Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
١٧ - باب شجاعة الزُّبير يوم بدر
• عن عروة بن الزُّبير أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد فنشدّ معك؟ فقال: إن شددت كذبتم فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتَّى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثمّ رجع مقبلًا، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضُربها يوم بدر.
قال عروة: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير.
قال عروة: وكان معه عبد الله بن الزُّبير يومئذ، وهو ابن عشر سنين فحمله على فرس ووكلّ به رجلًا.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٥) عن أحمد بن محمد (هو السِّمْسار) حَدَّثَنَا عبد الله (هو ابن المبارك)، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، فذكره.
• عن عروة قال: كان في الزُّبير ثلاث ضربات بالسيف، إحداهن في عاتقه قال: إن كنت لأدخل أصابعي فيها، قال: ضُرِب ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك، قال عروة: وقال لي عبد الملك بن مروان حين قتل عبد الله بن الزُّبير: يا عروة! هل تعرف سيف الزُّبير؟ قلت: نعم قال: فما فيه؟ قلت: فيه فلّة فلّها يوم بدر قال: صدقت.
لهنّ فلول من قراع الكتائب
ثمّ رده على عروة، قال هشام: فأقمناه بيننا ثلاثة آلاف، وأخذه بعضنا، ولوددت أني كنت أخذته.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٣) عن إبراهيم بن موسى، حَدَّثَنَا هشام بن يوسف، عن معمر، عن هشام، عن عروة، قال: فذكره.
قوله: "ضُرب ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك" وتقدم في رواية ابن المبارك أنه ضرب يوم اليرموك ضربتين على عاتقه وبينهما ضربة ضربها يوم بدر.
قال الحافظ في الفتح (٧/ ٢٩٩): "فإن كان اختلافًا على هشام فرواية ابن المبارك أثبت لأن في حديث معمر عن هشام مقالًا، وإلا فيحتمل أن يكون فيه في غير عاتقه ضربتان أيضًا فيُجمع بذلك بين الخبرين" اهـ وكان "سيف الزُّبير محلّى بفضّة" رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٤) عن فروة (هو ابن مغْراء)، عن علي (هو ابن مسهر)، عن هشام (هو ابن عروة)، عن أبيه، قال: فذكره. وقال هشام: وكان سيف عروة محلّى بفضة.
стр. 5217
١٨ - باب المبارزة يوم بدر
• عن علي بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة، والوليد بن عتبة.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٦٥) عن محمد بن عبد الله الرقاشي، حَدَّثَنَا معتمر (هو ابن سليمان) قال: سمعت أبي (هو سليمان التميمي) يقول: حَدَّثَنَا أبو مجْلز (هو لاحق بن حميد) عن قيس بن عباد، عن علي فذكره.
قوله: "يجثو" بالجيم والمثلثة أي يقعد على ركبتيه مخاصمًا.
والمراد بهذه الأوّلية تقييده بالمجاهدين من هذه الأمة؛ لأن المبارزة المذكورة أول مبارزة وقعت في الإسلام.
• عن قيس بن عباد قال سمعت أبا ذرّ يقسم قسمًا إن هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٦٩، ٣٩٦٨، ٣٩٦٦) ومسلم في التفسير (٣٤: ٣٠٣٣) كلاهما من طرق عن أبي هاشم (هو الرمّاني الواسطي) عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال سمعت أبا ذرّ يقسم قسمًا فذكره.
• عن أبي إسحاق: سأل رجل البراء وأنا أسمع قال: أشهد عليّ بدرًا؟ قال: بارز وظاهر.
صحيح: أخرجه البخاري في المغازي (٣٩٧٠) عن أحمد بن سعيد أبي عبد الله حَدَّثَنَا إسحاق بن منصور، حَدَّثَنَا إبراهيم بن يوسف (هو ابن أبي إسحاق السبيعي) عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال فذكره.
قوله في الجواب: "قال بارز وظاهر" فيه حذف تقديره: قال: نعم، شهد؛ فإنه بارز فيها وظاهر، أي لبس درعًا على درع.
• عن علي بن أبي طالب قال: تقدّم يعني عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنّما أردنا بني عمّنا، فقال رسول الله ﷺ : "قم يا حمزة! قم يا علي! قم يا عبيدة بن الحارث! " فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثمّ ملنا على الوليد،
стр. 5218
فقتلناه، واحتملنا عبيدة.
صحيح: رواه أبو داود (٢٦٦٥)، وأحمد (٩٤٨)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٩٤) من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي فذكره. واللّفظ لأبي داود، وسياق أحمد طويل، وهو مذكور في المناجاة.
وإسناده صحيح، رواية إسرائيل عن جده في غاية الإتقان، وكان شعبة يقدمه على نفسه في أبي إسحاق.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين.
وتعقبه الذّهبي فقال: لم يخرجا لحارثة، وقد وهاه ابن المديني.
قلت: نعم لم يخرجا لحارثة، لكن تضعيف ابن المديني له لا يثبت، إنّما نقل ابن الجوزي في ضعفائه (١/ ١٨٥) تبعًا للأزدي أن ابن المديني قال: متروك الحديث، لذا قال ابن حجر في تقريبه: ثقة، غلط من نقل عن ابن المديني أنه تركه.
١٩ - باب أمر النَّبِي ﷺ بنضح المشركين بالنبل
• عن أسيد قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر: "إذا أكثبوكم فارموهم، واستبقوا نبلكم".
وفي لفظ: قال النَّبِي ﷺ يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا: "إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٨٤) عن عبد الله بن محمد الجعفي حَدَّثَنَا أبو أحمد الزُّبير (هو محمد بن عبد الله الأسدي) حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد والزُّبير بن منذر بن أبي أسيد، عن أبي أسيد (هو مالك بن ربيعة الخزرجي الأنصاري) قال فذكره.
ورواه البخاري أيضًا في الجهاد (٢٩٠٠) عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه فذكره باللفظ الثاني.
قوله: "إذا أكثبوكم" أي إذا قربوا منكم.
٢٠ - صفوف المسلمين للقتال يوم بدر
• عن أبي عمران التجيبي يقول: إنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: صففنا يوم بدر، فندرت منا نادرة أمام الصف، فنظر رسول الله ﷺ إليهم فقال: "معي معي" كذا.
قال معمر: فبدرت منا بادرة وقال: صففنا يوم بدر.
حسن: رواه أحمد (٢٣٥٦٧، ٢٣٥٦٩) من طريقين عن ابن لهيعة، حَدَّثَنِي يزيد بن أبي حبيب،
стр. 5219
أن أسلم أبا عمران التجيبي حدث فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن لهيعة فإن في أحد طريقي أحمد عبد الله بن المبارك.
وروايته عن ابن لهيعة صالحة. انظر للمزيد: كتاب الجهاد.
٢١ - باب ما جاء في مناجاة النَّبِي ﷺ ربه ونزول الملائكة وقتالهم مع المسلمين
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦].
وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٣].
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي قليل عددكم؛ لتعلموا أن النصر إنّما هو من عند الله.
وقوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] الصَّحيح أنه كان يوم بدر، فإن الله أمد المسلمين بألف، ثمّ صاروا ثلاثة آلاف ثمّ صاروا خمسة آلاف.
فإن قوله تعالى: ﴿مُرْدِفِينَ﴾: بمعنى يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف آخر مثلهم.
وقوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾: أي معلَّمين بالسيما، وقيل بالعمائم.
• عن ابن عباس أن النَّبِي ﷺ قال وهو في قبة له يوم بدر: "أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا" فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله! فقد ألححت على ربَّك - وهو في الدرع - فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥، ٤٦].
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٧٧) عن إسحاق (هو ابن شاهين الواسطي) حَدَّثَنَا خالد (هو الطحان) عن خالد (هو الحذّاء) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فذكره. وهو أخذه من عمر بن الخطّاب كما يأتي.
• عن عمر بن الخطّاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين
стр. 5220
وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثمّ مد يديه فجعل يهتف بربه "اللهم! أنجز لي ما وعدتني، اللهم! آت ما وعدتني، اللهم! إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فما زال يهتف بربه، مادًا يديه، مستقبل القبلة، حتَّى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثمّ التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربَّك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٩] فأمده الله بالملائكة.
قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخرّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط.
فاخضرّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاري، فحدّث بذلك رسول الله ﷺ فقال: "صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة" فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.
قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلمّا أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة. أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قُوة على الكفار. فعسي الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطّاب؟ " قلت: لا، والله! يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر. ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنّي من فلان (نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله ﷺ قال أبو بكر ولم يهو ما قلت.
فلمّا كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان. قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاءا تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة" (شجرة قريبة من نبي الله ﷺ وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِبًا﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٥٨: ١٧٦٣) من طرق عن عكرمة بن عمار، حَدَّثَنِي أبو
стр. 5221
زميل سماك الحنفي، حَدَّثَنِي عبد الله بن عباس، قال: حدتني عمر بن الخطّاب قال: فذكره.
وحيزوم: اسم فرس جبريل.
• عن علي قال: لما قدّمنا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتويناها وأصابنا بها وعك، وكان النَّبِي ﷺ يتخبر عن بدر، فلمّا بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله ﷺ إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين منهم، رجلًا من قريش، ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القرشي فانفلت، وأمّا مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله! كثير عددهم، شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتَّى انتهوا به إلى النَّبِي ﷺ فقال له: "كم القوم؟ " قال: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم. فجهد النَّبِي ﷺ أن يخبره كم هم، فأبى، ثمّ إن النَّبِي ﷺ سأله: "كم ينحرون من الجزور؟ " فقال: عشرًا كل يوم. فقال رسول الله ﷺ : "القوم ألف، كل جزور لمئة وتبعها" ثمّ إنه أصابنا من الليل طش من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها، من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ، ويقول: "اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد" قال: فلمّا طلع الفجر نادى: "الصّلاة عباد الله" فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ ، وحرض على القتال، ثمّ قال: "إنَّ جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل".
فلمّا دنا القوم منا وصاففناهم، إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله ﷺ : "يا علي! ناد لي حمزة - وكان أقربهم من المشركين - من صاحب الجمل الأحمر، وماذا يقول لهم؟ " ثمّ قال رسول الله: ﷺ "إن يكن في القوم أحد يأمر بخير، فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر" فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: يا قوم! إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم! اعصبُوها اليوم برأسي، وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم، قال: فسمع ذلك أبو جهل، فقال: أنت تقول هذا؟ والله لو غيرك يقول هذا لأعضضته، قد ملأت رئتُك جوفَك رعبًا. فقال عتبة: إياي تعير يا مصفر استه؟ ستعلم اليوم أينا الجبان.
