← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٤٤)، ومسلم في الأيمان والنذور (٢٨: ١٦٥٦) كلاهما من حديث أيوب، حدَّثه أن نافعًا حدَّثه أن عمر بن الخطّاب سأل فذكر الحديث واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه إِلَّا أن فيه: "وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين". ولا تعارض بين الحديثين السابقين فإن في الأوّل "اعتكاف ليلة" وفي الثاني "اعتكاف يوم". قال ابن حبَّان في صحيحه (١٠/ ٢٢٦ - ٢٢٧): "يُشبه أن يكون ذلك يومًا أراد به بليله، وليلة أراد بها بيومها، حتَّى لا يكون بين الخبرين تضاد" أي يوم وليلة. ٣ - باب النذر فيما يبتغي به وجه الله • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ أدرك رجلين وهما مقترنان يمشيان إلى البيت. فقال رسول الله ﷺ : "ما بال القِران؟ " قالا: يا رسول الله! نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين فقال رسول الله ﷺ : "ليس هذا نذرًا" فقطع قرانها. قال سُريج في حديثه: "إنَّما النذر ما ابتغي به وجه الله ". حسن: رواه أحمد (٦٧١٤)، عن الحسين بن محمد وسريج قالا: حَدَّثَنَا ابن أبي الزّناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو فإنه حسن الحديث. وفي الإسناد ابن أبي الزّناد وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان أبي الزّناد مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يضطرب. وقد تابعه يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث بإسناده مختصرًا بقوله. "ولا نذر إِلَّا فيما ابتُغي به وجه الله تعالى". رواه أبو داود (٢١٩٢). وكذلك تابعه المغيرة بن عبد الرحمن قال: حَدَّثَنِي أبي: عبد الرحمن، عن عمرو بن شعيب به ولفظه: "لا نذر إِلَّا فيما يبتغي به وجه الله، ولا يمين في قطيعة رحم". رواه أيضًا أبو داود (٣٢٧٣) ورواه الطحاويّ في شرح معاني الآثار (٤٧٢٨) من وجه آخر عن عمرو بن شعيب بإسناده مختصرًا بقوله: "إنَّما النذر ما ابتُغي به وجه الله". ٤ - باب ما جاء في كراهية النذر • عن عبد الله بن عمر: نهى النَّبِيّ ﷺ عن النذر وقال: "إنَّه لا يرد شيئًا ولكنه يُستخرج به من البخيل". وفي لفظ: "من الشحيح". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٩٣)، ومسلم في النذر (٢: ١٦٣٩) كلاهما من طريق منصور، أخبرنا عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن عمر، فذكره.

стр. 4342

• عن سعيد بن الحارث قال: كنت عند عبد الله بن عمر بن الخطّاب إذ جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن ابنا لي كان بأرض فارس، فوقع بها الطاعون، فنذرت إنِ اللهُ نجّى لي ابني أن يمشي إلى الكعبة، وإن ابني قدم فمات. فقال عبد الله: أوف بنذرك. فقال له الرّجل: إنّما نذرت أن يمشي ابني. وإن ابني قد مات. فغضب عبد الله وقال: أو لم تُنهوا عن النذر؟ سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: "إنَّ النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخره، ولكن الله ينزع به من البخيل" فلمّا رأيت ذلك قلت للرجل: انطلق إلى سعيد بن المسيب فسله. فانطلق إليه، فسأله، ثمّ رجع، فقلت: ماذا قال لك؟ قال: امش عن ابنك. قال: أو يجزيء عني ذلك؟ فقال سعيد بن المسيب: أرأيت لو كان على ابنك دين فقضيته، أكان يجزئ عنه؟ قلت: بلى، قال: فامش عن ابنك. حسن: رواه ابن حبَّان (٤٣٧٨)، عن الحسين بن محمد بن أبي معشر، قال: حَدَّثَنَا محمد بن وهب بن أبي كريمة، قال: حَدَّثَنَا محمد بن مسلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن سعيد بن الحارث قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن وهب بن أبي كريمة فإنه "صدوق". ورواه الحاكم (٤/ ٣٠٤) من وجه آخر عن فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث فذكره مختصرًا. وقال: صحيح على شرط الشّيخين، ولم يخرجاه بهذه السياق". وقول الحاكم: بهذه السياقة يعني بهذه القصة. وإلَّا فحديث ابن عمر في الصحيحين كما رأيت. • عن أبي هريرة قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قدّر له، ولكن يُلقيه النذر إلى القدر قد قدّر له، فيستخرج الله به من البخيل، فيُؤتي عليه ما لم يكن يؤتي عليه من قبل" وفي رواية: "إنَّ النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدَّره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٩٤)، ومسلم في النذر (٧: ١٦٤٠) كلاهما من حديث عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، واللّفظ للبخاريّ. والرّواية الثانية عند مسلم. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله: لا يأتي ابن آدم النذرُ بشيء لم أكن قدره له، ولكنه يُلقيه النذر بما قد قدرته له، يستخرج به من البخيل، يؤتيني عليه ما لم يكن آتاني عليه من قبل". صحيح: رواه الإمام أحمد (٨١٥٢)، وابن الجارود (٩٣٢) كلاهما من حديث عبد الرزّاق بن همام، حَدَّثَنَا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حَدَّثَنَا به أبو هريرة فذكر الحديث.

стр. 4343

وإسناده صحيح وهو حديث قدسيّ، ولم يذكر في بعض نسخ أحمد: "قال الله" وسياق الحديث يدل على صحة وجوده في نسخ أخرى. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل". صحيح: رواه مسلم في النذر (٥: ١٦٤٠)، عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا عبد العزيز (يعني الدراوردي) عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. ورواه شعبة قال: سمعت العلاء بإسناده ولم يقل فيه: "لا تنذروا". وقوله: "لا تنذروا" قد ذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي للتحريم فإن الناذر قد يقدر له ما نذر، فيظن أن ذلك من أجل النذر، فيكون من اعتقاده بأن النذر يغير القدر بخلاف إن كان معتقدًا بأن النذر لا يغير القدر، فالنذر في حقه مكروه. ومعناه: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم، أو تصرفون عن أنفسكم شيئًا جرى القضاء به عليكم. وإذا فعلتم ذلك فأخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم. انظر للمزيد: شرح السنة (١٠/ ٢٣). ٥ - باب قضاء النذر عن الميت • عن عبد الله بن عباس، أن سعد بن عبادة الأنصاري استفْتى النَّبِيّ ﷺ في نذر كان على أمه، فتوفّيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها، فكانت سنة بعد. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٩٨)، عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن ابن شهاب الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس فذكره. ورواه مسلم في النذر (١٦٣٨ - ١) من طريق اللّيث، عن الزهري بإسناده ولم يذكر فيه: "فكانت سنة بعد". وكذلك رواه مسلم من حديث جماعة عن الزّهريّ، غير شعيب، عن الزهري. فقد تفرّد البخاريّ برواية شعيب، عن الزهري في ذكر زيادة "فكانت سنة بعد". قال الحافظ ابن حجر: فصار قضاء الوارث ما على المورث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوبا أو ندبا. ولم أر هذه الزيادة في غير رواية شعيب، عن الزّهريّ، ثمّ ذكر من رواه عن الزهري. ولم يذكر هذه الزيادة ثمّ قال: وأظنها من كلام الزّهريّ، ويحتمل من شيخه وفيها تعقب على ما نقل عن مالك: لا يحج أحد عن أحد. واحتج بأنه لم يبلغه عن أحد من أهل دار الهجرة منذ زمن رسول الله أنه حج عن أحد، ولا أمر به ولا أذن فيه. فيقال لمن قلَّد: قد بلغ ذلك غيره. وهذا الزهري معدود في فقهاء أهل المدينة وكان شيخه في هذا الحديث. وقد استدل بهذه الزيادة ابن حزم الظاهري ومن وافقهم في أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه في جميع الحالات".

стр. 4344

الفتح (١١/ ٥٨٤ - ٥٨٥). ٦ - باب قضاء نذر الحجّ عن الميت • عن ابن عباس قال: أتى رجل النَّبِيّ ﷺ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت، فقال النَّبِيّ ﷺ "لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: فاقضِ دين الله، فهو أحق بالقضاء". صحيح: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٩٩)، عن آدم، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النَّبِيّ ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال: "فاقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء". صحيح: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣١٥)، عن مسدّد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ٧ - باب قضاء نذر الصيام عن الميت • عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: "أرأيتِ لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدّي ذلك عنها؟ " قالت: نعم. قال: "فصومي عن أمك". صحيح: رواه مسلم في الصيام (١٥٦: ١١٤٨)، من طريق زكريا بن عديّ، أخبرنا عبد الله بن عمرو، عن زيد بن أُنَيسة، حَدَّثَنَا الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وعلقه البخاريّ في الصوم عقب حديث (١٩٥٣) عن عبد الله، به، مختصرًا. واتفقا على روايته من طريق زائدة، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ الحديث. رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٣) ومسلم في الصيام (١٥٥: ١١٤٨). • عن ابن عباس أن أمرأة ركبتْ البحر، فنذرتْ إن نجاها الله أن تصوم شهرًا. فنجاها الله فلم تصم حتَّى ماتت. فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها. صحيح: رواه أبو داود (٢٣٠٨)، والنسائي (٣٨١٦) وصحّحه ابن خزيمة (٢٥٤) كلّهم من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.

стр. 4345

وإسناده صحيح. وفي معناه أحاديث أخرى. انظر كتاب الصوم. ٨ - باب من نذر أن يصوم صوما فوافق يومًا نُهِيَ عن صيامه • عن زياد بن جُبير قال: كنت مع ابن عمر، فسأله رجل، فقال: نذرتُ أن أصوم كلّ يوم ثلاثاء أو أربعاء ما عشت، فوافقتُ هذا اليوم يوم النحر، فقال: أمر الله بوفاء النذر، ونُهينا أن نصوم يوم النحر، فأعاد عليه، فقال مثله لا يزيد عليه. وفي رواية: "ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذا اليوم". وزاد في رواية: فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر، ولا يرى صيامهما. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٧٠٦)، من طريق يونس، ومسلم في الصيام (١١٣٩) من طريق ابن عون كلاهما عن زياد بن جبير، فذكره. واللّفظ للبخاريّ، والرّواية الأخرى لمسلم. والزيادة الأخرى للبخاريّ (٦٧٠٥) من طريق موسى بن عقبة، حَدَّثَنَا حكيم بن أبي حرة الأسلمي أنه سمع عبد الله بن عمر. وتوقف ابن عمر عن الجواب لتعارض الأدلة عنده والأظهر أنه لا يصوم فإن النهي مقدم على الإباحة، وهذا الذي يُفهم من قوله تعالى: أي أنه لم يكن يصوم يومي الفطر والأضحى، وهل عليه القضاء؟ فالأظهر عند الشافعية لا قضاء عليه، وعند غيره يجب عليه القضاء. ٩ - باب لا وفاء لنذر في المعصية • عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". صحيح: رواه مالك في النذور والأيمان (٨) عن طلحة بن عبد الملك الأيليّ، عن القاسم بن محمد بن الصديق، عن عائشة، فذكرته. ورواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٧٠٠) من طريق مالك. • عن أنس أن النَّبِيّ ﷺ رأى شيخًا يهادى بين ابنه. فقال: "ما بال هذا؟ " قالوا: نذر أن يمشي! قال: "إنَّ الله عن تعذيب هذا نفسه لغني" وأمره أن يركب. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٧٠١)، ومسلم في النذر (١٦٤٢) كلاهما من طريق حميد، حَدَّثَنِي ثابت، عن أنس، فذكره.

стр. 4346

• عن ابن عباس قال: بينا النَّبِيّ ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النَّبِيّ ﷺ : "مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتمّ صومه". صحيح: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٧٠٤)، عن موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا وهيب، حَدَّثَنَا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وأبو إسرائيل هذا رجل من الأنصار، وقيل: اسمه يسير، كما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب. • عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان يقود إنسانًا بخزامة في أنفه. فقطعها النَّبِيّ بيده، ثمّ أمره أن يقوده بيده. صحيح: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٧٠٣) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني سليمان الأحول أن طاوسا أخبره، عن ابن عباس فذكره. والخزامة بكسر الخاء وهو ما يجعل في أنف البعير من شعر أو غيره ليقاد به. • عن عقبة بن عامر أنه قال: نذرتْ أختي أن تمشي إلى بيت الله، وأمرتني أن أستفتي لها النَّبِيّ ﷺ ، فاستفتيه، فقال: "لتمش ولتركب" وزاد في رواية: حافية. متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٦٦)، ومسلم في النذر (١٢: ١٦٤٤) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، أن يزيد بن أبي حبيب أخبره، أن أبا الخير حدَّثه، عن عقبة بن عامر، فذكره. والزيادة لمسلم من رواية عبد الله بن عَيَّاش، عن يزيد بن أبي حبيب. • عن أبي هريرة، أن النَّبِيّ ﷺ أدرك شيخًا يمشي بين ابنيه، يتوكأ عليهما، فقال النَّبِيّ ﷺ : "ما شأن هذا؟ " قال ابناه: يا رسول الله، كان عليه نذر، فقال النَّبِيّ ﷺ : "اركب أيها الشّيخ، فإن الله غني عنك وعن نذرك". صحيح: رواه مسلم في النذر (١٦٤٣) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. • عن جابر بن عبد الله أن رجلًا قام يوم الفتح. فقال: يا رسول الله! إني نذرت لله إن فتح عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين. فقال: "صل هاهنا" ثمّ أعاد عليه فقال: "صل هاهنا" ثمّ أعاد عليه. فقال: "شأنك إذًا". صحيح: رواه أبو داود (٣٣٠٥) وأحمد (١٤٩١٩) والحاكم (٤/ ٣٠٤) والبيهقي (١٠/ ٨٢ - ٨٣) وابن الجارود (٩٤٥) كلّهم من حديث حمّاد بن سلمة، عن حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي

стр. 4347

رباح، عن جابر بن عبد الله فذكره. قال أبو داود: "رُوي نحوه عن عبد الرحمن بن عوف، عن النَّبِيّ ﷺ . قلت: إسناده صحيح. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين". والرجل المبهم هو الشريد كما جاء في رواية عطاء بن أبي رباح قال: جاء الشريد إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني نذرت إن الله فتح عليك أن أصلي في بيت المقدس. فقال النَّبِيّ ﷺ : "هاهنا فصلّ" ثمّ عاد حتَّى قال مثل مقالته هذه ثلاث مرات، والنبي ﷺ يقول: "هاهنا فصلّ" قال له في الرابعة: "اذهب، فوالذي نفسي بيده لو صليت هاهنا لأجزأ عنك، ثمّ قال: صلاة في هذا المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة" رواه عبد الرزّاق (١٥٨٩١) عن إبراهيم بن يزيد، عن عطاء إِلَّا أنه مرسل. وأمّا حديث عبد الرحمن بن عوف الذي أشار إليه أبو داود ففيه رجال مجاهيل. رواه أبو داود (٣٣٠٦) مختصرًا، وعبد الرزّاق (١٥٨٩٠) مطوَّلًا عن ابن جريج، قال: أخبرني يوسف بن الحكم بن أبي سفيان، أن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف وعمرو بن حنّة أخبراه عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن رجال من الأنصار من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أن رجلًا من الأنصار جاء النَّبِيّ في يوم الفتح فذكر نحو حديث جابر بن عبد الله وجاء فيه: وقال ابن جريج: أخبرت أن ذلك الرّجل: الشريد بن سويد من الصدف وهو ثقيف. وفيه حفص بن عمر بن عبد الرحمن وعمرو بن حنّة، وشيخهما عمر بن عبد الرحمن بن عوف كلّهم" مقولون كما في التقريب. أي يقبلون عند المتابعة كما هو الحال لحفص بن عمر بن عبد الرحمن وعمرو بن حنة، فإن أحدهما تابع الآخر. ولم أقف على متابعة عمر بن عبد الرحمن بن عوف. والله أعلم. قال ابن المسيب: من نذر أن يعتكف في مسجد إيلياء فاعتكف في مسجد النَّبِيّ ﷺ بالمدينة، أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد النَّبِيّ ﷺ بالمدينة فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه. ومن نذر أن يعتكف على رؤوس الجبال فإنه لا ينبغي له ذلك. ليعتكفْ في مسجد جماعة" رواه عبد الرزّاق (١٥٨٨٩) عن معمر، عن عبد الكريم الجزريّ، عن ابن المسيب فذكره. • عن ابن عباس أن رجلين اختصما إلى النَّبِيّ ﷺ فسأل النَّبِيّ ﷺ الطالب البينة. فلم تكن له بينة. فاستحلف المطلوب. فحلف بالله الذي لا إله إِلَّا هو. فقال رسول الله ﷺ : "بلى قد فعلت، ولكن قد غفر لك بإخلاص قول لا إله إِلَّا الله. قال أبو داود: يراد من هذا الحديث أنه لم يأمره بالكفارة. صحيح: رواه أبو داود (٣٢٧٥) وأحمد (٢٢٨٠) والبيهقي (١٠/ ٣٧) كلّهم من حديث حمّاد

стр. 4348

ابن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي يحيى، عن ابن عباس فذكره. ورواه النسائيّ في الكبرى (٦٠٠٦) من طريق سفيان الثوري عن عطاء بن السائب ولفظه: "ادفع حقه، وستكفر عنك لا إله إِلَّا الله ما صنعت". وعطاء بن السائب اختلط بآخره، فمن سمع منه قديمًا فحديثه صحيح كما قال أحمد وغيره. وشعبة وسفيان وحماد بن سلمة سمعوا منه قديمًا فحديثهم صحيح. نص على ذلك أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما. استدل بهذه الأحاديث من قال: من نذر نذر معصية فلا يعصه، وليس عليه الكفارة. وهو مذهب مالك والشافعي وأبي ثور وغيرهم، لأن نذر المعصية لا ينعقد فلا كفارة عليه. ١٠ - باب من قال في النذر بالمعصية كفارة • عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ قال: "كفارة النذر كفارة اليمين". صحيح: رواه مسلم في النذر (١٦٤٥) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، فذكره. من قال في المعصية كفارة أخذ بهذا الحديث المطلق. ورواه الترمذيّ (١٥٢٨) من وجه آخر عن أبي بكر بن عباس قال: حَدَّثَنِي محمد مولى المغيرة بن شعبة، قال: حَدَّثَنِي كعب بن علقمة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسمّ كفارة اليمين". وفيه محمد مولى المغيرة هو محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي "مجهول" ومن طريقه رواه أيضًا أبو داود (٣٣٢٣) وليس فيه: "إذا لم يسمّ". ورواه ابن ماجة (٢١٢٧) من وجه آخر عن إسماعيل بن رافع، عن خالد بن يزيد، عن عقبة بن عامر وذكر فيه: "لم يسمّه". وإسماعيل بن رافع الأنصاري المدني ضعيف الحفظ كما في التقريب. ومعنى قوله: "إذا لم يسمّ" أي أن كفارة اليمين إنّما تجب فيما كان من النذروات غير مسمى. وحملوا هذا المقيد على المطلق الذي في حديث عقبة بن عامر عند مسلم. قال النوويّ معلقًا على قوله: "كفارة النذر كفارة اليمين": "اختلف العلماء في المراد به. فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلا: إن كلمت زيدًا مثلا فلله عليّ حجّة أو غيرها. فيكلمه. فهو بالخيار بين كفارة بيمين، وبين ما التزمه. هذا هو الصَّحيح في مذهبنا. وقال: وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق كقوله: عليَّ نذر. وحمله أحمد

стр. 4349

وبعض أصحابنا على نذر المعصية كمن نذر أن يشرب الخمر. وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر. وقالوا: هو مخير في جميع النذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة يمين". انتهى. • عن ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت. فأمرها النَّبِيّ ﷺ أن تركب وتُهدي هديا. صحيح: رواه أبو داود (٣٢٩٦)، وأحمد (٢١٣٤) والحاكم (٤/ ٣٠٢) والبيهقي (١٠/ ٧٩) والدارمي (٢٣٣٥) والطحاوي في مشكله (٢١٥١) من طرق عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره وإسناده صحيح. وفي رواية: تهدي بدنة، وهي من زيادة الثقة، وفي الروايات التي لم تذكر الهدي والبدنة تحمل على هذا، فمن نذر أن يحج ماشيا فلم يقدر على ذلك فعليه أن يقدم بدنة. وقد رواه هشام قال: حَدَّثَنَا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ بلغه أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشيا، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "إن الله عن نذرها غني فمرها فلتركب". رواه الطحاويّ في مشكله (٢١٣٥) وقال: وهشام أحفظ من همام، فكيف قبلتم زيادة همام عن قتادة عليه. قال: كان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أنا قبلناها إذ كان همام لو روى حديثًا، فانفرد به كان مقبولًا منه، فكذلك زيادته في الحديث الذي ذكرت مقبولة منه، لا سيما وقد وافقه على ذلك مطر عن عكرمة". انتهى. • عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت حافية غير مختمرة. فقال النَّبِيّ ﷺ : "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، فلتركب، ولتختمر، ولتصم ثلاثة أيام". حسن: رواه أبو داود (٣٢٩٤)، والتِّرمذيّ (١٥٤٤) والنسائي (٣٨١٥) وابن ماجة (٢١٣٤) والبيهقي (١٠/ ٨٠) كلّهم من حديث عبيد الله بن زحر، عن أبي سعيد الرُّعينيّ، عن عبد الله بن مالك اليحصُبيّ، عن عقبة بن عامر فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن". قلت: فيه عبيد الله بن زحر ضعيف، ولكنه توبع. رواه الإمام أحمد (١٧٣٣٠) عن حسن، ثنا ابن لهيعة، ثنا بكر بن سوادة، عن أبي سعيد به. وبكر بن سوادة ثقة فقيه، ولكن الراوي عنه ابن لهيعة سيء الحفظ. ورواه الطحاويّ في مشكله (٢١٥٠) من طريق عبد الرزّاق قال: أخبرنا ابن جريج، قال:

стр. 4350

حَدَّثَنِي سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر فذكر الحديث مثله. وبمجموع هذه الطرق يكون الحديث حسنًا. قال الترمذيّ: "والعمل على هذا عند أهل العلم. وهو قول أحمد وإسحاق". وقوله: "ولتصم ثلاثة أيام" زيادة، وهي ليست بمخالفة لما أطلق في حديث عقبة بن عامر، ثمّ لعلّه أمرها أولا أن تُهدي بدنة، فإن لم تستطع فتصوم ثلاثة أيام. جمعا بين الروايتين، إِلَّا أن الراوي اختصره فأوهم القارئ. وفي الباب ما رُوي أيضًا عن عقبة بن عامر يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّما النذر يمين، كفارتها كفارة اليمين". رواه الإمام أحمد (١٧٣٤٠) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، قال: حَدَّثَنَا ابن لهيعة، قال حَدَّثَنَا كعب بن علقمة، قال: سمعت عبد الرحمن بن شماسة يقول: أتينا أبا الخير فقال: سمعت عقبة بن عامر يقول: فذكر الحديث. وابن لهيعة سيء الحفظ، ولكنه لا بأس به في الشواهد. • عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "النذر نذران، فما كان الله فكفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين". حسن: رواه ابن الجارود في المنتقي (٩٣٥) وعنه البيهقيّ (١٠/ ٧٢) عن محمد بن يحيى، ثنا محمد بن موسى بن أيمن، ثنا خطاب، ثنا عبد الكريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل خطاب وهو ابن القاسم الحراني فإنه مختلف فيه. فوثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال أحمد بن حنبل: "لا بأس به ولكن قال البرذعي: سمعت أبا زرعة ذكر الخطّاب بن القاسم الحراني فقال: "منكر الحديث". وقيل: إنه اختلط وتغير قبل موته. والتوثيق المطلق من ابن معين وأبي زرعة يدل على أنه لا تأثير لاختلاطه، لأنه كان قبل موته، والغالب من سمع منه كان قبل ذلك فإسناده لا ينزل عن درجة الحسن. ويؤيده فتوى ابن عباس نفسه كما رواه ابن أبي شيبة (١٢٥٤٤) عن وكيع، عن شعبة، عن أبي جمرة الضبعي أن رجلًا من بني سليم نذر أن يزمّ أنفه، فقال ابن عباس: "النذر نذران. فما كان لله فيه الوفاء، وما كان للشيطان ففيه الكفارة، أطلق زمامك، كفّر عن يمينك. وفي الباب ما رُوي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين". رواه النسائيّ (٣٨٤٠) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزُّبير الحنظليّ، عن أبيه، عن عمران بن حصين فذكره.

стр. 4351

قال النسائيّ: محمد بن الزُّبير ضعيف، لا يقوم بمثله حجّة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث". ثمّ قال: وقيل: إن الزُّبير لم يسمع هذا الحديث من عمران بن حصين. ثمّ رواه هو، وأحمد (١٩٨٨٨) والبيهقي (١٠/ ٧٠) وغيرهم فأدخلوا بين الزُّبير وعمران بن حصين رجلًا. قال البيهقيّ: الزُّبير لم يسمع من عمران، وقد اختلف في هذا الحديث اختلافا كثيرًا كما هو في حديث عائشة الآتي. وأمّا حديث عائشة فروي من وجهين: الأوّل: ما رواه أبو داود (٣٢٩٠) والتِّرمذيّ (١٥٢٤) والنسائي (٣٨٣٤) وابن ماجة (٢١٢٥) وأحمد (٢٦٠٩٨) والطحاوي في مشكله (٢١٥٨) والبيهقي (١٠/ ٦٩) كلّهم من طرق عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة اليمين" وفي رواية عند النسائيّ (٣٨٣٨) عن ابن شهاب، قال: حَدَّثَنَا أبو سلمة، عن عائشة إِلَّا أن النسائيّ أعلّه بما يأتي. قال أبو داود: سمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك يعني في هذا الحديث: حدَّث أبو سلمة. فدلّ ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة. وقال أحمد بن محمد: "وتصديق ذلك ما حَدَّثَنَا أيوب يعني ابن سليمان". قال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث. قيل له: وصحَّ إفساده عندك؟ وهل رواه غير ابن أبي أويس؟ ! قال: أيوب كان أمثل منه يعني أيوب بن سليمان بن بلال. وقد رواه أيوب". انتهى. وقال الترمذيّ: "هذا حديث لا يصح، لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة. وقال: سألت محمدًا يقول: روي غير واحد منهم: موسى بن عقبة، وابن أبي عتيق، عن الزّهريّ، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ . قال محمد: "والحديث هو هذا". ثمّ رواه الترمذيّ وأبو داود والبغوي في شرح السنة (٢٤٤٧) وغيرهم من حديث موسى بن عقبة وعبد الله بن أبي عتيق بإسناده كما ذكره البخاريّ. ثمّ قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب، وهو أصح من حديث أبي صفوان، عن يونس، وأبو صفوان هو مكي، واسمه عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان. وقد روى عنه الحميدي وغير واحد من أجلة أهل الحديث. وقال البغوي: "هذا حديث غريب". وقال الحافظ ابن القيم في تهذيب السنن (٤/ ٣٧٣): "هذا حديث مختلف في إسناده ومتنه، كما ذكرنا، ولا تقوم الحجة بأمثال ذلك".

