Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
منتعل بنعلين يَغْلي منهما دماغُه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢١٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن عباس، فذكره.
٢٨ - خروج النبي ﷺ إلى الطائف للدعوة في السنة العاشرة من البعثة وما لقي من أهلها من الأذى
• عن عروة أن عائشة حَدَّثَتْهُ، أنَّها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ فقال "لقد لقيت من قومك. وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة. إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال. فلم يجبني إلى ما أردت. فانطلقت وأنا مهموم على وجهي. فلم أستفق إلا بقرن الثعالب. فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني. فنظرت فإذا فيها جبريل. فناداني. فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك. وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم: قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي. ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك. وأنا ملك الجبال. وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين". فقال له رسول الله ﷺ "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٣١)، ومسلم في الجهاد (١٧٩٥) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني عروة بن الزبير، أن عائشة حدثته فذكر الحديث. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
قوله: "الأخشبين " هما جبلان بمكة أبو قبيس والذي يقابله، والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على أهل مكة، وبه قال ابن القيم وابن حجر. انظر: زاد المعاد (٣/ ٣٢)، وفتح الباري (٦/ ٣١٦).
وابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف.
وكان ذلك في شهر شوال سنة عشر من المبعث بعد موت أبي طالب وخديجة.
وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب أنه ﷺ لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه. فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم سادتهم وهم إخوة: عبد ياليل وحبيب ومسعود بنو عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكى إليهم ما انتهك منه قومه فردوا عليه أقبح رد "الفتح" (٦/ ٣١٥).
بل أغروا به سفهائهم، فجعلوه يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه ﷺ وكان معه زيد بن حارثة مولاه يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه.
стр. 5112
وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: كان رسول الله ﷺ في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه ويقول: "لا أكره أحدًا منكم على شيء، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء الله" فلم يقبله أحد منهم، ولم يأت أحد من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به أترون أن رجلًا يصلحنا وقد فسدَ قومه ولفظوه، فكان ذلك مما ذخر الله للأنصار وأكرمهم به.
فلما توفي أبو طالب ارتدَّ البلاء على رسول الله ﷺ أشد ما كان، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف يومئذ وهم إخوة: عبد يا ليل بن عمرو، وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه قومه.
فقال أحدهم: أنا أمرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط.
وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك.
وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدًا، والله لئن كنت رسول الله لأنت أعظم شرفًا وحقًا من أن أكلمك، ولئن كنت تكذب على الله لأنت أشر من أن أكلمك. وتهزأوا به وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله ﷺ بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، وكان أعدوها حتى أدموا رجليه.
فخلص منهم وهما يسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم، واستظل في ظل حبلة منه، وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دمًا فإذا في الحائط: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما الله ورسوله، فلما رأيا أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداسًا وهو نصراني من أهل نينوى معه عنب، فلما جاءه عداس، قال له رسول الله ﷺ : "من أي أرض أنت يا عداس! " قال له عداس: أنا من نينوى، فقال له النبي ﷺ : "من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى" فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متى؟ قال له رسول الله ﷺ وكان لا يحقر أحدًا أن يبلغه رسالة ربه - "أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى". فلما أخبره بما أوحى الله من شأن يونس بن متى، خر عداس ساجدًا لرسول الله ﷺ ، وجعل يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء.
فلما أبصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكنا، فلما أتاهما، قالا: ما شأنك سجدت لمحمد، وقبّلت قدميه، ولم نرك فعلته بأحد منا؟ قال: هذا رجل صالح، أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى: يونس بن متى، فضحكا به، وقالا: لا يفتنك عن نصرانيتك، فإنه رجل خداع فرجع رسول الله ﷺ إلى مكة.
стр. 5113
أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤١٤ - ٣١٦) من طريقه عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب مرسلا.
وذكر ابن إسحاق نحوه بدون إسناد. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٢١) ورواه أبو نعيم في الدلائل (١/ ٣٨٩ - ٣٩٢) بإسناد آخر عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، فذكره.
وهو مرسل أيضًا كما أن فيه ابن لهيعة وفيه كلام معروف.
فانصرف راجعًا من الطائف بعد أن أقام عندهم عشرة أيام وكان ﷺ غلبه الحزن. وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف يشكو إلى الله من ضعف حاله:
• عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما توفي أبو طالب خرج النبي ﷺ ماشيًا على قدميه إلى الطائف، ودعاهم إلى الله، فلم يجيبوه، فأتى ظل شجرة، فصلى ركعتين، ثم قال: "اللهم! إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهو اني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي. غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل عليّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٤/ ١٣٩ - ١٤٠) وفي الدعاء (٢/ ١٢٨٠) وعنه الضياء في المختارة (٢/ ١٢٨٠) وابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٢٤)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٧٥) كلهم من طريق وهب بن جرير بن حازم قال: ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو وإن لم يصرّح، فإن الأئمة قبلوه في المغازي والسير ما لم يقبلوا منه في الأحكام.
ولذا تلقى أهل العلم هذا الدعاء المسمى بدعاء الطائف بدون إنكار على ابن إسحاق فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع في مجموع فتاواه مستدلا به بأن الشكوى إلى الخالق لا تُنافي الصبر الجميل. انظر (١٠/ ١٨٤ - ٦٦٦) وقال تلميذه الحافظ ابن القيم في زاده (٣/ ٣١): "فانصرف راجعا من الطائف إلى مكة محزونا. وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف" ثم ذكر الدعاء بدون أن يعلق عليه بشيء. فأرسل ملك الجبال وقال: وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت كما جاء في حديث عائشة في أول الباب.
وتصرف ابن هشام فذكره في سيرته (١/ ٤٢٠) معلقًا بدون الإسناد.
стр. 5114
٢٩ - باب ما جاء في الإسراء والمعراج
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
قال الزهري: أسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة، هكذا ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب وهو قول عروة أيضًا، الدلائل للبيهقي (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥) هذا هو الصحيح ومنهم من حدد أنه ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة. وكان الإسراء والمعراج في ليلة واحدة ومرة واحدة بالروح والجسد يقظة لا منامًا على رأي جمهور العلماء.
قال القرطبي: "عليه يدل ظاهر الكتاب، وصحيح الأخبار، ومبادرة قريش لإنكار ذلك وتكذيبه، ولو كان منامًا لما أنكروه، ولما افتتن به من افتتن، إذ كثيرًا ما يُرى في المنام أمور عجيبة وأهوال هائلة. فلا يستبعد ذلك في النوم، وإنما يستبعد في اليقظة" المفهم (١/ ٣٨٥).
• عن أبي ذر كان يحدِّث أنّ رسول الله ﷺ قال: "فُرِجَ سقفُ بيتي وأنا بمكة فنزل جبريلُ ﷺ ، فَفَرَجَ صَدْري. ثم غَسَلَهُ من ماء زمزم. ثُم جاء بِطَسْتٍ من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغَها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فَعَرَج بي إلى السّماء، فلمّا جِئْنا السّماء الدُّنيا قال جبريلُ ﵇ لخازن السّماء الدّنيا: افتح. قال: مَنْ هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ ، قال: فأُرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح. قال: فلما علونا السّماء الدنيا، فإذا رجل عن يمينه أَسْوِدَة وعن يساره أَسْوِدَة، قال: فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: فقال مرحبًا بالنّبي الصّالح والابن الصّالح. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم ﵇ وهذه الأَسْوِدَةُ عن يمينه وعن شماله نَسَمُ بنيه، فأهل اليمين أهل الجنّة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: ثم عرج بي جبريل حتى أتى السّماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، قال: فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدّنيا، ففتح.
فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين، ولم يُثْبِتْ كيف منازِلُهم غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم ﵇ في السّماء الدّنيا وإبراهيم في السماء السّادسة. قال: فلمّا مرّ جبريل ورسول الله ﷺ بإدريس صلوات الله عليه، قال: مرحبًا بالنّبيّ الصّالح، والأخ الصّالح قال: ثم مرَّ فقلت: من هذا؟ فقال: هذا إدريس. قال: ثم مررت بموسى عليه
стр. 5115
السلام، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والأخ الصالح. قال: قلت من هذا؟ قال: هذا موسى. قال: ثم مررتُ بعيسى، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والأخ الصّالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى ابن مريم. قال: ثم مررتُ بإبراهيم ﵇، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والابن الصّالح. قال: قلت من هذا؟ قال: هذا إبراهيم".
قال ابنُ شهاب: وأخبرني ابنُ حزم أنّ ابن عباس وأبا حَبَّة الأنصاريَّ كانا يقولان قال رسول الله ﷺ : "ثم عرج بي حتى ظهرْتُ لمستوًى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام".
قال ابنُ حزم، وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : "ففرض الله على أمّتي خمسين صلاة". قال: "فرجعت بذلك حتى أمر بموسى فقال موسى ﵇: ماذا فرض ربُّك على أمّتك؟ قال: قلت: فرض عليهم خمسين صلاة قال لي موسى ﵇: فراجِعْ ربَّك فإنَّ أمَّتَك لا تطيق ذلك. قال: فراجعت ربّي، فوضع شطرها. قال: فرجعت إلى موسى ﵇ فأخبرته، قال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال فراجعت ربي فقال هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي قال: فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربَّك فقلت: قد استحييت من ربي. قال: ثم انطلق بي جبريل حتى نأتي سدرةَ المنتهى فغشيها ألوانٌ لا أدري ما هي. قال: ثم أُدخلتُ الجنّةَ فإذا فيها جَنابذُ اللؤلؤ وإذا ترابُها المسك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٣٤٩)، ومسلم في الإيمان (١٦٣) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: "كان أبو ذرّ يحدّث". فذكر الحديث مثله، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ قريب منه.
• عن مالك بن صعصعة - رجل من قومه - قال: قال نبيُّ الله ﷺ : "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعتُ قائلًا يقول: أحدُ الثّلاثة بين الرّجلين، فأُتيتُ فانطُلِقَ بي فأُتِيتُ بِطَسْتٍ من ذهب فيها من ماء زمزم، فَشُرِح صدري إلى كذا وكذا. (قال قتادة: فقلت للذي معي: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطنه) فاستخرج قلبي فغُسِل بماء زمزم، ثم أُعيد مَكانَهُ، ثم حُشِيَ إيمانًا وحكمةً، ثم أتيتُ بدابَّةٍ أبيضَ يقال له البُراقُ فوق الحمار ودون البغل، يقعُ خَطْوُهُ عند أقصى طَرْفِه، فَحُمِلْتُ عليه، ثم انطلقنا حتَّى أتينا السّماء الدُّنيا، فاسفتَحَ جبريلُ ﷺ فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتح لنا، وقال: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، قال: فأتينا على آدم ﵇.