قال: فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية، فقالوا: من يبارز؟ فخرج فتية من الأنصار ستة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن يبارزنا من بني عمنا، من بني عبد
стр. 5222
المطلب، فقال رسول الله ﷺ : "قم يا علي! وقم يا حمزة! وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب! " فقتل الله تعالى عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة، فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين، فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله! إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح، من أحسن الناس وجهًا، على فرس أبلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: "اسكت، فقد أيدك الله تعالى بملك كريم" فقال علي: فأسرنا من بني عبد المطلب: العباس، وعقيلًا، ونوفل بن الحارث.
صحيح: رواه أحمد (٩٤٨) والبزّار - كشف الأستار (١٧٦١) كلاهما من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي فذكره. واللّفظ لأحمد.
ورواه أبو داود (٢٦٦٥) وصحّحه الحاكم (٣/ ١٩٤) والبيهقي في الدلائل (٣/ ٤٢) كلّهم من طرق عن إسرائيل به جزءًا منه. وإسناده صحيح.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٧٥ - ٧٦) وقال: رواه أحمد والبزّار، ورجال أحمد رجال الصَّحيح غير حارثة بن مضرّب وهو ثقة.
قلت: كلام الهيثمي يشعر بأن البزّار رواه من طريق آخر، وهو ليس كما قال. وأمّا حارثة بن مضرّب - بتشديد الراء المكسورة - فقد وثّقه ابن معين وغلط من نقل عن ابن المديني أنه تركه.
وقوله: "لأعضضته" من العض بالنواجذ أي قلت له: اعضض هن أبيك.
وقوله: "يا مصفر استه"، والاست هو الدبر أي رماه بالأبنة، وأنه كان يزعفر استه، وقيل: هي كلمة تقال للمتنعم المترف الذي لم تحنكه التجارب والشدائد. قاله ابن الأثير في النهاية.
• عن رفاعة بن رافع الزّرقي قال: جاء جبريل إلى النَّبِي ﷺ فقال: "ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ " قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها - قال: "وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٩٢) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير (هو ابن عبد الحميد) عن يحيى بن سعيد (هو الأنصاري) عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: فذكره.
• عن ابن عباس أن النَّبِي ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٩٥) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا عبد الوهّاب، حَدَّثَنَا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
стр. 5223
ورواه أيضًا في المغازي (٤٠٤١) بالإسناد نفسه ولكن جاء فيه "كان ذلك يوم أحد".
قال الحافظ ابن حجر: "هذا وهم من وجهين: لأنه لم يذكره أبو ذرّ ولا غيره من متقني رواة البخاري، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم.
ثانيها: أن المعروف في هذا المتن يوم بدر لا يوم أحد". انظر: الفتح (٧/ ٣٤٩).
وكان اسم فرس جبريل: حيزوم كما سبق في حديث عمر بن الخطّاب المطول.
• عن علي بن أبي طالب قال: قال لي رسول الله ﷺ يوم بدر ولأبي بكر: "مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال أو يكون في القتال".
صحيح: رواه أحمد (١٢٥٧)، وأبو يعلى (٣٤٠)، والبزّار في مسنده (٧٢٩)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٣٤) كلّهم من طرق عن مسعر بن كدام، عن أبي عون الثقفي، عن أبي صالح الحنفي، عن علي بن أبي طالب فذكره. وإسناده صحيح.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الذّهبي على شرط مسلم.
وأورده الدَّارقطني في علله (٤/ ١٩٥) وذكر الاختلاف على مسعر وصوّب من رواه من أصحاب مسعر، عن أبي عون الثقفي، عن أبي صالح الحنفي، عن علي.
• عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: خفق رسول الله ﷺ خفقة في العريش، ثمّ انتبه فقال: "أبشر يا أبا بكر! هذا جبريل معتجر بعمامته، آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقْع، أتاك نصر الله وعِدَتُه". وأمر رسول الله ﷺ ، فأخذ كفًّا من الحصى بيده، ثمّ خرج، فاستقبل القوم فقال: "شاهت الوجوه" ثمّ نفحهم بها، ثمّ قال لأصحابه: "احملوا" فلم تكن إِلَّا الهزيمة. فقتل الله من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر منهم.
حسن: رواه ابن إسحاق قال: حَدَّثَنِي الزّهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير فذكره. رواه الأموي عنه في مغازيه كما في البداية والنهاية (٥/ ١٢٦).
وذكره ابن هشام في السيرة (١/ ٦٢٦ - ٦٢٧) بدون إسناد.
وهو جزء من حديث استنصار أبي جهل عند الإمام أحمد (٢٣٦٦١) إِلَّا أنه لم يذكر هذا الجزء.
وعبد الله بن ثعلبة صحابي صغير حديثه مرسل، ومرسل الصحابي مقبول عند جمهور أهل العلم.
وفي الباب ما رُوي عن أبي داود المازني - وكان شهد بدرًا - قال: إني لأتبع رجلًا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي. فعرفت أنه قد قتله غيري.
رواه الإمام أحمد (٢٣٧٧٨) عن يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبيه، قال: قال أبو داود المازني فذكره.
وهو عند ابن هشام في سيرته (١/ ٦٣٣) وفيه: قال ابن إسحاق: حَدَّثَنِي أبي إسحاق بن يسار،
стр. 5224
عن رجال من بني مازن بن النجار، عن أبي داود المازني فذكره.
فظهر منه أن بين إسحاق بن يسار وبين أبي داود المازني رجالا لا يعرفون.
٢٢ - باب رمي النَّبِي ﷺ بقبضة من الحصباء في وجوه المشركين
• عن ابن عباس قال: رفع رسول الله ﷺ يده يوم بدر. فقال: "يا رب! إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدًا". فقال له جبريل ﵇: خُذْ قبضة من التراب، فأخذ قبضةً من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحد إِلَّا أصاب عينيه ومنخريه وفمَه تراب من تلك القبضة فولَّوا مدبرين.
حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٨٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٧٣) كلاهما من طريق أبي صالح، قال: حَدَّثَنِي معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي صالح وهو عبد الله بن صالح كاتب اللّيث، مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ.
• عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء إلى الأرض، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله ﷺ بتلك الحصيات، فانهزموا، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧].
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٢٧)، والطبري في تفسيره (١١/ ٨٤)، وابن أبي حاتم في التفسير (٥/ ١٦٧٢)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٨٠)، كلّهم من طرق عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام فذكره. واللّفظ لابن أبي حاتم.
قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٨٤): "إسناده حسن".
قلت: موسى بن يعقوب الزمعي حسن الحديث، وفيه أيضًا يزيد بن عبد الله قال البيهقي: "هذا هو ابن وهب بن زمعة عمّ موسى بن يعقوب".
لم يوثّقه أحد إِلَّا أن ابن حبَّان ذكره في ثقاته، وقد روى عنه ابن أخيه موسى بن يعقوب، ولحديثه أصل، وهو في المغازي، وليس في الأحكام.
ورواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٢٧) عن أحمد بن بهرام الأيذجي، ثنا محمد بن يزيد الأسفاطي، ثنا إبراهيم بن يحيى الشجري، حَدَّثَنِي أبي، ثنا موسى بن يعقوب الزمعي، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي بكر بن سليمان، عن أبي حثمة: عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر أمر رسول الله ﷺ فأخذ كفًّا من الحصباء فاستقبلنا به فرمانا بها قال: "شاهت الوجوه" فانهزمنا فأنزل الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
стр. 5225
كذا وقع في هذا الإسناد: "عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان" مع أنه رواه غير واحد عن موسى الزمعي فسمّوا شيخه: "يزيد بن عبد الله" كما في الإسناد السابق، بل رواه ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧٢) من طريق يحيى بن محمد بن هانئ، عن موسى الزمعي به، وسمّاه: "يزيد بن عبد الله" كرواية الجماعة.
فالأشبه أن ما وقع في معجم الطبراني خطأ فإن في إسناده عدة علل.
شيخ الطبراني لا يعرف حاله، وإبراهيم بن يحيى الشجري لين الحديث، وأبوه يحيى بن محمد بن عباد بن هانئ الشجري ضعيف، وكان ضريرًا يتلقّن.
وإنْ كان ما في المعجم الكبير محفوظًا، فلعل الزمعي رواه عن شيخين، فيُقوّي أحدهما الآخر.
والخلاصة: أنه حديث حسن كما قال الهيثمي.
وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أي: ما بلّغتَ إذ رميتَ، ولكن الله بلّغ، فأصاب وجوه جيش الكفار، فما بقي أحدٌ منهم إلّا أصابها منه شيء.
قال ابن إسحاق: ثمّ إن رسول الله ﷺ أخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل قريشًا بها ثم قال: شاهت الوجوه، ثمّ نضحهم بها، وأمر أصحابه فقال: "شدّوا" فكانت الهزيمة، فقتل الله تعالى من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.
سيرة ابن هشام (١/ ٦ ٢٨)
٢٣ - وقوع النعاس يوم بدر
• عن أبي طلحة ﷺ قال: غشينا النعاس، ونحن في مصافنا يوم بدر. قال أبو طلحة: كنت فيمن غشيه النعاس يومئذ فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٦٣٥٧) عن يونس، حَدَّثَنَا شيبان، عن قتادة، وحسين (وهو ابن محمد) في تفسير شيبان، عن قتادة قال: وحدثنا أنس بن مالك أن أبا طلحة قال: فذكره.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن حبَّان (٧١٨٠) وشيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي ثقة صاحب كتاب ولكن رواه البخاري في التفسير (٤٥٦٢) عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن أبي يعقوب، حَدَّثَنَا حسين بن محمد بإسناده فقال فيه: يوم أحد.
وكذلك رواه أيضًا في المغازي (٤٠٦٨): وقال لي خليفة، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة فذكر نحوه.
فرأى أهل العلم أن النعاس وقع في بدر كما في قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١] كما وقع في أحد أيضًا لقوله تعالى في سورة آل عمران:
стр. 5226
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وهذا اختيار البخاري.
٢٤ - استنصار أبي جهل يوم بدر
• عن أنس بن مالك يقول: قال أبو جهل: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: ٣٣، ٣٤].
متفق عليه: رواه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٩٦) عن عبيد الله بن معاذ العنبري، حَدَّثَنَا أبي، عن شعبة، عن عبد الحميد الزيادي، أنه سمع أنس بن مالك يقول: فذكره.
ورواه البخاري في التفسير عن أحمد (٤٦٤٨) وعن محمد بن النضر (٤٦٤٩) كلاهما عن عبيد الله بن معاذ العنبري بإسناده مثله.
• عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يُعرف فأحنه الغداة، فكان المستفتِحَ.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٦٦١) عن يزيد، أخبرنا محمد - يعني ابن إسحاق - حَدَّثَنِي الزّهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير فذكره.