стр. 4352

قلت: وسليمان بن أرقم ضعيف باتفاق أهل العلم. قال النسائيّ: "سليمان بن أرقم متروك الحديث. والله أعلم. خالفه غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث". ثمّ ساقه من طرف عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزُّبير الحنظليّ، عن أبيه، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين". ثمّ قال النسائيّ: محمد بن الزُّبير ضعيف لا يقوم بمثله حجة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث. ثمّ ساقه بلفظ: "ولا نذر في غضب، وكفارته كفارة اليمين"، وقال: وقيل: إن الزُّبير لم يسمع هذا الحديث من عمران بن حصين ثمّ ساق بإسناده عن محمد بن الزُّبير، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرة قال: صحبت عمران بن حصين قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "النذر نذران، فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه، ويكفّره ما يكفر اليمين". ورواه أيضًا عن محمد بن الزُّبير، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال فذكر مرفوعًا: "لا نذر في معصية ولا غضب، وكفارته كفارة اليمين" ورواه أيضًا بلفظ آخر: "لا نذر في المعصية، وكفارته كفارة اليمين" وقال: خالفه منصور بن زاذان في لفظه. وساقه عن منصور، عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: قال - يعني النَّبِيّ ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا في معصية الله " وقال: وخالفه عليّ بن زيد فرواه عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة ثمّ ساقه عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" قال النسائيّ: "عليّ بن زيد ضعيف، وهذا الحديث خطأ، والصواب عمران بن حصين. وقد روي هذا الحديث عن عمران بن حصين من وجه آخر. ثمّ ساقه عن أيوب قال: حَدَّثَنَا أبو قلابة، عن عمه، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" لقد أظهر النسائيّ علل هذا الحديث من اضطراب في الإسناد، وضعف في الرواة، وانقطاع في الإسناد، واختلاف في الألفاظ. وإن كان ظاهره السلامة. ولذا قال الحافظ في التلخيص (٤/ ١٧٥): "إسناده صحيح إِلَّا أنه معلول. رواه أحمد وأصحاب السنن والبيهقي من رواية الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهو منقطع، لم يسمعه الزهري من أبي سلمة". وقال الطحاويّ في مشكله (٢١٥٨) هذا الحديث شاذ. وقال: وجدناه فاسد الإسناد، ثمّ ساقه من طريق سليمان بن أرقم وقال: وسليمان بن أرقم ليس ممن يقبل أهل الإسناد حديثه". انتهى. والوجه الثاني: هو ما رواه الطحاويّ في مشكله (١٥١٤، ٢١٤٤) عن محمد بن عليّ بن داود البغداديّ، قال: حَدَّثَنَا سعيد بن سليمان الواسطيّ، قال: حَدَّثَنَا حفص بن غياث، عن عبيد الله بن

стр. 4353

عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". قال حفص: وسمعت ابن محيريز وهو عند عبيد الله فذكره عن القاسم، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ وقال: "يكفّر عن يمينه". قال الطحاويّ في الموضع الأوّل: "هذا الحديث في الحقيقة لم يسمعه عبيد الله بن عمر من القاسم، وإنما أخذه طلحة بن عبد الملك الأيليّ، عن القاسم، عن عائشة". وقال في الموضع الثاني: "فتأملنا إسناد هذا الحديث فوجدنا حفص بن غياث حدّث به عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، وكان ظاهره سماع عبيد الله إياه من القاسم، فكشفنا ذلك، فوجدناه لم يسمعه منه، وإنما أخذه عن غيره". انتهى كلامه. ونقل الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٤/ ١٧٥) عن ابن القطان قوله: "عندي شك في رفع هذه الزيادة". والله تعالى أعلم. رُوي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا أطاقه فليف به". رواه أبو داود (٣٣٢٢) وعنه البيهقيّ (١٠/ ٤٥) عن جعفر بن مسافر التنيسيّ، حَدَّثَنَا ابن أبي فُديك، قال: أخبرني طلحة بن يحيى الأنصاريّ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن كريب، عن ابن عباس فذكره. قال أبو داود: "روى هذا الحديث وكيع وغيره عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند أوقفوه على ابن عباس". قلت: الموقوف هو الصَّحيح لأن طلحة بن يحيى الأنصاري لا يُقبل مخالفته لوكيع ومن معه ولكن قال البيهقيّ بعد نقل كلام أبي داود: "وقد رُوي عن غيره عن عبد الله كذلك مرفوعًا. قلتُ: وقد رواه ابن ماجة (٢١٨٢) من وجه آخر عن عبد الملك بن محمد الصنعانيّ، قال: حَدَّثَنَا خارجة بن مصعب، عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن كريب، عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: فذكر مثله إِلَّا أنه لم يذكر فيه: "من نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين" وفيه خارجة بن مصعب بن خارجة السرخسي ضعيف باتفاق أهل العلم مع التدليس. ولعل المقصود من قول البيهقيّ: "ورُوي من وجه آخر غير قوي عن بكير بن الأشجّ" هو هذا الطريق. فالصواب أنه من قول ابن عباس، وكذلك ذكره البغوي في شرح السنة (١٠/ ٣٥) من قول ابن عباس وقال: ورواه بعضهم مرفوعًا. تمسك بهذه الأحاديث والآثار من قال: من نذر نذر معصية فلا يعصه، وعليه كفارة يمين. قال

стр. 4354

به جابر بن عبد الله وابن عباس وابن مسعود. وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد. قال ابن القيم: "قال الموجبون للكفارة في نذر المعصية: هذه الآثار فد تعددتْ طرقُها، ورواها ثقات، وحديث عائشة احتج به الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وإن كان الزهري لم يسمعه من أبي سلمة فإن له شواهد تقويه. رواه عن النَّبِيّ ﷺ سوي عائشة: جابر وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر قاله الترمذيّ". انتهى. قلت: لا خلاف بين أهل العلم أن من قال: إن شفى الله مريضي من علته، أو قدم غائبي، وما أشبه ذلك فعلي من الصوم كذا، ومن الصّلاة كذا، ومن الصّدقة كذا، فكان عليه الوفاء بنذره إن كان مقدورًا عليه، فإن لم يكن مقدوا عليه فالظاهر عليه الكفارة كفارة اليمين. وقد قيل: لم يأت ذكر الكفارة في الأحاديث التي ذكرت في الباب الذي قبل هذا. فقال ابن قدامة: "ولكن جاء ذكرها في أحاديثنا. المغني (١٣/ ٦٢٦). وقال: "فإن فعل ما نذره من المعصية فلا كفارة عليه. كما لو حلف ليفعلنَّ معصية ففعلها، ويحتمل أن تلزمه الكفارة حتما، لأن النَّبِيّ ﷺ عين فيه الكفارة، ونهى عن فعل المعصية". انتهى. مثل أن ينذر أنه يقف في الشّمس ثلاث ساعات وهي معصية، ولكنه وقف في الشّمس ثلاث ساعات فلا كفارة عليه بالاتفاق. وإن لم يقف فعليه الكفارة كما قال الإمام أحمد وغيره. ١١ - باب لا نذر فيما لا يملك العبد • عن ثابت بن الضَّحَّاك أن النَّبِيّ ﷺ قال: "ليس على رجل نذر فيما لا يملك". متفق عليه: رواه مسلم في الأيمان (١١٠ - ١٧٦) واللّفظ له، والبخاري في الأدب (٦٠٤٧) كلاهما من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن ثابت بن الضَّحَّاك وكان من أصحاب الشجرة حدث أن رسول الله ﷺ قال: فذكر الحديث بطوله. إِلَّا أن البخاريّ لم يذكر: "ليس على رجل نذر فيما لا يملك". وقوله: "فيما لا يملك" أي لا ينعقد نذره أصلًا. • عن عمران بن حصين قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل. فأسرتْ ثقيفُ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلًا من بني عقيل. وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق. قال: يا محمد! فأتاه. فقال: "ما شأنك؟ " فقال: بم أخذتني؟ وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال: "إعظامًا لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيفَ" ثمّ انصرف عنه فناداه: فقال: يا محمد! يا محمد! وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رقيقًا. فرجع إليه فقال: "ما شأنك؟ " قال: إني مسلم. قال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح" ثمّ انصرف فناداه،

стр. 4355

فقال: يا محمد! يا محمد! فأتاه فقال: "ما شأنك؟ " قال: إني جائع فأطعمني. وظمآن فأسقني. قال: "هذه حاجتك" ففُدي بالرجلين. قال: وأُسرتْ امرأةٌ من الأنصار. وأصيبت العضباءُ. فكانت المرأةُ في الوثاق. وكان القوم يريحون نعمَهم بين يدي بيوتهم. فانفلتتْ ذات ليلةٍ من الوثاق فأتت الإبل. فجعلت إذا دنتْ من البعير رغا فتركهـ. حتَّى تنتهي إلى العضباء. فلم ترغ. قال: وناقة منوّقة. فقعدت في عجزها ثمّ زجرتْها فانطلقت. ونذروا بها فطلبوها فأعجزتْهم قال: ونذرت لله، إن نجّاها الله عليها لتنحرنَّها، فلمّا قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العضباء، ناقة رسول الله ﷺ فقالت: إنها نذرتْ، إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "سبحان الله! بئسما جزتْها، نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء في معصية، ولا فيما لا يملك العبد". وفي رواية: "لا نذر في معصية الله". صحيح: رواه مسلم في النذر (١٦٤١) من طرق عن إسماعيل بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين فذكره. • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر، ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فلْيدعها، وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها". حسن: رواه أبو داود (٣٢٧٤) والنسائي (٣٧٩٢) وأحمد (٦٩٩٠) والبيهقي (١٠/ ٣٣) كلّهم من حديث عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. ورواه ابن ماجة (٢١١١) من وجه آخر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. إِلَّا أن النسائيّ لم يذكر من قوله: ومن حلف على يمين ... فإن تركها كفارتها". فإن قوله: "فإن تركها كفارتها" مخالف للأحاديث الصحيحة التي توجب الكفارة في الحنث ففي أقل التقدير إنها شاذة. وقد قال أبو داود عقبه: الأحاديث كلها عن النَّبِيّ ﷺ : وليكفر عن يمينه، وهي الصحاح، إِلَّا فيما لا يعبأ به. قال أبو داود: "قلت لأحمد: روي يحيى بن سعيد، عن يحيى بن عبد الله فقال: تركهـ بعد ذلك، وكان أهلا لذلك. قال أحمد: "أحاديثه مناكير، وأبوه لا يعرف". انتهى. وحديث يحيى بن عبيد الله هو ما رواه البيهقيّ (١٠/ ٣٤) من طريقه عنه، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فأتي الذي هو خير، وهو كفارته". ويحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب ضعيف جدًّا. وفي معناه روي أيضًا عن ابن عباس

стр. 4356

وأبي سعيد الخدريّ وعائشة بأسانيد ضعيفة. ١٢ - باب النذر في قطيعة الرحم • عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث. فسأل أحدهما صاحبة القسمة، فقال: لئن عدْت تسألني القسمة لن أكلمك أبدًا. وكل مالٍ لي في رتاج الكعبة. فقال عمر بن الخطّاب: إن الكعبة الغنيّة عن مالك. كفّر عن يمينك، وكلم أخاك، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك، ولا نذر في معصية، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا تملك". حسن: رواه أبو داود (٣٢٧٢) وابن حبَّان (٤٣٥٥) والحاكم (٤/ ٣٠٠) والبيهقي (١٠/ ٣٣) كلّهم من طريق يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا خبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: إسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث. وعن عائشة أنها قالت: من قال: مالي في رتاج الكعبة، فإنما كفارته يمين. رواه مالك في النذور والأيمان (٢٠) عن أيوب بن موسى، عن منصور بن عبد الرحمن الحجيّ، عن أمه، عن عائشة فذكرته. وأصل الرتاج: الباب. من ذكر هذا لا يريد به نفس الباب، إنّما يريد به أن يكون ماله هديا إلى الكعبة، فيضعه منها حيث نواه وأراده. وإنما يلزمه كفارة اليمين إذا التزم على وجه الغضب. انظر شرح السنة (١٠/ ٣٦). • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر إِلَّا فيما ابتُغي به وجه الله ، ولا يمين في قطيعة رحم". حسن: رواه أبو داود (٢٣٧٣) وأحمد (٦٧٣٢) كلاهما من حديث عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو فإنه حسن الحديث. ١٣ - باب من نذر أن يقتل رجلًا من المشركين إن قدر عليه فحال بينه وبين ذلك إسلامه فلم يقتله • عن أنس بن مالك أنه سئل: هل غزوت مع نبي الله ﷺ ؟ قال: نعم، غزوت معه يوم حنين، فخرج المشركون بكثرة، فحملوا علينا، حتَّى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي المشركين رجل يحمل علينا، فيدقّنا ويحطمنا، فلمّا رأى ذلك نبي الله ﷺ نزل فهزمهم الله فولوا، فقام نبي الله حين رأى الفتح، فجعل يجاء بهم أساري رجلًا

