← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله ﷺ فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام. ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". قال: فأخذ البراء بن معرور بيده وقال: نعم والذي بعثك بالحق نبيًا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله ﷺ ، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر. قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﷺ ، أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها - يعني: اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: "بك الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم". قال كعب: وقد قال رسول الله ﷺ : "أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم" فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. حسن: رواه ابن إسحاق قال: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين أخو بني سلمة أن أخاه عبد الله بن كعب - وكان من أعلم الأنصار حدثه، أن أباه كعب بن مالك - وكان كعب ممن شهد العقبة، وبايع رسول الله ﷺ بها - قال: فذكر الحديث. سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٠ - ٤٤٣) ومن طريق ابن إسحاق رواه الإمام أحمد (١٥٧٩٨) وصحّحه ابن حبان (٧٠١١) والحاكم (٣/ ٤٤١) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٤٤) وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٢٩٤) ومنهم من اختصره، وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. أسماء أثني عشر نقيبًا: ١ - أبو أمامة أسعد بن زرارة من الخزرج. ٢ - سعد بن الربيع بن عمرو من الخزرج. ٣ - عبد الله بن رواحة بن ثعلبة من الخزرج. ٤ - رافع بن مالك بن العجلان من الخزرج.

стр. 5147

٥ - البراء بن معرور من الخزرج. ٦ - عبد الله بن عمرو بن حرام من الخزرج. ٧ - عبادة بن الصامت بن قيس من الخزرج. ٨ - سعد بن عبادة بن دليم من الخزرج. ٩ - المنذر بن عمرو بن خنيس من الخزرج. ١٠ - أسيد بن حضير بن سماك من الأوس. ١١ - سعد بن خيثمة بن الحارث من الأوس. ١٢ - رفاعة بن عبد المنذر بن زبير من الأوس. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كُفَلَاءُ. ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم. وأنا كفيل على قومي - يعني المسلمين - قالوا: نعم. إلا أنه مرسل. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٦، ٤٤٣). ورواه أحمد بن سعد في طبقاته (٣/ ٦٠٢) عن محمد بن عمر (وهو الواقدي) قال: حدثني خارجة بن عبد الله وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن محمود بن لبيد، قال: فذكر نحوه. وهذا مرسل صحابي. وذكر ابن إسحاق أسماء ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين. وفي مرسل الشعبي قال: انطلق النبي ﷺ ومعه العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: "ليتكلم متكلمكم ولا يطيل الخطبة، فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم" فقال قائلهم، وهو أبو أمامة: سلْ يا محمد لربك ما شئت، ثم سلْ لنفسك ولأصحابك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك؟ قال: فقال: "أسألكم لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم" قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "لكم الجنة" قالوا: فلك ذلك. رواه أحمد (١٧٠٧٨) عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثني أبي، عن عامر الشعبي قال: فذكره وهو مرسل. ووصله أحمد (١٧٠٧٩) عن يحيى بن زكريا، عن مجالد عن عامر، عن أبي مسعود نحو هذا وقال: وكان أبو مسعود أصغرهم سنًا. ومجالد هو ابن سعيد الهمداني ضعيف.

стр. 5148

جموع ما جاء في هجرة النبي ﷺ وأصحابه من مكة إلى المدينة ١ - باب صفة الأرض التي يهاجر إليها رسول الله ﷺ - • عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة أو هَجَر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضًا بقرًا، والله خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر. متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦٢٢) ومسلم في الرؤيا (٢٠: ٢٢٧٢) كلاهما من طريق حماد بن أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي ﷺ فذكره. • عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ للمسلمين إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين - وهما الحرتان - فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة. صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٩٠٥) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة قالت: فذكرته في حديث طويل في قصة ستأتي في باب آل أبي بكر في إعداد العدة للهجرة. وأما ما رُوي عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن الله أوحى إلى: أي هؤلاء الثلاثة، نزلت فهي دار هجرتك: المدينة أو البحرين، أو قنسرين" فهو ضعيف جدًّا. رواه الترمذي (٣٩٢٣) عن الحُسين بن حريث، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن عيسى بن عبيد، عن غيلان بن عبد الله العامري، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير بن عبد الله فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى، تفرد به أبو عمار". أبو عمار هو الحسين بن حريث شيخ الترمذي وهو ثقة فلا يضر تفرده، وإنما آفته غيلان بن عبد الله العامري ذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٣١١) وقال: "روى عن أبي زرعة حديثا منكرًا في الهجرة". قلت: ومن طريقه رواه أيضًا الحاكم (٣/ ٣٠٢) وقال: صحيح الإسناد. ثم هو مخالف لما في الصحيح من ذكر اليمامة، وأما قنسرين فهي من أرض الشام.

стр. 5149

سكان المدينة: كان من سكان المدينة العرب واليهود، والوثائق التاريخية لا تثبت صراحة أيهم أقدم سكنًا، ولكن جغرافية العرب تشير إلى أن المدينة لم تكن في يوم من الأيام خالية من السكان، لأن من طبيعة العرب التنقل المستمر من مكان إلى مكان بحثًا عن الماء والمرعى. وقد عرفت قبائل العرب في المدينة باسم الأوس والخزرج وهم ينتمون إلى قبيلة الأزد باليمن، والتاريخ لا يحدد بالضبط وقت خروجهم منها ولكن نظزا لعددهم وتمكنهم في أرض المدينة يقدر أنهم نزحوا إليها قبل مبعث النبي ﷺ طلاجو بقرنين ونصف إلى ثلاثة قرون. وكانت بينهم حروب مستمرة للسيطرة على حراث المدينة وسيادتها حتى جاء الإسلام فألف بين قلوبهم. وأما اليهود فلا نرى وجهًا لاستيطانهم المدينة إلا أنهم وجدوا في كتبهم وسمعوا من علمائهم أن وصف الأرض التي تكون دارًا لهجرة نبي آخر الزمان هو المدينة. فلما قرب عهد ظهور النبي ﷺ خرجوا بحثًا عن هذه الأرض فوصلوا إلى تيما ووجدوا فيها النخل فنزلها طائفة منهم، وظن طائفة أنها خيبر فنزلوها، ومضى أشرفهم وأكثرهم فلما رأوا يثرب وفيها نخل قالوا: هذه هي البلدة التي مهاجر النبي ﷺ ، فنزل بنو النضير بطحان. ونزل بنو قريظة والنضير بمذينيب ومهزور. وفاء الوفاء للسمهودي (١/ ١٦٠). وكانوا أصحاب حرفة وصناعة فتمكنوا في وقت قصير أن استولوا على الأراضي الزراعية الواسعة، وتحصنوا في حصونهم خوفًا من انقلاب العرب عليهم، لأن طبيعتهم الطغيانية تحركهم دائمًا إلى الغش والخداعة لجيرانهم، وقد ثبت أنهم كانوا يُهددون جيرانهم بالنبي المنتظر. فلما بعث النبي ﷺ كفروا به وقد كانوا يعرفونه كما كانوا يعرفون أبناءهم. ونقل رزين عن الشرقي أن يهود كانوا نيفًا وعشرين قبيلة. وفاء الوفاء (١/ ١٦٥). ولكن القبائل الكبيرة هي بنو النضير وعدد رجالهم سبعمائة. وبنو قريظة وعدد رجالهم سبعمائة أيضا وبنو قينقاع وعدد رجالهم تسعمائة. ٢ - باب دعاء النبي ﷺ لأصحابه بالهجرة وإمضائها لهم • عن سعد بن أبي وقاص قال: عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت فذكر قصة الوصية ثم قال: يا رسول الله ﷺ ! أخلّف بعد أصحابي؟ قال: "إنك لن تخلّف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا زادت به درجة ورفعة، ولعلك تخلّف حتى يُنفع بك أقوام، أو يُضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة" رثى له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٠٩) ومسلم في الوصية (١٢٢٨) كلاهما عن

стр. 5150

إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص، فذكره. وقوله: "إنك لن تخلّف فتعمل عملًا" التخلف هنا طول العمر وكثرة العمل الصالح. وقوله: "لعلك تخلّف حتى ينتفع بك أقوام": وهذه من المعجزات إذ أنه عاش حتى فتح العراق، ودخل كثير من الناس في دين الله، وتضرر به كثير من الكفار. وبقاء المهاجر بمكة للضرورة والموت فيها لا يكون محبطًا لأجر الهجرة. وسعد بن خولة كان من مهاجري الحبشة الهجرة الثانية. وذكر موسى بن عقبة أنه من البدريين وأنه مات بمكة في حجة الوداع فرثى له رسول الله ﷺ . لأنه مات في الأرض التي هاجر منها. ولذلك دعا النبي ﷺ دعاءًا عامًا يقول: "اللَّهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم". أي لا يأتيهم الموت وهم في البلد الذي هاجروا منه. عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وُعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت! كيف تجدك؟ ويا بلال! كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول: كل امرئٍ مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يومًا مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: (اللهم! حبب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشدّ، وصحّحها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة). صحيح: رواه مالك في كتاب الجامع (١٤) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ورواه البخاري في المناقب (٣٩٢٦) من طريق مالك. اختلفت الروايات في عدد الأيام التي أقام في قباء. فأكثر من قيل: ثنتين وعشرين ليلة. وأقلها من يوم الاثنين إلى الجمعة. وفي هذه المدة أسس مسجد قباء. ٣ - باب بدء الهجرة من مكة إلى المدينة • عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ وهو يومئذ بمكة للمسلمين: "قد أريت دار هجرتكم، أريت سبْخة ذات نخل بين لابتين" وهما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ﷺ ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة وتجهز أبو بكر مهاجرًا. فقال له رسول الله ﷺ : "على رسلك، فإني أرجو أن