وإسناده صحيح ومحمد بن إسحاق وإن كان حسن الحديث إذا صرّح ولكنه رواه أيضًا صالح بن كيسان - وهو ثقة حافظ - عن الزهري به مثله، ومن طريقه رواه النسائي في الكبرى (١١١٣٧) والحاكم (٢/ ٣٢٨) وقال: صحيح على شرط الشّيخين.
وعبد الله بن ثعلبة صحابي صغير، ولد قبل الهجرة بأربع سنين وقيل: بعد الهجرة، فالحديث مرسل صحابي وهو مقبول عند جماهير أهل العلم.
وقوله: أقطعنا: اسم تفضيل للقطع.
وقوله: آتانا: اسم تفضيل من الاتيان.
وقوله: فأحِنْه من أحانه الله - أي أهلكه. قال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر، أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال الله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩].
يقول: لقد نصرت ما قلتم، وهو محمد ﷺ .
٢٥ - دعوة عتبة بن ربيعة بالانسحاب من القتال
• عن ابن عباس قال: لما نزل المسلمون بدرًا، وأقبل المشركون، نظر رسول الله
стр. 5227
- ﷺ إلى عتبة بن ربيعة، وهو على جمل أحمر، فقال: إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا، وهو يقول: يا قوم! أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم لم يزل ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه، وقاتل أبيه، فاجعلوا جبنها برأسي وارجعوا، فقال أبو جهل: اِنتفخَ واللهِ سحره حين رأى محمدًا وأصحابه، إنّما محمد وأصحابه كأكلة جزور، لو قد التقينا، فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا، أما ترون كأنّ رؤوسهم الأفاعي، وكأن وجوههم السيوف، ثمّ دعا أخاه وابنه فخرج يمشي بينهما ودعا بالمبارزة.
صحيح: رواه البزّار - كشف الأستار (١٧٦٢) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، والحسن بن يونس أبي علي الضرير قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنبأ جرير بن حازم، عن أخيه يزيد بن حازم، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال البزّار: "لا نعلم يرويه بهذا اللّفظ إِلَّا ابن عباس ولا له إِلَّا هذا الطريق، ولا أسنده إِلَّا يزيد بن هارون، وحدث به مرة مسندًا وحدث به في الكتب مرسلًا.
ويزيد بن حازم لم يُسنِد غير هذا الحديث" انتهى.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٧٦): رجاله ثقات.
قلت: وهو كما قال ويزيد بن حازم ثقة ثبت.
• عن علي بن أبي طالب قال: وبات رسول الله ﷺ ليلة يدعو ويقول: "اللهم إن تُهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"، فلمّا طلع الفجر قال: "الصّلاة عباد الله" فأقبلنا من تحت الشجر والحجف، فحث على القتال وقال: "كأني أنظر إلى صرعاهم"، فلمّا دنا القوم إذا رجل يسير في القوم على جمل أحمر. فقال النَّبِي ﷺ للزبير: "ناد بعض أصحابك، فسلْه من صاحب الجمل الأحمر؟ ، فإن يكن في القوم أحد يأمر بخير فهو" فسأل الزُّبير: من صاحب الجمل الأحمر؟ قالوا: عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال، وهو يقول: يا قوم! إني أرى قومًا مستميتين، والله! ما أظن أن تصلوا إليهم حتَّى تهلكوا، قال: فلمّا بلغ أبا جهل ما يقول: أقبل إليه فقال: ملئت رئتك رعبًا حين رأيت محمدًا وأصحابه، فقال له عتبة: إياي تعني يا مصفّر استه، ستعلم أينا أجبن، فنزل عن جمله وأتبعه أخوه شيبة، وابنه الوليد، فدعوا إلى البراز فذكر الحديث بطوله.
стр. 5228
صحيح: رواه أحمد (٩٤٨) والبزّار - كشف الأستار (١٧٦١) كلاهما من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي فذكره. وإسناده صحيح.
٢٦ - باب قتل أبي جهل وهو عمرو بن هشام
• عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت نحم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسبّ رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتَّى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها: قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قالما: فابتدراه فضرباه بسيفيهما، حتَّى قتلاه، ثمّ انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: "أيكما قتله؟ " فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: "هل مسحتما سيفيكما؟ " قالا: لا، فنظر في السيفين فقالما: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، (والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء).
متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (٣١٤١) ومسلم في الجهاد والسير (٤٢: ١٧٥٢) كلاهما عن يوسف بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده عبد الرحمن بن عوف أنه قال: فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتَّى برد، قال: فأخذ بلحيته فقالما: آنت أبو جهل؟ فقال: وهل فودتى رجل قتلتموه؟ أو قال: قتله قومه؟ قال: وقال أبو مجلز: قال أبو جهل فلو غير أكّارٍ قتلني.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٢٠)، ومسلم في الجهاد والسير (١١٨: ١٨٠٠) كلاهما من طريق إسماعيل ابن علية، حَدَّثَنَا سليمان التميمي حَدَّثَنَا أنس بن مالك قال (فذكره) واللّفظ لمسلم.
• عن عبد الله بن مسعود أنه أتى أبا جهل، وبه رمق يوم بدر، فقال أبو جهل: هل أعمد من رجلٍ قتلتموه؟
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٦١) عن ابن نمير (هو محمد بن عبد الله بن نمير) حَدَّثَنَا
стр. 5229
أبو أسامة، حَدَّثَنَا إسماعيل (هو ابن أبي خالد)، أخبرنا قيس (هو ابن أبي حازم)، عن عبد الله (هو ابن مسعود) أنه أتى (فذكره).
قوله: "أعمد" بالمهملة أفعل تفضيل من عمد أي هلك.
ولا يصح ما رواه أبو عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود قال: انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله، وهو صريع، وهو يذبّ الناس عنه بسيف له، فقلت: الحمد الله الذي أخزاك يا عدو الله! فقال: هل هو إِلَّا رجل قتله قومه؟ ! قال: فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل، فأصبت يده، فندر سيفه، فأخذته، فضربته به حتَّى قتلته، قال: ثمّ خرجت حتَّى أتيت النَّبِي ﷺ كأنما أقلّ من الأرض، فأخبرته، فقال: "آلله الذي لا إله إِلَّا هو"فرددها ثلاثًا، قال: قلت: آلله الذي لا إله إِلَّا هو، قال: فخرج يمشي معي، حتَّى قام عليه، فقال: "الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، هذا كان فرعون هذه الأمة" قال (يعني وكيع): وزاد فيه أبي، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: فنفّلني سيفه".
رواه الإمام أحمد (٤٢٤٦) عن وكيع، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، قال: قال عبد الله، فذكره.
ورواه أيضًا (٣٨٢٤) من وجه آخر عن شريك، عن أبي إسحاق.
وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.
ورواه أبو داود (٢٧٢٢) من وجه آخر عن وكيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: نفّلني رسول الله ﷺ يوم بدر سيف أبي جهل كان قتله.
ووالد وكيع هو الجراح بن مليح تكلم فيه غير واحد من أهل العلم، والخلاصة فيه أنه لا يقبل تفرده.
٢٧ - باب قتل عبيدة بن سعيد بن العاص المكنى بأبي ذات الكرش يوم بدر
• عن عروة بن الزُّبير قال: قال الزُّبير: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يُرى منه إِلَّا عيناه وهو يكنى أبا ذات الكرش فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة فطعنت في عينه فمات، قال هشام: فأخبرت أن الزُّبير قال: لقد وضعت رجلي عليه ثمّ تمطأت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه، فلمّا قبض رسول الله ﷺ أخذها، ثمّ طلبها أبو بكر فأعطاه، فلمّا قبض أبو بكر سألها إياه عمر فأعطاه إياها فلمّا قبض عمر أخذها، ثمّ طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلمّا قتل عثمان وقدت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزُّبير، فكانت عنده حتَّى قتل.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٩٨) عن عبيد بن إسماعيل، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن
стр. 5230
هشام بن عروة عن أبيه قال: قال الزُّبير: فذكره.
قوله: "مدجّج" أي مغطى بالسلاح ولا يظهر منه شيء.
٢٨ - باب قتل أمية بن خلف
• عن عبد الرحمن بن عوف قال: كاتبت أمية بن خلف كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلمّا ذكرت "الرحمن" قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته "عبد عمرو" فلمّا كان يوم بدر خرجت إلى جبل لأَحرزه حين نام الناس، فأبصر بلال، فخرج حتَّى وقف على مجلس من الأنصار فقال: أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلمّا خشيت أن يلحقونا خلّفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه، ثمّ أبوا حتَّى يتبعونا - وكان رجلًا ثقيلًا - فلمّا أدركونا قلت له: ابرك، فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتجلّلوه بالسيوف من تحتي حتَّى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه.
صحيح: رواه البخاري في الوكالة (٢٣٠١) عن عبد العزيز بن عبد الله قال: حَدَّثَنِي يوسف بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: فذكره.
وذكره ابن إسحاق في السيرة عن عبد الرحمن بن عوف بأطول من هذا فقال: حَدَّثَنِي يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، وقال ابن إسحاق: وحدثنيه أيضًا عن عبد الله بن أبي بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال: فذكر القصة مطولًا. سيرة ابن هشام (١/ ٦٣١ - ٦٣٢)
• عن عبد الله بن مسعود قال: أوّل سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ قال: فسجد رسول الله ﷺ وسجد من خلفه إِلَّا رجلًا رأيته أخذ كفًّا من ترابٍ فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا، وهو أمية بن خلف.
متفق عليه: أخرجه البخاري في التفسير (٤٨٦٣) ومسلم في المساجد ومواضع الصّلاة (٥٧٦: ١٠٥) كلاهما من طريق أبي إسحاق (هو السبيعي) قال سمعت الأسود بن يزيد، عن عبد الله (وهو ابن مسعود) قال: فذكره.
وعندما طُرح قتلى المشركين في قليب بدر لم يطرح معهم، لأنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه فتزايل لحمه، فأقروه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة. سيرة ابن هشام (١/ ٦٣٩ - ٦٣٨).
стр. 5231
٢٩ - باب قتل عقبة بن أبي معيط صبرًا وهو في الطريق إلى المدينة
• عن إبراهيم قال: أراد الضَّحَّاك بن قيس أن يستعمل مسروقًا فقال له عمارة بن عقبة: أتستعمل رجلًا من بقايا قتلة عثمان؟ فقال له مسروق: حَدَّثَنَا عبد الله بن مسعود - وكان في أنفسنا موثوق الحديث - أن النَّبِي ﷺ لما أراد قتل أبيك قال: من للصِّبية؟ قال: "النّار"، فقد رضيت لك ما رضي لك رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه أبو داود (٢٦٨٦) والحاكم (٢/ ١٢٤) كلاهما من حديث عبد الله بن جعفر الرقي، قال أخبرني عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم فذكره. وإسناده صحيح.
