Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
منقطعًا: لما دخل النبي ﷺ المدينة جعل الولائد يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ... وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
ومن هذا الوجه رواه أيضًا البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧)
قال الحافظ ابن حجر: وهو سند معضل. ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك. الفتح (٧/ ٢٦١ - ٢٦٢)
ويقول أنس بن مالك: إني لأسعى مع الغلمان إذ قالوا: جاء محمد، فننطلق فلا نرى شيئًا حتى أقبل وصاحبه ...
فاستقبل زهاء خمسمائة من الإنصار فقالوا: انطلقا آمنَين مطاعَين. ذكره الحافظ في الفتح (٧/ ٢٥١) وعزاه للبخاري في التاريخ الصغير.
• عن أنس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة لعبت الحبشة لقدومه بحرابهم فرحًا بذلك.
صحيح: رواه أبو داود (٤٩٢٣) وأحمد (١٢٦٤٩) والضياء في المختارة (١٧٨١) كلهم من حديث عبد الرزاق - وهو في مصنفه (١٩٧٢٣) قال: حدثنا معمر، عن ثابت، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أنس قال: لما هاجر رسول الله ﷺ كان رسول الله ﷺ يركب وأبو بكر رديفه، وكان أبو بكر يعرف في الطريق لاختلافه إلى الشام، وكان يمر بالقوم فيقولون: من هذا بين يديك يا أبا بكر؟ فيقول: هاد يهديني. فلما دنوا من المدينة، بعثا إلى القوم الذين أسلموا من الأنصار، إلى أبي أمامة وأصحابه، فخرجوا إليهما، فقالوا: ادخلا آمنَين مطاعَين، فدخلا، قال أنس: فما رأيت يومًا قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر المدينة، وشهدت وفاته، فما رأيت يومًا قط أظلم ولا أقبح من اليوم الذي توفّي رسول الله ﷺ فيه.
صحيح: رواه أحمد (١٢٢٣٤) وأبو يعلى (٣٤٨٦) كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره. إسناده صحيح.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٥٩ - ٦٠): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
٢٣ - راحلة النبي ﷺ كانت مأمورة
• عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين ثم ركب
стр. 5182
راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة.
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٦) بإسناد متصل عن ابن شهاب، قال أخبرني عروة بن الزبير فذكره في حديث طويل، وصورته مرسل، وهو متصل بسماع عروة، عن أبيه.
• عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي ودار الحسن بن زيد، وأتاه الناس فقالوا: يا رسول الله! المنزل، فانبعثت به راحلته فقال: دعوها فإنها مأمورة ثم خرجت به حتى جاءت به موضع المنبر فاستناخت به، ثم تحلْحلتْ فنزل رسول الله ﷺ عن راحلته، فأوى إلى الظل فنزل فيه، وأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله إن منزلي أقرب المنازل إليك ثم أتاه رجل آخر فقال: يا رسول الله! انزل عليّ، فقال: إن الرجل مع رحله حيث كان. وثبت رسول الله ﷺ في العريش حتى صلى بالناس فيه ثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد.
حسن: رواه سعيد بن المنصور (٢/ ٣٤٧) عن عطاف بن خالد، قال: حدثنى صديق بن موسى، عن عبد الله بن الزبير، فذكره.
ومن طريقه رواه الطبراني في الأوسط (٣٥٦٨) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٩).
قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد، تفرد به سعيد بن منصور.
وإسناده حسن من أجل عطاف بن خالد المخزومي فإنه مختلف فبه غير أنه حسن الحديث.
تنبيه: وقع في سنن سعيد بن المنصور المطبوعة: "صديق بن موسى بن عبد الله بن الزبير" والصواب كما ذكرته كذلك هو عند الطبراني والبيهقي.
وفي معناه ما روى أنس قال: جاءت الأنصار فقالوا: إلينا يا رسول الله ﷺ ! فقال: "دعوا الناقة فإنها مأمورة" فبركتْ على باب أبي أيوب.
رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٠٨) من طريق الدارقطني قال: ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري، ثنا محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد، ثنا إبراهيم بن صرمة، ثنا يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس فذكره.
وفيه إبراهيم بن صرمة ضعيف، ومحمد بن سليمان لا يعرف.
وذكر أن إقامة النبي ﷺ عند أبي أيوب كانت سبعة أشهر. انظر: "أنساب الأشراف" للبلاذري (١/ ٣١٤)
٢٤ - نزول النبي ﷺ في دار أبي أيوب
• عن أنس بن مالك قال: فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار. فجاؤوا إلى نبي الله ﷺ وأبي بكر. فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنَين
стр. 5183
مطاعين فركب نبي الله ﷺ وأبو بكر. وحفّوا دونهما بالسلاح فقيل في المدينة: جاء نبي الله ﷺ ، جاء نبي الله ﷺ فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله، فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل أهله يخترف لهم فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه فسمع من نبي الله ﷺ ثم رجع إلى أهله. فقال نبي الله ﷺ : "أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله هذه داري، وهذا بابي، قال: فانطلق فهيئ لنا مقيلًا".
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩١١) عن محمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، حدثنا أنس فذكره.
• عن أبي أيوب أن النبي ﷺ نزل عليه. فنزل النبي ﷺ في السفل، وأبو أيوب في العلو، قال: فانتبه أبو أيوب ليلة، فقال: نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ فتنحوا فباتوا في جانب ثم قال للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "السفل أرفق " فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول النبي ﷺ في العلو، وأبو أيوب في السفل.
فكان يصنع للنبي ﷺ طعامًا، فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابعه، فصنع له طعامًا فيه ثوم، فلما رُدّ إليه سأل عن موضع أصابع النبي ﷺ فقيل له: لم يأكل، ففزع وصعد إليه فقال: أحرام هو؟ فقال النبي ﷺ : "لا، ولكن أكرهه" قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت. قال: وكان النبي ﷺ يؤتى بالوحي.
صحيح: رواه مسلم في الأطعمة (٢٠٥٣: ١٧١) من حديث عاصم بن عبد الله بن الحارث، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب فذكره.
• عن أبي أيوب قال: لما نزل عليّ رسول الله ﷺ قلت بأبي أنت وأمي: إني أكره أن أكون فوقك، وتكون أسفل مني، فقال رسول الله ﷺ : "إني أرفق بي أن أكون في السفلى لما يغشانا من الناس" فقد رأيت جرة لنا انكسرت، فأهريق ماؤها فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها نشف بها الماء فرقًا أن يصل إلى رسول الله ﷺ شيءٌ يوذيه.
حسن: رواه الحاكم (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١) عن أبي الوليد الإمام، ثنا محمد بن نُعيم، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يقول: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي أمامة الباهلي، عن أبي أيوب فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
стр. 5184
قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٨، ٤٩٩).
نزل النبي ﷺ أولًا أسفل البيت، وسببه كما قال: أرفق به وبأصحابه وقاصديه، فلما أصر أبو أيوب وكره أن يكون النبي ﷺ أسفل وهو في العلو تحول إلى علوه.
وفيه أدب جميل من أبي أيوب بالنبي ﷺ وهو خاص به لا يلحق به غيره.
وقوله: يؤتى بالوحي: يعني تأتيه الملائكة والوحي كما جاء في الحديث الصحيح: "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"
فكان النبي ﷺ يجتنب من أكل الثوم دائمًا لأنه يتوقع مجيء اليلائكة والوحي كل ساعة. وليس هذا لغيره وإنما يكره أكله عند الحضور في صلاة الجماعة.
وبقي النبي ﷺ في بيت أبي أيوب نحو سبعة أشهر.
٢٥ - باب بناء مسجد رسول الله ﷺ -
• عن أنس بن مالك قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، نزل في علو المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، قال: فجاؤوا متقلدي سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، قال: ثم أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤوا، فقال: يا بني النجار! ثامنوني حائطكم هذا، فقالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال: فكان فيه ما أقول لكم، كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسوّيت، وبالنخل فقطّع، قال: فصفّوا النخل قبلة المسجد، قال: وجعلوا عضادتيه حجاره، قال: جعلوا ينقلون ذاك الصخرة وهم يرتجزون، ورسول الله ﷺ معهم، يقولون: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجره.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٣٢) ومسلم في كتاب المساجد (٥٢٤) كلاهما من حديث عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التياح يزيد بن حميد الضّبعي قال: حدثني أنس بن مالك فذكره.
• عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحمل لبنة، لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ فينفض التراب عنه ويقول: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى
стр. 5185
الجنة، ويدعونه إلى النار".
صحيح: رواه البخاري في الصلاة (٤٤٧) عن مسدد، حدثنا عبد العزيز بن مختار، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، قال: قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمَعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى ذكر بناء المسجد فقال: فذكره.
ومع بناء المسجد بدأ رسول الله ﷺ ببناء بيتين لعائشة وسودة من لبن وجريد النخل، ولما تزوج النبي ﷺ نساءه بنى لهن حجرًا وهي تسعة أبيات.
٢٦ - باب حضور عبد الله بن سلام عند النبي ﷺ -
• عن أنس بن مالك قال: إن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفًا، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فجاءت اليهود، فقال النبي ﷺ : "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النبي ﷺ : "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله! .
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٩٣٨) عن حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل، حدثنا حميد، حدثنا أنس، فذكره.
٢٧ - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
• عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣].
стр. 5186
قال: ورثة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم. فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٥٨٠) عن الصلت بن محمد، حدثنا أبو أسامة، عن إدريس عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. قال البخاري: سمع أبو أسامة إدريس، سمع إدريس طلحة، انظر للمزيد: كتاب الميراث.
• عن أنس بن مالك قال: قدم عبد الرحمن بن عوف، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلّني على السوق، فربح شيئًا من أقط وسمن، فرآه النبي ﷺ وعليه وَضَرٌ من صفرةٍ فقال النبي ﷺ : "مهيم يا عبد الرحمن؟ " قال يا رسول الله! تزوجت امرأة من الأنصار قال: "فما سُقْتَ فيها" فقال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي ﷺ : "أولم ولو بشاة".
صحيح. رواه البخاري في المناقب (٣٩٣٧) عن محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن حميد، عن أنس فذكره.
وفي رواية عنده (٢٠٤٨) قال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هَوِيتَ نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتَها.
وأما قصة الوليمة فهي في الصحيحين كما سبق في كتاب النكاح.