стр. 5151

يؤذن لي". قال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر. صحيح: رواه البخاري في الكفالة (٢٢٩٧) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل. قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته في حديث طويل - انظر كان أبو بكر ممن خرج مهاجرًا إلى الحبشة ثم رجع. وقوله: السبخة: هي أَرض نز وملح. • عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، ثم قدم علينا عمار بن ياسر، وبلال ﵃. صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٩٢٤) عن أبي الوليد، حدثنا شعبة، قال: أنبانا أبو إسحاق، سمع البراء يقول: فذكره. • عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم. وكانا يقرئان الناس. ثم قدم بلال، وسعد، وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ ، ثم قدم النبي ﷺ . فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ فما قدم حتى قرأتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] في سور من المفصل. صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٩٢٥) عن محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب، فذكره. • عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجُرني في مصيبتي، وأخْلف لي خيرًا منها - إلا أخلف الله له خيرًا منها" قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ . صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩١٨) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، أخبرني سعد بن سعيد، عن عمرو بن كثير بن أفلح، عن ابن سفينة عن أم سلمة، فذكرته. وقولها: هاجر إلى رسول الله ﷺ ، أي في سبيل الله الذي يدعو إليه رسول الله ﷺ . فإنه هاجر أولا من مكة إلى الحبشة، وبعدما قدم من الحبشة إلى مكة آذته قريش، وقد بلغه أن جماعة من الأنصار قد أسلموا فهاجر إلى المدينة وذلك قبل بيعة العقبة الكبرى بسنة. قال ابن شهاب: فلما اشتدوا على رسول الله ﷺ والمسلمين، أمرهم رسول الله ﷺ بالخروج

стр. 5152

إلى المدينة. فخرجوا أرسالًا فخرج منهم قبل خروج رسول الله ﷺ إلى المدينة: أبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعامر بن ربيعة، وامرأته أم عبد الله بنت أبي خيثمة، ويقال: أول ظعينة قدمت المدينة أم سلمة. ويقول بعض الناس: أم عبد الله. ومصعب بن عمير، وعثمان بن مظعون، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الشريد، وعمار بن ياسر. ثم خرج عمر، وعياش بن أبي ربيعة وجماعة. فطلب أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام والعاص بن هشام عياشًا. وهو أخوهم لأمهم فقدموا المدينة. فذكروا له حزن أمه، وأنها حلفت لا يظُلها سقف، وكان بها برّا فرق لها، وصدقهم، فلما خرجا به أوثقاه، وقدما به مكة فلم يزل بها إلى قبل الفتح. وقال ابن إسحاق: فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين من قريش - من بني مخزوم: أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. واسمه: عبد الله، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة. وكان قدم على رسول الله ﷺ مكة من أرض الحبشة. فلما آذته قريش، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار خرج إلى المدينة مهاجرًا. سيرة ابن هشام (١/ ٤٦٨). ويمكن الجمع بين قول البراء وقول أم سلمة في أول من هاجر إلى المدينة بأن أبا سلمة هاجر إليها هربًا بدينه، ومصعب بن عمير جاء إلى المدينة معلمًا لأهل المدينة بعد العقبة، فالأولية المطلقة لأبي سلمة. ٤ - هجرة عمرو بن عياش بن أبي ربيعة • عن عمر بن الخطاب، قال: اتّعدت، لما أردنا الهجرة إلى المدينة، أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي التناضب من أضاة بني غفار، فوق سرف، قلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنا هشام، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما، حتى قدما المدينة، ورسول الله ﷺ بمكة، فكلما وقالا: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها، فقلت له: يا عياش! إنه والله! إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله! لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، قال: فقال: أبر قسم أمي، ولي هنالك مال فآخذه.

стр. 5153

قال: فقلت: والله! إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالًا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. قال: فأبى عليّ إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك، قال: قلت له: أما إذ قد فعلت ما فعلت، فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب، فانج عليها. فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: يا ابن أخي! والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، قال: فأناخ، وأناخا ليتحول عليها، فلما استووَا بالأرض عدَوَا عليه، فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن. قال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفًا ولا عدلًا ولا توبةً، قوم عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم، قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، أنزل الله تعالى فيهم، وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاصي قال: فقال هشام بن العاصي: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى، أصعد بها فيه وأصوّب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهّمنيها. قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري، فجلست عليه، فلحقت برسول الله ﷺ وهو بالمدينة. حسن: رواه محمد بن إسحاق، قال: حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله، عن أبيه عمر بن الخطاب. قال: فذكره. سيرة ابن هشام (١/ ٤٧٤ - ٤٧٦) وإسناده حسن من أجل الكلام في محمد بن إسحاق. وأما ما رُوي عن علي بن أبي طالب: ما علمت أن أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلّد سيفه، وتنكّب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا متمكنًا، ثم أتى القوم، فصلى متمكنًا، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه، أو يؤتم ولده، أو يرمّل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم، ومضى لوجهه. فهو ضعيف. رواه ابن عساكر في تاريخه (٤٤/ ٥١ - ٥٢).

стр. 5154

قال أبو بكر محمد بن عبد الباقي، نا أبو محمد الجوهري إملاءً، أنا أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الحافظ، نا أبو روق أحمد بن محمد بن بكر الهزّاني - بالبصرة - نا الزبير بن محمد بن خالد العثماني - بمصر سنة خمس وستين ومائتين - نا عبد الله بن القاسم الأيلي - عن أبيه، عن عقيل بن خالد، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن عبد الله بن العباس قال: قال لي علي بن أبي طالب، فذكره. ورواه أيضًا ابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ٥٨) من طريق محمد بن عبد الباقي بإسناده نحوه. وفيه رجال لا يعرفون. ٥ - المدينة دار هجرة وسُنَّة • عن عبيد الله بن عبد الله: أن ابن عباس أخبره، أن عبد الرحمن بن عوف رجع إلى أهله وهو بمنى، في آخر حجة حجها عمر، فوجدني، فقال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين! إن الموسم يجمع رَعاع الناس، وغوغاءهم، وإني أرلى أن تُمهِل حتى تقدم المدينة، فإنها دار هجرة والسنة، وتَخلُصَ لأهل الفقه وأشراف الناس وذوي رأيهم. قال عمر: لأقومنّ في أول مقام أقومه بالمدينة. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٢٨) عن يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثنا مالك، وأخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن ابن عباس أخبره، فذكره. وقوله: "لأقومن في أول مقام": أي أقوم خطيبًا إذا رجعت إلى المدينة بدلا من منى. وقوله: "دار الهجرة والسنة": أي أن السنة مصدرها المدينة؛ لوجود أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم عمدة، والناس عيال عليهم. ثم هذا حديث مختصر لا يظهر منه معناه، وقد رواه البخاري في الاعتصام (٧٣٢٣) كاملا وهو: أن ابن عباس ﵄ قال: كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف، فلما كان آخر حجة حجها عمر، فقال عبد الرحمن بمنى: لو شهدتَ أمير المؤمنين أتاه رجل قال: إن فلانًا يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانًا، فقال عمرت لأقومن العشية، فأحذّر هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم، قلت: لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس، يغلبون على مجلسك، فأخاف أن لا يُنَزِّلوها على وجهها، فيُطِير بها كل مُطير، فأَمهِل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنّة، فتخلُص بأصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فيحفظوا مقالتك ويُنَزِّلوها على وجهها، فقال: والله! لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة، قال ابن عباس: فقدمنا المدينة، فقال: إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيمن أُنزل آيةُ الرجم. رواه من وجه آخر عن معمر، عن الزهري، بإسناده وأخرجه في الحدود (٦٨٣٠) أطول منه من

стр. 5155

وجه آخر عن ابن شهاب بإسناده، وفيه: "فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي" ثم ذكر خطبة طويلة. ٦ - دعاء النبي ﷺ لنفسه بالهجرة قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]. فأرشده الله وألهمه أن يدعو بهذا الدعاء أن يجعل له مما هو فيه فرجًا قريبًا، ومخرجًا عاجلًا، فأذن الله تعالى في الهجرة إلى المدينة. • عن ابن عباس قال: بعث النبي ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٢) عن مطر بن الفضل، حدثنا روح، حدثنا هشام، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وفي الباب ما روي عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ بمكة فأمر بالهجرة وأنزل عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠]. رواه الترمذي (٣١٣٩) وأحمد (١٩٤٨) والحاكم (٣/ ٣) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥١٦) كلهم من حديث جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. وقابوس بن أبي ظبيان مختلف فيه غير أن الغالب عليه الضعف لسوء حفظه ولذا قال ابن حبان: "كان رديء الحفظ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له". فكانت هجرته ﵇ في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من بعثته ﵇، وذلك في يوم الاثنين. وروي عن ابن عباس أنه قال: ولد نبيكم يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ونبّيء يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين. رواه الإمام أحمد (٢٥٠٦) والطبراني (١٢٩٨٤) والبيهقي في الدلائل (٧/ ٢٣٣) كلهم من طرق عن عبد الله بن لهيعة عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس فذكره. وعبد الله بن لهيعة فيه كلام معروف، وبعض فقراته تفرد به. وأما ما رُوي عن علي بن أبي طالب قال: إن النبي ﷺ قال لجبريل: "من يهاجر معي؟ " قال: أبو بكر الصديق. فهو منقطع. رواه الحاكم (٣/ ٥) من حديث أبي البختري، عن علي فذكره، وقال: "صحيح

