Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
• عن أبي هريرة: أن نبي الله سليمان ﵇ كان له ستون امرأة فقال: لأطوفن الليلة على نسائي فلتحملن كل امرأة ولتلدن فارسا يقاتل في سبيل الله فطاف على نسائه فما ولدت منهن إلا امرأة ولدت شق غلام قال نبي الله ﷺ : "لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن فولدت فارسا يقاتل في سبيل الله".
متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٤٦٩)، ومسلم في الأيمان والنذور (١٦٥٤: ٢٢) كلاهما من طرق عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة فذكره. والمرفوع منه الجزء الأخير.
ورواه معمر عن أيوب بهذا الإسناد نحوه إلا أنه رواه بلفظ "مائة امرأة" ووقف الحديث كله على أبي هريرة كما في تفسير عبد الرزاق (١٦٦٨).
ورواه هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة فقال: "مائة امرأة" ورفع الحديث كله أوله وآخره. كما عند الإمام أحمد (٧١٣٧، ١٠٥٨٠)، وأبي عوانة (٥٩٩٤).
وخلاصة ما ورد في هذه الأحاديث من عدد زوجات سليمان ﵇ من ستين، وسبعين، وتسعين، وتسع وتسعين، ومائة.
فالأصح منها هو: "التسعين" كما قال البخاري وغيره من أهل العلم وهو الأقوى من حيث الإسناد. وفي معناه رويت أحاديث أخرى وفيها عدد أكثر من هذا وأقل، ولكنها معلولة ولم يصح منها شيء. والجمع بين هذه الأعداد أن العدد الصحيح هو التسعون، والباقي الجواري. ومن قال أقل من تسعين فهو وهم منه. والله تعالى أعلم.
وقوله: "فقال له صاحبه: قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله". فذلك لنسيان منه ﵇ لأن باله كان مشغولا بأمر فلم يتنبه كما ورد في ذلك مصرحا في إحدى طرق هذا الحديث.
٣ - باب في فراسة سليمان ﵇
قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩].
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى". قال: قال أبو هريرة: والله إن سمعت
стр. 5007
بالسكين قط إلا يومئذ ما كنا نقول إلا المدية.
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٢٧)، ومسلم في الأقضية (١٧٢٠: ٢٠) كلاهما من طرق عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة .. فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه.
روي عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال: "ما هذا يا عائشة". قالت بناتي. ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال: "ما هذا الذي أرى وسطهن". قالت: فرس. قال: "وما هذا الذي عليه؟ " قالت جناحان. قال: "فرس له جناحان؟ ". قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه.
رواه أبو داود (٤٩٣٢)، والنسائي في الكبرى (٨٩٠١)، وابن حبان (٥٨٦٤)، والبيهقي (١٠/ ٢١٩) كلهم من طريق يحيى بن أيوب، قال حدثني عمارة بن غزية أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة .. فذكرته. ويحيى بن أيوب الغافقي المصري رمي بالوهم والخطأ.
وقوله: "إن لسليمان خيلا لها أجنحة" تفرد به يحيى بن أيوب هذا ولم أجد له متابعا ولا شاهدا، فالله أعلم بصحته.
٤ - باب في الخلال الثلاثة التي سألها سليمان ﵇
• عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ : "أن سليمان بن داود ﷺ لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثة: سأل الله حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه".
صحيح: رواه النسائي (٦٩٣) عن عمرو بن منصور، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن ابن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو قال .. فذكره.
وإسناده صحيح. وابن الديلمي هو عبد الله بن فيروز الديلمي أبو بسر وثّقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم، وللحديث طرق أخرى كما سبق.
• عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون الله فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها فقال النبي: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة".
стр. 5008
حسن: رواه الطحاوي في شرح المشكل (٨٧٥)، والخطيب في تاريخه (١٢/ ٦٥) كلاهما من طريق محمد بن عُزيز، حدثنا سلامة بن روح، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة .. فذكره.
وفيه شيخ الطحاوي: محمد بن عُزيز الأيلي وثّقه غير واحد، وتكلم فيه بعضهم، والأظهر أنه صدوق كما قال الذهبي في "الميزان" و"المغني".
وفيه أيضا سلامة بن روح وثّقه ابن حبان بقوله: "مستقيم الحديث" وقال مسلمة بن قاسم: "لا بأس به" وضعّفه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وقيل: إنه لم يسمع من عمه عُقيل بن خالد وإنما كان يحدث من كتبه وأن هذه الكتب التي تُروى عن عقيل صحاح. انظر: تهذيب الكمال. وباقي رجاله ثقات.
وروي من وجه آخر عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة به نحوه. أخرجه الدارقطني في سننه (٢/ ٦٦) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٢٥) كلاهما من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة العمري، ثنا محمد بن عون مولى أم يحيى بنت الحكم عن أبيه قال: قال لي محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أخبرني أبو سلمة، أن أبا هريرة قال .. فذكره.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
قلت: وهو يقوي ما قبله وإن كان في الإسناد من لم يوثقه غير ابن حبان.
وأما ما روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "قالت أم سليمان بن داود لسليمان: يا بني، لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة". فهو ضعيف.
رواه ابن ماجه (١٣٣٢) عن زهير بن محمد، والحسن بن محمد بن الصباح، والعباس بن جعفر، ومحمد بن عمرو الحدثاني، قالوا: حدثنا سنيد بن داود، قال: حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله .. فذكره.
وسُنيد بن داود ويوسف بن محمد بن المنكدر ضعيفان.
٥ - باب في قصة موت سليمان ﵇
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤].
روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "كَانَ سُلَيمانُ نبيُّ اللهِ إذَا صَلَّى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت تُغْرَسُ غُرسَت، وإن كان لدواءٍ كُتبتْ، فبينما هو يصلي ذاتَ يَوم إذ رأى شجرةً بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عمِّ على الجن موتي؛ حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنَحَتَها عصا فتوكَّأ عليها حولًا ميتًا، والجن تعمل، فأكلتها الأرضة، فسقط، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في
стр. 5009
العذاب المهين". قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء.
رواه الطبري في تفسيره (١٩/ ٢٤٠)، وتاريخه (١/ ٥٠١)، والبزار (كشف الأستار ٢٣٥٥)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤٥١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٠٤)، والضياء في المختارة (١٠/ ٢٩٠ - ٢٩١) كلهم من طريق إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس .. فذكره.
قال أبو نعيم: "غريب من حديث سعيد تفرد به عطاء".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وهو غريب بمرة من رواية عبد الله بن وهب عن إبراهيم بن طهمان فإني لا أجد عنه غير رواية هذا الحديث الواحد، وقد رواه سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير فأوقفه على ابن عباس".
قلت: خالف إبراهيم بن طهمان سفيان بن عيينة فرواه عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس موقوفا: أخرج حديثه البزار (كشف الأستار ٢٣٥٦)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢٠٧) بنحوه.
وقال البزار: "لا نعلم أسنده إلا إبراهيم وقد رواه جماعة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا.
قلت: هو الراجح المحفوظ عن عطاء، فإن إبراهيم بن طهمان لم يُذكر من أصحابه القدماء بينما ابن عيينة ذكروا أنه ممن أخذ عنه قديما ولم يتفرد به بل توبع كما تقدم في كلام البزار.
وأيضا: جاء من وجه آخر عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفا: أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص ٣٧٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٩٨) كلاهما من طريق عبد الجبار بن عباس الهمداني، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس .. فذكره.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٣٥٢): "وهذا أشبه بالصواب".
وقال: عطاء الخراساني في حديثه نكارة. كذا قال.
وعطاء بن السائب ليس هو الخراساني وإنما هو الثقفي الكوفي، مختلط إلا أن سفيان بن عيينة روى عنه قبل الاختلاط.
وأما عطاء الخراساني فهو ابن أبي مسلم أبو عثمان.
وسليمان ﵇ هو النبي ابن النبي داود ﵇ الذي خلفه على عرش بني إسرائيل فكان أعظم ملوكهم، وقد ملك أربعين سنة كما يقول أهل الكتاب وكان عصره عصر نجاح اقتصادي، ولم تكن هناك حروب تستنزف أموال الشعب. وفي أسفار التوراة مبالغات كثيرة في رقعة ملكه، وكثرة نسائه، وخدمه، وفرسه، ومراكبه. والله تعالى أعلم بالصواب. انظر: سفر
стр. 5010
الملوك الأول (١٠: ١٤ - ٢٩).
٦ - باب في أخبار زكريا ﵇
قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٨ - ٣٩].
قال الله تعالى: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١ - ١١].
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كان زكريا نجّارًا".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٧٩) عن هداب بن خالد، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي رافع، عن أبي هريرة .. فذكره.
٧ - باب في أخبار يحيى ﵇
• عن مالك بن صعصعة قال: قال النبي ﷺ : "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان .. " فذكر حديث المعراج وفيه: "فأتينا السماء الثانية قيل: من هذا؟ قيل: جبريل قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ قيل: أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فأتيت على عيسى ويحيى فقالا: مرحبا بك من أخ ونبي ... ".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٠٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٤: ٢٦٤) كلاهما من حديث قتادة، حدثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة .. فذكره.
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "أُتيت بالبراق ... فذكر حديث الإسراء والمعراج وفيه: ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال محمد ﷺ . قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة: عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما، فرحّبا، ودعوا لي بخير .. " الحديث.
стр. 5011
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٢: ٢٥٩) عن شيبان بن فروخ: حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك .. فذكره.
• عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة: يحيى وعيسى ﵉".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٨)، وابن حبان (٦٩٥٩)، والحاكم (٣/ ١٦٦ - ١٦٧) كلهم من طرق عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعم، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري .. فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث قد صحّ من أوجه كثيرة، وأنا أتعجب أنهما لم يخرجاه". وتعقبه الذهبي فقال: "الحكم فيه لين".
قلت: إسناده حسن للكلام في الحكم بن عبد الرحمن غير أنه حسن الحديث.
وقوله: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" مخرج في فضائل الصحابة.
٨ - باب الكلمات التي أمر الله بها يحيى بن زكريا ﵉
• عن زيد بن سلّام، أنّ أبا سلّام حدّثه، أنّ الحارث الأشعريَّ حدّثه، أنّ النبي ﷺ قال: "إنّ الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلماتٍ أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كادَ أن يُبْطئ بها، قال عيسى: إنّ الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمّا أن تأمرَهُم وإمّا أنْ آمرَهُم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخسفَ بي أو أُعذّب، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ المسجدُ وتَعدَّوا على الشُّرَف، فقال: إنّ الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن.
أوَّلُهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وإنَّ مَثَلَ مَنْ أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليَّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيِّدِه، فأيُّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ .
وإنّ الله أمركم بالصّلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإنّ الله يَنْصِبُ وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفتْ.
وآمرُكم بالصِّيام، فإنَّ مَثَلَ ذلك كمثل رجل في عصابة معه صُرَّةٌ فيها مِسْك، فكلُّهم يَعْجبُ - أو يُعجِبُه ريحُها - وإنَّ ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
وآمركم بالصَّدقة، فإنَّ مَثَلَ ذلك كمثل رجل أَسَرَهُ العَدُوُّ فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدّمُوه ليضربوا عُنُقَه فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم.
стр. 5012
وآمركم أن تذكروا الله، فإنّ مَثَلَ ذلك كمثل رجل خرج العدُوُّ في أثره سِرَاعًا حتى إذا أتى علي حِصْن حَصِينٍ فأَحْرَز نفسَه منهم، كذلك العبد لا يُحْرِز نفسَه من الشّيطان إلا بذكر الله".
قال النّبيُّ ﷺ : "وأنا آمركم بخمسٍ الله أمرني بهنّ: السّمع والطّاعة، والجهاد والهجرة، والجماعة فإنه من فاردا الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلّا أن يُراجِعَ، ومَنِ ادَّعى دَعْوَى الجاهليّة، فإنّه من جُثا جهنّم". فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلَّى وصام؟ قال: "وإنْ صلّى وصام، فادْعُوا بدَعْوى الله الذي سَمَّاكُم المسلمين المؤمنين عباد الله".
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٨٦٣) عن محمد بن إسماعيل (البخاريّ) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، أنّ أبا سلّام، حدّثه .. فذكر مثله.
قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح غريب. قال محمد بن إسماعيل (البخاريّ): "الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا الحديث".
ورواه أيضًا عن محمد بن بشّار، حدّثنا أبو داود الطّيالسيّ، حدّثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام، عن الحارث الأشعريّ، عن النّبيّ ﷺ ، بمعناه.
وقال "هذا حديث حسن غريب. وأبو سلّام: اسمه ممطور، وقد رواه علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير". انتهى.
قلت: ورواه أحمد (١٧١٧٠)، وصحّحه ابن خزيمة (١٨٩٥)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ٤٢١) كلّهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير، به، نحوه.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
• عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يحيى بن زكريا ما همَّ بخطيئة أحسبه - قال: ولا عملها".
حسن: رواه البزار (كشف الأستار ٢٣٦٠) عن محمد بن الوليد، ثنا محمد بن جهضم، ثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص .. فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن الوليد وهو الفحّام البغدادي. قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات.
وبمعناه ما رُوي عن ابن عباس قال: كنت في حلقة في المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء أيهم أفضل؟ فذكرنا نوحا وطول عبادته ربه، وذكرنا إبراهيم خليل الرحمن، وذكرنا موسى مكلم الله، وذكرنا عيسى ابن مريم، وذكرنا رسول الله ﷺ ، فبينما نحن على ذلك إذ خرج علينا رسول الله ﷺ ،
стр. 5013
فقال: ما تذكرون بينكم؟ قلنا: يا رسول الله: ذكرنا فضائل الأنبياء أيهم أفضل؟ فذكرنا نوحا وطول عبادته ربه، وذكرنا إبراهيم خليل الله الرحمن، وذكرنا موسى مكلم الله، وذكرنا عيسى ابن مريم، وذكرناك يا رسول الله، فقال: فمن فضلتم؟ فقلنا: فضلناك يا رسول الله بعثك الله إلى الناس كافة، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأنت خاتم الأنبياء، فقال رسول الله ﷺ : ما ينبغي أن يكون أحد خيرًا من يحيى بن زكريا، قلنا: يا رسول الله وكيف ذاك؟ قال: ألم تسمعوا الله كيف نعته في القرآن: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿حَيًّا﴾ [مريم: ١٢ - ١٥] ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] لم يعمل سيئة ولم يهم بها.
رواه البزار (- كشف الأستار ٢٣٥٨) واللفظ له، وأحمد (٢٢٩٤)، وأبو يعلى (٢٥٤٤)، والحاكم (٢٥٩١) كلهم من حديث حماد بن سلمة قال: أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال .. فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل علي بن زيد وهو ابن جدعان فقد ضعّفه أكثر أهل العلم، وشيخه يوسف بن مهران صدوق وثقه أبو زرعة وابن سعد، وإن لم يرو عنه إلا علي بن زيد.
وفيه علة أخرى وهي أن حماد بن سلمة أخطأ فيه فمرة رواه عن علي بن زيد موصولا، وأخرى عن حبيب بن الشهيد ويونس بن عبيد وحُميد عن الحسن مرسلا. رواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق، ثنا محمد بن غالب، ثنا عفان وأبو سلمة قالا: ثنا حماد بن سلمة .. فذكره.
ولكن قال الذهبي في مختصر الحاكم: "إسناده جيد، وفيه إشارة إلى تقوية الإسناد بعضه ببعض".
• * *
стр. 5014
جموع أخبار عيسى ﵇
١ - باب ما جاء أن الله سبحانه أعاذ عيسى ﵇ من الشيطان
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها، ثم يقول أبو هريرة: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة آل عمران: ٣٦]
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٣١)، ومسلم في الفضائل (٢٣٦٦: ١٤٦) كلاهما من طريق الزهري، حدئني سعيد بن المسيب قال: قال أبو هريرة .. فذكره. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه وفيه: "نَخْسة الشيطان"
وفي لفظ آخر له (٢٣٦٧: ١٤٨): "صياح المولود حين يقع، نزغةٌ من الشيطان".
ورواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٨٦) بلفظ: "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعيه حين يُولد، غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب"
ورواه مسلم في القدر (٢٦٥٨: ٢٥) بلفظ: "كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنَيه إلا مريم وابنَها".
٢ - باب ما جاء في أخبار عيسى ﵇
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة آل عمران: ٥٩].
ولما بلغ عيسى ﵇ ثلاثين سنةً من عمره، صَعِدَ إلى جبل الزيتون مع أمّه ليجني زيتونا، وهنالك تجلّت له الرؤيا، وعلِمَ أنه نبيٌّ مرسلٌ إلى بني إسرائيل.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "رأى عيسى ابن مريم رجلا يسرق فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٤)، ومسلم في الفضائل (٢٣٦٨: ١٤٩) كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة .. فذكره.
стр. 5015
٣ - باب في بشرى عيسى ﵇ بالنبي ﷺ -
• عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك فقال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام".
حسن: رواه ابن إسحاق في السيرة (فقرة ٣٣) فقال: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان .. فذكره. ومن طريقه أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٥٧٣)، والحاكم (٢/ ٦٠٠)، والبيهقي في الدلائل (١/ ٨٣) وصحّحه الحاكم.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق لأنه صرّح بالتحديث.
وبقية أخبار عيسى ﵇ انظر في كتاب الإيمان.
٤ - باب في وصف عيسى ﵇ بالعبد الصالح
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فأول من يكسى إبراهيم ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال فأقول: أصحابي فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨].
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٧) ومسلم في كتاب الجنة (٢٨٦٠: ٥٨) كلاهما من حديث المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس .. فذكره. واللفظ للبخاري.
٥ - باب عيسى ﵇ آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين النبي ﷺ نبي
• عن أبي هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء علات، ليس بيني وبينه نبي".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٢)، ومسلم في الفضائل (٢٣٦٥) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال .. فذكره.
• عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في
стр. 5016
الأولى والآخرة". قالوا: كيف يا رسولَ الله؟ قال: "الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتُهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبي".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٦٥: ١٤٥) عن محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: قال رسول الله ﷺ .. فذكره.
٦ - باب في وصف عيسى ﵇ الخَلْقية
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ليلة أسري به .. فذكر الحديث وفيه: ولقيتُ عيسى ونعته النبي ﷺ فقال: "ربعة أحمر، فكأنما خرج من ديماس - يعني الحمام ... " الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٣٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٨: ٢٧٢) كلاهما من طريق معمر بن راشد، عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال .. فذكره.
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : مررت ليلة أُسري بي على موسى بن عمران .. فذكره وقال: "رأيتُ عيسى بن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبِط الرأس .. " الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٢٣٩)، ومسلم في الإيمان (١٦٥: ٢٦٧) كلاهما من طرق عن قتادة، عن أبي العالية، حدثنا ابن عم نبيكم يعني ابن عباس .. فذكره. وفي لفظ لمسلم (١٦٥: ٢٦٦): "عيسى جعدٌ مربوعٌ" من رواية شعبة عن قتادة، به.
• عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "عُرِض على الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شَبهًا عروة بن مسعود ... " الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٧: ٢٧١) من طرق عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر .. فذكره.
• عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "أراني الليلة عند الكعبة، فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم قد رجلها، فهي تقطر ماء متكئا على رجلين أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت من هذا؟ قيل: هذا المسيح ابن مريم ... " الحديث.
стр. 5017
متفق عليه: رواه مالك في صفة النبي ﷺ (٢) عن نافع، عن ابن عمر .. فذكره.
ورواه البخاري في اللباس (٥٩٠٢)، ومسلم في الإيمان (١٦٩: ٢٧٣) من طريق مالك به.
وفي لفظ لهما: "تضرب لِمّته بين منكبيه، رجِلُ الشعر، يقطر رأسه ماءً ... " الحديث. رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٠)، ومسلم في الإيمان (١٦٩: ٢٧٤) كلاهما من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر .. فذكره.
وفي لفظ للبخاري عن عبد الله بن عمر قال: لا والله ما قال النبي ﷺ لعيسى أحمر ولكن قال: "بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر يهادى بين رجلين ينطف رأسه ماء أو يهراق رأسه ماءً، فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم ... ".
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٤١) عن أحمد بن محمد المكي قال: سمعت إبراهيم بن سعد قال حدثني الزهري عن سالم عن أبيه قال .. فذكره.
٧ - باب أن عيسى ﵇ في السماء الثانية
• عن مالك بن صعصعة قال: قال النبي ﷺ : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان .. فذكر حديث المعراج وفيه: "فأتينا السماء الثانية قيل: من هذا؟ قيل: جبريل قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ قيل: أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فأتيت على عيسى ويحيى فقالا: مرحبا بك من أخ ونبي ... " الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٠٧) ومسلم في الإيمان (١٦٤: ٢٦٤) كلاهما من حديث قتادة، حدثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة قال .. فذكره.
٨ - باب ما جاء في مضاعفة الأجر لمؤمني عيسى ﵇ إذا آمن بالنبي ﷺ -
• عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران، وإذا آمن بعيسى ثم آمن بي فله أجران، والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه فله أجران".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٦)، ومسلم في الإيمان (١٥٤: ٢٤١) كلاهما من طريق صالح بن حيي، عن الشعبي، حدثني أبو بردة، عن أبي موسى الأشعري .. فذكره.
وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم نحوه وفيه: "رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به" فليس فيه التنصيص بعيسى بن مريم.
٩ - باب موضع دفن عيسى ﵇
لم يرد في الأحاديث الصحيحة موضع دفن عيسى ﵇، وأما ما روي عن محمد بن
стр. 5018
يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده قال: "مكتوب في التوراة صفة محمد ﷺ ، وعيسى ابن مريم يُدفن معه". فهو ضعيف.
رواه الترمذي (٣٦١٧) عن زيد بن أخزم الطائي البصري، حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة، حدثني أبو مودود المدني، حدثنا عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده .. فذكره.
قال أبو مودود: وقد بقي في البيت موضع قبر.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، هكذا قال عثمان بن الضحاك والمعروف الضحاك بن عثمان المدني.
قلت: ليس بحسن، بل ضعيف فإن عثمان بن الضحاك الحزامي قال فيه أبو داود: ضعيف. واعتمده الحافظ في "التقريب".
أما ابن حبان، فذكره في الثقات (٧/ ١٩٢).
ونقل ابن كثير عن البخاري أنه قال: هذا الحديث لا يصح عندي، ولايتابع عليه. البداية والنهاية (٢/ ٩٩). وهو مع ذلك موقوف على عبد الله بن سلام.
وروي هذا الحديث بلفظ آخر: يُدفن عيسى ﵇ مع رسول الله ﷺ وصاحبيه، فيكون قبره رابعا. وهو ضعيف أيضا.
رواه الطبراني ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٤٤١٤) من وجه آخر عن عثمان بن الضحاك بإسناده وهو موقوف أيضا.
والحديث رُوي أيضا عن عائشة مرفوعا، ولا يصح إسناده كما قال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٩٦).
• * *
стр. 5019
جموع أخبار أنبياء لم يُسموا
١ - باب ما جاء أن نبيا من الأنبياء أحرق قرية النمل فزجره الله وعاتبه على فعله
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قرصتْ نملةٌ نبيًّا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت. فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقتَ أمةً من الأمم تُسبّح؟ ".
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (٣٠١٩)، ومسلم في السلام (٢٢٤١: ١٤٨) كلاهما من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة .. فذكره.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة. فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٣١٩)، ومسلم في السلام (٢٢٤١: ١٤٩) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة .. فذكره. وساقه مسلم من وجه آخر عن همام ابن منبه عن أبي هريرة، به نحوه. ولم يُعلم باليقين اسم هذا النبي.
وقوله: "فأمر بجهازه" أي متاعه.
٢ - باب ما جاء في خبر نبيٍّ حُبستْ له الشمسُ
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ولا آخر، قد بنى بنيانا ولما يرفع سقفها ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو منتظر ولا دها قال: فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس: أنتِ مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه قال: فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال: فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فبايعته قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة فقال: فيكم الغلول أنتم غللتم قال: فأخرجوا له مثل رأس
стр. 5020
بقرة من ذهب. قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلته فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأن الله ﵎ رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا".
متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (٣١٢٤)، ومسلم في الجهاد (١٧٤٧: ٣٢) كلاهما عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدثنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال .. فذكره.
وهذا النبي لم يرد تعيينه في طرق الحديث، ولكن أخرج الحاكم (٢/ ١٣٩) بسند فيه مبارك بن فضالة، عن كعب الأحبار أن هذا النبي هو: يوشع بن نون، وهذه القرية هي: مدينة أريحا. ومبارك بن فضالة ضعيف.
٣ - باب أن نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يدعو لهم
• عن عبد الله بن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٧٧)، ومسلم في الجهاد (١٧٩٢: ١٠٥) كلاهما من طريق الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال .. فذكره.
ولم يُعرف باليقين اسم هذا النبي في الأحاديث الأخرى.
٤ - باب قصة النبي الذي أعجبتْه كثرةُ أمته
• عن صهيب، أن رسول الله ﷺ كان يحرك شفتيه أيام حنين بعد صلاة الفجر فقالوا: يا رسول الله، إنك تحرك شفتيك بشيء؟ قال: "إن نبيا ممن كان قبلكم، - ثم ذكر كلمة معناها - أعجبته كثرةُ أمته فقال: لن يروم هؤلاء أحد بشيء فأوحى الله إليه أن خير أمتك بين إحدى ثلاث: أن أسلط عليهم عدوًّا من غيرهم فيستبيحهم، وإما أن أسلط عليهم الجوع، وإما أن أرسل عليهم الموت؟ فقالوا: أما الجوع والعدو فلا طاقة لنا بهما، ولكن الموت، فأرسل عليهم الموت فمات منهم في ليلة سبعون ألفا فأنا أقول: اللهم بك أحاول، وبك أصاول، وبك أقاتل".
صحيح: رواه أحمد (١٨٩٣٣)، والنسائي في الكبرى (٨٥٧٩) - واللفظ له - والترمذي (٣٣٤٠) مختصرا، وابن حبان (١٩٧٥) كلهم من طرق عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب .. فذكره.
وزاد الترمذي في آخره قصة أصحاب الأخدود.
