Полный текст (8 687 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري، ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جاء إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء افتح قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل قال: معك أحد؟ قال معي محمد قال: أرسل إليه؟ قال: نعم فافتح فلما علونا السماء الدنيا إذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية فقال لخازنها افتح فقال له خازنها مثل ما قال الأول ففتح.
قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات إدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يثبت لي كيف منازلهم، غير أنه قد ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السادسة.
وقال أنس فلما مر جبريل بإدريس قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس. ثم مررت بموسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى. ثم مررت بعيسى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح قلت: من هذا؟ قال: عيسى. ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت من هذا؟ قال: هذا إبراهيم". فذكر الحديث بطوله.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٤٩)، وفي أحاديث الأنبياء (٣٣٤٢) معلقا، ومسلم في الإيمان (١٦٢: ٢٦٣) كلاهما من حديث يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري قال قال أنس: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ .. فذكره.
وجاء مصرحا أن إدريس في السماء الرابعة في حديث مالك بن صعصعة.
• عن مالك بن صعصعة قال: قال النبي ﷺ .. فذكر حديث الإسراء والمعراج بطوله وجاء فيه: "فأتينا السماء الرابعة قيل: من هذا؟ . قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قيل: نعم قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء فأتيت على إدريس فسلمت عليه فقال: مرحبا بك من أخ ونبي".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٠٧)، ومسلم في الإيمان (٢٦٤: ١٦٤) كلاهما
стр. 4937
من حديث سعيد وهشام قالا: حدثنا قتادة حدثنا أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة .. فذكره.
إلا أن مسلما لم يذكر هشاما، وإنما رواه عن سعيد وهو ابن أبي عروبة وحده.
ورواه الترمذي (٣١٥٧)، وأحمد (١٣٧٣٩) كلاهما من أنس بن مالك نفسه أن إدريس في السماء الرابعة.
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح وقد روى سعيد بن أبي عروبة وهمام وغير واحد عن قتادة، عن أنس عن مالك بن صعصعة، عن النبي ﷺ حديث المعراج بطوله، وهذا عندي مختصر من ذاك" فرجع الحديث إلى مالك بن صعصعة.
• عن أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر ... ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء من هذا؟ فقال: جبريل قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد قال: وقد بُعث؟ قال: نعم قالوا: فمرحبا به وأهلا فيستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم فوجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلِّمْ عليه فسلم عليه ورد عليه آدم وقال: مرحبا وأهلا بابني، نعم الابن أنت ... ثم عرج به إلى الرابعة فقالوا له مثل ذلك ... إلى أن قال: كل سماء فيها أنبياء قد سمّاهم فأوعيت منهم: إدريس في الثانية ... ".
متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٥١٧)، عن عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان، عن شريك بن عبد الله أنه قال: سمعت أنس بن مالك يقول .. فذكره.
ورواه مسلم في الإيمان (١٦٢: ٢٦٢) عن هارون بن سعيد الأيلي حدثنا بن وهب قال أخبرني سليمان وهو ابن بلال قال حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال سمعت أنس بن مالك .. فذكر طرفا منه وأحال الباقي على الحديث الذي قبله بقوله: "نحو حديث ثابت البناني، وقدّم فيه شيئا وأخّر وزاد ونقص".
وفي الباب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] وفيه: ثم صعد به إلى السماء الرابعة، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل قالوا: ومن معك؟ قال: محمد قالوا: أوقد أرسل؟ قال: نعم قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا .. فذكر الحديث بطوله.
رواه البزار (كشف الأستار: ٥٥)، والطبري في تهذيب الآثار (٧٢٧ مسند ابن عباس)، وفي تفسيره (١٤/ ٤٢٤، ٤٣٥)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣٩٧) كلهم من طرق، عن أبي جعفر الرازي وهو عيسى بن ماهان، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة .. فذكره.
стр. 4938
وأبو جعفر تكلم الناس في حفظه، وروايته عن شيخه الربيع بن أنس البكري فيه اضطراب كثير كما قال ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٢٨).
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: أُتيت بالبراق .. وفيه: ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير ثم تلا رسول الله ﷺ ورفعناه مكانا عليا ... الحديث.
رواه الحارث بن أبي أسامة (بغية الباحث ٢٧)، والطبري في تهذيب الآثار (٧٢٥، ٧٢٦)، وفي تفسيره (١٤/ ٤٣٦)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣٩٠) كلهم من طرق عن أبي هارون عمارة بن جوين العبدي، عن أبي سعيد الخدري .. فذكره مطولا.
وأبو هارون العبدي مشهور بكنيته وهو عمارة بن جُوين متروك ومنهم من كذّبه.
٩ - باب أن نبيًّا من الأنبياء كان يَخُطُّ
• عن معاوية بن الحكم عن النبي ﷺ في حديث فيه: قال: قلتُ: ومنا رجال يخطون قال: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٣٧: ٣٣) وفي الطب (٥٣٧: ١٢١) من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي .. فذكره.
يقال: هذا النبي هو إدريس ﵇.
١٠ - باب أخبار نوح ﵇ وأنه أول الرسل إلى الأرض
قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٨].
• عن أبي هريرة قال: كنا مع النبي ﷺ في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال: "أنا سيد القوم يوم القيامة ... فذكر حديث الشفاعة وجاء فيه: فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله
стр. 4939
عبدًا شكورًا، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، نفسي نفسي ... ".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٠)، ومسلم في الإيمان (١٩٤: ٣٢٧) كلاهما من طريق أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة .. فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله الناس يوم القيامة ... في حديث الشفاعة الطويل وجاء فيه: ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله قال فيأتون نوحا ﷺ فيقول لست هناكم فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها ولكن ائتوا إبراهيم .. ".
هذا لفظ مسلم، وفي لفظ البخاري: "فيأتونه فيقول: لستُ هناكم ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي فيقول: ائتوا خليل الرحمن ... ".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٤٧٦)، ومسلم في الإيمان (١٩٣: ٣٢٢) كلاهما من طرق عن قتادة، عن أنس .. فذكره.
١١ - باب إنذار نوح قومَه من فتنة الدجال
• عن عبد الله بن عمر قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: "إني لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٣٧)، ومسلم في الفتن (٢٩٢٩: ١٦٩) كلاهما من طريق يونس عن الزهري قال سالم: وقال ابن عمر: قام فينا .. فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أحدثكم حديثا عن الدجال ما حدث به نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٣٨)، ومسلم في الفتن (٢٩٣٦) كلاهما من طريق شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: سمعت أبا هريرة .. فذكره.
стр. 4940
١٢ - باب ما جاء في تبليغ نوح قومَه، وشهادة النبي محمد ﷺ وأمته على ذلك
• عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء نوحٌ وأمتُه فيقول الله تعالى: هل بلّغتَ؟ فيقول: نعم أي رب فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي. فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد ﷺ وأمته، فنشهد أنه قد بلّغ وهو قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط العدل".
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٣٩) عن موسى بن إسماعيل: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال .. فذكره.
١٣ - باب كيف تسرَّبَ الشركُ إلى قوم نوح
• عن ابن عباس قال: صارت الأوثانُ التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ودٌّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماءُ رجالٍ صالحينٍ من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبِدتْ.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٢٠) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج، وقال عطاء: عن ابن عباس .. فذكره.
١٤ - باب ما جاء في عمر نوح
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤].
