Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
من يذكر عن أبي عزيز قال: كنت في الأسارى يوم بدر ... فذكر الحديث. فزاد بين نبيه بن وهب وبين أبي عزيز مبهمًا. والله أعلم.
٥١ - باب فضل من شهد بدرًا
• عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث يحدّث عن ابن عباس أنه سمعه يقول: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] عن بدر، والخارجون إلى بدر.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٥٤) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام (هو ابن يوسف الصنعاني) أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني عبد الكريم (هو الجزري) عن مقسم (هو أبو القاسم) عن ابن عباس فذكره.
مقسم مولى عبد الله بن الحارث ويقال: مولى ابن عباس لشدة لزومه له.
• عن حميد قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى تر ما أصنع، فقال: "ويحك، أو هبلتِ، أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه لفي جنة الفردوس"
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٨٢) عن عبد الله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق (هو إبراهيم بن محمد الفزاري) عن حميد (هو الطويل) عن أنس قال: فذكره.
قوله: "أصيب حارثة يوم بدر" هو ابن سراقة بن الحارث بن عدي الأنصاري وأبوه سراقة، له صحبة واستشهد يوم حنين، وأمه هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك.
قوله: "ويحك" هي كلمة رحمة، وقيل: إنها للتوبيخ.
وقوله: "أو هبلت" أي ثقلت.
• عن حفصة قالت: قال النبي ﷺ : "إني لأرجو ألا يدخل النار أحد - إن شاء الله تعالى - ممن شهد بدرًا والحديبية".
قالت: قلت: يا رسول الله! أليس قد قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] قال: "ألم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] ".
صحيح: رواه ابن ماجه (٤٢٨١) وأحمد (٢٦٤٤٠) وصحّحه ابن حبان (٤٨٠٠) كلهم من طرق عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر - امرأة زيد بن حارثة - عن حفصة فذكرته.
وفي رواية: عن أم مبشر قالت: قال رسول الله ﷺ ، وهو في بيت حفصة، فذكرت الحديث.
стр. 5252
فيكون من مسند أم مبشر نفسها، كذا عند مسلم (٢٤٩٦) من وجه آخر عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: فذكرت الحديث إلا أنه ليس فيه ذكر بدر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] المراد بالورود هو المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو المؤمنون، وإن كانت حفصة فهمت الدخول في النار، فرد عليها النبي ﷺ بالآية التي بعدها بأن المراد بها المرور على الصراط لا الورود في النار.
وإن فهم من الآية الدخول في النار فتكون للمؤمنين بردًا وسلامًا، ثم يخرجون فيها، ويدخلون الجنة بخلاف الكفار.
• عن شقيق أن ابن مسعود حدثه أن الثمانية عشر الذين قتلوا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر تسرح في الجنة، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك اطلاعة فقال: يا عبادي! ما تشتهون؟ فقالوا: يا ربنا هل فوق هذا شيء؟ قال: فيقول: عبادي ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة: ترد أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا.
حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٤٩)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٨) كلاهما من حديث محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا أبي، وثنا الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود فذكره. واللفظ للطبراني، ولفظ ابن أبي عاصم مختصر.
وإسناده حسن من أجل الحسين بن واقد.
وقال الهيثمي في المجمع (٩٠: ٦): "رواه الطبراني ورجاله ثقات".
٥٢ - باب ممن شهد بدرًا، واستشهد فيه
عوف بن الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، من بني النجار.
وهو ابن عفراء أخو معاذ ومعوّذ، وكل هؤلاء الثلاثة شهدوا بدرا.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، إن عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء قال: يا رسول الله! ما يضحك الرب من عبده؟ قال: "غمسه يده في العدو حاسرًا" فنزع درعًا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل.
وعاصم بن عمر بن قتادة ثقة عالم بالمغازي إلا أن فيه إرسالًا.
ويقال قتل من المسلمين أربعة عشر رجلا: ستة من قريش، وثمانية من الأنصار. ذكره ابن كثير في البداية والنهاية.
стр. 5253
٥٣ - باب انتقام قريش لقتلى بدر بالتآمر على النبي ﷺ -
• عن ابن شهاب قال: لما رجع كل المشركين إلى مكة أقبل عمير بن وهب حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحجر، فقال صفوان: قبّح الله العيش بعد قتلى بدر، قال: أجل، والله ما في العيش خير بعدهم، ولولا دين عليّ لا أجد له قضاء، وعيال لا أدع لهم شيئًا، لرحلت إلى محمد فقتلته إن ملأت عينيَّ منه، فإن لي عنده علة أعتلّ بها عليه، أقول: قدمت من أجل ابني هذا الأسير. قال: ففرح صفوان، وقال له: عليّ دَينك، وعيالك أسوة عيالي في النفقة، لا يسعني شيء وأعجز عنهم. فاتفقا، وحمله صفوان وجهّزه، وأمر بسيف عمير فصقل وسمّ، وقال عمير لصفوان: أكتم خبري أيامًا.
وقدم عمير المدينة، فنزل بباب المسجد، وعقل راحلته، وأخذ السيف، وعمد إلى رسول الله ﷺ فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار، ففزع، ودخل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله لا تأمنه على شيء، فقال: "أدخله عليّ" فخرج عمر، فأمر أصحابه أن يدخلوا إلى رسول الله ﷺ ويحترسوا من عمير، وأقبل عمر وعمير حتى دخلا على رسول الله ﷺ ومع عمير سيفه. قال رسول الله، ﷺ لعمر: "تأخر عنه" فلما دنا منه عمير قال: أنعم صباحًا. وهي تحية أهل الجاهلية. فقال رسول الله، ﷺ : "قد أكرمنا الله عن تحيتك، وجعل تحيتنا تحية أهل الجنة، وهي السلام" فقال عمير: إن عهدك بها لحديث فقال له: "ما أقدمك يا عمير؟ " قال: قدمت على أسيري عندكم تفادونا في أسرانا فإنكم العشيرة والأهل. فقال رسول الله ﷺ : "ما بال السيف في عنقك؟ ! "، فقال: قبحها الله من سيوف، فهل أغنت عنا شيئًا؟ إنما نسيته في عنقي حين نزلت، فقال رسول الله ﷺ : "اصدقني ما أقدمك؟ " قال: ما قدمت إلا في طلب أسيري قال: "فماذا شرطت لصفوان في الحجر؟ " ففزع عمير، وقال: ماذا شرطت له؟ ! قال: "تحملت له بقتلي على أن يعول أولادك، ويقضي دَينك، والله حائل بينك وبين ذلك" فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي، وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان في الحجر كما قلت، لم يطلع عليه أحد، فأخبرك الله به، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، ففرح به المسلمون، وقال له رسول الله، ﷺ : "اجلس يا عمير نؤانسك"، وقال لأصحابه: "علموا أخاكم القرآن"
стр. 5254
وأطلق له أسيره.
فقال عمير: ائذن لي يا رسول الله! فألحق بقريش، فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، لعل الله أن يهديهم، فأذن له، فلحق بمكة.
وجعل صفوان يقول لقريش: أبشروا بفتح ينسيكم وقعة بدر، وجعل يسأل كل راكب قدم من المدينة: هل كان بها من حدث؟ حتى قدم عليه رجل فقال له: قد أسلم عمير، فلعنه المشركون. وقال صفوان: لله عليّ أن لا أكلمه أبدًا، ولا أنفعه بشيء، ثم قدم عمير فدعاهم إلى الإسلام ونصحهم بجهده، فأسلم بسببه بشر كثير.
حسن: رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن ابن شهاب هكذا مرسلًا كما في الإصابة (٧/ ٥٣١ - ٥٣٣). ورواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٦٢) من طريق محمد بن سهل بن عسكر، عن عبد الرزاق، أنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، لا أعلمه إلا عن أنس بن مالك فذكر نحوه مختصرًا. ورواه ابن مندة من طريق أبي الأزهر، عن عبد الرزاق بإسناده، وقال: "غريب لا نعرفه عن أبي عمران إلا من هذا الوجه" كما قال الحافظ في الإصابة، ثم أشار إلى رواية الطبراني.
قلت: لقد رويت قصة عمير هذه من طرق أخرى بعضها مرسلة أخرجها الطبراني وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ٤٧٠) وهي تقوي بعضها بعضًا لاختلاف مخارجها وثقة رواتها. وقد أقر بوصلها الحافظ في الإصابة بعد أن ساق مراسيلها.