وإسناده صحيح. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
стр. 5021
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل
المرتب على أبواب الفقه [٨]
تأليف
أ. د. أبي أحمد محمد عبد الله الأعظمي المعروف بـ «الضياء»
أستاذ الحديث الشريف وعميد كلية الحديث بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سابقًا والمدرس في المسجد النبوي
стр. 5022
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ح) محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي ١٤٣٦ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الأعظمي، محمد عبد اللَّه عبد الرحمن
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل / محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي - الرياض ١٤٣٦ هـ
(١٢ مج)
ردمك:
٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٤ - ٩٢٦٩ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٨)
١ - الحديث الصحيح ... أ- العنوان
ديوي ٢٣٥.١ ... ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ
رقم الإيداع: ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ
ردمك:
٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٤ - ٩٢٦٩ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٨)
طبعة أولى: ربيع الثاني ١٤٣٧ هـ - يناير ٢٠١٦ م
стр. 5023
الجَامِعُ الكَامِلُ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ الشَّامل
[٨]
стр. 5024
جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
دار السلام للنشر والتوزيع
شارع الأمير عبد العزيز بن جلوي (الضباب سابقًا) مقابل الغرفة التجارية
المملكة العربية السعودية ص. ب: ٢٢٧٤٣ - الرياض ١١٤١٦
هاتف: ٤٠٣٣٩٦٢ - ٤٠٤٣٤٣٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - - فاكس: ٤٠٢١٦٥٩ - ١١ - ٠٠٩٦٦
www.darussalampublishers.com
E-Mail: darussalam@awalnet.net.sa
E-Mail: riyadh@dar-us-salam.com
العليا: تليفون: ٤٦١٤٤٨٣ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٦٤٤٩٤٥
الملز: تليفون: ٤٧٣٥٢٢٠ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٧٣٥٢٢١
السويلم: تليفون: ٢٨٦٠٤٢٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٢٨٦٠٤٢٢
السويدي: تليفون: ٤٢٨٦٦٤١ - ١١ - ٠٠٩٦٦
جدة: تليفون: ٦٨٧٩٢٥٤ - ٢ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٦٣٣٦٢٧٠
الخبر: تليفون: ٨٦٩٢٩٠٠ - ٣ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٦٩١٥٥١
المدينة المنورة: تليفون: ٨٤٥٩٢٦٦ - ١٤ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٥٥٠١١٩ - ٠١٤
خميس مشيط: تليفون: ٢٣٨٨٦٢٠ - ٠١٧ - ٠٠٩٦٦ - جوال: ٠٥٠٠٧١٠٣٢٨
ينبع البحر: تليفون: ٥٠٠٨٨٧٣٤١ - ٠٠٩٦٦
الكويت: تليفون: ٠٠٩٦٥٩٩٦٠٠٨٤٥
الشارقة: تليفون: ٥٦٣٢٦٢٣ - ٦ - ٠٠٩٧١ - فاكس: ٥٦٣٢٦٢٤
لندن: تليفون: ٥٣٩٤٨٨٥ - ٢٠٨ - ٠٠٤٤ - فاكس: ٥٣٩٤٨٨٩ - ٢٠٨
نيويورك: تليفون: ٦٢٥٥٩٢٥ - ٧١٨ - ٠٠١ - فاكس: ٦٢٥١٥١١ - ٧١٨
سيدني أستراليا: تليفون: ٩٧٤٠٧١٨٨ - ٢ - ٠٠٦١ - فاكس: ٩٧٤٠٧١٩٩ - ٢
فرنسا: تليفون: ٨٤٠٥٢٩٢٨ - ٠١ - ٠٠٣٣ - ٤٨٠٥٢٩٩٧ - ٠١ - ٠٠٣٣
هيوستن: تليفون: ٧٢٢٠٤١٩ - ٧١٣ - ٠٠١ - فاكس: ٧٢٢٠٤٣١
ماليزيا: تليفون: ١٩٢٣٦٢٤٢٣ - ٠٠٦٠ - ٣٧٩٥٦٤٦٦٤ - ٠٠٦٠
لاهور باكستان: تليفون: ٧٢٤٠٠٢٤ - ٤٢ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٧٣٥٤٠٧٢
كراتشي باكستان: تليفون: ٤٣٩٣٩٣٦ - ٢١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٤٣٩٣٩٣٧
إسلام آباد باكستان: تليفون: ٢٥٠٠٢٣٧ - ٥١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٥١٢٢٨١٥١٣
انتريو كندا: تليفون: ٤٠١١١٥٠ - ٦٤٧ - ٠٠١ - ٦٠٩١٩٣٤ - ٦٤٧ - ٠٠١
стр. 5025
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٤٨ - كتاب سيرة النبي ﷺ -
سيرة النبي ﷺ لا تختلف كثيرًا عن أحاديث العقيدة والأحكام إلا فيما يتعلق بذكر الأيام والأماكن والأشخاص والتفاصيل الأخرى لأيامه ﷺ وغزواته، فلا بُدَّ من سرد هذه المعلومات ولو لم تصح لاستكمال التاريخ بخلاف الأحاديث الواردة فيها التي لها علاقة بالأحكام والعقيدة.
وقد قيّم العلماء جهود محمد بن إسحاق، والواقدي، وابن سعد في كتابة السيرة النبوية فقالوا: كان محمد بن إسحاق (ت ١٥١ هـ) من كبار أصحاب الزهري، وإماما في المغازي.
سئل الإمام أحمد عن محمد بن إسحاق فقال: هو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث - كأنه يعني المغازي ونحوها -. ذكره البيهقي في مقدمة دلائل النبوة (١/ ٣٧).
قلت: محمد بن إسحاق يُحسن حديثه في الأخبار والمغازي ولو انفرد به، بخلاف الأحكام فإنه يُنظر فيه ولو صرّح بالتحديث؛ فإن تفرّده في الأحكام محلّ نظر عند كثير من أهل العلم.
والواقدي هو محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧ هـ) كان كثير العلم في المغازي والسيرة، لكنه رمي بالكذب وكان يتشيع. فإذا لم يخالف الأخبار الصحيحة يقبل قوله، ولكن لا بدَّ من نقل بعض التفاصيل التي يذكرها الواقدي ولم نجد عند غيره استكمالا للحادثة إلا أنه يجب على الباحث أن يكون متنبهًا؛ فإن الواقدي يركب الأسانيد، كما قال الإمام أحمد. تاريخ بغداد (٣/ ١٣).
وقال الذهبي في السير (٩/ ٤٥٤، ٤٥٥): "جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالدرر الثمين، فاطرحوه لذلك، ومع هذا فلا يُستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم" اهـ.
وقال أيضا (٩/ ٤٦٩): "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يُحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض فلا ينبغي أن يُذكر" اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول (٢/ ٢٠٠ - ٢٠١) بعد ما ساق قصة من مغازي الواقدي: "وإنما سقنا القصة من رواية أهل المغازي - مع ما في الواقدي من الضعف - لشهرة هذه القصة عندهم، مع أنه لا يختلف اثنان أن الواقدي من أعلم الناس بتفاصيل أمور المغازي، وأخبرهم بأحوالها، وقد كان الشافعي وأحمد وغيرهما يستفيدون علم ذلك من كتبه، نعم هذا الباب يدخله خلط الروايات بعضها ببعض، حتى يظهر أنه سمع مجموع القصة من شيوخه، وإنما
стр. 5026
سمع من كل واحد بعضها، ولم يميزه، ويدخله أخذ ذلك من الحديث المرسل والمقطوع، وربما حدّث الراوي بعض الأمور لقرائن استفادها من عدة جهات، ويكثر من ذلك إكثارًا فيُنسب لأجله إلى المجازفة في الرواية وعدم الضبط، فلم يمكن الاحتجاج بما ينفرد به، فأما الاستشهاد بحديثه والاعتضاد به فمما لا يمكن المنازعة فيه، لا سيما في قصة تامة يخبر فيها باسم القاتل والمقتول وصورة الحال، فإن الرجل وأمثاله أفضل من أن يقعوا في مثل هذا في كذب ووضع. اهـ
وبناء على ذلك فقد نقلت كثيرًا من التفاصيل التي لها العلاقة بالمغازي والتاريخ إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة ولا غيره من أهل المغازي، مثل: محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما.
ومحمد بن سعد (ت ٢٣٠ هـ) صاحب الطبقات كان عالمًا بالحديث والرجال وخصص المجلدين الأولين من الطبقات للسيرة، وابن سعد ثقة في نفسه، بل هو ممن يعتمد قوله في الرواة، ولكن يكثر نقله عن الضعفاء مثل الواقدي.
وأنا أحاول جمع الأحاديث الصحيحة في سيرة النبي ﷺ بقدر الإمكان التي هي أصل الكتاب، وأما التفاصيل الأخرى التي لم أجد لها إسنادًا صحيحًا فأذكر بعده لإكمال القصة. وبالله التوفيق.
١ - باب بيان الضلال الذي كان عليه الناس في الجاهلية قبل الإسلام
• عن أبي رجاء العُطاردي يقول: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرًا هو أخير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جُثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة، فحلبناه عليه، ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة، فلا ندع رمحًا فيه حديدة، ولا سهمًا فيه حديدة إلا نزعناه، وألقيناه شهر رجب.
وسمعت أبا رجاء يقول: كنت يوم بعث النبي ﷺ غلامًا أرعى الإبل على أهلي، فلما سمعنا بخروجه فررنا إلى النار إلى مسيلمة الكذّاب.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٣٧٧، ٤٣٧٦) عن الصلت بن محمد قال سمعت مهدي بن ميمون قال سمعت أبا رجاء العطاردي يقول: فذكره.
• عن ابن عباس قال: إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠].
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٥٢٤) عن أبي اليمان، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره.
ولم يبق على دين إبراهيم ﵇ إلا قليلون منهم: قس بن ساعدة الإيادي، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأمية بن أبي الصلت، وأبو قيس بن أبي أنس، وخالد بن سنان، والنابغة الذبياني،
стр. 5027
وزهير بن أبي سلمة، وكعب بن لُؤي بن غالب - أحد أجداد النبي ﷺ .
وولد النبي ﷺ وكان على دين إبراهيم كما سيأتي.
٢ - باب أول من غيّر دين إبراهيم ﵇ هو عمرو بن عامر بن لحي
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ عمرو بن لحي بن قمعة بن خِنْدف أخا بني كعب هؤلاء يجر قُصبه في النار".
متفق عليه: رواه مسلم في كتاب الجنة (٢٨٥٦: ٥٠) عن زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وأخرجه البخاري في التفسير (٤٦٢٣)، ومسلم كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكر مثله. وفيه تفسير للبحيرة والسائبة من سعيد بن المسيب وسيأتي ذلك في كتاب التفسير.
٣ - باب ذكر نسبه الشريف
هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.
هذا القدر من النسب ذكره البخاري في صحيحه في مناقب الأنصار - باب مبعث النبي ﷺ .
وقد أجمع العلماء أن النبي ﷺ ينسب إلى عدنان.
ورُوي أن النبي كان إذا انتهى إلى عدنان أمسك ويقول: كذب النسابون.
قال تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨].
رواه ابن سعد في الطبقات (١/ ٥٦) عن هشام الكلبي، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه مَعدّ بن عدنان بن أدد ثم يمسك ويقول: فذكره.
وهشام هو ابن محمد بن السائب الكلبي، وأبو محمد بن السائب كلاهما متروكان. إلا أن النسابين اتفقوا على أن عدنان ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وإن كان وقع الخلاف في عدد الجيل بين عدنان وبين إسماعيل ﵇.