стр. 5116
وساق الحديث بقصته وذكر أنه لقي في السّماء الثّانية عيسى ويحيى ﵉، وفي الثالثة يوسف، وفي الرّابعة، إدريس، وفي الخامسة هارون صلوات الله عليهم وسلّم. قال: ثم انطلقنا حتَّى انتهينا إلى السّماء السّادسة، فأتيت على موسى ﵇ فسلّمتُ عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح والنّبي الصالح، فلما جاوزته بكى فنودي ما يبكيك؟ قال ربِّ هذا غلامٌ بعثته بعدي يدخل من أمّتِه الجنّة أكثرُ مِمّا يدخل من أمّتي! قال: ثم انطلقنا حتى انتهينا إلى السّماء السّابعة، فأتيت على إبراهيم.
وقال في الحديث: وحدّث نبي الله ﷺ أنّه رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل ما هذه الأنهار؟ قال: أمّا النّهران الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظّاهران فالنيل والفرات، ثم رُفع لي البيتُ المعمور. فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم. ثم أتيتُ بإناءين أحدُهما خمرٌ والآخر لَبَنٌ فَعُرِضَا عليَّ فاخترتُ اللَّبنَ، فقيل: أصبتَ أصاب الله بك أمَّتَك على الفطرة، ثم فُرِضَتْ عليَّ كل يوم خمسون صلاةً ثم. ذكر قصتها إلى آخر الحديث".
متفق عليه: رواه البخاريّ في كتاب المناقب (٣٨٨٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٤) كلاهما من حديث قتادة، قال: حدّثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، فذكره، واللّفظ لمسلم.
وفي لفظ البخاريّ بعد قوله: "لم يعودوا فيه آخر ما عليهم". "ورفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نَبِقُها كأنّه قلال هَجَر، وورقها كأنّه آذان الفيول".
وقوله: "ثم فرضت عليّ كل يوم خمسون صلاة" ثم ذكر قصتها إلى آخر الحديث. وهو قوله ﷺ - كما في صحيح البخاريّ -: "فأقبلت حتى جئتُ موسى فقال: ما صنعتَ؟ قلتُ: فُرضتْ عليَّ خمسون صلاةً. قال: أنا أعلم بالنّاس منك، عالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، وإنَّ أمَّتك لا تطيق، فارْجِعْ إلى ربِّك فَسَلْه. فرجعتُ فسألته فجعلها أربعين، ثم مثله ثم ثلاثين، ثم مثله، فجعل عشرين، ثم مثله فجعل عشرًا، فأتيتُ موسى فقال: مثله، فجعلها خمسًا فأتيت موسى فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها خمسةً فقال: مثله. قلت: سلَّمت بخير فنُودي أنّي قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي وأجزي الحسنة عشرا".
• عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ قال: "أُتِيتُ بالبُراق وهو دابّة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتَّى أتيتُ بيت المقدس. قال: فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجتُ فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من
стр. 5117
لبن فاخترت اللّبن. فقال جبريل ﷺ : اخترتَ الفِطْرةَ، ثم عَرَجَ بنا إلى السّماء فاستفتح جبريلُ، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمّد. قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عَرجَ بنا إلى السّماء الثّانية، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: مَنْ أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمّد. قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﷺ إذا هو قد أعطي شطر الحسن. فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السّماء الرّابعة فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس فرحّب ودعا لي بخير، قال الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]، ثم عرج بنا إلى السّماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﷺ فرحّب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇ قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﷺ فرحّب ودعا لي بخير، ثم عرج إلى السماء السّابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد ﷺ . قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السّدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال. قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حُسنها، فأوحى الله إليَّ ما أوحى ففرض عليَّ خمسين صلاةً في كلِّ يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﷺ فقال: ما فرض ربُّك على أمَّتِك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربِّك فاسأله التّخفيف؛ فإنّ أمَّتك لا يطيقون ذلك، فإنّي قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربّي، فقلت: يا ربّ! خَفِّفْ على أمَّتي، فحطَّ عنّي خمسًا، فرجعت إلى موسى، فقلت حطّ عنّي
стр. 5118
خمسًا. قال: إنّ أمّتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربِّك فاسأله التّخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمّد إنّهنّ خمسُ صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبتْ له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﷺ فأخبرتُه، فقال: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف. فقال رسول الله ﷺ فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٢) عن شيبان بن فروخ، حدّثنا حمّاد بن سلمة، حدّثنا ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك، فذكره.
• عن أنس بن مالك يقول: "ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة: إنّه جاءه ثلاثةُ نفر قبل أن يُوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيّهم هو؟ فقال: أوسطهم هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك اللّيلة، فلم يَرَهم حتَّى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه - وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم - فلم يكلّموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل فشقَّ جبريلُ ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوًا إيمانًا وحكمة فحشي به صدرُه ولَغَادِيدُه - يعني عروقَ حلقه -، ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السّماء الدنيا فضرب بابًا من أبوابها فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمّد. قال: وقد بُعث؟ قال: نعم، قالوا: فَمَرْحَبًا به وأَهلًا، فيستبشر به أهل السماء لا يعلم أهلُ السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم فوجد في السماء الدّنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك فسلِّم عليه، فسلَّم عليه. وردَّ عليه آدم، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نعم الابنُ أنت. فإذا هو في السّماء الدّنيا بنهرين يَطَّرِدان، فقال ما هذان النّهران يا جبريل! قال: هذا النِّيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السّماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده، فإذا هو مسك أذفر. قال: ما هذا يا جبريل. قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربّك، ثم عرج به إلى السّماء الثّانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ قالوا: وقد بعث إليه؟
стр. 5119
قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا، ثم عُرِج به إلى السّماء الثّالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السّماء السّادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السّابعة فقالوا له مثل ذلك كلّ سماء فيها أنبياء قد سمّاهم فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرّابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السّادسة وموسى في السّابعة بتفضيل كلام الله فقال موسى: ربّ لم أظن أن ترفع عليَّ أحدًا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربّ العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمَّتِك كلّ يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إليّ خمسين صلاةً كلّ يوم وليلة. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربّك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل: أنْ نعم إنْ شئتَ، فعلا به إلى الجبار، فقال: وهو مكانه يا رب! خفِّفْ عنا فإنّ أمتي لا تستطيع هذا فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربّه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد! والله! لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا فارجع فليخفف عنك ربّك كل ذلك يلتفت النبيّ ﷺ إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا ربّ! إنّ أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنّا. فقال الجبار: يا محمد! قال: لبيك وسعديك. قال: إنّه لا يبدل القول لديّ كما فرضت عليك في أمِّ الكتاب، قال: فكلُّ حسنةٍ بعشر أمثالِها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: خفف عنّا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها. قال موسى: قد والله! راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ارجع إلى ربّك فليخفف عنك أيضًا. قال رسول الله ﷺ يا موسى! قد والله! استحييت من ربّي ممّا اختلفت إليه. قال: فاهبطْ باسم الله. قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥١٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٢) كلاهما من حديث
стр. 5120
سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله أنه قال: سمعت ابن مالك يقول: فذكر الحديث بطوله، واللّفظ للبخاريّ.
ولفظ مسلم مختصر وقال: "وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البنانيّ. وقدّم فيه شيئًا وأخّر، وزاد ونقص". انتهى.
والذي يظهر أن مسلمًا لم يسق لفظ الحديث كاملًا لما وقع فيه من الأوهام من شريك بن عبد الله، وهو ابن أبي نمر، وإنما أحال على حديث ثابت البنانيّ، وليس في حديث ثابت البناني الأوهام التي في حديث شريك، وأما البخاريّ رحمه الله تعالى ساق حديث شريك بن عبد الله كما سمعه.
فمن الأوهام التي وقعت في حديث شريك بن عبد الله قوله: "ودنا الجبّار ربُّ العزّة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى".
وهذا لم يذكره ثابتٌ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة وابن مسعود أنّ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [سورة النجم: ٨، ٩] قالا: ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرّجل، وإنّما أتى هذه المرة في صورته فسدَّ الأفق".
وقد جمع الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ٤٨٠) المخالفات التي وقعت في حديث شريك فأجاب عن البعض واعترف عن البعض الآخر، ومن المخالفات في هذا الحديث قوله: "قبل أن يوحى إليه". فقد أنكر العلماء على شريك بن عبد الله في رواية هذه اللّفظة، لأنّ الإسراء وقع بعد مبعثه ﷺ بخمسة عشر شهرًا، بل قال الزهريّ كان ذلك بعد خمس سنين من مبعثه فهذه من الأوهام التي وقعت من شريك بن عبد الله، لم يوافق عليه أحد.
ولذا قال الحافظ ابن القيم في "زاد المعاد": "هذا مما عُدَّ من أغلاط شريك الثمانية".
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " لما عرج بي ربي مررتُ بقوم لهم أظفار يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.
صحيح: رواه أبو داود (٤٨٧٨) وأحمد (٣٣٤٠) ومن طريقه الضياء في المختارة (٢٢٨٥) كلهم من طريق أبي المغيرة الخولاني، حدثنا صفوان السكسكي، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "مررتُ ليلة أسري بي على قوم تُقرض شِفاهُهم بمقاريض من نار. قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خُطباء من أهل الدّنيا ممن كانوا يأمرون النّاس بالبرّ وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون".
صحيح: رواه أبو يعلى (٤٠٦٩)، والبيهقيّ في شعب الإيمان (٤٩٦٥) من طريق معتمر بن سليمان، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧٢) من طريق ابن المبارك - كلاهما عن سليمان التّيميّ، عن
стр. 5121
أنس. وهذا الإسناد صحيح.
ورواه الإمام أحمد (١٢٢١١) من وجه آخر عن علي بن زيد، عن أنس.
وعلي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، إلّا أنّه توبع في الإسناد الأوّل. وصحّحه ابنُ حبان (٥٣)، ورواه من وجه آخر عن أنس بن مالك، فذكر مثله.
• عن أنس، قال: "أتى النبيّ ﷺ بالبراق ليلة أسري به مسرّجًا ملجّمًا يركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا. فوالله! ما ركبكَ أحدٌ أكرم على الله منه، فارفضّ عرقًا".
صحيح: رواه عبد الرزّاق في "تفسيره" (١٥٣٣)، وعنه الإمام أحمد (١٢٦٧٢)، والتّرمذيّ (٣١٣١) من طريق عبد الرّزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلّا من حديث عبد الرّزاق".
وقوله: "فارفضَّ" أي سال.