• * *
стр. 5255
جموع ما جاء في الأحداث التي بين غزوة بدر وبين غزوة أحد
١ - سرية عمير بن عدي إلى عصماء بنت مروان
ذكر الواقدي في مغازيه (١/ ١٧٢) فقال: حدثني عبد الله بن الحارث، عن أبيه أن عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد كانت تحت يزيد بن زيد بن حصن الخطمي وكانت تؤذي النبي ﷺ وتعيب الإسلام وتحرض على النبي ﷺ وقالت شعرًا:
فباست بني مالك والنبيت ... وعوف وباست بني الخزرج
أطعتم أتاوي من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرؤوس ... كما يرتجى مرق المنضج
قال عمير بن عدي بن خرشة بن أمية الخطمي حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذرًا لئن رددت رسول الله ﷺ إلى المدينة لأقتلنها - ورسول الله ﷺ يومئذ ببدر - فلما رجع رسول الله ﷺ من بدر جاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها في بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها؛ فجسها بيده فوجد الصبي ترضعه فنحاه عنها، ثم وضح سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، ثم خرج حتى صلى الصبح مع النبي ﷺ بالمدينة. فلما انصرف النبي ﷺ نظر إلى عمير فقال أقتلت بنت مروان؟ قال: نعم بأبي أنت يا رسول الله. وخشي عمير أن يكون افتات على النبي ﷺ بقتلها، فقال: هل علي في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: "لا ينتطح فيها عنزان". وكان قتل عصماء لخمس ليال بقين من رمضان مرجع النبي ﷺ من بدر على رأس تسعة عشر شهرًا من الهجرة.
وقوله: "لا ينتطح فيه عنزان" أي أن شأن قتلها هين، لا يكون فيه طلب ثأر ولا اختلاف.
٢ - سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك
ثم سرية سالم بن عمير العمري إلى أبي عفك اليهودي في شوال على رأس عشرين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ ، وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف شيخًا كبيرًا قد بلغ عشرين ومائة سنة وكان يهوديًا، وكان يحرض على رسول الله ﷺ ويقول الشعر، فقال سالم بن عمير، وهو أحد البكائين وقد شهد بدرًا: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فأمهل يطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء، وعلم به سالم بن عمير، فأقبل فوضع السيف على كبده ثم
стр. 5256
اعتمد عليه حتى خش في الفراش، وصاح عدو الله، فثاب إليه ناس ممن هُمْ على قوله فأدخلوه منزله وقبروه. ذكره ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٨).
٣ - غزوة بني قينقاع
قال الواقدي: إنها كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة اثنتين من الهجرة.
• عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشًا يوم بدر، وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: "يا معشر اليهود! أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا". قالوا: يا محمد! لا يغرنك من نفسك أنت قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلها، فأنزل الله في ذلك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ببدر، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٢ - ١٣].
حسن: رواه أبو داود (٣٠٠١) عن مصرف بن عمرو الأيامي، حدثنا يونس - يعني ابن بكير - قال: حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وهو عند ابن هشام في السيرة (٢/ ٤٧) عن ابن إسحاق يختلف سياقه قليلًا.
وحسّن إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٣٢) وإن كان في إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ذكره ابن حبان في "الثقات" ولكن قال الحافظ في التقريب "مجهول".
لعله حسّنه لموافقة أهل السير والمغازي على ما ذكره ابن إسحاق.
٤ - باب سبب إجلاء بني قينقاع
قال ابن هشام: فذكر عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبي عون، قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ هناك منهم، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًا، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد! أحسن في مواليّ - وكانوا حلفاء الخزرج - قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! أحسن في مواليّ، قال: فأعرض عنه، قال: فأدخل يده في جيب درع النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "أرسلني"
стр. 5257
وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللًا، ثم قال: "ويحك! أرسلني" قال: لا والله، لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال له رسول الله ﷺ : "هم لك".
قال محمد بن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد. سيرة ابن هشام (٢/ ٤٧).
قال الحافظ ابن القيم: كان للنبي ﷺ مع اليهود أربع غزوات.
أولها: غزوة بني قينقاع بعد بدر.
والثانية: بني النضير بعد أحد.
والثالثة: قريظة بعد الخندق.
والرابعة: خيبر بعد الحديبية.
انظر: زاد المعاد (٣/ ٢٤٩).
قال ابن سعد: حاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة فكانوا أول من غدر من اليهود، وحاربوا وتحصنوا في حصنهم، فحاصرهم أشد الحصار حتى قذف الله في قلوبهم الرعب فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ : أن لرسول الله ﷺ أموالهم، وأن لهم النساء والذرية، فأمر بهم فكتفوا، واستعمل رسول الله ﷺ على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي من بني السلم رهط سعد بن خيثمة. فكلم فيهم عبد الله بن أبي رسول الله ﷺ وألحّ عليه فقال: خلوهم لعنهم الله، ولعنه معهم، وتركهم من القتل. أمر بهم أن يجلوا من المدينة، وتولّى إخراجهم منها عبادة بن الصامت. فلحقوا بأذرعات فما كان أقل بقاءهم بها. الطبقات (٢/ ٢٩).
٥ - غزوة السويق
قال ابن إسحاق: ثم غزا أبو سفيان بن حرب غزوة السويق في ذي الحجة (في السنة الثانية من الهجرة).
وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر إلى مكة حرّم الدهن حتى يثأر من محمد وأصحابه فخرج في مائتي راكب، في حديث الزهري، وفي حديث ابن كعب: في أربعين راكبًا، فسلكوا النجدية فجاؤوا إلى بني النضير ليلًا فطرقوا حيي بن أخطب، فأبى أن يفتح لهم بابه، فطرقوا سلام بن مشكم ففتح لهم وقراهم، وسقاهم خمرًا، وأخبرهم من أخبار رسول الله ﷺ ، فلما كان بالسحر خرج أبو سفيان بن حرب فمرَّ بالعريض وبينه وبين المدينة نحو من ثلاثة أميال، فقتل به رجلا من الأنصار وأجيرًا له، وحرق أبياتًا هناك وتبنًا، ورأى أن يمينه قد حلّت، ثم ولى هاربًا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فندب أصحابه وخرج في مائتي رجل من المهاجرين والأنصار في أثرهم يطلبهم، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون فيلقون جرب السويق، وهي عامة
стр. 5258
أزوادهم، فجعل المسلمون يأخذونها، فسميت غزوة السويق، ولم يلحقوهم، وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان غاب خمسة أيام. انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٤) وطبقات ابن سعد (٢/ ٣٠).
٦ - باب ما جاء في غزوة بني سليم بالكدر
قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله ﷺ لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم. وذلك في منتصف محرم على رأس ثلاثة وعشرين شهرًا.
والكدر يقال له: قرقرة الكدر، وقرارة الكدر، جاء في المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، هي بالتحديد: إذا سرت من المدينة فكنت بين "الصويدرة" و "الحناكية" تؤم القصيم، فهي على يمينك في ذلك الفضاء الواسع الذي يمتد إلى معدن بني سليم "مهد الذهب" اليوم، غير أن الاسم غير معروف اليوم" انتهى.
علم النبي ﷺ تجمع سليم وغطفان فسار إليهم رسول الله ﷺ وأقام عليه ثلاث ليال وفر المقاتلون تاركين إبلهم وعددهم خمسمائة، فأخرج خُمْسه، وقسم أربعة أخماس على المسلمين، فأصاب كل رجل منهم بعيران. وكانوا مائتي رجل، انظر: طبقات ابن سعد (٢/ ٣١).
٧ - باب غزوة ذي أمر
فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة، أو قريبًا منها، ثم غزا نجدًا، يريد غطفان، وهي غزوة ذي أمر، ويقال أيضًا: غزوة أنمار، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فأقام بنجد صفرًا كله أو قريبًا من ذلك. ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدًا، فلبث بها شهر ربيع الأول كله، أو إلا قليلًا منه. سيرة ابن هشام (٢/ ٤٦)
وفي طبقات ابن سعد (٢/ ٣٤): أن جمعًا من بني ثعلبة ومحارب ذي أمر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله ﷺ ، جمعهم رجل منهم يقال له: دُعثور بن الحارث من بني محارب، فندب رسول الله ﷺ المسلمين وخرج لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في أربعمائة وخمسين رجلًا، ومعهم أفراس، فلما سمعوا مسيرة رسول الله ﷺ هربوا إلى رؤوس الجبال ولم يلق رسول الله ﷺ أحدًا إلا أنه ينظر إليهم في رؤوس الجبال.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٤٢٩): "يُشبه أن تكون غزوة أنمار غزوة محارب وثعلبة لأن ديار بني أنمار تقرب من ديار بني ثعلبة.
• عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت النبي ﷺ في غزوة أنمار يصلي على راحلته متوجهًا قِبل المشرق متطوعًا.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤١٤٠) عن آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا عثمان بن عبد الله بن سُراقة، عن جابر فذكره.
