Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
عبيد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب فذكره واللفظ لأحمد.
وفي غيره: "كفّوا عن القوم إلا أربعة"
قال الترمذي: حسن غريب من حديث أبي بن كعب.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وإسناده حسن من أجل عيسى بن عبيد وهو الكندي أبو المنيب فإنه حسن الحديث. وفيه أيضًا الربيع بن أنس مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
• عن أبي هريرة أن عمرو بن أقيش كان له ربًا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أحد، فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد، قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد. فلبس لأمته، وركب فرسه، ثم توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون، قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحًا، فجاء سعد بن معاذ فقال لأخته: سليه: حمية لقومك أو غضبًا لهم، أم غضبًا لله؟ فقال: غضبًا لله ولرسوله! فمات، فدخل الجنة وما صلى لله صلاة.
حسن: رواه أبو داود (٢٥٣٧) والحاكم (٢/ ١١٣) وعنه البيهقي (٩/ ١٦٧) من طريق موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن عمرو، وهو ابن علقمة الليثي، فإنه حسن الحديث.
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم.
وحسّنه الحافظ في الإصابة فقال: "هذا إسناد حسن".
قلت: لم يسنده أبو هريرة، وقد جاء مسندًا في الحديث الآتي:
• عن أبي هريرة قال: كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش.
قال الحصين: فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم أحد وخرج رسول الله ﷺ إلى أحد، بدا له الإسلام فأسلم، فأخذ سيفه فغدا حتى أتى القوم فدخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، قال: فبينما رجال بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: إنه للأصيرم، وما جاء؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فاسألوه ما جاء به؟ قالوا: ما جاء بك يا عمرو، أحَدَبًا على قومك أو رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله وأسلمت، ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله ﷺ -
стр. 5287
فقاتلت حتى أصابني ما أصابني، قال: ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: "إنه لمن أهل الجنة".
حسن: رواه أحمد (٢٣٦٣٤) عن يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق وحصين بن عبد الرحمن فإنهما حسنا الحديث. وقد حسّنه ابن حجر في الإصابة (٥٨١١).
• عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون، فصرخ إبليس لعنة الله عليه: أي عباد الله! أخراكم، فرجعت أولاهم، فاجتلدت هي وأخراهم فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله! أبي! أبي! قال قالت: فو الله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، قال عروة: فوالله! ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله.
بصُرتُ: علمت، من البصيرة في الأمر. وأبصرت: من بصر العين، ويقال: بصرت وأبصرت واحد.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٥) عن عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
وحذيفة يكنى أبا عبد الله وأبوه اليمان اسمه: حسيل بن جابر، واليمان لقب، وإنما قيل له اليمان لأنه نسب إلى جده اليمان بن الحارث بن قطيعة، واسم اليمان جروة بن الحارث بن قطيعة، وإنما قيل لجروة: اليمان لأنه أصاب في قومه دما، فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان لمحالفته اليمانية، شهد هو وابناه حذيفة وصفوان مع رسول الله ﷺ أحدًا، فأصاب حسيلًا المسلمون في المعركة فقتلوه ويظنونه من المشركين ولا يدرون وحذيفة يصيح أبي أبي ولم يسمع، فتصدق ابنه حذيفة بديته على من أصابه.
وقيل: إن الذي قتله عتبة بن مسعود، ملخص ما في الاستيعاب.
وذكر محمد بن إسحاق قتله متصلا فقال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال: لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد، رفع حسيل بن جابر، وهو اليمان، أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن وقش في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهم لصاحبه وهما شيخان كبيران: ما أبا لك، ما تنتظر؟ فو الله لا بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله ﷺ لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله ﷺ ؟ فأخذا أسيافهما ثم خرجا، حتى دخلا في
стр. 5288
الناس، ولم يعلم بهما، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين، فقتلوه ولا يعرفونه، فقال حذيفة: أبي، فقالوا: والله إن عرفناه، وصدقوا، قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله ﷺ أن يديَه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ خيرًا. انتهى. سيرة ابن هشام (٢/ ٨٧).
ومحمود بن لبيد الأوسي الأشهلي من صغار الصحابة له رؤية، وجلُّ روايته عن الصحابة.
وأما حذيفة فهو من كبار أصحاب النبي ﷺ وهو معروف في الصحابة بصاحب سر رسول الله ﷺ ، وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهم، فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر، ومات سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان في أول خلافة علي.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نُعوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان! هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه! قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة.
حسن: رواه محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن إسماعيل، عن محمد، عن سعد بن أبي وقاص فذكره.
وإسناده حسن من أجل تصريح ابن إسحاق. هكذا ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٤٧) طبعة دار الفكر.
وفي سيرة ابن هشام (٢/ ٩٩) عن إسماعيل بن محمد عن سعد بن أبي وقاص. وإسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص لا يعرف له السماع عن جده.
وأخشى أن يكون ابن هشام أخطأ عندما اختصر الإسناد.
قال ابن هشام: الجلل يكون من القليل، ومن الكثير وهو ها هنا من القليل.
قال امرؤ القيس في الجلل القليل:
لقتل بني أسد ربهم ... ألا كل شيء سواه جلل
وقال ابن هشام: وأما قول الشاعر، وهو الحارث بن وعلة الجرمي:
ولئن عفوتُ لأعفون جللًا ... ولئن سطوت لأوهننْ عظمى
فهو من الكثير.
قال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعًا إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لي، فلما لقيت الناس نُعي إليها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نُعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعتْ واستغفرت له، ثم نُعي لها زوجها مصعب بن عمير
стр. 5289
فصاحت وولولت. فقال رسول الله ﷺ : "إن زوج المرأة منها لبمكان" لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها. سيرة ابن هشام (٢/ ٩٨)
ورواه ابن ماجه (١٥٩٠) عن محمد بن يحيى، قال: حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش، عن أبيه، عن حمنة بنت جحش أنه قيل لها: قتل أخوك فقالت: ﵀، وإنا لله وإنا إليه راجعون، قالوا: قتل زوجك، قالت: واحزناه! فقال رسول الله ﷺ : "إن للزوج من المرأة لشعبة، ما هي لشيء" وإسناده ضعيف من أجل إسحاق بن محمد الفروي وشيخه عبد الله بن عمر.
١٥ - باب في استشهاد حمزة بن عبد المطلب
• عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشي يسكن حمص، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت، قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير، فسلمنا، فرد السلام، قال وعبيد الله معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه، فقال عبيد الله: يا وحشي أتعرفني؟ قال: فنظر إليه، ثم قال: لا والله، إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاما بمكة فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه، فلكأني نظرت إلى قدميك، قال فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم، إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، قال: فلما أن خرج الناس عام عينين - وعينين جبل بحيال أحد، بينه وبينه واد - خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباع، يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله ورسوله ﷺ ؟ قال: ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب. قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذاك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسلًا، فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل، قال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله ﷺ ، فلما رآني قال: آنت وحشي؟ قلت: نعم قال: أنت قتلت حمزة؟ قلت: قد كان
стр. 5290
من الأمر ما بلغك، قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟ قال: فخرجت، فلما قبض رسول الله ﷺ فخرج مسيلمة الكذاب، قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان، قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال: فرميته بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته.
قال: قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر بيت: وا أمير المؤمنين قتله العبد الأسود.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٧٢) عن أبي جعفر محمد بن عبد الله، حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، عن سليمان بن يسار، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري فذكره.
وقوله: قالت جارية على ظهر بيت: "وا أمير المؤمنين قتله العبد الأسود": في إطلاق أمير المؤمنين على مسيلمة الكذاب نظر، لأن مسيلمة كان يدعي أنه نبي مرسل، وكانوا يقولون له: يا رسول الله، ويا نبي الله، والتلقيب بأمير المؤمنين حدث بعد ذلك. وأول من لقب به عمر، وذلك بعد قتل مسيلمة بمدة.
كذا في الفتح (٧/ ٣٧١)
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ مر على حمزة، وقد مثل به، فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشر من بطونها".
حسن: رواه أبو داود (٣١٣٦) والترمذي (١٠١٦) وأحمد (١٢٣٠٠) والحاكم (١/ ٣٦٥) كلهم من طرق عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس فذكره.
وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد وهو الليثي فإنه حسن الحديث.