стр. 4357

رجلًا، فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : إن عليّ نذرًا لئن جيء بالرجل الذي كان منذر اليوم يحطمنا لأضربنّ عنقه. قال: فسكت نبي الله ﷺ ، وجيء بالرجل، فلمّا رأى نبي الله، قال: يا نبي الله، تبت إلى الله، يا نبي الله تبت إلى الله. قال: فأمسك نبي الله ﷺ ، فلم يبايعه ليوفي الآخر نذره، قال: فجعل ينظر النَّبِيّ ﷺ ليأمره بقتله، وجعل يهاب نبي الله ﷺ أن يقتله، فلمّا رأى نبي الله ﷺ أنه لا يصنع شيئًا بايعه. فقال: يا نبي الله نذري؟ قال: "لم أمسك عنه منذ اليوم إِلَّا لتوافي نذرك" فقال: يا نبي الله! ألا أوْمضت إليَّ؟ فقال: "إنه ليس لنبي أن يُومض". صحيح: رواه أبو داود (٣١٩٤) وأحمد (١٢٥٢٩) والطحاوي في شرحه (١٥١٣) كلّهم من حديث عبد الوارث بن سعيد، قال: حَدَّثَنَا أبو غالب الباهليّ، عن أنس بن مالك فذكره. وإسناده صحيح. • * *

стр. 4358

٣٦ - كتاب الأضاحي ١ - باب فضل العمل في عشر ذي الحجة • عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه" قالوا: ولا الجهاد؟ وقال: "ولا الجهاد، إِلَّا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء. صحيح: رواه البخاريّ في العيدين (٩٦٩) عن محمد بن عرعرة، قال: حَدَّثَنَا شعبة، عن سليمان، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى، وهي مخرجة في مواضعها. ٢ - باب الأضاحي من شعائر الإسلام قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. عن ابن عباس قال: "اذبح يوم النحر". • عن البراء بن عازب قال: قال النَّبِيّ ﷺ : إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي، ثمّ نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا" الحديث. وفي رواية: "وأصاب سنة المسلمين". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأضاحي (٥٥٤٥)، ومسلم في الأضاحي (٧: ١٩٦١) كلاهما من طريق محمد بن بشار - وزاد مسلم: ومحمد بن المثي - حَدَّثَنَا محمد بن جعفر (غندر)، حَدَّثَنَا شعبة، عن زُبَيْد الإِيَاميّ، عن الشعبيّ، عن البراء بن عازب فذكره. والرّواية الثانية للبخاريّ (٥٥٥٦)، ومسلم (٤: ١٩٦١) كلاهما من طريق خالد بن عبد الله، عن مطرف، عن عامر الشعبي به. • عن أنس بن مالك قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "من ذبح قبل الصّلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصّلاة فقد تم نسكُه، وأصاب سنة المسلمين". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأضاحي (٥٥٤٦) عن مسدد، حَدَّثَنَا إسماعيل، عن أيوب، عن محمد (هو ابن سيرين) عن أنس فذكره. ورواه مسلم في الأضاحي (١٠: ١٩٦٢) من طرق عن إسماعيل بن إبراهيم (هو ابن علية) به مطوَّلًا بغير هذا اللّفظ.

стр. 4359

• عن جبلة بن سُحيم أن رجلًا سأل ابن عمر عن الأضحية أواجبة هي؟ فقال: ضحَّى رسولُ الله ﷺ والمسلمون، فأعادها عليه، فقال: أَتعقِل! ؟ ضحَّى رسول الله ﷺ والمسلمون. حسن: رواه الترمذيّ (١٥٠٦) عن أحمد بن منيع، قال: حَدَّثَنَا هُشيم قال: أخبرنا حجَّاج بن أرطاة، عن جبلة بن سُحيم فذكره. قال الترمذيّ: "حسن صحيح". قلتُ: "بل حسن فقط؛ فإن حجَّاج بن أرطاة صدوق مدلِّس وقد عنعن، ولكن رواه ابن ماجة (٣١٢٤) من وجه آخر عن إسماعيل بن عَيَّاش قال: حَدَّثَنَا الحجاج بن أرطاة، قال: حَدَّثَنَا جبلة بن سحيم قال: سألتُ ابن عمر فذكر الحديث فصرَّح الحجاجُ بالتحديث، لكن فيه إسماعيل بن عَيَّاش مخلط في روايته عن غير الشاميين، وهذا منه؛ لأن الحجاج بن أرطاة من الكوفيين إِلَّا أنه توبع في الإسناد الأوّل، تابعه هُشيم وهو ثقة، وبهذا يرتقي الحديث إلى درجة الحسن. ولإسماعيل بن عَيَّاش شيخ آخر، رواه ابن ماجة (٣١٢٤) عن هشام بن عمار، عنه، قال: حَدَّثَنَا ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: سألت ابن عمر عن الضحايا أواجبة هي؟ قال (فذكر بقية الحديث مثله) وزاد: "وجرت به السنة". وابن عون أيضًا ليس من الشاميين، ولعل هذا الاختلاف يعود إلى اختلاط إسماعيل بن عَيَّاش نفسه، والمحفوظ ما رواه هُشيم بن بشير مع متابعة إسماعيل بن عياش. فالحديث بمجموع هذه الطرق لا ينزل عن درجة الحسن. وقد جاء ما يدل على أن ابن عمر كان يرى الأضحية سنة، وليست بواجبة، من ذلك ما رواه البيهقيّ (٩/ ٢٦٥ - ٢٦٦) من طريق شعبة - وابن حزم في المحلى (٨/ ٩) من طريق حمّاد بن سلمة - كلاهما عن عقيل بن طلحة، عن زياد بن عبد الرحمن قال: سألتُ ابن عمر عن الأضحية فقال: "سنة ومعروف". واللّفظ لابن حزم، وهو عند البيهقيّ بساق أطول. ورجالهما ثقات غير زياد بن عبد الرحمن أبي خصيب القيسي لم يوثّقه غيرُ ابن حبَّان، ولم يرو عنه سوى عقيل بن طلحة، ولذا قال الحافظ: "مقبول" لكن لا بأس به في المتابعات، ولذلك لما علّقه البخاريّ في "صحيحه" عن ابن عمر بصيغة الجزم، قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٣): "وصله حمّاد بن سلمة في "مصنفه" بسند جيد إلى ابن عمر. ورواه في تغليق التعليق (٥/ ٣) بسنده عن حمّاد بن سلمة به بمثل رواية ابن حزم. وقال الترمذيّ عقب حديث جبلة بن سحيم: "هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأضحية ليست بواجبة، ولكنها سنة من سنن رسول الله ﷺ يُستحب أن يُعمل بها، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك".

стр. 4360

وقلتُ: وبه قال أيضًا الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وجمع من أهل العلم من الصّحابة والتابعين. وأمّا ما رُوي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من كان له سعة ولم يضحِّ، فلا يقربنَّ مصلانا" ففيه ضعف. رواه ابن ماجة (٣١٢٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حَدَّثَنَا زيد بن الحُباب، حَدَّثَنَا عبد الله بن عَيَّاش، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه أحمد (٨٢٧٣)، والحاكم (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢) من طريق عبد الله بن يزيد المقريء، عن عبد الله بن عَيَّاش به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وليس كما قال؛ فإن عبد الله بن عَيَّاش القتباني قد ضعَّفه أبو داود والنسائيّ، وقال أبو حاتم: "ليس بالمتين صدوق يُكتب حديثُه" ولذا قال الحافظ: "صدوق يخلط أخرج له مسلم في الشواهد". فهو ضعيف يُعتبر به، لكن لا يُعرف له متابع بل قد اختلف عليه في إسناده فرواه الحاكم (٤/ ١٣٢) من طريق وهب، أخبرني عبد الله بن عَيَّاش، عن عبد الرحمن الأعرج حدَّثه عن أبي هريرة قال: "من وجد سعة فلم يضح معنا، فلا يقربن مصلانا" موقوفًا. ورواه الدَّارقطنيّ (٤٧٤٣) من طريق ابن وهب، حَدَّثَنَا عبد الله بن عَيَّاش عن عيسى بن عبد الرحمن بن فروة الأنصاريّ، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مثله موقوفًا. والموقوف أشبه بالصواب؛ قال البيهقيّ في الكبرى (٩/ ٢٦): "بلغني عن أبي عيسى الترمذيّ أنه قال: "الصَّحيح عن أبي هريرة موقوف. قال: ورواه جعفر بن ربيعة وغيره عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة موقوفًا، وحديث زيد بن الحباب غير محفوظ". وقال البيهقيّ في "الصغرى" كما في المنة الكبرى (٤/ ٤٦١): "والموقوف أصح" وكذا قال الدَّارقطنيّ كما نقله ابن الجوزي في "التحقيق". راجع للمزيد "المنة الكبرى". وكذلك لا يصح ما رُوِيَ عن مِخنف بن سُليم قال: ونحن وقوف مع رسول الله ﷺ بعرفات قال: قال: "يا أيها الناس، إنَّ على كل أهل بيت في كل عام أُضحية وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ هذه التي يقول عنها الناس: الرجبية". رواه أبو داود (٢٧٨٨)، والتِّرمذيّ (١٥١٨)، والنسائي (٤٢٢٤)، وابن ماجة (٣١٢٥)، والإمام أحمد (١٧٨٨٩) من طرق عن عبد الله بن عون، عن عامر أبي رمْلة قال: أخبرنا مخنف بن سُليم فذكره. وزاد النسائيّ: قال معاذ راويه عن ابن عون: كان ابن عون يَعْتِرُ، أَبْصَرَتْه عيني في رجب" وقال الترمذيّ: "حديث حسن غريب لا نعرف هذا الحديث إِلَّا من هذا الوجه من حديث ابن عون. اهـ. كذا قال! وفي إسناده عامر أبو رملة، تفرّد عنه ابن عون ولم يوثَّق، لذا قال الذّهبيّ في

стр. 4361

"الميزان": "فيه جهالة" وقال الحافظ في التقريب: "لا يُعرف". ولكنه توبع فرواه عبد الرزّاق في مصنفه (٨١٥٩) عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم، عن حبيب بن مخنف، عن أبيه، قال: فذكر نحوه. ورواه أحمد (٢٠٧٣٠) عن عبد الرزّاق به، لكن لم يذكر عن "أبيه". وقد نقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ١٠٨) عن عبد الرزّاق أنه قال: "لا أدري أعن أبيه أم لا؟ ". قل: وأيًّا كان فمداره على عبد الكريم وهو ابن أبي المخارق أبو أمية البصري اتهمه أيوب السختياني بالكذب، وقال ابن معين: "ليس بشيء" وقال النسائيّ والدارقطني: "متروك الحديث". ٣ - باب ما روي في فضل الأضحية رُوِيَ في فضل الضحايا أحاديث لكن لم يثبت منها شيء؛ ولذلك قال أبو بكر بن العربي في "العارضة" (٦/ ٢٨٨): "ليس في فضل الأضحية حديث صحيح، وقد روى الناس فيها عجائب" اهـ. قلت: من ذلك ما رُوي عن زيد بن أرقم قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: "سنة أبيك إبراهيم، قالوا فما لنا فيها يا رسول الله؟ قال: ""بكل شعرة حسنة" قالوا: فالصوف يا رسول الله؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة". رواه ابن ماجة (٣١٢٧) والإمام أحمد (١٩٢٨٣) من طريق سلّام بن مسكين، ثنا عائذ الله المجاشعيّ، عن أبي داود، عن زيد بن أرقم فذكره. وصحح إسناده الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٨٩) من هذا الوجه. فتعقبه الذّهبيّ بقوله: "عائذ الله قال أبو حاتم: "منكر الحديث". قلتُ: وشيخه أبو داود واسمه نُفيع بن الحارث أسوأ حالًا منه، فقد كذَّبه ابن معين وقال النسائيّ وغيره: "متروك". وبه أعلّه البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٥١). وكذلك لا يصح أيضًا ما رُوي عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، إنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقعُ من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض، فطيبوا بها نفسًا". رواه الترمذيّ (١٤٩٣)، وابن ماجة (٣١٢٦) كلاهما من طريق عبد الله بن نافع الصائغ أبو محمد، حَدَّثَنِي أبو المثنى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرتْه. قال الترمذيّ: "حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام بن عروة إِلَّا من هذا الوجه" اهـ. ورواه الحاكم (٤/ ٢٢١) من هذا الوجه وصحّح إسناده فتعقّبه الذّهبيّ بقوله: "سليمان واهٍ، وبعضهم تركهـ".

стр. 4362

قلتُ: يعني أبا المثنى ووقع اسمه في سند الحاكم سليمان بن يزيد، وكذلك سمَّاه الترمذيّ وغير واحد. وهو ضعيف كما في "التقريب"، وذكره ابن حبَّان في "المجروحين" وقال: "شيخ يرُوي عن هشام بن عروة، يخالف الثّقات في الروايات لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إِلَّا للاعتبار". ومع ضعَّفه فهو أيضًا لم يسمع من هشام بن عروة قال الترمذيّ في العلل الكبير (٢/ ٦٣٨): "سألت محمدًا عن حديث أبي المثنى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ في الضحايا فقال: هو حديث مرسل، لم يسمع أبو المثنى من هشام بن عروة" اهـ. ونقله عن الترمذيّ البيهقيّ في السنن الكبرى (٩/ ٢٦١) ثمّ قال عقبه: رواه ابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن أبي المثنى، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن هشام بن عروة، عن عائشة ﵂ وعن عمّه موسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ قال: "ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق دم" ثمّ ذكره اهـ. قلت: وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ثقة كما في التقريب، لكن تبقى العلة الأولى وهي ضعف أبي المثنى ولا متابع له، وبه أعلّه ابن حبَّان في كتابه "المجروحين" (٣/ ١٥١). يُستفاد من مجموع الأحاديث استحباب الأضحية وسُنّيتها، ولا يستحب تركها لمن قدر عليها، وقد قال أحمد: "الأضحية أفضل من الصّدقة بقيمتها". ٤ - باب النهي عن أخذ الشعر، وتقليم الأظافر، إذا دخلت عليه عشر ذي الحجة • عن أم سلمة أن النَّبِيّ ﷺ قال: "إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يُضحي، فلا يمسَّ من شعره وبشره شيئًا". وفي لفظ: "فلا يأخذنّ شعرًا، ولا يقلِمَنَّ ظفرًا". صحيح: رواه مسلم في الأضاحي (٣٩: ١٩٧٧) عن ابن أبي عمر المكيّ، حَدَّثَنَا سفيان هو (ابن عيينة)، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف، سمع سعيد بن المسيب يحدث عن أم سلمة فذكرته. واللّفظ الآخر عنده أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سفيان به. قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه، قال: لكني أرفعه. • عن أم سلمة زوج النَّبِيّ ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من كان له ذِبْحٌ يذبَحُه، فإذا أهِلّ هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره شيئًا حتَّى يضحّي". صحيح: رواه مسلم في الأضاحي (٤٢: ١٩٧٧) عن عبيد الله بن معاذ العنبريّ، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن عمرو الليثيّ، عن عمر بن مسلم بن عمَّار بن أكيمة الليثي قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت أم سلمة تقول فذكرته.