• عن أبي هريرة، قال: قال النبيّ ﷺ : "حين أسري بي لقيتُ موسى ﵇، فإذا هو رجل (حسبته قال) مضطربٌ رَجِلُ الرّأس كأنّه من رجال شنوءة قال: ولقيتُ عيسى "فنعته النبيّ ﷺ " فإذا رَبْعَة أحمر، كأنّما خرج من ديماس (يعني حمامًا) قال: ورأيتُ إبراهيم صلوات الله عليه وأنا أشبه ولده به، قال: وأُتيتُ بإناءين أحدهما لبن، والآخر فيه خمر، فقيل لي: خُذ أيَّهما شئتَ، فأخذتُ اللّبن فشربْتُه، فقيل لي: هُديتَ الفطرةَ، أو أصبتَ الفطرةَ، أما إنّك لو أخذتَ الخمر غَوَتْ أمَّتُك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٣٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٨) كلاهما من حديث عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
قوله: "ربعة" يقال: رجل ربعة ومربوع - أي بين الطّويل والقصير.
وقوله: "ديماس" قال الجوهريّ في صحاحه في هذا الحديث، قوله: "خرج من ديماس" يعني في نضارته، وكثرة ماء وجهه، كأنّه خرج من كِنٍّ لأنّه قال في وصفه: كأنّ رأسه يقطر ماءً.
وفي البخاريّ (٤٧٠٩) من وجه آخر عن يونس، عن ابن شهاب، بإسناده وفيه: قال أبو هريرة: "أتي رسول الله ﷺ ليلة أسري به بإيلياء بقدَحين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللّبن. قال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوتْ أمَّتُك".
• عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "رأيت ليلة أُسري بي موسى رجلًا آدم طُوالًا جعدًا، كأنّه من رجال شَنُوءة. ورأيتُ عيسى رجلًا مربوعًا مربوعَ الخلق إلى الحمرة
стр. 5122
والبياض سبْط الرّأس، ورأيتُ مالكًا خازن النّار والدّجال، في آيات أراهنّ الله إيّاه قال تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٣٩)، ومسلم في الإيمان (١٦٥) كلاهما عن محمد بن بشّار، حدّثنا غندر (وهو محمد بن جعفر)، حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، حدّثنا ابنُ عمّ نبيّكم - يعني ابن عباس، فذكره.
واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم مختصر، ولكن رواه مسلم من وجه آخر عن قتادة بإسناده مثل لفظ البخاريّ.
قوله: "طُوالًا" أي طويل، وهما لغتان.
قوله: "جعدًا" المراد بالجعد هنا جعودة الجسم، وهو اجتماعه واكتنازه، وليس المراد جعودة الشّعر.
وقوله: "شنوءة" وهي قبيلة معروفة في اليمن، ومنه أزد شنوءة وهم حي من اليمن.
• عن ابن عباس قال: فذكروا الدّجال، فقال (أي أحد الحاضرين): إنّه مكتوب بين عينيه كافر. قال: فقال ابن عباس: لم أسمعه ولكنّه قال: "أمّا إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم. وأمّا موسى فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخُلبة، كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبّي".
صحيح. رواه مسلم في الإيمان (١٦٦: ٢٧٠) عن محمد بن المثنى، حدّثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن مجاهد، قال: كنّا عند ابن عباس، فذكره.
• عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ مرَّ بوادي الأزرق فقال: "أي وادٍ هذا؟ ". فقالوا: هذا وادي الأزرق، قال: "كأنّي أنظر إلى موسى ﵇ هابطًا من الثّنية وله جؤار إلى الله بالتّلبية". ثم أتى على ثنية هَرْشى فقال: "أيّ ثنية هذه؟ ". قالوا: ثنية هرشى. قال: "كأنّي أنظر إلى يونس بن متّى ﵇ على ناقة حمراء جعدة عليه جُبّة من صوف. خِطام ناقته خُلْبة، وهو يُلبّي".
قال ابن حنبل في حديثه: قال هشيم: يعني ليفًا "وهو يلبي". كذا في المسند.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٦) عن أحمد بن حنبل، وسريج بن يونس، قالا: حدّثنا هُشيم، أخبرنا داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن ابن عباس، فذكره. وهو في مسند الإمام أحمد (١٨٥٤).
قوله: "الجؤار" رفع الصّوت والاستغاثة.
ورواه أيضًا مسلم من وجه آخر عن داود بإسناده وفيه قال ابن عباس:
"سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة".
стр. 5123
وفيه أيضًا: "خطام ناقته ليفٌ خُلْبة".
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما كان ليلةُ أُسريَ بي، وأصبحتُ بِمكّة، فَظِعْتُ بأمري، وعَرفْتُ أنَّ الناس مُكَذِّبي". فقعد معتزلًا حزينًا. قال: فمرَّ عدوُّ الله أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "نعم". قال ما هو؟ قال: "إنّه أُسري بي اللّيلة". قال: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس". قال: ثم أصبحتَ بين ظهرانينا؟ قال: "نعم". قال: فلم يُرِه أنّه يُكَذِّبه مَخافةَ أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه. قال: أرأيتَ إنْ دعوتُ قومَك تحدِّثُهم ما حدّثْتني؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فقال: هَيَا معشرَ بني كعب بن لُؤي، حتَّى قال فانتفضت إليه المجالس وجاءوا حتَّى جلسوا إليهما. قال: حدِّثْ قومَك بِما حَدَّثْتني. فقال رسول الله ﷺ : "إنِّي أُسريَ بي اللَّيلةَ". قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى بيت المقدس". قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: "نعم". قال: فَمِن بين مُصفِّق ومِن بين واضع يده على رأسه، متعجِّبًا للكذب زعم! ! قالوا: وهل تستطيع أنْ تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم مَنْ قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد. فقال رسول الله ﷺ : "فذهبتُ أنعتُ، فما زلت أنعت حتى التبس عليَّ بعضُ النَّعت". قال: "فجيء بالمسجد وأنا أنظرُ حتى وُضِع دونَ دارِ عِقَالٍ - أو عَقيل - فنعتُّه وأنا أنظر إليه". قال: "وكان مع هذا نَعْتٌ لم أحفظه". قال: "فقال القوم: أما النّعتُ فوالله! لقد أصاب".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٨١٩)، والبزّار - كشف الأستار (٥٦) -، والطبرانيّ (١٢٧٨٢) كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس، فذكره، واللّفظ لأحمد. وإسناده صحيح.
• عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما كانت الليلة التي أسري بي فيها، أتت علي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت: وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم، إذ سقطت المدْرى من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك! قالت: نعم، فأخبرته فدعاها، فقال: يا فلانة، وإن لك ربًا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن
стр. 5124
لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد، وتدْفنّا. قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها، واحدًا واحدًا، إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، كأنها تقاعست من أجله، قال: يا أمه، اقتحمي، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فاقتحمت".
قال: قال ابن عباس: تكلم أربعة صغار: عيسى ابن مريم ﵇، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٨٢١) عن أبي عمر الضرير، أخبرنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده صحيح، عطاء بن السائب ثقة، وثّقه الأئمة إلا أنه اختلط في آخر عمره لكن حماد بن سلمة سمع منه قبل الاختلاط. انظر تخريجه بالتفصيل في كتاب الإيمان - باب إثبات العلو لله تعالى.
وأما ما رواه ابن ماجه (٤٠٣٠) عن ابن عباس، عن أبي بن كعب نحوه ففيه سعيد بن بشير ضعيف.
• عن ابن عباس، قال: أُسري بالنّبيّ ﷺ إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته، فحدّثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، فقال ناس: قال حسن: نحن نصدّق محمّدًا بما يقول، فارتدُّوا كفّارًا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل، وقال: أبو جهل: يُخوفنا محمّدٌ بشجرة الزّقوم! هاتُوا تَمرًا وزُبْدًا فتزَقَّمُوا. ورأى الدَّجال في صورته رؤيا عين ليس رؤيا منام، وعيسى، وموسى، وإبراهيم صلوات الله عليهم، فسُئل النّبيُّ ﷺ عن الدّجّال؟ فقال: "أقمرُ هِجانٌ - قال حسنٌ: قال: رأيته فيلمانيًّا أقمر هِجانًا - إحدى عينيه قائمةٌ كأنها كوكب دُريّ، كأن شعرَ رأسه أغصانُ شجرة، ورأيت عيسى شابًا أبيض جعد الرّأس، حديد البصر، مُبَطَّن الخلق، ورأيتُ موسى أَسْحَمَ آدم، كثير الشَّعر - قال حسن: الشَّعْرة - شديدَ الخلق، ونظرت إلى إبراهيم فلا أنظر إلى إرْبٍ من آرابه إلا نظرت إليه منّي كأنّه صاحبكم، فقال جبريل ﵇: سلِّم على مالك فسلمتُ عليه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٣٥٤٦)، وأبو يعلى (٢٧٢٠) كلاهما من حديث الحسن بن موسى، حدّثنا ثابت أبو زيد، عن هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره واللّفظ لأحمد. وإسناده حسن من أجل هلال وهو ابن خباب مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٦٦ - ٦٧): "رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أنّ هلال بن خباب قال يحيى القطّان: أنه تغيّر قبل موته، وقال يحيى بن معين: لم يتغير ولم يختلط، ثقة مأمون. ورواه أبو يعلى وزاد: "ورأى الدّجال في صورته رؤيا عين ليس رؤيا منام، وعيسى ابن مريم،
стр. 5125
وإبراهيم. قال: فسُئل النّبي ﷺ عن الدّجال؟ فقال: "رأيته فَيْلَمانيا أَقْمر هِجَانًا، إحدى عينيه قائمةٌ كأنّها كوكب دُرّيّ، كأنَّ شعره أغصان شجرة، ورأيت عيسى شابًا أبيضَ، جعد الرأس، حديد البصر، مُبَطَّن الخلق، ورأيت موسى أَسْحم آدم كثير الشّعر شديدَ الخلق، ورأيت إبراهيم فلا أنظر إلى إرب من آرابه إلّا نظرت إليه كأنه صاحبكم. قال: وقال لي جبريل ﵇: سلِّم على أبيك، وسلَّمتُ عليه".
وأخرجه ابن كثير في تفسيره من طريق أحمد وقال: "ورواه النسائيّ (أي في الكبرى (١١٤٨٤) من حديث أبي زيد ثابت بن يزيد، عن هلال - وهو ابن خبّاب -، به. وهو إسناد صحيح". انتهى.
وقوله: "الفَيْلماني" منسوب إلى الفَيْلم، والفَيْلم العظيم الضّخم الجثّة.
وقوله: "الأقمر" الأبيض.
وقوله: "الإرب" العضو.
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى بيت المقدس. قال: قال تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي شجرة الزقوم.
