Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
صحيح، رواه مسلم في الإيمان (٢٠٥) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
• عن قبيصة بن المخارق، وزهير بن عمرو قالا: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: انطلق نبي الله ﷺ إلى رضمة من جبل. فعلا أعلاها حجرًا ثم نادى: "يا بني عبد منافاه! إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله. فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف: يا صباحاه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٧) عن أبي كامل الجحدري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا التميمي، عن أبي عثمان، عن قبيصة بن المخارق وزهير بن مالك بن عمرو قالا: فذكر الحديث.
١٣ - باب أوائل من أسلم بمكة
• عن عبد الله بن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدْراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانتْ عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكة. وهو يقول: أحد أحد.
حسن: رواه ابن ماجه (١٥٠) وأحمد (٣٨٣٢) وصحّحه ابن حبان (٧٠٨٣) والحاكم (٣/ ٢٨٣) كلهم من طريق زائدة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم، فإنه حسن الحديث.
وقد روي مرسلا من قول مجاهد.
وقوله: واتاهم على ما أرادوا - أي من ترك إظهار الإسلام. إلا بلال فإنه استمر على إظهاره.
• عن عمار يقول: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر. صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٦٦٠) عن أحمد بن أبي الطيب، حدثنا إسماعيل بن مجالد، حدثنا بيان بن بشْر، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن همام، قال: سمعت عمارًا يقول: فذكره.
وخمسة أعبد هم: بلال، وزيد بن حارثة، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وأبو فكيهة مولى أبي بكر أيضًا، وشقران، وقيل الخامس: هو عمار بن ياسر.
وأما المرأتان: فهما خديجة زوج النبي ﷺ ، وأم أيمن حاضنة النبي ﷺ ، وقيل: سمية أم عمار بن ياسر، فإنها أول امرأة استشهدت في الإسلام، طعنها أبو جهل في قبلها بحربة فماتت. الفتح (٧/ ٢٤).
• عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام.
стр. 5077
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٢٦) عن مكي بن إبراهيم، حدثنا هشام بن هاشم، عن عامر بن سعد، عن أبيه، فذكره.
• عن سعد بن أبي وقاص يقول: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام.
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٢٧) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، حدثنا هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. قال سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: فذكره.
تابعه أبو أسامة، حدثنا هاشم.
قلت: أخرجه المؤلف في مناقب الصحابة (٣٨٥٨) عن إسحاق، حدثنا أبو أسامة بإسناده مثله.
وقوله: ثلث الإسلام: يعني أنه الثالث بعد أبي بكر وخديجة.
ولكن يخالف هذا حديث عمار. فلعله لم يعلم سعد بن أبي وقاص أنه أسلم غيره أيضًا إخفاء إسلام هؤلاء.
• عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن. قال: حلفتْ أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه. ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمتْ أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا
قال: مكثت ثلاثا حتى غُشي عليها من الجهد. فقام ابن لها يقال لها عُمارة. فسقاها. فجعلتْ تدعو على سعد. فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ وفيها ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (١٧٤٨: ٦٢٣٨) من طرق عن الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا سماك بن حرب، حدثني مصعب بن سعد، فذكره في حديث طويل وهو مذكور في موضعه.
• عن عمرو بن عبسة السُّلمي قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة. وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه. فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا، جرءاء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة. فقلت له: ما أنت؟ قال: "أنا نبي" فقلت: وما نبي؟ قال: "أرسلني الله" فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: "أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحّد الله لا يشرك به شيء" قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: "حر وعبد" (قال ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به) فقلت: إني
стр. 5078
متبعك. قال: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا. ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك. فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني" قال: فذهبت إلى أهلي. وقدم رسول الله ﷺ المدينة. وكنت في أهلي. فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة. حتى قدم عليّ نفر من أهل يثْرب من أهل المدينة. فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع. وقد أراد قومه قتْله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة فدخلت عليه. فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال: "نعم أنت الذي لقيتني بمكة" قال: فقلت: بلى .... ".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٣٢) عن أحمد بن جعفر المنقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبَسَة، فذكره. في حديث أطول منه. انظر كتاب الوضوء - ثواب الوضوء.
وعمرو بن عبسة أبو نجيح من بني سُليم، ويقال: إنه أخو أبي ذر لأمه. أسلم قديمًا بمكة ثم رجع إلى بلاده. وقد روي أنه اعتزل عبادة الأوثان قبل أن يسلم، وقال: رأيت أنها لا تضر ولا تنفع. فلقيت رجلا من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدين، فقال: يخرج رجل من مكة، يرغب عن آلهة قومه. ويدعو إلى غيرها. وهو يأتي بأفضل الدين. فإذا سمعته فاتبعه. فلم يكن لي همة إلا مكة، إلى أن لقيت راكبًا فأخبر بخروج النبي ﷺ .
وجاء إلى المدينة بعد خيبر، واستوطن الشام وروى عنه كبار التابعين بالشام منهم: شرحبيل بن السمط، وسليم بن عامر، وضمرة بن حبيب وغيرهم. انظر للمزيد: "الاستيعاب".
• عن أبي حمزة - رجل من الأنصار - قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم علي. قال عمرو بن مرة: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فأنكره. وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديق.
حسن: رواه الترمذي (٣٧٣٥) وأحمد (١٩٢٨١) والنسائي في الكبرى (٨٠٨١) كلهم من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة فذكره واللفظ للترمذي.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح. وأبو حمزة اسمه طلحة بت يزيد".
قلت: إسناده حسن من أجل أبي حمزة فإنه حسن الحديث، انظر حديث الحوض في كتاب الإيمان.
• عن ابن عباس قال: أول من صلى علي.
حسن: رواه الترمذي (٣٧٣٤) والطيالسي (٢٨٧٥) وعنه أحمد (٣٥٤٢) كلهم من حديث أبي بلْج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس فذكره.
واللفظ للترمذي. ولفظ أبي داود الطيالسي: أولما من صلى مع النبي ﷺ بعد خديجة علي.
стр. 5079
وقال مرة: أسلم.
وأبو بلْج اسمه: يحيى بن أبي سليم.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه".
قلت: إسناده حسن من أجل أبي بلْج فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يكن في متنه نكارة. وهذا مما لم ينفرد به.
قال الترمذي: "اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: أول من أسلم أبو بكر الصديق، وقال بعضهم: أول من أسلم علي، وقال بعض أهل العلم: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، وأسلم علي وهو غلام ابن ثمان سنين. وأول من أسلم من النساء: خديجة" انتهى.
١٤ - طلب قريش من أبي طالب منع ابن أخيه من سب آلهتهم وبيان عزم رسول الله ﷺ لإظهار دين الله
قال ابن إسحاق: "ومشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب وسماهم: منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان، وأبو جهل وغيرهم، فقالوا: يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإما أن تكفّه عنا، وإما أن تخلّي بيننا وبينه. فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيه. فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا، وردهم ردًا جميلًا فانصرفوا عنه. ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه. ثم جاؤوا مرة أخرى إلى أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب! إن لك سنًا وشرفًا ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنْهه عنّا، وإنا والله! لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا له: ثم انصرفوا، فعظم على أبي طالب فراق قومه، وعداوتهم، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله ﷺ لهم، ولا خذلانه. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
• عن عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا. فقال: يا عقيل! ائتني بمحمد، فذهبت فأتيته به، فقال: يا ابن أخي! إن بني عمك يزعمون أنك تؤذيهم في ناديهم، وفي مسجدهم، فانته عن ذلك.