стр. 4363

ثمّ رواه من طريق أبي أسامة، عن محمد بن عمرو، عن عمرو بن مسلم بن عمار الليثي قال: كنا في الحمام قبيل الأضحى، فاطّلى فيه ناس فقال بعض أهل الحمام: إن سعيد بن المسيب يكره هذا أو ينهى عنه، فلقيتُ سعيد بن المسيب فذكرت ذلك له، فقال: يا ابن أخي، هذا حديث قد نُسِي وتُرِك حدثتني أم سلمة زوج النَّبِيّ ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ بمعنى حديث معاذ عن محمد بن عمرو. (عمر بن مسلم وعمرو بن مسلم كلاهما واحد). فقه الحديث: يستفاد من هذا الحديث أن من أراد أن يضحي فيحرم عليه أخذ شيء من شعره، وأظفاره، حتَّى يضحي وإليه ذهب سعيد بن المسيب راوي الحديث والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأهل الظاهر، وبعض أصحاب الشافعيّ، وقد لخص ابن عبد البر مذاهب الفقهاء فقال: "ومذهب مالك أنه لا بأس بحلق الرأس، وتقليم الأظفار، وقص الشارب في عشر ذي الحجة، وهو مذهب سائر الفقهاء بالمدينة والكوفة، وقال اللّيث بن سعد: وقد ذكر له حديث سعيد بن المسيب عن أم سلمة أن النَّبِيّ ﷺ قال: "من أهل عليه منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتَّى يضحي. فقال اللّيث: قد روي هذا، والناس على غير هذا. وقال الأوزاعي: إذا اشترى أضحيته بعد ما دخل العشر فإنه يكف عن قص شاربه، وأظفاره وإن اشتراها قبل أن يدخل العشر فلا بأس. واختلف قول الشافعي في ذلك فمرة قال: من أراد أن يضحي لم يمس في العشر من شعره شيئًا، ولا من أظفاره. وقال في موضع آخر: أحب لمن أراد أن يضحي أن لا يمس في العشر من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتَّى يضحي لحديث أم سلمة. فإن أخذ من شعره وأظفاره فلا بأس؛ لأن عائشة قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ " الحديث. وذكر الأثرم: أن أحمد بن حنبل كان يأخذ بحديث أم سلمة هذا فقيل له: فإن أراد غيره أن يضحي وهو لا يريد أن يضحي فقال: إذا لم يرد أن يضحي لم يمسك عن شيء، إنّما قال: "إذا أراد أحدكم أن يضحي". التمهيد (١٧/ ٢٣٥). وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك، لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس، فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظفار". وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يمسك عن أخذ شعره، وتقليم أظافره إِلَّا إذا دخل عليه العشر، وعنده الأضحية، فإذا لم تكن له الأضحية فلا يجب عليه أن يمسك. روى مسدد - كما في إتحاف الخيرة المهرة (٦٤٨٠) - عن كثير بن أبي كثير، أن يحيى بن يعمر كان يفتي بخراسان أن الرّجل إذا اشترى الأضحية وأسماها ودخل العشر أن يكف عن شعره وأظفاره حتَّى يضحي، قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: "نعم" فقلتُ عمن يا أبا

стр. 4364

محمد؟ قال عن أصحاب محمد ﷺ . ورجاله ثقات. ٥ - باب صفات الأضحية المرغوب فيها • عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ اِنْكَفَأ إلى كبشين أقرنين أملحين، فذبحهما بيده. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأضاحي (٥٥٥٤) عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا عبد الوهّاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس فذكره. ورواه مسلم في الأضاحي (١٧: ١٩٦٦) من طريق قتادة، عن أنس مثله وزاد: وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحها. قوله: "أملحين" قيل: الأملح: الذي بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض. • عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرُكُ في سواد، وينظر في سواد، فأتِيَ ليُضحي به ... الحديث. صحيح: رواه مسلم في الأضاحي (١٩: ١٩٦٧) عن هارون بن معروف، حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب، قال: قال حيوة: أخبرني أبو صخْر، عن يزيد بن قُسَيْط، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة فذكرته. قال الخطّابي: قولها: "يطأ في سواد" الخ تريد أن أظلافه ومواقع البروك منه وما أحاط بملاحظ عينيه ووجهه أسود، وسائر بدنه أبيض. • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: كان رسول الله ﷺ يُضحي بكبش أقرن فحيل، ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد. صحيح: رواه أبو داود (٢٧٩٦)، والتِّرمذيّ (١٤٩٦)، والنسائي (٤٣٩٠)، وابن ماجة (٣١٢٨) من طرق عن حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبي سعيد فذكره. وإسناده صحيح، جعفر بن محمد هو بن محمد بن عليّ بن الحسين القرشي الهاشمي المعروف بالصادق، وأبوه محمد بن عليّ بن الحسين بن أبي طالب المعروف بالباقر وكلاهما ثقة جليل القدر. وقال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إِلَّا من حديث حفص بن غياث". قلتُ: وصحّحه أيضًا ابنُ حبَّان (٥٩٠٢)، والحاكم (٤/ ٢٢٨)، فقال: "صحيح على شرط الشّيخين"، والصحيح أن الباقر من رجال مسلم وحده، وإنما روى له البخاريّ في الأدب المفرد" إِلَّا أن الحاكم لا يفرق بين رجال البخاريّ في صحيحه بين رجاله في الأدب المفرد وغيره من كتبه. فتنبه لذلك. • عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال: خرجتُ مع أبي سعيد الزُّرقي صاحب رسول الله ﷺ إلى شراء الضحايا، فأشار أبو سعيد إلى كبش أدْغَم، ليس بالمرتفع، والمنضع في جسمه فقال لي: اشترِ لي هذه، كأنه شبّهه بكبش رسول الله ﷺ .

стр. 4365

حسن: رواه ابن ماجة (٣١٢٩) من طريق محمد بن شعيب، أخبرني سعيد بن عبد العزيز، ثنا يونس بن ميسرة بن حلبس قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن شعيب هو ابن شابور فإنه صدوق صحيح الكتاب، وقد توبع كما سيأتيّ، وبقية رجاله ثقات، سعيد بن عبد العزيز هو التوخي الدّمشقيّ الإمام، وصحابيه أبو سعيد الزرقي الأنصاري ويقال: أبو سعد، قيل: اسمه عمارة بن سعيد وقيل: غير ذلك. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٥٢): "إسناده صحيح رجاله ثقات". ورواه الحاكم (٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩) من طريق هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبيه قال: خرجت مع سعد الزرقي - وكانت له صحبة إلى شراء الضحايا، فأشار إلى كبش أدغم الرأس أقرن ليس بأرفع الكباش، فقال: كأنه الكبش الذي ضحّى به رسول الله ﷺ . وقال: "صحيح الإسناد". كذا قال: "مع سعد الزرقي" بإسقاط أداة الكنية. وأمّا زيادة "عن أبيه" في الإسناد فهو خطأ. • عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني امرأة من بني سُليم ولّدت عامةَ أهل دارنا: أرسل رسول الله ﷺ ﷺ إلى عثمان بن طلحة، وقال مرةً: إنها سألت عثمان بن طلحة: لمَ دعاك النَّبِيّ ﷺ ؟ قال: "إنِّي كنت رأيت قرْني الكبش حين دخلتُ البيت، فنسيتُ أن آمرك أن تخمِّرهما، فخمِّرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي". قال سفيان: "لم تزل قرنا الكبش في البيت حتَّى احترق البيتُ فاحترقا". صحيح: رواه أبو داود (٢٠٣٠)، وأحمد (١٦٦٣٧) - والسياق له - من طريق سفيان (هو ابن عيينة)، حَدَّثَنِي منصور، عن خاله مسافع، عن صفية بنت شيبة فذكرته. وإسناده صحيح، منصور هو ابن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث العبدري الحجبي المكيّ، وهو ابن صفية بنت شيبة، ومسافع هو ابن عبد الله بن شيبة بن عثمان الحجبي المكي. • عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله ﷺ سعى بين الصفا والمروة وأن ذلك سنة؟ قال: صدقوا إن إبراهيم لما أُمِرَ بالمناسك عرض له الشّيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم، ثمّ ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له الشّيطان فرماه بسبع حصيات حتَّى ذهب، ثمّ عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، وثمَ تلَّه للجبين، وعلى إسماعيل قميص أبيض، فقال له: يا أبت، إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتَّى تكفنني فيه، فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه قد ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥] فالتفت إبراهيم فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين.

стр. 4366

قال ابن عباس: لقد رأيتُنا نتبع ذلك الضرب من الكباش. حسن: وهو جزء من حديث طويل رواه الإمام أحمد (٢٧٠٧)، وأبو داود الطيالسي (٢٨٢٠) من طريق حمّاد بن سلمة، عن أبي عاصم الغنويّ، عن أبي الطفيل فذكره، وقد سبق بتمامه في كتاب الحجّ. ٦ - باب ما لا يجوز من الأضاحي • عن عُبيد بن فيروز قال: سألت البراء بن عازب: ما لا يجوز في الأضاحي؟ فقال: قام فينا رسول الله ﷺ وأصابعي أقصر من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله فقال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العَوْراء بيِّنٌ عورُها، والمريضة بيِّنٌ مرضُها، والعرجاء بيِّنٌ ظلعها، والكسير التي لا تنقى". قال: قلت: فإني أكره أن يكون في السِّنّ نقصٌ، قال: "ما كرهتَ فدعه، ولا تحرمه على أحد". صحيح: رواه أبو داود (٢٨٠٢)، والنسائي (٤٣٦٩)، وابن ماجة (٣١٤٤)، وأحمد (١٨٥١٠)، وابن خزيمة (٢٩١٢)، وابن حبَّان (٥٩٢٢)، والحاكم (١ - ٤٦٧ - ٤٦٨) كلّهم من طريق شعبة، قال: سمعت سليمان بن عبد الرحمن، قال: سمعت عُبيد بن فيروز، به، فذكره. وإسناده صحيح، سليمان بن عبد الرحمن هو الدّمشقيّ. وقال الحاكم: "حديث صحيح ولم يخرجاه، لقلة روايات سليمان بن عبد الرحمن، وقد أظهر عليّ بن المديني فضائله وإتقانه". ورواه الترمذيّ (١٤٩٧) من طريق يزيد بن أبي حبيب - وابن حبَّان (٥٩١٩) من طريق ليث بن سعد - كلاهما عن سليمان بن عبد الرحمن الدّمشقيّ به، مثله، إِلَّا أنهما قالا: "والعجفاء التي لا تنقي" وزاد ابن حبَّان فقالوا للبراء: فإنما نكرَهُ النَّقصَ في السِّن والأُذن والذَّنَب قال: فاكرهوا ما شئتم، ولا تحرّموا على الناس. وإسناده صحيح، قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إِلَّا من حديث عُبيد بن فيروز عن البراء، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم". ورواه النسائيّ (٤٣٧١)، وابن حبَّان (٥٩٢١) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عيد بن فيروز، به. وإسناده صحيح. تنبيه: رواه مالك في الضحايا (١) عن عمرو بن الحارث، عن عبيد بن فيروز، به، فأسقط من إسناده "سليمان بن عبد الرحمن". نبَّهَ على ذلك ابن حبَّان. وكذا قال أبو حاتم الرازي "العلل" (٢/ ٤١). وفي الباب ما رُوِيَ عن يزيد ذي مِصْر قال: أتيتُ عتبة بن عَبْدٍ السُّلميّ فقلتُ: يا أبا الوليد، إني خرجتُ ألتمسُ الضحايا فلم أجد شيئًا يعجبني غير ثَرْماء، فكرهتُها فما تقول؟ قال: أفلا جئتني