стр. 5156

الإسناد والمتن". قلت: بل هو منقطع فإن البختري وهو سعيد بن فيروز الطائي لم يدرك عليًا ولم يره قاله شعبة والبخاري وأبو زرعة وغيرهم. وقال الحافظ ابن عساكر: غريب جدًّا. وقال ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٩١): وهذا باطل بهذا الإسناد. ٧ - باب أن مكة خير أرض الله • عن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال: إنه سمع النبي ﷺ وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: "والله! إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". صحيح: رواه الترمذي (٣٩٢٥) وابن ماجه (٣١٠٨) وأحمد (١٨٧١٥) وصحّحه ابن حبان (٣٧٠٨) والحاكم (٣/ ٧) كلهم من طرق عن الزهري، أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري فذكره. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وخالفهم معمر فرواه عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكر نحوه. رواه أحمد (١٨٧١٨) عن عبد الرزاق، عن معمر فذكره. وقد رجح أهل العلم رواية عبد الله بن عدي، وبينوا أن معمرًا أخطأ فيه. قال الترمذي: "حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عدي بن حمراء عندي أصح". وقد اختلف على معمر أيضًا كما اختلف على أبي سلمة أيضًا فرواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال أبو حاتم وأبو زرعة: "هذا خطأ، وهم فيه محمد بن عمرو، ورواه الزهري، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، عن النبي ﷺ وهو الصحيح". العلل (١/ ٢ ٨٠). ٨ - باب أن النبي ﷺ وأصحابه اضطروا للخروج من مكة • عن عائشة قالت: إن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسول الله ﷺ ، وأخرجوه. اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠١) عن زكريا بن يحيى، حدثنا ابن نُمير، قال

стр. 5157

هشام: فأخبرني أبي، عن عائشة قال: فذكرته. وقال أبان بن يزيد: حدثنا هشام، عن أبيه، أخبرتْني عائشة: من قوم كذبوا نبيك، وأخرجوه من قريش. وسعد: هو ابن معاذ الخزرجي، أصيب يوم الخندق في الأكحل. فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب. إلا أن جرحه يغذو دمًا فمات فيها، كما ذكره البخاري (٤٦٣). ٩ - باب آل أبي بكر في إعداد العدة للهجرة • عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع فاعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناءهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نُخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة:

стр. 5158

فأتى ابن الدغنة: أبا بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أُخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد لك جوارك، وأرضى بجوار الله . والنبي ﷺ يومئذ بمكة، فقال النبي ﷺ للمسلمين: "إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين". وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قِبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم". فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - أربعة أشهر. قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا - في ساعة لم يكن يأتينا فيها - فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أخرج من عندك". فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله! قال: "فإِني قد أُذن لي في الخروج". فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ : "نعم". قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله ﷺ : "بالثمن". قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر - وهو غلام شاب ثقف لقن - فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلاوعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خِريتًا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور

стр. 5159

بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٥) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل. قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير ﵁ أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرت الحديث بطوله. • عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كله معه: خمسة آلاف درهم، أو ستة آلاف درهم قالت: وانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدّي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله! إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبه، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا. قالت: قلت: كلا يا أبه، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا. قالت: فأخذت أحجارًا، فوضعتها في كوة البيت، كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبه، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن كان قد ترك لكم هذا، فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني قد أردت أن أسكّن الشيخ بذلك. حسن: رواه أحمد (٢٦٩٥٧) والطبراني في الكبير (٢٤/ ٨٨) والحاكم (٣/ ٥ - ٦) كلهم من حديث ابن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن أباه حدثه، عن جدّته أسماء بنت أبي بكر فذكرته. وهو في سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٨). وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. ١٠ - أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين • عن أسماء قالت: صنعت سفرة للنبي ﷺ وأبي بكر حين أرادا المدينة، فقلت لأبي: ما أجد شيئًا أربطه إلا نطاقي، قال: فشقيه، ففعلت فسميت ذات النطاقين. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٧) عن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا هشام، عن أبيه، وفاطمة، عن أسماء فذكرته. وفاطمة: هي ابنة المنذر بن الزبير بن العوام زوج هشام بن عروة. ١١ - أسماء هاجرت إلى النبي ﷺ وهي حبلى • عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير قالت: فخرجت، وأنا متمّ فأتيت

стр. 5160

المدينة، فنزلت بقباء، فولدته بقباء، ثم أتيت النبي ﷺ فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه. فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ثم حنّكه بتمرة، ثم دعا له، وبرّك عليه. وكان أول مولود ولد في الإسلام. متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٥) ومسلم في الآداب (٢٦: ٢١٤٦) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن هشام (هو ابن عروة)، عن أبيه، عن أسماء فذكرته. ١٢ - باب اجتماع قريش لاغتيال النبي ﷺ قبل الخروج قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. قال ابن إسحاق: وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد أصحابه من المهاجرين، ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة أحد إلا من حبس أو فُتن إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة. وكان أبو بكر كثيرًا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فيقول له: "لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا". فيطمع أبو بكر أن يكونه، فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم نزلوا دارًا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب، التي كانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها - يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه. • عن ابن عباس قال: إن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في سورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح، قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا شأن هذا الرجل، والله! ليوشكن أن يواثبكم في أموركم بأمره، قال: فقال قائل: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة إنما هو كأحدهم. قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي، فقال: والله! ما هذا لكم برأي، والله! ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا: فانظروا غير هذا، قال: فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضرّكم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم، فقال الشيخ النجدي: والله! ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة

стр. 5161

لسانه، وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله! لئن فعلتم ثم استعرض العرب، لتجتمعن عليكم، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم، قالوا: صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا، قال: فقال أبو جهل: والله! لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا وسيطًا شابًّا نهدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربونه، ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرّق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا، وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي، القول ما قال الفتى، لا أرى غيره، قال: فتفرقوا على ذلك وهم مُجْمِعون له. قال: فأتى جبريل النبي ﷺ فأمره ألا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال، يذكره نعمه عليه، وبلاءه عنده: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وأنزل في قولهم: تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وكان يسمى ذلك اليوم: يوم الزحمة للذي اجتمعوا عليه من الرأي. حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ١٣٥، ١٣٤) عن سعيد بن يحيى الأموي قال: ثني أبي، قال: ثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره. وهذا الإسناد رجاله ثقات سوى محمد بن إسحاق وهو صدوق حسن الحديث لكنه مدلس وقد عنعن، وقد زالت شبهة تدليسه لكونه قد صرح بالتحديث في رواية أخرى عند الطبري في تاريخه (٢/ ٣٧٠) فقال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق قال: حدثني عبيد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج عن ابن عباس، فذكره. والحديث ساقه ابن هشام عن ابن إسحاق فزاد في الإسناد رجلا فقال: "قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس به: سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٠)؛ فإن كان الإسناد محفوظًا فلعل ابن إسحاق سمعه من ابن أبي نجيح بواسطة ثم سمعه منه مباشرة من غير واسطة. ويؤيده مرسل قتادة المخرج في مصنف عبد الرزاق (٥/ ٣٨٩) عن معمر عنه به نحوه، ورجاله ثقات. وذكر موسى بن عقبة، عن الزهري قال: "ومكث رسول الله ﷺ بعد الحج بقية ذي الحجة، والمحرم، وصفر، ثم إن مشركي قريش اجتمعوا أن يقتلوه أو يخرجوه حين ظنوا أنه خارج،