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٨٨) عن الحميدي، حدتنا سفيان، حدثنا عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وقيل: هذه الرؤيا لا علاقة له بالإسراء، لأن الإسراء كان في اليقظة، ولذا فسر عكرمة الرؤيا في هذه الآية هي دخول المسجد الحرام، والفتنة الصد بالحديبية. ذكره القرطبي في المفهم (١/ ٣٨٥)
• عن ابن عباس قال: ليلة أسري بنبي الله ﷺ ودخل الجنة، فسمع في جانبها وجْسًا قال: "يا جبريل ما هذا؟ ". قال: هذا بلال المؤذن. فقال نبي الله ﷺ حين جاء إلى الناس: "قد أفلح بلال، رأيت له كذا وكذا". قال: فلقيه موسى ﵇ فرحب به، وقال: مرحبًا بالنبي الأمي، فقال: "من هذا يا جبريل؟ ". قال: هذا موسى ﵇ قال: فمضى فلقيه عيسى، فرحب به، وقال: "من هذا يا جبريل؟ ". قال: هذا عيسى. قال: فمضى، فلقيه شيخ جليل مهيب، فرحب به وسلم عليه، وكلهم يسلم عليه، قال: "من هذا يا جبريل؟ ". قال: هذا أبوك إبراهيم، قال: فنظر في النار، فإذا قوم يأكلون الجيف، قال: "من هؤلاء يا جبريل؟ ". قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ورأى رجلًا أحمر أزرق جعدًا شعثًا إذا رأيته، قال: "من هذا يا جبريل؟ ". قال: هذا عاقر الناقة.
قال: فلما دخل النبي ﷺ المسجد الأقصى قام يصلي، ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون
стр. 5126
معه، فلما انصرف جيء بقدحين، أحدهما عن اليمين، والآخر عن الشمال، في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبت الفطرة.
حسن: رواه أحمد (٢٣٢٤) عن عثمان بن محمد - وسمعته أنا منه - حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل قابوس وهو ابن أبي ظبيان مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف أو لم يأتي بالمناكير، ولفقرات حديثه هذا شواهد كثيرة.
وقوله: الوجس: هو صوت خفي.
• عن جابر، أنّ رسول الله ﷺ قال: "عُرض عليَّ الأنبياء، فإذا موسى ضربٌ من الرّجال، كأنّه من رجال شنُوءة. ورأيتُ عيسى ابن مريم ﵇. فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه فإذا أقرب من رأيت به شبهًا صاحبكم (يعني نفسه)، ورأيت جبريل ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبهًا دحية".
وفي رواية: "دحية بن خليفة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٧) من طرق عن اللّيث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
• عن زِرّ بن حبيش قال: "أتيت على حذيفة بن اليمان وهو يحدِّث عن ليلة أُسريَ بمحمّد ﷺ ، وهو يقول: "فانطلقتُ - أو انطلقنا - حتى أتينا على بيت المقدس". فلم يَدخلاه، قال: قلتُ بل دخله رسول الله ﷺ ليلتئذٍ وصلّى فيه. قال: ما اسمُك يا أصلَعُ! فإنّي أعرفُ وَجْهَكَ ولا أدري ما اسمك؟ قال: قلت: أنا زِرُّ بنُ حُبَيْش. قال: فما عِلْمُك بأنَّ رسولَ الله ﷺ صلّى فيه ليلتئذ؟ قال: قلت: القرآنُ يُخبرني بذلك. قال: من تكلَّم بالقرآن فَلَجَ، اقْرأْ. قال: فقرأت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] قال: فلم أجدْهُ صلَّى فيه. قال: يا أصلَعُ، هل تجد صلّى فيه؟ قال: قلت: لا. قال واللهِ! ما صلّى فيه رسول الله ﷺ ليلتئذ، لو صلّى فيه لكُتِبَ عليكم صلاةٌ فيه كما كُتِبَ عليكم صلاةٌ في البيت العتيق، واللهِ ما زَايَلا البُراقَ حتى فُتحتْ لهما أبوابُ السّماء فرأيا الجنّة والنّارَ ووَعْدَ الآخرة أَجْمعَ، ثم عادا عَوْدَهُما على بَدْئِهما. قال: ثم ضحِك حتى رأيتُ نواجذَه. قال: ويُحدِّثون أنه رَبطَه، ألِيَفِرَّ منه؟ ! وإنّما سخّره له عالِمُ الغيب والشّهادة. قال: قلت: أبا عبد الله أيُّ دابّة البُراق؟ قال: دابة أبيض طويل هكذا خطوُه مَدَّ البَصر".
стр. 5127
حسن: رواه الترمذيّ (٣١٤٧) عن ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن مسعر، عن عاصم بن أبي النّجود، عن زرّ بن حبيش، قال (فذكر الحديث).
ورواه الإمام أحمد (٢٣٢٨٥)، وصحّحه ابن حبان (٤٥)، والحاكم (٢/ ٣٥٩) كلّهم من طرق عن عاصم بن أبي النّجود.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
قلت: هو حسن من أجل عاصم بن أبي النّجود فإنّه حسن الحديث.
وأمّا نفي حذيفة ﵁ صلاة النبيّ ﷺ في بيت المقدس فبناء على اجتهاد منه، وإلّا فقد ثبت في حديث ابن مسعود وأنس وأبي هريرة وغيرهم أنه صلى فيه، والمثبت مقدم على النافي.
وأمّا قوله: "لو كان رسول الله ﷺ صلّى هناك لوجب على أمّته أن يأتوا ذلك المكان، ويُصلّوا فيه كما فعل ﷺ ". فإنّ ذلك مما لا حجّة لحذيفة فيه، إذ كان رسول الله ﷺ يأتي مواضع ويصلي فيها، ولم يكتب علينا إتيانها ولا الصّلوات فيها. انظر للمزيد "مشكل الآثار" (١٢/ ٥٤٤) للطّحاويّ.
• عن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل بإصبعه فحفر به الحجر، وشدَّ به البراق".
حسن: رواه الترمذيّ (٣١٣٢)، وصحّحه ابنُ حبان (٤٧)، والحاكم (٢/ ٣٦٠)، كلّهم من طريق الزبير بن جُنادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
وفي لفظ ابن حبان: "فخرق جبريل الصّخرة بإصبعه".
قال الترمذيّ: "حسن غريب".
قلت: وإسناده حسن من أجل الزبير بن جنادة، فقد وثّقه ابن معين كما في سؤالات ابن الجنيد (ص ٢٧٩)، وروى عنه عددٌ، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج حديثه في صحيحه، وقال الحاكم: مروزيّ ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالمشهور - أي ليس له كثير الرّوايات، وذكره الذّهبيّ في "الميزان" وقال: "أخطأ من قال فيه: جهالة، ولولا أن ابن الجوزيّ ذكره، ذكرته".
قلت: فمثله يحسّن حديثه، وانظر حديث أنس الطّويل في ربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، وليس بين الحديثين خلاف، فإنّ الحلقة لعلّها كانتْ في الصّخرة.
• عن شدّاد بن أوس قال: "قلنا يا رسول الله! كيف أُسري بك؟ قال: "صليتُ العتمة بمكة معتمًا، وأتاني جبريل ﵇ بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل، فقال: اركب فاستصْعبتْ عليَّ، فدارها بأذنها، ثم حملني عليها، فانطلقتْ تهوي بنا: يقع حافرها حيث أدرك طرفها، حتى بلغنا أرضًا ذات نخل فأنزلني، فقال: صلِّ. فصليتُ، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت
стр. 5128
بيثرب، صليت بطيبة، فانطلقتْ تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضًا فقال: انزل، فنزلتُ، ثم قال: صلِّ فصليتُ، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليتَ بمدين، صليتَ عند شجرة موسى ﵇، ثم انطلقتْ تهوى بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضًا بدتْ لنا قصور، فقال: انزل فنزلت، فقال: صلِّ فصليتُ، ثم ركبنا، قال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت ببيت لحم، حيث وُلد عيسى ﵇ المسيح ابن مريم، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد فربط به دابته ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشّمس والقمر، فصليتُ من المسجد حيث شاء الله وأخذني من العطش أشدّ ما أخذني، فأتيتُ بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، أُرْسِلَ إليَّ بهما جميعًا، فعدلتُ بينهما ثم هداني الله فأخذت اللّبن فشربت، حتى قرعت به جبيني وبين يدي شيخ متكئ على مثْراةٍ له فقال: أخذ صاحبُك الفطرة أنه ليُهدى، ثم انطلق لي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة، فإذا جهنّم تنكشف عن مثل الزَّاربيِّ، قلت: يا رسول الله! كيف وجدتها؟ قال: مثل الحمة السخنة، ثم انصرف بي فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا قد أضلّوا بعيرًا لهم فجمعه فلان، فسلمت عليهم فقال: بعضهم هذا صوت محمد، ثم أتيتُ أصحابي قبل الصبح بمكة فأتاني أبو بكر ﵁، فقال: يا رسول الله! أين كنت اللّيلة فقد التمستُك في مكانك. فقال: علمت أني أتيتُ بيت المقدس اللّيلة، فقال: يا رسول الله! إنّه مسيرة شهر فصفه لي. قال: فَفُتِح لي صراط كأني أنظر فيه لا يسلني عن شيء إلّا أنبأته عنه، قال أبو بكر: أشهد أنّك رسول الله، فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أَتى بيت المقدس اللّيلة، قال: فقال: إنّ من آية ما أقول لكم أنّي مررتُ بعير لكم بمكان كذا وكذا قد أضلّوا بعيرًا لهم فجمعه فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمُهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينتظرون حتى كان قريب من نصف النّهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله ﷺ ".
حسن: رواه البيهقيّ في "الدّلائل" (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧) قال: وأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد، واللّفظ له، قال: أخبرنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن العباس، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل أبو إسماعيل التّرمذيّ، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن
стр. 5129
العلاء بن الضّحاك الزّبيديّ، قال: حدّثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم الأشعريّ، عن الزّبيديّ محمد بن الوليد بن عامر، قال: حدّثنا الوليد بن عبد الرحمن، أنّ جبير بن نُفير، قال: حدّثنا شدّاد بن أوس، قال: فذكر الحديث.
قال البيهقيّ: هذا إسناد صحيح، ورُوي ذلك مفرّقًا في أحاديث غيره، ونحن نذكر من ذلك إن شاء الله تعالى ما حضرنا".
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" بعد أن نقل قول البيهقيّ: "ثم ساق أحاديث كثيرة في الإسراء كالشّاهد لهذا الحديث. وقد روي هذا الحديث عن شدّاد بن أوس بطوله الامامُ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره، عن أبيه، عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزّبيدي، به، ولا شكّ أنّ هذا الحديث - أعني الحديث المروي عن شدّاد بن أوس - مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقيّ، ومنها ما هو منكر، كالصّلاة في بيت لحم، وسؤال الصّديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك" انتهى.
قلت: لعل بعض النكارة كان سببها إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي المعروف بابن زبريق مختلف فيه فأثنى عليه ابن معين خيرًا، وقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به، ولكنهم يحسدونه، وضعّفه النسائي وأما قول محمد بن عوف الحمصي أنه كان يكذب فهو بعيد.
والخلاصة فيه: أنه حسن الحديث إلا في جمل يسيرة أخطأ فيها.
