجهه مقعده من النار".
صحيح: رواه أبو داود (٣٢٤٢) وأحمد (١٩٩١٢) والحاكم (٤/ ١٩٤) كلهم من حديث يزيد بن هارون، أخبرنا هشام بن حسان القردوسي، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين فذكره. وإسناده صحيح.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وقوله: "مصبورة": أي لازمة للحكم بها له - أي إن حلف ولو كاذبا حكم له.
١٦ - باب الترهيب من الحلف بعد العصر كاذبًا
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم يف له، ورجل ساوم رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى به كذا كذا فأخذها".
متفق عليه: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٧٢)، ومسلم في الإيمان (١٨٣: ١٠٨) كلاهما من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
١٧ - باب الوعيد بالنار لمن اقتطع حق مسلم بيمين كاذبة
• عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان" قال، فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدّثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن، فيّ نزلت. كان بيني وبين رجل أرض باليمن. فخاصمته إلى النبي
стр. 4319
- ﷺ "فقال: "هل لك من بينة؟ " فقلت: لا، قال: "فيمينه". قلت: إذن يحلف. فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان" فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٥٩، ٦٦٦٠) ومسلم في الإيمان (٢٢٠: ١٣٨) كلاهما من حديث أبي وائل، عن عبد الله (هو ابن مسعود) فذكره، والسياق لمسلم.
وفي رواية عندهما: البخاري (٢٥١٥، ٢٥١٦) ومسلم: "شاهداك أو يمينه".
ولا منافاة بين قوله: هل لك بينة؟ " وبين قوله: "شاهداك" فإن الشاهدين هما البينة.
• عن وائل بن حجر قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كنْدة إلى النبي ﷺ فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي. فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق. فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: "ألك بينة؟ " قال: لا. قال: "فلك يمينه" قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورّع من شيء. فقال: ليس لك منه إلا ذلك، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: "أما لئن حلف على ماله ليأكله ظلما، ليلقين الله وهو عنه معرض".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٣٩) من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن أبيه فذكره.
• عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرّم الله عليه الجنة، وأوجب له النار" قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: "وإن كان قضيبًا من أراك، وإن كان قضيبًا من أراك، وإن كان قضيبًا من أراك". قالها ثلاث مرات.
صحيح: رواه مالك في الأقضية (١١) عن العلاء بن عبد الرحمن، عن معبد بن كعب السلمي، عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، عن أبي أمامة، فذكره. ورواه مسلم في الإيمان (١٣٧) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، به.
• عن معقل بن يسار، أن رجلين اختصما إليه في أرض فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف على يمين ليقتطع بها مال أخيه، لقي الله وهو عليه غضبان".
стр. 4320
صحيح: رواه أبو داود الطيالسي (٩٧٥) عن جعفر بن سليمان، عن معلَّى الفردوسي، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه أحمد (٢٠٢٩٥) والطبراني (٢٠/ ٥٢٨) والحاكم (٤/ ٢٩٤) كلهم من حديث شعبة قال: حدثني عياض أبو خالد، قال: كان بين جارين لمعقل بن يسار كلام. فصارت اليمين على أحدهما، فسمعت معقل بن يسار، يقول: فذكر مثله.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: بل فيه عياض أبو خالد وهو البجلي لم يرو عنه إلا شعبة، كما قال علي بن المديني، وقال: هو شيخ مجهول. نعم، وهو كما قال، ولكنه توبع في الإسناد.
• عن الحارث بن البرصاء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يمشي بين جمرتين من الجمار، وهو يقول: "من أخذ شبرا من مال امرئ مسلم بيمين فاجرة فليتبوأ بيتا من النار".
صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (٥١٦٥) عن محمد بن مكرم، قال: حدثنا عمرو بن علي الفلاس، قال: حدثنا عمر بن عبد الوهاب الرياحي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا روح ابن القاسم، عن إسماعيل بن أمية، عن عمر بن عطاء، عن عبيد بن جريج، عن الحارث بن البرصاء فذكره.
قال ابن حبان: تفرد به عمر بن عبد الوهاب.
قلت: عمر بن عبد الوهاب ثقة من رجال مسلم فلا يضر تفرده، ثم أنه لم يتفرد به كما زعم ابن حبان. فقد رواه الحاكم (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥) من وجه آخر عن إسماعيل بن أمية بإسناده وزاد فيه: "ليبلغ شاهدكم غائبكم" مرتين أو ثلاثًا. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة".
١٨ - باب الترهيب من إنفاق السّلع بالحلف الكاذب
• عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: "المسبل إزاره، والمنّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٠٦) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علي بن مدْرك، عن أبي زرعة، عن خرشة بن الحرّ، عن أبي ذر، فذكره.
١٩ - باب زجر المتألي على الله بأن لا يفعل المعروف
• عن عائشة قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصومٍ بالباب عالية أصواتهما،
стр. 4321
وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: "أين المتألي على الله، لا يفعل المعروف؟ " فقال: أنا يا رسول الله، وله أيّ ذلك أحبّ.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلح (٢٧٠٥) ومسلم في المساقاة والمزارعة (١٩: ١٥٥٧) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان (هو ابن بلال) عن يحيى بن سعيد، عن أبي الرّجال محمد بن عبد الرحمن، أن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: سمعت عائشة، فذكرته.
قوله: "يستوضع" أي يطلب منه الوضيعة أي الحطيطة من الدّين.
وقوله: "ويسترفقه" أي يطلب منه الرفق به.
وقوله: "المتألّي" أي الحالف المبالغ في اليمين، مأخوذ من الألية بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد التحتانية وهي اليمين.
• عن جندب أن رسول الله ﷺ حدّث: أن رجلا قال: "والله لا يغفر الله لفلان وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك" أو كما قال.
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة والآداب (٢٦٢١) غن سويد بن سعيد، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثنا أبو عمران الجوني، عن جندب، فذكره.
٢٠ - باب لا يمين في قطيعة رحم
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "لا نذر إلا فيما يبتغي به وجه الله، ولا يمين في قطيعة رحم".
حسن: رواه أبو داود (٣٣٧٣) وأحمد (٦٧٣٢) كلاهما من حديث عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
٢١ - باب القرعة في اليمين
• عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين، فأسرعوا، فأمر أن يُسهِم بينهم في اليمين: أيُّهم يحلف.
صحيح: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٧٤) عن إسحاق بن نصر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن هشام، عن أبي هريرة، فذكره.
٢٢ - باب من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت
• عن عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ قال: "من كان حالفًا فلْيحلْف بالله أو ليصمت".
стр. 4322
متفق عليه: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٧٩)، ومسلم في الأيمان والنذور (٣: ١٦٤٦) كلاهما من طريق نافع، عن ابن عمر، فذكره، والسباق للبخاري.
٢٣ - باب الترهيب من الحلف بغير الله
• عن عبد الله بن عمر أنه سمع رجلا يحلف: لا والكعبة. فقال له ابن عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد أشرك".
صحيح: رواه أبو داود (٣٢٥١) والترمذي (١٥٣٥) وأحمد (٥٢٢٢، ٥٢٥٦) وصحَّحه ابن حبان (٤٣٥٨) والحاكم (٤/ ٢٩٧) والبيهقي (١٠/ ٢٩) كلهم من طرق عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن سعد بن عبيدة، قال: كنت عند ابن عمر. فحلف رجل بالكعبة.
قال الترمذي: "حديث حسن".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: الحسن بن عبيد الله من رجال مسلم وحده، وإسناده صحيح ولكن قال البيهقي: "وهذا مما لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر".