• عن زينب بنت أبي سلمة - ربيبة النبي ﷺ قيل لها: أرأيت النبي ﷺ أكان من مضر؟ قالت: فممّن كان إلا من مضر؟ من بني النضر بن كنانة.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٤٩١) عن قيس بن حفص، حدثنا عبد الواحد، حدثنا كليب بن وائل قال: حدثتني ربيبة النبي ﷺ زينب بنت أبي سلمة قال: قلت لها: فذكره.
стр. 5028
• عن واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٢٧٦) من طرق عن الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن أبي عمار شداد، أنه سمع واثلة بن الأسقع فذكره.
• عن الأشعث بن قيس قال: أتيت رسول الله ﷺ في وفد لا يرون أني أفضلهم. فقلت: يا رسول الله! إنا نزعم أنك منا. قال: "نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمّنا ولا ننتفي من أبينا".
حسن: رواه ابن ماجه (٢٦١٢) وأحمد (٢١٨٣٩) والضياء في المختارة (١٤٨٨، ١٤٨٩) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٨٩٧، ٢٤٢٥) كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة السلمي، عن مسلم بن هيْصم، عن الأشعث بن قيس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل مسلم بن هيصم فإنه حسن الحديث.
فكان الأشعث بن قيس يقول: لا أوتى برجل نفى رجلا من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته.
قوله: "إنا نزعم أنك منا" قيل: لأن النبي ﷺ كانت له جدة من كندة، هي أم كلاب بن مرة فذلك ما أراد الأشعث.
قوله: "لا نقفو أمنا" أي لا نتبع الأمهات في الانتساب، ونترك الآباء.
وقيل: معناه لا نتهمها ولا نقذفها، مِن قفاه، إذا قذفه بما ليس فيه.
وأما ما رُوي عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله! إن قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مَثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض فقال النبي ﷺ : "إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتًا" فهو ضعيف.
رواه الترمذي (٣٦٠٧) عن يوسف بن موسى البغدادي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب، فذكره. قال الترمذي: "حديث حسن".
قلت: يزيد بن أبي زياد ضعيف باتفاق من أهل العلم، وقد وُصف بسوء الحفظ، ومما يدل على سوء حفظه أنه روى هذا الحديث بألوان: فمرة رواه كما مضى وأخرى عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب، عن ربيعة قال: بلغ النبي ﷺ أن قومًا نالوا منه وقالوا له: إن مَثل محمد كمثل نخلة نبتت في كناس. فغضب رسول الله ﷺ ، فذكر نحوه.
стр. 5029
رواه الحاكم (٣/ ٢٤٧) من وجه آخر عن يزيد بن أبي زياد بإسناده فذكره وسكت عليه الحاكم.
وأخرى عن عبد الله بن الحارث عن المطلب بن أبي وداعة قال: جاء العباس إلى رسول الله ﷺ فكأنه سمع شيئًا. فقام النبي ﷺ على المنبر فقال: "من أنا؟ " قالوا: أنت رسول الله قال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم فرقة، ثم جعلني فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعل قبائل فجعلني في خير قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسًا".
رواه أيضا الترمذي (٣٦٠٨) عن محمد بن غيلان، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد عن عبيد الله بن الحارث بإسناده فذكره ورواه الترمذي أيضا (٣٥٣٢) بالإسناد نفسه وقال فيه: "وخيرهم نسبًا" بدلا من "وخيرهم نفسًا"، ورواه أحمد (١٧٨٨) عن أبي نعيم، عن سفيان به مثله.
ثم رواه أيضا الترمذي (٣٧٥٨) عن قتيبة قال: حدثنا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: حدثني عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله ﷺ مغضبًا وأنا عنده فقال: "ما أغضبك؟ " قال: ما لنا ولقريش، إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبْشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك. قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه ثم قال: والذي نفسي بيده! لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم الله ورسوله ثم قال: "يا أيها الناس! من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه".
قال الترمذي في الروايات السابقة: "حسن"، وقال في هذه الرواية: "حسن صحيح".
ورواه أحمد (١٧٧٢) والحاكم (٣/ ٣٣٣) كلاهما من وجه آخر عن يزيد بن أبي زياد بإسناده مختصرًا، وسكت عليه الحاكم، وهذا كله يدلّ على اضطراب يزيد بن أبي زياد كما قلت.
٤ - باب ما جاء في ولادة النبي ﷺ -
• عن أبي قتادة قال: إن أعرابيًّا قال: يا رسول الله! ما تقول في صوم يوم الاثنين؟ فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه".
صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١٦٢: ١٩٨) عن زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة الأنصاري، فذكره.
وبمعناه رُوي عن ابن عباس قال: ولد نبيكم يوم الاثنين. رواه أحمد (٢٥٠٦) عن موسى بن داود قال: حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس قال: ولفظه: "ولد النبي يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين".
стр. 5030
وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ وفيه كلام معروف.
• عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جده، قال: وُلدتُ أنا ورسول الله عام الفيل. فنحن لِدان ولدنا مولدًا واحدًا.
حسن: رواه الترمذي (٣٦١٩) وأحمد (١٧٨٩١) والحاكم (٢/ ٦٠٣) وعنه البيهقي في الدلائل (١/ ٧٦) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، قال: حدثني المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جده قيس بن مخرمة - يعني ابن المطلب بن عبد مناف قال: فذكره. وهو في سيرة ابن هشام (١/ ١٦٧).
قال الترمذي: "حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
والمطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة ليس من رجال مسلم، ثم تفرد بالرواية عنه محمد بن إسحاق ولم يوثّقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ: "مقبول" وهو كذلك لأنه رواه ابن سعد في طبقاته (١/ ١٠١) عن حُكيم بن محمد (هو ابن قيس بن مخرمة) عن أبيه، عن قيس بن مخرمة، فذكره وبهذه المتابعة يكون الحديث حسنًا.
• عن ابن عباس قال: وُلِدَ النبي ﷺ عام الفيل.
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٢٢٦) - والطبراني (١٢٤٣٢) والحاكم (٢/ ٦٠٣) - وعنه البيهقي في الدلائل (١/ ٧٥) - كلهم من حديث الحجاج بن محمد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وإسناده حسن من أجل يونس بن أبي إسحاق فإنه حسن الحديث ثم رواه البيهقي من وجه آخر عن يحيى بن معين، قال: حدثنا حجاج بن محمد فذكره بإسناده إلا أنه قال: "يوم الفيل" قال الذهبي في السيرة (١/ ٢٢): صحيح.
وقوله: "يوم الفيل" يعني "عام الفيل" كما قال ابن سعد في الطبقات (١/ ١٠١) وهو المشهور المستفيض في كتب السير والتاريخ.
وكان من شأن الفيل أن ملكا كان باليمن غلب عليها، وكان أصله من حبشة يقال له: أبرهة، بنى كنيسة بصنعاء فسماها القُليس، وزعم أنه يصرف إليها حج العرب، وحلف أنه يسير إلى الكعبة فيهدمها حتى حصل ما حصل من هلاكه. انظر تفصيل ذلك في ثقات ابن حبان (٥/ ١٥ - ٢١).
٥ - نبي الرحمة ﷺ ولد يتيمًا
قال الله : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦].
стр. 5031
• عن قيس بن مخرمة قال: ولدتُ أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، فنحن لدان.
حسن: رواه ابن إسحاق قال: حدثني المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جده قيس بن مخرمة، فذكره.
ومن طريقه رواه الحاكم (٢/ ٦٠٥) ولكنه قال: إنه ذكر ولادة رسول الله ﷺ فقال: "توفي أبوه، وأمه حبلى به". وقال: "صحيح على شرط مسلم".
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
قال ابن إسحاق: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من شهر ربيع الأول عام الفيل.
قلت: وهو الثالث والعشرون مع شهر أبريل عام (٥٧١) من ميلاد المسيح ﵇. وتوفي أبوه عبد الله، وأمه آمنة حامل به.
ذكر أصحاب السير أن عبد الله أقام من زوجه آمنة بنت وهب في بيت أهلها ثلاثة أيام على عادة العرب في الجاهلية. ثم انتقل معها إلى بيت أبيه. ولم يلبث معها طويلًا إذ خرج إلى الشام في تجارة. وتركها حاملًا. وبقي عبد الله في هذا السفر بعض الأشهر. ثم عند رجوعه من الشام نزل على أخوال أبيه عبد المطلب بني عدي بن النجار بالمدينة ليستريح من عناء السفر، فاتفق أنه مرض عندهم فبقي، وعاد رفاقه إلى مكة. منهم علم عبد المطلب بخبر مرضه، فأرسل أكبر بنيه الحارث ليرجع بأخيه. وما أن وصل الحارث إلى المدينة حتى علم بوفاة أخيه عبد الله. ودفن في دار النابغة من بني النجار وذلك في شهر شعبان قبل حادثة الفيل بأربعة أشهر.
قال ابن سعد نقلًا عن الواقدي: "دار النابغة هو رجل من بني عدي بن النجار في الدار التي إذا دخلتها فالدويرة عن يسارك، وأخبره أخواله بمرضه، وبقيامهم عليه، وما ولوا من أمره، وأنهم قبروه. فرجع إلى أبيه فأخبره. فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجْدًا شديدًا. ورسول الله ﷺ يومئذ حمْل. ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنة.
٦ - باب ما ظهر من المعجزات عند مولد النبي ﷺ -
• عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم ﵇ لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين ترين".
وفي رواية: "ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧١٥٠)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٦٢٩)، والبزار - كشف الأستار (٢٣٦٥) -، والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٣٠)، وصحّحه ابن حبان (٦٤٠٤)، والحاكم (٢/ ٦٠٠)
стр. 5032
كلهم من طرق عن سعيد بن سويد، عن عبد الأعلى بن هلال، عن العرباض بن سارية، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد شاهد للحديث الأول". وهو حديث خالد بن معدان الآتي ذكره.