• عن رياح بن الحارث أن المغيرة بن شعبة كان في المسجد الأكبر، وعنده أهل الكوفة عن يمينه، وعن يساره، فجاءه رجل يدعى سعيد بن زيد، فحياه المغيرة وأجلسه عند رجليه على السرير. فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة، فسبَّ وسبَّ، فقال: من يسبُّ هذا يا مغيرة؟ قال: يسب علي بن أبي طالب، قال: يا مغير بن شعب، يا مغير بن شعب - ثلاثا - ألا أسمع أصحاب رسول الله ﷺ يسبون عندك؟ لا تُنكر ولا تُغَيِّر، فأنا أشهد على رسول الله ﷺ بما سمعت أذناي ووعاه قلبي من
стр. 4941
رسول الله ﷺ فإني لم أكن أروي عنه كذبا يسألني عنه إذا لقيته، أنه قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وتاسع المؤمنين في الجنة" لو شئت أن أسمّيه لسمّيته، قال: فضجَّ أهل المسجد يناشدونه يا صاحب رسول الله ﷺ من التاسع؟ قال: ناشدتموني بالله، والله عظيم أنا تاسع المؤمنين، ورسول الله ﷺ ، العاشر، ثم أتبع ذلك يمينا، قال: والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله ﷺ ، أفضل من عمل أحدكم. ولو عمر عمر نوح ﵇.
صحيح: رواه أحمد (١٦٢٩) - واللفظ له - وأبو داود (٤٦٥٠)، وابن ماجه (١٣٣) كلهم من حديث صدقة بن المثنى النخعي، حدثني جدي رياح بن الحارث قال .. فذكره. وإسناده صحيح.
رُوي عن ابن عباس قال: "بُعث نوح لأربعين سنة، لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا".
رواه ابن أبي شيبة (٣٤٦١٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣٠٤١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٦) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس .. فذكره.
وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ويوسف بن مهران ضعيفان. ثم هو موقوف على ابن عباس إلا أن الحاكم رواه مرفوعا وسكت عنه.
ورُوي عن مجاهد قال: قال لي ابن عمركم لبث نوح في قومه؟ قال: قلت: ألف سنة إلا خمسين عاما قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى يومك هذا.
رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٣٠٤١) عن أحمد بن سنان، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد قال .. فذكره.
ورجاله كلهم ثقات. وهو موقوف على ابن عمر، وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] مدة الدعوة لا مدة حياته كلها قبل الدعوة وبعدها.
وعلى هذا فيكون عمره أكثر من ألف سنة. وقال غيرهم: إن مدة حياته كلها قبل الدعوة وبعدها هي ألف سنة إلا خمسين عاما تمشيا بنص القرآن.
١٥ - باب في أولاد نوح ﵇
قال الله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ
стр. 4942
مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٢ - ٤٧].
روي عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: "ولد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث أبو الروم".
رواه الطبراني في الكبير (١٨/ ١٤٥ - ١٤٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٦) كلاهما من طريق عبد الأعلى، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن سمرة قال .. فذكره.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
قلت: ولكن فيه الحسن مدلس ولم يصرح وإن كان بعض أهل العلم ذهبوا إلى سماعه من عمران بن الحصين.
١٦ - باب ذكر المدة التي كانت بين آدم ونوح ﵉
• عن أبي أمامة: أن رجلا قال: يا رسول الله، أنبي كان آدم؟ قال: "نعم مكلّم قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون".
صحيح: رواه ابن حبان (٦١٩٠) عن محمد بن عمر بن يوسف حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام قال: سمعت أبا سلام قال: سمعت أبا أمامة .. فذكره. وسبق تخريجه في كتاب الإيمان.
وروي بإسناد صحيح عن ابن عباس بنحوه موقوفا رواه الطبري في تاريخه (١/ ١٧٨) عن محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان بين نوح وآدم ﵉ عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين".
والقرن المراد به مائة سنة وهو المتبادر وقيل: الجيل من الناس وكان الجيل قبل نوح يعمرون عمرًا طويلا مثل ألف سنة، فيكون المراد بعشرة قرون آلاف السنين لا يعلم عددها إلا الله .
١٧ - باب ما جاء في صيام نوح ﵇
روي عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صام نوح الدهر إلا يوم الفطر ويوم الأضحى".
стр. 4943
رواه ابن ماجه (١٧١٤) عن سهل بن أبي سهل، حدثنا سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن أبي فراس أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول .. فذكره. ورجاله ثقات سوى ابن لهيعة وفيه كلام معروف.
والحديث أخرجه أيضا البيهقي في الشعب (٣٨٤٦) من طريق محمد بن إسحاق، نا ابن أبي مريم، نا ابن لهيعة به. نحوه.
وفي الباب ما روي عن أبي هريرة قال: مر النبي ﷺ بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء فقال: "ما هذا من الصوم؟ " قالوا: هذا اليوم الذي نَجَّى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح وموسى شكرًا لله تعالى، فقال النبي ﷺ : "أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، فأمر أصحابه بالصوم".
رواه أحمد (٨٧١٧) وسبق تخريجه في كتاب الصوم.
١٨ - باب وصية نوح ﵇ لابنه
• عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله ﷺ .. وفيه: "إن نبي الله نوحا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله. وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكبر، قال: قلت: - أو قيل -: يا رسول الله، هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: "لا" قال: هو أن يكون لأحدنا حلة يلبسها؟ قال: "لا". قال: الكبر هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها؟ قال: "لا" قال: أفهو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: "لا" قيل: يا رسول الله، فما الكبر؟ قال: "سفه الحق، وغمص الناس".
صحيح: رواه أحمد (٦٥٨٣) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن العقعب بن زهير، عن زيد بن أسلم قال حماد: أظنه عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال .. فذكره.
وهذا الشك من حماد بن زيد لا يؤثر في صحة الحديث لأن الإمام أحمد رواه أيضا (٧١٠١) من وجه آخر بدون الشك قال: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت الصقب بن زهير يحدث عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو .. فذكر مثله.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٢٨٠): "وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه" وقال:
стр. 4944
ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: كان من وصية نوح لابنه: أوصيك بخصلتين، وأنهاك عن خصلتين .. فذكر نحوه.
ورواه البزار (٣٠٦٩ - كشف الأستار) فجعله من مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب.
قال ابن كثير: "والظاهر أنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص كما رواه أحمد والطبراني".
١٩ - باب أخبار هود ﵇ وهلاك قومه
قال الله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢].
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٨ - ٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨].
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "نُصرتُ بالصبا، وأهلكتْ عاد بالدبور".
متفق عليه: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٣٥)، ومسلم في الاستسقاء (٩٠٠: ١٧) كلاهما من حديث شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس .. فذكره.
ولمسلم وجه آخر من طريقين عن الأعمش، عن مسعود بن مالك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس .. فذكره.
الصبا: بفتح الصاد ومقصورة: هي الريح الشرقية.
الدبور: بفتح الدال هي الريح الغربية.
• عن أبي سعيد الخدري قال: بعث عليٌّ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر .. وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "إن من ضئضئ هذا قومًا يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتُهم لأقتلنهم قتل عاد".
متفق عليه: رواه البخاري تعليقا في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٤) فقال: قال محمد بن كثير، عن سفيان، عن أبيه، عن ابن أبي نعيم، عن أبي سعيد الخدري .. فساقه بطوله، ووصله في التفسير (٤٦٦٧) فقال: حدثنا محمد بن كثير، به .. فذكره بنحوه مختصرًا.
стр. 4945
ورواه مسلم في الزكاة (١٠٦٤: ١٤٣) عن هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عبد الرحمن بن أبي نُعم، عن أبي سعيد الخدري .. فذكره بطوله.
وقوله: "لأقتلنّهم قتل عاد" أي لا يبقى منهم أحد.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: ما رأيت رسول ﷺ ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية فقال: "يا عائشة ما يؤمني أن يكون فيه عذاب، عُذّب قومٌ بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ " [الأحقاف: ٢٤].
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٢٨، ٤٨٢٩)، ومسلم في الاستسقاء (٨٩٩: ١٦) كلاهما من طرق عن عبد الله من وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة .. فذكرته.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" قالت: وإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري عنه فعرفت ذلك في وجهه قالت عائشة: فسألته فقال: "لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٠٦) مختصرًا، ومسلم في صلاة الاستسقاء (٨٩٩: ١٤، ١٥) كلاهما من طرق عن ابن جريج، حدثنا عطاء بن أبي رباح، عن عائشة .. فذكرته. واللفظ لمسلم.
وقوله: "وإذا تخيلت السماء": أي فيها رعد وبرق يُخيّل إليه ماطرة، ويقال: أخالت: إذا تغيّمتْ.
