Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
طريق حُميد عن أنس قال: فذكره.
والرواية الأخرى: رواها البخاري في البيوع (٢١٢٠) وفي المناقب (٣٥٣٧) عن آدم بن أبي إياس وحفص بن عمر كلاهما عن شعبة عن حميد به.
• عن جابر بن عبد الله قال: ولد لرجل منا غلام فسمّاه القاسم. فقالت الأنصار: لا نكنك أبا القاسم ولا نُنعمك عينًا فقال النبي ﷺ : "أحسنت الأنصار، سمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم".
وفي رواية مسلم: "فإني أنا أبو القاسم أَقسم بينكم".
متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (٣١١٥) ومسلم في الآداب (٢١٣٣: ٥) كلاهما من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره.
ورد في بعض الروايات أنه سمّى الولد "محمّدًا" كما عند مسلم (٢١٣٣: ٣) والراجح هو "القاسم" لأنه لم يقع الإنكار من الأنصار عليه إلا حيث لزم من تسمية ولده القاسم أن يصير يكنى أبا القاسم.
• عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "تسمّوا باسمي ولا تكتنوا بكُنيتي".
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٥٣٨)، ومسلم في الآداب (٨: ٢١٣٤) كلاهما من طريق سفيان ابن عيينة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: فذكره.
١٤ - وفاة آمنة أم النبي ﷺ -
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قدمت آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ برسول الله ﷺ على أخواله من بني عدي بن النجار بالمدينة، ثم رجعت به حتى إذا كانت بالأبواء هلكت بها. ورسول الله ﷺ ابن ست سنين. الفقرة رقم (٤٦)
وهذا مرسل وهو قول جماهير علماء التاريخ والسير بأن أم النبي ﷺ آمنة ماتت بالأبواء في قرية تسمى ودّان وهي من نواحي الفُرع بين المدينة ومكة.
١٥ - باب ما جاء في أبوي النبي ﷺ -
• عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار" فلما قفّى دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.
ورواه البيهقي في الدلائل (١/ ١٩١) من هذا الوجه ومن وجه آخر أيضًا عن حماد بن سلمة.
стр. 5042
• عن أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله ثم قال: "استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (١٠٨: ٩٧٦) من طرق عن محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره.
• عن بريدة قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة أتى جذْم قبر، فجلس إليه، فجعل كهيئة المخاطب، وجلس الناس حوله، فقام وهو يبكي، فتلقاه عمر - وكان من أجرأ الناس عليه - فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ قال: "هذا قبر أمي، سألت ربي الزيارة فأذن لي، وسألته الاستغفار فلم يأذن لي، فذكرتها، فرقّت نفسي فبكيت".
قال: فلم يُر يوم كان أكثر باكيًا منه يومئذ.
صحيح: رواه ابن أبي شيبة (١١٩٣٠) عن محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه البيهقي في الدلائل (١/ ١٨٩) من وجه آخر عن محمد بن يوسف الفريابي، قال: حدثنا سفيان بإسناده ولفظه: انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبر فجلس، وجلس الناس حوله كثير، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب. قال: ثم بكى، فاستقبله عمر فقال: ما يُبكيك يا رسول الله؟ قال: "هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى عليّ. وأدركتني رقتها فبكيت" قال: فما رأيت ساعة أكثر باكيًا من تلك الساعة.
تابعه محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه. انتهى.
قلت: وحديث محارب بن دثار رواه أحمد (٢٣٠٠٣) وابن حبان (٥٣١٠) مطولًا والحاكم (١/ ٣٧٦) مختصًرا.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وأصله في صحيح مسلم (٩٧٧) بدون ذكر زيارة قبر أم النبي ﷺ .
وبمعناه رواه الإمام أحمد (٢٣٠١٧) عن حسين بن محمد، حدثنا أيوب بن جابر، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرجت مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بودان قال: "مكانكم حتى آتيكم فانطلق" ثم جاء وهو ثقيل فقال: "إني أتيت قبر أم محمد فسألت ربي الشفاعة فمنعنيها".
وأيوب بن جابر ضعيف، ورُوي عن أخيه محمد بن جابر وهو ضعيف أيضًا.
стр. 5043
وفي الباب ما رُوي أيضًا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إني نهيتكم عن زيارة القبور، وإنه قد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه. فزوروها تذكركم".
رواه ابن أبي شيبة (١١٩٣١) عن يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، حدثنا فرقد السبخي، حدثنا جابر بن يزيد، حدثنا مسروق، عن ابن مسعود، فذكره.
وفيه فرقد بن يعقوب السبخي مختلف فيه والغالب عليه الضعف.
وأما جابر بن يزيد الذي روى عن مسروق، وعنه فرقد السبخي فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل عنه أبو زرعة فقال: ليس هو جابر الجعفي ولا يعرف. الجرح والتعديل (٢/ ٤٩٨).
ولكن رواه البيهقي في الدلائل (١/ ١٨٩ - ١٩٠) من وجه آخر من حديث عبد الله بن وهب قال: أخبرنا ابن جريج، عن أيوب بن هانئ، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود قال: "خرج رسول الله ﷺ ينظر في المقابر، وخرجنا معه فأمرنا، فجلسنا، ثم تخطّى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فناجاه طويلا، ثم ارتفع نحيب رسول الله ﷺ باكيًا، فبكينا لبكاء رسول الله ﷺ ثم إن رسول الله ﷺ أقبل إلينا، فتلقاه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا، فجاء فجلس إلينا، فقال: أفزعكم بكائي؟ فقلنا: نعم يا رسول الله! فقال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي فيه - قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي فيه، واستأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه، ونزل عليّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] حتى ختم الآية: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذي أبكاني.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٨٠): "غريب ولم يخرجوه".
وهذا الحكم الصادر من النبي ﷺ لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
فإن أهل الفترة يمتحنون في العرصات يوم القيامة. فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب. فيكون هؤلاء المسمون من جملة من لا يجيبون.
وقد ذكرت بعض الشيء في كتاب القدر، وأذكر الأشياء الأخرى في تفسير الآية الكريمة وفي أهوال يوم القيامة إن شاء الله تعالى.
١٦ - حاضنة رسول الله ﷺ -
كانت أم أيمن مع آمنة في سفرها إلى المدينة، فلما ماتت آمنة في طريقها من المدينة إلى مكة حملته أم أيمن مولاتها، وحاضنته إلى جده عبد المطلب بمكة.
• عن أنس بن مالك قال: لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس
стр. 5044
بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعَقار. فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم، كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة. وكانت أم أنس بن مالك وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، كان أخًا لأنس لأمه، وكانت أعطت أمُ أنس رسول الله ﷺ عِذاقًا لها. فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته، أم أسامة بن زيد.
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة. رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها. وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه.
قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب. وكانت من الحبشة. فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعد ما توفّي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله ﷺ فأعتقها. ثم أنكحها زيد بن حارثة. ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر.
متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦٣٠) ومسلم في الجهاد والسير (١٧٧١: ٧٠) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: فذكره. واللفظ لمسلم.
وقوله: قال ابن شهاب. هذا مرسل.
وقوله: ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر.
هذا يعارض ما أخرجه ابن سعد في طبقاته (٨/ ٢٢٦) بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب قال: لما قبض النبي ﷺ بكتْ أم أيمن. فقيل لها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي على خبر السماء.
وبإسناده قال: لما قُتل عمر بكت أم أيمن. فقيل لها: فقالت: اليوم وهَى الإسلامُ. وقال الواقدي: ماتت أم أيمن في خلافة عثمان.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة "أم أيمن" "وجمع ابن السكن بين القولين بأن التي ذكرها الزهري هي مولاة النبي ﷺ ، وأن التي ذكرها طارق بن شهاب هي مولاة أم حبيبة، وأن كلا منهما كان اسمها بركة، وتكنى أم أيمن، وهو محتمل على بعده". انتهى.
١٧ - باب ما روي في ختان رسول الله ﷺ -
روي عن ابن عباس أن عبد المطلب ختن النبي ﷺ يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه محمدًا.
رواه ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٦١) عن أحمد بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف، حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني، قال: حدثني الوليد بن مسلم، عن شعيب - يعني ابن أبي حمزة، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
стр. 5045
قال ابن عبد البر: حديث مسند غريب.
قال يحيى بن أيوب: طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري" انتهى قول ابن عبد البر.
قلت: فيه الوليد بن مسلم مدلس كان يدلس تدليس التسوية.
والراوي عنه محمد بن أبي السري وهو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم العسقلاني، المعروف بابن أبي السري مختلف فيه، فوثّقه ابن معين. وقال أبو حاتم: "لين الحديث"، وقال ابن عدي: "كثير الغلط".
فمثله لا يُقبل تفرده.
ورُوي عن العباس بن عبد المطلب قال: ولد النبي ﷺ مختونًا مسرورًا. قال: وأعجب ذلك عبد المطلب، وحظي عنده وقال: ليكونن لابني هذا شأن فكان له شأن.
رواه ابن سعد في الطبقات (١/ ١٠٣) عن يونس بن عطاء المكي أخبرنا الحكم بن أبان العدني، أخبرنا عكرمة، عن ابن عباس، عن أبيه عباس بن عبد المطلب، فذكره.
وقوله: "مسرورًا": يعني مقطوع السرة.
ورواه أبو نعيم في الدلائل (١/ ١٩٢) والبيهقي في الدلائل (١/ ١١٤) كلاهما من حديث يونس بن عطاء المكي بإسناده.
قلت: يونس بن عطاء المكي ضعيف جدًّا يروي الموضوعات ولا يجوز الاحتجاج بخبره. "الميزان" (٤/ ٤٢٨).
قال ابن حبان في المجروحين (١٢٤٣): "يروي العجائب، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد".
وفي الباب ما روي عن أنس بن مالك مرفوعا: "من كرامتي أني ولدت مختونًا، ولم ير أحد سوأتي".
رواه الطبراني في المعجم الصغير والأوسط (مجمع البحرين ٣٤٨٤)، والخطيب في التاريخ (١/ ٣٢٩) ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢٦٤) كلهما من حديث سفيان بن محمد الفزاري المصيصي، قال: ثنا هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك، فذكره.