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ٤٢): "إسناده حسن إن شاء الله".
قلت: وهو كما قالوا: وإن كان فيه سعيد بن سويد الكلبي لم يوثّقه غير ابن حبان فإنه لا بأس به كما قال البزار.
قلت: لأنه كان معروفًا في عصره، وله قصة مع عمر بن عبد العزيز كما في "التعجيل" وقال: روى عنه معاوية بن صالح، وأبو بكر بن أبي مريم، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: "لم يصح حديثه" يعني الذي رواه معاوية بن صالح عنه مرفوعًا: "إني عبد الله وخاتم النبيين .. ".
وخالفه ابن حبان والحاكم فصحّحاه. وذكر ابن سعد أنه صلى مع عمر بن عبد العزيز. فذكر قصة فيها قول عمر: أفضل العفو عند القدرة. وأفضل القصد عند الحِدّة. وأخرجها ابن أبي الدنيا ووصف سويدًا أنه كان ولي حرس عمر بن عبد العزيز. انتهى.
وكذلك فيه عبد الأعلى بن هلال روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقد أخطأ بعض الرواة فقالوا: "عبد الله بن هلال السلمي"، والصواب ما ذكرته وقد سقط في بعض المصادر، والصواب إثباته.
وقوله: "المنجدل" أي مُلقى.
وقوله: "دعوة إبراهيم" يعني به قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩].
وقوله: "وبشارة عيسى" يعني به قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
• عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله! أخبرني عن نفسك. قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى. وبصرى من أرض الشام".
حسن: رواه الحاكم (٢/ ٦٠٠) من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، فذكره. وهو في سيرة ابن إسحاق، الفقرة (٣٣) من هذا الوجه.
قال الحاكم: خالد بن معدان من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل فمن بعده من الصحابة، فإذا أسند الحديث إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد".
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٧٥): "هذا إسناد جيد قوي".
ورُوي بمعناه عن أبي أمامة قال: قلت يا نبي الله! ما كان أول بدْء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام" رواه أحمد (٢٢٢٦١) والطبراني في الكبير (٧٧٢٩) والبيهقي في الدلائل (١/ ٨٤) كلهم من طرق عن الفرج بن
стр. 5033
فضالة، حدثنا لقمان بن عامر، سمعت أبا أمامة، فذكر الحديث.
وفرج بن فضالة التنوخي الشامي مختلف فيه غير أن الغالب عليه الضعف ولذا أطلق الحافظ ابن حجر فقال: "ضعيف".
وأما قول الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٢٢): "إسناده حسن وله شواهد تقويه"، فالصحيح لو قال: حديث حسن له شواهد تقويه.
وأما ما رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي (١/ ١٢٦) وأبو نعيم (١/ ١٧٤) والخرائطي في هواتف الجان وعنه ابن كثير في التاريخ (٢/ ٢٦٨) وغيرهم من ارتجاس إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة، وغيض بُحيرة ساوة، وخمود نار فارس بعد ألف سنة، ورؤيا الموبذان أن الخيول العربية قطعت دجلة وانتشرت في بلادها .. في سياق طويل فهو منكر كما قال الذهبي في السيرة (١/ ٣٨) بعد أن ساقه من ابن أبي الدنيا: "هذا حديث منكر غريب".
٧ - شهادة اليهود بنبوته ﷺ عند ولادته
• عن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش! هل ولد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم: والله ما نعلمه! قال: الله أكبر! أما إذا أخطأكم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقول لكم: ولد فيكم هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتًا من الجن أدخل أصبعه في فمه فمنعه الرضاع. فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله وحديثه، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله، فقالوا: لقد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدًا. فالتقى القوم، فقالوا: هل سمعتم حديث هذا اليهودي؟ بلغكم مولد هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاؤوا اليهودي فأخبروه الخبر. قال: فاذهبوا معي حتى أنظر إليه، فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة، فقال: أخرجي إلينا ابنك، فأخرجته، وكشفوا له عن ظهره، فرأى تلك الشامة، فوقع اليهودي مغشيًا عليه، فلما أفاق قالوا: ويلك مالك؟ قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل، أفرحتم به يا معشر قريش؟ أما والله ليسطونّ بكم سطوةً يخرج خبرها من المشرق والمغرب.
وكان في النفر الذي قال لهم اليهودي ما قال: هشام، والوليد ابنا المغيرة، ومسافر بن أبي عمرو، وعبيدة بن الحارث، وعقبة بن ربيعة - شاب فوق المحتلم - في نفر من بني عبد مناف وغيرهم من قريش.
стр. 5034
حسن: رواه الحاكم (٢/ ٦٠١ - ٦٠٢) - وعنه البيهقي في الدلائل (٢/ ١٠٨ - ١٠٩) - من حديث محمد بن إسحاق، قال: كان هشام بن عروة يحدث عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته.
قال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: لا.
أظن نفى صحته من أجل محمد بن إسحاق فإنه لم يصرّح بالتحديث وهو كذلك إلا أنه إمام في السير والمغازي ولذا سكت عليه ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٦٧).
وحسّنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٥٨٣) وقبله غيره من أهل العلم عنعنته في السير، ثم له متابعة رواه ابن سعد في طبقاته (١/ ١٦٢ - ١٦٣) عن علي بن محمد، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر وغيره عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سكن يهودي بمكة يبيع بها تجارات، فلما كان ليلة ولد رسول الله ﷺ قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه، قال: أخطأت والله حيث كنت أكره، انظروا يا معشر قريش! وأحصوا ما أقول لكم: ولد الليلة نبي هذه الأمة أحمد الآخِر، فإن أخطأكم فبفلسطين، به شامة بين كتفيه سوداء صفراء، فيها شعرات متواترات، فتصدع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا في منازلهم ذكروا لأهاليهم، فقيل لبعضهم: وأسد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام فسماه محمدًا، فالتقوا بعد من يومهم فأتوا اليهودي في منزله فقالوا: أعلمتَ أنه ولد فينا مولود؟ قال: أبعد خبري أم قبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد، قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا معه حتى دخلوا على أمه، فأخرجته إليهم، فرأى الشامة في ظهره، فغُشي على اليهودي ثم أفاق، فقالوا: ويلك! ما لك؟ قال: ذَهبتِ النبوةُ من بني إسرائيل وخرج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب يقتلهم ويبزّ أخبارهم، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم يا معشر قريش؟ أما والله ليسطونّ بكم سطوة يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب. وهو متابعة قوية.
وبمعناه ما روي أيضًا عن يهود يثرب: يهودي يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب! يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك ما لك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به.
رواه ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري قال: حدثني من شئت من رجال قومي، عن حسان بن ثابت قال: والله! إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت. إذ سمعت يهوديا يصرخ، فذكره.
وفيه من لا يعرف إلا أنه أكثر من واحد، وهذا شاهد قوي لحديث عائشة وإن كان الأول في مكة والثاني في المدينة ولكنهما شهدا بنبوة النبي ﷺ .
٨ - عدد مرضعات النبي ﷺ -
١ - ثويبة:
стр. 5035
• عن عروة قال: وثُويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها. فأرضعت النبي ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥١٠١) والسياق له، ومسلم في الرضاع (١٤٤٩) كلاهما من طرق عن عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة حدثته فذكر الحديث بطوله.
• عن ابن عباس قال: قيل للنبي ﷺ : ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة".
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥١٠٠)، ومسلم في الرضاع (١٤٤٧) كلاهما من حديث قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، فذكره.
قال مصعب الزبيري: كانت ثُويبة أرضعت النبي ﷺ بعد ما أرضع حمزة ثم أرضعت أبا سلمة. "الفتح" (٩/ ١٤٢).
ثويبة: - مصغرة - أنها أرضعت النبي ﷺ أيامًا حتى قدمت حليمة وكانت ثويبة أرضعت قبله حمزة، وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد. اختلف في إسلامها، فذكرها ابن مندة في الصحابة. وقال أبو نعيم: لا نعلم أحدًا ذكر إسلامها غيره.
والذي في السير أن النبي ﷺ كان يكرمها. وكانت تدخل عليه بعد ما تزوج خديجة وكان يرسل إليها الصلة من المدينة إلى أن كان بعد فتح خيبر ماتت، ومات ابنها مسروح. "الفتح" (٩/ ١٤٥).
٢ - حليمة السعدية:
• عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا له: أخبرنا عن نفسك قال: "نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ﵉، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا في بهم لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوء ثلجًا، فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها. ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج، حتى إذا أنقَياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بعشرة فوزنتهم، ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني بمائة فوزنتهم، ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بألف فوزنتهم، فقال دعه عنك، فلو وزنتها بأمته لوزنهم".
حسن: رواه محمد بن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، فذكره.
ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٧٥) وقال: "هذا إسناد جيد قوي".
والحديث ذكره ابن هشام في السيرة (١/ ١٦٦).
وأخرجه الحاكم (٢/ ٦٠٠) من طريق يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بإسناده مقتصرًا
стр. 5036
على قوله: أضاءت له بصرى. وبصرى من أرض الشام.
وقال: "خالد بن معدان من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل، فمن بعده من الصحابة، فإذا أسند حديث إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد".
والمرضعة: هي حليمة بنت أبي ذُؤيب السعدية، أخذته معها إلى أرضها، فأقام معها في بني سعد بن بكر نحو خمس سنين.
وقد ذكروا نسوة أخرى أرضعن رسول الله ﷺ ولكن الصحيح ما ذكرته.