قال: فحلّق رسول الله ﷺ بصره إلى السماء فقال: "أترون هذه الشمس؟ " قالوا: نعم، قال: "ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تستشعلوا لي منها شعلة" قال: فقال أبو طالب: ما كذبنا ابنُ أخي، فارجعوا.
حسن: رواه أبو يعلى (٦٨٠٤) والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٨٦ - ١٨٧) كلاهما من حديث يونس
стр. 5080
ابن بكير، حدثنا طلحة بن يحيى، عن موسى بن طلحة، حدثنا عقيل بن أبي طالب، فذكره.
وإسناده حسن من أجل طلحة بن يحيى وهو التميمي المدني مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وروي بمعناه، يقول ﷺ : "يا عم! والله! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته".
رواه ابن إسحاق قال: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدّث: أن قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: يا ابن أخي! إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا - للذي قالوا له - فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق. قال: فظنّ رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذِلُه ومسلِمُه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال له رسول الله ﷺ : "يا عم! والله! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته" قال: ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى ثم قام، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي! فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: اذهب يا ابن أخي! فقل ما أحببت، فوالله! لا أسلمك لشيء أبدًا. انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٦).
ويعقوب بن عتبة بن المغيرة مات سنة ثمان وعشرين ومائة وهو من أتباع التابعين ففي إسناده إعضال.
١٥ - باب مطالبة أهل مكة بالآيات لإثبات نبوته ﵇
• عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية. فأراهم انشقاق القمر.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦٣٧) ومسلم في كتاب صفات المنافقين (٢٨٠٢) كلاهما من حديث يونس، حدثنا شيبان، عن قتادة، عن أنس فذكره. وثبت أيضًا بحديث ابن عباس وابن مسعود. انظر: المعجزات.
وفي صحيح البخاري (٢٨٦٦) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية. فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما.
• عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ فصار فرقتين فقال لنا: "اشهدوا اشهدوا".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٦٥) ومسلم في صفات المنافقين (٢٨٠٠) كلاهما من حديث سفيان، أخبرنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
وفي رواية عندهما قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذا انفلق القمر فلقتين. فكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا".
стр. 5081
وفي مسند الإمام أحمد (٣٩٢٤) عن مؤمل، عن إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم الأسود، عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيتُ الجبل مِن بين فرجتي القمر.
ومؤمل هو ابن إسماعيل سيء الحفظ إلا أنه توبع، رواه الحاكم (٢/ ٤٧١) من حديث سعيد بن سابق، عن إسرائيل به وصحّحه.
وفي الباب أحاديث أخرى انظر: كتاب المعجزات والتفسير.
• عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينَحّي الجبال عنهم، فيزرعوا. فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا. فإن كفروا أهلكوا كما أهلكتْ من قبلهم. قال: "لا، بل أستأني بهم" فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩].
صحيح: رواه أحمد (٢٣٣٣) والبزار - كشف الأستار (٢٢٢٥) والحاكم (٢/ ٣٦٢) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٧١) كلهم من حديث جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩].
أي نرسل بالآيات التي سألوها خوفًا من أن لا يؤمنوا بعد الآيات. وقد جرت سنة الله تعالى أن من لم يؤمن بعد الآيات فإنه يعذبهم عذابًا شديدًا كما قال حاكيًا عن طلب حواري المسيح المائدة من السماء: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] وكذلك قال حاكيًا عن ثمود حين سألوا الآية: ناقة تخرج من صخرة عيّنوها. فدعا صالح ربه، فأخرج منها ناقة على ما سألوا: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي كفروا بالله الذي خلقها. فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] فاختار النبي ﷺ رحمة بهم أن يستأني.
• عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: "وتفعلون؟ " قالوا: نعم، قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذّبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة، قال: "بل باب التوبة والرحمة".
صحيح: الإمام أحمد (٣٢٢٣، ٢١٦٦) والبزار - كشف الأستار (٢٢٢٤) والطبراني في الكبير (١٢٧٣٦) والحاكم (١/ ٥٣) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٧٢) كلهم من طريق سفيان الثوري،
стр. 5082
عن سلمة بن كُهيل، عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الحاكم: هذا حديث محفوظ من حديث الثوري، عن سلمة بن كهيل، وعمران بن الحكم السلمي تابعي كبير محتج به. وإنما أهملا هذا الحديث - والله أعلم - الخلاف وقع من يحيى بن سلمة بن كهيل في إسناده، ويحيى كثير الوهم على أبيه.
ثم ساقه من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن عمران بن الجعد، عن ابن عباس فذكر نحوه وقال: هذا الوهم لا يوهن حديث الثوري. فإني لا أعرف عمران بن الجعد في التابعين. وإنما روى إسماعيل بن أبي خالد، عن عمران بن أبي الجعد، وأما عمران بن أبي الجعد فإنه من أتباع التابعين. انتهى.
وفي الباب ما رُوي عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ أنه قال: "عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا. قلت: لا يا رب ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا - أو قال ثلاثًا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك.
رواه الترمذي (٢٣٤٧) وأحمد (٢٢١٩٠) كلاهما من حديث عبد الله بن المبارك - (وهو في زهده (١٩٦ - ما زاد نعيم بن حماد على المروزي) عن يحيى بن أيوب، حدثنا عبيد الله بن زحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل عبيد الله بن زحر وشيخه علي بن يزيد الألهاني فإنهما ضعيفان باتفاق أهل العلم. فلا يقبل قول الترمذي: "هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث".
١٦ - باب ما لقي رسول الله ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة من الأذى
• عن عبد الله بن مسعود قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فجاء به، فنظر حتى إذا سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئًا، لو كانت لي منعة! قال: فجعلوا يضحكون، ويحيل بعضهم على بعض. ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه ثم قال: "اللهم! عليك بقريش" ثلاث مرات. فشق عليهم إذا دعا عليهم قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة. ثم سمى: "اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط" وعدّ السابع فلم نحفظه. قال: فوالذي نفسي بيده! لقد رأيت الذي عدّ رسول الله ﷺ صرعى في القليب، قليب بدر.
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (٢٤٠) ومسلم في الجهاد (١٧٩٤) كلاهما من حديث
стр. 5083
شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
• عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ قال: بينا رسول الله ﷺ يصلى بفناء الكعبة، إذ أقبل عُقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنْقًا شديدًا. فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨].
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨١٥) عن علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي قال: حدثني عروة بن الزبير، فذكره.
ورواه يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة بسياق أطول منه وهو الآتي:
• عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله ﷺ ، فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفَّهَ أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا: قال: فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية، غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: "تسمعون يا معشر قريش! أما والذي نفس محمد بيده! لقد جئتكم بالذبح"، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم! انصرف راشدًا، فوالله! ما كنت جهولًا، قال: فانصرف رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه فبينما هم في ذلك، إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، قال: فيقول رسول الله ﷺ : "نعم، أنا الذي أقول ذلك"
стр. 5084
قال: فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمعٍ ردائه، قال: وقام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دونه يقول وهو يبكي: ؟ ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾؟ [سورة غافر: ٢٨] ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشًا بلغت منه قط.
حسن: رواه أحمد (٧٠٣٦) عن يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق قال: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل تصريح محمد بن إسحاق.