قال الطبراني: "لم يروه عن يونس إلا هشيم، تفرد به سفيان الفزاري".
قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٢٤): وفيه سفيان بن محمد الفزاري متهم".
قلت: وهو كما قال، فإنه ضعيف جدًّا.
قال ابن عدي: يسرق الأحاديث، ويسوي الأسانيد، وفي حديثه موضوعات.
وفيه الحسن، وهو الإمام المشهور مدلس وقد عنعن.
ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٤) والدلائل (١/ ١٩١ - ١٩٢) من وجه آخر عن نوح بن محمد الأيلي قال: ثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا هشيم بن بشير، بإسناده مثله. قال أبو نعيم: "غريب من
стр. 5046
حديث يونس، عن الحسن، لم نكتبه إلا من هذا الوجه".
قلت: وفيه نوح بن محمد الأيلي قال الذهبي في "الميزان"روى عن الحسن بن عرفة حديثًا شبه موضوع".
وقال الحافظ في "اللسان": كلهم ثقات إلا نوحًا فلم أر من وثّقه، وقد روى هذا الحديث الحافظ ضياء الدين في "المختارة" من هذا الوجه، ومقتضاه على طريقته أنه حديث حسن".
وفي الباب أحاديث أخرى أشد ضعفًا من هذا.
فقول الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٠٢): "وقد تواترت الأخبار أن رسول الله ﷺ ولد مختونًا مسرورًا" فيه نظر.
ولذا تعقبه الذهبي فقال: "ما أعلم صحة ذلك، فكيف متواترًا".
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٢٦٥): "وقد ادعى بعضهم صحته لما ورد له من الطرق حتى زعم بعضهم أنه متواتر وفي كله نظر".
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام - السيرة النبوية - ص ٢٧ بعد أن ذكر حديث الوليد بن مسلم أن عبد المطلب ختن النبي ﷺ يوم سابعه .. "وهذا أصح مما رواه ابن سعد .. أنه ولد مختونًا مسرورًا".
وقد رأيت في كل من هذه الأخبار في صحتها النظر، فالذي يرجح أن عبد المطلب ختن النبي ﷺ يوم سابعه حريًّا لعادة العرب وهذا لا يحتاج إلى دليل.
وقال الحافظ ابن القيم في "تحفة المودود" ص ٣٤٥: وقد جاء في بعض الروايات أن جده عبد المطلب ختنه في اليوم السابع.
قال: وهو على ما فيه: أشبه بالصواب، وأقرب للواقع.
وقال في "زاده" (١/ ٨١): وقد اختلف في ختانه ﷺ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ولد مختونًا مسرورًا.
ورُوي في ذلك حديث لا يصح. ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات. وليس فيه حديث ثابت. وليس هذا من خواصه، فإن كثيرًا من الناس يولد مختونًا.
والقول الثاني: أنه خُتن ﷺ يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة.
والقول الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه محمدًا. ثم قال ﵀: "وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين فاضلين صنف أحدهما مصنفًا في أنه ولد مختونًا، وأجلب فيه من الأحاديث التي لا خِطام لها ولا زِمام، وهو كمال الدين بن طلحة، فنقضه عليه كمال الدين بن العديم، وبين فيه أنه ﷺ خُتِنَ على عادة العرب، وكان عموم هذه السُّنَّة للعرب قاطبة مغنيًا عن نقل معين فيها، والله أعلم".
стр. 5047
١٨ - النبي ﷺ في رعاية جدّه عبد المطلب حتى مات
قال ابن إسحاق: كان رسول الله ﷺ مع جده عبد المطلب.
فحدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله قال: كان يوضع لعبد المطلب جد رسول الله ﷺ فراش في ظل الكعبة. فكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. وكان رسول الله ﷺ يأتي حتى يجلس عليه. فيذهب أعمامه يؤخرونه. فيقول جده عبد المطلب: دعوا ابني. فيمسح على ظهره ويقول: إن لابني هذا لشأنًا فتوفي عبد المطلب ورسول الله ﷺ ابن ثماني سنين بعد الفيل بثماني سنين. انتهى رقم الفقرة (٤٧) فأوصى به إلى عمه أبي طالب.
ذكر ابن سعد (١/ ١١٩): ومات عبد المطلب فدُفن بالحجون، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مائة وعشر سنين. وسئل رسول الله ﷺ : أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم أنا يومئذ ابن ثماني سنين. قالت أم أيمن: رأيت رسول الله ﷺ يومئذ يبكي خلف سرير عبد المطلب. انتهى.
١٩ - الاعتناء بحفظ عورته وهو صغير
• عن جابر بن عبد الله قال: لما بُنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ وعباس ينقلان الحجارة. فقال عباس للنبي ﷺ : اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة. فخرّ إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال: إزاري. فشد عليه إزاره.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٨٢٩) ومسلم في الحيض (٣٤٠) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عن جابر بن عبد الله يقول: فذكره.
وفي رواية عندهما: فما رؤي بعد ذلك عريانًا.
٢٠ - خروج النبي ﷺ مع عمه إلى الشام
• عن أبي موسى الأشعري قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجدًا ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء
стр. 5048
الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا، إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بُعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره فبعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه قال: أنشدكم بالله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالًا وزوّده الراهب من الكعك والزيت.
حسن: رواه الترمذي (٣٦٢٠) عن الفضل بن سهل أبي العباس الأعرج البغدادي قال: حدثنا عبد الرحمن بن غزوان، قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه فذكره.
وعبد الرحمن بن غزوان هو أبو نوح المعروف بقراد، ثقة من رجال البخاري.
ومن طريقه رواه الحاكم (٢/ ٦١٥ - ٦١٦) وعنه البيهقي في دلائله (٢/ ٤٢) والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٢٥٢) في ترجمة عبد الرحمن بن غزوان. وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣/ ٤) وقال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال العباس بن محمد الدوري: ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قُراد أبي نوح. وسمع هذا الحديث أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من قُراد وقالا: وإنما سمعناه من قراد لأنه من الغرائب والأفراد التي نقر بروايتها عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه انتهى. ذكره الخطيب وابن عساكر.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
فتعقبه الذهبي فقال: "أظنه موضوعا، فبعضه باطل" كذا قال. لعله لوجود ذكر أبي بكر وبلال في الحديث وهذا القدر من الحديث منكر لا شك فيه.
ولكن أصل القصة وهي ذهابه ﷺ إلى الشام مع عمه لم ينكر عليه أحد فيما أعلم.
وقد جزم به الحافظ ابن القيم فقال في زاده (١/ ٧٦ - ٧٨): فلما بلغ ثنتي عشرة سنة خرج به عمه إلى الشام. وقيل: كانت سنه تسع سنين، وفي هذه الخرجة رآه بحيرى الراهب، وأمر عمه ألا يقدم به إلى الشام خوفًا عليه من اليهود، فبعثه عمه جمع بعض غلمانه إلى مكة".
ثم قال: ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالًا، وهو من الغلط الواضح، فإن بلالًا
стр. 5049
إذ ذاك لعله لم يكن موجودًا. وإن كان فلم يكن مع عمه. ولا مع أبي بكر. وذكر البزار في مسنده هذا الحديث ولم يقل: أرسل معه عمه بلالًا، ولكن قال: رجلًا" انتهى.
وقد ذكر هذه القصة محمد بن إسحاق في سيرته وليس فيها ذكر أبي بكر وبلال.
قال ابن إسحاق: ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرًا إلى الشام، فلما تهيّأ للرحيل، وأجمع السير، صب له رسول الله ﷺ فيما يزعمون - فرقّ له أبو طالب، وقال: والله! لأخرجن به معي، ولا أفارقه، ولا يفارقني أبدًا. أو كما قال، فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيرى. في صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب - فيما يزعمون - يتوارثونه كابرًا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، وكانوا كثيرًا ما يمرون به قبل ذلك، فلا يكلمهم، ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا قريبًا من صومعته، صنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك - فيما يزعمون - عن شيء رآه، وهو من صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله ﷺ في الركب، حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا، فنزلوا في ظل شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ ، حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى، نزل من صومعته، وقد أمر بطعام فصنع، ثم أرسل إليهم، فقال: إني قد صنعت لكم طعامًا يا معشر قريش! فأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم. فقال له رجل منهم: والله! يا بحيرى! إن لك لشأنًا اليوم! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمرّ بك كثيرًا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم، وأصنع لكم طعامًا، فتأكلوا منه كلكم. فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله ﷺ ، من بين القوم لحداثة سنه، في رحال القوم، تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى في القوم، لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش! لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي. قالوا: يا بحيرى! ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدثنا سنًا، فتخلف في رحالنا. قال: لا تفعلوا! ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. قال: فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للؤمًا بنا، أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه، فاحتضنه، وأجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرى، جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى، وقال له: يا غلام! أسألك بحق اللات والعزى، إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرى ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسوك الله ﷺ قال له: لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. فقال له: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله، من نومه، وهيئته، وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه،
стр. 5050
على موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب، فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا. قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله! لئن رأوه، وعرفوا منه ما عرفت، ليبغنّه شرًّا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده. فخرج به عمه أبو طالب سريعًا، حتى أقدمه مكة، حين فرغ من تجارته بالشام". انتهى.
سيرة ابن إسحاق (٥٣ وما بعده) وسيرة ابن هشام (١/ ١٨٠ - ١٨٣).
وقُراد أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان ثقة حافظ لم أجد من جرّحه.
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكر أبا نوح فقال: كان عاقلًا من الرجال.
وذكر الخطيب في تاريخه قول مجاهد بن موسى ويحيى بن معين وغيرهما في توثيق عبد الرحمن بن غزوان.
فلا يضر تفرده وقد قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" "رجاله ثقات" وذكر أبي بكر وبلال خطأ من أحد الرواة، أو منه، لأن كبار الأئمة لم يسلموا من الخطأ والسهو. فلا يستطيع أحد أن يُسقط أصل القصة من السيرة النبوية.