стр. 5259
• عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني أنمار، قال جابر: فبينا أنا نازل تحت شجرة إذا رسول الله ﷺ أقبل فقلت: يا رسول الله! هلم إلى الظل، قال: فنزل رسول الله ﷺ فقمت إلى غرارة لنا، فالتمست فيها شيئًا، فوجدت فيها جرو قثاء فكسرته، ثم قربته إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "من أين لكم هذا؟ " قال: فقلت: خرجنا به يا رسول الله من المدينة. قال جابر: وعندنا صاحب لنا نجهزه يذهب يرعى ظهرنا، قال: فجهزته، ثم أدبر يذهب في الظهر وعليه بردان له قد خلقا قال: فنظر رسول الله ﷺ إليه فقال: "أما له ثوبان غير هذين؟ " فقلت: بلى يا رسول الله! له ثوبان في العيبة، كسوته إياهما، قال: "فادعه، فمره فليلبسهما". قال: فدعوته فلبسهما، ثم ولى يذهب قال: فقال رسول الله ﷺ : "ما له ضرب الله عنقه، أليس هذا خيرًا له؟ " قال: فسمعه الرجل، فقال: يا رسول الله! في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "في سبيل الله". قال: فقتل الرجل في سبيل الله.
صحيح: رواه مالك في اللباس (١) عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله فذكره. ومن طريقه رواه ابن حبان (٥٤١٨)، والبزار (كشف الأستار ٢٩٦٣)، والحاكم (٤/ ١٨٣) وقال: صحيح على شرط مسلم.
وقوله: "جرو قثاء" المراد بالجرو صغار القثاء.
و"العيبة" وهو مثل الصندوق الذي يوضع فيه الثياب.
٨ - غزوة الفرع من بحران
قال ابن هشام: ثم غزا رسول الله يريد قريشًا، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: حتى بلغ بحران معدنًا بالحجاز من ناحية الفُرع فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدًا.
وذلك في جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرًا.
٩ - باب سرية زيد بن حارثة إلى القردة
ثم سرية زيد بن حارثة إلى القردة، وكانت لهلال جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ ، وهي أول سرية خرج فيها زيد أميرًا، والقردة من أرض نجد بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق، بعثه رسول الله ﷺ يعترض لعير قريش، فيها صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعه مال كثير نقر وآنية فضة وزن ثلاثين ألف درهم، وكان دليلهم فرات بن حيان العجلي، فخرج بهم على ذات عرق طريق العراق، فبلغ رسول الله
стр. 5260
- ﷺ أمرهم فوجه زيد بن حارثة في مائة راكب فاعترضوا لها، فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم، وقدموا بالعير على رسول الله ﷺ ، فخمّسها فبلغ الخمس فيه عشرين ألف درهم، وقسم ما بقي على أهل السرية، وأسر فرات بن حيان فأتي به النبي ﷺ فقيل له: إن تسلم تُترك! فأسلم فتركه رسول الله ﷺ من القتل. طبقات ابن سعد (٢/ ٣٦)
وذكر ابن إسحاق: فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة، وهي عُظم تجارتهم. سيرة ابن هشام (٢/ ٥٠).
١٠ - باب قتل كعب بن الأشرف
• عن جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله" فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله! أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم" قال: فائذدن لي أن أقول شيئًا، قال: "قل" فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضًا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين - وحدثنا عمرو غير مرة، فلم يذكر وسقًا أو وسقين، أو: فقلت له: فيه وسقًا أو وسقين؟ فقال: أرى فيه وسقًا أو وسقين - فقال: نعم، ارهنوني، قالوا: أي شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيسب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللأمة - قال سفيان: يعني السلاح - فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، وقال غير عمرو، قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب، قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين - قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمى بعضهم - قال عمرو: جاء معه برجلين، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر، قال عمرو: جاء معه برجلين، فقال: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، وقال مرة: ثم أشمكم، فنزل إليهم متوشحًا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا، أي أطيب، وقال
стр. 5261
غير عمرو: قال: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب، قال عمرو: فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فشمه ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه، قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٣٧) ومسلم في الجهاد (١٨٠١) كلاهما من حديث سفيان، قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فذكره. وكان قتله في ربيع الأول من السنة الثالثة كما قال ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣١)
• عن ابن عباس قال: مشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم وقال: "انطلقوا على اسم الله" وقال: "اللهم أعنهم" يعني النفر الذين وجههم إلى كعب بن أشرف.
حسن: رواه أحمد (٢٣٩١) والطبراني (١١/ ٢٢٢) والبزار (كشف الأستار (١٨٠٢، ١٨٠١) والحاكم (٢/ ٩٨) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، حدثني ثور بن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال الحاكم: هذا حديث غريب صحيح.
قلت: إسناده حسن من أجل تصريح محمد بن إسحاق.
• عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وكان كعب بن الأشرف يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي ﷺ حين قدم المدينة، وأهلها أخلاط، منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان. واليهود، وكانوا يؤذون النبي ﷺ وأصحابه، فأمر الله نبيه بالصبر والعفو ففيهم أنزل الله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ أمر النبي ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا يقتلونه. فبعث محمد بن سلمة، وذكر قصة قتله، فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون، فغدوا على النبي ﷺ فقالوا: طرق صاحبنا فقتل، فذكر لهم النبي ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة.
صحيح: رواه أبو داود (٣٠٠٠) عن محمد بن يحيى بن فارس، أن الحكم بن نافع حدثهم قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب فذكره.
وقوله: "عن أبيه: أي جده لأن جده كعب بن مالك هو الذي من الثلاثة.
стр. 5262
١١ - نص كتابة وثيقة المدينة بعد قتل كعب بن الأشرف
قال محمد بن إسحاق: كتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيه اليهود، وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم، وهذه بنود الوثيقة، كما ذكرها ابن إسحاق:
١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتاب من محمد النبي ﷺ ، بين المؤمنين والمسلمين، من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس.
٢ - المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يَفْدون عانِيَهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٣ - وبنو عوف على رِبْعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٤ - وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٥ - وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٦ - وبنو جُشَم على رِبْعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٧ - وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٨ - وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٩ - وبنو النَّبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٠ - وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١١ - وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
١٢ - وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم.
١٣ - ولا يَقتُل مؤمن مؤمنًا في كافر.
стр. 5263
١٤ - ولا ينصر كافرًا على مؤمن.
١٥ - وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم.
١٦ - وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
١٧ - وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين، ولا متناصرين عليهم.
١٨ - وإن سِلْم المؤمنين وأحدة، لا يُسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم.
١٩ - وإن كل غازية غزتْ معنا يُعقب بعضها بعضًا.
٢٠ - وإن المؤمنين يُبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
٢١ - وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدًى وأقومه.
٢٢ - وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن.
٢٣ - وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى وليّ المقتول.
٢٤ - وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
٢٥ - وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر مُحْدثًا ولا يُؤويه.
٢٦ - وإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
٢٧ - وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد ﷺ .
٢٨ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٢٩ - وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين.
٣٠ - لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأَثِم، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
٣١ - وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
٣٢ - وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
٣٣ - وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
٣٤ - وإن ليهود بني جُشَم مثل ما ليهود بني عوف.
٣٥ - وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
٣٦ - وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
٣٧ - وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
٣٨ - وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف.
стр. 5264
٣٩ - وإن البر دون الإثم.
٤٠ - وإن موالي ثعلبة كأنفسهم.
٤١ - وإن بطانة يهود كأنفسهم.
٤٢ - وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ﷺ .
٤٣ - وإنه لا ينحجز على ثأر جرح.
٤٤ - وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا.
٤٥ - وإن على اليهود نفقتهم.
٤٦ - وعلى المسلمين نفقتهم.
٤٧ - وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
٤٨ - وإن بينهم النصح والنصيحة.
٤٩ - وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه.
٥٠ - وإن النصر للمظلوم.
٥١ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٥٢ - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
٥٣ - وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
٥٤ - وإنه لا تُجار حرمة إلا بإذن أهلها.
٥٥ - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فسادُه، فإن مرده إلى الله، وإلى محمد رسول الله ﷺ .
٥٦ - وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
٥٧ - وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
٣٨ - وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.
٥٩ - وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه.
٦٠ - وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين.
٦١ - على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
٦٢ - وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة.
٦٣ - وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه.
٦٤ - وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
стр. 5265
٦٥ - وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم.
٦٦ - وإنه من خرج آمن.
٦٧ - ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم.
٦٨ - وإن الله جار لمن بر واتقى. ومحمد رسول الله ﷺ .
سيرة ابن هشام (١/ ٥٠١ - ٥٠٤)
هكذا ذكره ابن إسحاق بدون إسناد، ونقل منه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٥٥٥ - ٥٥٨).
رواه أبو عبيد في كتاب الأموال (ص ٢٩٠) عن يحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح قالا: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ كتب بهذا الكتاب فذكره.
فإن كان ابن إسحاق أخذ هذا الكتاب من ابن شهاب الزهري فإنه شيخه فهو مرسل أيضًا.
ولكن رواه البيهقي (٨/ ١٠٦) عن شيخه أبي عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عثمان بن محمد بن عثمان الأخنس بن شريق قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب ﵁ هذا الكتاب، كان مقرونًا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين، من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة دون الناس المهاجرين من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط، وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين" ثم ذكر على هذا النسق بني الحارث ثم بني ساعدة، ثم بني جشم، ثم بني النجار، ثم بني عمرو بن عوف، ثم بني النبيت، ثم بني الأوس ثم قال: "وإن المؤمنين لا يتركون مُفرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء وعقل".