• قيل لأنس بن مالك: أبلغك أن رسول الله ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام" فقال أنس: قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داري.
متفق عليه: رواه البخاري في الكفالة (٢٢٩٤) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٢٩) كلاهما من حديث عاصم الأحول قال: قلت لأنس بن مالك: أبلغك أن رسول الله ﷺ قال: فذكره.
وقوله: "حالف رسول الله ﷺ ... " إن قصد به حلف التوارث فهو منسوخ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].
وإن كان قصد به المؤاخاة والتناصر في الدين، والتعاون على البر والتقوى، وإقامة الحق فهذا باق إلى يوم القيامة.
• عن خارجة بن زيد الأنصاري، أن أم العلاء - امرأة من نسائهم - قد بايعت النبي ﷺ أخبرته أن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السكنى حين أقرعت الأنصار سكنى
стр. 5187
المهاجرين، قالت أم العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون، فاشتكى فمرّضناه، حتى إذا توفّي وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب! فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال لي النبي ﷺ : "وما يدريكِ أن الله أكرمه؟ " فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "أما عثمان فقد جاءه والله اليقين، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري - وأنا رسول الله - ما يفعل به، قالت: فو الله لا أزكّي أحدًا بعده أبدًا، وأحزنني ذلك، قالت: فنصت فأريت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "ذلك عمله".
صحيح: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٨٧) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني خارجة بن زيد الأنصاري، فذكره.
واضطروا إلى الإقراع لأن الأنصار الطالبين مؤاخاة المهاجرين أكثر.
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٥٢٨) عن حجاج بن الشاعر، حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد (يعني ابن سلمة) عن ثابت، عن أنس فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داره التي بالمدينة.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٥٢٨: ٢٠٥) من طرق عن عبدة بن سليمان، عن عاصم، عن أنس فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: لما قدم المهاجرون المدينة من مكة، وليس بأيديهم، [يعني شيئًا]، وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة، وكانت أمه أم أنس أم سليم، كانت أم عبد الله بن أبي طلحة، فكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقًا، فأعطاهن النبي ﷺ أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد.
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: أن النبي ﷺ لما فرغ من قتل أهل خيبر، فانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوها من ثمارهم، فرد النبي ﷺ إلى أمه عذاقها، وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه. وقال أحمد بن شبيب: أخبرنا أبي، عن يونس، بهذا، وقال: مكانهن من خالصه.
صحيح: رواه البخاري في الهبة (٢٦٣٠) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا ابن وهب، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك فذكره.
стр. 5188
• عن أنس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله! ما رأيناه قومًا أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم. لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنإ حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال النبي ﷺ : "لا، ما دعوتهم الله لهم، وأثنيتهم عليهم".
صحيح: رواه الترمذي (٢٤٨٧) وأحمد (١٣١٢٢، ١٣٠٧٤) والبيهقي (٦/ ١٨٣) من طرق عن حميد، عن أنس فذكره واللفظ للترمذي.
ورواه أيضًا أبو داود (٤٨١٢) مختصرًا، والحاكم (٢/ ٦٣) كلاهما من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره مختصرًا.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
• عن جابر بن عبد الله يقول: كتب النبي ﷺ على كل بطن عقولهم ثم كتب: "أنه لا يحل لمسلم أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه" ثم أخبرت أنه لعن في صحيفته من فعل ذلك.
صحيح: رواه مسلم في العتق (١٥٠٧) عن محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره.
وقوله: "لعن في صحيفته من فعل ذلك" إشارة إلى حديث علي بن أبي طالب المخرج في الصحيحين: "من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين".
وأما ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار: "أن يَعْقِلُوا معاقلهم، وأن يفدوا عانيهم بالمعروف، والإصلاح بين المسلمين" فهو ضعيف.
رواه الإمام أحمد (٢٤٤٣) عن سُريج، حدثنا عبّاد، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره.
ورواه أيضًا (٦٩٠٤) عن نصر بن باب، عن حجاج بإسناده مثله.
ورواه أيضًا (٢٤٤٤) عن سريج، حدثنا عبّاد، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس مثله. والحجاج: هو ابن أرطاة مدلس وقد عنعن.
قال ابن كثير: تفرد به الإمام أحمد. البداية والنهاية (٤/ ٥٥٥).
وقوله: "يعقلوا معاقلهم" المعاقل هي الديات. جمع معقلة أي كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار أن يحمل الأنصار عقل المهاجرين وبالعكس.
وقوله: "يفدوا عانيهم" أي أسيرهم، والعاني: الأسير.
стр. 5189
جموع ما جاء في الأحداث التي بين الهجرة وبين غزوة بدر
١ - باب الإذن بالقتال
قال الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [سورة الحج: ٣٩ - ٤١].
شُرع القتال لرفع الظلم، وإقامة العدل بين الناس؛ لأن المسلمين كانوا مضطهدين مظلومين، فلما هاجروا إلى المدينة واطمأنوا فيها أذن الله أن يدافعوا عن ظلمهم واضطهادهم.
• عن عبد الله بن عباس قال: لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكنّ فنزلت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] فعرفت أنه سيكون فقال: قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال.
حسن: رواه النسائي (٣٠٨٥) - واللفظ له - والترمذي (٣١٧١)، وأحمد (١٨٦٥)، وصحّحه ابن حبان (٤٧١٠) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن لوقوع الخلاف على الأعمش، كما أشار إليه الترمذي، فقال: "هذا حديث حسن، وقد رواه غير واحد، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير مرسلًا، وليس فيه: "عن ابن عباس" اهـ.
قلت: أما سفيان فاختلف عليه، كما أشار إليه الترمذي، لكن رواه شعبة، عن الأعمش به موصولًا، كما عند الحاكم (٣/ ٧ - ٨).
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
• عن الزهري قال: فكان أول آية نزلت في القتال كما أخبرني عروة، عن عائشة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، ثم أذن بالقتال في آي كثير من القرآن.
стр. 5190
صحيح: رواه النسائيّ في الكبرى (١١٢٨٣) عن زكريا بن يحيى، حَدَّثَنَا محمد بن يحيى، حَدَّثَنَا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حَدَّثَنَا سلْمويه أبو صالح، أخبرنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري فذكره.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٢٨٠): "إسناده صحيح".
وعبد الله هو ابن المبارك، والراوي عنه سلمويه هو سليمان بن صالح الليثيّ، وسلمويه لقبه من رجال الصَّحيح.
٢ - باب عدد غزوات النَّبِيّ ﷺ -
• عن جابر بن عبد الله يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة. قال جابر: لم أشهد بدرًا ولا أحدًا، منعني أبيّ، فلمّا قتل عبد الله يوم أحد، لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٤٥: ١٨١٣) عن زهير بن حرب، حَدَّثَنَا روح بن عبادة، حَدَّثَنَا زكريا (هو ابن إسحاق المكي)، أخبرنا أبو الزُّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول فذكره.
• عن أبي إسحاق قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النَّبِيّ ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة. قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٣٩٤٩) ومسلم في الجهاد (١٤٣: ١٢٥٤) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق فذكره.
وقول زيد بن أرقم فيه حصر لغزوات النَّبِيّ ﷺ بأنها تسع عشرة. وقد ذكر جابر أنه غزا مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، ولم يشهد بدرًا ولا أحدًا، فصار عدد غزوات النَّبِيّ ﷺ إحدى وعشرين، فقوله هذا ينفي هذا الحصر وهو الصَّحيح. فإن الثابت عند أهل العلم بالسير أن غزوات النَّبِيّ ﷺ كانت أكثر من تسع عشرة.
فقول زيد بن أرقم يحمل على علمه، أو على اختلاف في عدد الغزوات.
• عن بريدة بن الحصيب أنه قال: غزا مع النَّبِيّ ﷺ ست عشرة غزوة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٤٧٣) عن أحمد بن الحسن حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن حنبل، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن ابن بريدة، عن أبيه فذكره. ورواه مسلم في الجهاد والسير (١٨١٤: ١٤٧) عن أحمد بن حنبل بإسناده مثله.
ورواه مسلم (١٨١٤: ١٤٦) من طريق حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة قاتل في ثمان منهن.
• عن البراء بن عازب قال: غزوت مع النَّبِيّ ﷺ خمس عشرة.
стр. 5191
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٤٧٢) عن عبد الله بن رجاء، حَدَّثَنَا إسرائيل (هو ابن يونس) عن أبي إسحاق (هو السبيعي) حَدَّثَنَا البراء (هو ابن عازب الأنصاري) فذكره.
• عن سلمة بن الأكوع يقول: غزوت مع النَّبِيّ ﷺ سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات: مرة علينا أبو بكر، ومرة علينا أسامة بن زيد.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٧٣، ٤٢٧٢، ٤٢٧١، ٤٢٧٠) ومسلم في الجهاد والسير (١٤٨: ١٨١٥) كلاهما من طرق عن يزيد بن عبيد قال سمعت سلمة يقول: فذكره. وفي رواية البخاريّ الأخيرة (٤٢٧٣) جاء ذكر الغزوات وهي: خيبر، والحديبية، ويوم حنين، ويوم القرد، قال الراوي (وهو يزيد بن أبي عبيد) ونسيت بقيتهم. والصواب: "بقيتها"
قال الحافظ: "وأمّا بقية الغزوات التي نسيهن يزيد فهن: غزوة الفتح، وغزوة الطائف، وغزوة تبوك" الفتح (٧/ ٥١٨).
تنبيه: جاء في نسخة ابن حجر "تسع غزوات" بدل "سبع غزوات" في الرواية (٤٢٧٢) والصواب "سبع" كما في النسخ الأخرى لصحيح البخاريّ. عمدة القاري (١٧/ ٢٧٣).
ورويَ عن قتادة أنه قال: إن مغازي رسول الله ﷺ وسراياه ثلاث وأربعون، أربع وعشرون بعثًا، وتسع عشرة غزوة، خرج في ثمان منها بنفسه: بدر، وأحد، والأحزاب، والمريسيع، وخيبر، وفتح مكة، وحنين.
وقال موسى بن عقبة، عن الزهري: هذه مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل فيها: يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثمّ قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثمّ قاتل يوم الخندق - وهو يوم الأحزاب، وبني قريظة - في شوال من سنة أربع، ثمّ قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان من سنة خمس، ثمّ قاتل يوم خيبر سنة ست، ثمّ قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان، ثمّ قاتل يوم حنين، وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان، ثمّ حج أبو بكر سنة تسع، ثمّ حج رسول الله ﷺ حجّة الوداع سنة عشر. وغزا ثنْتي عشرة غزوة، ولم يكن فيها قتال، وكانت أول غزوة غزاها الأبواء. انظر البداية والنهاية (٥/ ١٩ - ٢٠).