• عن عائشة، قالت: "لما أسري بالنّبيّ ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدّث النّاسُ بذلك، فارتدّ ناسٌ ممن آمنوا به، وصدّقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به اللّيلة إلى بيت المقدس. قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أو تصدّقه أنه ذهب اللّيلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إنِّي لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدِّقه بخبر السّماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصّديق".
حسن: رواه الحاكم (٣/ ٦٢) ومن طريقه البيهقيّ في الدّلائل (٢/ ٣٦٠ - ٣٦١) من طريق محمد بن كثير الصّنعانيّ، قال: حدّثنا معمر بن راشد، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في محمد بن كثير الصّنعانيّ. والخلاصة: أنه حسن الحديث في الشّواهد.
قال ابن شهاب: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن فذكر القصة وقال: فبها سمي أبو بكر الصديق ﵁.
انظر: الدلائل للبيهقي (٢/ ٣٦٠).
стр. 5130
وأمّا ما رواه البيهقيّ في الدّلائل (٢/ ٣٩٠ - ٣٩٦) عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ ﷺ ، فذكر حديث الإسراء بطوله.
رواه من طريق أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد الخدريّ.
فأبو هارون العبديّ وهو عمارة بن جوين، قال النسائي والحاكم: "متروك". وقال الجوزجاني: "كذاب مفتر" وضعّفه غيرهم.
وساقه ابن كثير في تفسيره بطوله عن البيهقيّ وقال: "ورواه ابنُ أبي حاتم، عن أبيه، عن أحمد بن عبدة، عن أبي عبد الصّمد عبد العزيز بن عبد الصّمد، عن أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكر نحوه - بسياق طويل حسن أنيق، أجود مما ساقه غيره على غرابته، وما فيه من النّكارة. ثم قال: وأبو هارون العبديّ - واسمه عمارة بن جوين، وهو مضعَّف عند الأئمّة".
وكذلك ما رواه أبو جعفر بن جرير الطّبريّ في "تفسيره" عن علي بن سهل، حدّثنا حجّاج، حدّثنا أبو جعفر الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية الرّياحيّ، عن أبي هريرة، أو غيره - شك أبو جعفر - في حديث طويل.
ورواه أيضًا البيهقيّ في "الدّلائل" (٢/ ٣٩٧ - ٤٠٣) من طريق أبي جعفر - وهو عيسى بن ماهان - بإسناده.
وأورده الحافظ ابن كثير في "تفسيره" وقال: "أبو جعفر الرّازيّ قال فيه الحافظ أبو زرعة الرّازيّ: يهم في الحديث كثيرًا، وقد ضعّفه غيره أيضًا، ووثّقه بعضهم، والأظهر أنّه سيء الحفظ، ففيما تفرّد به نظر. وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطّويل عند البخاريّ، ويُشبه أن يكون مجموعًا من أحاديث شتّى، أو منام أو قصّة أخرى غير الإسراء، والله أعلم" انتهى.
وكذلك ما رُوي عن عبد الرحمن بن قرط، أنّ رسول الله ﷺ ليلة أسري إلى المسجد الأقصى كان بين المقام وزمزم، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السّماوات السّبع، فلما رجع قال: سمعتُ تسبيحًا في السماوات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى ".
رواه الطّبرانيّ عن علي بن عبد العزيز، ثنا سعيد بن منصور، ثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرّملة، عن عروة بن رُويم، عن عبد الصّمد بن قرط، فذكره.
قال الطبرانيّ: لا يُروى عن النّبيّ ﷺ إلّا بهذا الإسناد، تفرّد به سعيد. انظر "مجمع البحرين" (٥٨).
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٧٨) وقال: "فيه مسكين بن ميمون، ذكر له الذّهبي هذا الحديث وقال: إنّه منكر". أي في "الميزان" (٤/ ١٠١).
وكذلك ما رُوي عن ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ قال: "لقيتُ ليلة أُسري بي إبراهيم، وموسى،
стр. 5131
وعيسى. قال: فتذاكروا أمرَ السّاعة، فردُّوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علْمَ لي بها، فرَدُّوا الأمرَ إلى موسى، فقال: لا علمَ لي بها، فردُّوا الأمر إلى عيسى، فقال: أمّا وَجْبتُها، فلا يعلمُها أحدٌ إلّا الله، ذلك وفيما عهد إليَّ ربّي أنّ الدّجال خارج، قال: ومعي قضيبين، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرَّصاص، قال: فيُهلكُه الله، حتَّى إنّ الحَجَر والشَّجر ليقولُ: يا مسلم، إنّ تحتي كافرًا، فتعالَ فاقْتُلْه، قال: فيُهلِكُهم الله، ثم يرجعُ النّاسُ إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كلِّ حَدَب يَنْسلون، فيطؤون بلادَهم، لا يأتون على شيء إلّا أهلكوه، ولا يمُرُّون على ماءٍ إلّا شَرِبوه، ثم يرجعُ النّاسُ إليَّ فيشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم الله ويميتُهم، حتى تَجْوى الأرضُ من نَتْن رِيحهم، قال: فيُنزلُ الله المطرَ، فَتَجْرُفُ أجسادهم حتى يقذفهم في البحر". قال أبي: ذهب عليَّ هاهنا شيءٌ لم أفهمه، كأديم، وقال يزيد - يعني ابن هارون -: "ثم تُنْسفُ الجبالُ، وتُمدُّ الأرضُ مدَّ الأديم". ثم رجع إلى حديث هُشيم، قال: "ففيما عهد إليَّ ربّي : أنّ ذلك إذا كان كذلك، فإنَّ السّاعةَ كالحامِل المُتِمِّ، التي لا يَدري أهلُها متى تفجَؤُهم بولادتِها ليلًا أو نهارًا".
رواه الإمام أحمد (٣٥٥٦) عن هشيم، أخبرنا العوّام بن حوشب، عن جبلة بن سُحيم، عن مُؤْثِر بن عَفازة، عن ابن مسعود، فذكره.
وفيه مؤثر بن عفازة - بالعين - لم يوثّقه غير ابن حبان فهو في عداد المجهولين، كما اختلف في رفعه ووقفه.
فرواه هُشيم، عن العوّام بن حوشب هكذا مرفوعًا.
ورواه يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب موقوفًا.
ومن طريقه رواه ابن ماجه (٤٠٨١)، والحاكم (٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩) وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وهو تساهل منهما كما أن في متنه ما ينكر عليه، منها قوله: "فتذاكروا أمر السّاعة".
وقد رُوي عن ابن مسعود ما هو أغرب منه، وهو ما رواه الحسن بن عرفة في جزئه المشهور. (رقم ٦٩) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وقال: "إسناد غريب ولم يخرجوه، فيه من الغرائب ... ".
وفي الباب عن أم هانئ في حديث طويل. رواه أبو يعلى في معجمه (١٠) عن محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن أم هانئ قالت: فذكرت الحديث. وأورده الحافظ في المطالب العالية (١٧/ ٢٧٩).
ومحمد بن إسماعيل بن علي هو الوساوسي البصري، قال أحمد بن عمرو البزار الحافظ: كان يضع الحديث، وقال الدارقطني وغيره: ضعيف.
وقال الذهبي في الميزان (٣/ ٤٨١) بعد أن نقل تضعيفه عن هؤلاء: له حديث في الإسراء سقته
стр. 5132
في الترجمة النبوية، أي تاريخ الإسلام ص ٢٤٦، وقال فيه: "هو حديث غريب، الوساوسي ضعيف تفرد به".
قلت: في متنه نكارة مثل ذكر صلاة الصبح، والصلاة لم تفرض إلا في المعراج.
وذكرها الحافظ ابن حجر في الإصابة (١٤/ ٢٣٩) في ترجمة نبعة الحبشية جارية أم هانئ وقال: ذكرها أبو موسى في "الذيل". وذكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن أم هانئ بنت أبي طالب في مسرى رسول الله ﷺ أنها كانت تقول: ما أسري به إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان الصبح أهبّنا لنصلي الصبح فصلينا معه قال: "يا أم هانئ ... فذكر قصة الإسراء.
ثم قال: وأخرجه أبو يعلى وروايته أصح من رواية الكلبي، فإن في روايته من المنكر أنه صلى العشاء الآخرة والصبح معهم وإنما فرضت الصلوات ليلة المعراج، وكذا نومه تلك الليلة في بيت أم هانئ وإنما نام في المسجد" انتهى.
وأما ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "وما مررت بملأ من الملائكة ليلة أسري بي إلا قالوا: عليك بالحجامة يا محمد" فهو ضعيف.
رواه أحمد (٣٣١٦) والترمذي (٢٠٥٣) وابن ماجه (٣٤٧٧) والحاكم (٤/ ٢١٠، ٢٠٩) كلهم من طرق عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وعباد بن منصور ضعيف باتفاق أهل العلم وكان يُدلس. وقد دلس في هذا الحديث مع ضعف فيه.
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: قلت لعباد بن منصور الباجي: سمعت ما مررت بملأ من الملائكة ... فقال: حدثني ابن أبي يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. ذكره العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٦).
وابن أبي يحيى هو إبراهيم بن محمد متروك، وداود بن حصين ثقة إلا في عكرمة. وأما الحاكم فقال: صحيح الإسناد.
تنبيه: سقط عند الحاكم في الموضع الأول "عكرمة" بين عباد بن منصور وبين ابن عباس، وهو ثابت في الموضع الثاني.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : "ما مررتُ ليلة أسري بي بملأ إلا قالوا: يا محمد! مر أمتك بالحجامة".
رواه ابن ماجه (٣٤٧٩) عن جبارة بن المغلس، قال: حدثنا كثير بن سُليم، قال: سمعت أنس بن مالك فذكره.
وجبارة بن المغلس وشيخه كثير بن سُليم ضعيفان.
وكذلك لا يصح ما روي عن ابن مسعود قال: حدّث رسول الله ﷺ عن ليلة أسري به أنه لم يمر
стр. 5133
على ملأ من الملائكة إلا أمروه أن مر أمتك بالحجامة.
رواه الترمذي (٢٠٥٢) عن أحمد بن بُديل بن قريش اليامي الكوفي، قال: حدثنا محمد بن فُضيل، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن ابن مسعود فذكره.
قال الترمذي: "حسن غريب من حديث ابن مسعود".
قلت: فيه عبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث الواسطي، أبو شيبة ضعيف باتفاق أهل العلم، قال أحمد: منكر الحديث.
قلت: لأن ذكر الحجامة في قصة الإسراء والمعراج لم يثبت في الأحاديث الصحيحة وهي كثيرة، فوهم هؤلاء الرواة في إقحام الأمر بالحجامة في ليلة أسري بالنبي ﷺ . وكذلك له شواهد أخرى لا تصح.
٣٠ - باب تجلية بيت المقدس وغيره من الأشياء للنّبيّ ﷺ عند سؤال قريش عن الإسراء
• عن جابر بن عبد الله، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لمّا كذّبني قريش قمتُ في الحجر، فجلّا اللهُ لي بيتَ المقدس، فطفقتُ أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٨٨٦)، ومسلم في الإيمان (١٧٠) كلاهما من حديث اللّيث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، سمعتُ جابر بن عبد الله قال. (فذكر الحديث).