стр. 4367

بها، قلت: سبحان الله! تجوز عنك ولا تجوز عني؟ قال: نعم إنك تشكُّ ولا أشكُّ. إنّما نهى رسول الله ﷺ عن المصفَّرة، والمستأصلة، والبَخْقاء، والمُشَيَّعة، والكَسْراء. والمصفرة: التي تُستأصل أذنُها حتَّى يبدو سماخُها، والمستأصلة: التي استؤصل قرنُها من أصله، والبخْقاء: التي تبخق عينها، والمشبعة: التي لا تتبع الغنم عجفا وضعفا، والكسراء: الكسيرة. رواه أبو داود (٢٨٠٣)، وأحمد (١٧٦٥٢) من طريق ثور بن يزيد، حَدَّثَنِي أبو حميد الرُّعينيّ، أخبرني يزيد ذو مصر به، فذكره. ورواه الحاكم (٤/ ٢٢٥) من هذا الوجه وصحَّح إسناده، وفيه أبوحميد الرُّعينيّ، تفرّد عنه ثور بن يزيد، وقال الذّهبيّ في الميزان: "لا يُعْرَف" وقال الحافظ في التقريب: "مجهول". وشيخه يزيد ذو مصر الشّاميّ لم يوثقه إِلَّا ابن حبَّان بذكره إياه في "الثّقات" لذا قال الحافظ: "مقبول" يعني حيث يُتابع وإلَّا فليّن الحديث. وقوله: "ثَرْماء" بمثلثة ومدّ، والثرم: سقوط الثنية من الأسنان. ٧ - باب استشراف عين وأذن الأضحية عند الشراء • عن عليّ بن أبي طالب قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نستشرف العينَ والأذن. حسن: رواه الترمذيّ (١٥٠٣)، والنسائي (٤٣٧٦)، وابن ماجة (٣١٤٣)، وأحمد (٧٣٢، ٧٣٤، ٨٢٦، ١٠٢١) من طرق عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عديّ، عن عليٍّ، فذكره. وزاد الترمذيّ وأحمد - إِلَّا في الموضع الأوّل - أن عليًّا سئل عن البقرة فقال: "عن سبعة". قال: القرن؟ قال: لا يضرُّك. قال: العرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك. وقال الترمذيّ: "حسن صحيح". وصحّحه أيضًا من هذا الوجه ابن خزيمة (٢٩١٤، ٢٩١٥)، وابن حبَّان (٥٩٢٠). ورواه الحاكم (٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥) من طريق أبي إسحاق، والثوريّ، وشعبة - فرّقهم - ثلاثتُهم عن سلمة بن كهيل به. ثمّ قال: "هذه الأسانيد كلها صحيحة، ولم يحتجا بحجة بن عدي وهو من كبار أصحاب أمير المؤمنين عليّ. اهـ. قلتُ: وحجية هذا مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، كما أنه لم ينفرد به فقد تابعه هُبَيْرة بن يريم وحديثه في زيادات عبد الله بن أحمد (١١٠٦) وهبيرة بن يريم قريب من حجية. وتابعه أيضًا شريح بن النعمان وحديثه رواه أبو داود (٢٨٠٤)، والتِّرمذيّ (١٤٩٨)، والنسائي (٤٣٧٢)، وابن ماجة (٣١٤٢) وأحمد (٨٥١) والحاكم (٤/ ٢٢٤) وصحّح إسناده. وشريح بن النعمان صدوق، والخلاصة أن الحديث حسن وإن كان خلاف بين أهل العلم في الوقف والرفع، والرفع زيادة. وقوله: "نستشرف العين والأذن" أي نتأمل سلامتها من العيوب كالعور والجدع، والاستشراف

стр. 4368

أن تضع يدك على حاجبك كالذي يستظل من الشّمس حتَّى يستبين الشيء. • عن عليّ أن النَّبِيّ ﷺ نهى أن يُضَحَّى بعضباء الأذن والقرن. حسن: رواه أبو داود (٢٨٠٥)، والتِّرمذيّ (١٥٠٤)، والنسائي (٤٣٧٧)، وابن ماجة (٣١٤٥)، وأحمد (٦٣٣، ١٠٤٨)، من طرق عن قتادة، عن جُريّ بن كُليب، عن عليّ، فذكره. واللّفظ لأبي داود. ولفظه عند الآخرين سوى أحمد في الموضع الأوّل: نهى أن يُضحي بأعضب القرن والأذن. وزادوا إِلَّا ابن ماجة وأحمد في الموضع الأوّل: قال قتادة فذكرتُ ذلك لسعيد بن المسيب فقال: "العضْبُ ما بلغ النصف فما فوق ذلك". وقول قتادة هذا رواه أبو داود (٢٨٠٦) عقب الحديث من طريق يحيى القطان، عن هشام الدستوائيّ، عن قتادة. وقال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح". ورواه الحاكم (٤/ ٢٢٤) من هذا الوجه وصحح إسناده. قلت: وإسناده حسن من أجل جري بن كليب قال أبو داود عقب الحديث: "جُريٌّ سدوسي بصريٌّ لم يحدث عنه إِلَّا قتادة". وقتادة إمام هذا الفن، وروايته عنه قوى أمره، وقول أبي داود يُشير إلى أنه كان معروفًا في بلده، ولو علم فيه جرحا لبيّنه، وقول عليّ بن المديني: "مجهول لا أعلم روى عنه غير قتادة". يعني قليل الرواية. ووثَّقه العجليّ، وابن حبَّان، وحسّنه وصحّحه الترمذيّ والحاكم. وأمّا ما رُوي عن أبي سعيد الخدريّ قال: ابتعنا كَبْشًا نضحّي به، فأصاب الذئبُ من إليتيه أو أذنه، فسألنا النَّبِيَّ ﷺ فأمرنا أن نضحّى به. فهو ضعيف جدًّا. رواه ابن ماجة (٣١٤٦)، والإمام أحمد (١١٢٧٤) من طريق سفيان الثوريّ، عن جابر بن يزيد (هو الجعفي)، عن محمد بن قرظة الأنصاريّ، عن أبي سعيد، فذكره. وإسناده ضعيف جدًّا، فيه الجعفي وهو متروك، ومحمد بن قرظة تفرّد عنه الجعفي فهو مجهول كما في التقريب. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٥٤): "هذا إسناد ضعيف فيه جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف وقد اتهم". ٨ - باب الأضحية بالجذعة من الضأن • عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذبحوا إِلَّا مسنّة، إِلَّا أن يَعسر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضأن".

стр. 4369

صحيح: رواه مسلم في الأضاحي (١٩٦٣) عن أحمد بن يونس، حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا أبو الزُّبير، عن جابر، فذكره. قال النوويّ: "وهذا تصريحٌ بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال، وهذا مجمع عليه على ما نقله القاضي عياض، ونقل العبدري وغيره من أصحابنا عن الأوزاعي أنه قال: يجزئ الجذع من الإبل والبقر والمعز والضأن وحكي هذا عن عطاء". شرح صحيح مسلم (١٣/ ١١٧). قوله: "إِلَّا مسنة" المسنة: هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم. • عن عقبة بن عامر قال: ضحّينا مع رسول الله ﷺ بجذع من الضأن. حسن: رواه النسائيّ (٤٣٨٢)، وابن حبَّان (٥٩٠٤)، وابن الجارود (٩٠٥) من طريق ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، حدَّثه أن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني حدَّثه، عن عقبة بن عامر الجهنيّ، فذكره. وإسناده حسن، من أجل معاذ بن عبد الله فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقوّى سنده الحافظ في الفتح (١٠/ ١٥). ورواه أحمد (١٧٣٨٠) عن وكيع، عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد الله بن خُبيب، عن ابن المسيب، عن عقبة بن عامر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الجذع؟ فقال: "ضحِّ به فلا بأس به". فزاد في إسناده ابنَ المسيب، فيحتمل أن يكون معاذ بن عبد الله سمعه من سعيد بن المسيب أولًا ثمّ سمعه من عقبة بعد ذلك وإلَّا فرواية بكير الأشجّ أشبه بالصواب؛ فإنه أوثق وأحفظ من أسامة بن زيد الليثي بكثير. • عن كليب الجَرمي قال: كنا مع رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ يقال له: مُجَاشِع من بني سُليم، فعزّت الغنم، فأمر مناديًا فنادى أن رسول الله ﷺ كان يقول: "إنَّ الجذع يُوفي مما يُوفِي منه الثَّنِي". حسن: رواه أبو داود (٢٧٩٩)، وابن ماجة (٣١٤٠)، والحاكم (٤/ ٢٢٦) من طريق عبد الرزّاق، أنبأنا الثوريّ، عن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: فذكره. ورواه النسائيّ (٤٣٨٤)، وأحمد (٢٣١٢٣)، والحاكم (٤/ ٢٢٦) من طريق شعبة، عن عاصم بن كليب، قال سمعتُ أبي يحدِّث عن رجل، قال: كنا مع النَّبِيّ ﷺ قبل الأضحي بيومين نُعْطي الجذَعتَين بالثنيّة، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الجذعة تُجزيءُ ما تُجزئ منه الثنية". ورواه النسائيّ (٤٣٨٣) من طريق أبي الأحوص، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: فذكره بمثل رواية الثوريّ، وفي أوله قصة. ورواه الحاكم أيضًا من طريق عبد الله بن إدريس، ثنا عاصم بن كليب به بنحو حديث الثوري. والحديث مداره على عاصم بن كليب وهو صدوق حسن الحديث، وقد صحَّحه الحاكم.

стр. 4370

ورواه البيهقيّ (٩/ ٢٧٠ - ٢٧١) من طريق أبي حذيفة، ثنا سفيان به، بمثل رواية عبد الرزّاق غير أنه قال: "إن الجذع من الضأن". وأبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي البصريّ، صدوق سيء الحفظ وكان يصحِّف كما في التقريب. وقد تكلموا في روايته عن سفيان الثوري فقال الإمام أحمد: "كأن سفيان الذي يحدث عنه أبو حذيفة ليس هو سفيان الثوري الذي يحدث عنه الناس". وقال ابن محرز: "سألت يحيى عن أصحاب سفيان من هم"؟ قال: "المشهورون: وكيع، ويحيى، وعبد الرحمن، وابن المبارك، وأبو نعيم، هؤلاء ثقات. قيل له: فأبو عاصم، وعبد الرزّاق، وقبيصة، وأبو حذيفة؟ قال: "هؤلاء ضعفاء" يعني في الثوري. والحاصل أن هذا الحديث والذي قبله دلا على جواز الأضحية بالجذع من الضأن مطلقًا سواء وجد الثني أم لم يوجد. أما حديث جابر: "لا تذبحوا إِلَّا مسنة إِلَّا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة" فهو محمول على الأفضلية جمعا بين النصوص أي يجوز ذبح الجذعة والأفضل المسنة. أما ما رُوي عن أبي كباش قال: جلبت غنمًا جُذعانًا إلى المدينة فكسدت عليَّ، فلقيت أبا هريرة فسألته فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "نعم الأضحية الجذع من الضأن". قال: فانتهبه الناس، فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (١٤٩٩)، والإمام أحمد (٩٧٣٩) من طريق وكيع، ثنا عثمان بن واقد، عن كِدام بن عبد الرحمن، عن أبي كباش، فذكره. وإسناده ضعيف لجهالة أبي كباش والراوي عنه كدام بن عبد الرحمن ولذلك أعلّه الترمذيّ بقوله: "حديث غريب، وقد رُوي هذا عن أبي هريرة موقوفًا. وأورده في العلل الكبير (٢/ ٦٤٦) وقال: سألت محمدًا - يعني البخاريّ - عن هذا الحديث فقال: "روى هذا الحديث عثمان بن واقد فرفعه إلى النَّبِيّ ﷺ ، ورُوي عن غير عثمان بن واقد عن أبي هريرة موقوفًا". اهـ. وكذلك لا يصح ما رُوي عن أم بلال بنت هلال عن أبيها، أن رسول الله ﷺ قال: يجوز الجذع من الضأن أضحيةً". رواه ابن ماجة (٣١٣٩)، والإمام أحمد (٢٧٠٧٣) من طريق أبي ضمرة أنس بن عياض، ثنا محمد بن أبي يحيى مولى الأسلمية، عن أمه قالت: حَدَّثَنِي أم بلال بنت هلال، عن أبيها، فذكرته. وإسناده ضعيف لجهالة أم محمد بن أبي يحيى الأسلمي. وأم بلال قال الذّهبيّ في الميزان: "لا تعرف، ولكن وثَّقها العجلي". يقال لها صحبة كما في "التقريب".

стр. 4371

ثمّ اختلف فيه على أبي ضمرة فرواه البيهقيّ (٩/ ٢٧١) وفي المعرفة (١٤/ ٢٩) من طريق إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، ثنا أبو ضمرة به، وليس فيه "عن أبيها". قال البيهقيّ في المعرفة: "وهو الصَّحيح". قلت: كذلك رواه أيضًا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن أبي يحيى به فيما رواه الإمام أحمد (٢٧٠٧٢)، والطَّبرانيّ في الكبير (٢٥/ ١٦٤) بلفظ: "ضحوا بالجذع فإنه جائز". ومداره على أم محمد بن أبي يحيى وهي علة الحديث. وأمّا ما رُوي عن أبي زيد الأنصاري قال: مر رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار فوجد ريح قُتار، فقال: "من هذا الذي ذبح؟ " فخرج رجل منا فقال: أنا يا رسول الله، ذبحت قبل أن أصلي لأطعم أهلي وجيراني، فأمره أن يعيد فقال: لا والله الذي لا إله إِلَّا هو، ما عندي إِلَّا جذع أو حمل من الضأن قال: "فاذبحها ولن تجزيء جذعة عن أحد بعدك". ففيه نكارة. رواه ابن ماجة (٣١٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي زيد فذكره. قال أبو بكر: وقال غير عبد الأعلى، عن عمرو بن بُجدان، عن أبي زيد. ورواه ابن ماجة، وأحمد (٢٠٧٣٤) من طريق عبد الوراث (هو ابن سعيد العنبري) عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان به فذكره. وعمرو بن بجدان العامري البصري تفرّد عنه أبو قلابة، لا يُعرف حاله كما في "التقريب"، وكذا قال الإمام أحمد وابن القطان كما في التهذيب والميزان. ٩ - باب هل تجزيء الجذعة من المعْز ؟ • عن البراء بن عازب قال: ضحّى خال لي يقال له أبو بُردة قبل الصّلاة فقال له رسول الله ﷺ : "شأتك شاة لحم" فقال: يا رسول الله، إن عندي داجنا جذعة من المعز؟ قال: "اذبحها ولن تصلح لغيرك" الحديث. وفي رواية: إن عندي عناق لبن. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأضاحي (٥٥٥٦)، ومسلم في الأضاحي (٤: ١٩٦١) كلاهما من طريق خالد بن عبد الله، عن مطرِّف، عن عامر (هو الشعبي)، عن البراء بن عازب، فذكره. والرّواية الأخرى لمسلم (٥: ١٩٦١) من طريق داود (هو ابن أبي هند)، عن الشعبيّ، به. قوله: "إن عندي داجنًا" الداجن هي الشاة التي يعلفها الناسُ في منازلهم، وقد يقع على غير الشاة من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها. وقوله: "جذعة" وهو وصف لسنٍّ معين من بهيمة الأنعام، فمن الضأن ما أكمل السنة وقيل:

стр. 4372

دونها، ومن المعز ما دخل في السنة الثانية، ومن البقر ما أكمل الثالثة، ومن الإبل ما دخل في الخامسة. وقوله: "عناق لبن" العناق: هي الأنثى من المعز إذا قويت ما لم تستكمل سنة وجمعها أعنُق وعنوق، وقوله: "عناق لبن" فمعناه صغيرة قريبة مما ترضع. • عن البراء بن عازب قال: ذبح أبو بردة قبل الصّلاة، فقال له النَّبِيّ ﷺ : أبدلْها" قال: ليس عندي إِلَّا جذعة قال شعبة: وأحسبه قال: هي خير من مُسِنّة - قال: "اجعلها مكانها، ولن تجزئ عن أحد بعدك". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأضاحي (٥٥٥٧)، ومسلم في الأضاحي (٩: ١٩٦١) كلاهما عن محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سلمة، عن أبي جُحيفة، عن البراء، فذكره. • عن البراء عن خاله أبي بُردة أنه قال: يا رسول الله، إنا عجّلنا شاة لحم لنا، قال رسول الله ﷺ : "أَقبل الصّلاة؟ " قلتُ: نعم. قال: "تلك شاة لحم". قال: يا رسول الله، إن عندنا عناقًا جذعة هي أحب إليّ من مسنة. قال: "تجزئ عنه ولا تجزئ عن أحد بعده". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٦٤٨٥)، والطَّبرانيّ في الكبير (٢٢/ ١٩٤) من طريق إسرائيل (هو ابن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق (هو السبيعي) عن البراء، به، فذكره. وإسناد صحيح. • عن أنس قال: قال النَّبِيّ ﷺ يوم النحر: "من ذبح قبل الصّلاة فليُعِد"، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن هذا يوم يشتهى فيه اللحم - وذكر جيرانه - وعندي جذعة خيرٌ من شاتيْ لحمٍ. فرخّص له في ذلك، فلا أدري أبلغت الرخصة مَنْ سِواه أم لا ... الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأضاحي (٤٩)، ومسلم في الأضاحي (١٠: ١٩٦٢) كلاهما من طريق إبراهيم ابن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أنس، فذكره. وقول أنس ﵁: "فلا أدري أبلغت الرخصة من سواه أم لا". قال النوويّ: "هذا الشك بالنسبة إلى علم أنس ﷺ ، وقد صرَّح النَّبِيّ ﷺ حديث البراء بن عازب السابق بأنها لا يبلغ غيره ولا تجزئ أحدًا بعده اهـ. شرح صحيح مسلم (١٣: ١١٦). وقوله ﷺ : "ولن تصلح لغيرك". قال البيهقيّ: "وهذه كانت جذعة من المعز، ولذلك لم يجز عن أحد بعده". السنن الصغرى (٤/ ٤٩٧ - مع المنة الكبرى). • عن عقبة بن عامر الجهني قال: قسم النَّبِيّ ﷺ بين أصحابه ضحايا، فصارت العقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله، صارتْ جذعة؟ قال: "ضحِّ بها". وفي رواية: فبقِيَ عَتُودٌ فذكره ﷺ فقال: "ضحِّ أنت به".

стр. 4373

متفق عليه: رواه البخاريّ في الأضاحي (٥٥٤٧)، ومسلم في الأضاحي (١٦: ١٩٦٥) من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن بعجة الجهنيّ، عن عقبة بن عامر الجهنيّ، فذكره. والرّواية الأخرى للبخاريّ في الأضاحي (٥٥٥٥)، ومسلم (١٥: ١٩٦٥) كلاهما من طريق اللّيث (هو ابن سعد)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة، فذكره. ورواه البيهقيّ (٩/ ٢٧٠) من وجه آخر عن اللّيث مثله وزاد: "ولا أرخصه لأحد فيها بعد". قال البيهقيّ: "فهذه الزيادة إذا كانت محفوظة كانت رخصة له كما رخص لأبي بردة بن نيار. وقوله: "فبقيَ عتود" قال النوويّ: قال أهل اللغة: العتود من أولاد المعز خاصة وهو ما رعي وقوي". شرح مسلم (١٣/ ١١٨)، والفتح (١٠/ ١١). • عن بُشير بن يسار أن أبا بُردة بن نيار ذبح ضحيّتَه قبل أن يذبح رسول الله ﷺ يوم الأضحى، فزعم أن رسول الله ﷺ أمره أن يعود بضحيةٍ أخرى. قال أبو بردة: لا أجد إِلَّا جذعا يا رسول الله. قال: "وإن لم تجد إِلَّا جذعا فأذبَحْ". صحيح: رواه مالك في الضحايا (٤) عن يحيى بن سعيد (هو الأنصاري) عن بُشير بن يسار، به، فذكره. وصحّحه ابن حبَّان (٥٩٠٥) من هذا الوجه. وإسناده صحيح وإن كان أول الإسناد يوهم الإرسال غير أن قوله بعد ذلك، فزعم أن رسول الله ﷺ أمره" يدفع ذلك الإيهام، والمراد بالزعم هنا القول المحقَّق لا الظن والشك. ورواه يحيى القطان فجوَّده. فرواه النسائيّ (٤٣٩٧)، والإمام أحمد (١٥٨٣٠) من طريق يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن أبي بردة بن نبار أنه ذبح قبل النَّبِيّ ﷺ ، فأمره النَّبِيّ ﷺ أن يُعِيد، قال: عندي عناق جذعة هي أحبُّ إلي من مسنتين قال: "اذبحها" والسياق للنسائيّ، وهو عند أحمد مختصر. وأمّا رُوي من طريق محمد بن إسحاق قال: حَدَّثَنِي بُشير بن يسار مولى بني حارثة، عن أبي بُردة بن نبار قال: شهدتُ العيدَ مع رسول الله ﷺ قال: خالفت امرأتي حيث غدوتُ إلى الصّلاة إلى أضحيتي فذبحتْها، وصنعت منها طعاما قال: فلمّا صلى بنا رسول الله ﷺ وانصرفت إليها، جاءتني بطعام قد فُرغ منه، فقلت: أني هذا؟ قالت أضحيتك ذبحناها، وصنعنا لك منها طعاما لتغدى إذا جئت. قال: فقلت لها: والله لقد خشيت أن يكون هذا لا ينبغي. قال: فجئت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "ليست بشيء، مَنْ ذبح قبل أن نفرغ من نسكنا فليس بشيء، فضحّ". قال: فالتمست مسنة فلم أجدها، قال: فجئتُه فقلتْ: والله يا رسول الله، لقد التمست مسنةً فما وجدتُها. قال: "فالتمسْ جذعا من الضأن، فضحِّ به" قال: فرخص له رسول الله ﷺ في الجذع من الضأن، فضحي به حين لم يجد المسنة. رواه أحمد (١٦٤٩٠) عن يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن ابن إسحاق به.

стр. 4374

ومحمد بن إسحاق وإن كان حسن الحديث إذا صرَّح بالتحديث ولم يخالف، لكنه هنا خالف الثقة في هذا الحديث، وخالف الثّقات الأثبات في الأحاديث الصحيحة الأخرى، والمخالفة في قوله: فرخَّص له رسول الله ﷺ في الجذع من الضأن. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن بُشير بن يسار "عندي عناق جذعة" والعناق - كما سبق - من ولد المعز. وعليه فرواية ابن إسحاق هذه تكون شاذة. • عن زيد بن خالد الجهني قال: قسم رسول الله ﷺ في أصحابه ضحايا، فأعطاني عَتودًا جذعًا، قال: فرجعتُ به إليه، فقلت له: إنه جذع، قال: "ضحِّ به" فضحيتُ به. حسن: رواه أبو داود (٢٧٩٨)، والإمام أحمد (٢١٦٩٠) وصحّحه ابن حبَّان (٥٨٩٩) من طرق عن ابن إسحاق، حَدَّثَنِي عُمارة بن عبد الله بن طُعمة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن خالد الجهنيّ، فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق، وشيخه ابن عُمارة ذكره ابن حبَّان في الثّقات وهو مدنيّ، وقد روى عنه جمعٌ من الثّقات منهم الإمام مالك، ومعروف أن مالكا كان ينتقي الرجال ولا يحدث إِلَّا عن ثقة عنده ولا سيما أهل المدينة كما قال ابن حبَّان في كتابه الثّقات (٧/ ٤٥٩): "وكان مالك ﵀ أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروي إِلَّا ما صحَّ ولا يحدث إِلَّا عن ثقة". وقال الإمام أحمد: "لا تبال أن تسأل عن رجل روى عنه مالك بن أنس ولا سيما مدني" كما في تقدمة الجرح والتعديل ص (١٧). وقال النوويّ في شرح مسلم (١٣/ ١٦٩): رواه أبو داود بإسناد جيد حسن وليس في رواية أبي داود "من المعز" ولكنه من قوله "عتود" اهـ. • عن أبي جُحيفة أن رجلًا ذبح قبل أن يُصَلِّي رسول الله ﷺ يوم النحر، فقال رسول الله ﷺ : "لا يجزئ عنك" فقال: يا رسول الله، إن عندي جذعة؟ قال: "تجزي عنك ولا تجزي بعدك". حسن: رواه أبو يعلى (٨٩٧)، والطَّبرانيّ في الكبير (٢٢/ ١٠٨) كلاهما من طريق عبيد الله بن موسى، ثنا عبد الجبار بن العباس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الجبار بن العباس الكوفي فإنه حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات، وعبيد الله بن موسى هو ابن أبي المختار أبو محمد الكوفي. وعزاه الهيثميّ في "المجمع" (٤/ ٢٤) لأبي يعلى والطَّبرانيّ وقال: "ورجاله الجميع ثقات". ١٠ - باب من لم يجد أضحية إِلَّا منيحة • عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النَّبِيّ ﷺ قال: "أمرت يوم الأضحى عيدًا

стр. 4375

جعله الله لهذه الأمة" قال الرّجل أرأيتَ إن لم أجد إِلَّا منيحة أنثى أفأضحي بها؟ قال: "لا، ولكن تأخذ من شعرك وأظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فتلك تمام أضحيتك عند الله ". حسن: رواه أبو داود (٢٧٨٩)، والنسائي (٤٣٦٥)، والإمام أحمد (٦٥٧٥)، وابن حبَّان (٩١٤)، والحاكم (٤/ ٢٢٣) من طريق سعيد بن أبي أيوب، حَدَّثَنِي عَيَّاش بن عباس القتبانيّ، عن عيسى بن هلال الصدفيّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. وإسناده حسن من أجل عيسى بن هلال، فقد روى عنه جماعة وذكره ابن حبَّان في الثّقات (٥/ ٢١٣)، وكذا ذكره الفسوي في تاريخه (٢/ ٥١٥) في ثقات التابعين من أهل مصر، وبقية رجاله ثقات. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". والمنيحة: هي الشاة الحلوب تعار لينتفع بلبنها ثمّ تعاد إلى صاحبها. كذا وقع عند أبي داود والنسائي وابن حبَّان والحاكم: "منيحة أنثى" وفيه دليل لمن يقول إن المنيحة قد تكون ذكرا، ويكون الانتفاع بها حينئذ بصوفها ووبرها. ووقع عند أحمد "منيحة ابني" وفي بعض المصادر: "منيحة أبي"، "شاة ابني وأهلي ومنيحتهم". ١١ - باب الأضحية بالبقر • عن عائشة أن النَّبِيّ ﷺ دخل عليها وحاضت بسرف قبل أن تدخل مكة وهي تبكي فقال: "ما لكِ أنَفستِ؟ " قالت: نعم قال: "إنَّ هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت" فلمّا كنا بمنى أُتيتُ بلحم بقر فقلتُ: ما هذا؟ قالوا: ضحّى رسول الله ﷺ عن أزواجه بالبقر. وفي رواية: أهدى رسول الله ﷺ على نسائه البقر. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأضاحي (٥٥٤٨)، ومسلم في الحجّ (١١٩: ١٢١١) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. والرّواية الأخرى لمسلم (١٢٠: ١٢١١) من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن بن القاسم به. ١٢ - باب اشتراك السبعة في الأضحية من الإبل والبقر • عن جابر بن عبد الله أنه قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرةَ عن سبعة. صحيح: رواه مالك في الضحايا (٩) عن أبي الزُّبير المكيّ، عن جابر بن عبد الله، فذكره. ورواه مسلم في الحجّ (٣٥٠: ١٣١٨) من طريق مالك به مثله.