وذلك لما روي عن سعد بن عبيدة، قال:
جلست أنا ومحمد الكندي إلى عبد الله بن عمر، ثم قمت من عنده، فجلست إلى سعد بن المسيب، قال: فجاء صاحبي وقد اصفرّ وجهه، وتغيّر لونه، فقال: قم إليّ، قلت: ألم أكن جالسًا معك الساعة؟ فقال سعيد: قم إلى صاحبك، قال: فقمت إليه، فقال: ألم تسمع إلى ما قال ابن عمر؟ قلت: وما قال؟ قال: أتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أعليّ جناح أن أحلف بالكعبة؟ قال: ولم تحلف بالكعبة؟ إذا حلفت بالكعبة فأحلف برب الكعبة، فإن عمر كان إذا حلف قال: كلا وأبي، فحلف بها يومًا عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "لا تحلف بأبيك ولا بغير الله، فإنه من حلف بغير الله فقد أشرك" وفيه رجل مجهول.
رواه الإمام أحمد (٥٣٧٥) عن حسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن منصور، عن سعد بن عبيدة قال: فذكره ومحمد الكندي هذا مجهول.
قلت: سعد بن عبيدة من الثقات يحكي القصة عن ابن عمر نفسه بدون الواسطة، فإن صحت هذه الواسطة فلعله رجع فسمع من ابن عمر بدون الواسطة وقد روى عنه الأعمش والآخرون، وتفرد منصور فرواه عن سعد بن عبيدة بالواسطة ومنصور وإن كان يقدم على الأعمش، ولكن مع الأعمش الآخرون.
قال الترمذي: "وفسّر هذا الحديث عند بعض أهل العلم، أن قوله: فقد كفر أو أشرك على التغليظ. والحجة في ذلك حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" وحديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال في حلفه:
стр. 4323
واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله" هذا مثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الرياء شرك" وقد فسّر بعض أهل العلم هذه الآية ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] الآية، قال: لا يُرائي". انتهى قوله.
• عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ "لا تحلفوا بالطّواغي ولا بآبائكم".
صحيح: رواه مسلم في الأيمان والنذور (١٦٤٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة فذكره.
٢٤ - باب النهي عن الحلف بالآباء والأمهات وبغير الله
• عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب ﵁ وهو يسير في ركْبٍ وهو يحلف بأبيه، فقال رسول الله ﷺ : "إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا، فليحلف بالله أو ليصمت".
متفق عليه: رواه مالك في النذور والأيمان (١٤) عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فذكره. ورواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٤٦) من طريق مالك به، مثله.
ورواه مسلم في الأيمان والنذور (٣، ٤: ١٦٤٦) من وجوه أخرى عن نافع به.
• عن عمر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" قال عمر: فوالله ما حلفتُ بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكرًا ولا آثرًا.
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٤٧) ومسلم في الأيمان والنذور (١: ١٦٤٦) كلاهما من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب، فذكره.
وقوله: أثرا: قال أبو عبيد: أي لم آثره عن غيري. يقول: لم أذكره عن غيري.
• عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: "ألا من كان حالفًا فلا يخلف إلا بالله" فكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: "لا تحلفوا بآبائكم".
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٣٦) ومسلم في الأيمان والنذور (٤: ١٦٤٦) كلاهما عن قتيبة - وزاد معه مسلم غيره - حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٤٨) من وجه آخر عن ابن دينار، به، مقتصرًا على الشطر الأخير منه، وهو قوله: "لا تحلفوا بآبائكم".
• عن ابن عمر قال: سمع النبي ﷺ رجلا يحلف بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرضَ، ومن لم يرض بالله فليس من الله".
стр. 4324
حسن: رواه ابن ماجه (٢١٠١) عن محمد بن إسماعيل بن سمرة قال: حدثنا أسباط بن محمد، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان المدني فإنه حسن الحديث.
وقد صححه البوصيري في زوائده.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون".
صحيح: رواه أبو داود (٣٢٤٨) والنسائي (٣٧٦٩) وصحّحه ابن حبان (٤٣٥٧) كلهم من حديث عبيد الله بن معاذ بن معاذ، حدثنا أبي، قال: حدثنا عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة فذكره، وإسناده صحيح.
وعوف هو ابن أبي جميلة الأعرابي العبدي من رجال الجماعة.
تنبيه: جاء في حديث قصة الأعرابي من أهل نجد يسأل رسول الله ﷺ عن أركان الإسلام فلما أدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : "أفلح إن صدق".
كذا رواه الشيخان: البخاري (٤٦) ومسلم (٨: ١١) من حديث مالك بن أنس، عن عمه أبي سُهيل بن مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل من أهل نجد فذكر الحديث.
ثم رواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله فذكر الحديث نحو مالك غير أنه قال، فقال رسول الله ﷺ : "أفلح وأبيه، إن صدق أو دخل الجنة، وأبيه إن صدق".
قوله: "أبيه" زيادة شاذة، والمحفوظ رواية مالك.
وإليه بشير ابن عبد البر في "التمهيد" (١٤/ ٣٦٧) بقوله:
"فإن احتج محتج بحديث يُروى عن إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله في قصة الأعرابي النجدي: أن النبي ﷺ قال أفلح - وأبيه - إن صدق. فقيل له هذه لفظة غير محفوظة في هذا الحديث من حديث من يحتج به، وقد روي هذا الحديث مالك وغيره عن أبي سهيل - لم يقولوا ذلك فيه.
وقد روي عن إسماعيل بن جعفر هذا الحديث، وفيه أفلح - والله - إن صدق، أو دخل الجنة والله إن صدق. وهذا أولى من رواية من روى وأبيه، لأنها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح، وبالله التوفيق.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١/ ١٠٧) تأويلات أخرى إلا أنها غير مرضية.
٢٥ - باب كفارة من حلف باللات والعزّى وغيرها من الطواغيت
стр. 4325
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من حلف، فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدّق".
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٥٠) ومسلم في الأيمان والنذور (١٦٤٧) كلاهما من طريق الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: حلفت باللات والعزّى. فقال أصحابي: قد قلت هُجْرًا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن العهد كان قريبًا، وإني حلفت باللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ : "قل: لا إله إلا الله وحده، ثلاثا، ثم انفُث عن يسارك ثلاثا، وتعوّذ ولا تعُدْ".
صحيح: رواه النسائي (٣٧٧٦) وابن ماجه (٢٠٩٧) وأحمد (١٥٨٩) وصححه ابن حبّان (٤٣٦٤) كلهم من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص فذكره.
وإسناده صحيح، وأبو إسحاق السبيعي هو عمرو بن عبد الله اختلط قبل موته، ولكن في بعض طرقه رواه عنه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وروايته عنه في غاية من الصحة، وقد سمع من جده قبل اختلاطه، وتابعه على روايته أبوه يونس وزهير.
ومعنى الحديث أن من حلف باللات والعزّى فكأنه جعل لله ندًّا، فليستدرك بقوله: لا إله إلا الله وحده، ثلاثًا، ويتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم. فإنه بهذا سيعود إلى التوحيد ويذهب عنه وسواس الشيطان.
٢٦ - باب من حلف بغير ملة الإسلام
• عن ثابت بن الضحاك وكان من أصحاب الشجرة حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال. وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذّب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله".
متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٦٠٤٧) ومسلم في الإيمان (١٧٦: ١١٠) كلاهما من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن ثابت بن قيس حدثه فذكره.
قال الترمذي (١٥٤٣): "وقد اختلف أهل العلم في هذا إذا حلف الرجل بملة سوى الإسلام فقال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا وكذا.
ففعل ذلك الشيء فقال بعضهم: قد أتى عظيمًا، ولا كفارة عليه، وهو قول أهل المدينة، وبه يقول مالك بن أنس، وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وغيرهم عليه في ذلك الكفارة، وهو قول سفيان وأحمد وإسحاق".
• عن بريدة بن الحُصيب قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف فقال: إني بريء من
стр. 4326
الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا".
حسن: رواه أبو داود (٣٢٥٨) والنسائي (٣٧٧٢) وابن ماجه (٢١٠٠) وأحمد (٢٣٠٠٦) والبيهقي (١٠/ ٣٠) كلهم من طريق حسين بن واقد، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الحسين بن واقد المروزي فإنه حسن الحديث.