قال الحاكم: صحيح على شرطهما.
• عن ابن عباس قال: فادى رسول الله ﷺ أسارى بدر، وكان فداء كل رجل منهم أربعة آلاف، وقتل عقبة بن أبي معيط قبل الفداء، قام إليه علي بن أبي طالب فقتله صبرا، قال: من للصبية يا رسول الله؟ قال: "النّار".
صحيح: رواه عبد الرزّاق (٩٣٩٤) ومن طريقه الطبراني (١١/ ٤٠٦ - ٤٠٧) عن معمر، عن قتادة. قال: وأخبرني عثمان الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح.
ومعنى قول النَّبِي ﷺ : "النّار": أي أنت لك النّار، وأمّا الصبية فاتركهم فالله كافلهم، لأن عقبة بن أبي معيط هذا هو الشقي الذي ألقى سلا الجزور على ظهر رسول الله ﷺ وهو يُصَلِّي في بيت الله.
وقيل: النّار أي في ذلك الوقت؛ لأن عقبة بن أبي معيط وأولاده كانوا في حالة الكفر في ذلك الحين، فلمّا أسلم أولاده خرجوا من هذا الوعيد، ويكون قول مسروق في غير محله.
قلت: ولم يقتل صبرًا من الأسرى إِلَّا عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأمّا طُعيمة بن عدي فقد قتل في المعركة. هكذا قال أبو عبيد في الأموال (١٧١).
وأمّا ما روي في قتل طعيمة بن عدي صبرًا فكله ضعيف لإرساله.
٣٠ - باب ما ذكر في الريح العقيم أرسلت على المشركين
وأمّا ما رُوي عن ابن عباس أنه قال: أخذتهم يوم بدر ريح عقيم، فهو ضعيف.
رواه البزّار - كشف الأستار (١٧٨٢) والطَّبراني في الكبير (١١/ ٤٤٤) كلاهما من حديث أحمد بن يحيى الأحول، ثنا أبو عبيدة بن معن، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٧٨) بعد أن عزاه إلى البزّار وحده: رجاله ثقات.
قلت: بل فيه أحمد بن يحيى الأحول ضعيف وإن كان ذكره ابن حبَّان في "الثّقات" (٨/ ٢٤)
стр. 5232
وقال فيه: يخالف ويخطئ.
ونقل الذّهبي في الميزان (١/ ١٦٢) قول الدَّارقطني بأنه ضعيف.
وقال: "هو أحمد بن يحيى بن المنذر شيخ موسى بن إسحاق ومطين، ليس بشيء" انتهى.
٣١ - باب مصارع المشركين يوم بدر
• عن أنس بن مالك قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلًا حديد البصر، فرأيته، وليس أحد يزعم أنه رآه غيري، قال: فجعلت أقول لعمر: أما تراه؟ فجعل لا يراه، قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي، ثمّ أنشأ يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: "هذا مصرع فلان غدًا، إن شاء الله" قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق! ما أخطؤوا الحدود التي حد رسول الله ﷺ قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتَّى انتهى إليهم فقال: "يا فلان بن فلان! ويا فلان بن فلان! هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني الله حقًّا".
قال عمر: يا رسول الله! كيف تكلّم أجسادًا لا أرواح فيها؟ قال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ شيئًا".
صحيح: رواه مسلم في الجنّة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٧٣: ٧٦) من طرق عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: فذكره.
٣٢ - باب من قتل من المشركين في غزوة بدر
• عن عبد الله بن مسعود قال: استقبل رسول الله ﷺ البيت، فدعا على ستة نفر من قريش، فيهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر قد غيرتهم الشّمس، وكان يومًا حارًّا.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٦٠) ومسلم في الجهاد والسير (١١٠: ١٧٩٤) كلاهما من طريق زهير (هو ابن معاوية) حَدَّثَنَا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود قال: فذكره. واللّفظ لمسلم.
قوله: "فدعا على ستة نفر من قريش" لم يذكر إِلَّا الخمسة أما السادس فهو الوليد بن عتبة كما عند البخاري.
• عن ابن عباس، قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف: لو قد رأينا محمدًا، لقد قمنا إليه قيام
стр. 5233
رجل واحد، فلم نفارقه حتَّى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة ﵂ تبكي، حتَّى دخلت على رسول الله ﷺ ، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش، قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك، لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إِلَّا قد عرف نصيبه من دمك. فقال: يا بنية! أريني وضوءًا، فتوضأ، ثمّ دخل عليهم المسجد، فلمّا رأوه، قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله ﷺ حتَّى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: "شاهت الوجوه" ثمّ حصبهم بها، فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إِلَّا قتل يوم بدر كافرًا.
حسن: رواه أحمد (٢٦٧٢)، وابن حبَّان (٦٥٠٢)، وصحّحه الحاكم (١/ ١٦٣) كلّهم من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن عثمان بن خُثيم فإنه حسن الحديث.
ورواه أبو بكر بن عَيَاش عن عبد الله بن عثمان بهذا الإسناد واختلف عليه:
فمرة رواه عن عبد الله بن عثمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس كما رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٢٤٠). وقد توبع على هذا الوجه كما تقدّم.
ومرة رواه عن عبد الله بن عثمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن فاطمة كما رواه الحاكم (٣/ ١٥٧). ولم يُتابع على هذا الوجه فلعله من سوء حفظه لأنه لما كبَّر ساء حفظه. ويقال: وممن قتل يوم بدر عامر بن عبد الله بن الجراح قتله ولده أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] إِلَّا أنه منكر. رواه الطبراني في الكبير (١/ ١١٧ - ١١٨) والحاكم (٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥) كلاهما من طريق أسد بن موسى، ثنا ضمرة، عن ابن شوذب، قال: جعل أبو أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، فجعل أبو عبيدة يُحيد عنه، فلمّا أكثر قصده أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية.
وابن شوذب هو عبد الله بن شوذب الخراساني وثّقه ابن معين والنسائي، ولكن بينه وبين أبي عبيدة بون شاسع، فإنه مات سنة ست أو سبع وخمسين بعد المائة وهو من رجال التهذيب. ولذا قال الحافظ في الإصابة (٥/ ٥٠٩) رواه الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب. وقال في الفتح (٧/ ٩٣): رواه الطبراني وغيره من طريق عبد الله بن شوذب مرسلًا" وقال في التلخيص (٤/ ١٠٢): "وهذا معضل وكان الواقدي ينكره ويقول: مات والد أبي عبيدة قبل الإسلام".
стр. 5234
٣٣ - باب نداء رسول الله ﷺ بأسماء قتلى بدر بعد إلقائهم في القليب
• عن أبي طلحة أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوىً من أطواء بدر خبيث مخبث. وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرْصة ثلاث ليالٍ. فلمّا كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشدّ عليها رحلها، ثمّ مشى واتّبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إِلَّا لبعض حاجته حتَّى قام على شفة الرّكي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ " قال: فقال عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله ﷺ "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم".
قال قتادة: أحياهم الله حتَّى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقيمة وحسرة وندمًا.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٦) ومسلم في الجنّة وصفة نعيمها وأهلها (٧٨: ٢٨٧٥) كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، من أنس بن مالك، عن أبي طلحة (هو زيد بن سهل الأنصاري) قال: فذكره. والسياق للبخاري، واختصره مسلم.
قوله: "على شفة الركيّ" أي طرف البئر، والركيّ بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد آخره: البئر قبل أن تطوى.
قوله: "في طويّ من أطواء بدر" طوي: وهي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار. ويجمع بين الروايتين بأنها كانت مطوية فاستهدمت فصارت كالركي. انظر: الفتح (٧/ ٣٠٢) قوله: "أقام بالعرصة ثلاث ليال" العرصة: الساحة أو البقعة الواسعة.
وعدد قتلى المشركين كان سبعين. فلعل الآخرين دفنوا في أماكن أخرى.
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثمّ أتاهم فقام عليهم، فناداهم، فقال: "يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا" فسمع عمر قول النَّبِي ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف يسمعوا وأنّى يجيبوا وقد جيفوا؟ قال: "والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا" ثمّ أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر.
صحيح: رواه مسلم في الجنّة وصفة نعيمها وأهلها (٧٧: ٢٨٧٤) عن هدّاب بن خالد، حَدَّثَنَا حمّاد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك فذكره.
стр. 5235
قوله: "فأُلقوا في قليب بدر" لم يكن أمية بن خلف في القليب لأنه كان ضخمًا فانتفخ وتقطّعت أوصاله بعد الجرّ فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيبه، لكنه كان قريبًا من القليب فنودي فيمن نودي.
• عن ابن عمر قال: وقف النَّبِي ﷺ على قليب بدر فقال: "هل وجدتم ما وعد ربّكم حقًّا؟ " ثمّ قال: "إنَّهم الآن يسمعون ما أقول"، فذكر لعائشة فقالت: إنّما قال النَّبِي ﷺ : "إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق". ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] حتَّى قرأت الآية.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٨٠) ومسلم في الجنائز (٢٦: ٩٣٢) كلاهما من طريق هشام، عن أبيه، عن ابن عمر قال: فذكره.
• عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب، فطرحوا فيه، إِلَّا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه، فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل، فأقروه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلمّا ألقاهم في القليبٍ، وقف عليهم رسول الله ﷺ فقال: "يا أهل القليب، هل وجدتم ما عدكم ربّكم حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا" قال: فقال له أصحابه: يا رسول الله! أتكلم قومًا موتى؟ ! فقال لهم: "لقد علموا أن ما وعدتهم حق" قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال رسول الله ﷺ : "لقد علموا".
حسن: رواه أحمد (٢٦٣٦١)، وابن حبَّان (٧٠٨٨)، والحاكم (٣/ ٢٢٤) كلّهم من حديث محمد بن إسحاق قال: أخبرني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة قالت: فذكرته وهو عند ابن هشام (١/ ٦٣٨).
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرّح.
ثمّ لفظ الحاكم يختلف عن هذه، وإليكم ذكره كاملًا:
قالت عائشة: لما أمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه، وأخذ عتبة بن ربيعة، فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله ﷺ إلى وجه أبي حذيفة بن عتبة، فإذا هو كئيب، قد تغير لونه، فقال: "يا أبا حذيفة! لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟ " أو كما قال ﷺ فقال: لا والله يا رسول الله! ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلمّا رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له: "خيرًا" انتهى.
وقصة أبي حذيفة ذكرها ابن إسحاق بقوله: فيما بلغني كما هو عند سيرة ابن هشام (١/
стр. 5236
٦٤٠، ٦٣٨) فالله أعلم بالصواب.