стр. 4376

ورواه مسلم (٣٥١) من طريق زهير، حَدَّثَنَا أبو الزُّبير، عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مُهِلّين بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر، كلُّ سبعة منا في بدنة. • عن جابر بن عبد الله قال: كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ بالعمرة فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها. صحيح: رواه مسلم (٣٥٥: ١٣١٨) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا هُشيم، عن عبد الملك (هو ابن أبي سليمان)، عن عطاء (هو ابن أبي رباح) عن جابر بن عبد الله، فذكره. وأمّا ما رُوي عن ابن عباس قال: كنا مع النَّبِيّ ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي الجزور عشرة. فهو شاذ. رواه الترمذيّ (٩٠٥)، والنسائي (٤٩٣٢)، وابن ماجة (٣١٣١)، والإمام أحمد (٢٤٨٤)، وابن خزيمة (٢٩٠٨)، وابن حبَّان (٤٠٠٧) كلّهم من طريق الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وقال الترمذيّ: "حديث حسن غريب، وهو حديث حسين بن واقد". ورواه الحاكم (٤/ ٢٣٠) من طريق عليّ بن الحسن بن شقيق، ثنا الحسين بن واقد عن عكرمة به. وقال: "صحيح على شرط البخاريّ". قلت: وفيه نظر، لأن بين الحسين بن واقد وعكرمة رجلًا وهو علباء بن أحمر كما في الإسناد السابق. وقد قال أبو يعلى الخليلي: "الحسين بن واقد يدلّس عن عكرمة مولى ابن عباس ولم يلقه". ثمّ على مقتضى منهج الحاكم ينبغي أن يكون على شرط الشّيخين؛ لأن مسلما ممن روى عنه، وأمّا البخاريّ فإنما روي له على سبيل الاستشهاد لا الاحتجاج. والحسين بن واقد مختلف فيه غير أنه حسن الحديث ما لم يخالف أو يقع في حديثه نكارة وقوله في الحديث: "وفي الجزور عشرة" مخالف لحديث جابر السابق: "البدنة عن سبعة"، ولذا قال البيهقيّ عقب حديث ابن عباس: "حديث أبي الزُّبير أصح من ذلك، وقد شهد الحديبية وشهد الحجّ والعمرة، وأخبرنا بأن النَّبِيّ ﷺ أمرهم باشتراك سبعة في بدنة، فهو أولى بالقبول. اهـ. "السنن الكبرى (٥/ ٢٣٦). وقال الترمذيّ: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النَّبِيّ ﷺ وغيرهم يرون الجَزور عن سبعة، والبقرة عن سبعة. وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد. ورُوي عن ابن عباس عن النَّبِيّ ﷺ : "أن البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة وهو قول إسحاق واحتج بهذا الحديث" اهـ. ١٣ - باب أن الأضحية الواحدة تجزئ عن أهل البيت • عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد ويبرك في سواد،

стр. 4377

وينظر في سواد فأتي به ليضحي به فقال لها: "يا عائشة، هلُمّي الْمُدْيةَ" ثمّ قال: "اشحَذِيْها بحجر" ففعلتْ ثمّ أخذها وأخذ الكبْشَ فأضجعه، ثمّ ذبحه ثمّ قال: "باسم الله، اللَّهُمَّ تقَّبلْ مِنْ محمد وآل محمد، ومن أمة محمد"، ثمّ ضحّى به. صحيح: رواه مسلم في الأضاحي (١٩: ١٩٧٦) عن هارون بن معروف، حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب، قال: قال حيوة: أخبرني أبو صخْر، عن يزيد بن قُسيْط، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة، فذكرته. • عن عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان الرّجل يضحّي بالشاة عنه، وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتَّى تباهى الناس فصارت كما ترى. صحيح: رواه الترمذيّ (١٥٠٥)، وابن ماجة (٣١٤٧) من طريق الضَّحَّاك بن عثمان، حَدَّثَنِي عمارة بن عبد الله بن صياد، عن عطاء بن يسار، قال: فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم لا تجزئ الشاة إِلَّا عن نفس واحدة، وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره من أهل العلم". ورواه مالك في الضحايا (١٣٧٧ - رواية أبي مصعب) عن عُمارة بن صيّاد به مختصرًا ليس فيه سؤال عطاء لأبي أيوب. وجاء في رواية يحيى الليثي (١٠) عن عمارة بن يسار وهو خطأ. • عن أبي سريحة قال: حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت من السنة، كان أهل البيت يُضحّون بالشاة والشاتين، والآن يبخلنا جيراننا. صحيح: رواه ابن ماجة (٣١٤٨) من طريق عبد الرزّاق وهو في مصنفه (٨١٥٠)، عن سفيان الثوريّ، عن بيان، عن الشعبيّ، عن أبي سريحة، فذكره. وإسناده صحيح، بيان هو ابن بشر الأحمسي. وأبو سريحة اسمه حُذيفة بن أَسيد ويقال: ابن أمية بن أسيد الغفاريّ، شهد الحديبية مع رسول الله ﷺ وهو أول مشاهده. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٥٥): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات". ورواه البيهقيّ (٩/ ٢٦٩) من طريق الفريابيّ، عن سفيان به مثله، وزاد في آخره: "يقولون: إنه ليس عليه ضحية" ولم يقل: "والشاتين". والحديث بوّب له ابن ماجة بقوله: "باب من ضحى بشاة عن أهله" ويوضّح هذا المعنى رواية الطبرانيّ في المعجم الكبير (٣٠٥٧) من وجه آخر عن بيان به، قال: "كنا نُضحّي الأضحية

стр. 4378

الواحدة فزعموا إنّما يمنعنا من ذلك الشُّح فحملونا على ترك السنة بعد أن عرفناها". ورواه أيضًا (٣٠٥٨) من طريق عبد الله بن محمد الزّهريّ، ثنا سفيان بن عيينة، عن مطرف، عن الشعبيّ، عن حذيفة بن أسيد، قال: "رأيت أبا بكر وعمر ﵄ وما يضحيان مخافة أن يستن بهما، فحملني أهلي على الجفاء بعد أن علمت من السنة حتَّى أني لأضحي عن كل" يعني عن كل واحد من أهل بيته والسنة أنها تجزيء الأضحية الواحدة عن أهل البيت. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن محمد الزهري فإنه حسن الحديث وبقية رجاله ثقات، ومطرف هو ابن طريف الكوفي قال الهيثميّ في "المجمع" (٤/ ١٨): ورواه الطبرانيّ في الكبير ورجاله رجال الصَّحيح". • عن أبي عُقيل زُهرة بن معبد، عن جده عبد الله بن هشام - وكان قد أدرك النَّبِيّ ﷺ وذهبت به أمه زينب ابنةُ حُميد إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، بايعْه، فقال النَّبِيّ ﷺ : "هو صغير" فمسح رأسه ودعا له وكان يُضحّي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. صحيح: رواه البخاريّ في الأحكام (٧٢١٠) عن عليّ بن عبد الله، حَدَّثَنَا عبد الله بن يزيد، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي أيوب، حَدَّثَنِي أبو عَقيل زهرة بن معبد، عن جده فذكره. وقد ذهب الجمهور إلى أن أضحية الرّجل تجزئ عنه وعن أهل بيته. قال القرطبي: "لم ينقل أن النَّبِيّ ﷺ أمر كل واحدة من نسائه بأضحية مع تكرار سني الضحايا، ومع تعددهن، والعادة تقضي بنقل ذلك لو وقع كما نقل غير ذلك من الجزئيات. ١٤ - باب ما رُوِيَ في الأضحية عن الميت رُوي عن حنش أنه قال: رأيت عليا يُضَحِّي بكبشين فقلت له ما هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ أوصاني أن أضحي عنه فانا أضحي عنه. رواه أبو داود (٢٧٩٠)، والتِّرمذيّ (١٤٩٥)، وأحمد (٨٤٣) من طرق عن شريك، عن أبي الحسناء، عن الحكم، عن حنش به. ورواه الحاكم (٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠) من طريق شريك به وقال: صحيح الإسناد، وأبو الحسناء هذا هو الخشن بن الحكم النخعي". وليس كما قال بل فيه ثلاث علل: الأوّلى: شريك هو ابن عبد الله النخعي القاضي سيئ الحفظ، وبه أعلّه البيهقيّ في السنن الكبرى (٩/ ٢٨٨) فقال: "تفرّد به شريك بن عبد الله بإسناده". الثانية: أبو الحسناء اسمه الحسن، وقيل: الحسين قال الذّهبيّ في الميزان: "حدث عنه شريك

стр. 4379

لا يُعرف"، وقال الحافظ في التقريب: "مجهول". وقول الحاكم: إنه حنش بن الحكم النخعي مجانب للصواب؛ لأن حنش بن الحكم معروف، وثَّقه غير واحد، وكنيته أبو الحكم، وأمّا أبو الحسناء فلا يعرف اسمه أو مختلف في اسمه، ولم يعرفه عليّ بن المديني. العلة الثالثة: حنش بن المعتمر الصنعاني وقيل: ابن ربيعة بن المعتمر ذكره العقيلي وابن الجارود والساجي في الضعفاء وقال ابن حبَّان في المجروحين (١/ ٢٦٩): "كان كثير الوهم في الأخبار ينفرد عن عليّ بأشياء لا تشبه حديث الثّقات حتَّى صار ممن لا يحتج بحديثه". واستغربه الترمذيّ فقال عقب الحديث: "هذا حديث غريب لا نعرفه إِلَّا من حديث شريك، وقد رخص بعض أهل العلم أن يُضَحّي عن الميت، ولم ير بعضهم أن يضحي عنه، وقال عبد الله بن المبارك: أحبُّ إلي أن يُتَصدَّق عنه ولا يُضحَّى عنه، وإنْ ضحّى فلا يأكل منها شيئًا، ويتصدق بها كلها". ١٥ - باب الأضحية بكبشين • عن أنس بن مالك قال: كان النَّبِيّ ﷺ يُضحّي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأضاحي (٥٥٥٣) عن آدم بن أبي إياس، حَدَّثَنَا شعبة، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن صُهَيب، قال: سمعت أنس بن مالك قال فذكره. ورواه مسلم في الأضاحي (١٩٦٦) من طرق عن قتادة، عن أنس بسياق أطول وليس فيه قول أنس: "وأنا أضحّي بكبشين". • عن أبي سعيد الخدريّ: أن رسول الله ﷺ أُتِي يوم النحر بكبشين أملحين، فذبح أحدهما فقال: "هذا عن محمد وأهل بيته"، وذبح الآخر وقال: "هذا عمن لم يُضحِّ عن أمتي". حسن: رواه أحمد (١١٠٥١)، والبزّار (١٢٠٩ - كشف) واللّفظ له، والحاكم (٤/ ٢٢٨) من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، ثنا رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه، عن جده، فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل رُبيح بن عبد الرحمن وهو حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه. ١٦ - باب أضحية الخصي رُوي عن عائشة، أو عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحي، اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد ﷺ .

стр. 4380

رواه ابن ماجة (٣١٢٢) والإمام أحمد (٢٥٠٤٦، ٢٥٨٤٣) من طريق سفيان الثوريّ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن أبي سلمة، عن عائشة أو عن أبي هريرة فذكره. وفي الموضع الثاني عند أحمد "عن أبي هريرة أن عائشة قالت". ورجاله ثقات غير ابن عقيل فهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث ما لم يخالف، أو يختلف عليه الثّقات. وهو هنا قد اختلف عليه، فرواه عنه الثوري بهذا الإسناد. ورواه حمّاد بن سلمة عنه عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه: "أن النَّبِيّ ﷺ أتي بكبشين ... " الحديث. رواه أبو يعلى (١٧٩٢)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ١٧٧)، والبيهقي (٩/ ٢٦٨). ورواه شريك القاضي عند الإمام أحمد (٢٣٨٦٠)، وزهير بن محمد عنده أيضًا (٢٧١٩٠)، والحاكم (٢/ ٣٩١) والبيهقي (٩/ ٢٦٨) كلاهما (شريك وزهير) عن ابن عقيل، عن عليّ بن حسين، عن أبي رافع، نحوه وزاد زهير: "فيُطعمهما جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي، قد كفاه الله المؤونة برسول الله ﷺ والغُرم". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" فتعقبه الذّهبيّ بقوله: "سهيل (كذا والصواب زهير) ذو مناكير، وابن عقيل ليس بقوي" اهـ. قلت: زهير قد تابعه شريك، لكن ثمة علة أخرى وهي الانقطاع فإن علي بن الحسين وهو المعروف زين العابدين لم يدرك رافعا مولى رسول الله ﷺ لأنه مات في أول خلافة عليّ ﵁ على الصَّحيح كما في التقريب وقد نص أبو زرعة أن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب لم يدرك جده عليًّا. ورواه معمر (هو ابن راشد) عن ابن عقيل مرسلًا عن النَّبِيّ ﷺ فيما ذكره الدَّارقطنيّ في العلل (١٥/ ١٤٢). وهناك ألوان أخرى من الاختلاف على عبد الله بن محمد بن عقيل أشار إليها الدَّارقطنيّ في العلل سؤال رقم (١١٨١) وبرقم (٣٩٠١) وحمل الاضطراب فيه من جهة ابن عقيل، كما أشار إلى هذا الاختلاف على ابن عقيل ابنُ أبي حاتم في العلل (٢/ ٣٩ - ٤٠) ثمّ قال: قلت لأبي زرعة: فما الصَّحيح؟ قال: "ما أدري، ما عندي في ذا شيء" قلت لأبي: ما الصَّحيح؟ قال أبي: "ابن عقيل لا يضبط حديثه" قلت: أيهما (كذا بالتثنية ولعل الصواب فأيها) أشبه عندك. قال: "الله أعلم". قال أبو زرعة: "هذا من ابن عقيل، الذين رووا عن ابن عقيل كلّهم ثقات". وفي معناه ما رُوي عن جابر بن عبد الله قال: ذبح النَّبِيّ ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين مرجوءين فلمّا وجههما قال: "إنِّي وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا من المسلمين، اللَّهُمَّ منك ولك، وعن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر" ثمّ ذبح.
следующие страницы →