ولفظ البخاري: إذا رأى مخيلةً في السماء.
روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا فيها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم فجعلتهم بين السماء والأرض. فلما رأى ذلك أهل الحاضرة - الريح وما فيها - قالوا: هذا عارض ممطرنا فألقت أهلَ البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة".
رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٦٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٢١)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٠٦) كلهم من طرق عن محمد بن فضيل عن مسلم الملائي، عن مجاهد، عن ابن عمر .. فذكره.
стр. 4946
قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١١٣): "رواه الطبراني وفيه مسلم الملائي وهو ضعيف".
٢٠ - باب ما جاء في قبر هود ﵇
رُويَ عن علي بن أبي طالب يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيبًا أحمر تخالطه مَدَرَةٌ حمراءُ، ذا أرَاكٍ وسِدْرٍ كثيرٍ بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، والله! إنك لتنعته نعتَ رجل قد رآه! قال: لا ولكني قد حُدِّثت عنه. فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبرُ هود صلوات الله عليه.
رواه الطبري في تفسيره (١٠/ ٢٦٨) عن محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: سمعت علي بن أبي طالب .. فذكره.
وأخرجه أيضا البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٣٥) عن أحمد بن عاصم، عن عبد الله بن هارون، عن أبيه، عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي، به.
قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٣٤) عقبه: "وهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن، وأن هودا ﵇ دُفنَ هناك".
٢١ - باب ما جاء في قصة قوم عاد الآخرة
• عن الحارث بن يزيد البكري قال: خرجتُ لأشكوَ العلاء بن الحضرميّ إلى رسول الله ﷺ ، فمررت بالرَّبَذَة، فإذا عجوزٌ منقَطعٌ بها من بني تميم، فقالت: يا عبد الله، إنّ لي إلى رسول الله ﷺ حاجةً، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فقدمت المدينة. قال: فإذا رايات سود، قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث بعمرو بن العاص وجهًا. قال: فجلست حتى فرغ. قال: فدخل منزله أو قال: رَحْله فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فقعدت، فقال لي رسول الله ﷺ : "هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ " قلت: نعم! وكانت لنا الدَّبَرة عليهم، وقد مررت بالربذة، فإذا عجوز منهم مُنقطَعٌ بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها رسول الله ﷺ ، فدخلت، فقلت: يا رسول الله، اجعل بيننا وبين تميم الدَّهنا حاجزًا، فحميت العجوزُ واستوفزت، وقالت: فأين تضطرُّ مُضَرَك يا رسول الله؟ قال، قلت: أنا كما قالوا: "معزى حملتَ حَتْفًا"! حملتُ هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا! أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد! قال: "وما وافدُ عادٍ؟ " قلت: على الخبير سقطتَ! قال: وهو يستطعمني الحديثَ.
стр. 4947
قلت: إن عادًا قُحِطوا فبعثوا قَيْلا وافدًا، فنزل على بكرٍ، فسقاه الخمرَ شهرًا وتغنّيه جاريتان يقال لهما "الجرادتان"، فخرج إلى جبال مهرة، فنادى: "إني لم أجيء لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه، اللهم فاسقِ عادًا ما كنتَ تَسْقِيه"! فمرت به سحابات سُودٌ، فنودي منها: "خذها رمادًا رِمْدِدًا، لا تبقي من عادٍ أحدًا". قال: فكانت المرأة تقول: "لا تكن كوافد عادٍ"! فما بَلَغني أنَّه أرسل عليهم من الريح، يا رسول الله، إلا قَدْر ما يجري في خاتمي. قال أبو وائل: فكذلك بلغني".
حسن: رواه الترمذي (٣٢٧٤)، وأحمد (١٥٩٥٤)، والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٧٦) وهذا لفظه - كلهم من طريق زيد بن الحباب قال: حدثنا سلام أبو المنذر النحوي قال، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكري قال .. فذكره.
ورواه ابن ماجه (٢٨١٦) مختصرًا من وجه آخر عن عاصم، عن الحارث بن حسان، فأسقط من الإسناد أبا وائل والصحيح إثباته.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة فإنه حسن الحديث.
قال الحافظ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] "يشعر بأن ثم عادًا أخرى، وقد أخرج قصة عاد الثانية أحمد بإسناد حسن عن الحارث بن حسان البكري .. فذكره.
وقال الحافظ ابن كثير: وقد يكون هذا السياق لإهلاك عاد الآخرة لذكره مكة، ولم تُبنَ إلا بعد إبراهيم الخليل حين أسكن فيها هاجر وابنه إسماعيل. فنزلت جُرهم عندهم، وعاد الأولى قبل الخليل. البداية والنهاية (١/ ٢٩٨).
٢٢ - باب في أخبار نبي الله صالح ﵇
قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣ - ٧٩].
وثمود قبيلة مشهورة منسوبة إلى جدهم ثمود بن عامر بن إرم بن سام بن نوح، وكانوا عربًا من العاربة يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك. وقد مرَّ به رسول الله ﷺ .
• عن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي ﷺ يخطب وذكر الناقة والذي عقر فقال رسول الله ﷺ : ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] انبعث لها رجلٌ عزيزٌ عارمٌ منيعٌ في رهطه مثل أبي زمعة" وذكر النساء فقال: "يعمدُ أحدُكم فيجلد امرأته جلدَ العبد فلعله يضاجعها من آخر يومه" ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة وقال: "لمَ يضحك أحدُكم مما يفعل؟ ".
стр. 4948
وزاد في رواية: "مثل أبي زمعة عم الزبير بن العوام".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٤٢)، ومسلم في التفسير (٢٨٥٥: ٤٩) كلاهما من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة .. فذكره.
• عن عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ لما مرَّ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصميبكم ما أصابهم" ثم تقنع بردائه وهو على الرحْل.
وزاد في رواية: ثم قنّع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي.
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٨٠)، ومسلم في الزهد (٢٩٨٠: ٣٩) كلاهما من حديث الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه .. فذكره.
والزيادة أخرجها البخاري في المغازي (٤٤١٩) عن عبد الله بن محمد الجعفي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر .. فذكره.
وهذا سياق البخاري.
ولفظ مسلم: "عن ابن شهاب - وهو يذكر الحجر مساكن ثمود - قال سالم بن عبد الله: إن عبد الله بن عمر قال: "مررنا مع رسول الله ﷺ على الحجر .. فذكره وفيه: "حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ثم زجر فأسرع حتى خلّفها".
• عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا منها واستقينا فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء.
وفي لفظ: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود الحجر فاستقوا من بئرها واعتجنوا به فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئرها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.
متفق عليه: روى اللفظ الأول البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٨)، عن محمد بن مسكين، حدثنا يحيى بن حسان بن حيان، حدثنا سليمان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر .. فذكره.
واللفظ الثاني أخرجه البخاري في الأنبياء (٣٣٧٩)، ومسلم في الزهد (٢٩٨١: ٤٠) كلاهما من طرق عن عبيد الله، عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره .. فذكره.
٢٣ - باب ما جاء أن قوم ثمود أصابتهم الصيحة من السماء
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٠ - ٨٤].
стр. 4949
• عن جابر قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: "لا تسألوا الآيات وقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله "قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو أبو رغال فلما خرج من الحرم، أصابه ما أصاب قومه".
صحيح: رواه عبد الرزاق في تفسيره (٩١٥) ومن طريقه أحمد (١٤١٦٠)، والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٩٦)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٧٥٥)، وابن حبان (٦١٩٧)، والحاكم (٢/ ٣٢٠) كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله .. فذكره.
وأبو الزبير تابعه عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط عن جابر، به نحوه عند الطبري والطحاوي، وعبد الرحمن عبد الله بن سابط ثقة حافظ، وبهذا صحّ إسناد هذا الحديث.
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول - حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال رسول الله ﷺ : "هذا قبر أبي رغال، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابتْه النقمةُ التي أصابتْ قومه بهذا المكان، فدُفن فيه، وآية ذلك أنه دُفنَ معه غصن من ذهب إنْ أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه". فابتدر الناس فاستخرجوا الغصن.