٢٧ - باب كراهة الحلف بالأمانة
• عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من حلف بالأمانة، ومن خبَّب على امرئ زوجته، أو مملوكه، فليس منا".
صحيح: رواه أبو داود (٣٢٢٥٣) وأحمد (٢٢٩٨٠) وصحَّحه ابن حبان (٤٣٦٣) والحاكم (٤/ ٢٩٨) والبيهقي (١٠/ ٣٠) كلهم من حديث الوليد بن ثعلبة الطائي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره مطولا ومختصرًا.
وإسناده صحيح.
ومعنى الحديث أن الأمانة ليست من أسماء الله تعالى، ولذا نهى عن الحلف بها.
٢٨ - باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت".
حسن: رواه ابن ماجه (٢١١٧) والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٨) وأحمد (١٨٣٩) والبيهقي (٣/ ٢١٧) كلهم من طريق الأجلح الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس فذكره واللفظ لابن ماجه.
وإسناده حسن من أجل الأجلح الكندي وهو يحيى بن عبد الله مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وفي الباب أحاديث أخرى خرجتُها في كتاب الإيمان.
٢٩ - باب قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]
• عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في قول الرجل: لا والله، وبلى والله.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦١٣) عن علي بن سلمة، حدثنا مالك بن سُعير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
ورواه أبو داود (٣٢٥٤) وابن حبان (٤٣٣٣) والبيهقي (١٠/ ٤٩) كلهم من حديث حميد بن مسعدة الشامي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم الصائغ، عن عطاء في اللغو في اليمين.
قال: قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال: هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله"
стр. 4327
قال أبو داود: كان إبراهيم الصائغ رجلا صالحا، قتله أبو مسلم بعرنْدس، قال: وكان إذا رفع المطرقة فسمع النداء سيّبها.
قال أبو داود: "وروى هذا الحديث داود بن أبي الفرات عن إبراهيم الصائغ موقوفا على عائشة، وكذلك رواه الزهري وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول، وكلهم عن عطاء، عن عائشة موقوفا أيضا". وقد صحّح الدارقطني أيضا وقفه في العلل (٣٤٨٦). ونقله عنه الحافظ في التلخيص (٤/ ١٦٧).
وقد سئل الشافعي: ما لغو اليمين؟ فقال: والله أعلم.
أما الذي نذهب إليه، فما قالت عائشة ﵂: أنبا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: فذكرته. أخرجه البيهقي (١٠/ ٤٨) بإسناده عن الشافعي.
ومثله روي عن ابن عباس.
رُوي عنه أيضا أن لغو اليمين أن تحلف، وأنت غضبان.
ورُوي عن أبي هريرة لغو اليمين: حلف الإنسان على الشيء يظن أنه الذي حلف عليه، فإذا هو غير ذلك.
وفي الباب ما رُويَ عن سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونةَ بنت كَرْدَم قالت: خرجتُ مع أبي في حجَّة رسول الله ﷺ ، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ ، فدنا إليه أبي، وهو على ناقة له، ومعه دِرّةٌ كدرّةِ الكُتّاب، فسمعتُ الأعرابَ والناس وهم يقولون: الطَّبْطَبِيّة الطَّبْطَبية الطَّبْطَبية، فدنا إليه أبي، فأخذ بقدمه، فأقرّ له، ووقف عليه، واستمع منه، فقال: إني حضرت جيش عثران - قال ابن المثنى جيش غثران - فقال طارق بن المرقع: من يعطيني رمحا بثوابه؟ قلتُ: وما ثوابه؟ قال: أُزَوِّجُّه أول بنت تكون لي. فأعطيتُه رمحي، ثم غبتُ عنه حتى علمتُ أنه قد وُلِدَ له جاريةٌ وبلغتْ، ثم جئته، فقلت له: أهلي جهزهن إليّ، فحلف أن لا يفعلَ حتى أُصْدِقَه صداقًا جديدًا غير الذي كان بيني وبينه، وحلفتُ: لا أُصْدِقُ غير الذي أعطيتُه، فقال رسول الله ﷺ : "وَبِقَرْنِ أيِّ النساءِ هيَ اليومَ؟ ". قال: قد رأت القتيرَ. قال: "أرى أن تتركها". قال: فراعني ذلك ونظرتُ إلى رسول الله ﷺ فلما رأى ذلك مني قال: "لا تأثم ولا يأثم صاحبك".
رواه أبو داود (٢١٠٣) وأحمد (٢٧٠٦٤)، والبيهقي (١٠/ ٨٣) كلهم من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد بن مقسم قال: حدثتني عمتي سارة بنت مقسم، فذكرتْه.
وإسناده ضعيف من أجل جهالة سارة بنت مقسم.
قولها: "دِرَّةٌ كدرة الكُتّاب": بكسر الدال وفتحها: هي التي يضرب بها كدرة تكون عند معلمي الأطفال فكأنه يشير إلى صغرها.
قولها: "الطبطبية": له وجهان أحدهما: أن يكون أرادت به حكاية وقع الأقدام أي يقولون
стр. 4328
بأرجلهم طب طب، والوجه الآخر: أن يكون كناية عن الدرة لأنها إذا ضرب بها حكت صوت طب طب وهي منصوبة على التحذير.
وقوله: "وبقرن أي النساء هي؟ ": قال الخطابي: يريد بسن أي النساء هي، والقرن: بنو سن واحد، يقال: هؤلاء قرن زمان.
قوله: "قد رأت القَتِيرَ" القتير معناه: الثَّيْب.
٣٠ - باب في تعظيم اليمين على منبر النبي ﷺ -
• عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على منبري إنما تبوأ مقعده من النار".
حسن: رواه مالك في الأقضية (١٢) عن هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن نسطاس، عن جابر بن عبد الله فذكره.
ورواه أبو داود (٣٢٤٦) وابن ماجه (٢٣٢٥) وصحَّحه ابن حبان (٤٣٦٨) والحاكم (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧) والبيهقي (١٠/ ١٧٦) وأحمد (١٤٧٠٦) كلهم من طرق عن هشام بن هشام به مثله.
إسناده حسن من أجل عبد الله بن نسطاس، لم يرو عنه غير هاشم بن هاشم ولكن وثّقه النسائي وابن حبان وغيرهما، وهاشم بن هاشم ويقال له أيضا هشام بن هشام.
• عن أبي هريرة قال: أشهد لسمعت النبي ﷺ قال: "ما من عبد، أو أمة، يحلف عند هذا المنبر على يمين آثمة، ولو على سواك رطْب إلا وجبت له النار".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٣٢٦) وأحمد (٨٣٦٢) وصحّحه الحاكم (٤/ ٢٩٧) كلهم من حديث أبي عاصم الضحاك بن مخلد، قال: حدثنا الحسن بن يزيد بن فرّوخ، قال: سمعت أبا سلمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
والحسن بن يزيد بن فروخ هو أبو يونس القوي كما أكده ابن ماجه، وكذلك قال الحاكم وصحح إسناده. ولكثرة عبادته سمي القوي وهو مجمع على توثيقه، روى له ابن ماجه وحده من أصحاب السنة، وممن يسمي الحسن بن يزيد أربعة غير من ذكر، وأكثرهم مجاهيل.
٣١ - باب ترك الكفارة وعدم الحنْث أشدُّ إثْمًا من التمادي والإصرار على اليمين فيما يتأذى به أهل الحالف
• عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: والله لأنْ يلجّ أحدكم بيمينه في أهله، آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله".
وفي رواية: "من استلجّ في أهله بيمين فهو أعظم إثمًا ليبرّ" يعني: الكفارة.
стр. 4329
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٢٥)، ومسلم في الأيمان والنذور (١٦٥٥) كلاهما من حديث عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث، منها، فذكره. والرواية الأخرى، رواها البخاري (٦٦٢٦) عن إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا يحيى بن صالح، حدّثنا معاوية، عن يحيى، عن عكرمة، عن أبي هريرة، فذكره.