ورواه البخاري أيضًا (٤٧١٠) من وجه آخر من حديث ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فذكر مثله.
قال البخاري: زاد يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه: لما كذَّبتْني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس ... نحوه.
فقوله: عن عمه - الظاهر فيه بإسناده السابق، ولكنه جعله ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٩٢) معلقًا ولذا قال: وصله الذهلي في الزهريات عن يعقوب بهذا الإسناد. وأخرجه قاسم بن ثابت في "الدلائل" من طريقه ولفظه: جاء ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه أتى بيت المقدس، ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة، قال أبو بكر: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لقد صدق، انتهى.
وفي دلائل البيهقي قال: نعم إني أصدقه بأبعد من ذلك.
أصدقه بخبر السماء. قال: فسمي بذلك الصديق.
стр. 5134
• عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لقد رأيتُني في الحجر وقريش تَسْأَلُني عن مَسْرَايَ، فسَأَلَتْني عن أَشْياءَ من بيتِ المقدس لم أُثْبِتْها. فَكُرِبْتُ كُرْبَةً ما كربت مثله قطّ. قال: فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتُهُمْ به. وقدْ رأَيْتُني في جماعة من الأنبياء. فإذا موسى قائمٌ يُصلِّي. فإذا رجُلٌ ضرْبٌ جعدٌ كأنَّه من رجال شَنُوءَةَ. وإذا عيسى ابنُ مريم ﵇ قائمٌ يُصلِّي. أقربُ النّاس به شَبَهًا عروةُ بنُ مسعود الثّقفيُّ. وإذا إبراهيمُ ﵇ قائمٌ يصلي. أَشْبه النّاس به صاحبُكم (يعني نفسَهُ) فحانتِ الصَّلاةُ فأَمَمْتُهُمْ. فلمّا فَرَغْتُ من الصَّلاة قال قَائِلٌ: يا محمّد! هذا مالكٌ صَاحبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عليه. فالتفتُّ إِلَيْهِ فبدأني بالسَّلام".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٢) عن زهير بن حرب، حدّثنا حُجين بن المثنّى، حدثّنا عبد العزيز (وهو ابن أبي سلمة)، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره مثله.
٣١ - باب ذكر سدرة المنتهى
• عن عبد الله، قال: لمّا أسْري برسول الله ﷺ انْتُهِيَ به إلى سِدْرةِ المنتهى. وهي في السّماء السّادسة، إليها ينتهي ما يُعرَجُ به من الأرضِ. فيُقبضُ منها. وإليها ينتهي ما يُهبطُ به من فوقها. فيقْبضُ منها. قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾. قال: فَراش من ذهب. قال، فأُعطِيَ رسولُ الله ﷺ ثلاثًا: أعُطِيَ الصّلوات الخمس. وأُعْطِيَ خواتيمَ سورةِ البقرة، وغُفرَ - لمن لم يُشْرِك بالله من أُمَّته شيئًا - المُقْحِمَاتُ.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٣) من طرق عن مالك بن مِغْوَل، عن الزّبير بن عدي، عن طلحة، عن مرّة، عن عبد الله، فذكره.
• عن أنس بن مالك، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "رفعت لي سدرةُ المنتهى في السّماء السّابعة، نَبقُها مثلُ قلال هَجَر، وورقها مثلُ آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان. فقلت: يا جبريل ما هذان؟ قال: أمّا الباطنان ففي الجنة، وأمّا الظاهران فالنيل والفرات".
صحيح: رواه عبد الرّزاق في تفسيره، وعنه الإمام أحمد (١٢٦٧٣) عن معمر، عن قتادة، عن أنس، فذكر الحديث.
وإسناده صحيح، وقد سبق في حديث أنس الطويل جزء هذا.
قال الحاكم (١/ ٨١) بعد أن رواه من هذا الطّريق: "صحيح على شرط الشّيخين".
стр. 5135
قال القرطبي في المفهم (١/ ٣٩٤): وفي حديث أنس ما يقتضي أن السدرة في السماء السابعة أو فوقها، لقوله: "ثم ذهب بي إلى السدرة". بعد أن استفتح السماء السابعة ففتح له فدخل، وفي حديث عبد الله أنها في السماء السادسة، وهذا تعارض لا شك فيه، وما في حديث أنس أصح، وهو قول الأكثر، والذي يقتضيه وصفها: بأنها التي ينتهي إليها علم كل ملك مقرب وكل نبي مرسل، على ما قاله كعب، وقال: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله، وكذلك قال الخليل بن أحمد، وقال: إليها تنتهي أرواح الشهداء، وقال ابن عباس: هي عن يمين العرش، وأيضًا فإن حديث أنس مرفوع، وحديث عبد الله موقوف عليه من قوله، والمسند المرفوع أولى. انتهى.
وقد حاول النووي الجمع بين الحديثين وتبعه ابن حجر بأن أصلها في السادس وفرعها في السابعة وفيه نظر.
٣٢ - عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل طلبًا للنصرة منهم
• عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف. فيقول: "هل من رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلّغ كلام ربي".
فأتاه رجل من همدان فقال: "ممن أنت؟ " فقال الرجل: من همدان. قال: "فهل عند قومك من منعة؟ " قال: نعم، ثم إن الرجل خشي أن يُخفره قومه. فأتى رسول الله ﷺ فقال: آتيهم فأخبرهم، ثم آتيك من عام قابل. قال: "نعم" فانطلق، وجاء وفد الأنصار في رجب.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٥١٩٢) واللفظ له، وأبو داود (٤٧٣٤) وابن ماجه (٢٠١) والترمذي (٢٩٢٥) والحاكم (٢/ ٦١٢ - ٦١٣) كلهم من حديث إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، فذكره. وبعضهم اختصره. قال الترمذي: "حسن صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
• عن جابر قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنّة، وفي المواسم بمنى يقول: "من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة". حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مصر - كذا قال - فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك. ويمشي بين رجالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله له من يثرب فآويناه، وصدّقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به، ويُقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين، يُظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعًا، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يُطرد في جبال مكة ويُخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى
стр. 5136
قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله! علام نبايعك؟ قال: "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم، وأزواجكم، وأبناءكم، ولكم الجنة"، قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغرهم، فقال: رويدًا يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ ، وإن إخراجه اليوم مفارقةُ العرب كافة، وقتلُ خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك، وأجركم علي الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُبينة، فبينوا ذلك، فهو أعذرُ لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد! فوالله! لا ندع هذه البيعة أبدًا، ولا نسلبها أبدًا، قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٤٥٦) وصحّحه ابن حبان (٧٠١٢) والحاكم (٢/ ٦٢٤) كلهم من حديث عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن أبي الزبير، أنه حدثه جابر بن عبد الله فذكره بطوله، وهو مخرج في بيعة العقبة الثانية وإسناده حسن من أجل أبي الزبير.
• عن أشعث قال: حدثني شيخ من بني مالك بن كنانة قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يتخللها يقول: "يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا". قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى، قال: وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ قال: قلنا: انعتْ لنا رسول الله ﷺ قال: بين بردين أحمرين، مربوع، كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر، أبيض شديد البياض، سابغ الشعر.
صحيح: رواه أحمد (١٦٦٠٣، ٢٣١٩٢) عن أبي النضر، حدثنا شيبان، عن أشعث قال: فذكره. ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٣٦٠٨) بإسناد آخر عن أشعث به. وإسناده صحيح.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢١ - ٢٢) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال، فأبو النضر هو هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي مولاهم، المشهور بكنيته من رجال الجماعة.
وشيبان هو ابن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي، منسوب إلى "نحوة" بطن من الأزد، لا إلى علم النحو من رجال الجماعة أيضًا.
стр. 5137
ورواه أحمد أيضًا (٢٣١٥١) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أشعث قال: سمعت رجلا في إمرة ابن الزبير قال: سمعت رجلا في سوق عكاظ يقول:
"يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه يقول: إن هذا يريد أن يصدكم عن آلهتكم فإذًا النبي ﷺ وأبو جهل".
وإسناده صحيح أيضًا.
وأشعث هو ابن أبي الشعثاء - اسمه سُليم - المحاربي الكوفي من رجال الجماعة.
• عن ربيعة بن عباد الدّيلي أنه قال: رأيت أبا لهب بعكاظ، وهو يتبع رسول الله ﷺ وهو يقول: يا أيها الناس! إن هذا قد غوى، فلا يغْوينكم عن آلهة آبائكم. ورسول الله ﷺ يفر منه، وهو على أثره، ونحن نتبعه، ونحن غلمان. كأني أنظر إليه أحول ذو غديرتين، أبيض الناس، وأجملهم.
صحيح: رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (١٦٠٢٠) والطبراني في الكبير (٤٥٨٨) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٦٣) كلهم من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد القارظي، عن ربيعة بن عباد الديلي فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه محمد بن عمرو الليثي، عن محمد بن المنكدر، عن رَبيعة بن عباد الديلي قال: رأيت رسول الله ﷺ بذي المجاز يدعو الله، وخلفه رجل أحول يقول: لا يصدّنكم هذا عن دين آلهتكم، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا عمه أبو لهب.
رواه عبد الله بن أحمد (١٦٠٢١) والطبراني في الكبير (٤٥٨٤) والبيهقي (٩/ ٧) كلهم من هذا الوجه.
ورواه الحاكم (١/ ١٥) من وجه آخر عن محمد بن المنكدر.
وعكاظ وذو المجاز ومجنة كلها أسواق في الجاهلية.
• عن ربيعة بن عباد الديلي، وكان جاهليًا أسلم فقال: رأيت رسول الله ﷺ بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول: "يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" ويدخل في فجاجها، والناس متقصّفون عليه. فما رأيت أحدًا يقول شيئًا وهو لا يسكت يقول: "يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" إلا أن وراءه رجلًا أحول وضيء الوجه ذا غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب. فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد بن عبد الله وهو يذكر النبوة. قلت: من هذا الذي يكذّبه؟ قالوا: عمه أبو لهب. قلت: إنك كنت يومئذ صغيرًا. قال: لا والله! إني يومئذ لأعقل.
حسن: رواه عبد الله بن أحمد (١٦٠٢٣) والطبراني في الكبير (٤٥٨٢) والحاكم (١/ ١٥) كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن ربيعة بن عباد، فذكره.
стр. 5138
قال الحاكم: "إنما استشهدت بعبد الرحمن بن أبي الزناد اقتداء بهما، فقد استشهدا جميعا به" قلت: وهو حسن الحديث إذا لم يخالف.