رواه أبو داود (٣٠٨٨) واللفظ له - والطحاوي في شرح المشكل (٣٧٥٤) كلاهما من طريق وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن إسماعيل بن أمية، عن بُجير بن أبي بجير قال: سمعتُ عبد الله بن عمرو .. فذكره.
وفي لفظ الطحاوي: وكان امرؤا من ثمود.
وتابع محمد بنَ إسحاق: روحُ بن القاسم فرواه عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير عن عبد الله بن عمرو .. فذكره.
وفي سنده بجير بن أبي جبير لم يوثّقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن أمية فهو "مقبول" يعني عند المتابعة وإلا فليّن الحديث. وقال الحافظ في التقريب: "مجهول".
وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٣١٨): "تفرد به بُجير بن أبي بُجير هذا. ولا يُعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن أمية". ونقل عن شيخه المزي أنه قال: فيحتمل أنه وهم في رفعه، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو من زامليته" اهـ
стр. 4950
جموع ما جاء في إبراهيم وأولاده ﵈
١ - باب ما جاء أن إبراهيم هو ابن آزر
قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤].
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخٍ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار".
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٠) عن إسماعيل بن عبد الله قال: أخبرني أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة .. فذكره.
واسم أبي إبراهيم آزر كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ وهذا هو الصحيح الذي يجب الاعتماد عليه. وأما اسمه في التوراة المزعومة فهو "تارح" التكوين (١١: ٢٧). ونقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠) قول جمهور أهل النسب منهم ابن عباس على أن اسم أبيه "تارح" وأهل الكتاب يقولون: "تارخ" بالخاء المعجمة فقيل: إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر.
وقال: وقال ابن جرير: والصواب أن اسمه آزر ولعل له اسمين علمين، أو أحدهما لقب والآخر علم. وهذا الذي قاله محتمل". اهـ
قوله: "بذيخٍ مُلتطخ"، الذيخ هو: ذَكَر الضباع.
٢ - باب أن إبراهيم ﵇ خليل الله
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
• عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ : من أكرم الناس؟ قال: "أكرمهم أتقاهم قالوا: يا نبي الله ليس عن هذا نسألك؟ قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا".
стр. 4951
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٤)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٨) كلاهما من طرق عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة .. فذكره.
• عن أبي هريرة قال: أتي النبي ﷺ يوما بلحم فقال: "إن الله يجمع يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس منهم - فذكر حديث الشفاعة - فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من الأرض اشفع لنا إلى ربك فيقول - فذكر كذباته - نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٦١)، ومسلم في الإيمان (١٩٤) كلاهما من رواية أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك فذكر حديث الشفاعة وفيه: .. يقول نوح ﵇: ولكن ائتوا إبراهيم ﷺ الذي اتخذه الله خليلا فيأتون إبراهيم ﷺ فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا موسى ﷺ الذي كلمه الله وأعطاه التوراة ... " الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٦٥)، ومسلم في الإيمان (١٩٣: ٣٢٢) كلاهما من رواية أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس بن مالك .. فذكره.
• عن جندب قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك".
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٣٢: ٢٣) من طرق عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث النجراني قال: حدثني جندب قال .. فذكره.
وأما ما روي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة يوم القيامة تجاهين. والعباس بيننا مؤمن بين خليلين". فهو ضعيف جدًّا.
رواه ابن ماجه (١٤١) وابن حبان في المجروحين (٢/ ١٤٨)، والطبراني في مسند الشاميين (٩٣٦) كلهم من طريق عبد الوهاب بن الضحاك: حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو،
стр. 4952
عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن كثير بن مرة الحضرمي عن عبد الله بن عمرو قال: فذكره.
وعبد الوهاب بن الضحاك ضعيف باتفاق أهل العلم، قال ابن حبان: "كان يسرق الحديث ويرويه ويجيب بما يُسأل، ويحدث بما يقرأ عليه، لا يحل الاحتجاج به ولا الذكر عنه إلا على جهة الاعتبار".
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: "هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد الوهاب، بل قال فيه أبو داود: يضع الحديث ... ".
٣ - باب أن إبراهيم ﵇ أُلقي في النار وكان الوزغ ينفخ عليه
• عن أم شريك: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ وقال: "كان ينفخ على إبراهيم ﵇".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٩) عن عبيد الله بن موسى أو ابن سلام عنه، أخبرنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك .. فذكرته. واللفظ له.
ورواه البخاري في بدء الخلق (٣٣٠٧)، ومسلم في السلام (٢٢٣٧) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك أن النبي ﷺ أمر بقتل الأوزاغ.
ولم يذكر مسلم قوله: "كان ينفخ على إبراهيم ﵇".
• عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "كانت الضفدع تطفئ النار عن إبراهيم، وكان الوزغ ينفخ فيه، فنهى عن قتل هذا وأمر بقتل هذا".
صحيح: رواه عبد الرزاق (٨٣٩٢) عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة .. فذكرته. وإسناده صحيح.
وكان لعائشة رمحٌ تقتل به الأوزاغ، رواه عبد الرزاق (٨٤٠٠) عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم، عن القاسم بن محمد قال .. فذكره.
وعاصم بن عبيد الله ضعيف.
ورواه ابن أبي شيبة (٢٠٢٥٨) ومن طريقه ابن ماجه (٣٢٣١)، وأحمد (٢٤٥٣٤) كلهم من طرق عن جرير بن حازم، عن نافع، عن سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة أنها دخلت على عائشة فرأت في بيتها رمحا موضوعًا، فقالت: يا أم المؤمنين، ما تصنعين بهذا؟ قالت: نقتل بها هذه الأوزاغ، فإن النبي ﷺ أخبرنا أن إبراهيم خليل الله لما ألقي في النار لم تكن دابة في الأرض إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ، فإنه كان ينفخ عليه، فأمر رسول الله ﷺ بقتله.
стр. 4953
ورجاله كلهم ثقات سوى سائبة مولاة الفاكه الراوية عن عائشة فإنها لم يوثّقها سوى ابن حبان ولم يرو عنها غير نافع. والله أعلم.
وتتقوى هذه الرواية بما رواه النسائي (٢٨٣١) عن أبي بكر بن إسحاق: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة عن سعيد بن المسيب: "أن امرأة دخلت على عائشة وبيدها عكاز فقالت. ما هذا؟ فقالت: لهذه الوزغ، لأن نبي الله ﷺ حدثنا أنه لم يكن شيء إلا يطفئ على إبراهيم ﵇ إلا هذه الدابة فأمرنَا بقتلها ونهى عن قتل الجِنان إلا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يطمسان البصر ويسقطان ما في بطون النساء". وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، والمرأة المبهمة لعلها سائبة مولاة الفاكه المذكورة في الرواية السابقة.
٤ - قول إبراهيم ﵇: "حسبي الله ونعم الوكيل" حين أُلقي في النار
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وقال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٧، ٩٨].
وقال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
• عن عبد الله بن عباس: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٤٥٦٣) عن أحمد بن يونس أراه قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس فذكره.
وفي لفظ له عن ابن عباس أيضا: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار حسبي الله ونعم الوكيل.
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٦٥٦٤) عن مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل عن أبي حصين عن أبي الضحى عن ابن عباس .. فذكره.
وأما ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لما ألقي إبراهيم في النار: قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك" فهو ضعيف.
رواه عثمان الدارمي في الرد على الجهمية (٧٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩)، والخطيب في تاريخه (١٠/ ٣٤٦) كلهم من طريق أبي هشام محمد بن يزيد الرفاعي، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي أبي يحيى، عن أبي جعفر الرازي، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة .. فذكره.
стр. 4954
ومحمد بن يزيد الرفاعي ضعيف.
٥ - باب ما جاء في إيمان إبراهيم ﵇
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِ﴾ ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٢)، ومسلم في الإيمان (١٥١: ٢٣٨) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة .. فذكره.