وأبو حذيفة هو ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر هجرتين، وصلى إلى القبلتين، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية والمشاهد كلها، وقتل يوم اليمامة شهيدًا. وهو الذي تبنى سالمًا كما تبنى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، فكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه فأنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، فلمّا أنزل الله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] رد كل أحد تبنّى ابنًا من أولئك إلى أبيه، ومن لم يعرف أبوه رد إلى مواليه.
وقصته في الرضاع مشهورة، فإن سهلة بنت سهيل زوجة أبي حذيفة أتت لرسول الله ﷺ فقالت: إن سالمًا بلغ ما يبلغ الرجال، وإنه يدخل عليّ، وأظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا، فقال: "أرضعيه تحرمي عليه" رواه مسلم كما سبق.
٣٤ - باب عدد المشركين الذين قُتِلوا وأُسِروا في بدر
• عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ يحدّث قال: جعل النَّبِي ﷺ على الرجالة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير، فقال: "إنَّ رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتَّى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتَّى أرسل إليكم"، فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب ابن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فلمّا أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النَّبِي ﷺ غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان النَّبِي ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلا ... الحديث.
صحيح: رواه البخاري في الجهاد والسير (٣٠٣٩) عن عمرو بن خالد، حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا أبو إسحاق (هو السبيعي) قال: سمعت البراء بن عازب يحدّث قال: فذكره.
٣٥ - باب أمر النَّبِي ﷺ بأسر بني عبد المطلب دون قتلهم
• عن علي قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "من استطعتم أن تأسروا من بني عبد المطلب، فإنهم خرجوا كُرهًا".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٦٧٦) عن أبي سعيد، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة
стр. 5237
ابن مضرّب، عن علي فذكره. وإسناده صحيح.
وأمّا ما رواه ابن إسحاق قال: حَدَّثَنِي العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لأصحابه يومئذ: "إنِّي قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا".
وذكر منهم: أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد والعباس بن عبد المطلب.
فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا، ونترك العباس، والله لئن لقيته لأُلحمنّه السيف، قال: فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطّاب: "يا أبا حفص! أيُضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟ " فقال عمر: يا رسول الله! دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله! لقد نافق. فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ. ولا أزال منها خائفًا إِلَّا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا. فهو ضعيف؛ فإن فيه رجالا لا يعرفون.
وأمّا أبو البختري فكان أكف القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش علي بني هاشم وبني المطلب، فلقيه المجذّر بن زياد البلوي حليف الأنصار. فقال المجذّر لأبي البختري: إن رسول الله ﷺ قد نهانا عن قتلك، ومع أبي البختري زميل له، قد خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة بنت زهير بن الحارث بن أسد، فقال: وزميلي؟ فقال له المجذر: لا والله ما نحن بتارك زميلك، ما أمرنا رسول الله ﷺ إِلَّا بك وحدك، فقال: لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعًا. لا تتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصًا على الحياة.
ثمّ إن المجذّر أتى رسول الله ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر، فآتيك به فأبى إِلَّا أن يقاتلني، فقاتلته فقتلته.
٣٦ - العباس بن عبد المطلب أسره ملك كريم
• عن علي بن أبي طالب قال: جاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله! إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجْلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله! فقال: "اسكت، فقد أيدك الله تعالى بملك كريم" قال علي: فأسرنا من بني عبد المطلب: العباس، وعقيلًا، ونوفل بن الحارث.
صحيح: رواه أحمد (٩٤٨) عن حجَّاج، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي فذكره في حديث طويل. وإسناده صحيح.
стр. 5238
٣٧ - باب استشارة النَّبِي ﷺ في أسرى بدر
• عن ابن عباس قال: فلمّا أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قُوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطّاب؟ " قلت: لا، والله! يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنّا فنضرب أعناقهم، فتمكّن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنّي من فلان (نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلمّا كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عرض عليّ أصحابك، من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة" (شجرة قريبة من نبي الله ﷺ ) وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إِلَى قَولِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فأحلّ الله الغنيمة لهم.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٥٨: ١٧٦٣) من طرق عن عكرمة بن عمار، حَدَّثَنِي أبو زميل سماك الحنفي، حَدَّثَنِي عبد الله بن عباس قال: حَدَّثَنِي عمر بن الخطّاب قال: فذكر الحديث بطوله كما هو مذكور في موضعه.
ورواه الإمام أحمد (٢٠٨) عن أبي نوح قراد، قال: أخبرنا عكرمة بن عمار بإسناده أطول من هذا.
• عن ابن عمر قال: استشار رسول الله ﷺ في الأسارى أبا بكر فقال: قومك وعشيرتك فخل سبيلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم قال: فغداهم رسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إِلَى قَولِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] قال: فلقي النَّبِي ﷺ عمر قال: "كاد أن يصيبنا في خلافك بلاء".
حسن: رواه الحاكم (٢/ ٣٢٩) عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر فذكره.
قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الذّهبي: على شرط مسلم.
قلت: وهو كما قال غير أن إبراهيم بن مهاجر البجلي وإن كان من رجال مسلم إِلَّا أنه مختلف فيه
стр. 5239
فقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن حبَّان: كثير الخطأ، ومشّاه الآخرون. وبه صار الإسناد حسنًا.
• عن أنس - وذكر رجلًا عن الحسن - قال: استشار رسول الله ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: "إنَّ الله قد أمكنكم منهم" قال: فقام عمر بن الخطّاب، فقال: يا رسول الله! اضرب أعناقهم، قال: فأعرض عنه النَّبِي ﷺ قال: ثمّ عاد رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس! إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس" قال: فقام عمر، فقال: يا رسول الله! اضرب أعناقهم، قال: فأعرض عنه النَّبِي ﷺ ، قال: ثمّ عاد النَّبِي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر، فقال: يا رسول الله! نرى أن تعفو عنهم، وتقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم، قال: فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، قال: وأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨].
حسن: رواه أحمد (١٣٥٥٥) عن علي بن عاصم، عن حميد، عن أنس فذكره.
ورُوي مرسلًا عن الحسن كما هو، إِلَّا أن الراوي عن الحسن لم يُسم.
وإسناده حسن من أجل علي بن عاصم هو ابن صُهيب الواسطي وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم إِلَّا أن العجلي وثّقه، وكان أحمد لا يرى بأسًا بالرواية عنه.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حَدَّثَنِي أبي قال: قال وكيع وذكر علي بن عاصم فقال: خذوا من حديثه ما صحّ ودعوا ما غلط، أو ما أخطأ فيه.
قال عبد الله: "كان أبي يحتج بهذا ويقول: كان يغلط ويخطئ، وكان فيه لجاج، ولم يكن متهما بالكذب".
وهذا الحديث مما لم يخطئ فيه.
وبمعناه ما رُوي عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ : "ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ " قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله! قومك وأهلك، استبقهم، واستأن بهم، لعل الله أن يتوب عليهم، قال: وقال عمر: يا رسول الله! أخرجوك وكذبوك، قربهم فاضرب أعناقهم، قال: وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! انظر واديًا كثير الحطب، فأدخلهم فيه، ثمّ أضرم عليهم نارًا، قال: فقال العباس: قطعت رحمك، قال: فدخل رسول الله ﷺ ولم يردّ عليهم شيئًا، قال: فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. قال: فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ الله ليلين قلوب الرجال فيه، حتَّى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه، حتَّى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومثلك يا
стр. 5240
أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] أنتم عالة فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق".
قال عبد الله: فقلت: يا رسول الله، إلا سهيل ابن بيضاء، فإني قد سمعته يذكر الإسلام، قال: فسكت قال: فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليّ حجارة من السماء في ذلك اليوم حتى قال: "إلا سهيل ابن بيضاء" قال: فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨].
رواه أحمد (٣٦٣٢) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود فذكره.
ورواه الترمذي (١٧١٤)، (٣٠٨٤) من طريق أبي معاوية به، إلا أنه لم يذكر القصة بطولها.
ورواه أحمد (٣٦٣٤) عن حسين - يعني ابن محمد - حدثنا جرير - يعني ابن حازم - عن الأعمش ... فذكر نحوه. إلا أنه قال: فقام عبد الله بن جحش، فقال: يا رسول الله! أعداء الله، كذبوك، وآذوك، وأخرجوك، وقاتلوك، وأنت بواد كثير الحطب، فاجمع لهم حطبًا كثيرًا، ثم أضرمه عليهم، وقال: سهل بن بيضاء.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.
وكذلك جزم غير واحد من أهل العلم بأنه لم يسمع من أبيه، بل وقد صرّح هو بنفسه بأنه لم يسمع من أبيه، ولكن قال بعض أهل العلم: إنه حديث أهل البيت ولم يأت في حديثه ما ينكر عليه.
وللحديث طرق أخرى عن ابن مسعود، لكنها أشد ضعفًا من هذه.
وقوله (سهيل ابن بيضاء) كذا في حديث أبي معاوية، وجاء في حديث جرير بن حازم: (سهل ابن بيضاء) وهذا هو الصواب.
قال ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٣١): "والذي روى هذه القصة في سهيل ابن بيضاء قد أخطأ، سهيل ابن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود ولم يستخف بإسلامه، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا مع رسول الله ﷺ مسلما لا شك فيه، فغلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه، لأن سهيلا أشهر من أخيه سهل، والقصة في سهل، وأقام سهل بالمدينة بعد ذلك، وشهد مع النبي ﷺ بعض المشاهد، وبقي بعد النبي ﷺ . اهـ
وقوله: (عبد الله بن رواحة) كذا جاء في حديث أبي معاوية، وجاء في حديث جرير: (عبد الله
стр. 5241
ابن جحش) بدل (عبد الله بن رواحة) قال الطبراني (١٠٢٥٩): والصواب عبد الله بن جحش.
وأما ما رُوي عن علي، أن رسول الله ﷺ قال: "إن جبرائيل هبط عليه فقال له: خيّرهم - يعني أصحابك - في أسارى بدر القتل أو الفداء على أن يقتل منهم قابل مثلهم، قالوا: الفداء، ويقتل منا".
وفي رواية: "خيرهم - يعني أصحابك - في الأسارى إن شاؤوا الفداء على أن يُقتل العام المقبل منهم عدتهم قالوا: الفداء، ويقتل منا عدتهم". فهو معلول سندًا ومتنًا. رواه الترمذي (١٥٦٧) وابن حبان في صحيحه (٤٧٩٥) كلاهما من حديث أبي داود الحفري (وهو عمرو بن سعد) قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد الثوري، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبيدة (وهو ابن عمرو السلماني) عن علي فذكره.
واللفظ للترمذي، واللفظ الثاني لابن حبان.