стр. 5162

وعلموا أن الله قد جعل له مأوى ومنعة ولأصحابه، وبلغهم إسلام من أسلم، ورأوا من يخرج إليهم من المهاجرين، فأجمعوا أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، أو يثبتوه فقال الله عزو جل: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وبلغه ﷺ في ذلك اليوم الذي أتى فيه أبا بكر أنهم مبيتوه إذا أمسى على فراشه، فضهج رسول الله ﷺ في جوف الليل قبل الغار غار ثور، وهو الغار الذي ذكر الله في الكتاب، وعمد علي بن أبي طالب فرقد على فراش رسول الله ﷺ يواري عنه، وباتت قريش يختلفون ويأتمرون: أيهم يجثو على صاحب الفراش فيوثّقه، فكان ذلك أمرهم حتى أصبحوا، فإذا هم بعلي بن أبي طالب ﵁، فسألوه عن النبي ﷺ ، فأخبرهم أنه لا علم له به، فعلموا عند ذلك أنه قد خرج فارًّا منهم، فركبوا في كل وجه يطلبونه". أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٦٦) هكذا مرسلًا من الزهري. وأما ما روي عن ابن عباس في حديث طويل وجاء فيه: وشرى عَلِيٌّ نفسه؛ لبس ثوب النبي ﷺ ثم نام مكانه، قال: فكان المشركون يرمون رسول الله ﷺ فجاء أبو بكر، وعلي نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنه نبي الله، فقال: يا نبي الله، قال: فقال علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار. قال: وجعل علي يُرمى بالحجارة كما كان يُرمى نبي الله وهو يتضوّر، قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه فقالوا: إنك للئيم، كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر، وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك. فهو ضعيف. رواه أحمد (٣٠٦١) والحاكم (٣/ ٤) كلاهما من طريق أبي عوانة عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس فذكره في حديث طويل عند أحمد. واختصر الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وقد رواه أبو داود الطيالسي وغيره عن أبي عوانة بزيادة ألفاظ. وفيه أبو بلج واسمه يحيى بن سليم قال فيه البخاري: فيه نظر. والحديث الطويل الذي أخرجه أحمد في بعض ألفاظه نكارة ظاهرة. ١٣ - باب النبي ﷺ وصاحبه في الغار في جبل ثور قال الله : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. • عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: قلت للنبي ﷺ وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال: "ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما". متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦٥٣) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٣٨١) كلاهما من حديث همام، عن ثابت، عن أنس، عن أبي بكر، فذكره. أقام رسول الله ﷺ وأبو بكر في الغار ثلاث ليال ليسكن الطلب عنهما. وذلك لأن المشركين

стр. 5163

حين فقدوهما ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات. وجعلوا لمن ردهما أو أحدهما مائة من الإبل، واقتصوا آثارهما، وكان الذي يقتص الأثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم، حتى وصلوا الجبل الذي هما فيه. • عن جندب بن سفيان قال: كان رسول الله ﷺ في غار، فنكبت إصبعه. صحيح: رواه مسلم في الجهاد (١٧٩٦: ١١٣) من طرق عن ابن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن عبد الله فذكره. وقوله: "غار" هنا تصحيف من "غازيًا" كما في الرواية الأخرى: كان في بعض المشاهد. انظر البخاري (٢٨٠٢) ومسلم (١١٢: ١٧٩٦). إلا أن بعض أهل العلم جعلوا الغار هنا غار ثور، عند هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة. ١٤ - باب ما رُويَ في قصة نسج العنكبوت على الغار روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح، فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي ﷺ ، وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات عليّ على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا، يَحَسبُونه النبي ﷺ ، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًّا، رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا، لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. رواه أحمد (٣٢٥١) عن عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال: وأخبرني عثمان الجزري، أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره، عن ابن عباس، فذكره. وهو في مصنف عبد الرزاق (٥/ ٣٨٤ - ٣٨٩) مطولا، ومن طريقه أخرجه الطبراني في الكبير (١٢١٥٥). وعثمان الجزري هذا ليس هو المترجم في التهذيب باسم عثمان بن عمرو بن ساج القرشي أبو ساج الجزري مولى بني أمية وقد ينسب إلى جده. فإنه لم يرو عن مقسم، كما لم يرو عنه معمر، وإنما هو ما ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٥٨) فذكر من الرواة عنه معمر، وهو يروي عن مقسم، عن ابن عباس إلا أنه لم يكمله اسمه. وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ١٧٤): عثمان الجزري ويقال له: عثمان المشاهد روى عن مقسم، روى عنه معمر والنعمان بن راشد سمعت أبي يقول ذلك. ثم روي عن الإمام أحمد أنه سئل عن عثمان الجزري فقال: روى أحاديث مناكير، زعموا أنه

стр. 5164

ذهب كتابه. قال عبد الرحمن: "سألت أبي عن عثمان الجزري فقال: لا أعلم روى عنه غير معمر والنعمان. انتهى. فإن كان عثمان الجزري هو هذا فهو صاحب المناكير ومجهول وظن الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٧) بأنه عثمان بن عمرو الجزري فقال: وثّقه ابن حبان وضعّفه غيره. وكذلك ظن الحافظ ابن كثير في تاريخه (٤/ ٤١٥) أنه عثمان بن عمرو الجزري فقال: هذا إسناد حسن، وهو من أجود ما رُوي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار. وذلك من حماية الله لرسوله ﷺ . وحسّنه أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ٢٣٦) وقد عرفت حال عثمان الجزري، ولعله حسّنه لشهرته في كتب السير والتواريخ، والله تعالى أعلم. وبمعناه رُوي عن الحسن مرسلًا قال: انطلق النبي ﷺ وأبو بكر إلى الغار، وجاءت قريش يطلبون النبي ﷺ وكانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخل أحد، وكان النبي ﷺ قائما يصلي وأبو بكر يرتقب، فقال أبو بكر للنبي ﷺ : هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي ﷺ : "يا أبا بكر لا تخف إن الله معنا". رواه أبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (٧٣) وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" (٤/ ٤٥١) وقال: "وهذا مرسل عن الحسن. وهو حسن بحاله من الشاهد وفيه زيادة صلاة النبي ﷺ في الغار. وقد كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلّى. وكذلك لا يصح ما رواه أبو مصعب المكي قال: أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة، فسمعتهم يتحدثون "أن النبي ﷺ ليلة الغار أمر الله بشجرة فنبتت في وجه النبي ﷺ فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبي ﷺ فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل، بعصيهم وهراويهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي ﷺ أربعين ذراعًا، فجعل رجل منهم لينظر في الغار فرأى حمامتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: ما لك لم تنظر في الغار؟ فقال: رأيت حمامتين بفم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبي ﷺ ما قال، فعرف أن الله قد درأ عنه بهما، فدعاهن النبي ﷺ فسمَّت عليهن وفرض جزاءَهُنَّ وانحدرن في الحرم. رواه ابن سعد (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩) والبزار - كشف الأستار (١٧٤١) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٤٣) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢) كلهم من طريق عون بن عمرو القيسي، قال: سمعت أبا مصعب المكي قال: فذكره. قال البزار: لا نعلم رواه إلا عوين بن عمير وهو بصري مشهور، وأبو مصعب لا نعلم حدّث

стр. 5165

عنه إلا عوين، وكان عوين ورباح أخوين. قلت: فيه علتان: إحداهما: عون بن عمرو أخو رباح بن عمرو يقال عوين أيضًا بصري ضعيف. قال ابن معين: لا شيء، وقال البخاري: منكر الحديث مجهول. وأورد الذهبي في ميزانه هذا الحديث لذكر مناكيره. والثانية: أبو مصعب المكي قال فيه العقيلي: مجهول وقال الذهبي في الميزان: لا يعرف. قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٤٥٣ - ٤٥٤) "هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه. وقد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن إبراهيم وغيره، عن عون بن عمرو - وهو الملقب بعُوين - بإسناده مثله، وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تينك الحمامتين، وفي هذا الحديث أن القائف الذي اقتفى لهم الأثر: سراقة بن مالك المدلجي، وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه أن الذي اقتفى لهم الأثر: كُرز بن علقمة" انتهى. قلت: اللفظ الذي ساقه ابن كثير عن الحافظ ابن عساكر جاء فيه ذكر سراقة بن مالك. وعلاوة على ذلك فإن أبا بكر أمر ابنه عبد الله أن يسمع ما يقوله الناس فيأتيه بالليل في الغار، ثم يرجع إلى مكة في السحر كما عند البخاري في حديث الهجرة الطويل (٣٩٠٥)، وكذلك أمر مولاه عامر بن فُهيرة أن يرعى غنمه نهاره فإذا أمسى أتى بها ليطعما من ألبانها، وكذلك كانت أسماء تأتيهما بالطعام في كل مساء، فإذا كان على الغار نسيج العنكبوت أونبت عليه الشجرة فكيف يتمكن هؤلاء الدخول فيه والخروج منه كل يوم. والخلاصة فيه كما قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرح العقيدة الواسطية: قوله هنا: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾: نهي يشمل الهم مما وقع وما سيقع؛ فهو صالح للماضي والمستقبل. والحزن: تألّم النفس وشدة همها. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾: وهذه المعية خاصة، مقيدة بالنبي ﷺ وأبي بكر، وتقتضي مع الاحاطة التي هي المعية العامة النصر والتأييد. ولهذا وقفت قريش على الغار، ولم يبصروهما! أعمى الله أبصارهم. وأما قول مَن قال: فجاءت العنكبوت فنسجت على باب الغار، والحمامة وقعت على باب الغار، فلما جاء المشركون، وإذا على الغار حمامة وعش عنكبوت، فقالوا: ليس فيه أحد؛ فانصرفوا. فهذا باطل! ! الحماية الإلهية والآية البالغة أن يكون الغار مفتوحًا صافيًا؛ ليس فيه مانع حسي، ومع ذلك لا يرون مَن فيه، هذه هي الآية أ! أما أن تأتي حمامة وعنكبوت تعشش؛ فهذا بعيد، وخلاف قوله: "لو نظر أحدهم إلى قدمه، لأبصرنا". انتهى قوله.