فلا ينبغي الإنكار على هذه القصة من أصلها خوفًا من أن بعض المستشرقين اتخذوها ذريعة للطعن في نبوة النبي ﷺ وقالوا: إنه أخذ شرائع الإسلام من هذا الراهب، بل منهم من قال: إنه أخذ القرآن بكامله منه. وهو قول يدل على إفلاس قائله وجهله.
٢١ - باب النبي ﷺ يرعى الغنم
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي إلا وقد رعى الغنم" قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة".
صحيح: رواه البخاري في الإجارة (٢٢٦٢) عن أحمد بن محمد المكي، حدثنا عمرو بن يحيى، عن جده، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ بمر الظهران، ونحن نجني الكباث فقال النبي ﷺ : "عليكم بالأسود منه" قال: فقلنا: يا رسول الله! كأنك رعيت الغنم؟ قال: "نعم، وهل من نبي إلا وقد رعاها" أو نحو هذا من القول.
صحيح: رواه مسلم في الأشربة (٢٠٥٠) عن أبي طاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
وقوله: "الكباث": هو النضيج من ثمر الأراك.
стр. 5051
٢٢ - حضور النبي ﷺ بعض أيام حرب الفجار
رُوي عن النبي ﷺ قال: "كنت أنبّل على أعمامي".
أي أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم بها. وقيل معناه: أي كنت أناولهم النبل ليرموا. وكان قائد قريش حرب بن أمية. ذكره ابن هشام بدون إسناد (١/ ١٨٦).
ولم أقف على هذا الحديث مسندا.
وحرب الفجار كما قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار، ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة، وإنما سمي يوم الفجار بما استحل فيه هذان الحيان: كنانة وقيس عيلان - من المحارم بينهم. وكان قائدَ قريش وكنانة حربُ بن أمية بن عبد شمس، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس.
إلا أن ابن هشام خالف ابن إسحاق في تحديد عمر النبي ﷺ فقال: أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة. فيما حدثني أبو عبيدة النحوي، عن أبي عمرو بن العلاء: هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة، وبين قيس عيلان فذكر مطولا. سيرة ابن هشام (١/ ١٨٦ - ١٨٧)، وذكره ابن سعد في الطبقات (١/ ١٢٦، ١٢٨) عن الواقدي مفصلا.
٢٣ - شهود النبي ﷺ حلف الفضول
• عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : "شهدت مع عمومتي حلف المطيبين، فما أحب أن لي حمر النعم، وإني أنكثه".
صحيح: رواه أحمد (١٦٧٦) والبخاري في الأدب المفرد (٥٦٧) وصحّحه ابن حبان (٤٣٧٣) والحاكم (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠) كلهم من طريق إسماعيل ابن علية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، فذكره. وإسناده صحيح.
وفي معنى "المطيبين" كلام لابن حبان في صحيحه كما أن السندي له كلام في مسند أحمد فراجعه. و"حلف الفضول" راجع حاشية ابن حبان.
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية، فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أنّ لي حُمَر النعم، وأني نقضتُ الحلف الذي كان في دار الندوة".
حسن: رواه الطبري في تفسيره (٦/ ٦٨٣) عن أبي كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل بن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل مصعب بن المقدام.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما شهدت من حلف قريش إلا حلف
стр. 5052
المطيبين، وما أحب أن لي حمر النعم، وإني كنت نقضته".
قال: والمطيبين: هاشم وأمية وزهرة ومخزوم.
حسن: رواه ابن حبان (٣٤٧٤) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٣٦٦) وفي الدلائل (٢/ ٣٨) من طريق المعلى بن مهدي، ثنا أبو عوانة، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عمرو بن أبي سلمة غير أنه حسن الحديث.
قال محمد بن نصر: قال بعض أهل المعرفة بالسير وأيام الناس: أن قوله في هذا الحديث: حلف المطيبين غلط، إنما هو حلف الفضول؛ وذلك أن النبي ﷺ لم يدرك حلف المطيبين؟ لأن ذلك كان قديمًا قبل أن يولد بزمان" ذكره البيهقي.
قلت: وكذلك قاله غير واحد من أهل العلم.
قال القتيبي: "أحسبه أراد حلف الفضول، لأن المطيبين هم الذين عقدوا حلف الفضول." ذكره البيهقي أيضًا.
وقال ابن حبان: "أضمر في هذين الخبرين "مَنْ" يريد به: شهدت من حلف المطيبين، لأنه ﷺ لم يشهد حلف المطيبين. لأن حلف المطيبين كان قبل مولد رسول الله ﷺ . وإنما شهد رسول الله ﷺ حلف الفضول وهم من المطيبين".
وقال البيهقي بعد أن ساق الحديث: كذا روي هذا التفسير مدرجًا في الحديث. ولا أدري قائله. وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول، فإن النبي ﷺ لم يدرك حلف المطيبين".
قال ابن كثير: "هذا لا شك فيه، وذلك أن قريشًا تحالفوا بعد موت قصي وتنازعوا في الذي كان جعله قصي لابنه عبد الدار من السقاية، والرفادة، واللواء، والندوة، والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد مناف وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش وتحالفوا على النصرة لحزبهم فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنة فيها طيب فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا. فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت. فسموا المطيبين كما تقدم وكان هذا قديمًا، ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان، كما رواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول الله ﷺ : "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعد ظالم مظلومًا".
قالوا: وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة في شهر ذي القعدة، وكان بعد حرب الفجار بأربعة أشهر، وذلك لأن الفجار كان في شعبان من هذه السنة، وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب.
البداية والنهاية (٢/ ٢٩١).
стр. 5053
٢٤ - باب ما جاء في تسمية حلف الفضول
يذكرون في تسمية هذا الحلف بالفضول: أن جُرْهمًا في الزمن الأول، قد سبقت قريشًا إلى مثل هذا الحلف فتحالف منهم ثلاثة هم ومن تبعهم: أحدهم الفضل بن فضالة، والثاني: الفضل بن وداعة، الثالث: فضيل بن الحارث. وقيل: بل هم: الفُضيل بن شراعة، والفضل بن وداعة، والفُضيل بن قضاعة. فلما أشبه حلف قريش هذا حلف هؤلاء الجرهميين سمي حلف الفضول.
وقيل: بل سمي كذلك لأنهم تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها، وألا يغزو ظالم مظلومًا. وكان هذا الحلف والنبي ﷺ في العشرين من عمره. وكان أكرم حلف وأشرفه.
قال القتيبي: تحالفوا في دار عبد الله بن جدعان. فسموا ذلك الحلف حلف الفضول تشبيهًا له بحلف كان بمكة أيام جرهم على التناصف، والأخذ للضعيف من القوي، وللغريب من القاطن، قام به رجال جرهم يقال لهم: الفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، والفضل بن فضالة. فقيل حلف الفضول جميعًا لأسماء هؤلاء.
وسما غيره: فضل، وفضال، وفُضيل، وفضالة.
وقال ابن إسحاق: تداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤي، لشرفه وسنه. فكان حلفهم عنده: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، وأسد بن عبد العزّى، وزهرة بن كلاب، وتميم بن مرة، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها، وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته. فسمّتْ قريش ذلك الحلف حلف الفضول.
سيرة ابن هشام (١/ ١٣٣ - ١٣٤).
٢٥ - تجارته ﷺ لخديجة والتزوج بها
كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشية موسرة.
• عن جابر قال: استأجرت خديجة رسول الله ﷺ سفرتين إلى جرش. كل سفرة بقلوص.
صحيح: رواه الحاكم (٣/ ١٨٢) وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١١٨) من حديث حماد والربيع بن بدر، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
قال ابن إسحاق في سيرته رقم الفقرة (٥٨): "وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة، ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعل لهم منه. وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه - بعثت
стр. 5054
إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرًا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة. فقبله منها رسول الله ﷺ ، وخرج في مالها ذلك، ومعه غلامها ميسرة، حتى قدم الشام، فنزل رسول الله ﷺ في ظل شجرة، قريب من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة، فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي.
ثم باع رسول الله ﷺ سلعته التي خرج بها، فاشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة، فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره. فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به، فأضعف أو قريبًا. وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه.
وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله تعالى بها من كرامته، فلما أخبرها ميسرة عما أخبرها به، بعثت إلى رسول الله ﷺ فقالت له فيما يزعمون: يا ابن عم! إني قد رغبت فيك، لقرابتك مني، وشرفك في قومك، ووسيطتك فيهم، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط قريش نسبًا، وأعظمهم شرفًا، وأكثرهم مالًا، وكل قومها قد كان حريصًا على ذلك منها لو يقدر على ذلك.
وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب.
وأخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٦٦ - ٦٧) عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق فذكره مرسلًا.
وكذلك لا يصح ما رواه ابن سعد في طبقاته (١/ ١٢٩) وأبو نعيم في الدلائل (١/ ٢١٨) كلاهما عن محمد بن عمر الواقدي قال: حدثنا موسى بن شيبة، عن عميرة بنت عبد الله بن كعب بن مالك، عن أم سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت أمية أخت يعلى سمعتها تقول: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين سنة، وليس له بمكة اسم إلا الأمين لما تكاملت فيه من خصال الخير، قال له أبو طالب: يا ابن أخي! أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، والحّتْ علينا سنون منْكرة، ليس لنا مادة، ولا تجارة. وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام. وخديجة بنت خويلد تبعث رجالًا من قومك في عيراتها فيتجرون لها، ويصيبون منافع، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضّلتك على غيرك لما بلغها من طهارتك، وإني كنت لأكره أن تأتي الشام، وأخاف عليك من اليهود، ولكن لا نجد من ذلك بدًا - وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة، وتبعت بها إلى الشام، فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجل، وتدفع إليه المال مضاربة، وكانت قريش قومًا تجارًا، من لم يكن تاجرًا فليس عندهم بشيء - قال رسول الله ﷺ : فلعلها أن ترسل إلي في ذلك، قال أبو طالب إني أخاف أن تولي غيرك، فتطلب أمرًا مدبرًا، فافترقا، فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، وقبل ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه فقالت: ما دريت أنه يريد هذا، ثم أرسلت إليه فقالت: إنه قد
стр. 5055
دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلًا من قومك، ففعل رسول الله ﷺ ، فلقي أبا طالب فقال له ذلك، فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك، فخرج مع غلامها "ميسرة" حتى قدم الشام، وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدم الشام، فنزلا في سوق بصرى في ظل شجرة قريبًا من صومعة راهب من الرهبان يقال له "نسطورا".