ومعنى قوله: "لأجبت الداعي" هو رسول الملك الوارد ذكره في الآية: [يوسف: ٥٠]
وقوله: "ونحن أحق بالشك من إبراهيم" المقصود به نفي الشك من إبراهيم وإثبات إيمانه القوي وذلك بنسبة الشك إلى نفسه وهو منفي عنه ﷺ بلا شك.
٦ - باب في اختتان إبراهيم ﵇
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اختتن إبراهيم النبي ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدّوم".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٦)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٠: ١٥١) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة .. فذكره.
وفي لفظ البخاري: "اختتن إبراهيم بعد ثمانين سنة".
رواه في الاستئذان (٦٢٩٨) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة .. فذكره.
والقدوم هو الآلة.
وأما ما رواه ابن حبان (٦٢٠٤) وغيره عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة" فهو شاذ لا يعول عليه وقد روي موقوفا.
٧ - باب هجرة إبراهيم ﵇ إلى مصر
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "هاجر إبراهيم ﵇ بسارة فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل: دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن
стр. 4955
النساء فأرسل إليه أن يا إبراهيم من هذه التي معك؟ قال: أختي، ثم رجع إليها فقال: لا تكذبي حديثي فإني أخبرتهم أنك أختي، والله إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر فغط حتى ركض برجله".
قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قالت: "اللهم إن يمت يقال: هي قتلته، فأُرسل ثم قام إليها فقامت توضأ تصلي وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله قال عبد الرحمن: قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: فقالت: اللهم إن يمت فيقال: هي قتلته، فأرسل في الثانية أو في الثالثة فقال: والله ما أرسلتم إلي إلا شيطانا ارجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها آجر، فرجعت إلى إبراهيم ﵇ فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة".
صحيح: رواه البخاري في البيوع (٢٢١٧) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة .. فذكره.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله، قوله: إني سقيم. وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم إنك امراتي يغلبني عليكِ فإن سألك فأخبريه: إنك أختي فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرص مسلما غيري وغيرك فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار أتاه، فقال له لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها فقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك، ففعلت. فعاد فقبضت أشد من القبضة الأولى فقال لها مثل ذلك، ففعلت. فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله أن لا أضرك ففعلت. وأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم ﵇ انصرف فقال لها: مهيم، قالت: خيرًا كف الله يد الفاجر وأخدم خادما".
стр. 4956
قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء.
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٧، ٣٣٥٨)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧١: ١٥٤) كلاهما من طرق عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة .. فذكره. وهذا لفظ مسلم، وفي سياق البخاري أن الذي دخل على الملك أولا هو إبراهيم ﵇ ثم سارة، ولفظه هكذا: "إن ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي. فأتى سارة قال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني فأرسل إليها .. ".
وقوله: "ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك" أي على وجه أرض مصر التي هو فيها وإلا فقد آمن به لوط قبل ذلك كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ إلا أن لوطا ﵇ لم يكن معه في أرض مصر.
٨ - باب سفر إبراهيم ﵇ إلى مكة لتجديد بناء الكعبة
• عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: حتى بلغ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال: يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فذلك
стр. 4957
سعي الناس بينهما" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صَهٍ - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا" قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا - أو جريين - فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا - قال: وأم إسماعيل عند الماء - فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس" فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبَّ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له: يغير عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيِّرْ عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت:
стр. 4958
اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي ﷺ : "ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا - وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤) عن عبد الله بن محمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما على الآخر، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس .. فذكره.
• عن ابن عباس قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شنة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كداء نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله. قالت: رضيت بالله. قال: فرجعت فجعلت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها حتى لما فني الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. قال: فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا؟ فلم تحس أحدًا. فلما بلغت الوادي سعت وأتت المروة، ففعلت ذلك أشواطًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل - تعني الصبي - فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت، فلم تقرها نفسها
стр. 4959
فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا، فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحدًا، حتى أتمت سبعا ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض قال: فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفز.
قال: فقال أبو القاسم ﷺ : "لو تركته كان الماء ظاهرًا" قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها. قال: فمر ناس من جرهم ببطن الوادي فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذاك وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء، فبعثوا رسولهم فنظر، فإذا هم بالماء، فأتاهم فأخبرهم، فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك - أو نسكن معك؟ - فبلغ ابنها فنكح فيهم امرأة. قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله: إني مطلع تركتي. قال: فجاء فسلم فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد. قال قولي له إذا جاء: غير عتبة بابك، فلما جاء أخبرته. قال: أنتِ ذاك، فاذهبي إلى أهلك. قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله: إني مطلع تركتي قال: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ فقال: وما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم قال: فقال أبو القاسم ﷺ : "بركة بدعوة إبراهيم" قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله: إني مطلع تركتي، فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلا له فقال: يا إسماعيل، إن ربك أمرني أن أبني له بيتا قال: أطع ربك قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه قال: إذن أفعل أو كما قال. قال: فقاما فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام فجعل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. [البقرة: ١٢٧].
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٥) عن عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس .. فذكره.
وهذا الحديث بعضه مرفوع صراحة، وبعضه موقوف على ابن عباس ولم يكن ابن عباس عنده سابق علم عن هذا التاريخ القديم فلعله أخذه عن النبي ﷺ أيضا وإن لم يرفعه، ولكن قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٣٦١): "وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه،
стр. 4960
وفي بعضه غرابة، وكأنه مما تلقاه ابن عباس عن الإسرائيليات".
قلت: وهذا عجيب من ابن كثير كيف يكون هذا من الإسرائيليات وهم لا يعترفون بوجود مكة، ومهاجرة هاجر وابنها إليها بل قالوا: إن إبراهيم طرد هاجر وابنه فتاهت الأم وابنُها في برية بئر سبع في جنوب فلسطين، ومنذ ذلك الحين سكن إسماعيل في برية فاران في جنوب فلسطين على حدود شبه جزيرة سيناء. كما جاء ذلك في سفر التكوين الإصحاح الحادي والعشرين هكذا يقولون.
ولعل الإمام البخاري ذكر هذا الحديث كتتمة للحديث الأول في الباب عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكان زمزم عينا معينا. وكلها في حكم المرفوع.
٩ - باب أن إبراهيم ﵇ حرّم مكة ودعا لأهلها
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: "التمس غلاما من غلمانكم يخدمني فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل فكنت أسمعه يكثر أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال" فلم أزل أخدمه حتى أقبلنا من خيبر وأقبل بصفية بنت حيي قد حازها فكنت أراه يحوي لها وراءه بعباءة أو بكساء ثم يردفها وراءه حتى إذا كنا بالصهباء صنع حيسا في نطع ثم أرسلني فدعوت رجالا فأكلوا وكان ذلك بناءه بها ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه" فلما أشرف على المدينة قال: "اللهم إني أحرِّمُ ما بين جبليها مثل ما حرّم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم".
متفق عليه: رواه البخاري في الأطعمة (٥٤٢٥)، ومسلم في الحج (١٣٦٥: ٤٦٢) كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب أنه سمع أنس بن مالك يقول .. فذكره.
تنبيه: وفي الباب أحاديث أخرى تجدها في فضائل مكة والمدينة.
١٠ - باب تمني النبي ﷺ بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ﵇
• عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم" قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم فقال رسول الله ﷺ : "لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت" قال: فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم.
стр. 4961
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٨٠٧) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة .. فذكرته. ورواه البخاري في الحج (١٥٨٣)، ومسلم في الحج (١٣٣٣: ٣٩٩) كلاهما من طريق مالك، به.
ورواه البخاري في الحج (١٥٨٦) عن بيان بن عمرو، حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم" فذلك الذي حمل ابن الزبير ﵄ على هدمه قال يزيد: وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل.
قال جرير: فقلت له أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر فأشار إلى مكان فقال ها هنا قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها.