стр. 5166

١٥ - باب استعمال أبي بكر التورية في سفر الهجرة • عن أنس بن مالك قال: أقبل النبي ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله ﷺ شاب لا يعرف. قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر! من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق. وإنما يعني سبيل الخير. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩١١) عن محمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، حدثنا أنس بن مالك فذكره في حديث طويل. انظر: النبي ﷺ في المدينة. ١٦ - قصة الهجرة واتباع سراقة بن مالك أثر رسول الله ﷺ - • عن ابن شهاب قال: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي - وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم - أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة! إني قد رأيت آنفًا أسودة بالساحل أراها محمدًا وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي - وهي من وراء أكمة - فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها، أَضرُّهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام - تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عُثانٌ ساطع في السَّماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم. ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أن قال: أخْفِ عنا،

стр. 5167

فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله ﷺ . صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٦) قال: قال ابن شهاب فذكره وهو معطوف على الإسناد السابق الذي رواه عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، قال: قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة قالت: فذكر الحديث بطوله كما سبق. ثم حوّله إلى عبد الرحمن بن مالك المدلجي فذكر إسناده ورواه أحمد (١٧٥٩١) عن عبد الرزاق وهو في مصنفه (٩٧٤٣) عن معمر، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن مالك فذكر مثله. وأفرده البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٨٥) بإسنادين: يحيى بن بكير، وأبو صالح كلاهما عن الليث به. وقال: رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير، عن الليث. وعامر بن فهيرة خادم أبي بكر. • عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي أن أباه مالكًا أخبره أن أخاه سراقة بن جعشم أخبره قال: إنه لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرًا إلى المدينة جعلت قريش لمن رده عليهم مائة ناقة قال: فبينما أنا جالس في نادي قومي إذ جاء رجل منا فقال: والله! لقد رأيت ركبًا ثلاثة مروا عليّ آنفًا، إني لأظنه محمدًا، قال: فأومأت إليه بعيني، أن اسكت، وقلت: إنما هو بنو فلان يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت. قال: فمكثت قليلًا، ثم قمت فدخلت بيتي وأمرت بفرسي، فقيد إلي بطن الوادي، وأخرجت سلاحي من وراء حجراتي، ثم أخذت قداحي أستقسم بها، ثم لبست لأمتي، ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره: لا تضره، وكنت أرجو أن أرده فآخذ المائة ناقة. قال: فركبت على أثره، فبينا فرسي يسير بي عثر، فسقطت عنه، قال: فأخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره: لا تضره، فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت، فلما بدا لي القوم فنظرت إليهم عثر بي فرسي فذهبت يداه في الأرض، فسقطت عنه، فاستخرج يديه واتبعهما دخان مثل الغبار، فعلمت أنه قد منع مني، وأنه ظاهر، فناديتهم، فقلت: انظروني فو الله! لا آذيتكم، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. فقال رسول الله ﷺ : "قل له: ماذا تبتغي؟ ". قال: قلت اكتب لي كتابًا يكون بيني وبينك آية، قال: اكتب له يا أبا بكر، قال: فكتب لي ثم ألقاه إليّ، فرجعت، فسكت، فلم أذكر شيئًا مما كان، حتى إذا فتح الله مكة، وفرغ رسول الله ﷺ من أهل خيبر، خرجت إلى رسول الله ﷺ لألقاه ومعي الكتاب الذي كتب لي، فبينما

стр. 5168

أنا عامد له دخلت بين ظهري كتيبة من كتائب الأنصار، قال: فطفقوا يقرعونني بالرماح، ويقولون: إليك، إليك، حتى دنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته أنظر إلى ساقه في غرزه، كأنها جمارة، فرفعت يدي بالكتاب، فقلت: يا رسول الله! هذا كتابك، فقال رسول الله ﷺ : "يوم وفاء وبر، ادنه، قال: فأسلمت، ثم ذكرت شيئًا أسل عنه رسول الله ﷺ ". قال ابن شهاب: إنما سأله عن الضالة، وشيء فعله في وجهه الذي كان فيه، فما ذكرت شيئًا إلا أني قد قلت يا رسول! الضالة تغشى حياضي قد ملأتها لإبلي هل لي من أجر إن سقيتُها؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم في كل كبد حرى". قال: وانصرفت فسقت إلى رسول الله ﷺ صدقتي. حسن: رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٨٧) بإسناده عن موسى بن عقبة، وأبو نعيم في الدلائل (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩) بإسناده عن محمد بن إسحاق - كلاهما عن ابن شهاب، قال: حدثني عبد الرحمن بن مالك بن جُعشم فذكره. وهو في سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠) وفيه تصريح ابن إسحاق. • عن البراء بن عازب يقول: لما أقبل رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، فاتبعه سراقة بن مالك بن جعشم، قال: فدعا عليه رسول الله ﷺ فساخت فرسه، فقال: ادع الله لي ولا أضرك، قال: فدعا الله، قال: فعطش رسول الله ﷺ فمروا براعي غنم، قال أبو بكر الصديق: فأخذت قدحًا فحلبتُ فيه لرسول الله ﷺ كُثبةً من لبن، فأتيته به فشرب حتى رضيتُ. متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٨) ومسلم في الأشربة (٢٠٠٩) كلاهما من حديث شعبة عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء فذكره. • عن البراء بن عازب قال: اشترى أبو بكر من عازب سرجًا بثلاثة عشر درهمًا، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي، فقال: لا، حتى تحدّثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله ﷺ وأنت معه، فقال أبو بكر: خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يومنا وليلتنا، حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فضربت بصري هل أرى ظلًّا نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة، فأهويت إليها، فإذا بقية ظلها، فسويته لرسول الله ﷺ وفرشت له فروة وقلت: اضطجع يا رسول الله! فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحدًا من الطلب، فإذا أنا براعي غنم، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش،

стр. 5169

فسماه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قال: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاة منها، ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار، ومعي إداوة على فمها خرقة، فحلب لي كثبة من اللبن فصببت - يعني الماء - على القدح حتى برد أسفله، ثم أتيت رسول الله ﷺ فوافيته وقد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب حتى رضيت، ثم قلت: هل آن الرحيل؟ فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: يا رسول الله! هذا الطلب قد لحقنا، قال: "لا تحزن إن الله معنا". حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين، - أو قال: رمحين أو ثلاثة - قلت: يا رسول الله! هذا الطلب قد لحقنا، وبكيت، قال: لم تبكي؟ قال: قلت: أما والله! ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك، فدعا عليه رسول الله ﷺ فقال: "اللهم اكفناه بما شئت". فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد، ووثب عنها، وقال: يا محمد! قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله! لأُعمينّ على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهمًا، فإنك ستمرّ بإبلي وغنمي بموضع كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، قال: فقال رسول الله ﷺ : "لا حاجة لي فيها". قال: ودعا له رسول الله ﷺ فأطلق ورجع إلى أصحابه، ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه، حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس، فخرجوا في الطرق وعلى الأجاجير، واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون: الله أكبر، جاء رسول الله، جاء محمد، قال: وتنازع القوم أيهم ينزل عليه، قال: فقال رسول الله ﷺ : "أنزل الليلة علي بني النجار أخوال عبد المطلب، لأكرمهم بذلك". فلما أصبح غدا حيث أمر. قال البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى، أحد بني فهر، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا، فقلنا: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قال: هو على أثري، ثم قدم رسول الله ﷺ وأبو بكر معه، قال البراء: ولم يقدم رسول الله ﷺ حتى قرأت سورًا من المفصل. متفق عليه: رواه الإمام أحمد (٣) عن عمرو بن محمد بن أبي سعيد، يعني - العنقزي - قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب فذكره. ورواه البخاري في المناقب (٣٦١٥) وفي المواضع الأخرى ومسلم في الزهد (٧٥: ٢٠٠٩) كلاهما من حديث زهير بن معاوية، حدثنا أبو إسحاق، سمعت البراء بن عازب يقول: فذكره.

стр. 5170

ولكنهما لم يذكرا بهذا التفصيل كما لم يذكرا قول البراء: أول من قدم علينا ... كما أن البخاري لم يذكر قول سراقة: "فإنك ستمر بإبلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك" فقال النبي ﷺ : "لا حاجة لي فيها". وذكره مسلم. والبخاري ذكر في إحدى المواضع (٣٩١٨) قول البراء فدخلت مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمّى. فرأيت أباها فقبّل خدها وقال: "كيف أنت يا بنية؟ " ولم يذكره مسلم. قال الحافظ ابن حجر: كان دخول البراء على أهل أبي بكر قبل أن ينزل الحجاب قطعا، وأيضا فكان حينئذ دون البلوغ وكذلك عائشة. ويذكر في قصة سراقة أن النبي ﷺ قال له: "كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ ". فلما أتى عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما. وكان سراقة رجلًا أزب، كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك فقال: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبها كسرى بن هرمز الذي كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي، رجل من بني مدلج، ورفع بها عمر صوته. ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب فقال: وروى عن سفيان بن عيينة عن أبي موسى، عن الحسن فذكره، وكذلك قال الحافظ ابن حجر في الإصابة، وهو مرسل، ولم أقف من وصله. وأبو موسى: هو إسرائيل بن موسى البصري ثقة من رجال التهذيب. ١٧ - باب حلب أبي بكر الشاة في الطريق للنبي ﷺ - • عن البراء قال: قال أبو بكر الصديق: لما خرجنا مع النبي ﷺ من مكة إلى المدينة مررنا براعٍ وقد عطش رسول الله ﷺ قال: فحلبت له كثبةً من لبن، فأتيته بها، فشرب حتى رضيت. متفق عليه: رواه البخاري في الأشربة (٥٦٠٧) ومسلم في الأشربة (٩٠: ٢٠٠٩) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، فذكره. واللفظ لمسلم. قوله: "كثبة" أي شيئًا قليلًا. • عن أبي بكر قال: انطلقت فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه، فقلت: لمن أنت؟ قال: لرجل من قريش فسمّاه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ فقال: نعم، فقلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه فقال هكذا، ضرب إحدى كفيه بالأخرى، فحلب كثبةً من لبن، وقد جعلت لرسول الله ﷺ إداوة على فمها خرقة،