٣٢ - باب الاستثناء في اليمين
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان بن داود نبي الله: لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، كلهنّ تأتي بغلام يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه أو الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي، فلم تأت واحدة من نسائه إلا واحدة جاءت بشق غلام"، فقال رسول الله ﷺ : "لو قال: إن شاء الله لم يحنثْ، وكان دركًا له في حاجته".
وفي رواية: "لو كان استثنى".
متفق عليه: رواه البخاري في كفارات الأيمان (٦٧٢٠) ومسلم في الأيمان والنذور (١٦٥٤: ٢٣) كلاهما من طريق سفيان، عن هشام بن حُجير، عن طاوس، عن أبي هريرة فذكره. والسياق لمسلم.
والرواية الأخرى له أيضا (٢٢: ١٦٥٤) من طريق أيوب عن محمد (هو ابن سيرين) عن أبي هريرة، وعلقها البخاري عقب رواية طاوس.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث".
صحيح: رواه الترمذي (١٥٣٢) والنسائي (٣٨٥٥) وابن ماجه (٢١٠٤) وأحمد (٨٠٨٨) كلهم من حديث عبد الرزاق وهو في مصنفه (١٦١١٨) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
قال أحمد: قال عبد الرزاق: وهو اختصره، يعني معمرا.
قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث خطأ، أخطأ فيه عبد الرزاق اختصره من حديث معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إن سليمان بن داود قال: لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة غلامًا فطاف عليهن فلم تلد امرأة منهن إلا امرأة نصفَ غلام. فقال رسول الله ﷺ : "لو قال: إن شاء الله لكان كما قال" هكذا رُوي عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه هذا الحديث بطوله وقال: سبعين امرأة. وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان بن داود: لأطوفنّ الليلة على مئة امرأة".
стр. 4330
وقد عرفنا من نقل الإمام أحمد أن الذي اختصره هو معمر، لا عبد الرزاق. وقد يكون عند أبي هريرة حديثان مستقلان مطولا، ومختصرًا، روى عنه طاوس، وعنه ابنه وهو عبد الله مطولا، وروي عنه معمر مختصرًا.
• عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من حلف فقال: إن شاء، فقد استثنى، فلا حنث عليه".
صحيح: رواه أبو داود (٣٢٦١، ٣٢٦٢) والترمذي (١٥٣١) والنسائي (٣٨٢٩) وابن ماجه (٢١٠٥) وصحَّحه ابن حبان (٤٣٣٩) والحاكم (٤/ ٣٠٣) كلهم من حديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
قال الترمذي: "حديث حسن".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري".
وتابعه كثير بن فرقد فرواه عن نافع هكذا مرفوعا.
ومن طريقه رواه النسائي (٣٨٢٨) والحاكم.
وكثير بن فرقد ثقة، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح. وهو من رجال البخاري. وكذلك تابعه أيضا أيوب بن موسى عن نافع، ومن طريقه رواه ابن حبان (٤٣٤٠). وأيوب بن موسى هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص المكي الأموي ثقة حافظ من رواة الجماعة.
ولكنه أعله الترمذي بقوله: "وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا" وهكذا رُوي عن سالم عن ابن عمر موقوفًا ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: "وكان أيوب أحيانا يرفعه، وأحيانا لا يرفعه".
وقال البيهقي (١٠/ ٤٦) بعد أن نقل الكلام في أيوب بأنه كان يرفع هذا الحديث ثم تركه: وقد رُوي أيضا عن موسى بن عقبة وعبد الله بن عمر، وحسان بن عطية، وكثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . ولا يكاد يصح رفعه إلا من جهة أيوب السختياني. وأيوب شك فيه أيضا. ورواية الجماعة من أوجه صحيحة عن نافع، عن ابن عمر من قوله غير مرفوع".
قلت: الأصل في هذا الحديث أن يكون مرفوعًا، لأنه ليس في مجال الاجتهاد، فإذا زاد الثقة ورفعوه فالقول قولهم.
وأما ما رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "والله لأغزونّ قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشا، ثم سكت فقال: إن شاء الله" فهو ضعيف. رواه سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.
ورواه أبو يعلى (٢٦٧٥) - وعنه ابن حبان (٤٣٤٣) - من طريق علي بن مسهر، عن مسعر بن كدام، عن سماك بن حرب به مرفوعا، وسماك مضطرب في عكرمة.
стр. 4331
ورواه أبو داود (٣٢٨٥) ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٤٧ - ٤٨) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، أن رسول الله ﷺ قال: فذكر نحوه. قال أبو داود: "وقد أسند هذا الحديث غير واحد عن شريك، عن عكرمة، عن ابن عباس أسنده عن النبي ﷺ قال الوليد بن مسلم عن شريك: ثم لم يغزهم".
وشريك سيء الحفظ ومدار الحديث عليه، والمرسل أصح منه، وهو الذي رجحه أيضا أبو حاتم كما في العلل (١/ ٤٤٠) وابن المنذر في الأوسط (١٢/ ١٦٠) ثم هذا الحديث لا يصح من حيث المعنى، فإن الوليد بن مسلم نقل عن شريك أن النبي ﷺ لم يغزهم - أي بعد الحلف، فإن كان حلقه قبل فتح مكة فإنه قد غزاهم، وإن كان بعد فتح مكة فلماذا يحلف على غزوهم وقد دخلوا في الإسلام. كما لا يصح أيضا من حيث الفقه.
قال الخطابي - بعد أن نقل قول ابن عباس: له استثناؤه بعد حين - "وعامة أهل العلم على خلاف قول ابن عباس وأصحابه. ولو كان الأمر على ما ذهبوا إليه لكان للحالف المخرج من يمينه حتى لا يلزمه كفارة بحال. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه".
لم يختلف العلماء في أن الاستثناء إذا كان متصلا بيمنيه، فإنه لا يلزمه كفارة.
واختلفوا في الاستثناء إذا كان منفصلا عن اليمين فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يعمل إلا أن يكون بين اليمين والاستثناء سكته يسيرة، كسكتة الرجل للتذكر، أو للتنفس، فإن طال الفصل، أو اشتغل بكلام آخر بينها ثم استثنى فلا يصح.
لأن قوله ﷺ : "من حلف فاستثني" يقتضي كونه عقيبه، ولأن الاستثناء من تمام الكلام فاعتبر اتصاله به كالشرط وجوابه.
وقد رُوي عن ابن عباس أنه أجاز الاستثناء ولو بعد حين، وذهب أصحابه إلى جواز الاستثناء إلى السنين.
ورُوي عن الإمام أحمد: أنه يجوز الاستثناء إذا لم يُطل الفصل بينهما.
وفي رواية أخرى عنه: ولم يخلط كلامه بغيره نقل عنه إسماعيل بن سعيد مثل هذا. وزاد قال:
ولا أقول بقول هؤلاء - يعني من لم ير ذلك إلا متصلا. ذكره ابن قدامة في المغني (١ ٣/ ٤٨٥).
٣٣ - باب ما جاء في كفارة اليمين
قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
وقوله: "تحرير رقبة" هكذا أطلقه الله تعالى ولم يقيده بالمؤمنة. فقال أبو حنيفة وأصحابه:
стр. 4332
يُجزيه غير المؤمنة إلا في كفارة القتل.
وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يُجزيه إلا رقبة مؤمنة في شيء من الكفارات، مستدلين بحديث معاوية بن الحكم السُّلمي قال: قلت يا رسول الله، جارية لي صككتها صكة، فعظّم ذلك على رسول الله ﷺ . فقلت: أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها" قال: فجئت بها، قال: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" رواه مسلم وغيره وسبق تخريجه.