ثم رواه أيضًا من وجه آخر عن أبي إسحاق هو الفزاري عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده أنه كان في كتاب النبي ﷺ أن كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط من المؤمنين، وإن على المؤمنين أن لا يتركوا مُفرحًا منهم حتى يعطوه في فداء أو عقل.
وهذا الإسناد واه جدًّا، فإن كثير بن عبد الله ضعيف جدًّا، أما الإسناد الأول فهو حسن، والوجادة نوع من تحمل الحديث وهو حجة عند المحدثين.
إلا أن البيهقي لم يذكر المعاهدة مع اليهود لأنه رواه من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، ورواية ابن هشام كانت من طريق زياد بن عبد الله البكائي، عن ابن إسحاق فأحدهما اختصره أو البيهقي نفسه اختصر ما يخص بالعقل، وكذلك رواه المحدثون الأجزاء من هذه الوثيقة بالأسانيد الصحيحة في كتبهم للاستشهاد بها عند الحاجة.
стр. 5266
١٢ - باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق
ويقال: سلام بن أبي الحقيق، كان بخيبر، ويقال: في حصن له بأرض الحجاز.
وقال الزهري: هو بعد كعب بن الأشرف.
• عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله ﷺ رهطًا إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلًا وهو نائم فقتله.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٣٨) عن إسحاق بن نصر، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب فذكره.
• عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار، فأمّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق، ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنّع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب، يا عبد الله! إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علّق الأغاليق على وتد، قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علاليّ له، فلما ذهب عنه أهل سمره، صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت عليّ من داخل، قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش، فما أغنيت شيئًا، وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا، حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم: أقتلته؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي
стр. 5267
فقلت: النجاة، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال: "ابسط رجلك" فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٣٩) عن يوسف بن موسى، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء فذكره. ﷺ .
قال ابن إسحاق: ولما انقضى شأن الخندق وأمر بني قريظة، وكان سلّام بن أبي الحقيق وهو أبو رافع فيمن حزّب الأحزاب على رسول الله ﷺ وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ ، وتحريضه عليه، استأذنت الخزرج رسول الله ﷺ في قتل سلّام بن أبي الحقيق وهو بخيبر.
وقال: فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم. فخرجوا وأمّر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك ونهاهم عن أن يقتلوا وليدًا أو امرأة. سيرة ابن هشام (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤)
• عن كعب بن مالك قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ ونحن بخيبر - أن لا نقتل صبيًّا ولا امرأة.
صحيح: رواه إسحاق بن راهويه (المطالب العالية - ١٩٥٩) عن روح بن عبادة، حدثنا محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أو عبد الله بن كعب - وكان قائد كعب بن مالك - عن كعب بن مالك فذكره، قال الحافظ في المطالب: هذا إسناد صحيح.
قلت: اختلف في الراوي عن كعب بن مالك كما اختلف هل هو من مسند كعب، أو مسند أخيه. كما هو عند أحمد (في النسخة الساقطة المستدركة) ( ... / ٦٦) عن عبد الرزاق، عن معمر قال: قال الزهري: فأخبرني ابن كعب بن مالك، عن عمه أن النبي ﷺ حين بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر فذكر مثله. وهو في مصنف عبد الرزاق (٩٣٨٥) ولكن يرى الحافظ ابن حجر لم يكن لمالك ولد غير الشاعر المشهور. ذكره في ترجمة كعب بن مالك في "الإصابة".
ولذا رجح غير واحد من أهل العلم أنه من مسند كعب بن مالك يروي عنه ولده عبد الله، وعنه عدد من أصحابه وقد ساق ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٧٠ - ٧١) بعض هذه الأسانيد وجزم بأن الحديث لعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك (يعني عن عبد الله، عن أبيه كعب بن مالك).
• * *
стр. 5268
جموع ما جاء في غزوة أحد
١ - باب تاريخ وقعة أحد
قال ابن إسحاق: وكانت إقامة رسول الله ﷺ بالمدينة بعد قدومه من نجران جمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان وغزتْه قريش غزوة أحد في شوال سنة ثلاث. ابن إسحاق (٥٠٢) وسيرة ابن هشام (٢/ ٥٩ - ٦٠).
واختلفوا في اليوم الذي وقعت فيه، فأشهر ما قيل يوم السبت.
قال محمد بن إسحاق: خرج رسول الله ﷺ يوم الجمعة حين صلى الجمعة، فأصبح بالشعب من أحد، فالتقوا يوم السبت في النصف من شوال.
ذكره الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٢٤) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
فجعل رسول الله ﷺ ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: "لا يقاتل أحد حتى نأمره بالقتال".
٢ - باب مشاورة النبي ﷺ للخروج من المدينة لمواجهة العدو للدفاع عن أهل المدينة
• عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرًا منحّرة، فأوّلت أن الدرع الحصينة المدينة، وأن البقر نفر، والله خير".
قال: فقال لأصحابه: "لو أنا أقمنا بالمدينة، فإن دخلوا علينا فيها، قاتلناهم" فقالوا: يا رسول الله! والله ما دخل علينا فيها في الجاهلية، فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام؟ ! قال عفان في حديثه: فقال: "شأنكم إذًا" قال: فلبس لأمته، قال: فقالت الأنصار: رددنا على رسول الله ﷺ رأيه، فجاؤوا، فقالوا: يا رسول الله! شأنك إذًا، فقال: "إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل".
صحيح: رواه أحمد (١٤٧٨٧)، والنسائي في الكبرى (٧٦٠٠) كلاهما من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "رأيت في المنام، أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهَلي إلى أنها اليمامة، أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين
стр. 5269
يوم أحد، ثم هززته بأخرى فعاد بأحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا، والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله من الخير وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر".
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦٢٢) ومسلم في كتاب الرؤيا (٢٢٧٢) كلاهما من حديث حماد بن أسامة أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى فذكره.
• عن ابن عباس قال: تنفل رسول الله ﵌ سيفه ذو الفقار يوم بدر قال ابن عباس: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وذلك أن رسول الله ﵌ لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأي رسول الله ﵌ أن يقيم بالمدينة يقاتلهم فيها فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرًا تخرج بنا يا رسول الله ﵌ إليهم نقاتلهم بأحد ورجوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدر فما زالوا برسول الله ﵌ حتى لبس أداته فندموا وقالوا: يا رسول الله أقم فالرأي رأيك فقال رسول الله ﵌: "ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" وقال وكان لما قال لهم رسول الله ﵌ يومئذ قبل أن يلبس الأداة: "إني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة وأني مردف كبشًا فأولته كبش الكتيبة ورأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلًا فيكم ورأيت بقرًا تذبح فبقر والله خير فبقر والله خير".
حسن: رواه الحاكم (٢/ ١٢٨ - ١٢٩) عن أبي العباس محمد بن يعقوب، أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس فذكره.
ورواه الترمذي (١٥٦١) وابن ماجه (٢٨٠٨) وأحمد (٢٤٤٥) من طرق عن ابن أبي الزناد به مختصرًا.
وإسناده حسن من أجل ابن أبي الزناد، وهو مخرج في الجهاد بالتفصيل.
٣ - انسحاب عبد الله بن أبي ابن سلول
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
قال مجاهد: ميّز بينهم يوحد أحد.
стр. 5270
وقال الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
وهم أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول رجعوا في أثناء الطريق.
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث قال: خرج رسول الله ﷺ يعني حين خرج إلى أحد - في ألف رجل من أصحابه حتى إذا كان بالشوط - بين أحد والمدينة - انخزل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس وقال: أطاعهم فخرج وعصاني، والله لا ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة، يقول: يا قوم! أذكر الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال.
فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم، ومضى رسول الله ﷺ .
• عن أبي حميد الساعدي أن رسول الله ﷺ خرج يوم أحد حتى إذا جاوز ثنية الوداع إذا بكتيبة خشناء فقال: "من هؤلاء؟ " قالوا: هذا عبد الله بن أبي ابن سلول في ستمائة من مواليه من اليهود من أهل قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام قال: "وقد أسلموا؟ " قالوا: لا يا رسول الله! قال: "قولوا لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين".
حسن: رواه ابن سعد في طبقاته (٢/ ٤٨) والحاكم (٢/ ١٢٢) كلاهما من حديث الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن سعد بن المنذر، عن أبي حميد الساعدي فذكره.
حسّنه الحافظ في المطالب (٤٢٦٣) وذلك من أجل سعد بن المنذر فإنه وإن لم يوثّقه غير ابن حبان فإنه ما روى به موافق للتاريخ.
٤ - باب لبس النبي ﷺ الدرعين
• عن الزبير بن العوام قال: كان على النبي ﷺ درعان يوم أحد، فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، فصعد النبي ﷺ عليه، حتى استوى على الصخرة، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أوجب طلحة".