١٦ - هل هند أكلت كبد حمزة ﵁
روي عن ابن مسعود، أن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين، يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر: إنه ليس أحد منا يريد الدنيا، حتى أنزل الله : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فلما خالف أصحاب النبي ﷺ ، وعصوا ما أمروا به، أُفرد رسول الله ﷺ في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم، فلما رهقوه، قال: "رحم الله رجلا ردهم عنا" قال: فقام رجل من الأنصار، فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه أيضًا، قال: "يرحم الله رجلا ردهم عنا" فلم يزد
стр. 5291
يقول ذا، حتى قتل السبعة، فقال النبي ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفْنا أصحابنا" فجاء أبو سفيان، فقال؟ اعل هبل، فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: الله أعلى وأجل" فقالوا: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا عزى، ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: الله مولانا، والكافرون لا مولى لهم" ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، يوم لنا، ويوم علينا، ويوم نُساء، ويوم نُسَرُّ، حنظلة بحنظلة، وفلان بفلان، وفلان بفلان، فقال رسول الله ﷺ : "لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون، وقتلاكم في النار يعذبون" قال أبو سفيان: قد كانت في القوم مثلة، وإن كانت لَعَنْ غير ملأ منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا، فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها، فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله ﷺ : "أأكلت منه شيئا؟ " قالوا: لا، قال: "ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة النار" فوضع رسول الله ﷺ حمزة، فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار، فوضع إلى جنبه، فصلى عليه، فرفع الأنصاري، وترك حمزة، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة، فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة.
رواه الإمام أحمد (٤٤١٤) عن عفان، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود فذكره، وفي الإسناد علتان:
إحداهما: أن عطاء بن السائب مختلط، ولكن حماد وهو ابن سلمة روى عنه قبل الاختلاط، فمن أعله بعطاء بن السائب وحده فلم يصب.
والثانية: أن فيه انقطاعًا بين الشعبي - وهو عامر بن شراحبيل - وبين عبد الله بن مسعود.
قال أبو حاتم: لم يسمع الشعبي من عبد الله بن مسعود وقد أكد العلائي أن الشعبي أرسل عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود. وهذه علة هذا الإسناد.
وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه (٦٦٥٣) عن الشعبي مرسلًا لم يذكر فيه ابن مسعود. ولكن هذه القصة مشهور في كتب السير والمغازي بأن هند بنت عتبة مضغت كبد حمزة.
روى موسى بن عقبة أن وحشيًا بقر عن كبد حمزة، وحملها إلى هند بنت عتبة فلاكتها فلم تستطع أن تستسيغها.
ولكن روى ابن إسحاق في سيرته (٥١٦) أن هندًا هي التي بقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تستسيغها. وزاد: أن هندًا اتخذت من اذان الرجال وأنفهم خدما (أي خلاخل) وقلائد.
وقال الواقدي: إن وحشيًا عندما قتل حمزة حمل كبده إلى مكة ليراها سيده جبير بن مطعم.
فالظاهر من هذه الآثار وإن كانت لم ترو بأسانيد صحيحة تدل على بقر عن كبد حمزة ﵁.
وأما ما روي عن وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال لي: "وحشي؟ " فقلت: نعم، قال: "أقتلت حمزة؟ " قلت: نعم والحمد لله الذي أكرمه بيدي ولم يُهِنِّي بيديه، فقالت قريش: أنُحبه وهو قاتل حمزة؟ فقلت: يا رسول الله! استغفر لي، فتفل في
стр. 5292
الأرض ثلاثة، ودفع في صدري ثلاثة وقال: "يا وحشي! اخرج فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصدعن سبيل الله" فهو ضعيف.
رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٣٩) عن موسى بن عيسى بن المنذر الحمصي، ثنا محمد بن المبارك الصوري، ثنا صدقة بن خالد، عن وحشي بن حرب فذكره.
ووحشي بن حرب بن وحشي لينه الذهبي، وقال الحافظ: "مستور"، وفي متنه نكارة فإن النبي ﷺ أمره بالخروج من المدينة ولم يعد إليها إلا بعد وفاته.
وقول الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٢١): إسناده حسن كان اعتمادًا على توثيق ابن حبان.
١٧ - باب دعاء النبي ﷺ لمن استشهد في غزوة أحد
قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٣].
• عن عقبة بن عامر قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودعّ لإحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: "إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد ... ". الحديث بطوله
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٤٢) ومسلم في الفضائل (٣٠: ٢٢٩٦) كلاهما من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: فذكره.
وأما ما رُوي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر أصحاب أحد: "أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نُحْصِ الجبل" يعني سفح الجبل، فهو منكر.
رواه أحمد (١٥٠٢٥) والحاكم (٢/ ٧٦، ٣/ ٢٨) وعنه البيهقي في الدلائل (٣/ ٣٠٤) من طريق عن ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن جابر فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٢٣): وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرّح بالسماع.
قلت: وهو كما قال: إلا أن عبد الرحمن بن جابر الأنصاري وإن كان من رجال الصحيح، ووثّقه العجلي والنسائي، ولكن قال ابن سعد في روايته ورواية أخيه: ضعيف وليس يحتج بهما.
وفي متنه نكارة وهي كيف يتمنى النبي ﷺ أن يكون من قتلى أحد وهو يدعو الله سبحانه وتعالى
стр. 5293
بقوله: "اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض" رواه مسلم.
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣].
وقد نقل البيهقي قول عاصم بن عمر بن قتادة: لكني والله ما يسرني أنه كان غودر معهم. ومعنى غودر - ترك مع القتلى.
أما التمني العام أن يقتل ثم يحيى، ثم يقتل، ثم يحيى إلى آخره فهو أمر يختلف عن هذا.
وقوله: نُحص الجبل - بضم النون - أصل الجبل وسفحه.
١٨ - باب بكاء النبي ﷺ ونساء الأنصار على حمزة
• عن جابر بن عبد الله قال: لما بلغ النبي ﷺ قتل حمزة بكى، فلما نظر إليه شهق.
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (١٧٩٤) عن مسلم بن جنادة أبي السائب، ثنا عبد الله بن نمير، ثنا محمد بن علي السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن محمد بن عقيل فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ مر بنساء عبد الأشهل يبكين هلْكاهن يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ : "لكن حمزة لا بواكي له" فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: "ويحهن ما انقلبن بعد؟ مروهن فلينقلبن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم".
حسن: رواه ابن ماجه (١٥٩١) وأحمد (٤٩٨٤) والحاكم (٣/ ١٩٥) كلهم من حديث أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. واللفظ لابن ماجه.
وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد فإنه حسن الحديث.
وسبق في الجنائز أخبار أخرى عن حمزة بن عبد المطلب ﵁.
١٩ - باب غسل الملائكة حنظلة الراهب
• عن يحيى بن عباد بن الزبير، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله ﷺ حتى انتهى بعضهم إلى دون الإعراض إلى جبل بناحية المدينة، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ وقد كان حنظلة بن أبي عامر الثقفي هو وأبو سفيان بن حرب فلما استعلاه حنظلة رآه شدّاد بن الأسود فعلاه شداد بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان فقال رسول الله ﷺ : "إن صاحبكم حنظلة تغسّله الملائكة فسلوا صاحبته" فقالت: خرج وهو جنب لما سمع
стр. 5294
الهائعة. فقال رسول الله ﷺ : "فذاك قد غسّلته الملائكة".
حسن: رواه ابن حبان (٧٠٢٥) والحاكم (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥) كلاهما من حديث ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عباد فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرّح.
وأما ما رُويَ عن ابن عباس قال: أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة الراهب وهما جنبان، فقال رسول الله ﷺ : "رأيت الملائكة تغسلهما" فضعيف.
رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٩١) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثني عمي القاسم، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا شريك، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره.
فيه شريك وهو ابن عبد الله النخعي سيء الحفظ، والحكم لم يسمع من مقسم إلا خمسة أحاديث وهذا ليس منها.
وأما الهيثمي فقال في "المجمع" (٣/ ٢٣): "إسناده حسن".
٢٠ - باب صفة المنافقين واليهود في غزوة أحد
• عن زيد بن ثابت قال: لما خرج النبي ﷺ إلى أحد رجع ناس من أصحابه فقالت فرقة: نقتلهم، وقالت فرقة: لا نقتلهم، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وقال النبي ﷺ : "إنها تنفي الرجال كما تنفي النار خَبَثَ الحديد".