قال فتطلع الراهب إلى "ميسرة" وكان يعرفه، فقال: يا ميسرة! من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال: من قريش، من أهل الحرم. قال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، ثم قال: في عينيه حمرة؟ قال ميسرة: نعم، لا تفارقه قط، قال الراهب: هذا هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت إني أدركته حين يؤمر بالخروج، فوعى ذلك ميسرة ثم حضر رسول الله ﷺ سوق بصرى، فباع سلعته التي خرج بها، واشترى فكان بينه وبين الرجل اختلاف في سلعة، فقال له الرجل: احلف باللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ : ما حلفت بهما قط، وإني لأمر بهما فأعرض عنهما، فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة، وخلابه، يا ميسرة! هذا نبي، والذي نفسي بيده! إنه لهو هو، ويجده أحبارنا منعوتًا في كتبهم فوعى ذلك ميسرة ثم انصرف أهل العير جميعًا. وكان ميسرة يرى رسول الله ﷺ إذا كانت الهاجرة، واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره.
قال: وقدم رسول الله ﷺ بتجارتها قد ربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما سمتْ له. انتهى. واللفظ لأبي نعيم. ولفظ ابن سعد فيه بعض الاختلاف.
والواقدي فيه متروك وفي لفظه بعض المناكير.
قال الذهبي في السيرة النبوية (ص ٦٤): وروى قصة خروجه إلى الشام تاجرًا المحاملي عن عبد الله بن شبيب وهو واهٍ. ثنا أبو بكر بن شيبة، حدثني عمر بن أبي بكر العدوي، حدثني موسى بن شيبة، حدثتني عميرة بنت عبد الله بن كعب بن مالك بإسناده وقال: وهو حديث منكر.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ذكر خديجة وكان أبوها يرغب أن يزوجه، فصنعت طعامًا وشرابًا، فدعت أباها ونفرًا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة لأبيها: إن محمد بن عبد الله يخطبني، فزوجني إياه. فزوجها إياه فخلّقته وألبسته حلة، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء، فلما سرّي عنه سكره، نظر فإذا هو مخلق وعليه حلة، فقال: ما شأني، ما هذا؟ قالت: زوّجتني محمد بن عبد الله. قال: أنا أزوّج يتيم أبي طالب! لا لعمري. فقالت خديجة: أما تستحي! تريد أن تسفه نفسك عند قريش؟ تخبر الناس أنك كنت سكران؟ فلم تزل به حتى رضي.
رواه الإمام أحمد (٢٨٤٩) عن أبي كامل، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عماد، عن ابن عباس - فيما يحسب حماد - فذكر الحديث وفيه شك حماد في وصله. وفيه: إن أباها هو الذي
стр. 5056
زوج خديجة، بينما الصحيح أن الذي زوجها عمها، لأن أباها مات قبل الفجار.
وقد رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٧٢ - ٧٣) من وجه آخر عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس أن أبا خديجة زوج النبي ﷺ وهو أظنه قال: سكران.
وعلي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف. فإن كان حماد بن سلمة وليس في الإسناد الأول فقد عرف الواسطة وهو ضعيف كما قلنا.
وأما خديجة فهي تدعى في الجاهلية الطاهرة، وأمها هي فاطمة بنت زائدة العامرية. وكانت خديجة أولا تحت أبي هالة اسمه مالك بن النباش بن زرارة التميمي وولدت له هندًا، مات يوم الجمل، قال أبو عمر: كان فصيحًا بليغًا وصّافًا، وصف النبي ﷺ فأحسن وأتقن. ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثم بعده النبي ﷺ . وبنى بها وله خمس وعشرون سنة. وكانت أسن منه بخمس عشرة سنة. هذا هو المشهور في سن خديجة أم المؤمنين عند تزوج النبي ﷺ بها.
ولكن ذهب ابن إسحاق إلى أن عمرها عند تزوجها كان ثمانيًا وعشرين سنة.
أخرجه الحاكم (٣/ ١٨٢) بإسناد عن إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: إن أبا طالب وخديجة بنت خويلد هلكا في عام واحد .. وكان لها يوم تزوجها ثمان وعشرون سنة. ولم يذكر ابن هشام هذه الرواية كما لم يذكره أيضًا يونس بن بكير عن ابن إسحاق في قصة خروجه ﷺ إلى الشام في تجارة خديجة ثم التزوج بها بعد رجوعه - فالظاهر أنها رواية شاذة.
قال ابن إسحاق: "فلما قالت لرسول الله ﷺ ما قالت، ذكر ذلك لأعمامه. فخرج معه منهم حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على أسد بن أسد، فخطبها إليه، فتزوجها رسول الله ﷺ "رقم الفقرة (٥٩)
قال ابن هشام: وأصدقها رسول الله ﷺ : عشرين بكرة.
قال البلاذري والدمياطي: اثنتي عشرة أوقية ونشًّا. وقال المحب الطبري: ذهبًا. "سبل الهدى (٢/ ١٦٥) ".
٢٦ - أولاده ﷺ -
قال ابن إسحاق: تزوج رسول الله ﷺ خديجة فولدت له قبل أن ينزل عليه الوحي: زينب، وأم كلثوم، ورقية، وفاطمة، والقاسم، والطاهر، والطيب، فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا قبل الإسلام. وبالقاسم كان يكنى ﷺ . فأما بناته فأدركن الإسلام وهاجرن معه، واتبعنه، وآمنّ به ﵇" رقم الفقرة (٥٩).
قلت: لا خلاف في عدد البنات هن أربع.
وأما الذكور فاختلفوا فيه.
стр. 5057
فقال الزبير بن بكار: كان لرسول الله ﷺ غير إبراهيم القاسم وعبد الله.
قال الصالحي في سبل الهدى (١١/ ١٦) وهو قول أكثر أهل النسب. ونقل عن الدارقطني قوله: "وهو الأثبت، وصحّحه الحافظ عبد الغني المقدسي".
٢٧ - باب ما جاء في لقب النبي ﷺ بالأمين
عن ابن إسحاق، قال: فشب رسول الله ﷺ يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعايبها، لما يريد به من كرامته ورسالته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلًا أفضل قومه مروءة، وأحسَنهم خلقًا، وأكرمهم مخالطة، وأحسَنهم جوارًا، وأعظمهم خلقًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهًا وتكرمًا، حتى ما اسمه في قومه إلا "الأمين" لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة، وكان رسول الله ﷺ فيما ذكر لي، يحدث عما كان يحفظه الله به في صغره وأمر جاهليته. سيرة ابن إسحاق رقم الفقرة (٥٤).
وثبت هذا اللقب بأحاديث الباب الآتي وأما قوله: "وهو على دين قومه" فهو منكر كما سيأتي بيانه في باب: كان النبي ﷺ على دين إبراهيم قبل البعثة.
٢٨ - باب في وضعه ﷺ الحجر الأسود عند بناء الكعبة وهو في خمس وثلاثين سنة
• عن مجاهد، عن مولاه أنه حدثه أنه كان فيمن يبني الكعبة في الجاهلية قال: ولي حجر أنا نحتّه بيدي، أعبده من دون الله ﵎، فأجيء باللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسي، فأصبّه عليه، فيجيء الكلب فيلحسه، ثم يشغر، فيبول، فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر، وما يرى الحجر أحد، فإذا هو وسط حجارتنا مثل رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش: نحن نضعه. وقال آخرون: نحن نضعه، فقالوا: اجعلوا بينكم حكمًا، قالوا: أول رجل يطلُع من الفج، فجاء النبي ﷺ فقالو: أتاكم الأمين. فقالوا له: فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فأخذوا بنواحيه معه، فوضعه هو ﷺ .
حسن: رواه الإمام أحمد (١٥٥٠٤) والحاكم (١/ ٤٥٨) كلاهما من حديث هلال بن خباب، ثنا مجاهد فذكره.
واسم مولى مجاهد: عبد الله بن السائب كما جاء مصرحًا في دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٢٤).
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٩٢): "رواه أحمد وفيه هلال بن خباب وهو ثقة وفيه كلام
стр. 5058
وبقية رجاله ثقات".
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في هلال بن خباب العبدي مولاهم غير أنه حسن الحديث. ثم هو ليس من رجال مسلم، وإنما هو من رجال السنن.
• عن علي بن أبي طالب قال: فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه. فقالوا: نحكم بيننَا أول رجل يخرج من هذه السكة. فكان رسول الله ﷺ أول من خرج عليهم، فقضى بينهم أن يجعلوه في مرط، ثم ترفعه جميع القبائل كلهم، ثم أخذه رسول الله ﷺ فوضعه.
حسن: رواه الحاكم (١/ ٤٥٨، ٤٥٩) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٦، ٥٥) كلاهما من حديث سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي بن أبي طالب فذكره في قصة طويلة.
قال الحاكم: وله شاهد صحيح على شرطه (يعني مسلمًا).
قلت: إسناده حسن من أجل خالد بن عَرعرة فإنه حسن الحديث إلا أنه ليس من رجال مسلم، ويشهد له مرسل الزهري.
رواه البيهقي في الدلائل من طريق يعقوب بن سفيان قال: حدثني أصبغ بن فرج، قال: أخبرني ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب قال: لما بلغ رسول الله ﷺ الحلم أجمرتْ امرأة الكعبة، وطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة فاحترقتْ. فهدموها، حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن. اختصمت قريش في الركن. أي القبائل تلي رفعه؟ فقالوا: تعالوا نُحكم أول من يطلع علينا. فطلع عليهم رسول الله ﷺ وهو غلام عليه وشاح نمرة. فحكموه - فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أخرج سيد كل قبيلة فأعطاها ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن. فكان هو يضعه، حتى دعوه الأمين قبل أن ينزل عليه وحي، فطفقوا لا ينحرون جزورًا إلا التمسوه فيدعو لهم فيها.