١١ - باب أن إبراهيم ﵇ يشبه النبي ﷺ -
• عن مجاهد قال: كنا عند ابن عباس فذكروا الدجال فقال: إنه مكتوب بين عينيه كافر، وقال ابن عباس: لم أسمعه قال ذاك، ولكنه قال: "أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فرحل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة كأني أنظر إليه إذ انحدر في الوادي يلبي".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٥)، ومسلم في الإيمان (١٦٦: ٢٧٠) كلاهما من حديث ابن عون عن مجاهد، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "حين أسري بي لقيت موسى ﵇ فنعته النبي ﷺ فإذا رجل حسبته قال: مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة قال ولقيت عيسى فنعته النبي ﷺ فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني حماما قال: ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه وأنا أشبه ولده به قال: فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر فقيل لي: خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقال: هديت الفطرة أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٩٤)، ومسلم في الإيمان (١٦٨: ٢٧٢) كلاهما من حديث معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره.
وقوله: "رجل الرأس" بكسر الجيم أي رجِل الشعر.
• عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "عُرِض علي الأنبياء فإذا موسى ضرب من
стр. 4962
الرجال كأنه من رجال شَنوءة ورأيت عيسى بن مريم ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبَها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم يعني نفسه، ورأيت جبريل ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية وفي رواية ابن رمح دحية بن خليفة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٧: ٢٧١) عن قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح كلاهما عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر .. فذكره.
١٢ - باب قول النبي ﷺ : "إن إبراهيم ﵇ هو خير البرية" تواضع من النبي ﷺ -
• عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا خير البرية، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك إبراهيم ﵇".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٦٩: ١٥٠) من طرق عن المختار بن فُلفُل، عن أنس بن مالك .. فذكره.
١٣ - باب لقاء النبي ﷺ إبراهيم ﵇ في السماء السابعة
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "أُتيت بالبراق .. فذكر حديث الإسراء والمعراج وفيه: ثم عُرِجَ بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل من هذا قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ قيل: وقد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسندًا ظهره إلى البيت المعمور .. " الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٢: ٢٥٩) عن شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك .. فذكره.
• عن مالك بن صعصعة قال: قال النبي ﷺ : "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان ... الحديث وفيه: فأتينا السماء السابعة قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه مرحبا به ولنعم المجيء جاء فأتيت على إبراهيم فسلمت عليه فقال مرحبا بك من ابن ونبي، فرفع لي البيت المعمور .. " الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٠٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٤: ٢٦٤) كلاهما من طريق قتادة، حدثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة .. فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة ... وفيه: قال أنس: فذكر: أنه وجد في السموات آدم وإدريس
стр. 4963
وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة ... " الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٤٩)، ومسلم في الإيمان (١٦٣: ٢٦٣) كلاهما من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك .. فذكره.
• عن أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة .. وفيه: "كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت منهم: إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله".
متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٥١٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٢: ٢٦٢) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله أنه قال: سمعت أنس بن مالك .. فذكره.
وهذا لفظ البخاري ولم يسق مسلم لفظه وإنما أحال على حديث ثابت عن أنس بقوله: "وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني وقدَّم فيه شيئا وأخر وزاد ونقص".
وقوله: "في السماء السادسة" الثابت في جميع الروايات غير هاتين أنه في السابعة، فالأرجح رواية الجماعة لقوله فيها: "إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور" وهو في السابعة بلا خلاف.
١٤ - باب ما جاء في قوله تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمّهن "
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، في الرأس: السواك، والاستنشاق، والمضمضة، وقص الشارب، وفرق الرأس. وفي الجسد خمسة: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء من الغائط، والبول، ونتف الإبط.
صحيح: رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٢٨٩) ومن طريقه الطبري في تفسيره (١/ ٤٩٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢١٩) عن معمر، عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس .. فذكره.
١٥ - أول من يُكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ ثم نبينا ﵇
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "تُحشرون حُفاةً عُراةً غُرْلا، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فأول من يُكسى إبراهيم، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال فأقول: أصحابي فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ
стр. 4964
فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧، ١١٨].
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٧)، ومسلم في الجنة (٢٨٦٠: ٥٧) كلاهما من حديث المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس .. فذكره.
قال محمد بن يوسف الفربري ذُكر عن أبي عبد الله (يعني البخاري) عن قبيصة قال: هم المرتدون الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر ﵁.
انظر للمزيد: كتاب يوم القيامة.
١٦ - باب أن مشركي مكة صوّروا إبراهيم ﵇ في داخل الكعبة
• عن ابن عباس قال: دخل النبي ﷺ البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال: "أما لهم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة. هذا إبراهيم مصور فما له يستقسم؟ ".
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥١) عن يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني عمرو أن بكيرًا حدثه عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس .. فذكره.
وفي لفظ له: أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام فقال: "قاتلهم الله والله إن استقسما بالأزلام قط".
وفي لفظ له أيضا: أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام فقال النبي ﷺ : "قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط" ثم دخل البيت فكبّر في نواحي البيت وخرج ولم يصل فيه.
رواه باللفظين البخاري - على الترتيب - في كتاب الأنبياء (٣٣٥٢)، وفي المغازي (٤٢٨٨) من طرق عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس .. فذكره.
١٧ - باب إن إبراهيم ﵇ كان يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق بكلمات الله التامات
• عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة".
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٧١) عن عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير عن
стр. 4965
منصور عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس .. فذكره.
قوله: "هامّة": بتشديد الميم. كل ذات سم يقتل، وجمعه هوام.
وقوله: "لامّة": بتشديد الميم أي ذات لمم، اللمم كل داء يلم من قتل أو جنون أو نحوهما أي من كل عين تصيب السوء.
١٨ - باب إن إبراهيم ﵇ كان طويل القامة
• عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم من رؤيا" قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص وإنه قال ذات غداة: "إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي" .. فذكر الحديث بطوله وجاء فيه:
قال: قالا لي: "انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ "
قال: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة". قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : "وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطرًا منهم حسن، وشطرًا منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا، وآخر سيئا تجاوز الله عنهم".
متفق عليه: رواه البخاري في التعبير (٧٠٤٧)، ومسلم في الرؤيا (٢٢٧٥: ٢٣) كلاهما من حديث أبي رجاء العطاردي، حدثنا سمرة بن جندب .. فذكره.
هذا مختصر من سياق البخاري فإنه ساقه مطولا، وأما مسلم فسياقه مختصر جدًّا.
١٩ - باب في قصر إبراهيم ﵇ في الجنة
• عَن أبي هُرَيرة قال: قال رَسُول الله ﷺ : "إن في الجنة قصرًا - أحسبه قال: من لؤلؤ - ليس فيه فصمٌ ولا وهنٌ أعده الله ﵎ لخليله إبراهيم ﷺ نزلا".
حسن: رواه البزار (٨٧٩٠)، والطبراني في الأوسط (٦٥٣٩) كلاهما من طرق عن النضر بن شميل، حَدَّثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عَن أبي هُرَيرة .. فذكره.
ورواه البزار (٨٧٨٩) من وجه آخر عن يزيد بن هارون قال: أَخْبَرَنَا حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عَن أبي هُرَيرة.
وقال عقبه: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة فأسنده إلَّا يزيد بن هارون والنضر
стр. 4966
ابن شميل وغيرهما يروونه موقوفا".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن سماك إلا حماد بن سلمة، ولا رواه عن حماد إلا النضر بن شميل ويزيد بن هارون".
قال ابن كثير عقب كلام البزار المذكور: "قلت: لولا هذه العلة لكان على شرط الصحيح، ولم يخرجوه". البداية والنهاية (١/ ٣٩٩).
قلت: النضر بن شميل ويزيد بن هارون ثقتان، فلا يضر من رواه موقوفا، ثم الموقوف يرجع إلى الرفع لأنه من الأمور الغيبيات، وقول ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٣٩٩) عقب كلام البزار: لولا هذه العلة لكان على شرط الصحيح ولم يخرجوه.
قلت: هذه العلة غير قادحة إلا أنه حسن من أجل الكلام في سماك بن حرب، عن عكرمة.