стр. 5171

فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانتهيت إلى النبي ﷺ فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب حتى رضيت. صحيح: رواه البخاري في اللقطة (٢٤٣٩) من طريقين عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: أخبرني البراء، عن أبي بكر فذكره. وقوله: "هل أنت حالب؟ " يعني هل لك الإذن للحلب للمارة على عادة العرب. • عن ابن مسعود أنه قال: كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فجاء النبي ﷺ وأبو بكر ﵁، وقد فرّا من المشركين، فقالا: يا غلام! هل عندك من لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن، ولست ساقيكما، فقال النبي ﷺ : "هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل؟ ". قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها النبي ﷺ ومسح الضرع، ودعا، فحفل الضرع، ثم أتاه أبو بكر ﵁ بصخرة منقعرة، فاحتلب فيها، فشرب، وشرب أبو بكر، ثم شربت، ثم قال للضرع: "اقلص". فقلص، فأتيته بعد ذلك، فقلت: علمني من هذا القول؟ قال: "إنك غلام معلم". قال: فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد. حسن: رواه أحمد (٤٤١٢) وأبو يعلى (٤٩٨٥) والطبراني في الكبير (٨٤٥٥) وأبو نعيم في الدلائل (٢/ ٤٢٤) وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٥٠ - ١٥١) كلهم من طرق عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: فذكره. • عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر مستخفين مرا بعبد يرعى غنمًا فاستسقياه اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب غير أن هاهنا عناقًا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن، فقال: ادع بها، فدعا بها، فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت. وجاء أبو بكر بمجن فحلب، فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب فقال الراعي، بالله من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط؟ قال: أتكتم علي حتى أخبرك؟ قال: نعم، قال: فإني محمد رسول الله فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ، قال: إنهم ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال: "إنك لن تستطيع ذلك يومك فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا". صحيح: رواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٤٣) والبزار - كشف الأستار (١٧٤٣) والحاكم (٣/ ٨ - ٩) وعنه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٩٨) كلهم من أبي الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك، ثنا

стр. 5172

عبيد الله بن إياد بن لقيط، ثنا إياد بن لقيط، عن قيس بن النعمان فذكره. وأشار إليه أيضا ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة قيس بن النعمان. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. قلت: هو كما قال، فإن رجاله ثقات، وقد تكلم البزار في عبيد الله بن إياد بن لقيط غير أنه ثقة، وثّقه النسائي وغيره، وصحّح إسناده الحافظ ابن حجر في الإصابة (٥/ ٥٠٦). وقول الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٤٨١) بعد أن نقل قول البيهقي: "يحتمل أن هذه القصص كلها واحدة". ثم ذكر قصة شبيهة بقصة شاة أم معبد الخزاعية بعيد. فإن قصة قيس بن النعمان قصة مستقلة ووقعت أثناء الهجرة. وأشار إليه البزار فقال: لا نعلم روى قيس، عن النبي ﷺ إلا هذا، ولا نعلمه بهذا اللفظ إلا عنه، وهو يخالف سائر الأحاديث في قصة أم معبد، ولكن هذا حدث به عبيد بن إياد. وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٥٨): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. والعناق: هي الأنثى من ولد العنز. وقوله: اخدجت: أي ألقت ولدها ناقص الخلق. ١٨ - باب حديث أم معبد • عن حبيش بن خالد الخزاعي قال: حين خرج رسول الله ﷺ من مكة وأبو بكر ومولى أبو بكر عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة، تحتبي بفناء القبة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا، فاحلبها، فدعا رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها وسمى الله ﵎ ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه ودرت واجترّت ودعا بإناء يربض الرهط، فحلب فيه ثجًا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، فسقى أصحابه حتى رووا، فشرب آخرهم وأراضوا، ثم حلب فيه ثانيًا بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها وارتحلوا عنها، فقَلَّ ما لبث حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا وكان

стр. 5173

يتساوكن هزلًا ضحى مخّهنّ قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا يا أم معبد والشاء عازب حبلى ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد، قالت: رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه، حسن الخلق، لم يعبه ثجلة، ولم تزريه صعلة، وسيمًا، قسيمًا في عينه دعج، وفي أشفاره غطف، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج، أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق، فضل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه نظم يتحدرن ربعته، لا باين من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين اثنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند. قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد شئت أن أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا، فأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قال خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى فاهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيا ل قصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تُجارى وسؤدد ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليه صريحًا ضرة الشاة مزيد فغادرها رهنًا لديها لحالب ... يرددها في مصدر ثم مورد ولما سمع بذلك حسان بن ثابت الأنصاري شاعر النبي ﷺ شبب يجاوب الهاتف فقال: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويفتدي ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد

стр. 5174

وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمايتهم هاد به كل مهتد وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد وإن قال في يوم مقالة غائب فتـ ... صديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يُسعِدُ الله يَسعَد ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد حسن: رواه البغوي في معجم الصحابة في ترجمة حبيش بن خالد الخزاعي، وكذا البيهقي في الدلائل (١/ ٢٧٧) وابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة حبيش بن خالد، وكذا الطبراني في الكبير (٤/ ٤٨) والحاكم في المستدرك (٣/ ٩). وكذا ابن شاهين وابن السكن وابن مندة كما قال الحافظ في الإصابة في ترجمة حبيش، كلهم من طرق عن حبيش بن خالد. واللفظ للبغوي، وعند غيره خلاف في بعض ألفاظها وذكر بعض هذه الاختلافات الذهبي في السيرة النبوية ص ٤٣٧ - ٤٣٩ ثم سكت. قال الحاكم: صحيح الإسناد، وأطال في تصحيحه. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٤٧٢). "وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضًا". ثم ذكر له شاهدين - عن جابر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بكر. وأما حديث جابر فرواه البزار - كشف الأستار (١٧٤٢) عن محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، ثنا أبي، عن أبيه، عن جابر قال: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار، إذا في الغار جحر، فألقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح، مخافة أن يخرج على رسول الله ﷺ منه شيءٌ، فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا، حتى نزلا بخيمات أم معبد، فأرسلت إليه أم معبد: إني أرى وجوها حسانًا، وإن الحي أقوى على كرامتكم مني، فلما أمسوا عندها، بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة، فقال رسول الله ﷺ : "اردد الشفرة وهات لي فرقًا" - يعني القدح - فأرسلت إليه أن لا لبن فيها ولا ولد، قال: "هات لي فرقًا" فجاءت بفرق، فضرب ظهرها، فاجترّت ودرّت فحلب فملأ القدح، فشرب وسقى أبا بكر، ثم حلب فبعث به إلى أم معبد. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدًا حدّث عنه إلا يعقوب بن محمد، وإن كان معروفًا في النسب.

стр. 5175

وقوله مشعر بأن عبد الرحمن بن عقبة مجهول الحال. وأما حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى فرواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٩١ - ٤٩٢) من طريقين عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يحدت عن أبي بكر الصديق قال: خرجت مع رسول الله ﷺ من مكة، فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنظر رسول الله ﷺ إلى بيت منتحيًا، فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبد الله! إنما أنا امرأة وليس معي أحد، فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى، قال: فلم يجبها، وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز يسوقها فقالت: يا بنيّ، انطلق بهذه العنزة والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما: تقول لكما أمي: اذبحا هذه وكلا وأطعمانا، فلما جاء قال له النبي ﷺ : "انطلق بالشفرة وجئني بالقدح" قال: إنها قد عزبت وليس بها لبن، قال: "انطلق" فجاء بقدح فمسح النبي ﷺ ضرعها، ثم حلب حتى ملأ القدح، ثم قال: "انطلق به إلى أمك" فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال: "انطلق بهذه وجئني بأخرى" ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر، تم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي ﷺ ، فبتنا ليلتنا ثم انطلقنا، فكانت تسميه المبارك، وكثرت غنمها حتى جلبت جلبًا إلى المدينة، فمرّ أبو بكر فرآه ابنها فعرفه فقال: يا أمه، هذا الرجل الذي كان مع المبارك. فقامت إليه فقالت: يا عبد الله! من الرجل الذي كان معك؟ قال: أو ما تدرين من هو! قالت: لا، قال: هو نبي الله. قالت: فأدخلني عليه. قال: فأدخلها، فأطعمها رسول الله ﷺ وأعطاها. زاد ابن عبدان في روايته: قالت: فدلني عليه. فانطلقت معي، وأهدت لرسول الله ﷺ شيئًا من أقط ومتاع الأعراب، قال: فكساها وأعطاها. قال: ولا أعلمه إلا قال: وأسلمت. قال البيهقي: "وهذه القصة وإن كانت تنقص عما روينا في قصة أم معبد ويزيد في بعضها فهي قريبة منها، ويشبه أن يكونا واحدة، وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار من قصة أم معبد شيئًا يدل على أنها وهذه واحدة، والله أعلم". قال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٤٧٥): "والظاهر أنها هي". وقال: وإسناده حسن. قلت: ولكن فيه انقطاع بأن ابن أبي ليلى لم يدرك أبا بكر الصديق، فما كان هذا سبيله فهو لا ينزل عن درجة الحسن عند أكثر أهل العلم وخاصة أن شهرة هذه القصة واستفاضتها عند علماء أهل السير تفيد بأن لها أصلًا. ونقل ابن كثير عن أبي نعيم وغيره أن أبا معبد أسلم وهاجر إلى النبي ﷺ ، وكذلك أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقتْ برسول الله ﷺ . وأم معبد اسمها عاتكة بنت خالد وهو أخو حبيش بن خالد صاحب رسول الله ﷺ قتيل البطحاء