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل المدينة (١٨٨٤) ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم (٢٧٧٦: ٦) كلاهما من طريق شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت زيد بن ثابت يقول: فذكره.
قال ابن إسحاق بعد أن ذكر مشاورة النبي ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه.
قال ابن هشام: واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس.
قال محمد بن إسحاق: حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد أنخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، وأتبعهم عبد الله بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، قال: فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه.
رواه محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا
стр. 5295
كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد. وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من هذا الحديث عن يوم أحد قالوا: أو من قاله منهم.
فذكر طويلا، وهذا جزء خاص بالمنافقين.
وقال ابن هشام: وذكر غير زياد عن محمد بن إسحاق، عن الزهري: أن الأنصار يوم أحد قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال: "لا حاجة لنا فيهم" سيرة ابن هشام (٢/ ٦٠ - ٦٤)
٢١ - باب شهود الملائكة بأحد
• عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيت يوم أحد عن يمين رسول الله ﷺ وعن يساره، رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٤٥) ومسلم في الفضائل (٤٧: ٢٣٠٦) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد (هو: ابمت إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) عن أبيه سعد، عن جدّه (إبراهيم بن عبد الرحمن)، عن سعد بن وقاص قال: فذكره.
قوله: "رجلين عليهما ثياب بيض" يعني جبريل وميكائيل ﵉. كما جاء في صحيح مسلم (٢٣٠٦).
٢٢ - باب من ثبت مع النبي ﷺ يوم أحد
• عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب عليه بحجفة له، وكان أبو طلحة رجلًا راميًا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثًا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة، قال ويشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنهما، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٤) ومسلم في الجهاد والسير (١٣٦: ١٨١١) كلاهما من طريق عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز (هو ابن صهيب) عن أنس بن مالك قال: فذكره.
• عن علي قال: ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: "يا سعد ارم فداك أبي وأمي".
стр. 5296
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٥٩) ومسلم في فضائل الصحابة (٤١: ٢٤١١) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عبد الله بن شدّاد، عن علي قال: فذكره.
قوله: "سعد بن مالك" هو سعد بن أبي وقاص.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد جمع لي رسول الله ﷺ يوم أحد أبويه كليهما، يريد حين قال: "فداك أبي وأمي" وهو يقاتل.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٥٧) ومسلم في فضائل الصحابة (٤٢: ٢٤١٢) كلاهما من طريق يحيى (هو ابن سعيد الأنصاري) عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص قال: فذكره. والسياق للبخاري.
• عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ جمع له أبويه يوم أحد، قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال له النبي ﷺ : "ارم فداك أبي وأمي" قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصْل، فأصبت جنبه فسقط، فانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرت إلى نواجذه.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٤٢: ٢٤١٢) عن محمد بن عباد، حدثنا حاتم (هو ابن إسماعيل) عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص فذكره.
قوله: "أحرق المسلمين" أي أكثر فيهم الإصابة.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: نثل لي النبي ﷺ كنانته يوم أحد فقال: "ارم فداك أبي وأمي".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٥٥) عن عبد الله بن محمد، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا هاشم بن هاشم السعدي قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: فذكره.
قوله: "نثل" أي: استخرج. و "الكنانة": وعاء السهم.
• عن أبي عثمان (هو النهدي عبد الرحمن بن ملّ) قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد عن حديثهما.
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٢٢، ٣٧٢٣) ومسلم في فضائل الصحابة (٤٧: ٢٤١٤) كلاهما عن محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان فذكره.
• عن السائب بن يزيد قال: صحبتُ عبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والمقداد وسعدًا ﵃. فما سمعت أحدًا منهم يحدّث عن النبي ﷺ إلا أني سمعت طلحة يحدّث عن يوم أحد.
стр. 5297
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٥٦٢) عن عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن يوسف قال: سمعت السائب بن يزيد فذكره.
• عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلّاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٥٦٣) عن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس فذكره.
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: "من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة" فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم رهقوه أيضًا، فقال: "من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة" فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد (١٧٨٩) عن هداب بن خالد الأزدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد وثابت البناني، عن أنس بن مالك فذكره.
قوله: "ما أنصفْنا أصحابنا": أي ما أنصفتْ قريش الأنصار لكون القرشيين لم يخرجا للقتال، بل خرجت الأنصار واحدًا بعد واحد. ذكره النووي.
وبمعناه رواه الإمام أحمد (٤٤١٤) عن عفان، حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود أن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر: إنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فلما خالف أصحاب النبي ﷺ وعصوا ما أمروا به، أُفرد رسول الله ﷺ في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم، فذكر حديثًا طويلا، إلا أنه منقطع فإن الشعبي لم يسمع من عبد الله بن مسعود، وهذه علته - وأما عطاء بن السائب فهو مختلط إلا أن حمادا سمع منه قبل الاختلاط.
• عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم أحد وولى الناس، كان رسول الله ﷺ في ناحية في اثني عشر رجلًا من الأنصار، وفيهم طلحة بن عبيد الله، فأدركهم المشركون، فالتفت رسول الله ﷺ فقال: "من للقوم؟ " فقال طلحة: أنا، قال رسول الله؟ ﷺ : "كما أنت" فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله! فقال: "أنت" فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: "من للقوم؟ " فقال طلحة: أنا، قال: "كما أنت" فقال رجل من الأنصار: أنا، فقال: "أنت" فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقول ذلك، ويخرج
стр. 5298
إليهم رجل من الأنصار فيقاتل قِتالَ مَنْ قبله حتى يقتل، حتى بقي رسول الله ﷺ وطلحة بن عبيد الله، فقال رسول الله ﷺ : "من للقوم؟ " فقال طلحة: أنا، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر، حتى ضربت يده، فقطعت أصابعه، فقال: حس، فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون"، ثم رد الله المشركين.
حسن: رواه النسائي (٣١٤٩) وعنه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٧٠) - عن عمرو بن سوّاد قال: أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب وذكر آخر قبله، عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمارة بن غزية، ويحيى بن أيوب، فإنهما حسنا الحديث.
٢٣ - باب خدمة النساء يوم أحد
• عن عمر بن الخطاب أنه قسم مروطًا بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيد، فقال له بعض من عنده با أمير المؤمنين! أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي، فقال عمر: أم سليط أحق به، - وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ ، قال عمر: فإنها كانت تزْفِر لنا القرب يوم أحد.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٧١) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث (هو ابن سعد) عن يونس، عن ابن شهاب، قال ثعلبة بن أبي مالك إن عمر بن الخطاب قسم مروطًا ... فذكره.
أم سليط: هي والدة أبي سعيد الخدري كانت زوجًا لأبي سليط فمات عنها قبل الهجرة فتزوجها مالك بن سنان الخدري فولدت له أبا سعيد.
قاله الحافظ ابن حجر في "الفتح".
• عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ ، وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ فجوّب عليه بجحفة له. فذكر الحديث.
وجاء فيه: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمّرتان، أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنهما، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٤) ومسلم في الجهاد (١٣٦: ١٨١١) كلاهما من طريق عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس فذكره.
٢٤ - باب ما أصاب النبي ﷺ من الجروح يوم أحد
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيّه -
стр. 5299
يشير إلى رباعيته - اشتدّ غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٧٣) ومسلم في الجهاد والسير (١٠٦: ١٧٩٣) كلاهما من طريق عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همّام بن منبّه، سمع أبا هريرة قال: فذكره.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "اشتد غضب الله على قوم هشموا البيضة على رأس نبيهم، وهو يدعوهم إلى الله".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (١٧٩٣) عن محمد بن معمر، ثنا سهل بن بكار، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو فإنه حسن الحديث.
• عن عبد الله بن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٧٧) ومسلم في الجهاد (١٧٩٢) كلاهما من حديث الأعمش، قال: حدثني شقيق، عن عبد الله فذكره.
وفي رواية مسلم: "وهو ينضحُ الدم عن جبينه".
• عن ابن عباس قال: اشتد غضب الله على من قتله النبي ﷺ في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دمّوا وجه نبي الله ﷺ .
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٧٤) عن مخلد بن مالك، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن جريج، عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فذكره.