حسن: رواه الترمذي (٣٧٣٨، ١٦٩٢) وأحمد (١٤١٧) وابن حبان (٦٩٧٩) والحاكم (٣/
стр. 5271
٣٧٤) والبيهقي (٦/ ٣٧٠، ٩/ ٤٦) من طرق عن محمد بن إسحاق (وهو في سيرته كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٨٦) قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام فذكره. وسقط ذكر أبيه من الإحسان. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وقال الترمذي: "وهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق". انتهى.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
وقوله: "أوجب طلحة" أي عمل عملًا أوجب له الجنة.
وفي الباب أحاديث أخرى تأتي في موضعها من كتاب المغازي.
• عن السائب بن يزيد أن النبي ﷺ ظاهر بين درعين يوم أحد.
صحيح: رواه أحمد (١٥٧٢٢) والشافعي في الأم (٤/ ٢٥٢) وسعيد بن منصور (٢٨٥٨) كلهم عن سفيان بن عيينة، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد فذكره.
ورواه الترمذي في الشمائل (١٠٤) عن أحمد بن أبي عمر العدني، والنسائي في الكبرى (٨٥٢٩) عن عبد الله بن محمد الضعيف (وهو ثقة، والضعيف لقبه) وابن ماجه (٢٨٠٦) عن هشام بن عمار، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٤١٤) من طريق علي بن المديني - وابن الجارود (١٠٦٠) من طريق عبد الله بن هاشم، خمستهم عن ابن عيينة عنه.
ورواية سعيد بن منصور، وأحمد، وعبد الله بن هشام، وهشام بن عمار بالاستثناء (عن السائب إن شاء الله).
ورواه أبو داود (٢٥٩٠) عن مسدد، حدننا سفيان، قال: حسبت أني سمعت يزيد بن خصيفة يذكر عن السائب بن يزيد، عن رجل قد سماه أن رسول الله ﷺ ظاهر فذكر الحديث.
وقال أحمد: حدثنا (أي ابن عيينة) به مرة أخرى، فلم يستثن فيه.
وقد اختلف فيه على ابن عيينة، فمن أصحابه من رواه عنه عن يزيد بن خصيفة، عن السائب، عن رجل قد سماه، ومنهم من رواه عنه، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب، عن رجل، عن طلحة بن عبيد الله.
ورواه أبو يعلى (٦٦٠) عن سويد بن سعيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، عن رجل من بني تميم يقال له: معاذ فذكر مثله.
والصحيح ما رواه ابن عيينة عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد بالجزم، وهو الذي رجحه الدارقطني في العلل (٤/ ٢١٨) وإسناده صحيح، وصحّحه أيضًا البوصيري في زوائد ابن ماجه.
٥ - عدة المسلمين والمشركين يوم أحد
قال ابن إسحاق: تعبى رسولُ الله ﷺ للقتال في سبع مائة رجل، وتعبتْ قريش وهم ثلاثة
стр. 5272
آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها: عكرمة بن أبي جهل.
وأمر رسول الله ﷺ الرماة، وهم خمسون رجلًا، انضحوا عنا الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا. سيرة ابن إسحاق (٥٠٤)
٦ - باب اختيار النبي ﷺ أبا دجانة لمنحه السيف ليقاتل به المشركين
• عن أنس أن رسول الله ﷺ أخذ سيفًا يوم أحد فقال: "من يأخذ مني هذا السيف بحق؟ " فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا قال: "فمن يأخذه بحقه؟ " قال: فأحجم القوم، فقال سماك بن خرَشة أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٤٧٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس فذكره.
وكان أبو دجانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء فاعتصب بها على الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته تلك، فعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفين.
قال محمد بن إسحاق: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال: قال رسول الله ﷺ حين رأى أبا دجانة يتبختر: "إنها لمشية يبغضها الله، إلا في مثل هذا الموطن".
ابن إسحاق في سيرته (٥٠٥) وسيرة ابن هشام (٢/ ٦٧).
وفيه رجل لم يسم، وسماه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٣) بأنه معاوية بن معبد بن كعب بن مالك إلا أنه معضل.
وأما ما رُوي عن الزبير بن العوام قال: عرض رسول الله ﷺ سيفًا يوم أحد فقال: "من يأخذ هذا السيف بحقه؟ " فقمت فقلت: أنا يا رسول الله ... ذكر الحديث بطوله. فهو ضعيف.
رواه البزار - كشف الأستار (١٧٨٧) والبيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣) كلاهما من حديث عمرو بن عاصم الكلابي، قال: حدثني عبيد الله بن الوازع بن ثور، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام فذكره.
قال البزار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا الزبير، ولا نعلمه إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن الوازع.
قلت: عبيد الله بن الوازع بن ثور الكلابي البصري مجهول، لم يوثّقه أحد، ولم يرو عنه إلا ابن ابنه عمرو بن عاصم الكلابي، ولم يذكر ابن حبان في ثقاته.
стр. 5273
وقول الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٠٩): "رواه البزار ورجاله ثقات" فيه نظر.
٧ - باب من أحسن القتال يوم أحد
• عن ابن عباس قال: جاء علي بسيفه يوم أحد، قد انحنى فقال لفاطمة: هاكي السيف حميدًا، فإنها قد شفتني، فقال رسول الله ﷺ : "لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت الأفلح، والحارث بن الصمة".
صحيح: رواه الحاكم (٣/ ٢٤) وعنه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤) عن محمد بن عبد الله الصغار، ثنا أبو الحسن علي بن محمد الثقفي بالكوفة، ثنا منجاب بن الحارث التميمي، قال: زعم سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.
قلت: بل هو على شرط مسلم فقط فإن منجاب بن الحارث التميمي الكوفي من رجال مسلم دون البخاري.
• عن أبي عقبة - وكان مولى من أهل فارس - قال: شهدت مع رسول الله ﷺ أحدًا فضربتُ رجلًا من المشركين فقلت: خذها مني وأنا الغلام الفارسي فالتفت إليّ رسول الله ﷺ فقال: "فهلا قلت خذها مني وأنا الغلام الأنصاري".
حسن: رواه أبو داود (٥١٢٣)، وابن ماجه (٢٧٨٤)، وأحمد (٢٢٥١٥) كلهم من طريق الحسين بن محمد، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن أبي عقبة فذكره.
ورواه أبو يعلى (٩١٠) من طريق يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن عقبة، عن أبيه عقبة مولى جبر بن عتيك الأنصاري فسماه عقبة، ولم يقل: أبي عقبة.
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي عقبة روى عنه اثنان وذكره ابن حبان في ثقاته، فمثله يحسن حديثه إذا لم يكن في حديثه شذوذ ونكارة.
٨ - باب هزيمة المشركين يوم أحد
• عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هُزم المشركون فصرخ إبليس لعنة الله عليه - أي عباد الله! أخراكم، فرجعت أولاهم، فاجتلدتْ هي وأخراهم، فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله أبي أبي، قال: قالت: فوالله! ما احتجزوا حتى
стр. 5274
قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فو الله ما زالتْ في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٥) عن عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
• عن الزبير قال: والله إني لأنظر يومئذ إلى خدم النساء، مشمرات يسعين حين انهزم القوم، وما أرى دون أخذهن شيئًا، وإنا لنحسبهم قتلى ما يرجع إلينا منهم أحد، ولقد أصيب أصحاب اللواء، [وصبروا عنده حتى صار إلى عبد له حبشي، يقال له "صواب" ثم قتل صواب فطرح اللواء] فما يقربه أحد من خلق الله تعالى، حتى وثبت إليه عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لهم، وثاب إليه الناس.
قال الزبير: فوالله! إنا لكذلك قد علوناهم وظهرنا عليهم، إذ خالفت الرماة عن أمر رسول الله ﷺ فأقبلوا إلى العسكر حين رأوه مختلًا قد أجهضناهم عنه، فرغبوا إلى الغنائم، وتركوا عهد رسول الله ﷺ ، فجعلوا يأخذون الأمتعة، فأتتنا الخيل من خلفنا، فحطمتنا، وكرّ الناس منهزمين، فصرخ صارخ يرون أنه الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل، فأعظم الناس، وركب بعضهم بعضًا، فصاروا أثلاثًا: ثلثًا جريحًا، وثلثًا مقتولًا، وثلثًا منهزمًا، قد بلغت الحرب، وقد كانت الرماة اختلفوا فيما بينهم، فقالت طائفة رأوا الناس وقعوا في الغنائم، وقد هزم الله تعالى المشركين، وأخذ المسلمون الغنائم: فماذا تنتظرون؟ وقالت طائفة: قد تقدم إليكم رسول الله ﷺ ونهاكم أن تفارقوا مكانكم إن كانت عليه أو له، فتنازعوا في ذلك، ثم إن الطائفة الأولى من الرماة أبت إلا أن تلحق بالعسكر، فتفرق القوم، وتركوا مكانهم، فعند ذلك حملت خيل المشركين.