• عن أبي الطفيل قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم ليس فيها مدر، وكانت قدر ما يقتحمها العناق، وكانت غير مسقوفة، إنما توضع ثيابها عليها، ثم يُسدل سدلًا عليها، وكان الركن الأسود موضوعًا على سورها، باديا، وكانت ذات ركنين كهيئة هذه الحلقة، فأقبلت سفينة من أرض الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جدة انكسرت السفينة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا روميًا عندها، فأخذوا الخشب، أعطاهم إياها، وكان السفينة تريد الحبشة، وكان الرومي الذي في السفينة نجارًا، فقدموا بالخشب، وقدموا بالرومي، فقالت قريش: نبني بهذا الخشب بيت ربنا، فلما أن أرادوا هدمه، إذا هم بحيّة على سور البيت، مثل قطعة الجائز سوداء الظهر، بيضاء البطن، فجعلت كلما دنا أحد من البيت ليهدمه، أو يأخذ من حجارته
стр. 5059
سعت إليه فاتحة فاها، فاجتمعت قريش عند الحرم، فعجّوا إلى الله، وقالوا: ربنا! لم نُرع، أردنا تشريف بيتك وترتيبه، فإن كنت ترضى بذلك، وإلا فما بدا لك فافعل، فسمعوا خوارًا في السماء، فإذا هم بطائر أعظم من النسر، أسود الظهر وأبيض البطن والرجلين، فغرز مخالبه في قفا الحية، ثم انطلق بها يجرها، وذنبها أعظم من كذا وكذا، ساقط حتى انطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينا النبي ﷺ يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة، إذ ضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فبدت عورته من صغر النمرة، فنودي يا محمد! خمّر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك، وكان بين الكعبة وبين ما أنزل الله عليه ﷺ خمس سنين، وبين مخرجه وبنائها خمس عشرة سنة.
حسن: رواه عبد الرزاق (٩١٠٦) عن معمر، عن عبد الله (يعني ابن عثمان بن خُثيم، عن أبي الطفيل قال: فذكره.
وأخرجه الإمام أحمد (٢٣٨٠٠، ٢٣٧٩٤) والحاكم (٤/ ١٧٩) عن عبد الرزاق طرفا منه وإسناده حسن من أجل عبد الله بن عثمان فإنه حسن الحديث.
وأبو الطفيل عامر بن واثلة من صغار الصحابة لم يدرك بناء الكعبة لأنه ولد عام أحد يقول: "أدركت ثماني سنين من حياة رسول الله ﷺ وولدتُ عام أحد".
رواه أحمد (٢٣٧٩٩) فهو من مراسيل الصحابة وهي صحيحة، وقد صحّحه الحاكم، وصحّحه أيضًا الذهبي في السيرة (١/ ٧٦ - ٧٧).
وقوله: وكان بين بناء الكعبة وبين ما أنزل الله عليه ﷺ خمس سنين، هذا هو المشهور بين أهل السير والتواريخ.
٢٩ - باب كان النبي ﷺ على دين إبراهيم قبل البعثة
• عن زيد بن حارثة قال: طُفتُ مع النبي ﷺ ذات يوم، فلمست بعض الأصنام. فقال لي رسول الله ﷺ : "لا تمسها" فقلت: لأعودن حتى أبصِر ما يقول، ثم مسستها فقال: "ألم تُنه عن هذا؟ " قال: فوالذي أكرمه! وأنزل عليه الكتاب ما مس منها صنمًا، حتى أكرمه الله، وأنزل عليه الكتاب.
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٥/ ٨٨) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا أبو أسامة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد،
стр. 5060
عن أبيه، فذكره.
رواه أيضًا البزار - كشف الأستار (٢٧٥٥) وأبو يعلى (٧٢١٢) والنسائي في الكبرى (٨١٣٢) والحاكم (٣/ ٢١٦ - ٢١٧) كلهم من حديث أبي أسامة بإسناده منهم من أطال ومنهم من اقتصر كما ذكرت.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٢٦): رجاله رجال الصحيح.
قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو فإنه حسن الحديث.
• عن عروة قال: حدثني جار لخديجة بنت خويلد أنه سمع النبي ﷺ : يقول لخديجة: "أي خديجة! والله! لا أعبد اللات، والله! لا أعبد العزّى أبدًا" قال: فتقول خديجة: خلّ اللات خلّ العزّى.
قال: "كانت صنمهم التي كانوا يعبدون ثم يضطجعون"
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧٩٤٧) عن أبي أسامة حماد بن أسامة، حدثنا هشام - يعني ابن عروة - عن أبيه قال: فذكره.
وإسناده صحيح. والمخبِر هو صحابي ولا يضر إبهام اسمه.
وذكره الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٢٥) وقال: "رجاله رجال الصحيح".
والأظهر أن القصة وقعت قبل البعثة، لأن بعد البعثة كان أمر اللات والعرّى معروفًا.
• عن جبير بن مطعم قال: رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه، وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس، حتى يدفع معهم منها. توفيقًا من الله له.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٧٥٧) والطبراني في الكبير (٢/ ١٤٢ - ١٤٣) وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٥٧) والحاكم (١/ ٤٦٤) كلهم من طريق محمد ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن عمه، نافع ابن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
الحديث في نسخة سيرة ابن إسحاق المطبوعة من رواية أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق وزاد فيه: "وهو على دين قومه".
وهذه زيادة منكرة لم يذكرها أصحاب ابن إسحاق غير يونس بن بكير، ثم اختلف عليه أيضًا فلم يذكرها إلا أحمد بن عبد الجبار، ولم يذكرها أبو كريب عن يونس بن بكير، فلا نشتغل بتأويله بل يجب الإنكار عليه.
стр. 5061
وأحمد بن عبد الجبار العطاردي ضعيف لكن سماعه في السيرة صحيح، فلعله هذا مما أخطأ فيه حيث خالفه ثقة وهو أبو كريب.
قال حنبل بن إسحاق: "قلت لأبي عبد الله من زعم أن النبي ﷺ كان على دين قومه قبل أن يبعث؟ فقال: "هذا قول سوء ينبغي لصاحب هذه المقالة تحذّر كلامه، ولا يجالس" قلت له: "إن جارنا الناقد أبو العباس يقول هذه المقالة. فقال: "قاتله الله! أي شيء أبقى إذا زعم أن رسول الله ﷺ كان على دين قومه، وهم يعبدون الأصنام" اهـ. انظر: السنة للخلال (٢١٣).
• عن عائشة قالت: كانت قريش ومن يدين دينها وهم الحُمس يقفون عشية عرفة بالمزدلفة يقولون: نحن قطن البيت. وكان بقية الناس والعرب يقفون بعرفات فأنزل الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٩] فتقدموا فوقفوا مع الناس بعرفات.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٥٢٠) ومسلم في الحج (١٢١٩) كلاهما من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. وأخرجه البيهقي في "الدلائل: ٢/ ٣٦ واللفظ له.
فوفّق الله رسوله أن يقف في عرفات على رسم دين إبراهيم قبل أن يبعث.
و"الحُمس" جمع أحمس. وهو الشديد الصلب من الحماسة إنما سموا به لأنهم اشتدوا في دينهم حسب زعمهم. قال عروة: كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحُمس. والحُمس من قريش وما ولدتْ. وكانت الحُمس يحتبسون على الناس. يُعطي الرجلُ الرجلَ الثياب يطوف فيها، وتُعطي المرأةُ المرأةَ الثياب تطوف فيها.
فمن لم يُعْطه الحُمس طاف عريانًا. وكان يفيض جماعة الناس من عرفات. ويُفيض الحُمس من جمع (أي المزدلفة) ذكره البخاري (١٦٦٥) ومسلم (١٢١٩).
٣٠ - مِن آثار الحُمس في الجاهلية الطواف عريانًا
• عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول: من يعيرُني تِطوافًا؟ تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله. فما بدا منه فلا أحلّه فنزلت هذه الآية: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
صحيح: رواه مسلم في التفسير (٣٠٢٨) من طرق عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم بن البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
قال ابن إسحاق: وقد كان قريش - لا أدري قبل الفيل أم بعده - ابتدعت رأى الحُمس رأيًا رأوه وأرداوه، فقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة، وولاة البيت، وقطان مكة وسكانها، فليس لأحد
стр. 5062
من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظّمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا: قد عظّموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم. فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم ﵇ ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحُمس، والحُمس أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم، بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم.
وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك.
فكان لغير الحُمس أن لا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في لباس الحُمس، فإن لم يجدوا منها شيئًا طافوا بالبيت عراة، فكانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كلّه وما بدا منه فلا أحله.
قال ابن إسحاق: فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدًا ﷺ وأنزل عليه القرآن ردًا عليهم فيما ابتدعوه فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] أي جمهور العرب من عرفات. سيرة ابن هشام (١/ ١٩٩ - ٢٠ ٣).
٣١ - حجب الجن من علامات قرب بعثة النبي ﷺ -
قال ابن إسحاق: "وكانت الأحبار من يهود والرهبان من النصارى، والكهان من العرب، قد تحدثوا بأمر رسول الله ﷺ قبل مبعثه لما تقارب من زمانه. أما الأحبار من يهود والرهبان من النصارى، فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه. وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع إذ كانت هي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم. وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره لا تلقي العرب لذلك فيه بالا حتى بعثه الله تعالى، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها.
فلما تقارب أمر رسول الله ﷺ وحضر مبعثه حجبت الشياطين عن السمع وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر الله في العباد ﵎ لنبيه محمد ﷺ حين بعثه وهو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع فعرفوا ما عرفوا، وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا". اهـ.
• عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم على الرجل، فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استُقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني،
стр. 5063
قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها. قال عمر: صدق، بينما أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح! أمر نجيح، رجل فصيح. يقول: لا إله إلا أنت، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح! أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي.
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٦٦) عن يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب، قال: حدثني عمر، أن سالمًا حدثه عن عبد الله بن عمر، فذكره.
وعمر شيخ ابن وهب هو: عمر بن محمد بن زيد.