وقد أشار إلى حديث محمد بن إسحاق البخاريُّ عقب حديث (٣٨٥٦) عن عياش بن الوليد، ثنا الوليد بن مسلم بإسناده كما مضى.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، وأخفتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علَيّ ثلاثة من بين يوم وليلة، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد، إلا ما يُواري إبط بلال".
صحيح: رواه الترمذي (٢٤٧٢) وابن ماجه (١٥١) وأحمد (١٢٢١٢) وصحّحه ابن حبان (٦٥٦٠) كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره، وإسناده صحيح.
وقال الترمذي: "حسن صحيح".
وقوله: ما يُواري إبط بلال: أي إنه لشيء قليل بقدر ما يأخذه بلال تحت إبطه.
• عن أنس بن مالك قال: لقد ضربوا رسول الله ﷺ مرة حتى غُشي عليه. فقام أبو بكر فجعل ينادي: ويلكم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] فقالوا: من هذا؟ قال: ابن أبي قحافة المجنون.
صحيح: رواه أبو يعلى (٣٦٩١) والحاكم (٣/ ٦٧) كلاهما من حديث محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا ابن أبي عبيدة، حدثني أبي، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وصحّحه أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ١٦٩).
وله ما يشهد من حديث أسماء بنت أبي بكر عند أبي يعلى (٥٢) ومن حديث علي عند البزار (٢٤٨١) وفي إسناديهما من لا يعرف.
• عن خبّاب يقول: أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة. وقد لقينا من المشركين شدة. فقلت: ألا تدعو الله. فقعد وهو محمر وجهه. فقال: "لقد كان من قبلكم ليُمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه. فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه،
стр. 5085
وليُتِمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله" زاد بيان: "والذئب على غنمه".
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٥٢) عن الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا بيان
وإسماعيل قالا: سمعنا قيسا يقول: سمعت خبابًا يقول: فذكره.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته، أنها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة: إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى مما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل. فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك. وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليّ ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما لثمئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٣١) ومسلم في الجهاد والسير (١١: ١٧٩٥) كلاهما من طريق ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته.
• عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ ركب على حمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك قبل أن يُسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين: عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبّروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ عليهم ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله! فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا
стр. 5086
يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ : "يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي قال كذا وكذا. قال سعد بن عبادة: يا رسول الله! اعف عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله ﷺ وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصطبرون على الأذى، قال الله : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩] إلى آخر الآية. وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا فقتل الله به صناديد كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايَعوا الرسول ﷺ على الإسلام، فأسلَمُوا".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٥٦٦) ومسلم في الجهاد والسير (١١٦: ١٧٩٨) كلاهما من طريق الزهري، عن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره، فذكره.
• عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: رأيت رسول الله ﷺ في سوق ذي المجاز، وعليه حلة حمراء، فسمعته يقول: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، قد أدمى عرقوبيه وكعبيه، وهو يقول: يا أيها الناس! لا تطيعوا هذا؛ فإنه كذاب. فقلت: من هذا؟ قيل: هذا غلام بني عبد المطلب. قلت: فمن هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة؟ قال: هذا عبد العزى أبو لهب. قال: فلما ظهر الإسلام خرجنا في ذلك حتى نزلنا قريبًا من المدينة، ومعنا ظعينة لنا، فبينا نحن قعود، إذ أتانا رجل عليه ثوبان، فسلم، وقال: "من أين أقبل القوم؟ " قلنا: من الربذة، قال: ومعنا جمل. قال: "أتبيعون هذا الجمل؟ " قلنا: نعم. قال: "بكم؟ " قلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: فأخذه ولم يستنقصنا قال: "قد أخذته" ثم توارى بحيطان المدينة، فتلاومنا فيما بيننا، فقلنا: أعطيتم جملكم رجلا لا تعرفونه. فقالت الظعينة: لا تلاوموا، فإني رأيت وجه رجل لم يكن ليحقركم، ما رأيت شيئًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، قال: فلما كان العشي أتانا رجل فسلّم علينا، وقال:
стр. 5087
أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ ، يقول: "إن لكم أن تأكلوا حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا"، قال: فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا، قال: ثم قدمنا المدينة من الغد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يخطب على المنبر، وهو يقول: "يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، وأدناك أدناك"، فقام رجل فقال: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلانا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا منه، فرفع رسول الله ﷺ يديه حتى رأيت بياض إبطيه وقال: "ألا لا تجني أم على ولد، ألا لا تجني أم على ولد".
حسن: رواه ابن حبان (٦٥٦٢)، والدارقطني (٣/ ٤٤ - ٤٥)، والحاكم (٢/ ٦١١ - ٦١٢) كلهم من حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي فذكره مطولا. ورواه النسائي (٤٨٣٩)، وابن ماجه (٢٦٧٠) مختصرًا من هذا الوجه. انظر: الجنايات.
وإسناده حسن من أجل يزيد بن أبي الجعد فإنه حسن الحديث.
وفي الباب عن عروة بن الزبير قال: لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله ﷺ ذلك التراب، دخل رسول الله ﷺ بيته، والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله ﷺ يقول لها: "لا تبكي يا بنية! فإن الله مانع أباك" قال: ويقول بين ذلك: "ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب". رواه ابن إسحاق فقال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، فذكره. سيرة ابن هشام (١/ ٤١٦) وهو مرسل.
قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطّشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: أللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل ليمر بهم، فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٢٠).
وممن أظهر الظلم لرسول الله ﷺ وأصحابه: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأبو سفيان بن حرب، وابنه حنظلة، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وأخوه معاوية، والأسود بن المطلب، وابنه زمعة، وأبو البحتري بن هشام، والوليد بن مغيرة، والعاص بن وائل، ومنبه بن الحجاج، وأخوه نبيه، وأمية بن خلف، وأخوه أبي، وغيرهم. انظر الدرر في اختصار المغازي والسير (ص ٤٤ - ٤٦) لابن عبد البر.
стр. 5088
١٧ - إن الله يصرف شتم أعداء الله عن حبيبه ﷺ -
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد".
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٥٣٣) عن علي عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
١٨ - باب ما جاء من الاتهامات الباطلة من المشركين
ومن هذه الاتهامات:
١ - مجنون:
﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤].
﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦].
﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١].
رد الله على هؤلاء:
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢].
٢ - كاهن: اتهموا النبي ﷺ بالكاهن: فرد الله عليهم بقوله:
﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩].
وقال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢].
٣ - شاعر:
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦].
فرد الله عليهم قائلا:
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١].
﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
٤ - ساحر:
﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢].
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤].
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤].
стр. 5089
٥ - قالو: يعلمه بشر:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. قالوا: إنما يعلِّمُ محمدًا عبد بن الحضرمي وهو صاحب الكتب فقال الله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٣، ١٠٥].
صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٣٥٧) من طريق آدم بن أبي إياس، ثنا ورقاء، عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وقال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له: جبر عبد لبني الحضرمي، وكانوا يقولون: ما يعلم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جبر النصراني. فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ذكره ابن هشام في سيرته (١/ ٣٩٣).
١٩ - باب إن الله كفى رسوله المستهزئين
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١].
ولكن الله كفى رسوله ﷺ من المستهزئين.
قال ابن إسحاق: كان عظماء المستهزئين - كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير خمسة نفر كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم: الأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن الطلاطلة.