стр. 5176

يوم الفتح. شرح الألفاظ الغريبة: ويربض الرهط: يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا، والرهط من الثلاثة إلى العشرة. والثج: السيل. والبهاء: وبيض رغوة اللبن، فشربوا حتى أراضوا، أي رووا. كذا جاء في بعض طرقه. وتساوكن: تمايلن من الضعف، ويروى: تشاركن: أي عمهن الهزال. والشاء عازب: بعيد في المرعى. وأبلج الوجه: مشرق الوجه مضيئة. والثجلة: عظم البطن مع استرخاء أسفله. والصعلة: صغر الرأس، ويروى (صقلة) وهي الدقة والضمرة، والصقل: منقطع الأضلاع من الخاصرة. والوسيم: المشهور بالحسن، كأنه صار الحسن له سمة. والقسيم: الحسن قسمة الوجه. والوطف والغطف: الطول. والصحل والصهل: شبه البحة. والسطع: طول العنق. لا تقتحمه عين من قصر: أي لا تزدريه لقصره فتجاوز إلى غيره، بل تهابه وتقبله. والمحفود: المخدوم. والمحشود: الذي يجمتع الناس حوله. ١٩ - طريق الهجرة من مكة إلى المدينة • عن عائشة قالت: لما خرج رسول الله ﷺ من الغار مهاجرًا، ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة، مردفه أبو بكر، وخلفه عبد الله بن أريقط الليثي، فسلك بهما أسفل مكة، ثم مضى حتى هبط بهما على الساحل أسفل من عسفان، ثم استجاز بهما على أسفل أمج، ثم عارض الطريق بعد أن أجاز بها قديدًا. ثم سلك بهما الحجاز، ثم أجاز ثنية المرار، ثم سلك بهما الحفياء، ثم أجاز بها مدلجة ثقْف، ثم استبطن بهما مدلجة صحاح، ثم سلك بهما مذحج، ثم ببطن مذحج، من ذي الغصن، ثم ببطن كشد، ثم أخذ الجباجب، ثم سلك ذا سلم من بطن أعلى مدلجة، ثم أخذ القاحة، ثم هبط العرج، ثم سلك ثنية الغائر عن يمين ركوبة، ثم هبط بطن ريم، فقدم قباء على

стр. 5177

بني عمرو بن عوف. حسن: رواه محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته، سيرة ابن هشام (١/ ٤٩١ - ٤٩٢). ومن طريقه رواه الحاكم (٣/ ٨) وقال: صحيح على شرط مسلم. وصحّحه أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ٢٣٨) وقد صح من قول عائشة عند البخاري (٣٩٠٥) فأخذ بهم طريق الساحل. ومِن الذين دلوا النبي ﷺ الطريق إلى المدينة سعد العرجي، وإنما قيل له العرجي لأنه اجتمع بالنبي ﷺ بالعرْج. إلا أن إسناده لا يصح. رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (١٦٦٩١) وفيه عبد الله بن مصعب ضعّفه ابن معين، وفيه ابن سعد قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٥٨ - ٥٩): اسمه عبد الله، ولم أعرفه. ورواه الحارث بن أسامة مختصرًا - بغية الباحث (٥٣١) وفيه محمد بن عمر الواقدي وفيه كلام معروف. إلا أنه لا يُستغنى عنه في المغازي والتواريخ. ٢٠ - نزول النبي ﷺ قباء وبناء المسجد الذي أسس على التقوى، ثم توجهه إلى المدينة • عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ ، من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب! هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك. فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأَسس المسجد الذي أُسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ﷺ ثم ركب راحلته وسار يمشي معه

стр. 5178

الناس، حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدًا للتمر لسهيل وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: "هذا إن شاء الله المنزل" ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله! فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا، وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن: "هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبَر ربّنا وأطهر" ويقول: "اللهم إن الأجر أجر الآخره ... فارحم الأنصار والمهاجره" فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٦) بالإسناد السابق وهو عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال: ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، فذكره. وصورته مرسل، ولكن وصله الحاكم من طريق معمر، عن الزهري قال: أخبرني عروة، أنه سمع الزبير به. ذكره الحافظ في "الفتح" (٧/ ٢٤٣) وعند عبد الرزاق (٥/ ٣٩٥) عن معمر قال: قال الزهري: وأخبرني عروة بن الزبير أنه لقي الزبير وركبًا من المسلمين ... فذكر نحوه. واختلف في سماع عروة عن أبيه الزبير فأثبته الشيخان وأخرجا له في الصحيح، ووثقه الآخرون. • عن أنس بن مالك قال: أقبل النبي ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله ﷺ شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير، فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله! هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبي الله ﷺ فقال: "اللهم اصرعه". فصرعه الفرس، ثم قامت تُحَمْحِمُ، فقال: يا نبي الله، مرني بما شئت، قال: "قف مكانك، ولا تتركن أحدًا يلحق بنا" قال: فكان أول النهار جاهدًا على نبي الله ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة له، فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة ثم بعث إلى الأنصار فجاؤوا إلى نبي الله ﷺ فسلموا عليهما وقالوا:

стр. 5179

اركبا آمنَين مطاعَين. فركب نبي الله ﷺ وأبو بكر، وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله ﷺ ، فاستشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله، جاء نبي الله، فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فقال: نبي الله ﷺ : "أي بيوت أهلنا أقرب؟ " فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي، قال: "فانطلق فهيء لنا مقيلًا"، قال: قومًا على بركة الله. فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وإنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في. فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود! ويلكم اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق فأسلموا". فقالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي ﷺ ، قالها ثلاث مرار. قال: "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام" قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم" قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم" قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم" قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "يا ابن سلام اخرج عليهم" فخرج فقال: يا معشر اليهود! اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو! إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ . صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩١١) عن محمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، حدثنا أنس، فذكره. ٢١ - أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ - قال ابن إسحاق: فنزل رسول الله ﷺ فيما يذكرون - على كلثوم بن هدْم - أخي بني عمرو بن عوف. وقال: فأقام رسول الله ﷺ بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجده. وقال: ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة. فأدركتْ رسول الله ﷺ الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٣ - ٤٩٤).

стр. 5180

هذه أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ مطلقًا. لأنه لم يتمكن هو وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان بموعظة، وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له، وأذيتهم إياه. لأن الجمعة فرضت بمكة على رأي الإمام أحمد وكثير من الشافعية والمالكية، وأما كونه لم يصل بمكة فكما قال ابن كثير لوجود الموانع من ذلك. انظر: البداية والنهاية (٤/ ٥٢٦). وأما خطبة رسول الله ﷺ يومئذ فذكرها ابن جرير الطبرى في تاريخه (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٦) والبيهقي في دلائله (٢/ ٥٢٥، ٥٢٤) وفي ألفاظهما بعض الاختلافات، كما أن الطريقين مرسلين ويقوي بعضها بعضًا لاختلاف مخارجهما. وأما ما رواه ابن أبي شبّة في تاريخ المدينة (١/ ٦٨) عن أبي غسان، عن ابن أبي يحيى، عن عبد الرحمن بن عتبان، عن أبان بن عثمان، عن كعب بن عجرة، أن النبي ﷺ جمع في أول جمعة حين قدم المدينة في مسجد بني سالم في مسجد عاتكة. ففيه ابن أبي يحيى وهو إبراهيم بن أبي يحيى كذاب. أول جمعة أقيمت قبل مجيء النبي ﷺ بالمدينة كانت مع مصعب بن عمير. وخرّج البيهقي في سننه (٣/ ١٧٩) عن الزهري قال: بلغنا أن أول ما جمّعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ فجمّع بالمسلمين مصعب بن عمير، وهو مرسل. وقد تواترت الآثار أن مصعب بن عمير هو أول من جمّع بالمدينة قبل مقدم النبي ﷺ . ٢٢ - استقبال أهل المدينة رسول الله ﷺ بكل حفاوة وتكريم • عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانوا يقرئوون الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ ثم قدم النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الاماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ . صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٢٥) عن محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب، فذكره. وفي رواية عبد الله بن رجاء: فخرج الناس حين قدم المدينة في الطرق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: جاء محمد رسول الله، الله أكبر، جاء محمد رسول الله. وأخرج البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٨) من طريق إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدف وهن يقلن: نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار وفيه إبراهيم بن صرمة ضعيف. ومحمد بن سليمان لا يعرف. وأخرج أبو سعيد في شرف المصطفى، وروينا في فوائد الخلفي من طريق عبيد الله ابن عائشة