حسن: رواه إسحاق في "مسنده" عن وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يقول: حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير فذكره.
"المطالب العالية" (٤٢٦٠) وهو عند ابن إسحاق في سيرته (٥٠٧) مختصرًا، وأخرجه الحاكم (٣/ ٢٧) من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق مختصرًا.
وقال: صحيح على شرط مسلم.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه صرّح.
وقال الحافظ: هذا إسناد صحيح له شاهد في الصحيح من حديث البراء وهو الحديث الآتي:
стр. 5275
٩ - باب ترك الرماة الجبل الذي عيّنهم عليه رسولُ الله ﷺ -
• عن البراء بن عازب قال: جعل النبي ﷺ على الرجالة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير فقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشددن، قد بدت خلاخلهن وأسوقهن، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب ابن جبير: الغنيمة! أي قوم الغنيمة! ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي ﷺ غير اثني عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة وسبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله! إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: أعل هبل، اعل هبل، قال النبي ﷺ : "ألا تجيبونه؟ " قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ : "ألا تجيبونه؟ " قال: قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا: "الله مولانا ولا مولى لكم".
صحيح: رواه البخاري في الجهاد والسير (٣٠٣٩) عن عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق (هو السبيعي) قال: سمعت البراء بن عازب يحدّث فذكره.
• عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله ﵎ في موطن كما نصر يوم أحد، قال: فأنكرنا فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ﵎، إن الله يقول في يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقول ابن عباس: والحسُّ: القتل - ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع، ثم قال: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل، فلا
стр. 5276
تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا" فلما غنم النبي ﷺ وأباحوا عسكر المشركين، أكبّ الرماة جميعًا، فدخلوا في العسكر ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم هكذا، وشبّك بين أصابع يديه - والتبسوا، فلما أخلّ الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي ﷺ ، فضرب بعضهم بعضًا، والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة، أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كانوا تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد، فلم يشكّ فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل، حتى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقي نحونا، وهو يقول: "اشتد غضب الله على قوم دمّوا وجه رسوله" قال: ويقول مرة أخرى: "اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا" حتى انتهى إلينا. فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعل هبل - مرتين، يعني آلهته - أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: يا رسول الله، ألا أجيبه؟ قال: "بلى" قال: فلما قال: اعل هبل، قال عمر: الله أعلى وأجلّ، قال: فقال سفيان: يا ابن الخطاب، إنه قد أنعمت عينها، فعاد عنها، أو فعال عنها، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ ، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر، قال: فقال سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذًا وخسرنا، ثم قال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون في قتلاكم مثلى، ولم يكن ذاك عن رأي سَراتنا، قال: ثم أدركته حمية الجاهلية، قال: فقال: أما إنه قد كان ذاك، لم يكرهه.
حسن: رواه أحمد (٢٦٠٩) والطبراني في الكبير (١٠٧٣١) والحاكم (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧) كلهم من طريق سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله، عن ابن عباس، فذكره. قال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: إسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، أو لم يأت في حديثه ما ينكر عليه، لأنه تغير حفظه لما قدم بغداد فكان يضطرب كما قال الإمام أحمد.
стр. 5277
هنا حصل منه سهو وهو أنه لم يذكر اسم الصحابي الذي أخذ منه ابن عباس قصة أحد، لأنه لم يشهدها وكان بمكة مع أبيه ومع ذلك يقول: "فما زلنا كذلك ما نشك أنه قد قتل حتى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه ... ".
هذا قول أحد من الصحابة الذي حدّث القصة بكاملها لابن عباس، وجهالة الصحابي لا تضر بصحة الحديث.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره - في تفسير الآية (١٥٢ من سورة آل عمران) بعد أن أخرج الحديث من مسند الإمام أحمد: "هذا حديث غريب، وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم يشهد أحدًا، ولا أبوه".
وقال: وقد أخرجه الحاكم في مستدركه، وابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها.
١٠ - دعاء رسول الله ﷺ يوم أحد
• عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أحد: "اللهم! إنك إنْ تشأ، لا تُعبد في الأرض".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٢٣: ١٧٤٣) عن حجاج بن الشاعر، حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس قال: فذكره.
قال النووي: "المشهور في كتب السير والمغازي أنه قال يوم بدر وجاء في هذه الرواية أنه قال: "يوم أحد" ولا معارضة بينهما فقال في اليومين" والله أعلم.
١١ - باب وقوع النعاس يوم أحد
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
• عن أنس أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٥٦٢) عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن أبي يعقوب، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك فذكره.
ورواه الترمذي (٣٠٠٧) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس. فذلك قوله : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقال: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 5278
• عن أنس أن أبا طلحة قال: غشينا ونحن في مصافنا يوم أحد، حدّث أنه كان فيمن غشيه النعاس يومئذ، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط من يدي وآخذه. والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه وأخذله للحق.
صحيح: رواه الترمذي (٣٠٠٨) عن يوسف بن حماد، قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس فذكره.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] يعني لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف.
وقال الترمذي (٣٠٠٧ م) حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير مثله. وقال: حسن صحيح. أي مثل حديث أبي طلحة.
ولعله يقصد بمعناه فإن حديث الزبير هو الآتي:
• عن الزبير قال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ يوم أحد حين اشتد علينا الخوف، وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا وذَقَنه أو قال: ذقنه في صدره، فو الله! إني لأسمع كالحلم قول معتّب بن قشير: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فحفظتها فأنزل الله في ذلك: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ إلى قوله ﴿مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب بن قشير قال: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
حسن: رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن يحيى بن آدم، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، فذكره. المطالب العالية (٤٢٦٠).
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وقد صرّح في الأسانيد السابقة فلعل هنا اختصره الراوي فقال: "عن" فإنه راوه أيضًا من وجه آخر عن محمد بن إسحاق يقول فيه: حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مُصعِدِين في أحد ... فذكر الحديث. "المطالب العالية" (٤٢٦٠).
وكذلك رواه أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٦٢٦) من وجه آخر عن محمد بن إسحاق مصرحًا بالسماع.
١٢ - باب عفو الله عمّن فرّ من غزوة أحد
قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا
стр. 5279
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٥].
• عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل حج البيت فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتى فقال: إني سائلك عن شيء أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فتعلمه تغيّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم قال: فكبر، قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ : "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه" وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان"، فضرب بها على يده فقال: "هذه لعثمان" اذهب بها الآن معك.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٦) عن عبدان، أخبرنا أبو ضمرة، عن عثمان بن موهب قال: فذكره.
• عن عبد الله بن الزبير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أوجب طلحة حين صنع ما صنع برسول الله ﷺ وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله ﷺ حتى انتهى بعضهم إلى المنقا دون الأعوص، وفر عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان رجلان من الأنصار ثم من بني زريق حتى بلغوا الجلعب - جبلا بناحية المدينة، فأقاموا به ثلاثًا، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "لقد ذهبتم فيها عريضة".
حسن: رواه محمد بن إسحاق في سيرته (٥١٤) قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
• عن شقيق قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عينين - قال عاصم: يقول يوم أحد، ولم أتخلف يوم بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فخبر ذلك عثمان، قال: فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم عينين، فكيف يعيرني
стр. 5280
بذنب وقد عفا الله عنه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرّض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهمي، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه فقد شهد، وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر، فإني لا أطيقها ولا هو، فأته فحدّثه بذلك.
حسن: رواه أحمد (٤٩٠) والبزار - كشف الأستار (٢٥١٢) والطبراني في الكبير (١/ ٤٥) كلهم من حديث عاصم بن أبي النجود، عن شقيق بن سلمة قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النجود فإنه حسن الحديث.
وكذا حسّنه أيضًا الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٢٦، ٩/ ٨٤).
والوليد بن عقبة هو ابن أبي معيط القرشي الأموي أخو عثمان لأمه له صحبة، وأبوه قتل يوم بدر صبرًا وهو الأشقى الذي ألقى سلا الجزور على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي في بيت الله.
وقوله: يوم عينين: عينان هضبة جبل أحد بالمدينة. ويقال: جبلان عند أحد.
وقوله: سنة عمر: أي في زهده وإنصافه للمظلومين، وضربه للظالمين المفسدين فإن الله تعالى منحه قوة وهيبة فإنني لا أطيقها هو فأته فحدثه بذلك.
يبدو أن عذرهم بفرارهم كان بسبب ما أشيع بأن النبي ﷺ قد قتل، فلماذا القتال إذا؟ فعفا الله عنهم، وقبل عذرهم.
وكان أول من بشر بحياة رسول الله ﷺ هو كعب بن مالك كما في الحديث الآتي:
١٣ - باب أول من عرف النبي ﷺ بأنه حيٌّ هو كعب بن مالك
• عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان كعب أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله ﷺ . قال كعب: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين! أبشروا هذا رسول الله ﷺ فأشار إليَّ أن أنصت، فلما عرفوا رسول الله ﷺ نهضوا به معهم نحو الشعب ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير والحارث بن الصمة في رهط من المسلمين، ولما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: يا محمد لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: أيعطف عليه يا رسول الله رجل منا؟ فقال: دعوه، فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة.