• عن ابن عباس في قول الله : ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] قال: المستهزءون: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن عبد العزى، والحارث بن عنطلة السهمي، والعاص بن وائل فأتاه جبريل ﵇ فشكاهم إليه رسول الله ﷺ فأراه الوليد أبا عمرو بن المغيرة فأومأ جبريل ﵇ إلى أبجله فقال ما صنعت؟ قال: كفّيته، ثم أراه الأسود بن المطلب، فأومأ جبريل إلي عينيه فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه
стр. 5090
الأسود بن عبد يغوث الزهري، فأومأ إلى رأسه، فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه الحارث بن عنطلة السهمي، فأومأ إلى رأسه أو قال إلى بطنه فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ومر به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه، فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلًا له فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فعمي، فمنهم من يقول عمي هكذا، ومنهم من يقول: نزل تحت سمرة فجعل يقول يا بني! ألا تدفعون عني قد قتلت فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا، وجعل يقول: يا بني! ألا تمنعون عني، قد هلكت ها هو ذا أطعن بالشوك في عيني، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا! فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه، وأما الأسود بن عبد يغوث الزهري فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث بن عنطلة فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج من فيه فمات فيها، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يومًا إذ دخل في رأسه شبرقة حتى امتلأت منها فمات منها. وقال غيره في هذا الحديث: فركب إلى الطائف على حمار فربض على شبرقة فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته.
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٥/ ٥١٥ - ٥١٦) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣١٦ - ٣١٨) كلاهما من طريقين مختلفين عن سفيان بن حسين، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل سفيان بن حسين فإنه يحسن في غير الزهري.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٤٧) وعزاه إلى الطبراني وقال: "فيه محمد بن عبد الحكيم النيسابوري ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
قلت: ولكنه توبع عند البيهقي.
والحارث بن عنطلة، ويقال: غيطلة وهي أمه وهو الحارث بن قيس السهمي، ينسب إلى أمه.
وقال الشعبي: "كانوا سبعة".
والمشهور الأول. قاله الحافظ ابن كثير في تفسيره.
٢٠ - طلب المشركين من رسول الله ﷺ طرد الفقراء عنه
• عن سعد بن أبي وقاص: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء يجترئون علينا.
قال: وكنت أنا، وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست
стр. 5091
أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢].
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٤١٣: ٤٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد، فذكره.
وعند ابن ماجه (٤١٢٨) من طريق قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد قال: نزلت: هذه الآية فينا، ستة: "فِيَّ وفي ابن مسعود، وصهيب، وعمار، والمقدام، وبلال".
وفي الباب ما رُوي عن خباب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢] قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب، وبلال، وعمار، وخباب، قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا، تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك، فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا، فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا، قال: فدعا بصحيفة، ودعا عليًا ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبرائيل ﵇، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢] ثم ذكر الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣] ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وكان رسول الله ﷺ ، يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم، قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ ولا تجالس الأشراف ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ يعني عيينة، والأقرع ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] قال: هلاكًا، قال: أمرُ عيينة، والأقرع. ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ﷺ ، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم.
رواه ابن ماجه (٤١٢٧) عن أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقري قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، وكان قارئ الأزد، عن أبي الكنود، عن خبّاب، فذكره.
وأبو سعيد يقال له: أبو سعد أيضًا روى عنه عدد، ووثّقه ابن حبان وحده ولذا قال الحافظ:
стр. 5092
"مقبول" أي عند المتابعة، وهو لم يتابع في بعض فقراته مثل قوله: الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فإنهما أسلما بعد الهجرة. والقصة وقعت في مكة.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده خبّاب، وصهيب وبلال، وعمار، فقالوا: يا محمد! أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾ [الأنعام: ٥٨].
رواه أحمد (٣٩٨٥) عن أسباط، حدثنا أشعث، عن كُردوس، عن ابن مسعود، فذكره.
وأشعث هو ابن سوار الكندي ضعيف باتفاق أهل العلم.
٢١ - باب دعاء رسول الله ﷺ على قريش
• عن مسروق قال: كنا عند عبد الله جلوسًا وهو مضطجع بيننا. فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن! إن قاصًّا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار. ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله وجلس وهو غضبان: يا أيها الناس! اتقوا الله من عَلِم منكم شيئًا فليقل بما يعلم. ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؟ فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. فإن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]، إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارًا. فقال: "اللهم سبع كسبع يوسف" قال: فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع. وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان. فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد! إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم. وإن قومك قد هلكوا. فادع الله لهم. قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [الدخان: ١٠، ١١] إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ [الدخان: ١٥] قال: أفيُكشف عذابُ الآخرة؟ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٦] فالبطشة يوم بدر. وقد مضت آية الدخان والبطشة واللزام، وآية الروم.
متفق عليه: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٠٧) ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٩٨) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: فذكره واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه مختصرا.
• عن ابن مسعود قال: خمس قد مضين: اللزام، والروم، والبطشة، والقمر، والدخان.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٢٥) ومسلم في كتاب صفة يوم القيامة (٤١: ٢٧٩٨) كلاهما عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله فذكره.
стр. 5093
٢٢ - باب طبيعة رسالة النبي ﷺ -
١ - إِنَّهُ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ [البقرة: ١١٩]
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ [ص: ٦٥]
﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ [هود: ٢]
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد: ٧]
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥]
٢ - أمر بتبليغ ما أنزل الله:
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]
٣ - ليس للنبي أن يبدّل شيئًا من القرآن:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس: ١٥]
٤ - أمر النبي ﷺ بالمباهلة من خالفه من المشركين:
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: ٦١]
٥ - إنه ﷺ لا ينطق إلا ما يوحى إليه:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٣ - ٥].
٦ - إن النبي ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم:
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢]
٧ - النبي ﷺ كان ينذر بالوحي:
﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥)﴾ [الأنبياء: ٤٥]
٨ - حرص النبي ﷺ على إيمان قومه:
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦]
٩ - سألوه عن علم الساعة:
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]
١٠ - إن اليهود والنصارى لا يرضون حتى تتبع ملتهم
стр. 5094
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]
١١ - أهل الكتاب يعرفونه أنه رسول الله ﷺ
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]
١٢ - النبي ﷺ لا يعلم علم الغيب إلا ما علمه الله تعالى
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]
١٣ - المفلحون من اليهود والنصارى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]
١٤ - من وظائف الرسول تعليم الكتاب والحكمة وتزكية المؤمنين
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
١٥ - النبي ﷺ لم يكن يعرف القراءة والكتابة
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨]
١٦ - اتباع النبي ﷺ من محبة الله:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]
١٧ - إطاعة الرسول هو إطاعة الله:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠]
١٨ - التحذير من مخالفة أمر رسول الله ﷺ :
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦]
١٩ - بعثه الله رحمة للعالمين
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]
стр. 5095
٢٠ - إنه رسول العالمين:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]
٢١ - إنه رسول الله:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]
﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ [يس: ١ - ٤]
٢٢ - إن الله أنزل عليه الكتاب:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ﴾ [الشورى: ٧]
٢٣ - إنه بشر يأكل ويشرب ويموت:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦]
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء: ٩٣]
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ [الإسراء: ٩٤]
٢٤ - إنه خاتم النبيين ليس بعده نبي
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]
٢٥ - الرسول لا يأتي بآية إلا بإذن الله
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣٨]
٢٦ - النهي عن رفع الأصوات فوق صوت النبي ﷺ
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]
٢٧ - إن الله يعصم النبي ﷺ من الكفار
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
стр. 5096
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]
٢٨ - الرسول لا يطلب من أحد أجر الرسالة والنبوة
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص: ٨٦]
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠]
﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)﴾ [المؤمنون: ٧٢]
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]
٢٩ - إن الله وصف النبي ﷺ بأنه على خلق عظيم:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]
٣٠ - منهم من يلمز النبي ﷺ
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ [التوبة: ٥٨]
٣١ - ومنهم من يؤذي النبي ﷺ بقوله: هو أذن:
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦١]
٣٢ - النهي عن النجوى بين يدي رسول الله ﷺ :
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ [المجادلة: ٨]
٣٣ - نصرة الله للنبي ﷺ في الغار
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]
٣٤ - المؤذي لرسول الله ﷺ يستحق العذاب الأليم
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ [التوبة: ٦١]
٣٥ - ليس للنبي أن يحرم ما أحل الله
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١]
٣٦ - إن الله أرسل محمدًا ﷺ ليظهر الحق على الدين كله
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨]
٣٧ - أمر النبي ﷺ بالصبر على أذى المشركين
стр. 5097
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ [القلم: ٤٨]
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]
هذه بعض صفاته ﷺ التي ذُكرتْ في القرآن، ومن الصعب استيعاب جميع صفاته المذكورة في الكتاب والسنة.