стр. 5181

منقطعًا: لما دخل النبي ﷺ المدينة جعل الولائد يقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ... وجب الشكر علينا ما دعا لله داع ومن هذا الوجه رواه أيضًا البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧) قال الحافظ ابن حجر: وهو سند معضل. ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك. الفتح (٧/ ٢٦١ - ٢٦٢) ويقول أنس بن مالك: إني لأسعى مع الغلمان إذ قالوا: جاء محمد، فننطلق فلا نرى شيئًا حتى أقبل وصاحبه ... فاستقبل زهاء خمسمائة من الإنصار فقالوا: انطلقا آمنَين مطاعَين. ذكره الحافظ في الفتح (٧/ ٢٥١) وعزاه للبخاري في التاريخ الصغير. • عن أنس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة لعبت الحبشة لقدومه بحرابهم فرحًا بذلك. صحيح: رواه أبو داود (٤٩٢٣) وأحمد (١٢٦٤٩) والضياء في المختارة (١٧٨١) كلهم من حديث عبد الرزاق - وهو في مصنفه (١٩٧٢٣) قال: حدثنا معمر، عن ثابت، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح. • عن أنس قال: لما هاجر رسول الله ﷺ كان رسول الله ﷺ يركب وأبو بكر رديفه، وكان أبو بكر يعرف في الطريق لاختلافه إلى الشام، وكان يمر بالقوم فيقولون: من هذا بين يديك يا أبا بكر؟ فيقول: هاد يهديني. فلما دنوا من المدينة، بعثا إلى القوم الذين أسلموا من الأنصار، إلى أبي أمامة وأصحابه، فخرجوا إليهما، فقالوا: ادخلا آمنَين مطاعَين، فدخلا، قال أنس: فما رأيت يومًا قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر المدينة، وشهدت وفاته، فما رأيت يومًا قط أظلم ولا أقبح من اليوم الذي توفّي رسول الله ﷺ فيه. صحيح: رواه أحمد (١٢٢٣٤) وأبو يعلى (٣٤٨٦) كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره. إسناده صحيح. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٥٩ - ٦٠): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ٢٣ - راحلة النبي ﷺ كانت مأمورة • عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين ثم ركب

стр. 5182

راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٦) بإسناد متصل عن ابن شهاب، قال أخبرني عروة بن الزبير فذكره في حديث طويل، وصورته مرسل، وهو متصل بسماع عروة، عن أبيه. • عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي ودار الحسن بن زيد، وأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله! المنزل، فانبعثت به راحلته فقال: دعوها فإنها مأمورة ثم خرجت به حتى جاءت به موضع المنبر فاستناخت به، ثم تحلْحلتْ فنزل رسول الله ﷺ عن راحلته، فأوى إلى الظل فنزل فيه، وأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله إن منزلي أقرب المنازل إليك ثم أتاه رجل آخر فقال: يا رسول الله! انزل عليّ، فقال: إن الرجل مع رحله حيث كان. وثبت رسول الله ﷺ في العريش حتى صلى بالناس فيه ثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد. حسن: رواه سعيد بن المنصور (٢/ ٣٤٧) عن عطاف بن خالد، قال: حدثنى صديق بن موسى، عن عبد الله بن الزبير، فذكره. ومن طريقه رواه الطبراني في الأوسط (٣٥٦٨) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٩). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد، تفرد به سعيد بن منصور. وإسناده حسن من أجل عطاف بن خالد المخزومي فإنه مختلف فبه غير أنه حسن الحديث. تنبيه: وقع في سنن سعيد بن المنصور المطبوعة: "صديق بن موسى بن عبد الله بن الزبير" والصواب كما ذكرته كذلك هو عند الطبراني والبيهقي. وفي معناه ما روى أنس قال: جاءت الأنصار فقالوا: إلينا يا رسول الله ﷺ ! فقال: "دعوا الناقة فإنها مأمورة" فبركتْ على باب أبي أيوب. رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٨) من طريق الدارقطني قال: ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري، ثنا محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد، ثنا إبراهيم بن صرمة، ثنا يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس فذكره. وفيه إبراهيم بن صرمة ضعيف، ومحمد بن سليمان لا يعرف. وذكر أن إقامة النبي ﷺ عند أبي أيوب كانت سبعة أشهر. انظر: "أنساب الأشراف" للبلاذري (١/ ٣١٤) ٢٤ - نزول النبي ﷺ في دار أبي أيوب • عن أنس بن مالك قال: فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار. فجاؤوا إلى نبي الله ﷺ وأبي بكر. فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنَين

стр. 5183

مطاعين فركب نبي الله ﷺ وأبو بكر. وحفّوا دونهما بالسلاح فقيل في المدينة: جاء نبي الله ﷺ ، جاء نبي الله ﷺ فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله، فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل أهله يخترف لهم فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه فسمع من نبي الله ﷺ ثم رجع إلى أهله. فقال نبي الله ﷺ : "أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله هذه داري، وهذا بابي، قال: فانطلق فهيئ لنا مقيلًا". صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩١١) عن محمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، حدثنا أنس فذكره. • عن أبي أيوب أن النبي ﷺ نزل عليه. فنزل النبي ﷺ في السفل، وأبو أيوب في العلو، قال: فانتبه أبو أيوب ليلة، فقال: نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ فتنحوا فباتوا في جانب ثم قال للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "السفل أرفق " فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول النبي ﷺ في العلو، وأبو أيوب في السفل. فكان يصنع للنبي ﷺ طعامًا، فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابعه، فصنع له طعامًا فيه ثوم، فلما رُدّ إليه سأل عن موضع أصابع النبي ﷺ فقيل له: لم يأكل، ففزع وصعد إليه فقال: أحرام هو؟ فقال النبي ﷺ : "لا، ولكن أكرهه" قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت. قال: وكان النبي ﷺ يؤتى بالوحي. صحيح: رواه مسلم في الأطعمة (٢٠٥٣: ١٧١) من حديث عاصم بن عبد الله بن الحارث، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب فذكره. • عن أبي أيوب قال: لما نزل عليّ رسول الله ﷺ قلت بأبي أنت وأمي: إني أكره أن أكون فوقك، وتكون أسفل مني، فقال رسول الله ﷺ : "إني أرفق بي أن أكون في السفلى لما يغشانا من الناس" فقد رأيت جرة لنا انكسرت، فأهريق ماؤها فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها نشف بها الماء فرقًا أن يصل إلى رسول الله ﷺ شيءٌ يوذيه. حسن: رواه الحاكم (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١) عن أبي الوليد الإمام، ثنا محمد بن نُعيم، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يقول: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي أمامة الباهلي، عن أبي أيوب فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".

стр. 5184

قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٨، ٤٩٩). نزل النبي ﷺ أولًا أسفل البيت، وسببه كما قال: أرفق به وبأصحابه وقاصديه، فلما أصر أبو أيوب وكره أن يكون النبي ﷺ أسفل وهو في العلو تحول إلى علوه. وفيه أدب جميل من أبي أيوب بالنبي ﷺ وهو خاص به لا يلحق به غيره. وقوله: يؤتى بالوحي: يعني تأتيه الملائكة والوحي كما جاء في الحديث الصحيح: "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" فكان النبي ﷺ يجتنب من أكل الثوم دائمًا لأنه يتوقع مجيء اليلائكة والوحي كل ساعة. وليس هذا لغيره وإنما يكره أكله عند الحضور في صلاة الجماعة. وبقي النبي ﷺ في بيت أبي أيوب نحو سبعة أشهر. ٢٥ - باب بناء مسجد رسول الله ﷺ - • عن أنس بن مالك قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، نزل في علو المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، قال: فجاؤوا متقلدي سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، قال: ثم أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤوا، فقال: يا بني النجار! ثامنوني حائطكم هذا، فقالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال: فكان فيه ما أقول لكم، كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسوّيت، وبالنخل فقطّع، قال: فصفّوا النخل قبلة المسجد، قال: وجعلوا عضادتيه حجاره، قال: جعلوا ينقلون ذاك الصخرة وهم يرتجزون، ورسول الله ﷺ معهم، يقولون: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجره. متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٣٢) ومسلم في كتاب المساجد (٥٢٤) كلاهما من حديث عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التياح يزيد بن حميد الضّبعي قال: حدثني أنس بن مالك فذكره. • عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحمل لبنة، لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ فينفض التراب عنه ويقول: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى

стр. 5185

الجنة، ويدعونه إلى النار". صحيح: رواه البخاري في الصلاة (٤٤٧) عن مسدد، حدثنا عبد العزيز بن مختار، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، قال: قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمَعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى ذكر بناء المسجد فقال: فذكره. ومع بناء المسجد بدأ رسول الله ﷺ ببناء بيتين لعائشة وسودة من لبن وجريد النخل، ولما تزوج النبي ﷺ نساءه بنى لهن حجرًا وهي تسعة أبيات. ٢٦ - باب حضور عبد الله بن سلام عند النبي ﷺ - • عن أنس بن مالك قال: إن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفًا، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فجاءت اليهود، فقال النبي ﷺ : "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النبي ﷺ : "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله! . صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٩٣٨) عن حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل، حدثنا حميد، حدثنا أنس، فذكره. ٢٧ - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. • عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣].
следующие страницы →