واختلف أهل المغازي والسير في عدد غزوات النَّبِيّ ﷺ وسراياه فذكر ابن سعد في طبقاته (٢/ ٦ - ٥) عن الواقدي وغيره وقال: دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: كان عدد مغازي رسول الله ﷺ التي غزا بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، وكانت سراياه التي بعث بها سبعًا وأربعين سرية، وكان ما قاتل فيه من المغازي تسع غزوات: بدر القتال، وأحد، والمريسع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. فهذا ما اجتمع لنا عليه.
وفي بعض روايتهم: أنه قاتل في بني النضير، ولكن الله جعلها له نفلًا خاصة، وقاتل في غزوة وادي القرى منصرفه من خيبر، وقتل بعض أصحابه وقاتل في الغابة. انتهى.
стр. 5192
٣ - باب غزوة الأبواء وهي الودان
قال ابن إسحاق: ثمّ خرج غازيا في صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مقدمه المدينة حتَّى بلغ ودان، وهي غزوة الأبواء، يريد قريشًا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة. وكان الذي وادعه منهم عليهم مخشي بن عمرو الضمريّ، وكان سيدهم في زمانه ذلك، ثمّ رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدًا، فأقام بها بقية صفر، وصدرًا من شهر ربيع الأوّل.
قال ابن هشام: وهي أول غزوة غزاها. سيرة ابن هشام (١/ ٥٩٠ - ٥٩١).
والأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلًا.
٤ - باب أول سرية بعثها رسول الله ﷺ سرية عبيدة بن الحارث
قال ابن إسحاق: "وبعث رسول الله ﷺ في مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين أو ثمانين راكبًا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتَّى بلغ ماءًا بالحجاز بأسفل ثنية المرة، فلقي بها جمعًا عظيمًا من قريش، فلم يكن بينهم قتال إِلَّا أن سعد بن أبي وقَّاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي به في الإسلام. وفي هذه السرية فرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهرانيّ، وعتبة بن غزوان بن جابر المازنيّ، وكانا مسلمين، ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار، وكان على القوم عكرمة بن أبي جهل. سيرة ابن هشام (١/ ٥٩١ - ٥٩٢).
وقوله: "ليتوصلا بالكفار" أي أنهما جعلا خروجهما مع الكفار وسيلة للوصول إلى المسلمين.
٥ - باب سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر
بعث رسول الله ﷺ حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبًا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل، في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنيّ، وكان مُوادعًا للفريقين جميعًا، فانصرف بعض القوم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال.
قال الواقدي في المغازي (١/ ١٠): "حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن عَيَّاش، عن عبد الملك بن عبيد، عن ابن المسيب وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع قالا: لم يبعث رسول الله ﷺ أحدًا من الأنصار مبعثًا حتَّى غزا بنفسه إلى بدر، وذلك ظن أنهم لا ينصرونه إِلَّا في الدار.
واختلف أهل السير والتاريخ أي البعثين كان أولا؟ فذهب ابن إسحاق إلى أن راية عبيدة بن الحارث كانت أول راية عقدها رسول الله ﷺ .
وقال: وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معًا، فشبه ذلك على الناس. سيرة ابن هشام (١/ ٥٩٥ - ٥٩٦).
стр. 5193
ورُوي عن زر بن حبيش أنه قال: أول راية رُفعت في الإسلام راية عبد الله بن جحش، وأول مال خُمِّس في الإسلام مال عبد الله بن جحش.
ذكره الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ٦٧).
وقال: "رواهما الطبرانيّ بإسناد واحد وهو إسناد حسن". ولم أقف عليه في القدر المطبوع. والحديث مرسل فإن زر بن حبيش ثقة مخضرم ولم يلق النَّبِيّ ﷺ .
ورواه الحاكم (٣/ ٢٠٠)، والسراج فيما رواه أبو نعيم من طريقه في "معرفة الصّحابة" (٤٠٤٨) كلاهما من طريق هناد بن السريّ، ثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: أول راية عقدت في الإسلام لعبد الله بن جحش.
وإسناده حسن إِلَّا أنه مرسل.
تنبيه: جاء في مطبوعة الحاكم عن زر، عن عبد الله، ولم أجده في إتحاف المهرة.
٦ - باب غزوة بواط
قال ابن إسحاق: ثمّ غزا رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأوّل يريد قريشًا، حتَّى بلغ بواط من ناحية رضْوى، ثمّ رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدًا، فلبث فيها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الأوّلى. سيرة ابن هشام (١/ ٥٩٨).
وبُواط بفتح الموحدة وضمها. جبل من جبال جهينة بقرب ينبع.
• عن جابر في حديث طويل قال: سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بطن بُواط، وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهنيّ، وكان الناضح يعقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدارتْ عقبة رجل من الأنصار على ناضح له، فأناخه، فركبه، ثمّ بعثه، فتلدّن عليه بعض التلدّن، فقال له: شأ لعنك الله، فقال رسول الله ﷺ : "من هذا اللاعن بعيره؟ " قال: أنا يا رسول الله! قال: "انزل عنه، فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوأ على أموالكم، لا تُوافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم"
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقاق (٣٠٠٩) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة عن عباد بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت، عن أبيه، عن جابر، فذكر الحديث.
٧ - باب غزوة العشيرة
• عن أبي إسحاق السبيعي قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل له: كم غزا النَّبِيّ ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة،
стр. 5194
قلت: فأيهم كانت أول؟ قال: العشير أو العُسيرة. فذكرت لقتادة فقال: العُشيرة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٣٩٤٩) ومسلم في الجهاد والسير (١٤٣: ١٢٥٤) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق (هو السبيعي) قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فذكر الحديث.
قوله: "فقيل له" القائل هو الراوي "أبو إسحاق السبيعي" كما جاء عند البخاريّ مصرحًا في موضع آخر (٤٤٧١) بلفظ: "سألت زيد بن أرقم".
قوله: "فذكرت لقتادة" القائل هو شعبة.
وقول قتادة: "العشيرة" هو بالتصغير وبالمعجمة وبإثبات الهاء، ومنهم من حذفها، وقول قتادة هو الذي اتفق عليه أهل السير وهو الصواب.
قاله ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٨١).
و"العشيرة" كانت قرية عامرة بأسفل ينبع النخل، ثمّ صارت محطة للحاج المصري هناك، وهي أول قرى ينبع النخل مما يلي الساحل.
انظر: المعالم الأثيرة ص ١٩٢.
وقوله: "فأيهم كانت أول؟ " أي غزوة أنت غزوت مع النَّبِيّ ﷺ فقال: "العشيرة" لأنه سبق قبله غزوتان، وهما الأبواء وبواط. وهذا الترتيب هو الذي نقله البخاريّ عن ابن إسحاق يعني: الأبواء ثمّ بواط، ثمّ العشيرة.
انظر: فتح الباري (٧/ ٢٧٩ - ٢ ٨١).
٨ - باب سرية سعد بن أبي وقَّاص إلى الخزاز
بعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقَّاص إلى الخزاز - والخزاز من الجحفة قريب من الخم - وقال له رسول الله ﷺ : اخرج يا سعد حتَّى تبلغ الخزاز فإن عيرًا لقريش ستمر به فخرج في ثمانية رهط من المهاجرين، وقيل: في عشرين رجلًا حتَّى بلغ الخزاز كانوا يكمنون النهار ويسيرون الليل، فوجدوا العير قد مرت بالأمس.
قال ابن هشام: ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة.
انظر: مغازي الواقدي (١/ ١١)، وطبقات ابن سعد (٢/ ٧)، وسيرة ابن هشام (١/ ٦٠٠).
٩ - باب غزوة صفوان وهي غزوة بدر الأوّلى أو الصغرى
كانت في ربيع الأوّل على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مهاجره ﷺ على ما قال ابن سعد، ويرى ابن إسحاق أنها بعد غزوة ذي العُشَيرة في جمادى الآخرة، وقصتها أن كرز بن جابر الفهري أغار على سرح المدينة فاستاقه، فخرج رسول الله ﷺ في طلبه حتَّى بلغ وادي صفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدركه فرجع، ولم يلق كيدًا.
стр. 5195
قال ابن إسحاق: وهي غزوة بدر الأولى.
انظر: الطبقات لابن سعد (٢/ ٩)، والسيرة لابن هشام (١/ ٦٠١).
وكرز أسلم فيما بعد، وحسُنَ إسلامه، وقتل يوم الفتح كما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة.
١٠ - باب سرية عبد الله بن جحش
• عن جندب بن عبد الله، عن النَّبِيّ ﷺ أنه بعث رهطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح أو عبيدة، فلمّا ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فجلس، فبعث عليهم عبد الله بن جحش مكانه، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتَّى يبلغ مكان كذا وكذا. وقال: "لا تكرهن أحدًا من أصحابك على المسير معك".
فلمّا قرأ الكتاب استرجع ثمّ قال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام؟ فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا، فليس لهم أجر فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].
حسن: رواه أبو يعلى (١٥٣٤)، والطَّبرانيّ في الكبير (٢/ ١٧٤)، والبيهقي (٩/ ١١ - ١٢) كلّهم من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرميّ، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الحضرمي وهو ابن لاحق التميمي اليمامي القاص حسن الحديث.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٩٨) "رواه الطبرانيّ ورجاله ثقات" وفاته العزو إلى أبي يعلى. وللحديث أسانيد أخرى إِلَّا أنها مرسلة ذكر بعضها البيهقيّ في دلائله (٣/ ١٧ - ٢٠).
وقوله: "صبابة" أي شوقًا.
قال ابن سعد: كانت سرية عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ ، بعثه في اثني عشر رجلًا من المهاجرين. كل اثنين يتعقبان بعيرًا إلى بطن نخلة، وهو بستان ابن عامر الذي قرب مكة. وأمره أن يرصد بها عير قريش. الطبقات (٢/ ١٠) أي لم يأمرهم بالقتال.