يقول بعض القوم فيما ذكر لي: فلما أخذها رسول الله ﷺ انتفض بها انتفاضة
стр. 5281
تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض ثم استقبله فطعنه بها طعنة تدأدأَ منها عن ظهر فرسه مرارًا.
حسن: رواه أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٦١٩ - ٦٢٠) من طريق محمد بن مسلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني ابن شهاب، عن عبد الله بن كعب بن مالك فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
دون قوله: قال بعض القوم فيما ذكر لي ... فإنه لم يسند هذا الجزء.
وأخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (٢٥٣) من وجه آخر عن محمد بن إسحاق عن ابن شهاب وعن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك فذكر مثله.
وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٨٣) إلا أنه ليس فيه ذكر عبد الله بن كعب وإنما قال فيه: ذكر لي ابن شهاب الزهري كعب بن مالك قال: فذكر الحديث.
وهذا دليل على أن ابن هشام اختصر إسناد ابن إسحاق في مواضع كثيرة، ولذا يجب الحذر والحيطة في الحكم على الإسناد من خلال سيرة ابن هشام.
١٤ - باب عدد مَنْ قُتِلَ مِنَ المسلمين يومَ أحد
• عن البراء بن عازب قال: جعل النبي ﷺ على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا.
قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال.
صحيح: رواه البخاري (٣٩٨٦) عن عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب يقول: فذكره.
• عن قتادة قال: ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا، أعز يوم القيامة من الأنصار.
قال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون.
قال: وكان بئر معونة على عهد رسول الله ﷺ ، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر الصديق يوم مسيلمة الكذاب.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٧٨) عن عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة فذكره.
ولكن قال ابن إسحاق: "جميع من استشهد من المسلمين مع رسول الله ﷺ من المهاجرين
стр. 5282
والأنصار: خمسة وستون رجلا".
قلت: ليس منهم أربعة من المهاجرين أيضًا: وهم حمزة، وعبد الله بن جحش، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان، والباقون من الأنصار.
واستدرك ابن هشام زيادة على ما ذكره ابن إسحاق خمسة آخرين فصاروا سبعين، وقد سرد ابن إسحاق أسماءهم وأسماء الذي قتلوا من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلا. سيرة ابن هشام (٢/ ١٢٢ - ١٢٧).
• عن جابر قال: صبّح أناس غداة أحد الخمر، فقتلوا من يومهم جميعًا شهداء، وذلك قبل تحريمها.
منهم: حمزة بن عبد المطلب، واليمان أبو حذيفة، وأنس بن النضر، ومصعب بن عمير.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦١٨) عن صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو (هو ابن دينار) عن جابر قال: فذكره.
• عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه أُتي بطعام - وكان صائمًا - فقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفّن في بردة، إن غطّي رأسه بدتْ رجلاه، وإن غطّي رجلاه بدا رأسه - وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني - ثم بُسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا - وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجّلتْ لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٤٥) عن عبدان (وهو عبد الله بن عثمان المروزي) حدثنا عبد الله (هو ابن المبارك) عن سعد بن إبراهيم (هو ابن عبد الرحمن بن عوف) عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف أُتي بطعام فذكر الحديث.
قوله: "وهو خير مني" قال ذلك تواضعًا.
• عن خبّاب بن الأرت قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله فمنّا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفّن فيه إلا نمرة، فكنّا إذا وضعناها على رأسه، خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ : "ضعوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر" ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٤٧) ومسلم في الجنائز (٩٤٠: ٤٤) كلاهما من طريق الأعمش، عن شقيق، عن خباب بن الأرت قال: فذكره.
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين
стр. 5283
أنا؟ قال: "في الجنة" فألقى تمراتٍ في يده، ثم قاتل حتى قتل.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٤٦) ومسلم في الإمارة (١٤٣: ١٨٩٩) كلاهما من طريق سفيان (هو ابن عيينة) عن عمرو، سمع جابر بن عبد الله قال: فذكره.
وهذا الرجل ليس هو عمير بن الحمام كما قال بعض أهل العلم فإن قصته وقعت يوم بدر، وقصة هذا الرجل وقعت يوم أحد فهما رجلان أحدهما عمير بن الحمام والثاني لا يعرف اسمه.
• عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ! الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى - أو نظن - أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
متفق عليه. رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٨٠٥) من طريق حميد، ومسلم في الإمارة (٤٨: ١٩٠٣) من طريق ثابت - كلاهما عن أنس قال: فذكره.
قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع - أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر وهو عم أنس بن مالك، وبه سمي أنس أنسًا - إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله ﷺ قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ثم استقبل القوم فقاتل حتى قُتل.
• عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، ما عرفته إلا أخته، عرفته ببنانه.
حسن: رواه ابن إسحاق قال: حدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك فذكره، سيرة ابن إسحاق (٥١٠) وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق.
• عن جابر بن عبد الله قال: جيء بأبي يوم أحد قد مثّل به حتى وضع بين يدي رسول الله ﷺ وقد سُجّي ثوبًا، فذهبت أريد أن أكشف عنه، فنهاني قومي، ثم ذهبت أكشف عنه فنهاني قومي، فأمر رسول الله ﷺ فرفع، فسمع صوت صائحة، فقال:
стр. 5284
"من هذه؟ " فقالوا: ابنة عمرو - أو أخت عمرو - قال: "فلم تبكي؟ " - أو لا تبكي، فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩٣) ومسلم في فضائل الصحابة (١٢٩: ٢٤٧١) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، حدثنا ابن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: فذكره.
واسم أبي جابر: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري.
• عن جابر قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله ﷺ ، وإن عليّ دينًا فاقض، واستوص بأخواتك خيرًا، فأصبحنا فكان أول قتيل، ودفن معه آخر في قبر، ثم لَم تطِبْ نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هنيّة غير أذنه.
صحيح: رواه البخاري في الجنائز (١٣٥١) عن مسدد، أخبرنا بشر بن المفضل، حدثنا حسين المعلم، عن عطاء، عن جابر فذكره.
وهذا الآخر هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري كما في الحديث الآتي، وكان صديق والد جابر، وزوج أخته هند بنت عمرو.
• عن أبي قتادة أنه حضر ذلك قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ - وكانت رجله عرجاء - فقال رسول الله ﷺ : "نعم" فقتلوه يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله ﷺ فقال: "كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة".
فأمر رسول الله ﷺ بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد.
حسن: رواه أحمد (٢٢٥٥٣) عن أبي عبد الرحمن المقري، حدثنا حيوة، حدثنا أبو صخر حميد بن زياد، أن يحيى بن النضر حدثه عن أبي قتادة فذكره.
وإسناده حسن من أجل حميد بن زياد أبي صخر، فإنه مختلف فيه، فضعّفه النسائي ومشّاه الآخرون، غير أنه وصف بالوهم، ومن أوهامه في هذا الحديث ذكر مولاهما، فإن الصحيح أنهما - أي عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري والد جابر، وعمرو بن الجموح - دفنا في قبر واحد.
والحديث حسّنه الحافظ في الفتح (٣/ ٢١٦)
وقال: قال ابن عبد البر في "التمهيد": ليس هو ابن أخيه، وإنما هو ابن عمه. وهو كما قال، فلعله كان أحسن منه. انتهى.
стр. 5285
وقول جابر: فاستخرجته بعد ستة أشهر - ظاهره يخالف ما وقع في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبرهما، وكانا في قبر واحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.
ويؤيد هذا ما ذكره محمد بن إسحاق فقال: حدثني أبي، عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما - يعني عمرو وعبد الله - وعليهما بردتان قد غطى بهما وجوههما وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض فأخرجناهما ينثنيان ثنيًا كأنهما دفنا بالأمس".
فأجاب الحافظ ابن حجر جمعًا بين الخبرين بقوله: "فإما أن يكون المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد".
قلت: ليس في رواية البخاري أن جابر بن عبد الله بعد أن استخرجه بعد ستة أشهر دفن كل واحد منهما في قبر. فإنه لعله بعد ما رآه أنه كيوم وضعه في قبره تركهما على حالهيا إلى أن جاء السيل في عهد معاوية فكشف قبرهما.
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: "من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: "من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٠٠: ١٧٨٩) عن هدّاب بن خالد الأزدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد وثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: فذكره.
• عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة وفيهم حمزة، ومثلوا بقتلاهم، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربينّ عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله ﷺ : أمن الأسود والأبيض إلا فلانًا وفلانًا. ناسًا سمّاهم، فأنزل الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] فقال رسول الله ﷺ : "نصبر ولا نعاقب".