• عن الزبير قال: أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب يأتي المهراس، فأتاه بماء في دَرَقته، فأتى به رسول الله ﷺ فأراد أن يشرب منه، فوجد له ريحا فعافه، فغسل به وجهه من الدماء التي أصابته وهو يقول: "اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله".
وكان الذي أدماه يومئذ عتبة بن أبي وقاص.
حسن: رواه إسحاق بن راهويه في مسنده، عن وهب، حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يقول: حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير فذكره. المطالب العالية (٤٢٦٠).
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرّح.
• عن سهل بن سعد - وهو يسأل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله وكان يسكب الماء، وبما دووي، قال: كانت
стр. 5300
فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ تغسله، وعليّ يسكب الماء بالمجنّ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها، فاستمسك الدم، وكسرت رباعيته يومئذ، وجرح وجهه، وكسرت البيضة على رأسه.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٧٥) ومسلم في الجهاد والسير (١٠٢: ١٧٩٠) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب (هو ابن عبد الرحمن القاري) عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد قال: فذكره.
• عن عائشة ﵄: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢] قالت لعروة: يا ابن أختي! كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد انصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا قال: "من يذهب في إثرهم؟ " فانتدب منهم سبعون رجلًا، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٧٧) ومسلم في فضائل الصحابة (١٨: ٢٤٥١) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
• عن أنس أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشجّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجّوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله؟ " فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٠٤: ١٧٩١) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.
وذكره البخاري في كتاب المغازي (٤٠٦٨) باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ معلقًا عن حميد وثابت، عن أنس به.
٢٥ - باب كيف دفن من قتل في غزوة أحد
• عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: "أيّهم أكثر أخذًا للقرآن؟ " فإذا أشير له إلى أحد قدمه في اللحد وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسلوا.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٧٩) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن
стр. 5301
شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره. انظر للمزيد: كتاب الجنائز.
٢٦ - دعاء النبي ﷺ بعد دفن الشهداء
• عن عبيد بن رفاعة الزرقي، عن أبيه قال: لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ : "استووا حتى أثني على ربي " فصاروا خلفه صفوفًا فقال: "اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قرّبت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العَيلة، والأمن يوم الحرب، اللهم عائذًا بك من سوء ما أعطيتنا، وشر ما منعت منا. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق" قال علي: وسمعته من محمد بن بشر، وأسنده، ولا أجيء به.
صحيح: رواه أحمد (١٥٤٩٢) والبخاري في الأدب المفرد (٦٩٩) والبزار - كشف الأستار (١٨٠٠) والحاكم (١/ ٥٠٦ - ٥٠٧) والطبراني في الدعاء (١٠٧٥) كلهم من طرق عن عبد الواحد بن أيمن، عن عبيد بن رفاعة الزرقي، عن أبيه فذكره.
قال البزار: "لا نعلمه مرفوعًا إلا من حديث رفاعة، ولا رواه عن عبيد إلا عبد الواحد، وهو مشهور لا بأس به، روى عنه أهل العلم".
قلت: وهو كما قال، فقد روى عن عبد الواحد بن أيمن جماعة واختلفوا عليه فمنهم من جعله من حديث عبيد بن رفاعة الزرقي ولم يذكروا أباه وعبيد من الخابعين فيكون مرسلًا.
ولكن الصحيح ما ذكرته وصحّحه أيضًا الحاكم فقال: على شرط الشيخين.
وتعقبه الذهبي فقال: لم يخرجا لعبيد وهو ثقة، والحديث مع نظافة إسناده منكر، أخاف أن يكون موضوعًا. رواه عن خلاد بن أبي ميسرة.
ثم يبدو تغير حكم الذهبي في موضع آخر رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٣ - ٢٤) من غير طريق ابن أبي مرة، عن خلاد بن يحيى كما رواه في الموضع الأول المشار إليه أعلاه، فإنه وافق الحاكم على أنه شرط الشيخين.
стр. 5302
وقول الذهبي: لم يخرجا لعبيد وهو ثقة، وهو كما قال، ولكن رواه البخاري عنه في الأدب المفرد، والحاكم لا يفرق بين صحيح البخاري وكتبه الأخرى كالأدب المفرد، وخلق أفعال العباد، والمعلقات، وجزء القراءة ورفع اليدين وغيرها.
وأما مسلم فلم يخرج عن عبيد وبالله التوفيق.
٢٧ - خروج النبي ﷺ لمتابعة العدو حتى لا يقصدوا المدينة
• عن عائشة قالت لعروة بن الزبير: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢] يا ابن أختي كان أبوك منهم: الزبير وأبو بكر. لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: "من يذهب في أثرهم؟ " فانتدب منهم سبعون رجلا قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٧٧) عن محمد (وهو ابن سلام) ثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
قال الحافظ ابن حجر: وقد سمي منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمار بن ياسر وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وحذيفة وابن مسعود، أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس. الفتح (٧/ ٣٧٤)
وذكر محمد بن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (٢/ ١٠١ - ١٠٢) فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال.
قال: وأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.
لأن أبا سفيان والمشركين الذين معه فكروا في العودة إلى المدينة لاستقبال بقية المسلمين فمر بهم معبد بن أبي معبد الخزاعي وأخبرهم أن محمدًا قد خرج مع أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا.
ونصحهم بالعودة إلى مكة ففعلوا.
٢٨ - من قتل من المشركين في العودة إلى المدينة
وأخذ رسول الله ﷺ قبل رجوعه إلى المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس.
وأبا عزة الجمحي وكان رسول الله ﷺ أسره ببدر، ثم منّ عليه، فقال: يا رسول الله! أقلني فقال رسول الله ﷺ : "والله! لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدًا مرتين، اضرب عنقه يا زبير" فضرب عنقه.
قال ابن هشام: ويقال: إن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلا معاوية بن المغيرة بعد حمراء الأسد.
стр. 5303
جموع ما جاء في الأحداث التي بين غزوة أحد والأحزاب
١ - غزوة الرجيع في سنة ثلاث
قال محمد بن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله! إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله ﷺ معهم نفرًا ستة من أصحابه وهم: مرثد بن أبي مرثد الغنوي، حليف حمزة بن عبد المطلب - قال ابن إسحاق: وهو أمير القوم - وخالد بن البكير الليثي، حليف بني عدي، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، أخو بني عمرو بن عوف، وخبيب بن عدي أخو بني جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة، أخو بني بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق، حليف بني ظفر، ﵃. هكذا قال ابن إسحاق أنهم كانوا ستة، وكذا ذكر موسى بن عقبة، وسماهم كما قال ابن إسحاق. وعند البخاري أنهم كانوا عشرة، وعنده أن أميرهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فالله أعلم.
قال ابن إسحاق: فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع - ماء لهذيل بناحية الحجاز، من صدور الهدأة - غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم - وهم في رحالهم - إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، ولكن عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم، فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا ولا عقدًا أبدًا. وقال عاصم بن ثابت:
ما علتي وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل
تزل عن صفحتها المعابل ... الموت حق والحياة باطل
وكل ما حمّ الإله نازل ... بالمرء والمرء إليه آيل
إن لم أقاتلكم فأمي هابل
وقال عاصم أيضًا:
أبو سليمان وريش المقعد ... وضالة مثل الجحيم الموقد
إذا النواحي افترشت لم أرعد .. ومجنأ من جلد ثور أجرد
стр. 5304
ومؤمن بما علي محمد
وقال أيضًا:
أبو سليمان ومثلي رامى ... وكان قومي معشرًا كرامًا
قال: ثم قاتل حتى قتل، وقتل صاحباه، فلما قتل عاصم، أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد، لئن قدرت على رأس عاصم، لتشربن في قحفه الخمر، فمنعته الدبر، فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله الوادي، فاحتمل عاصمًا فذهب به، وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسّه مشرك، ولا يمسّ مشركًا أبدًا، تنجّسًا، فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك، ولا يمس مشركًا أبدًا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته.
قال ابن إسحاق: وأما خبيب وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة، وأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران، انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه، واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران، وأما خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة. قال ابن هشام: فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة.
قلت: الدبر هو ذكور النحل، وقيل: الزنابير.
والقِحف: بكسر القاف: أعلى الدماغ.