وابن الحضرمي الذي قتلوه هو عمرو بن الحضرميّ، وإن قتله في الشهر الحرام أحدث فتنة بين المسلمين والمشركين فإن المشركين اتهموا المسلمين باستحلال الشهر الحرام فتوقف رسول الله ﷺ عن قبول العير والأسيرين، وقد قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن جحش وأصحابه: "ما أمرتكم
стр. 5196
بقتال في الشهر الحرام". فلمّا قال ذلك رسول الله ﷺ سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام. وسفكوا فيه الدماء وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، حتَّى أنزل الله على رسول الله ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
فلمّا نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرّج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، فقال رسول الله ﷺ : "لا نُفديكموهما حتَّى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقَّاص، وعُتبة بن غزوان - فإنّا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم". فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله ﷺ منهم.
فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتَّى قُتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأمّا عثمان بن عبد الله فلحق بمكة، فمات بها كافرًا.
ذكره ابن إسحاق. سيرة ابن هشام (١/ ٦٠٢ - ٦٠٥).
رُوي عن سعد بن أبي وقَّاص قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جاءته جهينة، فقالوا: إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا حتَّى نأتيك وتؤمنا، فأوثق لهم فأسلموا، قال: فبعثتا رسول الله ﷺ في رجب، ولا نكون مائة، وأمرنا أن نغير على حي من بني كنانة إلى جنب جهينة، فأغرنا عليهم وكانوا كثيرًا، فلجأنا إلى جهينة فمنعونا، وقالوا: لم تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقلنا: إنّما نقاتل من أخرجنا من البلد الحرام في الشهر الحرام، فقال بعضنا لبعض: ما ترون؟ فقال بعضنا: نأتي نبي الله ﷺ فنخبره، وقال قوم: لا بل نقيم هاهنا، وقلت أنا في أناس معي: لا بل نأتي عير قريش فنقتطعها، فانطلقنا إلى العير وكان الفيء إذ ذاك: من أخذ شيئًا فهو له، فانطلقنا إلى العير وانطلق أصحابنا إلى النبي ﷺ فأخبروه الخبر، فقام غضبان محمر الوجه، فقال: "أذهبتم من عندي جميعًا وجئتم متفرقين؟ إنّما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لأبعثن عليكم رجلًا ليس بخيركم، أصبركم على الجوع والعطش" فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي فكان أول أمير أمر في الإسلام.
رواه ابن أبي شيبة (٣٧٨٠٦)، وعبد الله بن أحمد (١٥٣٩) فيما وجده في كتاب أبيه بخط يده، وفيما زاده على أبيه، والبزّار (كشف الأستار ١٧٥٧) كلّهم من طرق عن مجالد بن سعيد، عن زياد بن عِلاقة، عن سعد بن أبي وقَّاص فذكره.
واقتصر البزّار على الجزء الأخير من الحديث وهو قوله: "أول أمير عقد له ... ".
وإسناده ضعيف، مجالد بن سعيد ضعيف، وزياد بن عِلاقة لم يسمع من سعد بن أبي وقَّاص.
وفي السنة الثانية للهجرة في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان خرج رسول الله ﷺ مع أصحابه يتعرض لقافلة تجارية قادمة من الشام يقودها أبو سفيان، ويقوم على حراستها أربعون رجلًا.
وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة السابع عشر من رمضان.
стр. 5197
جموع ما جاء في غزوة بدر
١ - باب لم يكن خروج النَّبِيّ ﷺ إلى بدر للقتال، وإنما كان خروجه للحصار الاقتصادي على العدو بسلب أموالهم
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٧].
• عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إِلَّا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتَب أحد تخلّف عنها، إنّما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتَّى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد .. الحديث.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٣٩٥١) ومسلم في التوبة (٥٣: ٢٧٦٩) كلاهما من طريق اللّيث (هو ابن سعد) عن عقيل (هو ابن خالد الأيلي) عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن عبد الله بن كعب قال: سمعتُ كعب بن مالك يقول: فذكره.
بدْر: بالفتح ثمّ السكون هي قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها. وقيل: هي اسم البئر التي كان بها، وهي الآن بلدة كبيرة عامرة، على بعد حوالي ١٥٠ كيلو متر من المدينة المنورة. المعالم الأثيرة ص ٤٤.
• عن ابن عباس قال: سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان بن حرب في أربعين راكبًا من قريش تجارًا قافلين من الشام، فيهم: مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، فندب رسول الله ﷺ المسلمين، وقال لهم: "هذا أبو سفيان قافلًا بتجارة قريش، فاخرجوا لها لعل الله ينفلكموها".
فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون، فخف معه رجال، وأبطأ آخرون وذلك إنّما كانت ندبة لمال يصيبونه، لا يظنون أن يلقوا حربًا.
فخرج رسول الله ﷺ في ثلاثمائة راكب ونيف وأكثر أصحابه مشاة معهم ثمانون
стр. 5198
بعيرًا وفرس، ويزعم بعض الناس أنه للمقداد، فخرج رسول الله ﷺ وكان بينه وبين عليّ ومرثد بن أبي مرثد الغنوي بعير، فخرج رسول الله ﷺ من نقب بني دينار من الحرة على العقيق، فذكر طرقه، حتَّى إذا كان بعرق الظبية لقي رجلًا من الأعراب، فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنه خبرًا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل عنها حتَّى أصاب خبرًا من بعض الركبان، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ، فبعثه إلى قريش يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم سريعًا حتَّى قدم على قريش بمكة، وقال: يا معشر قريش! اللطيمة قد عرض لها محمد في أصحابه - واللطيمة هي التجارة - الغوث! الغوث! وما أظن أن تدركوها، فقالت قريش: أيظن محمد وأصحابه أنها كائنة كعير ابن الحضرميّ، فخرجوا على الصعب والذلول، ولم يتخلف من أشرافها أحد إِلَّا أن أبا لهب قد تخلف، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، فخرجت قريش وهم تسعمائة وخمسون مقاتلا، ومعهم مائتا فرس يقودونها، وخرجوا معهم بالقيان يضربن الدف، ويتغنين بهجاء المسلمين.
حسن: رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير وغيرهم من علمائنا، عن ابن عباس، كل قد حَدَّثَنِي بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر. ابن هشام (١/ ٦٠٦ - ٦٠٧).
ورواه البيهقيّ في الدلائل (٣/ ٣١ - ٣٢) عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق بإسناده غير أنه لم يذكر ابن عباس في إسناده، واللّفظ له.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرَّح.
وفي الباب ما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: "إنِّي أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قِبل هذا العير؟ لعل الله يُغنمناها" فقلنا: نعم فخرج وخرجنا، فلمّا سرنا يومًا أو يومين قال لنا: "ما ترون في قتال القوم، فإنهم قد أخبِروا بمخرجكم؟ " فقلنا: والله، ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكن أردنا العير ثمّ قال: "ما ترون في قتال القوم؟ " فقلنا: مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: إذًا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، قال: فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، فأنزل الله على رسوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٥، ٦]، ثمّ أنزل الله : ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 5199
سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] والشوكة: القوم، وغير ذات الشوكة العير، فلمّا وعدنا إحدى الطائفتين إما القوم وإما العير طابت أنفسنا.
ثمّ إن رسول الله ﷺ بعث رجلًا لينظر ما قبل القوم. فقال: رأيت سوادًا ولا أدري. فقال رسول الله ﷺ : "هم هم هلموا أن نتعاد" ففعلنا فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا فأخبرنا رسول الله ﷺ بعدتنا، فسره ذلك فحمد الله وقال: "عدة أصحاب طالوت " ثمّ إنا اجتمعنا مع القوم، فصففنا فبدرت منا بادرة أمام الصف، فنظر رسول الله ﷺ إليهم فقال: "معي معي" ثمّ إن رسول الله ﷺ قال: "اللهم إني أنشدك وعدك" فقال ابن رواحة: يا رسول الله! إنى أريد أن أشير عليك ورسول الله ﷺ أفضل من يشير عليه إن الله أعظم من أن تنشده وعده فقال: "يا ابن رواحة! لأنشدن الله وعده فإن الله لا يخلف الميعاد" فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها رسول الله في وجوه القوم، فانهزموا فأنزل الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
فقتلنا وأسرنا، فقال عمر ﵁: يا رسول الله! ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن داعون مؤلفون فقلنا معشر الأنصار: إنّما يحمل عمر على ما قال حسدا لنا فنام رسول الله ﷺ ثمّ استيقظ ثمّ قال: "ادعو لي عمر" فدعي له فقال: "إنَّ الله قد أنزل عليّ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧].
رواه الطبرانيّ في الكبير (٤/ ٢٠٨ - ٢١٠) عن بكر بن سهل، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، حدَّثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: فذكره.
وفيه ابن لهيعة سيء الحفظ. فقول الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ٧٣ - ٧٤): رواه الطبرانيّ وإسناده حسن" ليس بحسن من أجل ابن لهيعة.
٢ - باب استنفار من كان ظهره حاضرًا
• عن أنس قال: بعث رسول الله ﷺ بُسَيسةَ عينًا ينظر ما صنعتْ عير أبي سفيان. فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله ﷺ قال: فحدثه الحديث قال: فخرج رسول الله ﷺ ، فتكلم، فقال: "إنَّ لنا طَلِبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا" فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة فقال: "لا، إِلَّا من كان ظهره حاضرًا".
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩٠١) من طرق عن هاشم بن القاسم، حَدَّثَنَا سليمان (وهو ابن المغيرة) عن ثابت، عن أنس فذكره.
فلمّا علم أبو سفيان بخروج النَّبِيّ ﷺ وأصحابه إليه أرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يطلب من قريش نجدة.
стр. 5200
وقصته في رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب.
٣ - رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب
• عن ابن عباس وعروة بن الزُّبير قالا: وقد رأت عاتكة قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت له: يا أخيّ، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به، فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له، حتَّى وقف بالأبطح، ثمّ صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثمّ دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثمّ صرخ بمثلها: ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث: ثمّ مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ مثلها، ثمّ أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتَّى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إِلَّا دخلتها منها فلقة، قال العباس: والله! إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد.
ثمّ خرج العباس، فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقًا، فذكرها له، واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث بمكة، حتَّى تحدثت به قريش في أنديتها.
قال العباس: فغدوت لأطوف البيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلمّا رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل! إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلمّا فرغت أقبلت حتَّى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب! متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: فقلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتَّى تتنبأ نساؤكم، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب، قال العباس: فوالله! ما كان مني إليه كبير، إِلَّا أني جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئًا، قال: ثمّ تفرقنا.