٢٠ - باب ذكر وفاة إبراهيم ﵇ وما قيل في عمره
يقال: إنه ولد في بابل، وهاجر إلى حران، ثم إلى أرض الشام، وأقام ببلاد إيلياء، ثم هاجر إلى مصر، ثم إلى الحجاز ورجع إلى الشام وماتت سارة قبله بقرية حبرون التي في أرض كنعان، ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب، كما قال ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٤٠٢).
وليس كما قال، فقد جاء في سفر التكوين (٢٣: ١ - ٢) فحزن عليها إبراهيم، واشترى من بني حِثّ مغارة بأربعمائة مثقال فضة، ودفن فيها سارة هنالك. ومرض إبراهيم ﵇ ومات عن مائة وخمس وسبعين سنة. ودفن في المغارة المذكورة عند امرأته سارة، وتولى دفنه إسماعيل وإسحاق .. كما قال ابن كثير. (١/ ٤٠٣).
وهذا مما أخذه الحافظ ابن كثير من سفر التكوين (٢٥: ٩) وذلك بناء على نصوص التوراة أن إسماعيل مع أمه هاجر سكن في برية الشام، والحق أنه سكن في الحجاز، فمن المستبعد مشاركته في دفن أبيه إبراهيم لأنه لم يثبت عندنا سفره إلى الشام بعد أن أسكنه أبوه بمكة. والله تعالى أعلم.
وأما قبره فكما قال ابن كثير (١/ ٤٠٥): "فقبره، وقبر ولده إسحاق، وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود ﵇ ببلد حبرون، وهو البلد المعروف بالخليل اليوم، وهذا مُتلقى بالتواتر، أمة بعد أمة، وجيلًا بعد جيل من زمن بني إسرائيل وإلى زماننا هذا أن قبره بالمربعة تحقيقا.
٢١ - باب ذكر أولاد إبراهيم ﵇
من أولاد إبراهيم ﵇: إسماعيل من هاجر القبطية المصرية، ثم ولد له إسحاق من سارة بنت عم الخليل، وهذا مما لا خلاف بين المسلمين وهو ثابت من نص القرآن الكريم، وما
стр. 4967
عداهما فهو منقول من أهل الكتاب ذكره المؤرخون المسلمون.
قال ابن جرير الطبري في تاريخه (١/ ٣٠٩): "ولما ماتت سارة بنت هاران زوجة إبراهيم تزوج بعدها - فيما حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - قطورا بنت يقطن، امرأة من الكنعانيين فولدت له ستة نفر: يقشان بن إبراهيم، وزمران بن إبراهيم، ومديان بن إبراهيم، ويسبق بن إبراهيم، وسوح بن إبراهيم، وبسر بن إبراهيم. فكان جميع بني إبراهيم ثمانية بإسماعيل وإسحاق" اهـ.
هكذا ذكره ابن جرير الطبري وهو الذي في سفر التكوين (٢٥: ١ - ٢): "وعاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها "قطورة" فولدت له: زمران، ويقشان، ومدان، ومديان، ويشباق، وشُوحا".
ثم تزوج بعدها حجور بنت أرهير فولدت له خمسة بنين: كيسان، وشورخ، وأميم، ولوطان، ونافس. ذكره ابن جرير الطبري.
وكذا ذكره أيضا ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٤٠٧) نقلا عن أبي القاسم السهيلي في كتابه "التعريف والإعلام" ص (١٣٩ - ١٤٠) ولم أجد ذكره في التوراة، بل فيها لوطان من أبناء بني سعير الحوري. التكوين (٣٦: ٢٠) فالله أعلم.
٢٢ - باب ما جاء في أخبار إسماعيل بن إبراهيم ﵉
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤ - ٥٥].
• عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال: يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها،
стр. 4968
فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فذلك سعي الناس بينهما" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صَهٍ - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا" قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا - أو جريين - فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا - قال: وأم إسماعيل عند الماء - فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس" فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبَّ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له يغير عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول:
стр. 4969
غيِّرْ عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي ﷺ : "ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنتِ العتبة، أمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا - وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤) عن عبد الله بن محمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة يزيد أحدهما على الآخر، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس .. فذكره.
• عن علي بن أبي طالب مرفوعا: "أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل".
حسن: رواه الزبير بن بكار في النسب بإسناد حسن. قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٤٠٣) إلا أني لم أقف على إسناده، وإنما حسّنته اعتمادا على نقل الحافظ وتحسينه إياه.
وقال الأموي: حدثني علي بن المغيرة، حدثنا أبو عبيدة، حدثنا مسمع بن مالك، عن محمد بن
стр. 4970
علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي ﷺ .. فذكر نحوه. البداية والنهاية (١/ ٤٤٤) وهذا فيه إرسال.
وقوله: "أول من فتق لسانه بالعربية" أي أول من تكلم بالعربية في الحجاز وما حولها؛ لأن العربية هي لغة أهل اليمن، وتعلم إسماعيل ﵇ منهم عندما نزلوا في مكة حول زمزم كما جاء في كلام ابن عباس في صحيح البخاري (٣٣٦٤).
وأما لغة أهل الحجاز ومن حولهم فلا يعرف بالتحديد، ولعلهم كانوا يتكلمون بإحدى اللغات السامية والتي اندثرت. والله أعلم.
روي عن ابن عباس قال: "أول من نطق بالعربية ووضع الكتاب على لفظه ومنطقه، ثم جعل كتابًا واحدًا مثل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الموصول حتى فرق بينه ولده: إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما".
رواه الحاكم (٢/ ٥٥٣) ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٦١٧) عن الحسين بن الحسن بن أيوب، حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس .. فذكره.
وفي سنده: داود بن الحصين وهو ثقة إلا في روايته عن عكرمة فمنكر الحديث كما قال ابن المديني وأبو داود وغيرهما، وهذا منها.
وقال ابن عدي: "صالح الحديث إذا روى عه ثقة فهو صالح الرواية إلا أن يروي عنه ضعيف فيكون البلاء منه مثل ابن أبي حبيبة وإبراهيم بن أبي يحيى". انظر: تهذيب الكمال (٢/ ٤١٢).
قلت: وهذا الحديث من رواية ابن أبي حبيبة عنه عن عكرمة.
وابن أبي حبيبة هو: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي حصل القلب في اسمه فصار إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة، والصواب ما جاء في الجرح والتعديل (٢/ ٨٣)، وتهذيب الكمال (١/ ١٠٠) يعني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة.
وإبراهيم بن إسماعيل هذا وثّقه أحمد بن حنبل، وتكلم فيه أكثر أهل العلم والخلاصة أنه ضعيف كما قال ابن حجر في التقريب.
والحديث صحّحه الحاكم فقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي بقوله: "عبد العزيز واه".
قلت: وهو كما قال. وعبد العزيز هو ابن عمران الزهري متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه، وكان عارفا بالأنساب، كما قال ابن حجر.
стр. 4971
٢٣ - باب أن إسماعيل ﵇ كان راميا
• عن سلمة بن الأكوع قال: مرَّ النبي ﷺ على نفر من أسلم ينتضِلُون فقال رسول الله ﷺ : "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان" قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله ﷺ : "ما لكم لا ترمون؟ " فقالوا: يا رسول الله، نرمي وأنت معهم؟ ! قال: "ارموا وأنا معكم كلكم".
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٣) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع .. فذكره.
• عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وأسلم يرمون فقال: "ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميا، وارموا وأنا مع ابن الأدرع"، فأمسك القوم قسيّهم وقالوا: من كنتَ معه غلب. قال: "ارموا، وأنا معكم كلكم".
حسن: رواه أبو يعلى (٦١١٩)، وصحّحه ابن حبان (٤٦٩٥)، والحاكم (٢/ ٩٤) كلهم من طرق عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة .. فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة فإنه حسن الحديث.