قال ابن إسحاق: فابتاع خبيبًا حجير بن أبي إهاب التميمي، حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان أبو إهاب أخا الحارث بن عامر لأمه، ليقتله بأبيه، قال: وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية، ليقتله بأبيه، فبعثه مع مولى له يقال له: نسطاس، إلى التنعيم، وأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع رهط قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل: أنشدك الله يا زيد! أتحب أن محمدًا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا. قال: ثم قتله نسطاس، قال: وأما خبيب بن عدي فحدثني عبد الله بن أبي نجيح، أنه حدث عن ماويّة مولاة حجير بن أبي إهاب، وكانت قد أسلمت، قالت: كان خبيب عندي، حبس في بيتي، فلقد اطلعت عليه يومًا، وإن في يده لقطفًا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم في أرض الله عنبًا يؤكل.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي نجيح أنهما قالا: قالت:
стр. 5305
قال لي حين حضره القتل: ابعثي إلي بحديدة أتطهر بها للقتل، قالت: فأعطيت غلامًا من الحي الموسى، فقلت له: ادخل بها على هذا الرجل البيت، قالت: فو الله! إن هو إلا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت؟ أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام، فيكون رجلًا برجل. فلما ناوله الحديدة أخذها من يده، ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلي، ثم خلّى سبيله.
قال ابن إسحاق: قال عاصم: ثم خرجوا بخبيب، حتى جاؤوا به إلى التنعيم ليصلبوه، قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا: دونك فاركع، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله! لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعًا من القتل، لاستكثرت من الصلاة، قال: فكان خبيب أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين.
قال: ثم رفعوه على خشبة، فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا، ثم قتلوه، وكان معاوية بن أبي سفيان يقول: حضرته يومئذ فيمن حضره مع أبي سفيان، فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فرقًا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه، زلت عنه.
سيرة ابن هشام (٢/ ١٦٩ - ١٧٣) ونقل عنه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٤٩٨ - ٥٠٧) وأطال في ذكره، إلا أن محمد بن إسحاق وإن كان إمامًا في المغازي كما قال الشافعي: "من أراد المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق" إلا أنه لم يسند جميع ما ذكره كعادته في كتابه المغازي عمومًا، ولذا قد يقع خلاف بينه وبين من أسنده وإليكم ما أسنده الامام البخاري ومسلم في صحيحيهما من أخبار غزوة الرجيع.
• عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﷺ سرية عينًا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كان بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلًا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزوّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلّوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن
стр. 5306
يصحبهم فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا، حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قِطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٨٦) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي، عن أبي هريرة فذكره.
وقوله: عاصم بن ثابت الأنصاري - جد عاصم بن عمر بن الخطاب أي من جهة الأم، فقد قيل إن عمر بن الخطاب تزوج جميلة بنت عاصم بن ثابت الأنصاري، فولدت له عاصم بن عمر بن الخطاب.
الذي قتل خبيبًا اسمه عقبة بن الحارث، وكنيته أبو سروعة كما ذكره البخاري (٣٩٨٩) وقد أسلم بعد ذلك، وله حديث في الرضاع.
٢ - سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى قطن في محرم سنة أربع
ثم سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى قطن، وهو جبل بناحية فيد به ماء لبني أسد بن خزيمة في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ ، وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ أبا سلمة وعقد له لواء وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار، قال: سر حتى تنزل أرض بني أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك
стр. 5307
جموعهم، فخرج فأغذّ السير ونكب عن سَنن الطريق وسبق الأخبار وانتهى إلى أدنى قطن، فأغار على سرح لهم فضموه وأخذوا رعاء لهم مماليك ثلاثة، وأفلت سائرهم فجاءوا جمعَهم فحذروهم فتفرقوا في كل ناحية، ففرق أبو سلمة أصحابه ثلاث فرق في طلب النَعَم والشاء فآبوا إليه سالمين قد أصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا أحدًا فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة. الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٥٠).
٣ - سرية عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان بعرنة في محرم سنة أربع
ثم سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي بعرنة خرج من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن سفيان بن خالد الهذلي ثم اللحياني وكان ينزل عرنة وما والاها في ناس من قومه وغيرهم قد جمع الجموع لرسول الله ﷺ فبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس ليقتله فقال: صفه لي يا رسول الله! قال: إذا رأيته هبته وفرقت منه وذكرت الشيطان قال: وكنت لا أهاب الرجال واستأذنت رسول الله ﷺ أن أقوم فأذن لي فأخذت سيفي وخرجت أعتزي إلى خزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش ومن ضوى إليه فعرفته بنعت رسول الله ﷺ ، وهبته فرأيتني أقطر فقلت: صدق الله ورسوله، فقال: من الرجل، فقلت: رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، قال: أجل إني لأجمع له، فمشيت معه وحدثته واستحلى حديثي حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غارًا في الجبل وضربت العنكبوت علي، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئًا فانصرفوا راجعين. ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد، فلما رآني قال: أفلح الوجه، قلت: أفلح وجهك يا رسول الله، فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري فدفع إلي عصًا، وقال: تخصر بهذه في الجنة، فكانت عنده فلما حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدرجوها في كفنه، ففعلوا وكانت غيبته ثماني عشرة ليلة وقدم السبت لسبع بقين من المحرم. ذكره ابن سعد في الطبقات (٢/ ٥٠ - ٥٢).
واختلف في اسم هذا الرجل فقيل: خالد بن سنميان، وقيل: سفيان بن خالد، وقيل: غير ذلك. وقوله: "عرنة" اسم لواد يمر بطرف عرفة.
• عن عبد الله بن أنيس قال: دعاني رسولُ الله ﷺ فقال: "إنَّه قد بلغني أنَّ خالد بن سفيان بن نُبَيح الهُذَلي، يجمَعُ لي الناس ليغزُوَني وهو بعُرَنة، فأْتِهِ فاقتُلْه" قال: قلتُ: يا رسول الله! انعتْهُ لي حتَّى أعرفَه، قال: "إذا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لهُ إقْشَعْريرةً". قال: فخرجتُ متوشِّحًا بسيفي حتَّى وقعتُ عليه، وهو بعُرَنَة مِع ظُعُنٍ يرتادُ لهن منزلًا، وحين كان وقتُ العصر، فلما رأيتُه وجدتُ ما وصف لي رسولُ الله ﷺ من
стр. 5308
الإقشعريرة، فأقبلتُ نحوه، وخشيتُ أن يكون بيني وبينه محاولةٌ تشغلُني عن الصلاة، فصليتُ وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود، فلمَّا انتهيتُ إليه، قال: من الرجل؟ قلتُ: رجلٌ من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لهذا. قال: أجل أنا في ذلك. قال: فمشيتُ معه شيئًا، حتَّى إذا أمكَنَني حَمَلْتُ عليه السيف حتَّى قتلتُه، ثم خرجتُ، وتركت ظعائنَه مُكِبّاتٍ عليه، فلمَّا قدِمتُ على رسول الله ﷺ فرآني، فقال: "أَفْلَحَ الوَجْهُ"، قال: قلتُ: قتلتُه يا رسول الله. قال: "صدَقْتَ" قال: ثم قام معي رسولُ الله ﷺ ، فدخل بي بيته، فأعطاني عصًا، فقال: "أمْسِكْ هذِهِ عِنْدَكَ، يا عبد الله بن أُنَيْس"، قال: فخرجتُ بها على الناس، فقالوا: ما هذا العصا؟ قال: قلتُ: أعطانيها رسولُ الله ﷺ ، وأمرني أن أمسكها، قالوا: أوَ لا ترجِعُ إلى رسول الله ﷺ فتسألَه عن ذلك؟ قال: فرجعتُ إلى رسول الله ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ الله، لم أعطَيْتَني هذه العصا؟ قال: "آيَة بيني وبَيْنِكَ يومَ القِيَامَةِ، إنَّ أقَلَّ النَّاس المُتَخَصِّرُونَ يومئذٍ" قال: فقَرَنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فصُبَّتْ معه في كفنه، ثم دُفنا جمعًا.
حسن: رواه أحمد (١٦٠٤٧)، وأبو يعلى (٩٠٥)، وصحّحه ابن خزيمة (٩٨٣)، وابن حبان (٧١٦٠) كلهم من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه فذكره.
ابن عبد الله بن أنيس اسمه: عبد الله بن عبد الله بن أنيس ترجم له البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في ثقاته، وهو لم ينفرد به في أصل القصة فقد تابعه غير واحد.