• عن نافع قال: كان ابن عمر يُعطي زكاة رمضان بمدّ النبي ﷺ المدّ الأول، وفي كفارة اليمين بمدّ النبي ﷺ قال أبو قتيبة: قال لنا مالك: مدّنا أعظم من مدّكم، ولا نرى الفضل إلا في مدّ النبي ﷺ . وقال لي مالك: لو جاءكم أمير فضرب مدّا من مدّ النبي ﷺ أي شيء كنتم تعطون؟ قلت: كنا نعطي بمد النبي ﷺ قال: أفلا ترى أن الأمر إنما يعود إلى مدّ النبي ﷺ ؟
صحيح: رواه البخاري في كفارات الأيمان (٦٧١٣) عن منذر بن الوليد الجاروديّ، حدثنا أبو قتيبة (وهو مسلم) حدثنا مالك، عن نافع، به، فذكره.
قوله: "المدّ الأول" هو نعت مدّ النبي ﷺ وهي صفة لازمة له، وأراد نافع بذلك أنه كان لا يعطي بالمدّ الذي أحدثه هشام.
وقول مالك: "مدّنا أعظم من مدّكم" يعني في البركة أي مد المدينة وإن كان دون مدّ هشام في القدر لكن مدّ المدينة مخصوص بالبركة الحاصلة بدعاء النبي ﷺ لها فهو أعظم من مدّ هشام. قاله الحافظ في الفتح (١١/ ٥٩٨).
٣٤ - باب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه ويأت الذي هو خير
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤].
وقوله: ﴿عُرْضَةً﴾ أي مانعا لكم عن البر وصلة الرحم والاعتراض: هو المنع.
فإن حلف على ترك المندوب، أو فعل مكروه فالواجب عليه التكفير عن يمينه، والإتيان به وإلا فحفظ الأيمان أولى لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي احفظوها من الحنث.
وقيل: معناها: لا تحلفوا، فإن من حفظ الأيمان أن لا يحلف.
وقيل: بالبدار إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنئتم.
وقيل: احفظوها من الحلف الكاذب.
لأن الأيمان ثلاث:
стр. 4333
اما على ترك المندوب فيكفر، ويأتي به.
أو على إتيان المكروه فيكفر ولم يأت به.
أو يمين اللغو فليس عليه شيء.
وقيل: الأيمان على أربعة أقسام: اثنان فيهما الكفارة بلا خلاف، واثنان مختلف فيها.
فالقسمان فيهما الكفارة: الرجل يحلف: والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، والرجل يقول: والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل.
واليمينان المختلف فيهما: فالرجل يحلف: والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل. والرجل يحلف: لقد فعلت كذا وكذا. ولم يفعله. وقد نسب هذا القول إلى سفيان الثوري.
• عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسْألة أُعنْتَ عليها، وإن أعْطيتها عن مسألة وُكلت إليها. وإذا حلفْت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فأْتِ الذي هو خير، وكفّر عن يمينك".
وفي رواية: "فكفّر عن يمينك، وأت الذي هو خير".
متفق عليه: رواه البخاري في كفارات الأيمان (٦٧٢٢)، ومسلم في الأيمان والنذور (١٩: ١٦٥٢) كلاهما من طريق الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن سمرة، فذكره والسباق للبخاري، والرواية الثانية لمسلم.
قال أبو داود (٣٢٧٨) بعد إخراج هذا الحديث: "أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة في هذا الحديث رُوي عن كل واحد منهم في بعض الرواية الحنث قبل الكفارة، وفي بعض الرواية الكفارة قبل الحنث".
• عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بيمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، ولْيفعل الذي هو خير".
صحيح: رواه مالك في النذور والأيمان (١١) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه مسلم في الأيمان والنذور (١٢: ١٦٥٠) من طريق مالك، به، مثله.
• عن مالك بن نضلة الجشمي قال: أتيت النبي ﷺ فصعّد فيّ النظر، وصوَّب، وقال: "أربُّ إبل أنت أو رب غنم؟ " قال: من كل قد آتاني الله، فأكثر وأطيب، قال: "فتُنتجها وافية أعينُها وآذانُها، فتجدع هذه، فتقول صُرما" ثم تكلم سفيان بكلمة لم أفهمها وتقول: بحيرة الله؟ فساعدُ الله أشدّ، وموساه أحدُّ، ولو شاء أن يأتيك بها صُرما أتاك" قلت: إلى ما تدعو؟ قال: "إلى الله وإلى الرحم" قلت: يأتيني الرجل من
стр. 4334
بني عمي، فأحلف أن لا أعطيه ثم أعطيه؟ قال: "فكفّر عن يمينك، وأت الذي هو خير، أرأيت لو كان لك عبدان أحدهما يطيعك ولا يخونك ولا يكذبك، والآخر يخونك ويكذبك؟ " قال: قلت: لا، بل الذي لا يخونني، ولا يكذبني، ويصدقني الحديث أحب إليّ. قال: "كذاكم أنتم عند ربكم ".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧٢٢٨) واللفظ له، واختصره النسائي (٣٧٨٨) وابن ماجه (٢١٠٩) كلهم من حديث سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبو الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص عوف بن مالك الجُشمي، عن أبيه مالك فذكره وإسناده صحيح.
وفي رواية النسائي: "فأمرني أن آتي الذي هو خير، وأكفر عن يميني".
• عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: أفاء الله على رسوله إبلًا. ففرقها. فقال أبو موسى: يا رسول الله، احملني. فقال: "لا" فقاله ثلاثا. فقال النبي ﷺ : "والله لا أفعل" وبقي أربع غرّ الذّرى، فقال: "يا أبا موسى، خذهن" فقال: يا رسول الله، إني استحملنك فمنعتني وحلفت. فأشفقت أن يكون دخل على رسول الله ﷺ وهم. فقال: "إني إذا حلفت فرأيت أن غير ذلك أفضل كفّرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير".
صحيح: رواه أبو عوانة (٤/ ٤٠) عن أبي أمية والصغاني، قالا: ثنا الحكم بن موسى، ثنا الهيثم بن حُميد، عن زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، عن ابن عائذ، عن أبي الدرداء فذكره.
وإسناده صحيح. وابن عائذ هو عبد الرحمن بن عائذ الشمالي الكندي الحمصي.
وهذا الحديث مما أخرجه الدارقطني في الأفراد كما في أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ١٩٨) وقال: غريب من حديث عبد الرحمن بن عائذ، عن أبي الدرداء. تفرد به زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، ولم يرو عنه غير الهيثم بن حُميد.
قلت: وهؤلاء كلهم ثقات.
قال أبو عوانة: قال الصغاني: ليس هذا بالشام.
ذهب أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث. منهم عائشة وابن عمر، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. إلا أن الشافعي يقول: إن كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز، إنما يجوز تقديم العتق، أو الإطعام، أو الكسوة كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته.
وأما ما روي عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى خيرا منها، فكفارتها تركها". فهو منكر.
رواه أحمد (١١٧٢٧) عن حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي
стр. 4335
سعيد الخدري، فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة وشيخه درَّاج، وهو ابن سمعان أبو السمح، كما أنه مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة في الباب التي توجب الكفارة على من حنث.
٣٥ - باب الحنث قبل التكفير
• عن أبي هريرة قال: أنتم رجل عند النبي ﷺ ثم رجع إلى أهله فوجد الصبيّة قد ناموا، فأتاه أهله بطعامه، فحلف لا يأكل من أجل صبْيته، ثم بدا له فأكل. فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له. فقال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتها، وليكفر عن يمينه".
صحيح: رواه مسلم في الأيمان والنذور (١١: ١٦٥٠) عن زهير بن حرب، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري أخبرنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره.
وأما ما رواه ابن حبان (٤٣٥٣) والحاكم (٤/ ٣٠١) كلاهما من حديث محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا حلف على يمين لم يحنثْ، حتى نزلت كفارة اليمين فقال: "لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيتُ الذي هو خير، وكفرت عن يميني" فهو خطأ. وإنْ قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
قال الترمذي في "العلل الكبير" (٢/ ٦٥٤): سألت محمدًا عن حديث الطفاوي فقال: "حديث الطفاوي خطأ، والصحيح عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كان أبو بكر" فذكر قوله.