٢٣ - باب ذكر الهجرة الأولى لأصحابه ﷺ إلى أرض الحبشة سنة خمس من المبعث
قال ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها مَلِكًا لا يُظلم عنده أحد. وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه".
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارًا إلى الله بدينهم. فكانت أول هجرة في الإسلام.
سيرة ابن هشام (١/ ٣٢١).
وأخرجه البيهقي في سننه (٩/ ٩) عن ابن إسحاق، حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أم سلمة أنها قالت: لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله وفتنوا ورأوا ما يُصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم. وإن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه، وعمه لا يصل إليه شيء مما يكره ما ينال أصحابه. فقال لهم رسول الله ﷺ : "إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه"، فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا ونزلنا بخير دار إلى خير جار أمنا على ديننا، ولم نخش منه ظلمًا .. وذكر الحديث بطوله.
وهذا السياق الذي أخرجه البيهقي بهذا الإسناد لم أقف عليه في المصادر الأخرى. والبيهقي نفسه أخرجه بهذا الإسناد في الدلائل كما يليه، وابن إسحاق ذكر في السيرة بهذا الإسناد قصة هذه الهجرة كاملًا، والإمام أحمد في مسنده وليس في سياقهم الطويل قوله ﷺ : "إن بأرض الحبشة مَلكًا لا يظلم أحد عنده .. " فالغالب أنه وقع وهم للبيهقي فأدخل حديثًا في حديث، والله تعالى أعلم.
وسرد أسماءهم ابن إسحاق وهم:
١ - عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله ﷺ .
٢ - أبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سُهيل بن عمرو ولدت له بأرض الحبشة محمد بن أبي حذيفة.
стр. 5098
٣ - الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد.
٤ - مصعب بن عمير بن هاشم.
٥ - عبد الرحمن بن عوف.
٦ - أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية.
٧ - عثمان بن مظعون.
٨ - عامر بن ربيعة.
٩ - عنزة بن أسد بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي خيْثمة.
١٠ - أبو سبرة بن أبي رُهم.
قال ابن إسحاق: "فكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني".
٢٤ - باب الهجرة الثانية لأصحابه إلى الحبشة
• عن ابن عباس قال: سجد النبي ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس أي لما نزل قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢].
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٦٢) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وقد شاع بين الناس بأن أهل مكة أسلموا فرجع ناس منهم. عثمان بن مظعون إلى مكة. فلم يجدوا ما شاع بين الناس فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة.
ذكر محمد بن سعد في طبقاته (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦) تفصيل ذلك ولكن فيه محمد بن عمر الواقدي.
وقال فيه محمد بن عمر: فكانوا خرجوا في رجب سنة خمس، فأقاموا شعبان وشهر رمضان. وكانت السجدة في شهر رمضان وقدموا في شوال سنة خمس.
وكان عددهم أكثر من ثمانين رجلا منهم جعفر بن أبي طالب.
قال محمد بن إسحاق بعد أن سرد أسماءهم: "فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارًا وولدوا بها: ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان عمار بن ياسر فيهم. وهو يشك فيه" انظر ابن إسحاق (رقم ٣٠٤) وسيرة ابن هشام (١/ ٣٣٠).
وهذا العدد شامل بمن هاجروا الهجرة الأولى.
وإليكم حديث أم سلمة التي تقص قصة الهجرة الأولى والثانية لأنها كانت مع زوجها في الهجرة الأولى.
• عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي ﷺ قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى،
стр. 5099
ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.
قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، وخير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قال لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك! إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن، ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك! قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليردانهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي ثم قال: لا هيم الله! إذًا لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد قومًا جاوروني ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان، أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسوله، اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولونه للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله! ما علمنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ ، كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم، فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم
стр. 5100
فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك! كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمر بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة.
وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت: فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به.
فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا ففتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: ١] قالت: فبكى والله! النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا، ولا أكاد.
قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله! لأنبئنه غدًا أعيبهم عنده، ثم أستأصل به خضراءهم. قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم ﵉ عبد. قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسألهم عما يقولون فيه، قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا:
стр. 5101
نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب ﵁: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قالت: فضرب النجاشي يده على الأرض فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال: وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي والسيوم: الآمنون من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، فما أحب أن لي دبرًا ذهبًا وإني آذيت رجلا منكم والدبر بلسان الحبشة: الجبل ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع في الناس فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.
قالت: فوالله! إنا على ذلك إذ نزل به، يعني من ينازعه في ملكه، قالت: فو الله! ما علمنا حزنًا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوّفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، قالت: وسار النجاشي، وبينهما عرض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا، قالت: وكان من أحدث القوم سنًا، قالت: فنفخوا له قربة، فجعلها في صدره، ثم سبح عليها، حتى خرج من ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، واستوثق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٤٠، ٢٢٤٩٨) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣٠١ - ٣٠٦) كلاهما عن محمد بن إسحاق وهو في سيرة ابن إسحاق (رقم ٢٨٢) قال: حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة، فذكرته واللفظ لأحمد، وعند غيره نحوه.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. وليس في سياقهم قوله ﷺ : "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها مَلِكًا لا يظلم أحد عنده".
стр. 5102
قصة قول النجاشي: "ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليَّ مُلْكي":
قال ابن إسحاق: قال الزهري: فحدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ فقال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟ قال: قلت: لا، قال: فإن عائشة أم المؤمنين حدتتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إلا النجاشي، وكان للنجاشي عم، له من صلبه اثنا عشر رجلًا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينهما: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلًا، فتوارثوا ملكه من بعده، بقيت الحبشة بعده دهرًا، فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملّكوه أخاه، فمكثوا على ذلك حينا.
ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيبا حازما من الرجال، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه (منه) قال بينهما: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنتخوف أن يملكه علينا، وإن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه. فمشوا إلى عمه فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خفناه على أنفسنا، قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم. قالت: فخرجوا به إلى السوق، فباعوه من رجل من التجار بست مئة درهم، فقذفه في سفينة فانطلق به، حتى إذا كان العشي من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، قالت: ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هو محمق، ليس في ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم.
فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض: تعلّموا والله أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه (الآن) قالت: فخرجوا في طلبه، وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه، ثم جاءوا به، فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملّكوه.
فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطوني مالي، وإما أن أكلّمه في ذلك؟ قالوا: لا نعطيك شيئًا، قال: إذن والله أكلّمه، قالوا: فدونك وإياه. قالت: فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك! ابتعت غلامًا من قوم بالسوق بست مئة درهم، فأسلموا إليّ غلامي وأخذوا دراهمي، حتى إذا سرت بغلامي أدركوني، فأخذوا غلامي، ومنعوني دراهمي، قالت: فقال لهم النجاشي: لتعطنه دراهمه، قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله مني رشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه.
قالت: وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه، وعدله في حكمه.
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لما مات
стр. 5103
النجاشي، كانت يتحدت أنه لا يزال على قبره نور.
انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠) وهي من أخبار الماضين، وليس فيه شيء مرفوع. ولذا لا نصدقه ولا نكذبه.
وقول عائشة: لما مات النجاشي كان يتحدث .... رواه أيضًا أبو داود (٢٥٢٣) من طريق محمد بن إسحاق.
ومن أخبار النجاشي خروج الحبشة عليه.
قال ابن إسحاق: وحدثني جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك قد فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيأ لهم سُفنًا، وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى ابن مريم عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة، وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة! ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى، قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد، قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله، فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى ابن مريم، لم يزد على هذا شيئًا، وإنما يعني ما كتب، فرضوا وانصرفوا عنه. فبلغ ذلك النبي ﷺ فلما مات النجاشي صلى عليه، واستغفر له.
سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٠ - ٣٤١) وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى على النجاشي كما سبق في كتاب الجنائز.
وكان موت النجاشي في رجب من سنة تسع، ونعاه رسول الله ﷺ إلى الناس في اليوم الذي مات فيه. وصلى عليه بالبقيع. رفع إليه سريره بأرض الحبشة حتى رآه وهو بالمدينة فصلى عليه. الروض الأنف (٣/ ٢٦٢).
• عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن نحو من ثمانين رجلا، فيهم عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى، فأتوا النجاشي، وبعثتْ قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك، فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه، فسلم ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ ! قال: إنا لا نسجد إلا لله . قال: وما ذلك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله ﷺ وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله ، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو بن
стр. 5104
العاص فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم! قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قالوا: نقول كما قال الله ، هو كلمة الله وروحه، ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد، قال: فرفع عودًا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان! والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوى هذا؟ مرحبا بكم، وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجد في الإنجيل، وإنه الرسول الذي بشّر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه، وأوضّؤه. وأمر بهدية الآخرين فردّت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرًا، وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغه موته.
حسن: رواه أحمد (٤٤٠٠) والحاكم (٢/ ٦٢٣) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٩٨) كلهم من طريق خُديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وحسّنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ١٨٩)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ١٧٤) هذا إسناد جيد قوي وسياق حسن.
قلت: وهو الصواب للكلام في خديج بن معاوية غير أنه حسن الحديث. إلا أن ذكر أبي موسى في الحديث خطأ، لأنه لم يهاجر من مكة إلى الحبشة وإنما جاء من اليمن كما سيأتي.
وكذلك لا يصح ما رواه ابن أبي شيبة (٣٧٧٩٥)، والحاكم (٩/ ٣٠٢) وأبو نعيم في الدلائل (١/ ٣٣٠) والبيهقي في الدلائل (١/ ٢٩٩) كلهم من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع ابن أبي طالب إلى أرض الحبشة ... فذكره بطوله باختلاف يسير في بعض سياقه.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: حسب ظاهر الإسناد، وإلا فالصحيح هو:
• عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه - أنا وأخوان لي أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم - إما قال في بضع وإما قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي في الحبشة، ووافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا هاهنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا - أو قال: فأعطانا -
стр. 5105
منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم.
صحيح: أخرجه البخاري في فرض الخمس (٣١٣٦) عن محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بُريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره.
ورواه أيضًا في المناقب (٣٨٧٦) بالإسناد نفسه وزاد فيه قول النبي ﷺ : "لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان".
وقد أشار البيهقي إلى ما في الصحيح بعد أن صحّح إسناد إسرائيل، عن أبي إسحاق. وقال: فأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه، ولعل الراوي وهم في قوله: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق".
وبعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة رجع معظم المهاجرين من الحبشة إلى المدينة وبقي جعفر بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري ورفقاؤه إلى فتح خيبر سنة ٧.
٢٥ - كان أبو بكر ممن خرج مهاجرًا إلى الحبشة، ثم رجع بجوار ابن الدغنة إلى مكة
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة - وهو سيد القارة - فقال أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر! لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذّب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلِن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه، وينظرون إليه،
стр. 5106
وكان أبو بكر رجلًا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم. فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله . والنبي ﷺ يومئذ بمكة، فقال النبي ﷺ للمسلمين: "إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين"، وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم". فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - أربعة أشهر. قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا - في ساعة لم يكن يأتينا فيها - فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله! ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أخرج من عندك". فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله! قال: "فإني قد أذن لي في الخروج". فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ : "نعم". قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله! إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله ﷺ : "بالثمن". قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين
стр. 5107
يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خريتًا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل.
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٥) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل. قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرته.
٢٦ - دخول النبي ﷺ مع المسلمين في شعب أبي طالب في السنة السابعة من البعثة
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ من الغد يوم النحر وهو بمنى: "نحن نازلون غدًا بخَيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر". - يعني بذلك المحصّب - وذلك أن قريشًا وكنانة، تحالفت علي بني هاشم وبني عبد المطلب - أو بني المطلب - أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٥٩٠) ومسلم في الحج (١٣١٤) كلاهما من حديث الوليد بن مسلم، قال: حدثني الأوزاعي حدثني الزهري، حدثني أبو سلمة، حدثنا أبو هريرة، فذكره.
قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدًا أصابوا منه أمنًا وقرارًا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا (بينهم) أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه علي بني هاشم، وبني عبد المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي.
قال ابن إسحاق: "فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب فدخلوا معه في شعبه، واجتمعوا إليه. وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم. سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٠ - ٣٥١).
قال موسى بن عقبة: "بقوا على ذلك ثلاث سنين حتى جهدوا ولم يكن يأتيهم شيء من
стр. 5108
الأقوات إلا خفية".
أي من سنة سبع من المبعث إلى السنة العاشرة من المبعث قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين.
وذكر أصحاب السير: ثم قام بنقض الصحيفة نفر من أشدهم في ذلك صنيعا هشام بن عمرو بن الحارث، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وزمعة بن الأسود، وأبو البختري بن هشام بن الحارث، وكان تربطهم ببني هاشم والمطلب صلات رحم.
٢٧ - وفاة أبي طالب ناصر النبي ﷺ وزوجته الشفيقة خديجة ﵂ في السنة العاشرة من البعثة
قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها، وبهلك عمه أبي طالب، وكان له عضدًا وحرزًا في أمره، ومنعة وناصرًا على قومه. وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين. فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابًا. السيرة لابن هشام (١/ ٤١٦) وقال البيهقي في الدلائل (٢/ ٣٥٣، ٣٥٢) بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. ذكره أبو عبد الله ابن مندة في كتاب "المعرفة" وشيخنا أبو عبد الله الحافظ.
قلت: وذلك بعد خروجهم من الشعب بحوالي تسعة أشهر في آخر السنة العاشرة من المبعث. وقيل: قبله.