وقد حسّن إسناده أيضًا ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٣٧).
وقد ذكرناه في كتاب الصلاة، باب صلاة الطالب والمطلوب.
وقد رُوي هذا الخبر عن عبادة بن الصامت ولا يصح.
٤ - باب استشهاد القراء في بئر معونة في صفر سنة أربع
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة، ثم بعث رسول الله ﷺ أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد.
قال ابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة على رسول الله ﷺ المدينة، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، ودعاه إليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام وقال: يا محمد! لو بعثت رجالا من
стр. 5309
أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله ﷺ : "إني أخشى عليهم أهل نجد" قال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعو الناس إلى أمرك.
فبعث رسول الله ﷺ أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين.
سيرة ابن هشام (٢/ ١٨٣ - ١٨٤) وهو مرسل.
رواه أيضًا عبد الرزاق (٩٧٤١) عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني ابن كعب بن مالك فذكر نحوه وهو مرسل أيضًا.
قول ابن إسحاق: أربعين رجلا وهم، والصحيح سبعين رجلا كما في الصحيحين. فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان خال أنس بن مالك، وعامر بن فهيرة مولى الصديق فساروا حتى نزلوا بئر معونة، فبعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب، وأوعز إلى رجل فأنفذه بالرمح من خلفه فقال حرام: فزت ورب الكعبة.
ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم - عصية ورعل وذكوان فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم. فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق، فارتثّ من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدًا.
إلا عمرو بن أمية الضمري، والمنذر بن محمد بن عقبة، فقد كانا في سرح القوم فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم حول العسكر، فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتها وأقفة، فقال المنذر لعمرو: ما ترى؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فقال المنذر بن محمد: لكني لا أرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لأخبر عنه الرجال.
وقاتل القوم حتى قتل ﵁ شهيد البطولة والوفاء، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل بعد أن جزّ ناصيته، وأعتقه عن رقبة كانت عن أمة فيما زعم، فخرج عمرو قاصدًا المدينة، فلقي رجلين من بني عامر، وكان معهما عهد من الرسول وهو لا يعلم، فأمهلهما حتى ناما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب بهذا ثأرًا من بني عامر، فلما قدم عمرو وأخبر الرسول بقصتهما قال: "لقد قتلتَ قتيلين لأدينهما".
ثم قال: "هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا" فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه إخفار ابن أخيه عامر إياه، فذهب ابنه ربيعة إلى عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح انتقامًا منه على فِعلته النكراء، فجرح ولكنه لم يمت، ثم وفد على النبي ﷺ بعد قاصدًا الغدر به فمنعه الله منه، وقد دعا
стр. 5310
عليه النبي ﷺ فقال: "اللهم اكفني عامرًا" فأصابه الله بغدة في بيت امرأة من بني سلول، فكان يقول: غدة كغدة البعير في بيت امرأة سلولية، ثم ركب فرسه، فمات على ظهره بالعراء، تطعم منه الطيور والسباع.
وكان وصول خبر سرية الرجيع وبئر معونة في يوم واحد، فحزن النبي ﷺ والمسلمون حزنًا شديدًا لم يخفف منه إلا أنهم شهداء عند ربهم يرزقون، ولقد بلغ حزن النبي ﷺ أنه مكث شهرًا يدعو في صلاة الصبح على رعل وذكوان وعصية الذين غدروا بالقراء.
هذه خلاصة ما ذكر في يوم بئر معونة، وإليكم تفصيل ما جاء في الصحيحين وغيرهما:
• عن أنس بن مالك قال: بعث رسول الله ﷺ سبعين رجلا لحاجة يقال لهم: القراء. فعرض لهم حيّان من بني سليم - رعل وذكوان - عند بئر يقال له: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ فقتلوهم. فدعا النبي ﷺ عليهم شهرًا في صلاة الغداة وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٨٨) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس فذكره.
وقوله: لحاجة - وهي التعليم كما جاء التصريح به في رواية مسلم في كتاب الإمارة (١٤٧: ٦٧٧) رواه عن محمد بن حاتم حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك قال: جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون. وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي ﷺ إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا: اللهم بلّغ عنا نبينا أن قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا.
قال: وأتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة.
فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا".
• عن أنس بن مالك أن رعلًا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، قال أنس: فقرأنا عليهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع: بلّغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا
стр. 5311
فرضي عنا وأرضانا.
وعن قتادة عن أنس بن مالك حدثه أن نبي الله ﷺ قنت شهرًا في صلاة الصبح يدعو على أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٩٠) عن عبد الأعلى بن حماد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك فذكره.
وقوله: استمدوا رسول الله ﷺ على عدو: يظهر منه أنهم جاءوا إلى النبي ﷺ طلبا للنجدة على عدوهم، وهو يخالف السياق السابق. فيمكن الجمع بين السياقين أنهم جاءوا إلى النبي ﷺ وطلبوا منه الأمرين، التعليم ثم النجدة فبعث إليهم النبي ﷺ سبعين قراء للتعليم والنجدة معًا.
• عن أنس: أن النبي ﷺ بعث خاله - أخًا لأم سليم - في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، خير بين ثلاث خصال: فقال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف؟ فطعن عامر في بيت أم فلان، فقال: غدة كغدة البكر، في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم، وهو رجل أعرج، ورجل من بني فلان، قال: كونا قريبًا حتى آتيهم فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم، فقال: أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله ﷺ ، فجعل يحدثهم، وأومؤوا إلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه، - قال همام أحسبه - حتى أنفذه بالرمح، قال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، فلحق الرجل، فقتلوا كلهم غير الأعرج، كان في رأس جبل، فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. فدعا النبي ﷺ عليهم ثلاثين صباحًا، على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية. الذين عصوا الله ورسوله ﷺ .
صحيح: رواه البخاري (٤٠٩١) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: حدثني أنس فذكره.
وقوله: فانطلق حرام أخو أم سليم - وهو رجل أعرج فصار الأعرج صفة لحرام وهو ليس بصحيح، بل الأعرج رجل غيره. فالذي يظهر كما يقول ابن حجر: أن الواو في قوله وهو قدمت سهوًا من الكاتب والصواب تأخيرها فيكون الكلام الصحيح: فانطلق هو، ورجل أعرج. واسمه كعب بن زيد بن دينار بن النجار.
واسم حرام هو ابن ملحان.
• عن أنس بن مالك يقول: لما طعن حرام بن ملحان وكان خاله يوم بئر معونة قال
стр. 5312
بالدم هكذا. فنضحه على وجهه ورأسه ثم قال: فزت ورب الكعبة.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٩٢) عن حبان، حدثنا عبد الله، أخبرني معمر، حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أنه سمع أنس بن مالك فذكره.
• عن عائشة قالت: استأذن النبي ﷺ أبو بكر في الخروج حين اشتد عليه الأذى، فقال له: "أقم" قال: يا رسول الله! أتطمع أن يؤذن لك، فكان رسول الله ﷺ يقول: "إني لأرجو ذلك" قالت: فانتظره أبو بكر، فأتاه رسول الله ﷺ ذات يوم ظهرًا، فناداه فقال: "أخرج من عندك" فقال أبو بكر: إنما هما ابنتاي فقال: "أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج" فقال: يا رسول الله! الصحبة! فقال النبي ﷺ : "الصحبة" قال: يا رسول الله! عندي ناقتان، قد كنمت أعددتهما للخروج، فأعطى النبي ﷺ إحداهما - وهي الجدعاء - فركبا، فانطلقا حتى أتيا الغار - وهو بثور - فتواريا فيه، فكان عامر بن فهيرة غلامًا لعبد الله بن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها، وكانت لأبي بكر منحة، فكان يروح بها ويغدو عليهم ويصبح، فيدلج إليهما ثم يسرح، فلا يفطن به أحد من الرعاء، فلما خرج خرج معهما يعقبانه حتى قدما المدينة، فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة.
وعن أبي أسامة قال: قال هشام بن عروة: فأخبرني أبي قال: لما قتل الذين ببئر معونة، وأسر عمرو بن أمية الضمري، قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع، فأتى النبي ﷺ خبرهم فنعاهم، فقال: "إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم، فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا، فأخبرهم عنهم" وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمي عروة به، ومنذر بن عمرو سمي به منذرًا.