وهو يشير إلى ما رواه هو في صحيحه (٦٦٢١) عن محمد بن مقاتل.
• عن عائشة أن أبا بكر ﵁ لم يكن يحنثْ في يمين قطُّ، حتى أنزل الله كفارة اليمين، وقال: لا أحلف على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني.
صحيح: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٢١) عن محمد بن مقاتل أبي الحسن، أخبرنا عبد الله (هو ابن المبارك)، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
وخالفه محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، فرواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا حلف على يمين لا يحنث حتى أنزل الله تعالى كفارة اليمين، فقال: "لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني، ثم أتيت الذي هو خير".
ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي هذا مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، فقد وثقه ابن معين، وقال أبو داود: ليس به بأس. ولكن قال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال ابن عدي: عامة رواياته إفرادات وغرائب، وكلها يحتمل، ويكتب حديثه.
стр. 4336
قلت: فهذا مما تفرد به، والقصة وقعت لأبي بكر لا للنبي ﷺ .
• عن تميم بن طرفة قال: جاء سائل إلى عديّ بن حاتم، فسأله نفقة في ثمن خادمٍ أو في بعض ثمن خادم، فقال: ليس عندي ما أعطيك إلا درعي ومغفري، فأكتب إلى أهلي أن يعطوكها، قال: فلم يرض، فغضب عديّ، فقال: أما والله لا أعطيك شيئا، ثم إن الرجل رضي، فقال: أما والله لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف على يمين ثم رأى أتقي الله منها، فليأت التقوى" ما حنثت يميني.
صحيح: رواه مسلم في الأيمان والنذور (١٥: ١٦٥١) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طرفة، فذكره.
• عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين، فرأي غيرها خيرًا منها، فلْيأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه".
حسن: رواه النسائي (٣٧٨١) وابن ماجه (٢١١١) وابن حبان (٤٣٤٧) كلهم من حديث عبد الله بن عمرو.
وقد اختلف عليه، فروي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو.
ورُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وهي تقوي بعضها بعضا ولا تخالف. وهو رسم الحديث الحسن.
ذهب إلى هذا بعض أهل العلم فقالوا: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
قال الترمذي: "وقال بعض أهل العلم: لا يكفر إلا بعد الحنث. قال سفيان الثوري: إن كفّر بعد الحنث أحبّ إلي، وإن كفر قبل الحنث أجزأه".
٣٦ - باب في الخيار بين تقديم الكفارة وتأخيرها
• عن أبي موسى الأشعري قال: أتيت النبي ﷺ في رهط من الأشعريين أستحمله، فقال: "والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه" قال: ثم لبثْنا ما شاء الله أن نلْبث، ثم أتي بثلاث ذوْد غرّ الذّرى، فحملنا عليها، فلما انطلقنا قلنا أو قال بعضنا: والله لا يبارك لنا، أتينا النبي ﷺ نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثم حملنا، فارجعوا بنا إلى النبي ﷺ فنذكره، فأتيناه، فقال: "ما أنا حملتكم، بل الله حملكم، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا كفّرت عن يميني وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني".
стр. 4337
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٢٣) ومسلم في الأيمان والنذور (٧: ١٦٤٩) كلاهما من طريق حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، فذكره.
• عن زهدم قال: كنا عند أبي موسى. فدعا بمائدته وعليها لحم دجاج. فدخل رجل من بني تميم الله، أحمر، شبيه بالموالي. فقال له: هلم! فتلكّأ فقال: هلمّ! فإني قد رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه. فقال الرجل: إني رأيته يأكل شيئًا فقذرته. فحلفت أن لا أطعمه. فقال: هلم! أحدثك عن ذلك. إني أتيت رسول الله ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله. فقال: "والله! لا أحملكم. وما عندي ما أحملكم عليه" فلبثنا ما شاء الله. فأتي رسول الله ﷺ بنهب إبل. فدعا بنا. فأمر لنا بخمس ذود غرّ الذّرى. قال: فلما انطلقنا، قال بعضنا لبعض: أغفلنا رسول الله ﷺ عن يمينه. لا يبارك لنا. فرجعنا إليه. فقلنا: يا رسول الله! إنا أتيناك نستحملك. وإنك حلفت أن لا تحملنا. ثم حملتنا. أفنسيت؟ يا رسول الله؟ قال: "إني، والله! إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها. إلا أتيت الذي هو خير. وتحلّلْتها فانطلقوا. فإنما حملكم الله ".
متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (٣١٣٣) ومسلم في الأيمان (٩: ١٦٤٩) كلاهما من حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، وعن القاسم بن عاصم، عن زهدم الجرْمي. قال أيوب: وأنا لحديث القاسم أحفظ مني لحديث أبي قلابة، قال: فذكر الحديث.
وخالفه يحيى بن أبي كثير فرواه عن أبي قلابة، عن عمه، عن عمران بن الحصين قال: أتى أبو موسى الأشعري رسول الله ﷺ يستحمله لنفر من قومه فقال رسول الله ﷺ : فذكر الحديث. وجاء فيه: يا رسول الله! إنك كنت قد حلفت، قال: "وإن كنت حلفت".
رواه ابن حبان في صحيحه (٤٣٥١) من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير به، وهذا شاذ من حيث الإسناد والمعنى.
• عن أبي موسى استحمل النبيَّ ﷺ فوافق منه شغلا فقال: "والله لا أحملك" فلما قفا دعاه فحمله فقال: يا رسول الله، إنك حلفت أن لا تحملني، قال: "فأنا أحلف لأحملنك".
صحيح: رواه أحمد (١٢٠٥٦) والبزار كشف الأستار (١٣٤٤) وأبو يعلى (٣٨٣٥) كلهم من حديث حميد الطويل، عن أنس، أن أبا موسى، فذكره. وإسناده صحيح.
وقوله: "فأنا أحلف لأحملنك" أي: أكفر يميني وأحملنك.
هذا مختصر وتفصيله كما في الحديث الماضي.
стр. 4338
جموع أبواب ما جاء في النذر
١ - باب الترغيب في الوفاء بالنذر
قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧].
• عن عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ : "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
قال عمران: لا أدري أذكر النبي ﷺ بعد قرنين أو ثلاثة، قال النبي ﷺ : "إن بعدكم قوما ... ينذرون ولا يوفون".
متفق عليه: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٥١) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٣٥) كلاهما من حديث شعبة، حدثنا أبو حمزة، حدثني زهْدم بن مضرب، سمعت عمران بن حصين فذكره.
• عن بريدة قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردّك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدّف وأتغنى، فقال لها رسول الله ﷺ : "إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا" فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدّف تحت استها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسًا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب. فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدّف".
حسن: رواه الترمذي (٣٦٩٠) وأحمد (٢٢٩٨٩) والبيهقي (١٠/ ٧٧) وصحّحه ابن حبان (٤٣٨٦) كلهم من طريق الحسين بن واقد قال: حدثني عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي بريدة يقول: فذكره.
وإسناده حسن من أجل حسين بن واقد فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريدة.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف. قال: "أوفي بنذرك" قالت: إني
стр. 4339
نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا مكان يذبح فيه أهل الجاهلية. قال: "لصنم" قالت: لا، قال: "لوثن" قالت: لا. قال: "أوفي بنذرك".
حسن: رواه أبو داود (٣٣١٢) وعنه البيهقي (١٠/ ٧٧) عن مسدد، حدثنا الحارث بن عبيد أو قدامة، عن عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث، واختلف في عبيد الله بن الأخنس، الصواب أنه ثقة، وثّقه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم، وتكلم فيه الآخرون بدون حجة.
• عن ابن عباس أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني نذرت أن أنحر ببوانة فقال: "في نفسك شيء من أمر الجاهلية؟ " قال: لا. قال: "أوفِ بنذرك".