وأعله الترمذي فقال: "هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. وروى أبو أسامة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن النبي ﷺ نحوه. وروى ابن عون عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن النبي ﷺ مرسلا. وأبو داود الحفري اسمه: عمر بن سعد" اهـ.
فتفرد ابن أبي زائدة مع كونه ثقة دون أصحاب الثوري محل نظر.
ثم الاختلاف في الوصل والإرسال، قال البخاري: "روى أكثر الناس هذا الحديث عن ابن سيرين، عن عبيدة مرسلا". (علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٧١).
وقال الدارقطني: "المرسل أشبه بالصواب". (العلل ٤/ ٣١).
وزدْ على ذلك كله أن في معناه غرابة؛ فإن التخيير لو حصل للنبي ﷺ من الوحي لما جاءت المعاتبة على اختياره الفداء دون القتل في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] ومن حاول الجمع فقد تكلف.
وقوله: "قابل" أي في العام المقبل يقتل من المسلمين مثل هذا العدد.
٣٨ - مقدار فداء أسرى بدر
• عن ابن عباس قال: فادى النبي ﷺ بأسارى بدر، فكان فداء كل واحد منهم أربعة آلاف.
صحيح: رواه عبد الرزاق (٩٣٩٤) ومن طريقه الطبراني في الكبير (١١/ ٤٠٦ - ٤٠٧) عن معمر، عن قتادة، قال: وأخبرني عثمان الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح.
وعثمان الجزري فيه كلام ولكنه توبع. وذكر الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٨٩) وقال: "رواه
стр. 5242
الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح".
وقال ابن هشام في سيرته (١/ ٦٦٠): كان فداء المشركين يومئذ أربعة آلاف درهم للرجل إلى ألف درهم إلا من لا شيء له، فمنّ رسول الله ﷺ عليه.
• عن عبد الله بن الزبير قال: كانت قريش ناحتْ قتلاها، ثم ندمتْ، وقالوا: لا تنوحوا عليهم فيبلغ ذلك محمدًا وأصحابه، فيشمتوا بكم. وكان في الأسرى أبو وداعة بن صبيرة السهمي، فقال رسول الله ﷺ : "إن له بمكة ابنا تاجرًا كيّسًا ذا مال كأنكم به قد جاءكم في فداء أبيه" فلما قالت قريش في الفداء ما قالت، قال المطلب: صدقتم والله لئن فعلتم ليتأرَّبُ عليكم، ثم انسل من الليل، فقدم المدينة، ففدى أباه بأربعة ألف درهم.
حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤) من وجهين عن جرير بن حازم قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٩٠): "رواه الطبراني ورجاله ثقات".
قلت: إسناده حسن من أجل ابن إسحاق، ومن هذا الطريق رواه أيضًا الضياء في المختارة (٩/ ٣١٢ - ٣١٣).
ولكن ذكره ابن هشام في سيرته (١/ ٦٤٧ - ٦٤٨) عن محمد بن إسحاق مرسلًا، أي لم يذكر فيه "عبد الله بن الزبير".
وأما ما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربع مائة فإن فيه شذوذًا.
رواه أبو داود (٢٦٩١) والنسائي في الكبرى (٨٦٠٧) والحاكم (٢/ ١٢٥) والبيهقي (٦/ ٣٢١ - ٣٢٢) من طريق عبد الرحمن بن المبارك العيشي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس فذكره.
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرطهما.
قلت: ليس كما قالا، فإن أبا العنبس وهو الكوفي الأكبر ليس من رجال الشيخين، ولم يوثّقه أحد، ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم يتابع على ذلك، وفي قوله: أربع مائة: نكارة وشذوذ. والمحفوظ: أربعة آلاف كما سبق.
٣٩ - فداء العباس بن عبد المطلب
• عن أنس أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، قال: "والله لا تذرون منه درهمًا".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠١٨) عن إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فليح،
стр. 5243
عن موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: حدثنا أنس فذكره.
• عن عائشة قالت: قال العباس: إني كنت مسلمًا يا رسول الله! قال: "الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فالله يجزيك فافد نفسك، وابني أخويك نوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وحليفك عتبة بن عمرو"قال: ما ذاك عندي يا رسول الله! قال: "فأين المال الذي دفنت أنت وأم الفضل، فقلت لها: إن أصبت فهذا المال لبني الفضل، وعبد الله وقثم" فقال: والله يا رسول الله إني أشهد أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسول الله ﷺ : "أفعل" ففدى العباس نفسه وابني أخويه وحليفه، وأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠] فأعطاني مكان العشرين من الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله .
حسن: رواه الحاكم (٣/ ٣٢٤) وعنه البيهقي (٦/ ٣٢٢) من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه صرّح بالتحديث.
وروى محمد بن إسحاق هذه القصة من أوجه أخرى عن ابن عباس. رواه أحمد (٣٣١٠) وفيه رجل لم يسم، وفي الأخرى عن يزيد بن رومان عن عروة، عن الزهري وجماعة سماهم. ورواه البيهقي في الدلائل (٣/ ١٤٢) نحوه، وهذه تقوي ما سبق.
٤٠ - باب جعل رسول الله ﷺ فداء بعض الأسرى أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة
• عن ابن عباس قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، قال: فجاء غلام يومًا يبكي إلى أبيه، فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي، قال: الخبيث يطلب بذهل بدر، والله لا تأتيه أبدًا.
حسن: رواه أحمد (٢٢١٦) عن علي بن عاصم، والبيهقي (٦/ ٣٢٢) من طريق علي بن عاصم وخالد بن عبد الله - كلاهما عن داود بن أبي هند، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
стр. 5244
وإسناده حسن من أجل علي بن عاصم؛ فإنه ضعيف عند أكثر أهل العلم إلا أن الإمام أحمد كان حسن الرأي فيه، وقد توبع.
وقوله: الذهْل: الثأر أو العداوة والحقد.
وروى ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٢) عن عامر الشعبي مرسلًا: قال: أسر النبي ﷺ يوم بدر سبعين أسيرًا، وكان يفادي بهم على قدر أموالهم، وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون. فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداؤه.
وقال: فكان زيد بن ثابت ممن علّم. انتهى.
وقال ابن الطلاع في أقضية رسول الله ﷺ (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦): "وربما فودي على أن يعلم عددًا من المسلمين الكتابة، روي عن النبي ﷺ يعلم عشرة من المسلمين الكتابة، قال ابن وهب: "لأن أهل المدينة لم يكونوا يحسنون الخط".
٤١ - باب ممّن مُنّ عليه بغير فداء أبو العاص بن الربيع زوج بنت رسول الله ﷺ -
• عن عائشة قالت: لما بعت أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها، كانت عند خديجة، أدخلتها بها على أبي العاص، قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقّة شديدة، وقال: "أرأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا الذي لها؟ " فقالوا: نعم، وكان رسول الله ﷺ أخذ عليه - أو وعده - أن يخلّي سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال: "كونوا ببطن (يأجج) حتى تمرّ بكما زينب، فتصحباها حتى تأتيا بها".
حسن: رواه أبو داود (٢٦٩٢) وأحمد (٢٦٣٦٢) وابن الجارود (١٠٩٠) والحاكم (٣/ ٢٣ و ٢٣٦ و ٤/ ٤٤ - ٤٥) والبيهقي كلهم من طرق عن محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة زوج النبي ﷺ فذكرته. والسياق لأبي داود، وهو في سيرة ابن هشام (١/ ٦٥٣).
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، فإنه حسن الحديث إذا صرّح.
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم.
وممن مُنّ عليهم أيضًا بغير فداء: المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيدة بن عمر بن مخزوم، كان لبعض بني الحارث بن الخزرج فترك في أيديهم حتى خلّوا سبيله، فلحق بقومه.
وصيفي بن أبي رفاعة من بني مخزوم، ترك في أيدي أصحابه، فلما لم يأت أحد في فدائه أخذوا عليه ليبعثن إليهم بفدائه، فخلّوا سبيله، فلم يف لهم بشيء.
وأبو عزة وهو عمرو بن عبد الله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جُمح كان محتاجًا ذا بنات،
стр. 5245
فكلم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! لقد عرفت ما لي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال، فامنن علي، فمنّ عليه رسول الله ﷺ وأخذ عليه ألّا يظاهر عليه أحدًا فقال أبو عزة في ذلك يمدح رسول الله ﷺ :
من مبلغ عني الرسول محمدًا ... بأنك حق والمليك حميد
وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى ... عليك من الله العظيم شهيد
سيرة ابن هشام (١/ ٦٥٩ - ٦٦٠)
٤٢ - قبول النبي ﷺ شفاعة المطعم لو كان حيًا
• عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عديّ حيًّا ثم كلّمني في هؤلاء النّتْنى لتركتهم له".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٢٤) عن إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه فذكره.
وقوله: "النتنى" جمع نتن بالنون وهم أسارى بدر من المشركين.
والمطعم والد جبير ممن دخل النبي ﷺ في جواره عندما رجع من الطائف، فإن المطعم أمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح، وقام كل واحد منهم عند ركن من الكعبة، فبلغ ذلك قريشًا، فقالوا له: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمته، وكان مطعم من أشد من قام في نقض الصحيفة التي كتبها قريش علي بني هاشم، ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشعب.
ومات المطعم بن عدي قبل وقعة بدر، وله بضع وتسعون سنة.
وفي أحاديث الأبواب السابقة دليل على أن الإمام مخير في الأسارى البالغين، إن شاء منّ عليهم، وأطلقهم من غير فداء، وإن شاء فاداهم بمال معلوم، وإن شاء قتلهم، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وهو قول الأوزاعي وسفيان وغيرهم من أهل العلم.
٤٣ - باب ما رُوي في اختلاف الصحابة في غنائم بدر
رُوي عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي ﷺ ، فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس، فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبّت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ ، وخفنا أن
стр. 5246
يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] فقسمها رسول الله ﷺ على فواق بين المسلمين، قال: وكان رسول الله ﷺ إذا أغار في أرض العدو نفّل الربع، وإذا أقبل راجعًا وكُلُّ الناسِ، نفّل الثلث، وكان يكره الأنفال، ويقول: "ليردّ قوي المؤمنين على ضعيفهم"
رواه أحمد (٢٢٧٦٢) عن معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن عياش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلّام عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت فذكره.
ورواه محمد بن إسحاق فقال: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسمّه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواء، يقول: على السواء. سيرة ابن هشام (١/ ٦٤٢).
ورواه أيضًا الترمذي (١٥٦١) وابن ماجه (٢٨٥٢) وابن حبان (٤٨٥٥) والحاكم (٢/ ١٣٥) كلهم من حديث عبد الرحمن بن الحارث بهذا الإسناد واختصره بعضهم.