وأما ما ذكره ابن إسحاق في حضور رؤساء قريش عند وفاة أبي طالب فهو ضعيف. وإليكم سياقه كاملًا.
قال ابن إسحاق: "لما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشًا ثقله، قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله! ما نأمن أن يبتزّونا أمرنا.
قال ابن إسحاق: "وحدثني العباس بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس قال: لما مشوا إلى أبي طالب وكلموه - وهم أشراف قومه، عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب - في رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوّفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه لنا منه وخذ له منا، ليكف عنا ولنكف عنه، وليدعنا وديننا، ولندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب، فجاءه فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك، ليعطوك وليأخذوا منك. قال: فقال رسول الله ﷺ : "نعم، كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم" فقال أبو جهل: نعم وأبيك، عشر كلمات. قال: "تقولون: لا إله إلا الله. وتخلعون ما
стр. 5109
تعبدون من دونه".
قال: فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: يا محمد! أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدًا؟ إن أمرك لعجب؟ قال: ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرقوا. قال: فقال أبو طالب! والله يا ابن أخي! ما رأيتك سألتهم شططًا. قال: فطمع رسول الله ﷺ فيه، فجعل يقول له: "أي عم، فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة" قال: فلما رأى حرص رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي، والله! لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظنّ قريش أني إنما قلتها جزعًا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسُرك بها. قال: فلما تقارب من أبي طالب الموتُ قال: نظر العباس إليه يحرك شفتيه، قال: فأصغى إليه بأذنه. قال: فقال: يا ابن أخي! والله! لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها. قال: فقال رسول الله ﷺ : "لم أسمع". قال: وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ [ص: ١، ٢].
سيرة ابن هشام (١/ ٤١٧) وفي الإسناد رجل مبهم لم يسم.
ورواه الإمام أحمد (٢٠٠٨) والترمذي (٣٢٣٢) وابن حبان (٦٦٨٦) كلهم من حديث يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني سليمان الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مختصرًا. وليس فيه ذكر قول العباس.
قال الترمذي: "حسن صحيح". وفي نسخة: "حسن" فقط.
وكذلك رواه الثوري، عن الأعمش بدون ذكر قول العباس
رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٣٤٥).
وفي أسانيدهم يحيى بن عمارة، ويقال له: عباد بن جعفر مجهول لم يوثّقه غير ابن حبان. ولذا قال الحافظ في التقريب "مقبول".
ثم قول العباس: "يا ابن أخي والله! لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها" يخالف لما ثبت في الصحيح.
• عن العباس بن عبد المطلب أنه قال للنبي ﷺ : ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك. قال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار".
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٨٨٣)، ومسلم في الإيمان (٢٠٩) كلاهما من حديث سفيان، حدثنا عبد الملك، حدثنا عبد الله بن الحارث، حدثنا العباس بن عبد المطلب، فذكره.
وفي رواية: "وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح".
وضحضاح: هو ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، يعني هو في النار تبلغ
стр. 5110
إلى كعبيه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار: أي قعر جهنم وأقصى أسفلها.
• عن المسيب بن حزن قال: لما حضر أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: "يا عم! قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه. ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : "أما والله! لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك". فأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣] وأنزل في أبي طالب: فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦].
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٧٢) ومسلم في الإيمان (٢٤) كلاهما من حديث ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه، فذكره.
هكذا قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة وغيرهم أيضًا أنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله ﷺ أن يقول: لا إله إلا الله فأبى أن يقولها وقال: هو على ملة الأشياخ، وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمه: "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة". قال: لولا تُعيّرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزعُ لأقررت بها عينك، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦].
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٥) من وجهين عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي سعيد أنه سمع النبي ﷺ وذُكر عنده عمه فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغُه".
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٣٨٥) ومسلم في الإيمان (٢١٠) من حديث الليث بن سعد، حدثنا ابن الهاد، عن عبد الله بن خبَّاب عن أبي سعيد، فذكره. وفي رواية: "تغلي منه أمُّ دماغه".
• عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو
стр. 5111
منتعل بنعلين يَغْلي منهما دماغُه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢١٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن عباس، فذكره.
٢٨ - خروج النبي ﷺ إلى الطائف للدعوة في السنة العاشرة من البعثة وما لقي من أهلها من الأذى
• عن عروة أن عائشة حَدَّثَتْهُ، أنَّها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ فقال "لقد لقيت من قومك. وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة. إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال. فلم يجبني إلى ما أردت. فانطلقت وأنا مهموم على وجهي. فلم أستفق إلا بقرن الثعالب. فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني. فنظرت فإذا فيها جبريل. فناداني. فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك. وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم: قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي. ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك. وأنا ملك الجبال. وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين". فقال له رسول الله ﷺ "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٣١)، ومسلم في الجهاد (١٧٩٥) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني عروة بن الزبير، أن عائشة حدثته فذكر الحديث. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
قوله: "الأخشبين " هما جبلان بمكة أبو قبيس والذي يقابله، والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على أهل مكة، وبه قال ابن القيم وابن حجر. انظر: زاد المعاد (٣/ ٣٢)، وفتح الباري (٦/ ٣١٦).
وابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف.
وكان ذلك في شهر شوال سنة عشر من المبعث بعد موت أبي طالب وخديجة.
وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب أنه ﷺ لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه. فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم سادتهم وهم إخوة: عبد ياليل وحبيب ومسعود بنو عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكى إليهم ما انتهك منه قومه فردوا عليه أقبح رد "الفتح" (٦/ ٣١٥).
بل أغروا به سفهائهم، فجعلوه يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه ﷺ وكان معه زيد بن حارثة مولاه يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه.
стр. 5112
وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: كان رسول الله ﷺ في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه ويقول: "لا أكره أحدًا منكم على شيء، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء الله" فلم يقبله أحد منهم، ولم يأت أحد من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به أترون أن رجلًا يصلحنا وقد فسدَ قومه ولفظوه، فكان ذلك مما ذخر الله للأنصار وأكرمهم به.
فلما توفي أبو طالب ارتدَّ البلاء على رسول الله ﷺ أشد ما كان، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف يومئذ وهم إخوة: عبد يا ليل بن عمرو، وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه قومه.
فقال أحدهم: أنا أمرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط.
وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك.
وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدًا، والله لئن كنت رسول الله لأنت أعظم شرفًا وحقًا من أن أكلمك، ولئن كنت تكذب على الله لأنت أشر من أن أكلمك. وتهزأوا به وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله ﷺ بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، وكان أعدوها حتى أدموا رجليه.
فخلص منهم وهما يسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم، واستظل في ظل حبلة منه، وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دمًا فإذا في الحائط: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما الله ورسوله، فلما رأيا أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداسًا وهو نصراني من أهل نينوى معه عنب، فلما جاءه عداس، قال له رسول الله ﷺ : "من أي أرض أنت يا عداس! " قال له عداس: أنا من نينوى، فقال له النبي ﷺ : "من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى" فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متى؟ قال له رسول الله ﷺ وكان لا يحقر أحدًا أن يبلغه رسالة ربه - "أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى". فلما أخبره بما أوحى الله من شأن يونس بن متى، خر عداس ساجدًا لرسول الله ﷺ ، وجعل يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء.