• عن ربيعة بن عباد يحدث عن أبيه قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى. ورسول الله ﷺ يقول: "يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا. وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن توفوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به" قال: وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان، عليه حلة عدنية. فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله، وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيس، إلى ما جاءه به من البدعة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه.
قال: قلت لأبي: يا أبت! من هذا الذي يتبعه، ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبو لهب.
حسن: رواه محمد بن إسحاق في سيرته - ابن هشام (١/ ٤٢٣) قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدث عن أبيه فذكره.
وحسين بن عبد الله بن عبيد الله الهاشمي ضعّفه جمهور أهل العلم، ولكن قال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه. قلت: وله ما يشهد له.
• عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: رأيت رسول الله ﷺ في سوق ذي المجاز، وعليه حلة حمراء ويقول: "يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، وقد أدمى عرقوبيه وكعبيه وهو يقول: يا أيها الناس، لا تطيعوه، فإنه كذاب. فقلت: من هذا؟ قيل: هذا غلام بني عبد المطلب. فقلت: فمن هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة؟ قال: هذا عبد العزى أبو لهب.
حسن: رواه ابن حبان (٦٥٦٢) والنسائي (٨/ ٥٥) والحاكم (٢/ ٦١١ - ٦١٢) كلهم من حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي فذكره في حديث طويل. انظر: باب الوفود.
وإسناده حسن من أجل يزيد بن زياد بن أبي الجعد.
ذكر ابن إسحاق وغيره أن النبي ﷺ كان بعد موت أبي طالب قد خرج إلى ثقيف بالطائف يدعوهم إلى نصره. فلما اقتنعوا منه رجع إلى مكة فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في موسم الحج. وذكر بأسانيد متفرقة أنه أتى كندة، وبني كعب، وبني حذيفة، وبني عامر بن صعصعة
стр. 5139
وغيرهم فلم يُجبه أحد منهم إلى ما سأل.
وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان في تلك السنين - أي التي قبل الهجرة - يعرض نفسه على القبائل، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم إلا أن يؤدوه، ويمنعوه. ويقول: لا أكره أحدًا منكم على شيء، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي. فلا يقبله أحد. بل يقولون: قوم الرجل أعلم به.
فكان النبي ﷺ يحزن أشد الحزن على المشركين لتركهم الإيمان فقال الله تعالى مُسلّيًا إياه.
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦].
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨].
وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣].
إلى غيرها من الآيات.
٣٣ - حرب بعاث بين الأوس والخزرج ثم جمعهم الله تحت راية الإسلام
• عن عائشة قالت: كان يوم بُعاث يومًا قدّمه الله لرسوله ﷺ . فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرّحوا. فقدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام.
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٧٧٧) عن عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
وبعاث - هو المكان الذي وقعت فيه الحرب بين الأوس والخزرج وقتل فيها رئيس الأوس حضير والد أسيد بن حضير، وقتل فيها أيضًا رئيس الخزرج عمرو بن النعمان البياضي. وكان النصر أولا للخزرج، ثم للأوس. وكان ذلك قبل مقدم النبي ﷺ بخمس سنين.
وقولها: سروات: جمع سراة وهو الشريف.
• عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ ، فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: "هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ " قالوا: وما ذاك؟ قال: "أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئًا، وأنزل علي كتاب" ثم ذكر الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلامًا حدثًا: أي قوم! هذا والله خير مما جئتم له، قال: فأخذ أبو حيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها في وجه إياس بن معاذ، وقام رسول الله ﷺ عنهم وانصرفوا إلى المدينة، فكانت
стр. 5140
وقعة بعاث بين الأوس والخزرج قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلمًا لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع.
حسن: رواه أحمد (٢٣٦١٩)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٥١)، والحاكم (٣/ ١٨٠ - ١٨١)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٢٠) كلهم من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ أخي بني عبد الأشهل، عن محمود بن لبيد فذكره.
وإسناده حسن من أجل تصريح محمد بن إسحاق وشيخه الحصين بن عبد الرحمن وثّقه ابن حبان، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.
وصحّحه الحاكم على شرط مسلم، وهو ليس كذلك فإن الحصين بن عبد الرحمن هذا لم يخرج له مسلم.
وقال الذهبي: "مرسل" يعني أن محمود بن لبيد من صغار الصحابة، ومراسيل الصحابة مقبولة.
٣٤ - تهيؤ الأنصار لقبول الإسلام
• عن ابن إسحاق قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم: "من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج، قال: "أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًا مبعوث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم! تعلموا والله! إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا.
стр. 5141
حسن: رواه ابن إسحاق بإسناده كما في سيرة ابن هشام (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩) وإسناده حسن من
أجل محمد بن إسحاق. وأما جهالة أشياخ فلا تضر لأنهم عدد كثير يشد بعضهم بعضًا.
وهؤلاء الذين لقيهم رسول الله ﷺ عند العقبة كانوا ستة نفر من الخزرج:
١ - أسعد بن زرارة أبو أمامة.
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعة
٣ - رافع بن مالك بن العجلان
٤ - قطبة بن عامر بن حديدة
٥ - عقبة بن عامر بن نأبي
٦ - جابر بن عبد الله بن رئاب
فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ .
سيرة ابن هشام (١/ ٤٢٩ - ٤ ٣٠)
٣٥ - باب بيعة العقبة الأولى في السنة الثانية عشرة من البعثة
• عن عبادة بن الصامت وكان شهد بدرًا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - أن رسول الله ﷺ قال: وحوله عصابة من أصحابه - "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". فبايعناه على ذلك.
متفق عليه: رواه البخاري في الايمان (١٨)، ومسلم في الحدود (١٧٠٩) كلاهما من حديث الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت فذكره.
وعبادة بن الصامت كان أحد النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ كما يقول عن نفسه: إني كنت من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ . البخاري (٣٨٩٣)، ومسلم (١٧٠٩: ٤٤).
وذكر ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٤٣١): "حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة، قال: وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء. وذلك قبل أن تفرض عليهم الحرب.
وقوله: بيعة النساء: يريد مثل ما جاء في سورة الممتحنة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ
стр. 5142
وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة: ١٢].
وليس فيها ذكر للحرب لأنها نزلت بعد صلح الحديبية.
ثم ذكر ابن إسحاق أسماء اثني عشر رجلا وهم:
١ - أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار من الخزرج.
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد من بني النجار من الخزرج.
٣ - معاذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد من بني النجار من الخزرج.
٤ - رافع بن مالك بن العجلان من بني زريق من الخزرج.
٥ - ذكوان بن عبد قيس من بني زريق من الخزرج.
٦ - عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم من بني عوف من الخزرج.
٧ - أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة من بني عوف من الخزرج.
٨ - العباس بن عبادة بن نضلة من بني سالم من الخزرج.
٩ - عقبة بن عامر بن نابي من بني سلمة من الخزرج.
١٠ - قطبة بن عامر بن حديدة من بني سواد من بني سلمة من الخزرج.
١١ - أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك من الأوس.
١٢ - عويم بن ساعدة من بني الأوس.
نلاحظ أن من اثني عشر رجلا كان عشر من الخزرج، واثنان من الأوس.
قال ابن إسحاق: ثم انصرفوا بعد البيعة وبعمث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير.
قال ابن إسحاق: "فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله ﷺ إنما بعثه بعدهم، وإنما كتبوا إليه: أن الإسلام قد فشا فينا، فابعث إلينا رجلا من أصحابك يقرئنا القرآن، ويفقهنا في الإسلام، ويقيمنا لسنته وشرائعه، ويؤمنا في صلاتنا. فبعث مصعب بن عمير. فكان ينزل مصعب بن عمير على أبي أمامة أسعد بن زرارة. وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ، وكان أبو أمامة يذهب به إلى دور الأنصار يدعوهم إلى الإسلام ويفقه من أسلم منهم. الدلائل للبيهقي (٢/ ٤٣٧).
وفي سيرة ابن هشام (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥): قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنه كان يصلي بهم وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض.
٣٦ - بيعة العقبة الثانية في السنة الثالثة عشرة من البعثة
• عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ لبث عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم، في الموسم وبمجنة وبعكاظ، وبمنازلهم بمنى يقول: "من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالات ربي، وله الجنة" فلا يجد أحدًا ينصره ويؤويه، حتى إن
стр. 5143
الرجل يرحل من مضر، أو من اليمن إلى ذي رحمه فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله له من يثرب، فيأتيه الرجل فيؤمن به فيقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام. ثم بعثنا الله فأتمرنا واجتمعنا سبعون رجلا منا، فقلنا: حتى متى نذر رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة، ويخاف؟ فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة، فقال عمه العباس: يا ابن أخي! إني لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك؟ إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباس في وجوهنا، قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث. فقلنا: يا رسول الله! علام نبايعك؟ قال: "تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة".
فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين، فقال: رويدًا يا أهل يثرب! إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه، فهو أعذر عند الله، قالوا: يا أسعد بن زرارة! أمط عنا يدك، فو الله! لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها. فقمنا إليه رجلًا رجلًا يأخذ علينا بشرطة العباس ويعطينا على ذلك الجنة.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٦٥٣) وصحّحه ابن حبان (٧٠١٢) والحاكم (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥) كلهم من حديث يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، أنه حدثه جابر بن عبد الله فذكره.
ورواه أيضًا أحمد (١٤٤٥٦) والبزار - كشف الأستار (١٧٥٦) وابن حبان (٦٢٧٤) كلهم من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به نحوه وله طرق أخرى عن ابن خثيم.
وإسناده حسن من أجل أبي الزبير فإنه حسن الحديث إذا صرّح.
• عن جابر بن عبد الله قال: شهد بي خالاي العقبة.
стр. 5144
قال أبو عبد الله (البخاري) قال ابن عيينة: أحدهما البراء بن معرور.
صحيح: رواه في المناقب (٣٨٩٠) عن علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: كان عمرو يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فذكره.
ورواه أيضًا (٣٨٩١) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم، قال عطاء: قال جابر: أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة.
• عن عبد الله بن كعب - وكان قائد كعب حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك بطوله.
قال ابن بكير في حديثه: ولقد شهدت مع النبي ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام. وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٨٨٩) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب وكان قائد كعب فذكره مختصرًا هكذا.