وقال الترمذي: حديث عبادة حسن.
وقال الحاكم بعد أن رواه من حديث إسماعيل بن جعفر، حدثني عبد الرحمن بن الحارث بإسناده: صحيح على شرط مسلم، وله شاهد من حديث محمد بن إسحاق القرشي.
وهؤلاء جميعًا زادوا في الإسناد "مكحول" بين سليمان بن موسى وأبي أمامة.
وأعل البخاري بأن سليمان بن موسى منكر الحديث، وقال: أنا لا أروي عنه شيئًا، روى سليمان بن موسى أحاديث عامتها مناكير وقال: هذا الحديث لا يصح، إنما روى هذه الحديث داود بن عمرو عن أبي سلام، عن النبي ﷺ مرسلًا" العلل الكبير للترمذي (٢/ ٦٦٥ - ٦٦٦).
٤٤ - عدد السهم للمهاجرين
• عن الزبير بن العوام قال: ضربت يوم بدر للمهاجرين بمائة سهم.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٢٧) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام (هو ابن يوسف الصنعاني)، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير قال: فذكره.
قال الحافظ ابن حجر: "العدد الذي ذكره هنا يغاير حديث البراء الذي فيه أن المهاجرين كانوا زيادة على ستين، فيجمع بينهما بأن حديث البراء أورده فيمن شهدها حسًّا، وحديث الباب فيمن شهدها حسًّا وحكمًا، ويحتمل أن يكون المراد بالعدد الأول الأحرار والثاني بانضمام مواليهم وأتباعهم. الفتح (٧/ ٣٢٦)
стр. 5247
٤٥ - كان أهل بدر يُفَضَّلون في العطاء
• عن قيس بن أبي حازم قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف، وقال عمر: لأفضلنّهم على من بعدهم.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٢٢) عن إسحاق بن إبراهيم، سمع محمد بن فضيل، عن إسماعيل (هو ابن أبي خالد) عن قيس قال: فذكره.
٤٦ - تقسيم النبي ﷺ الخمس لذوي القربى
• عن علي بن أبي طالب قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ ... الحديث بطوله.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٠٣) ومسلم في الأشربة (٢: ١٩٧٩) كلاهما من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبرني علي بن حسين بن علي أن حسين بن علي أخبره أن عليًا قال: فذكره.
٤٧ - قصة ذي الجوشن بعد الفراغ من بدر
رُوي عن ذي الجوشن قال: أتيت النبي ﷺ بعد أن فرغ من أهل بدر بابن فرس لي، فقلت: يا محمد، إني قد جئتك بابن القرحاء، لتتخذه، قال: "لا حاجة لي فيه، ولكن إن شئت أن أقيضك به المختارة من دروع بدر فعلت؟ " فقلت: ما كنت لأقيضك اليوم بغرة، قال: "فلا حاجة لي فيه" ثم قال: "يا ذا الجوشن، ألا تسلم فتكون من أول هذا الأمر" قلت: لا، قال: "لم؟ " قلت: إني رأيت قومك قد ولعوا بك! قال: "فكيف بلغك عن مصارعهم ببدر؟ " قال: قلت: بلغني قال: قلت: أن تغلب على مكة وتقطنها، قال: "لعلك إن عشت أن ترى ذلك" قال: ثم قال: "يا بلال! خذ حقيبة الرحل، فزوده من العجوة" فلما أن أدبرت قال: "أما إنه من خير بني عامر" قال: فوالله! إني لبأهلي بالغور إذ أقبل راكب، فقلت: من أين؟ قال: من مكة، فقلت: ما فعل الناس؟ قال: قد غلب عليها محمد ﷺ قال: قلت: هبلتني أمي، فوالله! لو أُسلم يومئذ ثم أسأله الحيرة، لأقطعنيها.
رواه أحمد (١٥٩٦٥) وابنه عبد الله في زوائده (١٥٩٦٦) وأبو داود (٢٧٨٦) من طرق عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني، عن أبيه، عن جده، عن ذي الجوشن فذكره. والسياق لأحمد: وليس عند أبي داود إلا طرفًا منه.
وفي سنده أبو إسحاق الهمداني، وهو المعروف بالسبيعي، ولم يسمع من ذي الجوشن كما قال أبو حاتم وغيره.
وقد روى سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن ذي الجوشن نحو هذا الحديث، وقال: فكان ابن ذي الجوشن جارًا لأبي إسحاق، لا أراه إلا سمعه منه. اهـ. ذكره عبد الله بن أحمد في زوائده
стр. 5248
على المسند (١٥٩٦٦/ ٢).
وابن ذي الجوشن هو شمر، وليس بأهل للرواية، كما قال الذهبي.
قال المنذري في مختصر السنن (٤/ ٩٠): قال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم لذي الجوشن غير هذا الحديث. ويقال: إن أبا إسحاق سمعه من شمر بن ذي الجوشن، عن أبيه، والله أعلم. هذا آخر كلامه. والحديث لا يثبت، فإنه دائر بين الانقطاع أو رواية من لا يعتمد على روايته. انتهى كلام المنذري.
٤٨ - باب إقامة النبي ﷺ ببدر ثلاثة أيام بعد الفتح وعودتُه إلى المدينة
• عن أبي طلحة قال: كان النبي ﷺ إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال،
فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وأتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم ... فذكر الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٦) عن عبد الله بن محمد، سمع روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة فذكره.
ورواه مسلم أيضًا (٢٨٧٥) إلا أنه لم يذكر موضع الشاهد.
وكان رحيله ﷺ من بدر ليلة الاثنين ومعه الأسارى وعليهم شقران والغنائم الكثيرة، وبعث بشيرين إلى المدينة.
وأما ما روي عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر: عليك العير ليس دونها شيء، قال: فناداه العباس بن عبد المطلب، إنه لا يصلح لك، قال: "ولم؟ " قال: لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. فهو منكر.
رواه الترمذي (٣٠٨٠) وأحمد (٢٠٢٢) والحاكم (٢/ ٣٢٧) كلهم من طريق إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: سماك عن عكرمة معروف بالاضطراب، ثم في متنه نكارة وهي أن الآية الكريمة ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] نزلت في بدر، فكيف عرف العباس بن عبد المطلب الذي جاء مع كفار مكة بهذه الآية الكريمة.
٤٩ - باب قدوم عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة على أهل المدينة بشيرَين بفتح المسلمين ببدر
• عن أبي أمامة بن سهل قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من بدر بعث بشيرَين إلى
стр. 5249
أهل المدينة، بعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل العالية يبشرونهم بفتح الله على نبيه ﷺ ، فوافق زيد بن حارثة ابنه أسامة حين سوى التراب على رقية بنت رسول الله ﷺ فقيل له: ذاك أبوك حين قدم. قال أسامة: فجئت وهو واقف للناس يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، ونبيه، ومنبه، وأمية بن خلف، فقلت: يا أبت أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بُني.
حسن: رواه الحاكم (٣/ ٢١٧ - ٢١٨) من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزام وصالح بن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه قال: فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق وهو مدلس ولكنه صرّح بالتحديث. ونبيه ومنبه هما ابنا الحجاج.
وأورده ابن هشام في سيرته (١/ ٦٤٢ - ٦٤٣) من وجه آخر نحوه وزاد فيه ممن قتل من رؤساء قريش: "وزمعة بن الأسود، وأبو البختري العاص بن هشام".
• عن أسامة بن زيد أن النبي ﷺ خلّف عثمان بن عفان وأسامة بن زيد على رقية بنت رسول الله ﷺ أيام بدر، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله ﷺ بالبشارة.
قال أسامة: فسمعت الهيعة، فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة، فوالله ما صدقت حتى رأيت الأسارى، فضرب رسول الله ﷺ لعثمان بسهمه.
صحيح: رواه البيهقي في الدلائل (٣/ ١٣٠) عن أبي الحسن المقري، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، قال: أخبرنا يوسف بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن أبي بكر، قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسامة بن زيد فذكره. وإسناده صحيح.
والهيعة: صيحة الفزع.
وممن أحضر من أسارى بدر إلى المدينة سهيل بن عمرو:
رُوي عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: قدم بالأسارى حين قدم بهم المدينة وسودة بنت زمعة ﵂ زوج النبي ﷺ عند آل عفراء في مناخهم على عوف ومعوذ ابني عفراء، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب.
قالت سودة: فوالله إني لعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم، فرجعت إلى بيتي، ورسول الله ﷺ فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة، يداه مجموعتان إلى عنقه بحبل، فوالله ما ملكت حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أي أبا يزيد! أعطيتم بأيديكم ألا مِتُّم
стр. 5250
كرامًا؟ فما انتهيت إلا بقول رسول الله ﷺ من البيت: "يا سودة أعلى الله وعلى رسوله؟ " فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما ملكت حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل أن قلت ما قلت. إلا أنه مرسل.
رواه أبو داود (٢٦٨٠) والبيهقي (٩/ ٨٩) كلاهما من حديث ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة فذكره، ولم يذكر أبو داود لفظه بتمامه، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة تابعي، وهو الذي يحكي القصة، فهي من مراسيله.
ولكن رواه الحاكم (٣/ ٢٢) من طريق أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، فزاد فيه "عن جده" وكذا ذكره ابن حجر عن الحاكم في إتحاف المهرة (١٠/ ٤٦٨)، فإن صحت هذه الزيادة فهو مرسل أيضًا؛ لأنه لا يوجد في الصحابة من اسمه عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة.
٥٠ - باب توصية النبي ﷺ بالأسرى خيرًا
• عن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير قال: كنت في الأسارى يوم بدر، فقال رسول الله ﷺ : "استوصوا بالأسارى خيرًا" وكنت في نفر من الأنصار، وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر، وأطعموني الخبز بوصية رسول الله ﷺ إياهم.
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩٣) عن الحسين بن علي العطار المصيصي، ثنا شباب العصفري، ثنا بكر بن سليمان، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني نبيه بن وهب، عن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وكذا حسّنه أيضًا الهيثمي في المجمع (٦/ ٨٦).
وأبو عزيز: قيل: اسم أبي عزيز هذا زرارة، له صحبة، وسماع من النبي ﷺ ورواية، حدث عنه نبيه بن وهب يعد في أهل المدينة، وزعم الزبير أنه قتل يوم أحد كافرًا، وذلك غلط. والله أعلم. انظر: الاستيعاب.
واختلف على ابن إسحاق:
فرواه الطبراني هكذا موصولا، وذكره ابن هشام في السيرة (١/ ٦٤٥) قال: قال ابن إسحاق: وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار أن رسول الله ﷺ حين أقبل بالأسارى ... الحديث بنحوه. وهذا مرسل.