فلما أبصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكنا، فلما أتاهما، قالا: ما شأنك سجدت لمحمد، وقبّلت قدميه، ولم نرك فعلته بأحد منا؟ قال: هذا رجل صالح، أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى: يونس بن متى، فضحكا به، وقالا: لا يفتنك عن نصرانيتك، فإنه رجل خداع فرجع رسول الله ﷺ إلى مكة.
стр. 5113
أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤١٤ - ٣١٦) من طريقه عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب مرسلا.
وذكر ابن إسحاق نحوه بدون إسناد. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٢١) ورواه أبو نعيم في الدلائل (١/ ٣٨٩ - ٣٩٢) بإسناد آخر عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، فذكره.
وهو مرسل أيضًا كما أن فيه ابن لهيعة وفيه كلام معروف.
فانصرف راجعًا من الطائف بعد أن أقام عندهم عشرة أيام وكان ﷺ غلبه الحزن. وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف يشكو إلى الله من ضعف حاله:
• عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما توفي أبو طالب خرج النبي ﷺ ماشيًا على قدميه إلى الطائف، ودعاهم إلى الله، فلم يجيبوه، فأتى ظل شجرة، فصلى ركعتين، ثم قال: "اللهم! إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهو اني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي. غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل عليّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٤/ ١٣٩ - ١٤٠) وفي الدعاء (٢/ ١٢٨٠) وعنه الضياء في المختارة (٢/ ١٢٨٠) وابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٢٤)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٧٥) كلهم من طريق وهب بن جرير بن حازم قال: ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو وإن لم يصرّح، فإن الأئمة قبلوه في المغازي والسير ما لم يقبلوا منه في الأحكام.
ولذا تلقى أهل العلم هذا الدعاء المسمى بدعاء الطائف بدون إنكار على ابن إسحاق فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع في مجموع فتاواه مستدلا به بأن الشكوى إلى الخالق لا تُنافي الصبر الجميل. انظر (١٠/ ١٨٤ - ٦٦٦) وقال تلميذه الحافظ ابن القيم في زاده (٣/ ٣١): "فانصرف راجعا من الطائف إلى مكة محزونا. وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف" ثم ذكر الدعاء بدون أن يعلق عليه بشيء. فأرسل ملك الجبال وقال: وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت كما جاء في حديث عائشة في أول الباب.
وتصرف ابن هشام فذكره في سيرته (١/ ٤٢٠) معلقًا بدون الإسناد.
стр. 5114
٢٩ - باب ما جاء في الإسراء والمعراج
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
قال الزهري: أسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة، هكذا ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب وهو قول عروة أيضًا، الدلائل للبيهقي (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥) هذا هو الصحيح ومنهم من حدد أنه ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة. وكان الإسراء والمعراج في ليلة واحدة ومرة واحدة بالروح والجسد يقظة لا منامًا على رأي جمهور العلماء.
قال القرطبي: "عليه يدل ظاهر الكتاب، وصحيح الأخبار، ومبادرة قريش لإنكار ذلك وتكذيبه، ولو كان منامًا لما أنكروه، ولما افتتن به من افتتن، إذ كثيرًا ما يُرى في المنام أمور عجيبة وأهوال هائلة. فلا يستبعد ذلك في النوم، وإنما يستبعد في اليقظة" المفهم (١/ ٣٨٥).
• عن أبي ذر كان يحدِّث أنّ رسول الله ﷺ قال: "فُرِجَ سقفُ بيتي وأنا بمكة فنزل جبريلُ ﷺ ، فَفَرَجَ صَدْري. ثم غَسَلَهُ من ماء زمزم. ثُم جاء بِطَسْتٍ من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغَها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فَعَرَج بي إلى السّماء، فلمّا جِئْنا السّماء الدُّنيا قال جبريلُ ﵇ لخازن السّماء الدّنيا: افتح. قال: مَنْ هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ ، قال: فأُرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح. قال: فلما علونا السّماء الدنيا، فإذا رجل عن يمينه أَسْوِدَة وعن يساره أَسْوِدَة، قال: فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: فقال مرحبًا بالنّبي الصّالح والابن الصّالح. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم ﵇ وهذه الأَسْوِدَةُ عن يمينه وعن شماله نَسَمُ بنيه، فأهل اليمين أهل الجنّة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: ثم عرج بي جبريل حتى أتى السّماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، قال: فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدّنيا، ففتح.
فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين، ولم يُثْبِتْ كيف منازِلُهم غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم ﵇ في السّماء الدّنيا وإبراهيم في السماء السّادسة. قال: فلمّا مرّ جبريل ورسول الله ﷺ بإدريس صلوات الله عليه، قال: مرحبًا بالنّبيّ الصّالح، والأخ الصّالح قال: ثم مرَّ فقلت: من هذا؟ فقال: هذا إدريس. قال: ثم مررت بموسى عليه
стр. 5115
السلام، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والأخ الصالح. قال: قلت من هذا؟ قال: هذا موسى. قال: ثم مررتُ بعيسى، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والأخ الصّالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى ابن مريم. قال: ثم مررتُ بإبراهيم ﵇، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والابن الصّالح. قال: قلت من هذا؟ قال: هذا إبراهيم".
قال ابنُ شهاب: وأخبرني ابنُ حزم أنّ ابن عباس وأبا حَبَّة الأنصاريَّ كانا يقولان قال رسول الله ﷺ : "ثم عرج بي حتى ظهرْتُ لمستوًى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام".
قال ابنُ حزم، وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : "ففرض الله على أمّتي خمسين صلاة". قال: "فرجعت بذلك حتى أمر بموسى فقال موسى ﵇: ماذا فرض ربُّك على أمّتك؟ قال: قلت: فرض عليهم خمسين صلاة قال لي موسى ﵇: فراجِعْ ربَّك فإنَّ أمَّتَك لا تطيق ذلك. قال: فراجعت ربّي، فوضع شطرها. قال: فرجعت إلى موسى ﵇ فأخبرته، قال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال فراجعت ربي فقال هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي قال: فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربَّك فقلت: قد استحييت من ربي. قال: ثم انطلق بي جبريل حتى نأتي سدرةَ المنتهى فغشيها ألوانٌ لا أدري ما هي. قال: ثم أُدخلتُ الجنّةَ فإذا فيها جَنابذُ اللؤلؤ وإذا ترابُها المسك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٣٤٩)، ومسلم في الإيمان (١٦٣) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: "كان أبو ذرّ يحدّث". فذكر الحديث مثله، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ قريب منه.
• عن مالك بن صعصعة - رجل من قومه - قال: قال نبيُّ الله ﷺ : "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعتُ قائلًا يقول: أحدُ الثّلاثة بين الرّجلين، فأُتيتُ فانطُلِقَ بي فأُتِيتُ بِطَسْتٍ من ذهب فيها من ماء زمزم، فَشُرِح صدري إلى كذا وكذا. (قال قتادة: فقلت للذي معي: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطنه) فاستخرج قلبي فغُسِل بماء زمزم، ثم أُعيد مَكانَهُ، ثم حُشِيَ إيمانًا وحكمةً، ثم أتيتُ بدابَّةٍ أبيضَ يقال له البُراقُ فوق الحمار ودون البغل، يقعُ خَطْوُهُ عند أقصى طَرْفِه، فَحُمِلْتُ عليه، ثم انطلقنا حتَّى أتينا السّماء الدُّنيا، فاسفتَحَ جبريلُ ﷺ فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتح لنا، وقال: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، قال: فأتينا على آدم ﵇.
следующие страницы →