٢٤ - باب أن الذبيح هو إسماعيل ﵇
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ٩٩ - ١٠٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
• عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومُك أن رسول الله ﷺ سعى بين الصفا والمروة وأن ذلك سنة. قال: صدقوا إن إبراهيم لما أمر بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له شيطان - قال يونس: الشيطان - فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات قال: قد تله للجبين - قال يونس: وثم تله للجبين - وعلى إسماعيل قميص أبيض وقال: يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه. فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ
стр. 4972
صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فالتفت إبراهيم، فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين.
قال ابن عباس: لقد رأيتنا نبيع هذا الضرب من الكباش، قال: ثم ذهب، به جبريل إلى الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم ذهب به جبريل إلى منى قال: هذا مني .. فذكر الحديث بطوله.
حسن: رواه أحمد (٢٧٠٧)، وأبو داود الطيالسي (٢٨٢٠) وعنه البيهقي (٥/ ١٥٣ - ١٥٤)، وأبو داود (١٨٨٥) مختصرًا كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل .. فذكره.
وأبو عاصم الغنوي وثّقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله ثقات. وانظر تفصيل الكلام عليه في باب سبب رمي الجمرات في كتاب المناسك.
وروي عن الصّنَابحي قال: "كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح: إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: على الخبير سقطتم: كنا عند رسول الله ﷺ فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله عُدّ عليّ مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فضحك ﵊؟ فقلنا له: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أُمِر بحفْر زمزم، نذر لله لئن سَهُل عليه أمرها ليذبحنّ أحدَ ولدِه، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله، وقالوا: افْدِ ابنك بمئة من الإبل، ففداه بمئة من الإبل، وإسماعيل الثاني".
رواه الطبري في تفسيره (١٩/ ٥٩٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٥٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٤٩٩) كلهم من طرق عن إسماعيل بن عبيد بن عمير بن أبي كريمة، ثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عبيد بن محمد العُتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، عن أبيه، قال: ثني عبد الله بن سعد، عن الصّنَابحي (وهو عبد الرحمن بن عُسيلة الصنابحي)، قال .. فذكره.
سكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: "إسناده واه".
قلت: فيه عبد الله بن سعد بن فروة البجلي الدمشقي الكاتب مجهول، قاله أبو حاتم وابن القطان وقال دحيم: لا أعرفه وذكره ابن حبان في التقات وقال: يخطئ. وقال الساجي: ضعّفه أهل الشام.
وفيه من لم أقف على تراجمهم وفي إسناده اضطراب أيضا.
٢٥ - باب وفاة إسماعيل ﵇ وأولاده
قال ابن إسحاق: وكان عمر إسماعيل - فيما يذكرون - مائة سنة وثلاثين سنة، ثم مات رحمة الله وبركاته عليه. ودفن في الحجر مع أمه هاجر.
سيرة ابن هشام (١/ ٥ - ٦).
والحِجر: - بالكسر فالسكون - حجر الكعبة. وهو ما تركت قريش في بنائها من أساس إبراهيم
стр. 4973
عليه السلام. وفي قصة دفن هاجر وإسماعيل في الحجر غرابة، إذ كيف يُعقل أن يُدفنا في الحجر، وهو جزء من الكعبة التي بناها إبراهيم مع ولده إسماعيل لعبادة الله تعالى، ثم لو ثبت ذلك لمنع النبي ﷺ عن الصلاة فيها.
وأما أولاده من المرأة الجرهمية وهي بنت مضاض بن عمرو الجرهمي. وجرهم هو ابن قحطان. وقحطان أبو اليمن كلها فعددهم اثنا عشر وهم:
١ - نابد، ٢ - وقيدر، ٣ - وأذبيل، ٤ - ومبشا، ٥ - ومِسْمع، ٦ - وماشي، ٧ - ودُما، ٨ - وأذر، ٩ - وطيما، ١٥ - ويطور، ١١ - ونبش، ١٢ - وقيذمان.
وهذا مما ذكرهم ابن إسحاق، وأخذ عنه ابن جرير الطبري في تاريخه (١/ ٣١٤)، وابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٤٤٥).
قال ابن جرير: وقد ينطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق. وقال ابن كثير: وهكذا ذكرهم أهلُ الكتاب في كتابهم.
قلت: وهو كما قال. فقد جاء ذكر هذه الأسماء في سفر التكوين (٢٥: ١٣ - ١٧): "نبايوت، ووقيدار، وأدبيل، ومبسام، ومشماع، ودومة، ومسّا، وحدار، وتيما، وبطور، ونافش، وفدمة. هولاء بنو إسماعيل، وهذه أسماؤهم بديارهم وحصونهم. اثنا عشر رئيسا حسب قبائلهم، وهذه سِنوُ حياة إسماعيل: مائة وسبع وثلاثون سنة. وأسلم روحه ومات".
ثم قال ابن كثير: وعربُ الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيدار.
٢٦ - باب في أخبار إسحاق ﵇
قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٢ - ١١٣].
كانت هذه البشارة من الملائكة لإبراهيم وسارة لما مروا عليهم مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم.
وقال تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٦٩ - ٧٣].
وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤].
• عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن
стр. 4974
الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈".
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٩٠) عن عبدة، حدثنا عبد الصمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر .. فذكره.
• عن أبي هريرة سئل رسول الله ﷺ من أكرم الناس؟ قال: "أتقاهم لله" قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله". قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن، خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٨٣)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٩) كلاهما من حديث عبيد الله قال: أخبرني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة .. فذكره.
روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخن ثم أتى الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، فلما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق قال لأبيه يا أبت أوثقني لا أضطرب فينتضح عليك من دمج إذا ذبحتني فشده فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه نودي من خلفه ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.
رواه الإمام أحمد (٢٧٩٤) عن يونس، أخبرنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس .. فذكره.
وعطاء بن السائب اختلط بآخره وحماد هو ابن سلمة ممن روى عنه قبل الاختلاط وقيل: وبعد الاختلاط أيضا.
وفي قوله: "إسحاق" دليل على اختلاطه لأن الصحيح الثابت عند جمهور أهل العلم أن الذبيح هو إسماعيل ﵇.
كان إسحاق ﵇ ولد بعد أخيه بأربع عشرة سنة، وكان عمر أمه سارة حين بُشّرت به تسعين سنة.
وذكر أهل الكتاب أن إسحاق لما تزوج رفقا بنت ثبوئيل في حياة أبيه كان عمره أربعين سنة وأنها كانت عاقرا. فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين توأمين أولهما سموه عيصو، وهذا الذي تُسميه العيص وهو والد الروم. والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب وهو إسرائيل الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل.
وجاء في سفر التكوين (٣٥: ٢٨ - ٢٩): وكانت أيام إسحاق مائة وثمانين سنة. فأسلم إسحاق روحه، ومات وانضم إلى قومه شيخا وشبعان أياما. ودفنه عيسو ويعقوب أبناه".
وقد ذكر الطبري في تاريخه وابن كثير في البداية والنهاية كثيرًا من التفاصيل نقلا من أهل
стр. 4975
الكتاب ومعظمها موجودة في التوراة الموجودة. ونحن في غنى عن هذه التفاصيل.
٢٧ - باب ما جاء في أخبار لوط ﵇
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُ كْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٧٤ - ٨٣].
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٢)، ومسلم في الإيمان (١٥١: ٢٣٨) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة .. فذكره.
وفي لفظ للبخاري: "يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد".
رواه في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٥) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة .. فذكره.
ومعنى قوله: "لأجبت الداعي" هو رسول الملك الوارد ذكره في الآية: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠].
وقوله: "ونحن أحق بالشك من إبراهيم" المقصود به نفي الشك من إبراهيم وإثبات إيمانه القوي وذلك بنسبة الشك إلى نفسه وهو منفي عنه ﷺ بلا شك".
والمراد بالركن: العشيرة والجماعة.
وقد ترحم عليه النبي ﷺ لسهوه في الوقت الذي ضاق صدرُه، واشتدّ جزعه بما دهمه من قومه حتى قال: "أو آوي إلى ركن شديد"، يعني العشيرة، وقد كان عليه أن يأوي إلى أشد الأركان
следующие страницы →