حسن: رواه ابن ماجه (٢١٣٠) عن محمد بن يحيى وعبد الله بن إسحاق الجوهري، قالا: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: أنبأنا المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن رجاء بن عمر الفداني البصري فإنه حسن الحديث.
والمسعودي هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود اختلط لما قدم بغداد.
قال أحمد: "إنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع بالبصرة والكوفة فسماعه جيد".
وعبد الله بن رجاء الفداني ممن سمع منه بالبصرة كما قال العراقي في التقييد والايضاح ص ٤٥٤.
• عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد النبي ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال النبي ﷺ : "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا. قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا. قال النبي ﷺ : "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم".
حسن: رواه أبو داود (٣٣١٣) عن داود بن رُشيد، حدثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، حدثني ثابت بن الضحاك، فذكره.
وإسناده صحيح، وصحّحه أيضا الحافظ في التلخيص (٤/ ١٨٠).
ويشبه أن يكون هذا الرجل كَرْدم كما في حديث ميمونة بنت كردم وهو الحديث الآتي:
• عن ميمونة بنت كرْدم اليسارية أن أباها لقي النبي ﷺ وهي رديفة له. فقال: إني نذرتُ أن أنحر ببوانة. فقال رسول الله ﷺ : "هل بها وثن" قال: لا، قال: "أوف بنذرك".
حسن: رواه ابن ماجه (٢١٣١) عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن ميمونة بنت كردم فذكرته. ورواه من وجه آخر فأدخل بين
стр. 4340
عبد الله بن عبد الرحمن وبين ميمونة بنت كردم "يزيد بن مقسم" وإسناده حسن من أجل عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي أبو يعلى الثقفي من رجال مسلم إِلَّا أنه مختلف فيه غير أنه يقبل في المتابعات والشواهد وهذا منها.
وكذلك جاء تسمية هذا الرّجل "كردم" في حديث عمرو بن شعيب، عن ابنة كردمة، عن أبيها أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر ثلاثة من إبلي فقال: "إن كان على جمع من جمع الجاهليّة، أو على عيد من أعياد الجاهليّة، أو على وثن فلا. وإن كان على غير ذلك فاقض نذرك" قال: يا رسول الله، إن على أم هذه الجارية مشيا، أفأمشي عنها؟ قال: "نعم".
رواه أحمد (١٦٦٠٧) عن أبي بكر الحنفيّ، قال: حَدَّثَنَا ابن جعفر، عن عمرو بن شعيب، عن ابنة كردمة، فذكرته.
وفيه انقطاع؛ فإن عمرو بن شعيب لم يسمع من ابنة كردمة.
ورواه أبو داود (٣٣١٥) عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا أبو بكر الحنفيّ، بإسناده مختصرًا، وفيه: إن أمي هذه عليها نذر ومشي، أفأقضيه عنها؟ وربما قال ابن بشار: أنقضيه عنها؟ قال: نعم".
وفي معناه روي أيضًا عن سارة بنت مقسم الثقفيّ، أنها سمعت ميمونة بنت كردم، قالت: فذكرت الحديث نحوه باختلاف بعض ميانه.
رواه أبو داود (٣٣١٤) وسارة بنت مقسم الثقفي لا تعرف.
وقوله: "بوانة" بضم الباء الموحدة، وبعد الألف نون. موضع بين الشام وديار بكر، قاله أبو عبيد، وقيل غير ذلك، ذكره الحافظ في التلخيص.
٢ - باب الوفاء بالنذر الذي كان في حال الكفر إذا لم يكن فيه معصية
• عن ابن عمر، أن عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهليّة أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: "فأوف بنذرك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتكاف (٢٠٣٢) ومسلم في الأيمان والنذور (٢٧: ١٦٥٦) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله أخبرني نافع، عن ابن عمر، فذكره.
• عن عمر بن الخطّاب أنه سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف فقال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهليّة أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام. فكيف ترى؟ قال: "اذهب فاعتكف يومًا"، قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطاه جارية من الخمس فلمّا أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس، سمع عمر بن الخطّاب أصواتهم يقولون: أعتقنا رسول الله ﷺ . فقال: ما هذا؟ فقالوا: أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس. فقال عمر: يا عبد الله اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها.
стр. 4341
متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٤٤)، ومسلم في الأيمان والنذور (٢٨: ١٦٥٦) كلاهما من حديث أيوب، حدَّثه أن نافعًا حدَّثه أن عمر بن الخطّاب سأل فذكر الحديث واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه إِلَّا أن فيه: "وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين".
ولا تعارض بين الحديثين السابقين فإن في الأوّل "اعتكاف ليلة" وفي الثاني "اعتكاف يوم".
قال ابن حبَّان في صحيحه (١٠/ ٢٢٦ - ٢٢٧): "يُشبه أن يكون ذلك يومًا أراد به بليله، وليلة أراد بها بيومها، حتَّى لا يكون بين الخبرين تضاد" أي يوم وليلة.
٣ - باب النذر فيما يبتغي به وجه الله
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ أدرك رجلين وهما مقترنان يمشيان إلى البيت. فقال رسول الله ﷺ : "ما بال القِران؟ " قالا: يا رسول الله! نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين فقال رسول الله ﷺ : "ليس هذا نذرًا" فقطع قرانها.
قال سُريج في حديثه: "إنَّما النذر ما ابتغي به وجه الله ".
حسن: رواه أحمد (٦٧١٤)، عن الحسين بن محمد وسريج قالا: حَدَّثَنَا ابن أبي الزّناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو فإنه حسن الحديث.
وفي الإسناد ابن أبي الزّناد وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان أبي الزّناد مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يضطرب. وقد تابعه يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث بإسناده مختصرًا بقوله.
"ولا نذر إِلَّا فيما ابتُغي به وجه الله تعالى". رواه أبو داود (٢١٩٢).
وكذلك تابعه المغيرة بن عبد الرحمن قال: حَدَّثَنِي أبي: عبد الرحمن، عن عمرو بن شعيب به ولفظه: "لا نذر إِلَّا فيما يبتغي به وجه الله، ولا يمين في قطيعة رحم".
رواه أيضًا أبو داود (٣٢٧٣) ورواه الطحاويّ في شرح معاني الآثار (٤٧٢٨) من وجه آخر عن عمرو بن شعيب بإسناده مختصرًا بقوله: "إنَّما النذر ما ابتُغي به وجه الله".
٤ - باب ما جاء في كراهية النذر
• عن عبد الله بن عمر: نهى النَّبِيّ ﷺ عن النذر وقال: "إنَّه لا يرد شيئًا ولكنه يُستخرج به من البخيل".
وفي لفظ: "من الشحيح".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٩٣)، ومسلم في النذر (٢: ١٦٣٩) كلاهما من طريق منصور، أخبرنا عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن عمر، فذكره.
стр. 4342
• عن سعيد بن الحارث قال: كنت عند عبد الله بن عمر بن الخطّاب إذ جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن ابنا لي كان بأرض فارس، فوقع بها الطاعون، فنذرت إنِ اللهُ نجّى لي ابني أن يمشي إلى الكعبة، وإن ابني قدم فمات. فقال عبد الله: أوف بنذرك. فقال له الرّجل: إنّما نذرت أن يمشي ابني. وإن ابني قد مات. فغضب عبد الله وقال: أو لم تُنهوا عن النذر؟ سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: "إنَّ النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره، ولكن الله ينزع به من البخيل" فلمّا رأيت ذلك قلت للرجل: انطلق إلى سعيد بن المسيب فسله. فانطلق إليه، فسأله، ثمّ رجع، فقلت: ماذا قال لك؟ قال: امش عن ابنك. قال: أو يجزيء عني ذلك؟ فقال سعيد بن المسيب: أرأيت لو كان على ابنك دين فقضيته، أكان يجزئ عنه؟ قلت: بلى، قال: فامش عن ابنك.