٩ - باب ما رأت حليمة من الخير
قال ابن إسحاق: وحدثني جهم بن أبي جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحي، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أو عمن حدّثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله ﷺ التي أرضعته تحدث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها، وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شهباء. لم تُبق لنا شيئًا. قالت: فخرجت على أتان لي قمراء، معنا شارف لنا. والله! ما تَبِضّ بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبيّنا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثدي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذّيه قال ابن هشام: ويقال: يغذّيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أدَمتُ بالركب حتى شق ذلك عليهم ضَعفًا وعَجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عُرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمتْ معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله! إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله! لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبتُ إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته، ورجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حِجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لَحافل، فحلب منها ما شرب، وشربتُ معه حتى انتهينا ريًّا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة. قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله! يا حليمة! لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله! إني لأرجو ذلك. قالمت: ثم خرجنا وركبت (أنا) أتاني، وحملته عليها معي، فوالله! لقطعتْ بالركب ما يقدر عليها شيء من حُمُرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب! ويحك! اربَعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله! إنها لهي هي، فيقلن: والله! إن لها لشأنًا. قالمت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمت به معنا
стр. 5037
شِباغا لُبّنا، فنحلب ونثرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبّنا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشِبُّ شبابًا لا يشبّه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا. قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مُكثه فينا، لما كنا نرى من بركته. فكلّمنا أمه وقلت لها: لو تركت بنيّ عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وبأ مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا.
ذكره ابن هشام في السيرة (١/ ١٦٢ - ١٦٤) وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ٤٩٨): "هذا حديث جيد الإسناد".
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٧٥): "وهذا الحديث قد رُوي من طرق أخرى، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازي".
يعني أن الإسناد الذي ساقه ابن إسحاق وإن كان فيه علل ولكن شهرته تُغني عن الرواية. لأن جهم بن أبي جهم لا يعرف كما قال الذهبي نفسه في "الميزان". ثم هل هو سمع من عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أو سمع عمن حدثه عنه. وكل هذه العلل تُضعف الخبر ولكن أكد الحافظ ابن كثير أن له طرقا أخرى تُقوّي هذا الخبر. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠ - باب في معجزة شق الصدر وهو غلام
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان. فأخذه فصرعه فشق عن قلبه. فاستخرج القلب، فاستخرج منه عَلَقة فقال: هذا حظّ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَهُ، ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعَوْن إلى أمه (يعني ظئْره) فقالوا: إن محمدًا قد قُتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون.
قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٢: ٢٦١) عن شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، فذكره.
وقوله: لأمه - بفتح اللام، وبعدها همزة، على وزن ضربه ومعناه جمعه وضم بعضه إلى بعض.
وقوله: ظئره - أي مرضعه. وكان عمره ﷺ آنذاك أربع سنوات، والسنة الخامسة أعادت حليمة إياه ﷺ إلى أمه آمنة.
• عن عتبة بن عبد السلمي، أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن
стр. 5038
لها في بَهْمٍ لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي! اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني إلى القفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: - قال يزيد في حديثه: ائتني بماء ثلج - فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حِصْه، فحاصه، وختم عليه بخاتم النبوة - وقال حَيوةُ في حديثه: حِصه فحصّه واختم عليه بخاتم النبوة فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة، واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي، أشفق أن يخرّ عليّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وُزنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني، وفرقت فرقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيمه، فأشفقت عليّ أن يكون أُلبس بي، قالت: أعيذك بالله، فرحلت بعيرًا لها فجعلتْني - وفي رواية: فحملتْني - على الرحل، وركبتْ خلْفي حتى بلغنا إلى أمي. فقالت: أو أديت أمانتي وذمتي؟ وحدثْتها بالذي لقيتُ. فلم يرُعْها ذلك. فقالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءتْ منه قصور الشام.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٦٤٨)، والطبراني في الشاميين (١١٨١)، والحاكم (٢/ ٦١٦ - ٦١٧)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٧) كلهم من طريق بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي أنه حدثهم أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وإسناده حسن من أجل بقية فإنه إذا روى عن بَحير بن سعد ولو بالعنعنة تقبل روايته، فكيف وقد صرّح، وأما اشتراط السماع في جميع الطبقات فليس العمل على ذلك.
١١ - باب في شق صدره ﷺ مرة ثانية ليلة الإسراء
• عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "فُرج عن سقف بيتي، وأنا بمكة. فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه".
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٤٩)، ومسلم في الإيمان (١٦٣) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: فذكره بطوله في قصة الإسراء والمعراج.
وأما ما روي في شق صدره ﷺ ثالثة وهو ابن عشر سنين فهو ضعيف.
стр. 5039
ساقه عبد الله بن الإمام أحمد (٢١٢٦١) بطوله عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله! ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسًا وقال: "لقد سألتَ أبا هريرة! إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان، حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسًّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قصر ولا هصرٍ. فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري، ففلقها فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له أخرج الغِلّ والحسد، فأخرج شيئًا كهيئة العلقة، ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثلُ الذي أخرج يُشبه الفِضّة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد واسْلَم، فرجعت بها أغدو به رقة على الصغير، ورحمةً للكبير".
هكذا رواه عبد الله بن الإمام أحمد عن محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزار، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب، حدثني أبي محمد بن معاذ، عن معاذ، عن محمد، عن أبي بن كعب، فذكره.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٧١٥٥) والحاكم (٣/ ٥١٠) كلاهما من حديث معاذ بن محمد بإسناده مقتصرًا على جرأة أبي هريرة في السؤال.
وفيه سلسلة من المجاهيل كما قال علي بن المديني في "العلل" في مسند أُبي في حديث: أول ما رأى النبي ﷺ من النبوة. رواه مالك بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي، عن أبيه، عن جده. حديث مدني، وإسناده مجهول كله ولا نعرف محمدًا ولا أباه، ولا جده". ذكره ابن حجر في "التهذيب" في ترجمة معاذ بن محمد بن معاذ.
ويظهر منه أيضًا عدم الضبط في الأسماء وقد أشار إليه في التهذيب أيضًا.
وفي الباب روي أيضًا عن عتبة بن عبد وشداد بن أوس وحليمة السعدية وغيرهم ولا يصح منها شيء إلا ما ذكرته.
١٢ - باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ -
قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [سورة الفتح: ٢٩].
وقوله تعالى على لسان عيسى ﵇: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [سورة الصف: ٦].
• عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ "لي خمسة أسماء: أنا محمد وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب".
стр. 5040
متفق عليه: رواه مالك في أسماء النبي ﷺ (١) عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم قال: فذكره.
ورواه البخاري في المناقب (٣٥٣٢) من طريق مالك به. ورواه مسلم في الفضائل (١٢٤: ٢٣٥٤) عن زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر كلهم عن سفيان بن عيينة عن الزهري به.
وفي رواية عند مسلم زاد فيه: وقد سماه الله رؤوفًا رحيمًا.
وفي حديث عقيل: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبي.
• عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذممًا ويلعنون مذمّمًا، وأنا محمد".
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٥٣٣) عن علي بن عبد الله، حدثنا سفيان (هو ابن عيينة)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: فذكره.
• عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء فقال: "أنا محمد، وأحمد، والمقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة".
صحيح: رواه مسلم في المناقب (٢٣٥٥) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى الأشعري، فذكره.
• عن حذيفة بن اليمان قال: سمعت النبي ﷺ يقول في سكة من سكك المدينة: "أنا محمد، وأنا أحمد، والحاشر، والمقفي، ونبيّ الرحمة".
حسن: رواه الترمذي في الشمائل (٣٦١) وابن أبي شيبة (٣٢٣٥٠) وأحمد (٢٣٤٤٣)، وصحّحه ابن حبان (٦٣١٥) كلهم من طريق عاصم بن بهدلة عن زرّ بن حبيش، عن حذيفة قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة بن أبي النجود فإنه حسن الحديث.
ومعنى "المقفّي": الذي يقفو غيره. ويجيء من بعده، يريد: أنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
١٣ - باب كنية النبي ﷺ -
• عن أنس قال: نادى رجل رجلًا بالبقيع يا أبا القاسم! فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني لم أعْنِك، إنما دعوتُ فلانًا فقال رسول الله ﷺ : "تسمّوا باسمي ولا تكنّوا بكُنيتي".
وفي رواية: أن النبي ﷺ كان في السوق.
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٢١)، ومسلم في الآداب (١: ٢١٣١) كلاهما من
стр. 5041
طريق حُميد عن أنس قال: فذكره.
والرواية الأخرى: رواها البخاري في البيوع (٢١٢٠) وفي المناقب (٣٥٣٧) عن آدم بن أبي إياس وحفص بن عمر كلاهما عن شعبة عن حميد به.
• عن جابر بن عبد الله قال: ولد لرجل منا غلام فسمّاه القاسم. فقالت الأنصار: لا نكنك أبا القاسم ولا نُنعمك عينًا فقال النبي ﷺ : "أحسنت الأنصار، سمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم".
وفي رواية مسلم: "فإني أنا أبو القاسم أَقسم بينكم".
متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (٣١١٥) ومسلم في الآداب (٢١٣٣: ٥) كلاهما من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره.
ورد في بعض الروايات أنه سمّى الولد "محمّدًا" كما عند مسلم (٢١٣٣: ٣) والراجح هو "القاسم" لأنه لم يقع الإنكار من الأنصار عليه إلا حيث لزم من تسمية ولده القاسم أن يصير يكنى أبا القاسم.
• عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "تسمّوا باسمي ولا تكتنوا بكُنيتي".
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٥٣٨)، ومسلم في الآداب (٨: ٢١٣٤) كلاهما من طريق سفيان ابن عيينة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: فذكره.