صحيح: رواه البخاري (٤٠٩٣) عن عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
وقوله: وعن أبي أسامة قال: قال هشام بن عروة، فأخبرني أبي قال ... هكذا ذكره مرسلًا عن عروة بن الزبير ولكن إدراج هذا المرسل في قصة الهجرة الموصولة عن عائشة يشير إلى أنها موصولة أيضًا بذكر عائشة.
• عن أنس بن مالك قال: دعا النبي ﷺ على الذين قتلوا - يعني أصحابه - ببئر معونة ثلاثين صباحًا، حين يدعو على رعل ولحيان: "وعصية عصت الله ورسوله ﷺ "
стр. 5313
قال أنس: فأنزل الله تعالى لنبيه ﷺ في الذين قتلوا - أصحاب بئر معونة - قرآنًا قرأناه حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا فقد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه.
صحيح: رواه البخاري (٤٠٩٥) عن يحيى بن بكير، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس فذكره.
• عن عاصم الأحول قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن القنوت في الصلاة؟ فقال: نعم، فقلت: كان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت بعده، قال: كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا: إنه كان بعث ناسًا يقال لهم القراء، وهم سبعون رجلا، إلى ناس من المشركين، وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهد قبلهم، فظهر هؤلاء الذين كانوا بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا يدعو عليهم.
متفق عليه: رواه البخاري (٤٠٩٦) عن موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد، حدثنا عاصم الأحول قال: فذكره.
قال العيني: "تقدير الكلام أنه بعث إلى ناس من المشركين غير المعاهدين، والحال أن بين ناس منهم هم مقابل المبعوث عليهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فغلب المعاهدون وغدروا فقتلوا القراء المبعوثين لإمدادهم على عدوهم. عمدة القاري (١٧/ ١٧٦).
• عن ابن عباس قال: قنت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده. من الركعة الأخيرة، يدعو عليهم على حي من بني سليم على رعل وذكوان وعصية. ويؤمن من خلفه، أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام فقتلوهم.
حسن: رواه أبو داود (١٤٤٣) وأحمد (٢٧٤٦) وصحّحه ابن خزيمة (٦١٨) والحاكم (١/ ٢٢٦ - ٢٢٥) كلهم من طريق ثابت بن يزيد الأحول، حدثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. قال الحاكم: على شرط البخاري.
قلت: إسناده حسن من أجل هلال وهو ابن خبّاب مختلف فيه غير أنه حسن الحديث وأنه ليس من رجال البخاري.
٥ - باب غزوة بني النضير
ذكر ابن إسحاق أنه كان بعد بئر معونة وأحد ورجوع عمرو بن أمية، وقتله ذينك الرجلين من بني عامر ولم يشعر بعهدهما الذي معهما من رسول الله ﷺ ، ولهذا قال له رسول الله ﷺ : "لقد قتلت الرجلين لأدينهما".
стр. 5314
قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتلهما عمرو بن أمية للعهد الذي كان رسول الله ﷺ أعطاهما، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله ﷺ قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد. فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحّاش بن كعب. فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم. فقام وخرج راجعًا إلى المدينة، فلما استلبث النبي ﷺ أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلًا مقبلًا من المدينة فسألوه عنه فقالوا: رأيته داخلا المدينة.
فأقبل أصحابه حتى انتهوا إليه. فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به. وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم.
قال ابن هشام: فحاصرهم ست ليال ونزل تحريم الخمر.
وقال الواقدي: خمسة عشر يومًا.
قال ابن إسحاق: فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه أن يا محمد! قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ .
وكان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم: عبد الله بن أبي ابن سلول، ووديعة ومالك بن أبي قوقل وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنّعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة (السلاح) ففعل. فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل. فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف (العتبة) بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام.
قال ابن إسحاق: وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ ، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة. يضعها حيث يشاء، فقسّمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرًا فأعطاهما رسول الله ﷺ . وقال ابن إسحاق: ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها.
سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٠ - ١٩٢)
وأما ما رُوي عن عائشة قالت: كانت غزوة بني النضير - وهم طائفة من اليهود - على رأس ستة أشهر من وقعة بدر ... فهو وهم.
стр. 5315
رواه الحاكم (٢/ ٤٨٣) وعنه البيهقي في الدلائل (٣/ ١٧٨) من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
وعلقه البخاري في صحيحه في باب حديث بني النضير في المغازي قول الزهري عن عروة، ولم يذكر فيه عائشة، ثم ذكر قول ابن إسحاق بأنه بعد بئر معونة وأحد. وهذا الأخير هو الذي عليه جمهور أهل العلم ونسبوا الوهم إلى الزهري.
• عن أنس قال: إن الرجل كان يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه، حتى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يردّ عليه ما كان أعطاه.
قال أنس: إن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النبي ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي، وقالت: والله لا نعطيكهن وقد أعطانيهن، فقال نبي الله ﷺ : "يا أم أيمن! اتركيه، ولك كذا وكذا" وتقول: كلّا، والذي لا إله إلا هو! فجعل يقول: كذا حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٢٠)، ومسلم في الجهاد والسير (٧١: ١٧٧١) كلاهما من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس فذكره.
وتفصيله كما في الحديث الآتي:
• عن أنس بن مالك قال: لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم، كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة. وكانت أم أنس بن مالك، وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، كان أخًا لأنس لأمه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقًا لها، فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن، مولاته، أم أسامة بن زيد.
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، قال: فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها، وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه.
قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنةُ رسولَ الله ﷺ بعدما توفي
стр. 5316
أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله ﷺ فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة، ثم توفيت بعدما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر.
متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦٣٠) ومسلم في الجهاد (١٧٧١) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس فذكره. واللفظ لمسلم.
وقوله: "العقار" هنا بمعنى النخل.
قال الزجاج: العقار كل ما له أصل، وقيل: إن النخل خاصة يقال له العقار.
وقوله: "عذاقا" - جمع عذق - وهي النخلة.
وقوله: "لما فرغ من قتال أهل خيبر" - يقصد به رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم عمومًا وأما قصة أم أيمن فوقعت في إجلاء بني النضير كما مضى.
قوله: "رد المهاجرون إلى الأنصار" - منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم.
هذا دليل على أنها كانت منائح ثمار، لا تمليك رقاب النخل، فإنها لو كانت هبة لرقبة النخل لم يرجعوا فيها فإن الرجوع في الهبة بعد القبض لا يجوز، والإباحة يجوز الرجوع فيها متى شاء.
• عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع، عُدةّ في سبيل الله.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٥) ومسلم في الجهاد (١٧٥٧) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر فذكره.
• عن ابن عمر قال: حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير، وأقر قريظة ومنّ عليهم، حتى حاربتْ قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم، وأولادهم، وأموالهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فأمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم، بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٢٨) ومسلم في الجهاد (١٧٦٦) كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
• عن ابن عمر قال: حرق النبي ﷺ نخل بني النضير - وقطع وهي البويرة - فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥].
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٣١) ومسلم في الجهاد (١٧٤٦) كلاهما من حديث الليث، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
• عن ابن عمر أن النبي ﷺ حرّق نخل بني النضير قال: ولها يقول حسان بن ثابت:
стр. 5317
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث:
أدام الله ذلك من صنيع ... وحرّق في نواحيها السعير
ستعلم أينا منها بنزه ... وتعلم أي أرضينا تضير
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٣٢) عن إسحاق، أخبرنا حبّان، أخبرنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ورواه مسلم (٣٠: ١٧٤٦) من وجه آخر عن نافع قول حسان بن ثابت.
وقال: وفي ذلك نزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥].
وقوله: "أرضينا" - بالتثنية يعني أرض بني النضير، وأرض الأنصار.
وقوله: "نزه" - أي البعد.
وقوله: "تضير" - بمعنى الضر.
• عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: بينا أنا جالس في أهلي حين متع النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى أدخُل على عمر، فإذا هو جالس على رمال سرير، ليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أدم، فسلمت عليه ثم جلست، فقال: يا مال! إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ، فاقبضه فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أمرت به غيري، قال: اقبضه أيها المرء، فبينا أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون؟ قال: نعم، فأذن لهم فدخلوا فسلموا وجلسوا، ثم جلس يرفأ يسيرًا، ثم قال: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم، فأذن لهما فدخلا فسلما فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسول ﷺ من مال بني النضير، فقال الرهط، عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر، قال عمر: تيدكم، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة". يريد رسول الله ﷺ نفسه؟ قال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل عمر على علي وعباس، فقال: أنشدكما الله، أتعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمر:
стр. 5318
فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خص رسوله ﷺ في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فكانت هذه خالصة لرسول الله ﷺ ، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها وبثها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل رسول الله ﷺ بذلك حياته -، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أنشدكم بالله هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم توفى الله نبيه ﷺ ، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ ، فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ ، والله يعلم إنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني، وكلمتكما واحدة وأمركما واحد، جئتني يا عباس! تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يريد عليًا - يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة". فلما بدا لي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه: لَتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ ، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها منذ وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، ثم أقبل على علي وعباس، فقال: أنشدكما بالله، هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم، قال: فتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! لا أقضي فيها قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي، فإني أكفيكماها.
متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (٣٠٩٤) ومسلم في الجهاد والسير (٤٩: ١٧٥٦) من طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب الزهري، أن مالك بن أوس حدثه قال (فذكره)
• عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبي ابن سلول، ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة، قبل وقعة بدر، يقولون: إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عددًا، وإنا نقسم بالله لتقتلنه أو لتخرجنه أو لنستعن عليكم العرب ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى
стр. 5319
نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان، تراسلوا، فاجتمعوا، وأرسلوا واجتمعوا لقتال النبي ﷺ وأصحابه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ فلقيهم في جماعة، فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، وكان وقعة بدر، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: أنكم أهل الحلقة والحصون، وأنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء - وهي الخلاخيل - فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير على الغدر فأرسلت إلى النبي ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، ولنخرج في ثلاثين حبرًا، حتى نلتقي في مكان كذا، نصف بيننا وبينكم، فيسمعوا منك، فإن صدقوك، وآمنوا بك، آمنا كلنا، فخرج النبي ﷺ في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرًا من يهود، حتى إذا برزوا في براز من الأرض، قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه، ومعه ثلاثون رجلًا من أصحابه، كلهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا إليه: كيف تفهم ونفهم؟ ونحن ستون رجلا؟ اخرج في ثلاثة من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا، فليسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا، وصدقناك، فخرج النبي ﷺ في ثلاثة نفر من أصحابه، واشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى بني أخيها، وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أرادت بنو النضير من الغدر برسول الله ﷺ ، فأقبل أخوها سريعًا، حتى أدرك النبي ﷺ ، فساره بخبرهم قبل أن يصل النبي ﷺ إليهم، فرجع النبي ﷺ ، فلما كان من الغد، غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب، فحاصرهم، وقال لهم: إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد علي بني قريظة بالخيل والكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوهم، فانصرف عنهم، وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلقة، - والحلقة: السلاح - فجاءت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت إبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم، وخشبها، فكانوا يخربون بيوتهم، فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها.
وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام وكان بنو النضير من سبط من
стр. 5320
أسباط بني إسرائيل، لم يصبهم جلاء منذ كتب الله على بني إسرائيل الجلاء، فلذلك أجلاهم رسول الله ﷺ ، فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ١ - ٦] وكانت نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، فأعطاه الله إياها، وخصه بها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] يقول: بغير قتال، قال: فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم ولرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة، لم يقسم لرجل من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ في يد بني فاطمة.
صحيح: رواه عبد الرزاق (٩٧٣٣) عن معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فذكره.
ومن طريق عبد الرزاق رواه أبو داود (٣٠٠٤) والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣١٣) والبيهقي (٩/ ٢٣٢) ومنهم من اختصره، وعندهم جميعًا عبد الرحمن بن كعب بن مالك بدل: عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ولعل هذا يعود إلى اختلاف النسخ، والخطب فيه يسير، فقد قال الدوري عن ابن معين: سمع الزهري من عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب، وسمع أيضًا من أبيه عبد الرحمن، من الأب والابن. (تاريخ الدوري ٢/ ٥٣٨).
وعلى هذا فالإسناد صحيح، وقد صحّحه ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٣٣١).
٦ - فتح بني النضير صلحًا
وفي الباب عن الزهري في قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] قال: صالح النبي ﷺ أهل فدك وقرى - قد سماها .. لا أحفظها -، وهو محاصر قومًا آخرين، فأرسلوا إليه بالصلح، قال: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] يقول: بغير قتال. قال الزهري: وكانت بنو النضير للنبي ﷺ خالصًا لم يفتحوها عنوة، افتتحوها على صلح، فقسمها النبي ﷺ بين المهاجرين، لم يعط الأنصار منها شيئًا، إلا رجلين كانت بهما حاجة.
رواه أبو داود (٢٩٧١) عن محمد بن عبيد، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري فذكره.
وإسناده صحيح إلى الزهري، وهو مرسل، وابن ثور اسمه محمد.
• * *
стр. 5321
جموع أبواب ما جاء في غزوة بني المصطلق
١ - باب غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع وكانت سنة خمس
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: ثم قاتل رسول الله ﷺ بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس.
والذي ذكره البخاري عن موسى بن عقبة أنها سنة أربع، فهو سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع، لأن الذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس. ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٤٣٠).
وأما ابن إسحاق فذهب إلى أنها كانت سنة ست، والأول أصح.
سبب غزو رسول الله ﷺ لهم:
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث، زوج رسول الله ﷺ ، فلما سمع رسول الله ﷺ بهم خرج إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس، واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونفّل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاء هم عليهم.
• عن ابن عون يقول: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال. قال: فكتب إلي: إنما كان ذلك في أول الإسلام، قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلهم وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث. حدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش.
متفق عليه: رواه البخاري في العتق (٢٥٤١) ومسلم في الجهاد والسير (١٧٣٠) كلاهما من هذا الوجه واللفظ لمسلم.
٢ - باب العزل في غزوة بني المصطلق
• عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، أَنَّهُ قَال: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْعَزْلِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي
стр. 5322
الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهْيَ كَائِنَةٌ".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٣٨) ومسلم في النكاح (١٢٥: ١٤٣٨) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز أنه قال: فذكره.
٣ - باب حديث الإفك في غزوة بني المصطلق
• عن عَائِشَة قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ؟ ﷺ مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ؟ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْط الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ وَلَم يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفعُوهُ وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُوني فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْني عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَعَرَفَني حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَاب، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَاللهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وَهُمْ
стр. 5323
نُزُولٌ - قَالَتْ - فَهَلَكَ فِيَّ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الإِفْكِ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ. قَالَ عُرْوَةُ: أخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ، فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ. وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا: لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الإفْكِ أَيْضًا إِلَّا حَسَّانُ بْنُ ثَابتٍ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي نَاسٍ آخَرِينَ، لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ، غَيْرَ أنَّهُمْ عُصْبَةٌ - كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإنَّ كُبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ. قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإفْكِ، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِف مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا. قَالَتْ: وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ قِبَلَ الْغَائِطِ، وَكُنَّا نتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهْيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْم بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْني عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي، حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ أوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ - قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنيَةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ، أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَأ؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ
стр. 5324
بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي - قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبِ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ ". قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ - قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي" قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ! أَعْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فخِذِهِ، وَهْوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهْوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، قَالَتْ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهْوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. قَالَتْ فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَفِّضهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا، لَا يَرْقَأ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتى إِنِّي لأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَانِي بِشَيْءٍ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ! إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً،
стр. 5325
فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ". قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِّي فِيمَا قَالَ، فَقَالَ أَبِي: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ أُمِّي: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَمُلْتُ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرًا إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُم بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْه برِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، فَوَاللهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُف حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْم رُويَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، فَوَاللهِ! مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنَ الْعَرَقِ مِثْلُ الْجُمَانِ وَهْوَ فِي يَوْم شَاتٍ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهْوَ يَضحَك، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ" قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ ، قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الْعَشْرَ الآيَاتِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدِّيقُ: بَلَى وَاللهِ! إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَح النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَأَلَ زَيْنَبَ بنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ لِزَيْنَبَ: "مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟ " فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهْيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ . فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ - قَالَتْ:
следующие страницы →