وقوله: مر به رجل جميل: هو سواد بن قارب السدوسي كما في رواية ابن أبي خيثمة وغيره من طريق أبي جعفر الباقر قال: دخل رجل يقال له: سواد بن قارب السدوسي على عمر فقال: يا سواد! أنشدك الله هل تحسن من كهانتك شيئًا؟ فذكر القصة. انظر" الفتح" (٧/ ١٧٩).
وقال ابن إسحاق: "وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدّث أن أول العرب فزع للرمي للنجوم حين رُمي بها. وهذا الحي من ثقيف. أنهم جاؤوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية أحد بني علاج. قال: وكان أدهى العرب وأنكرها رأيًا فقالوا له: يا عمرو! ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يُهتدى بها في البر والبحر، وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يُصلح الناس في معايشهم، هي التي يرمى بها فهو والله طي الدنيا. وهلاك هذا الخلق الذي فيها، وإن كان نجومًا غيرها، وهي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق فما هو؟ انتهى.
٣٢ - باب إنذار يهود المدينة برسول الله ﷺ قبل أن يبعث
• عن سلمة بن سلامة بن وقش، - وسلمة من أصحاب بدر - قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي ﷺ بيسير، فوقف على مجلس بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًّا، عليَّ بردة مضطجعًا فيه بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال: ذلك لقوم أهل شرك، أصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! ترى هذا كائنًا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، ويجزون فيها بأعمالهم؟ ! قال: نعم، والذي يحلف به لوَدَّ أن له
стр. 5064
بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمّونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا. قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنًّا، فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمرَه يدركه. قال سلمة: فوالله! ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله ﷺ وهي حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان! ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى وليس به.
حسن: رواه أحمد (١٥٨٤١) والطبراني في الكبير (٧/ ٤٧) والحاكم (٣/ ٤١٧ - ٤١٨) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٧٨) كلهم من طريق محمد بن إسحاق وهو في سيرة ابن هشام (١/ ٢١٢) قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل، عن سلمة بن سلامة بن وقش، فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرّح.
وسلمة بن سلامة بن وقش من أهل العقبة الأوى والثانية. وشهد بدرًا والمشاهد بعدها.
• عن ابن عمر قال: حاربت النضير وقريظة. فأجلى بني النضير وأقرّ قريظة ومنّ عليهم، حتى حاربت قريظة. فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا أن بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فآمنَهم وأسلموا. وأجلى يهود المدينة كلهم. بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلّام، ويهودَ بني حارثة، وكلَّ يهود المدينة.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٢٨) ومسلم في الجهاد (١٧٦٦) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
قوله: بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فآمنهم وأسلموا: كان منهم ثعلبة بن سعْية وأسيد بن سعْية وأسد بن عبيد ونفر من بني هَدْل إخوة بني قريظة.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال لي: هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد، نفر من بني هدل، إخوة بني قريظة، كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادتهم في الإسلام. قال: قلت: لا والله! قال: فإن رجلًا من يهود من أهل الشام، يقال له: ابن الهيّبان، قدم علينا قبيل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلًا قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اُخرج يا ابن الهيبان! فاستسق لنا، فيقول: لا والله! حتى تُقدّموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول
стр. 5065
له: كم؟ فيقول؟ صاعًا من تمر: أو مدّين من شعير. قال: فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرّتنا فيستسقي الله لنا. فوالله! ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونُسقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث. قال: ثم حضرته الوفاة عندنا. فلما عرف أنه ميّت، قال: يا معشر يهود! ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: إنك أعلم، قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكفُّ (أي أتوقّع) خروج نبي قد أظل زمانه، وهذه البلدة مهاجَره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلّكم زمانه، فلا تسبقُن إليه يا معشر يهود! فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعُكم ذلك منه. فلما بُعث رسول الله ﷺ وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية وكانوا شَبابًا أحداثًا: يا بني قريظة! والله! إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيّبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله! إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا، وأحْرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم.
قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أخبار يهود.
وقال ابن إسحاق: "وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمة الله تعالى وهداه لنا لما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به، وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] ومن طريق ابن إسحاق أخرجه البيهقي في الكبرى (٩/ ١١٤). انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢١١ - ٢١٤).
كان من سكان يثرب قبل الإسلام، العرب من الأوس والخزرج، الذين نزحوا من اليمن في فترات مختلفة قبل مئات السنين من مبعث النبي ﷺ .
وأما اليهود فليسوا من سكان يثرب، وإنما جاؤوا من بلاد الشام واليمن لما علموا زمن بعثة نبي آخر الزمان، - وكان ذلك قبل البعثة في حدود خمسين سنة - بحثًا عن النبي ﷺ يكون مهجره يثرب حسب ما وجدوا في كتبهم لينضموا تحت لواء ملكه لمحاربة أعدائهم من الرومان. ومن أشهر قبائلهم بنو النضير وبنو قريظة، وأما بنو قينقاع فيختلف فيه آراء المؤرخين فمنهم من يقول: إنهم عرب تهودوا، ولكن من المعروف أن اليهود ما كانوا يقبلون انضمام غير بني إسرائيل إلى اليهودية.
وقد عرف من تاريخ بني إسرائيل أنهم كانوا يؤثرون التجارة والزراعة على السياسة فقد تمكنوا عندما كانوا في مصر أن استولوا على أخصب الأراضي الزراعية، وكذلك تمكنوا أن استولوا على أخصب الأراضي في جنوب يثرب لكثرة الأودية والسيول. فكان من أشهر مساكنهم العوالي وقباء وما حولها، وكان بين اليهود والعرب سجال مستمر حتى بعث الله النبي ﷺ ، فتسابق كل من اليهود
стр. 5066
والعرب لمبايعته في بيعة العقبة الأولى والثانية، ثم تراجع اليهود عن مساندة هذا النبي الأمي الذي يدعو الناس جميعًا إلى دينه ليحافظوا على كيانهم اليهودي كما فعلوا مع عيسى ﵇ مع أنه كان من بني إسرائيل، ومع ذلك فإنهم تركوه وخذلوه؛ لأنه خالفهم في بعض طقوسهم ورسومهم إلى أن جاء بولس الرسول اليهودي وأعلن دخوله في دين المسيح، وفتح باب دخول غير اليهود في النصرانية وألغى الختان، وأحلّ لحم الخنزير فتنفس اليهود سعداء من تصرفاته. انظر للمزيد كتاب "اليهودية والمسيحية وأديان الهند".
٣٣ - باب بعثة النبي ﷺ في خير القرون
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "بُعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه".
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٥٥٧) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
٣٤ - باب تسليم الحجر على النبي ﷺ قبل أن يبعث
• عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يُسلّم عليّ قبل أن أبعث. إني لأعرفه الآن".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٢٧٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم بن طهمان، حدثني سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة فذكره.
وأما ما رُوي عن علي بن أبي طالب قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: "السلام عليك يا رسول الله! ". فهو ضعيف.
رواه الترمذي (٣٦٢٦) عن عبّاد بن يعقوب الكوفي، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن السدي، عن عبّاد بن أبي يزيد، عن علي بن أبي طالب فذكر مثله.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب" أي ضعيف.
لأن فيه عباد بن أبي يزيد مجهول، والوليد بن أبي ثور ضعيف كيا في التقريب. وله أسانيد أخرى، وكلها ضعيفة. انظر "مجمع البحرين" (٣٥١٩)
стр. 5067
جموع ما جاء في بعثة النبي ﷺ وحياته في مكة
١ - باب تعبد النبي ﷺ في غار حراء على دين إبراهيم ﵇
• عن عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد! كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوة حين جاءه جبريل ﵇؟ قال: فقال: عبيد - وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس: - كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كل سنة شهرًا، وكان ذلك مما تحنّث به قريش في الجاهلية. والتحنث: التبرّر.
وقال عبيد: فكان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يعظم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله ﷺ جواره من شهره ذلك كان أول ما بدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته. فيطوف بها سبعًا أو ما شاء الله من ذلك. ثم يرجع إلى بيته.
حسن: رواه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٢٣٥) قال: حدثني وهب بن كيسان، مولى آل الزبير، قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي، فذكره.
وعبيد بن عمير من كبار التابعين، وقيل: ولد في عهد النبي ﷺ .
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وكان النبي ﷺ قبل أن يُنزل عليه الوحي على دين إبراهيم لا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح لغير الله، ومن قال: إنه كان على دين عيسى ﵇ لأنه آخر أنبياء بني إسرائيل وليس بينه وبين النبي ﷺ نبي آخر فقد أخطأ، لأن عيسى ﵇ جاء ليجدد دين موسى ﵇ الذي كان خالصًا لبني إسرائيل.
وقد ثبت أن زيد بن عمرو بن نُفيل كان على دين إبراهيم ﵇ قبل أن يُبعث النبي ﷺ .
٢ - باب كان زيد بن عمرو بن نفيل على دين إبراهيم ﵇
• عن ابن عمر - أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلّى أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفرّ إلا من
стр. 5068
غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا وأنّي أستطيعه؟ فهل تدلّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفرّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا، وأنّى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم ﵇ خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم! إني أَشهد أني على دين إبراهيم.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٨٢٧) قال: قال موسى: حدثني سالم بن عبد الله، ولا أعلمه إلا تُحدث به عن ابن عمر، فذكره.
قلت: وإسناده معطوف على ما قبله وهو: عن محمد بن أبي بكر، حدثنا فُضيل بن سليمان، حدثنا موسى، فذكره.
وكان يسجد لله تعالى على راحلته ومات قبل مبعث النبي ﷺ بخمس سنين على الراجح الصحيح، ومن قال: إن له صحبة فقد وهم، وكان ينتظر أن يظهر النبي ﷺ من ولد إسماعيل فيصدقه ويؤمن به.
• عن عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، قبل أن يُنزل على النبي ﷺ الوحي، فقُدِّمت إلى النبي ﷺ -سُفرَةٌ، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما يذكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٨٢٦) عن محمد بن أبي بكر، حدثنا فُضيل بن سليمان، حدثنا موسى، حدثنا سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، فذكره.