وقوله: بطوله. لعله يقصد الحديث الذي رواه ابن إسحاق وهو الآتي:
• عن كعب بن مالك قال: خرجنا في حُجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور، سيدنا وكبيرنا. فلما وجهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البراء: يا هؤلاء! إني قد رأيت رأيًا، والله! ما أدري، أتوافقونني عليه، أم لا؟ قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البَنيَّة مني بظهر، يعني: الكعبة، وأدن أصلي إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. قال: إني لمصل إليها. قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل. قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة. قال: وقد كنا عبنا عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة على ذلك، فلما قدمنا مكة قال لي: يا ابن أخي! انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ ، حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه قد وقع في نفسي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه. قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ ، وكنا لا نعرفه، ولم نره قبل ذلك، فلقينا رجلًا من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله ﷺ ، فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا قال: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قال: قلنا: نعم - قال: وقد كنا نعرف العباس، وكان لا يزال يقدم علينا تاجرًا - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. قال:
стр. 5145
فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس، ورسول الله ﷺ جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه. فقال رسول الله ﷺ للعباس: "هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ " قال: نعم، هذا البراء بن معرور، سيد قومه؛ وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ : "الشاعر؟ " قال: نعم. قال: فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله! إني خرجت في سفري هذا، قد هداني الله تعالى للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البَنيَّة مني بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيءٌ، فماذا ترى يا رسول الله ﷺ ؟ قال: "قد كنت على قبلة لو صبرت عليها". قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ ، وصلى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم. قال كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا، أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه، أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا.
قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، أم عمارة، إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة وهي: أم منيع.
قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - قال: وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج خزرجها وأوسها - إن محمدًا منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن
стр. 5146
كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله ﷺ فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
قال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام. ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".
قال: فأخذ البراء بن معرور بيده وقال: نعم والذي بعثك بالحق نبيًا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله ﷺ ، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر.
قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﷺ ، أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها - يعني: اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: "بك الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم".
قال كعب: وقد قال رسول الله ﷺ : "أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم" فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.
حسن: رواه ابن إسحاق قال: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين أخو بني سلمة أن أخاه عبد الله بن كعب - وكان من أعلم الأنصار حدثه، أن أباه كعب بن مالك - وكان كعب ممن شهد العقبة، وبايع رسول الله ﷺ بها - قال: فذكر الحديث. سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٠ - ٤٤٣)
ومن طريق ابن إسحاق رواه الإمام أحمد (١٥٧٩٨) وصحّحه ابن حبان (٧٠١١) والحاكم (٣/ ٤٤١) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٤٤) وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٢٩٤) ومنهم من اختصره، وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
أسماء أثني عشر نقيبًا:
١ - أبو أمامة أسعد بن زرارة من الخزرج.
٢ - سعد بن الربيع بن عمرو من الخزرج.
٣ - عبد الله بن رواحة بن ثعلبة من الخزرج.
٤ - رافع بن مالك بن العجلان من الخزرج.
стр. 5147
٥ - البراء بن معرور من الخزرج.
٦ - عبد الله بن عمرو بن حرام من الخزرج.
٧ - عبادة بن الصامت بن قيس من الخزرج.
٨ - سعد بن عبادة بن دليم من الخزرج.
٩ - المنذر بن عمرو بن خنيس من الخزرج.
١٠ - أسيد بن حضير بن سماك من الأوس.
١١ - سعد بن خيثمة بن الحارث من الأوس.
١٢ - رفاعة بن عبد المنذر بن زبير من الأوس.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كُفَلَاءُ. ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم. وأنا كفيل على قومي - يعني المسلمين - قالوا: نعم. إلا أنه مرسل. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٦، ٤٤٣).
ورواه أحمد بن سعد في طبقاته (٣/ ٦٠٢) عن محمد بن عمر (وهو الواقدي) قال: حدثني خارجة بن عبد الله وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن محمود بن لبيد، قال: فذكر نحوه. وهذا مرسل صحابي.
وذكر ابن إسحاق أسماء ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين.
وفي مرسل الشعبي قال: انطلق النبي ﷺ ومعه العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: "ليتكلم متكلمكم ولا يطيل الخطبة، فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم" فقال قائلهم، وهو أبو أمامة: سلْ يا محمد لربك ما شئت، ثم سلْ لنفسك ولأصحابك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك؟ قال: فقال: "أسألكم لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم" قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "لكم الجنة" قالوا: فلك ذلك.
رواه أحمد (١٧٠٧٨) عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثني أبي، عن عامر الشعبي قال: فذكره وهو مرسل.
ووصله أحمد (١٧٠٧٩) عن يحيى بن زكريا، عن مجالد عن عامر، عن أبي مسعود نحو هذا وقال: وكان أبو مسعود أصغرهم سنًا. ومجالد هو ابن سعيد الهمداني ضعيف.
стр. 5148
جموع ما جاء في هجرة النبي ﷺ وأصحابه من مكة إلى المدينة
١ - باب صفة الأرض التي يهاجر إليها رسول الله ﷺ -
• عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هَجَر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضًا بقرًا، والله خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦٢٢) ومسلم في الرؤيا (٢٠: ٢٢٧٢) كلاهما من طريق حماد بن أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي ﷺ فذكره.
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ للمسلمين إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين - وهما الحرتان - فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٩٠٥) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة قالت: فذكرته في حديث طويل في قصة ستأتي في باب آل أبي بكر في إعداد العدة للهجرة.
وأما ما رُوي عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن الله أوحى إلى: أي هؤلاء الثلاثة، نزلت فهي دار هجرتك: المدينة أو البحرين، أو قنسرين" فهو ضعيف جدًّا.
رواه الترمذي (٣٩٢٣) عن الحُسين بن حريث، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن عيسى بن عبيد، عن غيلان بن عبد الله العامري، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير بن عبد الله فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى، تفرد به أبو عمار".
أبو عمار هو الحسين بن حريث شيخ الترمذي وهو ثقة فلا يضر تفرده، وإنما آفته غيلان بن عبد الله العامري ذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٣١١) وقال: "روى عن أبي زرعة حديثا منكرًا في الهجرة".
قلت: ومن طريقه رواه أيضًا الحاكم (٣/ ٣٠٢) وقال: صحيح الإسناد. ثم هو مخالف لما في الصحيح من ذكر اليمامة، وأما قنسرين فهي من أرض الشام.
стр. 5149
سكان المدينة: كان من سكان المدينة العرب واليهود، والوثائق التاريخية لا تثبت صراحة أيهم أقدم سكنًا، ولكن جغرافية العرب تشير إلى أن المدينة لم تكن في يوم من الأيام خالية من السكان، لأن من طبيعة العرب التنقل المستمر من مكان إلى مكان بحثًا عن الماء والمرعى.
وقد عرفت قبائل العرب في المدينة باسم الأوس والخزرج وهم ينتمون إلى قبيلة الأزد باليمن، والتاريخ لا يحدد بالضبط وقت خروجهم منها ولكن نظزا لعددهم وتمكنهم في أرض المدينة يقدر أنهم نزحوا إليها قبل مبعث النبي ﷺ طلاجو بقرنين ونصف إلى ثلاثة قرون. وكانت بينهم حروب مستمرة للسيطرة على حراث المدينة وسيادتها حتى جاء الإسلام فألف بين قلوبهم.
وأما اليهود فلا نرى وجهًا لاستيطانهم المدينة إلا أنهم وجدوا في كتبهم وسمعوا من علمائهم أن وصف الأرض التي تكون دارًا لهجرة نبي آخر الزمان هو المدينة. فلما قرب عهد ظهور النبي ﷺ خرجوا بحثًا عن هذه الأرض فوصلوا إلى تيما ووجدوا فيها النخل فنزلها طائفة منهم، وظن طائفة أنها خيبر فنزلوها، ومضى أشرفهم وأكثرهم فلما رأوا يثرب وفيها نخل قالوا: هذه هي البلدة التي مهاجر النبي ﷺ ، فنزل بنو النضير بطحان. ونزل بنو قريظة والنضير بمذينيب ومهزور.
وفاء الوفاء للسمهودي (١/ ١٦٠).
وكانوا أصحاب حرفة وصناعة فتمكنوا في وقت قصير أن استولوا على الأراضي الزراعية الواسعة، وتحصنوا في حصونهم خوفًا من انقلاب العرب عليهم، لأن طبيعتهم الطغيانية تحركهم دائمًا إلى الغش والخداعة لجيرانهم، وقد ثبت أنهم كانوا يُهددون جيرانهم بالنبي المنتظر. فلما بعث النبي ﷺ كفروا به وقد كانوا يعرفونه كما كانوا يعرفون أبناءهم. ونقل رزين عن الشرقي أن يهود كانوا نيفًا وعشرين قبيلة. وفاء الوفاء (١/ ١٦٥).
ولكن القبائل الكبيرة هي بنو النضير وعدد رجالهم سبعمائة. وبنو قريظة وعدد رجالهم سبعمائة أيضا وبنو قينقاع وعدد رجالهم تسعمائة.
٢ - باب دعاء النبي ﷺ لأصحابه بالهجرة وإمضائها لهم
• عن سعد بن أبي وقاص قال: عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت فذكر قصة الوصية ثم قال: يا رسول الله ﷺ ! أخلّف بعد أصحابي؟ قال: "إنك لن تخلّف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا زادت به درجة ورفعة، ولعلك تخلّف حتى يُنفع بك أقوام، أو يُضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة" رثى له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٠٩) ومسلم في الوصية (١٢٢٨) كلاهما عن
стр. 5150
إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص، فذكره.
وقوله: "إنك لن تخلّف فتعمل عملًا" التخلف هنا طول العمر وكثرة العمل الصالح.
وقوله: "لعلك تخلّف حتى ينتفع بك أقوام": وهذه من المعجزات إذ أنه عاش حتى فتح العراق، ودخل كثير من الناس في دين الله، وتضرر به كثير من الكفار.
وبقاء المهاجر بمكة للضرورة والموت فيها لا يكون محبطًا لأجر الهجرة.
وسعد بن خولة كان من مهاجري الحبشة الهجرة الثانية. وذكر موسى بن عقبة أنه من البدريين وأنه مات بمكة في حجة الوداع فرثى له رسول الله ﷺ . لأنه مات في الأرض التي هاجر منها. ولذلك دعا النبي ﷺ دعاءًا عامًا يقول: "اللَّهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم".
أي لا يأتيهم الموت وهم في البلد الذي هاجروا منه.
عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وُعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت! كيف تجدك؟ ويا بلال! كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول:
كل امرئٍ مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: (اللهم! حبب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشدّ، وصحّحها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة).
صحيح: رواه مالك في كتاب الجامع (١٤) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاري في المناقب (٣٩٢٦) من طريق مالك.
اختلفت الروايات في عدد الأيام التي أقام في قباء. فأكثر من قيل: ثنتين وعشرين ليلة. وأقلها من يوم الاثنين إلى الجمعة. وفي هذه المدة أسس مسجد قباء.
٣ - باب بدء الهجرة من مكة إلى المدينة
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ وهو يومئذ بمكة للمسلمين: "قد أريت دار هجرتكم، أريت سبْخة ذات نخل بين لابتين" وهما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ﷺ ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة وتجهز أبو بكر مهاجرًا. فقال له رسول الله ﷺ : "على رسلك، فإني أرجو أن
следующие страницы →