١٤ - وفاة آمنة أم النبي ﷺ -
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قدمت آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ برسول الله ﷺ على أخواله من بني عدي بن النجار بالمدينة، ثم رجعت به حتى إذا كانت بالأبواء هلكت بها. ورسول الله ﷺ ابن ست سنين. الفقرة رقم (٤٦)
وهذا مرسل وهو قول جماهير علماء التاريخ والسير بأن أم النبي ﷺ آمنة ماتت بالأبواء في قرية تسمى ودّان وهي من نواحي الفُرع بين المدينة ومكة.
١٥ - باب ما جاء في أبوي النبي ﷺ -
• عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار" فلما قفّى دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.
ورواه البيهقي في الدلائل (١/ ١٩١) من هذا الوجه ومن وجه آخر أيضًا عن حماد بن سلمة.
стр. 5042
• عن أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله ثم قال: "استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (١٠٨: ٩٧٦) من طرق عن محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره.
• عن بريدة قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة أتى جذْم قبر، فجلس إليه، فجعل كهيئة المخاطب، وجلس الناس حوله، فقام وهو يبكي، فتلقاه عمر - وكان من أجرأ الناس عليه - فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ قال: "هذا قبر أمي، سألت ربي الزيارة فأذن لي، وسألته الاستغفار فلم يأذن لي، فذكرتها، فرقّت نفسي فبكيت".
قال: فلم يُر يوم كان أكثر باكيًا منه يومئذ.
صحيح: رواه ابن أبي شيبة (١١٩٣٠) عن محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه البيهقي في الدلائل (١/ ١٨٩) من وجه آخر عن محمد بن يوسف الفريابي، قال: حدثنا سفيان بإسناده ولفظه: انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبر فجلس، وجلس الناس حوله كثير، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب. قال: ثم بكى، فاستقبله عمر فقال: ما يُبكيك يا رسول الله؟ قال: "هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليّ. وأدركتني رقتها فبكيت" قال: فما رأيت ساعة أكثر باكيًا من تلك الساعة.
تابعه محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه. انتهى.
قلت: وحديث محارب بن دثار رواه أحمد (٢٣٠٠٣) وابن حبان (٥٣١٠) مطولًا والحاكم (١/ ٣٧٦) مختصًرا.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وأصله في صحيح مسلم (٩٧٧) بدون ذكر زيارة قبر أم النبي ﷺ .
وبمعناه رواه الإمام أحمد (٢٣٠١٧) عن حسين بن محمد، حدثنا أيوب بن جابر، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرجت مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بودان قال: "مكانكم حتى آتيكم فانطلق" ثم جاء وهو ثقيل فقال: "إني أتيت قبر أم محمد فسألت ربي الشفاعة فمنعنيها".
وأيوب بن جابر ضعيف، ورُوي عن أخيه محمد بن جابر وهو ضعيف أيضًا.
стр. 5043
وفي الباب ما رُوي أيضًا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إني نهيتكم عن زيارة القبور، وإنه قد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه. فزوروها تذكركم".
رواه ابن أبي شيبة (١١٩٣١) عن يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، حدثنا فرقد السبخي، حدثنا جابر بن يزيد، حدثنا مسروق، عن ابن مسعود، فذكره.
وفيه فرقد بن يعقوب السبخي مختلف فيه والغالب عليه الضعف.
وأما جابر بن يزيد الذي روى عن مسروق، وعنه فرقد السبخي فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل عنه أبو زرعة فقال: ليس هو جابر الجعفي ولا يعرف. الجرح والتعديل (٢/ ٤٩٨).
ولكن رواه البيهقي في الدلائل (١/ ١٨٩ - ١٩٠) من وجه آخر من حديث عبد الله بن وهب قال: أخبرنا ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود قال: "خرج رسول الله ﷺ ينظر في المقابر، وخرجنا معه فأمرنا، فجلسنا، ثم تخطّى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فناجاه طويلا، ثم ارتفع نحيب رسول الله ﷺ باكيًا، فبكينا لبكاء رسول الله ﷺ ثم إن رسول الله ﷺ أقبل إلينا، فتلقاه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا، فجاء فجلس إلينا، فقال: أفزعكم بكائي؟ فقلنا: نعم يا رسول الله! فقال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي فيه - قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي فيه، واستأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه، ونزل عليّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] حتى ختم الآية: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذي أبكاني.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٨٠): "غريب ولم يخرجوه".
وهذا الحكم الصادر من النبي ﷺ لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
فإن أهل الفترة يمتحنون في العرصات يوم القيامة. فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب. فيكون هؤلاء المسمون من جملة من لا يجيبون.
وقد ذكرت بعض الشيء في كتاب القدر، وأذكر الأشياء الأخرى في تفسير الآية الكريمة وفي أهوال يوم القيامة إن شاء الله تعالى.
١٦ - حاضنة رسول الله ﷺ -
كانت أم أيمن مع آمنة في سفرها إلى المدينة، فلما ماتت آمنة في طريقها من المدينة إلى مكة حملته أم أيمن مولاتها، وحاضنته إلى جده عبد المطلب بمكة.
• عن أنس بن مالك قال: لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس
стр. 5044
بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعَقار. فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم، كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة. وكانت أم أنس بن مالك وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، كان أخًا لأنس لأمه، وكانت أعطت أمُ أنس رسول الله ﷺ عِذاقًا لها. فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته، أم أسامة بن زيد.
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة. رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها. وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه.
قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب. وكانت من الحبشة. فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعد ما توفّي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله ﷺ فأعتقها. ثم أنكحها زيد بن حارثة. ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر.
متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦٣٠) ومسلم في الجهاد والسير (١٧٧١: ٧٠) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: فذكره. واللفظ لمسلم.
وقوله: قال ابن شهاب. هذا مرسل.
وقوله: ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر.
هذا يعارض ما أخرجه ابن سعد في طبقاته (٨/ ٢٢٦) بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب قال: لما قبض النبي ﷺ بكتْ أم أيمن. فقيل لها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي على خبر السماء.
وبإسناده قال: لما قُتل عمر بكت أم أيمن. فقيل لها: فقالت: اليوم وهَى الإسلامُ. وقال الواقدي: ماتت أم أيمن في خلافة عثمان.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة "أم أيمن" "وجمع ابن السكن بين القولين بأن التي ذكرها الزهري هي مولاة النبي ﷺ ، وأن التي ذكرها طارق بن شهاب هي مولاة أم حبيبة، وأن كلا منهما كان اسمها بركة، وتكنى أم أيمن، وهو محتمل على بعده". انتهى.
١٧ - باب ما روي في ختان رسول الله ﷺ -
روي عن ابن عباس أن عبد المطلب ختن النبي ﷺ يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه محمدًا.
رواه ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٦١) عن أحمد بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف، حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني، قال: حدثني الوليد بن مسلم، عن شعيب - يعني ابن أبي حمزة، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
стр. 5045
قال ابن عبد البر: حديث مسند غريب.
قال يحيى بن أيوب: طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري" انتهى قول ابن عبد البر.
قلت: فيه الوليد بن مسلم مدلس كان يدلس تدليس التسوية.
والراوي عنه محمد بن أبي السري وهو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم العسقلاني، المعروف بابن أبي السري مختلف فيه، فوثّقه ابن معين. وقال أبو حاتم: "لين الحديث"، وقال ابن عدي: "كثير الغلط".
فمثله لا يُقبل تفرده.
ورُوي عن العباس بن عبد المطلب قال: ولد النبي ﷺ مختونًا مسرورًا. قال: وأعجب ذلك عبد المطلب، وحظي عنده وقال: ليكونن لابني هذا شأن فكان له شأن.
رواه ابن سعد في الطبقات (١/ ١٠٣) عن يونس بن عطاء المكي أخبرنا الحكم بن أبان العدني، أخبرنا عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه عباس بن عبد المطلب، فذكره.
وقوله: "مسرورًا": يعني مقطوع السرة.
ورواه أبو نعيم في الدلائل (١/ ١٩٢) والبيهقي في الدلائل (١/ ١١٤) كلاهما من حديث يونس بن عطاء المكي بإسناده.
قلت: يونس بن عطاء المكي ضعيف جدًّا يروي الموضوعات ولا يجوز الاحتجاج بخبره. "الميزان" (٤/ ٤٢٨).
قال ابن حبان في المجروحين (١٢٤٣): "يروي العجائب، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد".
وفي الباب ما روي عن أنس بن مالك مرفوعا: "من كرامتي أني ولدت مختونًا، ولم ير أحد سوأتي".
رواه الطبراني في المعجم الصغير والأوسط (مجمع البحرين ٣٤٨٤)، والخطيب في التاريخ (١/ ٣٢٩) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢٦٤) كلهما من حديث سفيان بن محمد الفزاري المصيصي، قال: ثنا هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك، فذكره.
قال الطبراني: "لم يروه عن يونس إلا هشيم، تفرد به سفيان الفزاري".
قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٢٤): وفيه سفيان بن محمد الفزاري متهم".
قلت: وهو كما قال، فإنه ضعيف جدًّا.
قال ابن عدي: يسرق الأحاديث، ويسوي الأسانيد، وفي حديثه موضوعات.
وفيه الحسن، وهو الإمام المشهور مدلس وقد عنعن.
ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٤) والدلائل (١/ ١٩١ - ١٩٢) من وجه آخر عن نوح بن محمد الأيلي قال: ثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا هشيم بن بشير، بإسناده مثله. قال أبو نعيم: "غريب من
следующие страницы →