وقد روي: "أنه يوم القيامة أمة وحده". أي زيد بن عمرو بن نفيل.
رواه نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي - عدي قريش - عن أبيه، عن جده، أن زيد بن عمرو، وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال لزيد بن عمرو: من أين أقبلت يا صاحب البعير؟ قال: من بيت إبراهيم. قال: وما تلتمس؟ قال: ألتمس الدين. قال: ارجع، فإنه يوشك أن يظهر الذي تطلب في أرضك. فأما ورقة فتنصّر.
стр. 5069
قال زيد: وأما أنا فعرضت عليّ النصرانية، فلم يوافقني. فرجع وهو يقول:
لبيك حقَّا حقًّا ... تعبُّدًا ورِقًّا
البرَ أبغي لا الخالْ ... وهل مُهّجِّر، كمن قال
آمنت بما آمن به إبراهيم، وهو يقول:
أنفي لك اللهم عانٍ راغمُ ... مهمَا تُجشّمني فإني جاشم
ثم يخرّ فيسجد. قال: وجاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أبي كان كما رأيت وكما بلغك، فاستغفر له. قال: "نعم فإنه يوم القيامة أمة وحده".
رواه أبو داود الطيالسي (٢٣١)، وأحمد (١٦٤٨)، والحاكم (٣/ ٤٣٩)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٢٣ - ١٢٤) كلهم من طريق المسعودي، عن نُفيل بن هشام، فذكره.
والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله مختلط، ونفيل وأبوه هشام مجهولان.
٣ - باب فلما بلغ النبي ﷺ أربعين سنة اصطفاه الله للنبوة والرسالة
• عن ابن عباس قال: بُعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة، ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٩٠٢) عن مطر بن الفضل، حدثنا روح، حدثنا هشام (وهو ابن حسان) حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، فذكره وكذلك رواه البخاري أيضًا (٣٨٥١) من حديث النضر بن شميل، عن هشام، فذكره.
ورواه أحمد (٢١١٠) عن يزيد بن هارون وغندر كلاهما عن هشام به مثله.
وخالفهم يحيى بن سعيد القطان فرواه عن هشام بن حسان فقال: "أنزل الله على النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرًا وبالمدينة عشرًا وقبض وهو ابن ثلاث وستين سنة. رواه الإمام أحمد (٢٠١٧).
قال الحافظ ابن حجر وغيره: "والأول أصح وأنه موافق لقول الجمهور.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩].
وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال ابن مسعود: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته.
стр. 5070
رواه أحمد (٣٦٠٠) والطبراني في الكبير (٨٥٨٢) والبزار - كشف الأستار (١٣٠) كلهم من طريق أبي بكر بن عياش، حدثنا عاصم، عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم وهو ابن أبي النجود فإنه حسن الحديث قال الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٧): "رجاله موثوقون".
وللحديث أسانيد أخرى، والذي ذكرتها أصحها. انظر هذه الأسانيد في علل الدارقطني (٥/ ٦٧ - ٦٦) وقد رُوي مرفوعًا ولا يصح.
٤ - باب ما جاء في تأييد رسالته ﷺ -
قال الله تعالى حاكيًا عن عيسى ابن مريم: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦].
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ [الرعد: ٤٣].
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وللبشارات الواردة في التوراة والإنجيل وكتب الهندوس يراجع كتابي "دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند".
٥ - باب أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة
• عن عائشة أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ... الحديث بطوله.
متفق عليه: رواه البخاري في الوحي (٣) ومسلم في الإيمان (٦٠) كلاهما من حديث ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين فذكرته في حديث طويل وهو الآتي.
٦ - باب أول وحي جاء والنبي ﷺ في غار حراء
• عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، (وهو التعبد) الليالي أولات العدد قبل أن
стр. 5071
يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال "ما أنا بقارئ" قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: "ما أنا بقارئ" قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ" فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣] فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: "زملوني زملوني" فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: "أي خديجة ما لي! " وأخبرها الخبر، قال: "لقد خشيتُ على نفسي" فقالت له خديجة: "كلا، أبشر! فوالله! لا يخزيك الله أبدًا، والله! إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها. وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم! اسمع من ابن أخيك. قال له ورقة بن نوفل: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رآه. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ﵇، يا ليتني فيها جذعًا، يا ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك، قال رسول الله ﷺ : "أومخرجي هم؟ " قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الوحي (٣) ومسلم في الإيمان (١٦٠) كلاهما من حديث ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أنها قالت: فذكرته واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
وكان ذلك في نهار يوم الاثنين من شهر رمضان.
• عن يحيى بن كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل الذي قلت فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هَبِطتُ، فنوديتُ، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر
стр. 5072
شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصبوا عليَّ ماءً باردًا، قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣].
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٢٢) ومسلم في الإيمان (١٦٠ - ٢٥٧) كلاهما من حديث يحيى بن أبي كثير فذكره.
وقوله: "أول ما نزل من القرآن": يقصد به بعد فترة انقطاع الوحي - كما جاء التصريح به في الحديث الآتي. وأما كيفية نزول الوحي فانظر كتاب الوحي.
٧ - باب ما جاء في ذكر فترة انقطاع الوحي
• عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه رعبًا فرجعت فقلت: زمّلوني زملوني، فدثروني فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قبل أن تفرض الصلاة - وهي الأوثان - ثم حمي الوحي وتتابع".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٢٥) ومسلم في الإيمان (١٦١) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره.
واختلف أهل العلم في مدة فترة انقطاع الوحي. وسبق ذكره في كتاب الوحي.
وأما ما ذكره البخاري (٦٩٨٢): وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بِذروة جبل لكي يُلقي منه نفسه تبدّى له جبريل" فهو ضعيف، وهي من بلاغات الزهري. وأهل العلم متفقون على أن بلاغات الزهري واهية، وقد سبق التنبيه عليه في كتاب الوحي فلا يجوز عزوه إلى البخاري بدون بيان؛ لأنه ليس على شرطه وإنما ذكره بلاغًا.
٨ - انقطاع الوحي مرة أخرى
• عن جندب بن عبد الله بن سفيان قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد! إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قَرِبَك منذ ليلتين أو ثلاثًا. فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣].
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٥٠) ومسلم في الجهاد (١٧٩٧: ١١٤) كلاهما من
стр. 5073
حديث زهير، حدثنا الأسود بن قيس قال: سمعت جندب بن عبد الله بن سفيان يقول: فذكره.
وفي رواية عندهما - البخاري (١١٢٥) ومسلم (١٧٩٧: ١١٤) - من حديث سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن جندب قال: احتبس جبريل على رسول الله ﷺ فقالت امرأة من قريش - هكذا عند البخاري.
وفي مسلم: فقال المشركون: قد وُدّع محمد فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١] والمرأة هذه هي: أم جميل امرأة أبي لهب.
وقوله: فقال المشركون - وتكون أم جميل من هؤلاء المشركين، فلا منافاة بين الروايتين. وما قيل: إن القائلة هي خديجة زوج النبي ﷺ فهو ليس بصحيح.
وقول ابن إسحاق يُوحي أن سورة الضحى نزلت في انقطاع الوحي في الفترة الأولى. والصحيح كما ذكرت. انظر ابن هشام (١/ ٢٤١).
٩ - باب جمع القرآن في صدر النبي ﷺ -
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قال: كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه. قال سعيد بن جبير: فقال لي ابن عباس: أنا أحركها كما كان النبي ﷺ يحركها. فقال سعيد: أنا أحركها كما كان ابن عباس يحركها. فحرّك شفتيه فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. قال: جمعه في صدرك، ثم تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] قال: فاستمع وأنصت. ثم إن علينا أن تقرأه. فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما أقرأه.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٤٨: ١٤٨) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن موسى ابن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وفي سورة طه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] أي بل أنصت. فإذا فرغ الملك من قراءته فاقرأه بعده. ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
قال ابن عيينة: لم يزل في زيادة من العلم حتى توفاه الله.
١٠ - باب أكثر ما كان الوحي عند وفاته ﷺ -
• عن أنس بن مالك أن الله تعالى تابع على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى توفاه الله أكثر ما كان الوحي، ثم توفي ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (٤٩٨٢) ومسلم في أول التفسير (٣٠١٦) كلاهما
стр. 5074
عن عمرو بن محمد الناقد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك، فذكره.
واللفظ للبخاري. وفي لفظ مسلم: "وأكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله ﷺ "ومعناه زمان وفاته لا يوم وفاته بالتحديد.
١١ - باب ما جاء في الدعوة السرية
بعد فترة الوحي نزل قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢].
أي اترك الخلود إلى الراحة، وشمر عن ساق العزم وأنذر الناس، فإن زمان المضجع بين الزوجة والأولاد قد تولى.
قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالًا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، ويحدث به، ثم إن الله أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاء منه، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستتر به إلى أن أمره تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين فيما بلغني من مبعثه. سيرة ابن هشام. (١/ ٢٦٢).
وفي هذه الفترة كان أصحاب النبي ﷺ إذا صلوا ذهبوا في الشعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول ﷺ في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلًا من المشركين بلحى بعير فشجّه. فكان أول دم أهريق في الإسلام.
انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٣).
١٢ - باب ما جاء في الدعوة الجهرية
فلما نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
قال ابن إسحاق: "ثم دخل الناس في الإسلام أرسالًا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر سلام بمكة، وتُحدث به. ثم إن الله أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه، ثم قال الله تعالى له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
وقوله: اصدع - يعني افرق بين الحق والباطل.
انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٢).
• عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
стр. 5075
ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف "يا صباحاه" فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فقال: "يا بني فلان! يا بني فلان! يا بني فلان! يا بني عبد مناف! يا بني عبد المطلب! " فاجتمعوا إليه فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذه! الجبل أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
قال: فقال أبو لهب: تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قال: فنزلت هذه السورة: [تبت يدا أبي لهب وقد تب] سورة المسد. كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٧١) ومسلم في الإيمان (٢٠٨) كلاهما من حديث أبي أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا. يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فاطمة بنت رسول الله! سليني من مالي بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٥٣) ومسلم في الإيمان (٢٠٦) كلاهما من حديث الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دعا رسول الله ﷺ قريشًا، فاجتمعوا، فعم وخصّ فقال: "يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار. فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلّها ببلالها".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٤) من طريق عن جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عائشة قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قام رسول الله ﷺ على الصفا فقال: "يا فاطمة بنت محمد! يا صفية بنت عبد المطلب! يا بني عبد المطلب! لا أملك لكم من الله شيئًا. سلوني من مالي ما شئتم".