حسن: رواه الترمذي (٣١٢٩) وعبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٢١٢٣٠، ٢١٢٢٩) وصحّحه ابن حبان (٤٨٧) والحاكم (٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩) كلهم من طرق عن الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن
стр. 5286
عبيد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب فذكره واللفظ لأحمد.
وفي غيره: "كفّوا عن القوم إلا أربعة"
قال الترمذي: حسن غريب من حديث أبي بن كعب.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وإسناده حسن من أجل عيسى بن عبيد وهو الكندي أبو المنيب فإنه حسن الحديث. وفيه أيضًا الربيع بن أنس مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
• عن أبي هريرة أن عمرو بن أقيش كان له ربًا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أحد، فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد، قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد. فلبس لأمته، وركب فرسه، ثم توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون، قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحًا، فجاء سعد بن معاذ فقال لأخته: سليه: حمية لقومك أو غضبًا لهم، أم غضبًا لله؟ فقال: غضبًا لله ولرسوله! فمات، فدخل الجنة وما صلى لله صلاة.
حسن: رواه أبو داود (٢٥٣٧) والحاكم (٢/ ١١٣) وعنه البيهقي (٩/ ١٦٧) من طريق موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن عمرو، وهو ابن علقمة الليثي، فإنه حسن الحديث.
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم.
وحسّنه الحافظ في الإصابة فقال: "هذا إسناد حسن".
قلت: لم يسنده أبو هريرة، وقد جاء مسندًا في الحديث الآتي:
• عن أبي هريرة قال: كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش.
قال الحصين: فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم أحد وخرج رسول الله ﷺ إلى أحد، بدا له الإسلام فأسلم، فأخذ سيفه فغدا حتى أتى القوم فدخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، قال: فبينما رجال بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: إنه للأصيرم، وما جاء؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فاسألوه ما جاء به؟ قالوا: ما جاء بك يا عمرو، أحَدَبًا على قومك أو رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله ﷺ -
стр. 5287
فقاتلت حتى أصابني ما أصابني، قال: ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: "إنه لمن أهل الجنة".
حسن: رواه أحمد (٢٣٦٣٤) عن يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق وحصين بن عبد الرحمن فإنهما حسنا الحديث. وقد حسّنه ابن حجر في الإصابة (٥٨١١).
• عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون، فصرخ إبليس لعنة الله عليه: أي عباد الله! أخراكم، فرجعت أولاهم، فاجتلدت هي وأخراهم فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله! أبي! أبي! قال قالت: فو الله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، قال عروة: فوالله! ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله.
بصُرتُ: علمت، من البصيرة في الأمر. وأبصرت: من بصر العين، ويقال: بصرت وأبصرت واحد.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٥) عن عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
وحذيفة يكنى أبا عبد الله وأبوه اليمان اسمه: حسيل بن جابر، واليمان لقب، وإنما قيل له اليمان لأنه نسب إلى جده اليمان بن الحارث بن قطيعة، واسم اليمان جروة بن الحارث بن قطيعة، وإنما قيل لجروة: اليمان لأنه أصاب في قومه دما، فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان لمحالفته اليمانية، شهد هو وابناه حذيفة وصفوان مع رسول الله ﷺ أحدًا، فأصاب حسيلًا المسلمون في المعركة فقتلوه ويظنونه من المشركين ولا يدرون وحذيفة يصيح أبي أبي ولم يسمع، فتصدق ابنه حذيفة بديته على من أصابه.
وقيل: إن الذي قتله عتبة بن مسعود، ملخص ما في الاستيعاب.
وذكر محمد بن إسحاق قتله متصلا فقال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال: لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد، رفع حسيل بن جابر، وهو اليمان، أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن وقش في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهم لصاحبه وهما شيخان كبيران: ما أبا لك، ما تنتظر؟ فو الله لا بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله ﷺ لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله ﷺ ؟ فأخذا أسيافهما ثم خرجا، حتى دخلا في
стр. 5288
الناس، ولم يعلم بهما، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين، فقتلوه ولا يعرفونه، فقال حذيفة: أبي، فقالوا: والله إن عرفناه، وصدقوا، قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله ﷺ أن يديَه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ خيرًا. انتهى. سيرة ابن هشام (٢/ ٨٧).
ومحمود بن لبيد الأوسي الأشهلي من صغار الصحابة له رؤية، وجلُّ روايته عن الصحابة.
وأما حذيفة فهو من كبار أصحاب النبي ﷺ وهو معروف في الصحابة بصاحب سر رسول الله ﷺ ، وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهم، فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر، ومات سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان في أول خلافة علي.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نُعوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان! هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه! قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة.
حسن: رواه محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن إسماعيل، عن محمد، عن سعد بن أبي وقاص فذكره.
وإسناده حسن من أجل تصريح ابن إسحاق. هكذا ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٤٧) طبعة دار الفكر.
وفي سيرة ابن هشام (٢/ ٩٩) عن إسماعيل بن محمد عن سعد بن أبي وقاص. وإسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص لا يعرف له السماع عن جده.
وأخشى أن يكون ابن هشام أخطأ عندما اختصر الإسناد.
قال ابن هشام: الجلل يكون من القليل، ومن الكثير وهو ها هنا من القليل.
قال امرؤ القيس في الجلل القليل:
لقتل بني أسد ربهم ... ألا كل شيء سواه جلل
وقال ابن هشام: وأما قول الشاعر، وهو الحارث بن وعلة الجرمي:
ولئن عفوتُ لأعفون جللًا ... ولئن سطوت لأوهننْ عظمى
فهو من الكثير.
قال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعًا إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لي، فلما لقيت الناس نُعي إليها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نُعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعتْ واستغفرت له، ثم نُعي لها زوجها مصعب بن عمير
стр. 5289
فصاحت وولولت. فقال رسول الله ﷺ : "إن زوج المرأة منها لبمكان" لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها. سيرة ابن هشام (٢/ ٩٨)
ورواه ابن ماجه (١٥٩٠) عن محمد بن يحيى، قال: حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش، عن أبيه، عن حمنة بنت جحش أنه قيل لها: قتل أخوك فقالت: ﵀، وإنا لله وإنا إليه راجعون، قالوا: قتل زوجك، قالت: واحزناه! فقال رسول الله ﷺ : "إن للزوج من المرأة لشعبة، ما هي لشيء" وإسناده ضعيف من أجل إسحاق بن محمد الفروي وشيخه عبد الله بن عمر.
١٥ - باب في استشهاد حمزة بن عبد المطلب
• عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشي يسكن حمص، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت، قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير، فسلمنا، فرد السلام، قال وعبيد الله معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه، فقال عبيد الله: يا وحشي أتعرفني؟ قال: فنظر إليه، ثم قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاما بمكة فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه، فلكأني نظرت إلى قدميك، قال فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم، إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، قال: فلما أن خرج الناس عام عينين - وعينين جبل بحيال أحد، بينه وبينه واد - خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباع، يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله ورسوله ﷺ ؟ قال: ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب. قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذاك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسلًا، فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل، قال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله ﷺ ، فلما رآني قال: آنت وحشي؟ قلت: نعم قال: أنت قتلت حمزة؟ قلت: قد كان
стр. 5290
من الأمر ما بلغك، قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟ قال: فخرجت، فلما قبض رسول الله ﷺ فخرج مسيلمة الكذاب، قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان، قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال: فرميته بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته.
قال: قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر بيت: وا أمير المؤمنين قتله العبد الأسود.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٧٢) عن أبي جعفر محمد بن عبد الله، حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، عن سليمان بن يسار، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري فذكره.
وقوله: قالت جارية على ظهر بيت: "وا أمير المؤمنين قتله العبد الأسود": في إطلاق أمير المؤمنين على مسيلمة الكذاب نظر، لأن مسيلمة كان يدعي أنه نبي مرسل، وكانوا يقولون له: يا رسول الله، ويا نبي الله، والتلقيب بأمير المؤمنين حدث بعد ذلك. وأول من لقب به عمر، وذلك بعد قتل مسيلمة بمدة.
كذا في الفتح (٧/ ٣٧١)
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ مر على حمزة، وقد مثل به، فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشر من بطونها".
حسن: رواه أبو داود (٣١٣٦) والترمذي (١٠١٦) وأحمد (١٢٣٠٠) والحاكم (١/ ٣٦٥) كلهم من طرق عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس فذكره.
وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد وهو الليثي فإنه حسن الحديث.
١٦ - هل هند أكلت كبد حمزة ﵁
روي عن ابن مسعود، أن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين، يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر: إنه ليس أحد منا يريد الدنيا، حتى أنزل الله : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فلما خالف أصحاب النبي ﷺ ، وعصوا ما أمروا به، أُفرد رسول الله ﷺ في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم، فلما رهقوه، قال: "رحم الله رجلا ردهم عنا" قال: فقام رجل من الأنصار، فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه أيضًا، قال: "يرحم الله رجلا ردهم عنا" فلم يزد
следующие страницы →