فلمّا أمسيت، لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إِلَّا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا
стр. 5201
الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثمّ قد تناول النساءَ وأنت تسمع، ثمّ لم يكن عندك غير لشيء مما سمعت، قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفينكه.
قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه، ليعود بعض ما قال فأقع به، وكان رجلًا خفيفًا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، قال: فقلت في نفسي: ما له لعنه الله! أكل هذا فرق مني أن أشاتمه! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع. صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جَدّع بعيرَه، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش! اللطيمة، اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر.
فتجهز الناس سراعًا، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ، كلا والله ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلًا، وأوعبت قريش، فلم يتخلف من أشرافها أحد. إِلَّا أن أبا لهب بن عبد المطلب تخلف، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفلس بها، فاستأجره بها على أن يجزي عنه، بعثه فخرج عنه، وتخلف أبو لهب.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح: أن أمية بن خلف كان أجمع القعود، وكان شيخًا جليلًا جسيمًا ثقيلًا، فأتاه عقبة بن أبي معيط، وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر، حتَّى وضعها بين يديه، ثمّ قال: يا أبا عليّ! استجمر، فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله وقبح ما جئت به، قال: ثمّ تجهز فخرج مع الناس.
حسن: رواه ابن إسحاق فقال: أخبرني من لا أتهم عن عكرمة، عن ابن عباس، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير قالا: فذكر القصة.
وفي الإسناد الموصول رجل لم يُسم.
وقد سماه الحاكم (٣/ ١٩) فرواه من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حَدَّثَنِي
стр. 5202
حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، وعروة بن الزُّبير قالا: فذكر القصة نحوه.
وحسين بن عبد الله الهاشمي المدني ضعيف عند جمهور أهل العلم إِلَّا أنه لم يتهم، ولذا قال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه.
وقد رواه أيضًا البيهقيّ في دلائله (٣/ ١٠٣ - ١٠٤) عن موسى بن عقبة قال: قال ابن شهاب فذكر القصة.
ورواه الطبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧) عن محمد بن عمرو بن الحمرانيّ، ثنا أبي، ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: فذكر القصة.
فهذان المرسلان - أعني مرسل عروة بن الزُّبير، ومرسل ابن شهاب - مع اختلاف مخارجها يقويان الموصول.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ٧١) وقال: رواه الطبرانيّ مرسلًا، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف، وحديثه حسن".
ونحن نضعف حديث ابن لهيعة إذا لم يرو عنه أحد العبادلة أو قُتَيبة بن سعيد.
فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل، وساقوا مائة فرس، ولم يتركوا كارهًا للخروج يظنون أنه في صغْو محمد وأصحابه، ولا مسلمًا يعلمون إسلامه، ولا أحدًا من بني هاشم إِلَّا من لا يتهمون إِلَّا أشخصوه معهم، فكان ممن أشخصوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب في آخرين فساروا حتَّى نزلوا الجحفة. دلائل البيهقى (٣/ ١٠٥).
وكان أبو سفيان اختار طريق الساحل غربًا حتَّى نجا من خطر المسلمين.
قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله، فارجعوا فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتَّى نرد بدرًا - وكان بدر موسمًا من مواسم العرب - يجتمع لهم به سوق كل عام - فنقيم عليه ثلاثًا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونُسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها فامضوا.
سيرة ابن هشام (١/ ٦١٨ - ٦١٩)
٤ - باب مشورة النبي ﷺ في الصورة الراهنة
قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٥ - ٧].
стр. 5203
والمراد بالطائفتين: إحداهما عير أبي سفيان، والأخرى جيش قريش.
• عن أنس أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثمّ تكلم عمر، فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد؟ يا رسول الله! والذي نفسي بيده! لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتَّى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك، ضربوه، فقال: نعم، أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه، فسألوه فقال: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلمّا رأى ذلك انصرف، قال: "والذي نفسي بيده! لتضربوه إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم".
قال: فقال رسول الله ﷺ : "هذا مصرع فلان" قال: ويضع يده على الأرض، ههنا وههنا. قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٧٩: ٨٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عفّان، حَدَّثَنَا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكره.
قوله: "راويا قريش" أي إبلهم التي كانوا يستقون عليها.
قوله: "فما ماط أحدهم" أي تباعد.
وذكر ابن إسحاق: أن الذي قال ذلك هو سعد بن معاذ ونقل مقالته وهي قوله: "فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا. إنا لصُبْر في الحرب، صُدْق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله".
فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشّطه ذلك ثمّ قال: "سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني بإحدى الطائفتين، والله كأني الآن أنظر إلى مصارع القوم". السيرة لابن هشام (١/ ٦١٥)
وسعد بن معاذ هو الأشهلي الأنصاري سيد الأوس شهد بدرًا بدون خلاف.
وأمّا سعد بن عبادة فهو الأنصاري الخزرجي أحد النقباء اختلف في شهوده بدرًا. فأثبت مسلم، والبخاري في التاريخ الكبير وكذلك ذكره الواقدي والمدائني وابن الكلبي وأبو أحمد الحافظ في
стр. 5204
كتابه الكنى. ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق. انظر "الاستيعاب".
قلت: إن ثبت شهود سعد بن عبادة بدرًا فلعل القائل هو سعد بن معاذ، ثمّ تلاه سعد بن عبادة، لأن كلا منهما من رؤساء الأنصار.
• عن أنس قال: لما سار رسول الله ﷺ إلى بدر خرج، فاستشار الناس، فأشار عليه أبو بكر، ثمّ استشارهم فأشار عليه عمر، فسكت، فقال رجل من الأنصار: إنّما يريدكم، فقالوا: يا رسول الله! والله لا نكون كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن والله لو ضربت أكبادها حتَّى تبلغ برك الغماد لكنا معك.
صحيح: رواه أحمد (١٢٠٢٢)، وأبو يعلى (٣٨٠٣) وعنه ابن حبَّان (٤٧٢١) كلاهما من طرق عن حميد الطّويل، عن أنس فذكره.
وقوله: "أكبادها": أي أكباد الإبل.
وقوله: "الغِماد": بضم الغين وكسرها، بلد في أقصى اليمن، وقيل غير ذلك.
• عن ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحبّ إلي ممّا عدل به: أتى النَّبِي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النَّبِي ﷺ أشرق وجهه وسرّه، يعني قوله.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٥٢) عن أبي نعيم (الفضل بن دكين) حَدَّثَنَا إسرائيل (هو ابن يونس) عن مُخارق (هو ابن عبد الله بن جابر البجلي) عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: فذكره.
وفي الباب ما رُوي عن محمد بن عمرو الليثي، عن أبيه، عن جده قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتَّى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: "كيف ترون؟ " قال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم بكذا وكذا، قال: ثمّ خطب الناس فقال: "كيف ترون؟ " فقال عمر مثل قول أبي بكر.
ثمّ خطب فقال: "كيف ترون؟ " فقال سعد بن معاذ: إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب، ما سلكتها قطّ ولا لي بها علم، ولئن سرت حتَّى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى من بني إسرائيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصِل حبالَ من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعادِ من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت.
стр. 5205
فنزل القرآن على قول سعد: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٥] إلى قوله: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٧]، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد غنيمة ما مع أبي سفيان، فأحدث الله لنبيه القتال.
رواه ابن أبي شيبة (٣٧٨١٥) عن عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن عمرو الليثي، عن أبيه، عن جده فذكره.
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٧٣ - ٧٤) أن ابن مردويه رواه أيضًا في تفسيره من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقَّاص الليثي، عن أبيه، عن جده.
وفيه علتان:
الأوّلى: عمرو بن علقمة بن وقَّاص الليثي لم يوثّقه أحد غير أن ابن حبَّان ذكره في "الثّقات" على قاعدته في توثيق المجاهيل. ولذا قال ابن حجر في "التقريب" "مقبول" أي عند المتابعة. ولم أجد له متابعة فهو لين الحديث.
والثانية: علقمة بن وقَّاص تابعي ثقة، لم تتت صحبته ففيه إرسال.
ويستفاد من هذا الحديث أن تشاور النَّبِي ﷺ كان في الروحاء، وهي على مسافة أربعة وسبعين كيلا من المدينة.
ويستفاد من أحاديث هذا الباب أن النَّبِي ﷺ استشار مرتين:
الأوّلى: بالمدينة حيث بلغه خبر عير أبي سفيان كما في رواية مسلم: "أن النَّبِي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان".
والثانية: عندما وصل إلى الروحاء، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، وهم أكثر من ألف، فلو رجع النَّبِي ﷺ من الروحاء إلى المدينة، فما كان يبعد من قريش أن يغزو المدينة ويتعاون معهم اليهود.
فمضى النَّبِي ﷺ بعد استشارة أصحابه إلى بدر ليصدهم عن غزو المدينة.
٥ - باب بعث العين لاستخبار أحوال القافلة من المحاربين
• عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: بعث رسول الله ﷺ بُسَيسةَ عينًا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله ﷺ (قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه) قال: فحدثه الحديث، قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلم، فقال: "إنَّ لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا" فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة فقال: "لا إِلَّا من كان ظهره حاضرًا".
فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتَّى سبقوا المشركين، فقال رسول الله ﷺ : "لا
стр. 5206
يقدمن أحد منكم إلى شيء حتَّى أكون أنا دونه" فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض" قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخ بخ فقال رسول الله ﷺ : "ما يحملك على قول بخ بخ؟ " قال: لا، والله يا رسول الله! إِلَّا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها" فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثمّ قال: لئن أنا حييت حتَّى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثمّ قاتلهم حتَّى قتل.
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٤٥: ١٩٠١) من طرق عن هاشم بن القاسم، حَدَّثَنَا سليمان (هو ابن المغيرة) عن ثابت، عن أنس فذكره.
وقوله: "بسيسة": بضم الباء وفتح السين، وفي سيرة ابن إسحاق: ابن هشام (١/ ٦١٤) "بسبس بن عمرو الجهني" ونسب غيره إلى ذبيان فقال: هو بسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن عمرو بن سعد بن ذبيان. وكان معه عدي بن أبي الزغباء كما ذكره ابن إسحاق. سيرة ابن هشام (١/ ٦١٧).