стр. 5076
صحيح، رواه مسلم في الإيمان (٢٠٥) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
• عن قبيصة بن المخارق، وزهير بن عمرو قالا: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: انطلق نبي الله ﷺ إلى رضمة من جبل. فعلا أعلاها حجرًا ثم نادى: "يا بني عبد منافاه! إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله. فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف: يا صباحاه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٧) عن أبي كامل الجحدري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا التميمي، عن أبي عثمان، عن قبيصة بن المخارق وزهير بن مالك بن عمرو قالا: فذكر الحديث.
١٣ - باب أوائل من أسلم بمكة
• عن عبد الله بن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدْراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانتْ عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكة. وهو يقول: أحد أحد.
حسن: رواه ابن ماجه (١٥٠) وأحمد (٣٨٣٢) وصحّحه ابن حبان (٧٠٨٣) والحاكم (٣/ ٢٨٣) كلهم من طريق زائدة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم، فإنه حسن الحديث.
وقد روي مرسلا من قول مجاهد.
وقوله: واتاهم على ما أرادوا - أي من ترك إظهار الإسلام. إلا بلال فإنه استمر على إظهاره.
• عن عمار يقول: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر. صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٦٦٠) عن أحمد بن أبي الطيب، حدثنا إسماعيل بن مجالد، حدثنا بيان بن بشْر، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن همام، قال: سمعت عمارًا يقول: فذكره.
وخمسة أعبد هم: بلال، وزيد بن حارثة، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وأبو فكيهة مولى أبي بكر أيضًا، وشقران، وقيل الخامس: هو عمار بن ياسر.
وأما المرأتان: فهما خديجة زوج النبي ﷺ ، وأم أيمن حاضنة النبي ﷺ ، وقيل: سمية أم عمار بن ياسر، فإنها أول امرأة استشهدت في الإسلام، طعنها أبو جهل في قبلها بحربة فماتت. الفتح (٧/ ٢٤).
• عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام.
стр. 5077
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٢٦) عن مكي بن إبراهيم، حدثنا هشام بن هاشم، عن عامر بن سعد، عن أبيه، فذكره.
• عن سعد بن أبي وقاص يقول: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام.
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٢٧) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. قال سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: فذكره.
تابعه أبو أسامة، حدثنا هاشم.
قلت: أخرجه المؤلف في مناقب الصحابة (٣٨٥٨) عن إسحاق، حدثنا أبو أسامة بإسناده مثله.
وقوله: ثلث الإسلام: يعني أنه الثالث بعد أبي بكر وخديجة.
ولكن يخالف هذا حديث عمار. فلعله لم يعلم سعد بن أبي وقاص أنه أسلم غيره أيضًا إخفاء إسلام هؤلاء.
• عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن. قال: حلفتْ أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه. ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمتْ أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا
قال: مكثت ثلاثا حتى غُشي عليها من الجهد. فقام ابن لها يقال لها عُمارة. فسقاها. فجعلتْ تدعو على سعد. فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ وفيها ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (١٧٤٨: ٦٢٣٨) من طرق عن الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا سماك بن حرب، حدثني مصعب بن سعد، فذكره في حديث طويل وهو مذكور في موضعه.
• عن عمرو بن عبسة السُّلمي قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة. وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه. فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا، جرءاء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة. فقلت له: ما أنت؟ قال: "أنا نبي" فقلت: وما نبي؟ قال: "أرسلني الله" فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: "أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحّد الله لا يشرك به شيء" قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: "حر وعبد" (قال ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فقلت: إني
стр. 5078
متبعك. قال: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا. ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك. فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني" قال: فذهبت إلى أهلي. وقدم رسول الله ﷺ المدينة. وكنت في أهلي. فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة. حتى قدم عليّ نفر من أهل يثْرب من أهل المدينة. فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع. وقد أراد قومه قتْله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة فدخلت عليه. فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال: "نعم أنت الذي لقيتني بمكة" قال: فقلت: بلى .... ".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣٢) عن أحمد بن جعفر المنقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبَسَة، فذكره. في حديث أطول منه. انظر كتاب الوضوء - ثواب الوضوء.
وعمرو بن عبسة أبو نجيح من بني سُليم، ويقال: إنه أخو أبي ذر لأمه. أسلم قديمًا بمكة ثم رجع إلى بلاده. وقد روي أنه اعتزل عبادة الأوثان قبل أن يسلم، وقال: رأيت أنها لا تضر ولا تنفع. فلقيت رجلا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدين، فقال: يخرج رجل من مكة، يرغب عن آلهة قومه. ويدعو إلى غيرها. وهو يأتي بأفضل الدين. فإذا سمعته فاتبعه. فلم يكن لي همة إلا مكة، إلى أن لقيت راكبًا فأخبر بخروج النبي ﷺ .
وجاء إلى المدينة بعد خيبر، واستوطن الشام وروى عنه كبار التابعين بالشام منهم: شرحبيل بن السمط، وسليم بن عامر، وضمرة بن حبيب وغيرهم. انظر للمزيد: "الاستيعاب".
• عن أبي حمزة - رجل من الأنصار - قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم علي. قال عمرو بن مرة: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فأنكره. وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديق.
حسن: رواه الترمذي (٣٧٣٥) وأحمد (١٩٢٨١) والنسائي في الكبرى (٨٠٨١) كلهم من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة فذكره واللفظ للترمذي.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح. وأبو حمزة اسمه طلحة بت يزيد".
قلت: إسناده حسن من أجل أبي حمزة فإنه حسن الحديث، انظر حديث الحوض في كتاب الإيمان.
• عن ابن عباس قال: أول من صلى علي.
حسن: رواه الترمذي (٣٧٣٤) والطيالسي (٢٨٧٥) وعنه أحمد (٣٥٤٢) كلهم من حديث أبي بلْج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس فذكره.
واللفظ للترمذي. ولفظ أبي داود الطيالسي: أولما من صلى مع النبي ﷺ بعد خديجة علي.
стр. 5079
وقال مرة: أسلم.
وأبو بلْج اسمه: يحيى بن أبي سليم.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه".
قلت: إسناده حسن من أجل أبي بلْج فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يكن في متنه نكارة. وهذا مما لم ينفرد به.
قال الترمذي: "اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: أول من أسلم أبو بكر الصديق، وقال بعضهم: أول من أسلم علي، وقال بعض أهل العلم: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، وأسلم علي وهو غلام ابن ثمان سنين. وأول من أسلم من النساء: خديجة" انتهى.
١٤ - طلب قريش من أبي طالب منع ابن أخيه من سب آلهتهم وبيان عزم رسول الله ﷺ لإظهار دين الله
قال ابن إسحاق: "ومشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب وسماهم: منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان، وأبو جهل وغيرهم، فقالوا: يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإما أن تكفّه عنا، وإما أن تخلّي بيننا وبينه. فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيه. فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا، وردهم ردًا جميلًا فانصرفوا عنه. ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه. ثم جاؤوا مرة أخرى إلى أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب! إن لك سنًا وشرفًا ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنْهه عنّا، وإنا والله! لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا له: ثم انصرفوا، فعظم على أبي طالب فراق قومه، وعداوتهم، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله ﷺ لهم، ولا خذلانه. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
• عن عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا. فقال: يا عقيل! ائتني بمحمد، فذهبت فأتيته به، فقال: يا ابن أخي! إن بني عمك يزعمون أنك تؤذيهم في ناديهم، وفي مسجدهم، فانته عن ذلك.
قال: فحلّق رسول الله ﷺ بصره إلى السماء فقال: "أترون هذه الشمس؟ " قالوا: نعم، قال: "ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تستشعلوا لي منها شعلة" قال: فقال أبو طالب: ما كذبنا ابنُ أخي، فارجعوا.
حسن: رواه أبو يعلى (٦٨٠٤) والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٨٦ - ١٨٧) كلاهما من حديث يونس
стр. 5080
ابن بكير، حدثنا طلحة بن يحيى، عن موسى بن طلحة، حدثنا عقيل بن أبي طالب، فذكره.
وإسناده حسن من أجل طلحة بن يحيى وهو التميمي المدني مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وروي بمعناه، يقول ﷺ : "يا عم! والله! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته".
رواه ابن إسحاق قال: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدّث: أن قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: يا ابن أخي! إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا - للذي قالوا له - فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق. قال: فظنّ رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذِلُه ومسلِمُه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال له رسول الله ﷺ : "يا عم! والله! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته" قال: ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى ثم قام، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي! فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: اذهب يا ابن أخي! فقل ما أحببت، فوالله! لا أسلمك لشيء أبدًا. انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٦).
ويعقوب بن عتبة بن المغيرة مات سنة ثمان وعشرين ومائة وهو من أتباع التابعين ففي إسناده إعضال.
١٥ - باب مطالبة أهل مكة بالآيات لإثبات نبوته ﵇
• عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية. فأراهم انشقاق القمر.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦٣٧) ومسلم في كتاب صفات المنافقين (٢٨٠٢) كلاهما من حديث يونس، حدثنا شيبان، عن قتادة، عن أنس فذكره. وثبت أيضًا بحديث ابن عباس وابن مسعود. انظر: المعجزات.
وفي صحيح البخاري (٢٨٦٦) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية. فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما.
• عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ فصار فرقتين فقال لنا: "اشهدوا اشهدوا".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٦٥) ومسلم في صفات المنافقين (٢٨٠٠) كلاهما من حديث سفيان، أخبرنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
وفي رواية عندهما قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذا انفلق القمر فلقتين. فكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا".
следующие страницы →