وذكره ابن حجر في الإصابة (١٠٣٢٩) عن ابن إسحاق قال: حدثني نبيه بن وهب قال: سمعت
стр. 5251
من يذكر عن أبي عزيز قال: كنت في الأسارى يوم بدر ... فذكر الحديث. فزاد بين نبيه بن وهب وبين أبي عزيز مبهمًا. والله أعلم.
٥١ - باب فضل من شهد بدرًا
• عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث يحدّث عن ابن عباس أنه سمعه يقول: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] عن بدر، والخارجون إلى بدر.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٥٤) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام (هو ابن يوسف الصنعاني) أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني عبد الكريم (هو الجزري) عن مقسم (هو أبو القاسم) عن ابن عباس فذكره.
مقسم مولى عبد الله بن الحارث ويقال: مولى ابن عباس لشدة لزومه له.
• عن حميد قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى تر ما أصنع، فقال: "ويحك، أو هبلتِ، أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه لفي جنة الفردوس"
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٨٢) عن عبد الله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق (هو إبراهيم بن محمد الفزاري) عن حميد (هو الطويل) عن أنس قال: فذكره.
قوله: "أصيب حارثة يوم بدر" هو ابن سراقة بن الحارث بن عدي الأنصاري وأبوه سراقة، له صحبة واستشهد يوم حنين، وأمه هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك.
قوله: "ويحك" هي كلمة رحمة، وقيل: إنها للتوبيخ.
وقوله: "أو هبلت" أي ثقلت.
• عن حفصة قالت: قال النبي ﷺ : "إني لأرجو ألا يدخل النار أحد - إن شاء الله تعالى - ممن شهد بدرًا والحديبية".
قالت: قلت: يا رسول الله! أليس قد قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] قال: "ألم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] ".
صحيح: رواه ابن ماجه (٤٢٨١) وأحمد (٢٦٤٤٠) وصحّحه ابن حبان (٤٨٠٠) كلهم من طرق عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر - امرأة زيد بن حارثة - عن حفصة فذكرته.
وفي رواية: عن أم مبشر قالت: قال رسول الله ﷺ ، وهو في بيت حفصة، فذكرت الحديث.
стр. 5252
فيكون من مسند أم مبشر نفسها، كذا عند مسلم (٢٤٩٦) من وجه آخر عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: فذكرت الحديث إلا أنه ليس فيه ذكر بدر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] المراد بالورود هو المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو المؤمنون، وإن كانت حفصة فهمت الدخول في النار، فرد عليها النبي ﷺ بالآية التي بعدها بأن المراد بها المرور على الصراط لا الورود في النار.
وإن فهم من الآية الدخول في النار فتكون للمؤمنين بردًا وسلامًا، ثم يخرجون فيها، ويدخلون الجنة بخلاف الكفار.
• عن شقيق أن ابن مسعود حدثه أن الثمانية عشر الذين قتلوا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر تسرح في الجنة، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك اطلاعة فقال: يا عبادي! ما تشتهون؟ فقالوا: يا ربنا هل فوق هذا شيء؟ قال: فيقول: عبادي ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة: ترد أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا.
حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٤٩)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٨) كلاهما من حديث محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا أبي، وثنا الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود فذكره. واللفظ للطبراني، ولفظ ابن أبي عاصم مختصر.
وإسناده حسن من أجل الحسين بن واقد.
وقال الهيثمي في المجمع (٩٠: ٦): "رواه الطبراني ورجاله ثقات".
٥٢ - باب ممن شهد بدرًا، واستشهد فيه
عوف بن الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، من بني النجار.
وهو ابن عفراء أخو معاذ ومعوّذ، وكل هؤلاء الثلاثة شهدوا بدرا.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، إن عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء قال: يا رسول الله! ما يضحك الرب من عبده؟ قال: "غمسه يده في العدو حاسرًا" فنزع درعًا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل.
وعاصم بن عمر بن قتادة ثقة عالم بالمغازي إلا أن فيه إرسالًا.
ويقال قتل من المسلمين أربعة عشر رجلا: ستة من قريش، وثمانية من الأنصار. ذكره ابن كثير في البداية والنهاية.
стр. 5253
٥٣ - باب انتقام قريش لقتلى بدر بالتآمر على النبي ﷺ -
• عن ابن شهاب قال: لما رجع كل المشركين إلى مكة أقبل عمير بن وهب حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحجر، فقال صفوان: قبّح الله العيش بعد قتلى بدر، قال: أجل، والله ما في العيش خير بعدهم، ولولا دين عليّ لا أجد له قضاء، وعيال لا أدع لهم شيئًا، لرحلت إلى محمد فقتلته إن ملأت عينيَّ منه، فإن لي عنده علة أعتلّ بها عليه، أقول: قدمت من أجل ابني هذا الأسير. قال: ففرح صفوان، وقال له: عليّ دَينك، وعيالك أسوة عيالي في النفقة، لا يسعني شيء وأعجز عنهم. فاتفقا، وحمله صفوان وجهّزه، وأمر بسيف عمير فصقل وسمّ، وقال عمير لصفوان: أكتم خبري أيامًا.
وقدم عمير المدينة، فنزل بباب المسجد، وعقل راحلته، وأخذ السيف، وعمد إلى رسول الله ﷺ فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار، ففزع، ودخل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله لا تأمنه على شيء، فقال: "أدخله عليّ" فخرج عمر، فأمر أصحابه أن يدخلوا إلى رسول الله ﷺ ويحترسوا من عمير، وأقبل عمر وعمير حتى دخلا على رسول الله ﷺ ومع عمير سيفه. قال رسول الله، ﷺ لعمر: "تأخر عنه" فلما دنا منه عمير قال: أنعم صباحًا. وهي تحية أهل الجاهلية. فقال رسول الله، ﷺ : "قد أكرمنا الله عن تحيتك، وجعل تحيتنا تحية أهل الجنة، وهي السلام" فقال عمير: إن عهدك بها لحديث فقال له: "ما أقدمك يا عمير؟ " قال: قدمت على أسيري عندكم تفادونا في أسرانا فإنكم العشيرة والأهل. فقال رسول الله ﷺ : "ما بال السيف في عنقك؟ ! "، فقال: قبحها الله من سيوف، فهل أغنت عنا شيئًا؟ إنما نسيته في عنقي حين نزلت، فقال رسول الله ﷺ : "اصدقني ما أقدمك؟ " قال: ما قدمت إلا في طلب أسيري قال: "فماذا شرطت لصفوان في الحجر؟ " ففزع عمير، وقال: ماذا شرطت له؟ ! قال: "تحملت له بقتلي على أن يعول أولادك، ويقضي دَينك، والله حائل بينك وبين ذلك" فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي، وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان في الحجر كما قلت، لم يطلع عليه أحد، فأخبرك الله به، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، ففرح به المسلمون، وقال له رسول الله، ﷺ : "اجلس يا عمير نؤانسك"، وقال لأصحابه: "علموا أخاكم القرآن"
стр. 5254
وأطلق له أسيره.
فقال عمير: ائذن لي يا رسول الله! فألحق بقريش، فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، لعل الله أن يهديهم، فأذن له، فلحق بمكة.
وجعل صفوان يقول لقريش: أبشروا بفتح ينسيكم وقعة بدر، وجعل يسأل كل راكب قدم من المدينة: هل كان بها من حدث؟ حتى قدم عليه رجل فقال له: قد أسلم عمير، فلعنه المشركون. وقال صفوان: لله عليّ أن لا أكلمه أبدًا، ولا أنفعه بشيء، ثم قدم عمير فدعاهم إلى الإسلام ونصحهم بجهده، فأسلم بسببه بشر كثير.
حسن: رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن ابن شهاب هكذا مرسلًا كما في الإصابة (٧/ ٥٣١ - ٥٣٣). ورواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٦٢) من طريق محمد بن سهل بن عسكر، عن عبد الرزاق، أنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، لا أعلمه إلا عن أنس بن مالك فذكر نحوه مختصرًا. ورواه ابن مندة من طريق أبي الأزهر، عن عبد الرزاق بإسناده، وقال: "غريب لا نعرفه عن أبي عمران إلا من هذا الوجه" كما قال الحافظ في الإصابة، ثم أشار إلى رواية الطبراني.
قلت: لقد رويت قصة عمير هذه من طرق أخرى بعضها مرسلة أخرجها الطبراني وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ٤٧٠) وهي تقوي بعضها بعضًا لاختلاف مخارجها وثقة رواتها. وقد أقر بوصلها الحافظ في الإصابة بعد أن ساق مراسيلها.
• * *
стр. 5255
جموع ما جاء في الأحداث التي بين غزوة بدر وبين غزوة أحد
١ - سرية عمير بن عدي إلى عصماء بنت مروان
ذكر الواقدي في مغازيه (١/ ١٧٢) فقال: حدثني عبد الله بن الحارث، عن أبيه أن عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد كانت تحت يزيد بن زيد بن حصن الخطمي وكانت تؤذي النبي ﷺ وتعيب الإسلام وتحرض على النبي ﷺ وقالت شعرًا:
فباست بني مالك والنبيت ... وعوف وباست بني الخزرج
أطعتم أتاوي من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرؤوس ... كما يرتجى مرق المنضج
قال عمير بن عدي بن خرشة بن أمية الخطمي حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذرًا لئن رددت رسول الله ﷺ إلى المدينة لأقتلنها - ورسول الله ﷺ يومئذ ببدر - فلما رجع رسول الله ﷺ من بدر جاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها في بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها؛ فجسها بيده فوجد الصبي ترضعه فنحاه عنها، ثم وضح سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، ثم خرج حتى صلى الصبح مع النبي ﷺ بالمدينة. فلما انصرف النبي ﷺ نظر إلى عمير فقال أقتلت بنت مروان؟ قال: نعم بأبي أنت يا رسول الله. وخشي عمير أن يكون افتات على النبي ﷺ بقتلها، فقال: هل علي في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: "لا ينتطح فيها عنزان". وكان قتل عصماء لخمس ليال بقين من رمضان مرجع النبي ﷺ من بدر على رأس تسعة عشر شهرًا من الهجرة.
وقوله: "لا ينتطح فيه عنزان" أي أن شأن قتلها هين، لا يكون فيه طلب ثأر ولا اختلاف.
٢ - سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك
ثم سرية سالم بن عمير العمري إلى أبي عفك اليهودي في شوال على رأس عشرين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ ، وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف شيخًا كبيرًا قد بلغ عشرين ومائة سنة وكان يهوديًا، وكان يحرض على رسول الله ﷺ ويقول الشعر، فقال سالم بن عمير، وهو أحد البكائين وقد شهد بدرًا: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فأمهل يطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء، وعلم به سالم بن عمير، فأقبل فوضع السيف على كبده ثم
следующие страницы →