وذكر قصتها فقال: فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثمّ أخذا شنًّا لهما يستسقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمع عدي وبسْبس جاريتين من جواري الحاضر، وهما يتلازمان على الماء. والملزومة تقول لحماحبتها: إنّما تأتي العير غدًا أو بعد غد فأعمل لهم، ثمّ أقضيك الذي لك. قال مجدي: صدقت، ثم خلّص بينهما.
وسمع ذلك عدي وبسْبس فجلسا على بعيريهما ثمّ انطلقا حتَّى أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بما سمعا.
٦ - باب قطع الأجراس من أعناق الإبل
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر.
صحيح: رواه أحمد (٢٥١٦٦)، وصحّحه ابن حبَّان (٤٦٩٩) كلاهما من حديث محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة فذكرته.
قال ابن كثير في البداية (٥/ ٦٧): "هذا على شرط الشّيخين".
قلت: فيه سعيد هو ابن أبي عروبة مختلط، وكان سماع محمد بن جعفر منه بعد الاختلاط.
ولكن رواه النسائي في الكبرى (٨٨٠٩) من وجه آخر عن خالد بن الحارث، عن سعيد به.
وخالد بن الحارث سمع منه قبل الاختلاط، كما أن سعيد بن أبي عروبة أيضًا توبع في مسند الشاميين للطبراني (٢٧٢٠) وبهذا صحّ إسناد هذا الحديث.
وفي الحديث دليل على أخذ الحيطة عند لقاء العدو، ومنه الكتمان؛ لأن وجود الأجراس في أعناق الإبل يدل على مكان وجودهم.
стр. 5207
٧ - باب مشورة الحباب على رسول الله ﷺ -
قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا: أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتَّى تأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثمّ نغور ما وراءه من القلب، ثمّ نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثمّ نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ : لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس، فسار حتَّى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، تم أمر بالقلب فغوّرت، وبنى حوضًا على القليب الذي عليه، فملئ ماء، ثمّ قذفوا فيه الآنية. سيرة ابن هشام (١/ ٦٢٠) وفيه رجال لا يعرفون.
هذه القصة مشهورة في كتب السير. وذكرها أيضًا البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٥) أخذًا من عروة بن الزُّبير وغيره نحوه، والذّهبي في تاريخ الإسلام (المغازي ص ١٠٨) ولفظه: فقام رسول الله ﷺ فقال: أشيروا علي في المنزل.
فقال الحباب بن المنذر السلمي: أنا يا رسول الله عالم بها وبقلبها، إن رأيت أن نسير إلى قليب منها قد عرفتها كثيرة الماء عذبة، فننزل عليها ونسبق القوم إليها ونغوّر ما سواها. فقال: سيروا فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين. فوقع في قلوب ناس كثير الخوف.
فتسارع المسلمون والمشركون إلى الماء، فأنزل الله تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين بلاءا شديدًا منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين ديمة خفيفة لبد لهم الأرض، فسبقوا إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل، فاقتحم القوم في القليب فماحوها حتَّى كثر ماؤها، وصنعوا حوضًا عظيمًا، ثمّ غوّروا ما سواها من المياه.
وأمّا ما رواه الحاكم (٣/ ٤٢٧) من حديث أبي الطفيل الكناني قال: أخبرني الحباب بن المنذر قال: أشرت على رسول الله ﷺ يوم بدر بخصلتين، فقبلهما مني، خرجت مع رسول الله ﷺ فعسكر خلف الماء، فقلت: يا رسول الله أبوحي أم رأي؟ ، قال: برأي يا حباب! قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك، فإن لجأت دجأت إليه، فقبل ذلك مني، ونزل جبريل على النَّبِي ﷺ فقال: أي الأمرين أحب إليك؟ تكون في دنياك مع أصحابك، أو ترد على ربك فيما وعدك من جنات النعيم فاستشار أصحابه، فقالوا: يا رسول الله، تكون معنا أحب إلينا، وتخبرنا بعورات عدونا، وتدعو الله لينصرنا عليهم، وتخبرنا من خبر السماء، فقال رسول الله ﷺ : ما لك لا تتكلم يا حباب؟ فقلت يا رسول الله! اختر حيث اختار لك ربك فقبل ذلك مني. فهو منكر كما قال الذّهبي في تلخيصه.
٨ - باب بناء قبة أو عريش للنبي ﷺ -
• عن عبد الله بن عباس أن النَّبِي ﷺ قال - وهو في قبة يوم بدر - فذكر الدعاء.
стр. 5208
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٧٧) عن إسحاق (الواسطي) حَدَّثَنَا خالد (هو الطحان)، عن خالد (هو الحذاء)، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكر الحديث بطوله وهو مذكور في دعائه ﷺ يوم بدر.
ورُوي عن سعد بن معاذ أنه قال لرسول الله ﷺ لما التقى الناس يوم بدر: يا رسول الله، ألا نبني لك عريشًا، فتكون فيه، وتنيخ لك ركائبك، ونلقى عدونا، فإن أظهرنا الله عليهم، وأنجزنا فذاك ما أحب إلينا، وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك، وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن لك بأشد حبًا منهم، لو علموا أن نلقى حربًا ما تخلفوا عنك يوادونك وينصرونك. فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرًا، ودعا له، فبني لرسول الله ﷺ عريش، فكان فيه وأبو بكر ﵁ ما معهما غيرهما.
رواه البيهقي في الدلائل (٣/ ٤٤) من طريق محمد بن إسحاق، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن سعد بن معاذ قال لرسول الله ﷺ فذكره.
وهو في سيرة ابن هشام (١/ ٦٢٠) وفيه: قال ابن إسحاق: حَدَّثَنِي عبد الله بن أبي بكر أنه حدَّث أن سعد بن معاذ قال: فذكره. وهذا مرسل.
كما أنه لم يذكر أن أبا بكر كان معه في هذه القبة وما معهما غيرهما.
٩ - باب إنزال الله المطر ليلة المعركة
قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].
فكان المطر نعمة للمسلمين في تثبيت الأرض تحت أقدامهم، ونقمة على المشركين.
• عن علي بن أبي طالب قال: .... ثمّ إنه أصابنا من الليل طش من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ، ويقول: "اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد" ....
صحيح: رواه أحمد (٩٤٨) عن حجَّاج، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي فذكره في حديث طويل، وهو مذكور في موضعه.
١٠ - باب عِدّة أصحاب بدر
• عن البراء قال: حَدَّثَنِي أصحاب محمد ﷺ ممن شهد بدرًا أنهم كانوا عِدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر: بضعة عشر وثلاث مئة، قال البراء: لا، والله ما جاوز معه النهر إِلَّا مؤمن.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٥٧) عن عمرو بن خالد، حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا أبو
стр. 5209
إسحاق (هو السبيعي) قال: سمعت البراء يقول: فذكره.
• عن البراء قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيفًا على ستين، والأنصار نيفًا وأربعين ومائتين.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٥٦) عن محمود (هو ابن غيلان) عن وهب (هو ابن جرير) عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: فذكره.
قوله: نيفًا: النيف: بفتح النون وتشديد التحتانية وقد تخفف، وهو ما بين العقدين. فتح الباري (٧/ ٢٩١).
• عن عمر بن الخطّاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٥٨: ١٧٦٣) من طرق عن عكرمة بن عمار، حَدَّثَنِي أبو زميل سماك الحنفي، حَدَّثَنِي عبد الله بن عباس، قال: حَدَّثَنِي عمر بن الخطّاب قال: فذكره في حديث طويل.
• عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ خرج يوم بدر في ثلاث مائة وخمسة عشر، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إنهم حفاة فاحملهم اللهم إنهم عراة فاكسُهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم" ففتح الله له يوم بدر، فانقبلوا حين انقلبوا، وما منهم رجل إِلَّا وقد رجع بجمل أو جملين، واكتسوا وشبعوا.
حسن: رواه أبو داود (٢٧٤٧)، والحاكم (٢/ ١٣٢ - ١٣٣، ١٤٥)، والبيهقي (٦/ ٣٠٥) كلّهم من طريق عبد الله بن وهب، حَدَّثَنَا حيي، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلّي، عن عبد الله بن عمرو فذكره. وإسناده حسن من أجل حيي، وهو ابن عبد الله المعافري، فإنه مختلف فيه، والأقرب أنه يحتمل مثله في المغازي والفضائل ونحوها إذا سلم من النكارة والمخالفة.
وقد حسن ابن حجر إسناده في الفتح (٧/ ٢٩٢) وأمّا الحاكم فقال في الموضع الأوّل: "هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين".
وقال في الموضع الثاني: حديث صحيح على شرط مسلم.
قلت: حيي بن عبد الله المعافري لم يخرج له الشيخان أو أحدهما. إنّما روى له الأربعة.
• عن أبي موسى قال: كان عِدّة أهل بدر عِدّة أصحاب طالوت يوم جالوت: ثلاثمائة وسبعة عشر.
حسن: رواه البزّار - كشف الأستار (١٧٨٤) عن عمرو بن علي، ثنا ابن أبي عدي، ثنا ثابت بن عمارة، عن غُنيم بن قيس، عن أبي موسى فذكره.
стр. 5210
قال البزّار: لا نعلمه عن أبي موسى إِلَّا من هذا الوجه.
وإسناده حسن من أجل ثابت بن عمارة؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقد قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٩٣): ورجاله ثقات.
وفي معناه ما رُوي عن ابن عباس أنه قال: إن أهل بدر كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلًا. وكان المهاجرون ستة وسبعين. وكان هزيمة أهل بدر لسبع عشرة مضين يوم الجمعة في شهر رمضان.
رواه أحمد (٢٢٣٢) والبزّار - كشف الأستار (١٧٨٣) كلاهما من طريقين عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره.
وزاد البزّار: وكان لواء المهاجرين مع علي بن أبي طالب، وكان لواء الأنصار مع سعد بن عبادة.
والراوي عن الحجاج هو نصر بن باب شيخ الإمام أحمد، وجمهور أهل العلم على تضعيفه إِلَّا أن الإمام أحمد كان حسن الرأي فيه فقال: ما كان به بأس، إنّما أنكروا عليه حين حدّث عن إبراهيم الصائغ، ثمّ إنه توبع عند البزّار.
ولكن فيه حجَّاج وهو ابن أرطاة مدلِّس وقد عنعن.
وذكر البخاري أسماء من سُمّيَ من أهل بدر في صحيحه على حروف المعجم وهم:
١ - النَّبِي محمد بن عبد الله الهاشمي ﷺ . قدم اسمه الشريف لمكانته.