حسن: رواه ابن حبَّان (٤٣٧٨)، عن الحسين بن محمد بن أبي معشر، قال: حَدَّثَنَا محمد بن وهب بن أبي كريمة، قال: حَدَّثَنَا محمد بن مسلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن سعيد بن الحارث قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن وهب بن أبي كريمة فإنه "صدوق".
ورواه الحاكم (٤/ ٣٠٤) من وجه آخر عن فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث فذكره مختصرًا.
وقال: صحيح على شرط الشّيخين، ولم يخرجاه بهذه السياق".
وقول الحاكم: بهذه السياقة يعني بهذه القصة. وإلَّا فحديث ابن عمر في الصحيحين كما رأيت.
• عن أبي هريرة قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قدّر له، ولكن يُلقيه النذر إلى القدر قد قدّر له، فيستخرج الله به من البخيل، فيُؤتي عليه ما لم يكن يؤتي عليه من قبل" وفي رواية:
"إنَّ النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدَّره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٩٤)، ومسلم في النذر (٧: ١٦٤٠) كلاهما من حديث عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، واللّفظ للبخاريّ. والرّواية الثانية عند مسلم.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله: لا يأتي ابن آدم النذرُ بشيء لم أكن قدره له، ولكنه يُلقيه النذر بما قد قدرته له، يستخرج به من البخيل، يؤتيني عليه ما لم يكن آتاني عليه من قبل".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٨١٥٢)، وابن الجارود (٩٣٢) كلاهما من حديث عبد الرزّاق بن همام، حَدَّثَنَا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حَدَّثَنَا به أبو هريرة فذكر الحديث.
стр. 4343
وإسناده صحيح وهو حديث قدسيّ، ولم يذكر في بعض نسخ أحمد: "قال الله" وسياق الحديث يدل على صحة وجوده في نسخ أخرى.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل".
صحيح: رواه مسلم في النذر (٥: ١٦٤٠)، عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا عبد العزيز (يعني الدراوردي) عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه شعبة قال: سمعت العلاء بإسناده ولم يقل فيه: "لا تنذروا".
وقوله: "لا تنذروا" قد ذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي للتحريم فإن الناذر قد يقدر له ما نذر، فيظن أن ذلك من أجل النذر، فيكون من اعتقاده بأن النذر يغير القدر بخلاف إن كان معتقدًا بأن النذر لا يغير القدر، فالنذر في حقه مكروه.
ومعناه: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم، أو تصرفون عن أنفسكم شيئًا جرى القضاء به عليكم. وإذا فعلتم ذلك فأخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم.
انظر للمزيد: شرح السنة (١٠/ ٢٣).
٥ - باب قضاء النذر عن الميت
• عن عبد الله بن عباس، أن سعد بن عبادة الأنصاري استفْتى النَّبِيّ ﷺ في نذر كان على أمه، فتوفّيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها، فكانت سنة بعد.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٩٨)، عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن ابن شهاب الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس فذكره. ورواه مسلم في النذر (١٦٣٨ - ١) من طريق اللّيث، عن الزهري بإسناده ولم يذكر فيه: "فكانت سنة بعد".
وكذلك رواه مسلم من حديث جماعة عن الزّهريّ، غير شعيب، عن الزهري. فقد تفرّد البخاريّ برواية شعيب، عن الزهري في ذكر زيادة "فكانت سنة بعد".
قال الحافظ ابن حجر: فصار قضاء الوارث ما على المورث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوبا أو ندبا. ولم أر هذه الزيادة في غير رواية شعيب، عن الزّهريّ، ثمّ ذكر من رواه عن الزهري. ولم يذكر هذه الزيادة ثمّ قال: وأظنها من كلام الزّهريّ، ويحتمل من شيخه وفيها تعقب على ما نقل عن مالك: لا يحج أحد عن أحد. واحتج بأنه لم يبلغه عن أحد من أهل دار الهجرة منذ زمن رسول الله أنه حج عن أحد، ولا أمر به ولا أذن فيه. فيقال لمن قلَّد: قد بلغ ذلك غيره. وهذا الزهري معدود في فقهاء أهل المدينة وكان شيخه في هذا الحديث. وقد استدل بهذه الزيادة ابن حزم الظاهري ومن وافقهم في أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه في جميع الحالات".
стр. 4344
الفتح (١١/ ٥٨٤ - ٥٨٥).
٦ - باب قضاء نذر الحجّ عن الميت
• عن ابن عباس قال: أتى رجل النَّبِيّ ﷺ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت، فقال النَّبِيّ ﷺ "لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: فاقضِ دين الله، فهو أحق بالقضاء".
صحيح: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٩٩)، عن آدم، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
• عن ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النَّبِيّ ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال: "فاقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء".
صحيح: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣١٥)، عن مسدّد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
٧ - باب قضاء نذر الصيام عن الميت
• عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: "أرأيتِ لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدّي ذلك عنها؟ " قالت: نعم. قال: "فصومي عن أمك".
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١٥٦: ١١٤٨)، من طريق زكريا بن عديّ، أخبرنا عبد الله بن عمرو، عن زيد بن أُنَيسة، حَدَّثَنَا الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وعلقه البخاريّ في الصوم عقب حديث (١٩٥٣) عن عبد الله، به، مختصرًا.
واتفقا على روايته من طريق زائدة، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ الحديث. رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٣) ومسلم في الصيام (١٥٥: ١١٤٨).
• عن ابن عباس أن أمرأة ركبتْ البحر، فنذرتْ إن نجاها الله أن تصوم شهرًا. فنجاها الله فلم تصم حتَّى ماتت. فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها.
صحيح: رواه أبو داود (٢٣٠٨)، والنسائي (٣٨١٦) وصحّحه ابن خزيمة (٢٥٤) كلّهم من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
стр. 4345
وإسناده صحيح. وفي معناه أحاديث أخرى. انظر كتاب الصوم.
٨ - باب من نذر أن يصوم صوما فوافق يومًا نُهِيَ عن صيامه
• عن زياد بن جُبير قال: كنت مع ابن عمر، فسأله رجل، فقال: نذرتُ أن أصوم كلّ يوم ثلاثاء أو أربعاء ما عشت، فوافقتُ هذا اليوم يوم النحر، فقال: أمر الله بوفاء النذر، ونُهينا أن نصوم يوم النحر، فأعاد عليه، فقال مثله لا يزيد عليه.
وفي رواية: "ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذا اليوم".
وزاد في رواية: فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر، ولا يرى صيامهما.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٧٠٦)، من طريق يونس، ومسلم في الصيام (١١٣٩) من طريق ابن عون كلاهما عن زياد بن جبير، فذكره. واللّفظ للبخاريّ، والرّواية الأخرى لمسلم.
والزيادة الأخرى للبخاريّ (٦٧٠٥) من طريق موسى بن عقبة، حَدَّثَنَا حكيم بن أبي حرة الأسلمي أنه سمع عبد الله بن عمر.
وتوقف ابن عمر عن الجواب لتعارض الأدلة عنده والأظهر أنه لا يصوم فإن النهي مقدم على الإباحة، وهذا الذي يُفهم من قوله تعالى: أي أنه لم يكن يصوم يومي الفطر والأضحى، وهل عليه القضاء؟ فالأظهر عند الشافعية لا قضاء عليه، وعند غيره يجب عليه القضاء.
٩ - باب لا وفاء لنذر في المعصية
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
صحيح: رواه مالك في النذور والأيمان (٨) عن طلحة بن عبد الملك الأيليّ، عن القاسم بن محمد بن الصديق، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٧٠٠) من طريق مالك.
• عن أنس أن النَّبِيّ ﷺ رأى شيخًا يهادى بين ابنه. فقال: "ما بال هذا؟ " قالوا: نذر أن يمشي! قال: "إنَّ الله عن تعذيب هذا نفسه لغني" وأمره أن يركب.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٧٠١)، ومسلم في النذر (١٦٤٢) كلاهما من طريق حميد، حَدَّثَنِي ثابت، عن أنس، فذكره.
следующие страницы →