٢ - إياس بن البكير.
٣ - بلال بن رباح مولى أبي بكر القرشي.
٤ - حمزة بن عبد المطلب الهاشمي.
٥ - حاطب بن أبي بلتعة حليف لقريش.
٦ - أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة الأنصاري.
٧ - حارثة بن الربيع الأنصاري وهو حارثة بن سراقة كان في النظارة.
٨ - خبيب بن عدي الأنصاري.
٩ - خنيس بن حذافة السهمي.
١٠ - رفاعة بن رافع الأنصاري.
١١ - رواعة بن عبد المنذر أبو لبابة الأنصاري.
١٢ - الزُّبير بن العوام القرشي.
١٣ - زيد بن سهل أبو طلحة الأنصاري.
١٤ - أبو زيد الأنصاري.
١٥ - سعد بن مالك الزهري.
стр. 5211
١٦ - سعد بن خولة القرشي.
١٧ - سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي.
١٨ - سهل بن حنيف الأنصاري.
١٩ - ظهير بن رافع الأنصاري.
٢٠ - وأخوه (مظهر بن رافع).
٢١ - عبد الله بن عثمان القرشي.
٢٢ - عبد الله بن مسعود الهذلي.
٢٣ - عتبة بن مسعود الهذلي.
٢٤ - عبد الرحمن بن عوف الزهري.
٢٥ - عبيدة بن الحارث القرشي.
٢٦ - عبادة بن الصَّامت الأنصاري.
٢٧ - عمر بن الخطّاب العدوي.
٢٨ - علي بن أبي طالب الهاشمي.
٢٩ - عمرو بن عوف، حليف بني عامر بن لؤي.
٣٠ - عقبة بن عمرو الأنصاري.
٣١ - عامر بن ربيعة العنزي.
٣٢ - عاصم بن ثابت الأنصاري.
٣٣ - عويم بن ساعدة الأنصاري.
٣٤ - عتبان بن مالك الأنصاري.
٣٥ - قدامة بن مظعون.
٣٦ - قتادة بن النعمان الأنصاري.
٣٧ - معاذ بن عمرو بن الجموح.
٣٨ - معوّذ بن عفراء.
٣٩ - وأخوه.
٤٠ - مالك بن ربيعة أبو أسيد الأنصاري.
٤١ - مرارة بن الربيع الأنصاري.
٤٢ - معن بن عدي الأنصاري.
٤٣ - مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف.
стр. 5212
٤٤ - مقداد بن عمرو الكندي، حليف بني زهرة.
٤٥ - هلال بن أمية الأنصاري. ﵃.
ينظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب تسمية من سمي من أهل بدر.
وأمّا عثمان بن عفّان فذكره البخاري في الفهرس أيضًا ثمّ قال: "خلّفه النَّبِي ﷺ على ابنته، وضرب له بسهمه.
وكذلك ذكر البخاري في المغازي (٤٠٠٧) أبا مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري فيمن شهد بدرًا، ولم يذكره في الفهرس، وهو الصواب؛ فإنه لم يشهد بدرًا، بل نزل بها فنسب إليها، انظر: الإصابة (٥٦٣١) والفتح (٧/ ٣١٩).
وكذلك لا يصح ما رواه أبو داود (٢٧٣١) عن سعيد بن منصور وهو في سننه (٢٤٦٦) حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: كنت أميح أصحابي الماء يوم بدر.
رجاله ثقات إِلَّا أنه شاذ، لأن الصَّحيح إن جابرًا لم يشهد بدرًا كما أخبر بذلك عند مسلم (١٨١٣) وإنما شهد العقبة مع أبيه وخاله، قاله الدَّارقطني وغيره.
وقوله: "أميح" من المائح الذي ينزل إلى أسفل البئر فيملأ الدلو ويرفعها إلى المائح وهو الذي ينزع الدلو.
ذكر البخاري رحمه الله تعالى من أهل بدر أربعة وأربعين رجلًا فقط. لأن هؤلاء جاء ذكرهم مسندًا في المواضع من كتابه الجامع الصَّحيح، ولذا بوّب بقوله: تسمية من سمّي من أهل بدر في الجامع".
وأمّا عددهم الحقيقي فيبلغ ثلاثمائة وثلاثة عشر بغير شك، ويبلغ ثلاثمائة وخمسين مع الاختلاف. وسبب ذلك يعود إلى الاختلاف في بعض الأسماء كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٢٩)، وذكر أن الحافظ ضياء الدين استوعبهم في كتاب الأحكام.
١١ - باب العُدَّة في غزوة بدر
• عن عبد الله بن مسعود قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زَمِيلَي رسول الله ﷺ . قال: وكانت عقبة رسول الله ﷺ قال: فقالا: نحن نمشي عنك، فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى من الأجر منكما".
حسن: رواه أحمد (٣٩٠١) وأبو يعلى (٥٣٥٩) والبزّار - كشف الأستار (١٧٥٩)، وصحّحه ابن حبَّان (٤٧٣٣)، والحاكم (٢/ ٩١)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٣٩) كلّهم من طرق عن حمّاد بن سلمة، أخبرنا عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عاصم بن بهدلة غير أنه حسن الحديث.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
стр. 5213
وقوله: "عقبة رسول الله ﷺ " أي نوبته.
قال ابن إسحاق: وكانت إبل أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ سبعين بعيرًا، فاعتقبوها، فكان رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا. وكان حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة موليا رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرًا. وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا. سيرة ابن هشام (١/ ٦١٣).
ففي قول ابن إسحاق: مرثد بن أبي مرثد بدل أبي لبابة، فلعل ذلك في وقتين مختلفين، ولعل علي بن أبي طالب وأبا لبابة كانا زميلي النَّبِي ﷺ في أول الأمر؛ فإن النَّبِي ﷺ أمّر على المدينة عند خروجه عبد الله بن أم مكتوم للصلاة بالناس، ثمّ أعاد أبا لبابة من الروحاء. وعينه أميرًا على المدينة كما رواه الحاكم (٣/ ٦٣٢) من طريق ابن لهيعة: ثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزُّبير أن أبا لبابة بشير بن عبد المنذر والحارث بن حاطب خرجا إلى رسول الله ﷺ ، وخرجا معه إلى بدر، فرجعهما وأمّر أبا لبابة على المدينة وضرب لهما بسهمين مع أصحاب بدر، وسكت عليه الحاكم والذّهبي. وابن لهيعة فيه كلام معروف.
فلمّا رجع أبو لبابة صار زميلا النَّبِي ﷺ علي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد.
• عن علي بن أبي طالب قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إِلَّا نائم، إِلَّا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي، ويبكي حتَّى أصبح.
صحيح: رواه أحمد (١٠٢٣) وأبو يعلى (٢٨٠) وصحّحه ابن خزيمة (٨٩٩) وابن حبَّان (٢٢٥٧) كلّهم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي فذكره. وإسناده صحيح.
• عن ابن عباس، أن علي بن أبي طالب قال له: ما كان معنا إِلَّا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد بن الأسود، يعني يوم بدر.
صحيح: رواه الحاكم (٣/ ٢٠) وعنه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٩) من طريق ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين، ثمّ ذكر الرواة وقال: كلّهم متفق عليهم.
قلت: هذا الذي قاله غير واحد من أهل السير.
١٢ - حامل الرايات في يوم بدر
اللواء الأبيض أعطاه رسول الله ﷺ لمصعب بن عمير، وأعطى عليًا وسعد بن معاذ رايتين سوداوين. ذكره ابن إسحاق.
ورُوي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ دفع الراية إلى علي يوم بدر وهو ابن عشرين سنة.
стр. 5214
رواه الحاكم (٣/ ١١١)، وعنه البيهقي (٦/ ٢٠٧) عن علي بن حمشاذ، حَدَّثَنَا محمد بن المغيرة السكري، حَدَّثَنَا القاسم بن الحكم العرني، حَدَّثَنَا مسعر، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم عن ابن عباس فذكره.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين".
قلت: الحكم بن عتيبة لم يسمع من مقسم إِلَّا خمسة أحاديث، وهذا الحديث ليس منها.
١٣ - باب من استصغر يوم بدر
• عن البراء بن عازب قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٥٦) عن محمود، عن وهب، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء فذكره.
• عن سعد بن أبي وقَّاص أن النَّبِي ﷺ نظر إلى عمير بن أبي وقَّاص فاستصغره حين خرج إلى بدر، ثمّ أجازه.
قال سعد: ويقال: إنه خانه سيفه.
قال عبد الله: قتل يوم بدر.
حسن: رواه البزّار - كشف الأستار (١٧٧٠) عن محمد بن قيس، ثنا إسحاق بن محمد، عن عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد فذكره.
قال البزّار: لا نعلمه يروى عن سعد إِلَّا بهذا الإسناد.
قلت: وإسناده حسن من أجل عبد الله بن جعفر وهو ابن المسور أبو محمد المدني حسن الحديث.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٦٩): رجاله ثقات.
قال الواقدي: كان عمير بن أبي وقَّاص قد استصغره رسول الله ﷺ يوم بدر وأراد أن يرده فبكى، ثمّ أجازه بعد، فقتل يومئذ وهو ابن ست عشرة سنة.
١٤ - وفاء النَّبِي ﷺ بعهد أصحابه في الجهاد
• عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إِلَّا أني خرجت أنا، وأبي حسيل، فأخذنا كفار قريش قالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا ما نريده، ما نريد إِلَّا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر، فقال: "انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد (١٧٨٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن الوليد بن جميع حَدَّثَنَا أبو الطفيل، حَدَّثَنَا حذيفة فذكره.
стр. 5215
وحسيل: هو المعروف باليمان والد حذيفة بن اليمان. واسم اليمان حسيل بن جابر، واليمان لقب، وإنما قيل لأبيه حسيل اليمان لأنه من ولد اليمان جروة بن الحارث بن قطيعة، وكان جروة بن الحارث أيضًا يقال له: اليمان.
وإنما سمي اليمان لأنه أصاب في قومه دما، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية، شهد حذيفة وأبوه حسيل وأخوه صفوان أحدًا. قتل أباه بعض المسلمين وهو يحسبه من المشركين. وحذيفه يصيح: أبي أبي ولم يسمع.
١٥ - باب عدد المشركين يوم بدر
• عن علي قال: أخذنا رجلين يوم بدر رجلًا من قريش، ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القرشي فانفلت. وأمّا مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتَّى انتهوا به إلى النَّبِي ﷺ فقال: "كم القوم؟ " قال: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجهد النَّبِي ﷺ أن يخبره كم هم؟ فأبى، ثمّ إن النَّبِي ﷺ سأله: "كم ينحرون من الجزور؟ " فقال: عشر كل يوم، فقال رسول الله ﷺ : "القوم ألف، كل جزور لمائة وتبعها".
صحيح: رواه أحمد (٩٤٨) عن حجَّاج، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي فذكره.
وإسناده صحيح، انظر الحديث بكامله في باب مناجاة النَّبِي ﷺ . والحجاج هو ابن محمد المصيصي الأعور.
١٦ - باب ما جاء في شجاعة النَّبِي ﷺ يوم بدر
• عن علي بن أبي طالب قال: لقد رأيتنا يوم بدر، ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا.
صحيح: رواه أحمد (٦٥٤)، (١٠٤٢) وابن أبي شيبة (١٢٦٦٠) من طريق إسرائيل - واللّفظ له - وأحمد (١٣٤٧) والنسائي في الكبرى (٨٥٨٥) والحاكم (٢/ ١٤٣) من طريق زهير، كلاهما عن أبي إسحاق (وهو السبيعي) عن حارثة بن مضرب عن علي فذكره.
وإسناده صحيح، رواية إسرائيل عن جده في غاية الإتقان وصرح أبو إسحاق السبيعي بالسماع من حارثة في رواية الطيالسي كما في إتحاف الخيرة (٩/ ٩١).
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
стр. 5216
١٧ - باب شجاعة الزُّبير يوم بدر
• عن عروة بن الزُّبير أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد فنشدّ معك؟ فقال: إن شددت كذبتم فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتَّى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثمّ رجع مقبلًا، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضُربها يوم بدر.
قال عروة: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير.
قال عروة: وكان معه عبد الله بن الزُّبير يومئذ، وهو ابن عشر سنين فحمله على فرس ووكلّ به رجلًا.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٥) عن أحمد بن محمد (هو السِّمْسار) حَدَّثَنَا عبد الله (هو ابن المبارك)، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، فذكره.
• عن عروة قال: كان في الزُّبير ثلاث ضربات بالسيف، إحداهن في عاتقه قال: إن كنت لأدخل أصابعي فيها، قال: ضُرِب ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك، قال عروة: وقال لي عبد الملك بن مروان حين قتل عبد الله بن الزُّبير: يا عروة! هل تعرف سيف الزُّبير؟ قلت: نعم قال: فما فيه؟ قلت: فيه فلّة فلّها يوم بدر قال: صدقت.
لهنّ فلول من قراع الكتائب
ثمّ رده على عروة، قال هشام: فأقمناه بيننا ثلاثة آلاف، وأخذه بعضنا، ولوددت أني كنت أخذته.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٣) عن إبراهيم بن موسى، حَدَّثَنَا هشام بن يوسف، عن معمر، عن هشام، عن عروة، قال: فذكره.
قوله: "ضُرب ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك" وتقدم في رواية ابن المبارك أنه ضرب يوم اليرموك ضربتين على عاتقه وبينهما ضربة ضربها يوم بدر.
قال الحافظ في الفتح (٧/ ٢٩٩): "فإن كان اختلافًا على هشام فرواية ابن المبارك أثبت لأن في حديث معمر عن هشام مقالًا، وإلا فيحتمل أن يكون فيه في غير عاتقه ضربتان أيضًا فيُجمع بذلك بين الخبرين" اهـ وكان "سيف الزُّبير محلّى بفضّة" رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٤) عن فروة (هو ابن مغْراء)، عن علي (هو ابن مسهر)، عن هشام (هو ابن عروة)، عن أبيه، قال: فذكره. وقال هشام: وكان سيف عروة محلّى بفضة.
стр. 5217
١٨ - باب المبارزة يوم بدر
• عن علي بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة، والوليد بن عتبة.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٦٥) عن محمد بن عبد الله الرقاشي، حَدَّثَنَا معتمر (هو ابن سليمان) قال: سمعت أبي (هو سليمان التميمي) يقول: حَدَّثَنَا أبو مجْلز (هو لاحق بن حميد) عن قيس بن عباد، عن علي فذكره.
قوله: "يجثو" بالجيم والمثلثة أي يقعد على ركبتيه مخاصمًا.
والمراد بهذه الأوّلية تقييده بالمجاهدين من هذه الأمة؛ لأن المبارزة المذكورة أول مبارزة وقعت في الإسلام.
• عن قيس بن عباد قال سمعت أبا ذرّ يقسم قسمًا إن هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٦٩، ٣٩٦٨، ٣٩٦٦) ومسلم في التفسير (٣٤: ٣٠٣٣) كلاهما من طرق عن أبي هاشم (هو الرمّاني الواسطي) عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال سمعت أبا ذرّ يقسم قسمًا فذكره.
• عن أبي إسحاق: سأل رجل البراء وأنا أسمع قال: أشهد عليّ بدرًا؟ قال: بارز وظاهر.
صحيح: أخرجه البخاري في المغازي (٣٩٧٠) عن أحمد بن سعيد أبي عبد الله حَدَّثَنَا إسحاق بن منصور، حَدَّثَنَا إبراهيم بن يوسف (هو ابن أبي إسحاق السبيعي) عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال فذكره.
قوله في الجواب: "قال بارز وظاهر" فيه حذف تقديره: قال: نعم، شهد؛ فإنه بارز فيها وظاهر، أي لبس درعًا على درع.
• عن علي بن أبي طالب قال: تقدّم يعني عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنّما أردنا بني عمّنا، فقال رسول الله ﷺ : "قم يا حمزة! قم يا علي! قم يا عبيدة بن الحارث! " فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثمّ ملنا على الوليد،
стр. 5218
فقتلناه، واحتملنا عبيدة.
صحيح: رواه أبو داود (٢٦٦٥)، وأحمد (٩٤٨)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٩٤) من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي فذكره. واللّفظ لأبي داود، وسياق أحمد طويل، وهو مذكور في المناجاة.
وإسناده صحيح، رواية إسرائيل عن جده في غاية الإتقان، وكان شعبة يقدمه على نفسه في أبي إسحاق.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين.
وتعقبه الذّهبي فقال: لم يخرجا لحارثة، وقد وهاه ابن المديني.
قلت: نعم لم يخرجا لحارثة، لكن تضعيف ابن المديني له لا يثبت، إنّما نقل ابن الجوزي في ضعفائه (١/ ١٨٥) تبعًا للأزدي أن ابن المديني قال: متروك الحديث، لذا قال ابن حجر في تقريبه: ثقة، غلط من نقل عن ابن المديني أنه تركه.
١٩ - باب أمر النَّبِي ﷺ بنضح المشركين بالنبل
• عن أسيد قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر: "إذا أكثبوكم فارموهم، واستبقوا نبلكم".
وفي لفظ: قال النَّبِي ﷺ يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا: "إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٨٤) عن عبد الله بن محمد الجعفي حَدَّثَنَا أبو أحمد الزُّبير (هو محمد بن عبد الله الأسدي) حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد والزُّبير بن منذر بن أبي أسيد، عن أبي أسيد (هو مالك بن ربيعة الخزرجي الأنصاري) قال فذكره.
ورواه البخاري أيضًا في الجهاد (٢٩٠٠) عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه فذكره باللفظ الثاني.
قوله: "إذا أكثبوكم" أي إذا قربوا منكم.
٢٠ - صفوف المسلمين للقتال يوم بدر
• عن أبي عمران التجيبي يقول: إنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: صففنا يوم بدر، فندرت منا نادرة أمام الصف، فنظر رسول الله ﷺ إليهم فقال: "معي معي" كذا.
قال معمر: فبدرت منا بادرة وقال: صففنا يوم بدر.
حسن: رواه أحمد (٢٣٥٦٧، ٢٣٥٦٩) من طريقين عن ابن لهيعة، حَدَّثَنِي يزيد بن أبي حبيب،
стр. 5219
أن أسلم أبا عمران التجيبي حدث فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن لهيعة فإن في أحد طريقي أحمد عبد الله بن المبارك.
وروايته عن ابن لهيعة صالحة. انظر للمزيد: كتاب الجهاد.
٢١ - باب ما جاء في مناجاة النَّبِي ﷺ ربه ونزول الملائكة وقتالهم مع المسلمين
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦].
وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٣].
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي قليل عددكم؛ لتعلموا أن النصر إنّما هو من عند الله.
وقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] الصَّحيح أنه كان يوم بدر، فإن الله أمد المسلمين بألف، ثمّ صاروا ثلاثة آلاف ثمّ صاروا خمسة آلاف.
فإن قوله تعالى: ﴿مُرْدِفِينَ﴾: بمعنى يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف آخر مثلهم.
وقوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: أي معلَّمين بالسيما، وقيل بالعمائم.
• عن ابن عباس أن النَّبِي ﷺ قال وهو في قبة له يوم بدر: "أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا" فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله! فقد ألححت على ربَّك - وهو في الدرع - فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥، ٤٦].
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٧٧) عن إسحاق (هو ابن شاهين الواسطي) حَدَّثَنَا خالد (هو الطحان) عن خالد (هو الحذّاء) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فذكره. وهو أخذه من عمر بن الخطّاب كما يأتي.
• عن عمر بن الخطّاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين
стр. 5220
وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثمّ مد يديه فجعل يهتف بربه "اللهم! أنجز لي ما وعدتني، اللهم! آت ما وعدتني، اللهم! إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فما زال يهتف بربه، مادًا يديه، مستقبل القبلة، حتَّى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثمّ التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربَّك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٩] فأمده الله بالملائكة.
قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخرّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط.
فاخضرّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاري، فحدّث بذلك رسول الله ﷺ فقال: "صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة" فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.
قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلمّا أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة. أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قُوة على الكفار. فعسي الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطّاب؟ " قلت: لا، والله! يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر. ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنّي من فلان (نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله ﷺ قال أبو بكر ولم يهو ما قلت.
فلمّا كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان. قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاءا تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة" (شجرة قريبة من نبي الله ﷺ وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِبًا﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٥٨: ١٧٦٣) من طرق عن عكرمة بن عمار، حَدَّثَنِي أبو
следующие страницы →