Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
جموع أبواب ما جاء في غزوة بني المصطلق
١ - باب غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع وكانت سنة خمس
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: ثم قاتل رسول الله ﷺ بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس.
والذي ذكره البخاري عن موسى بن عقبة أنها سنة أربع، فهو سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع، لأن الذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس. ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٤٣٠).
وأما ابن إسحاق فذهب إلى أنها كانت سنة ست، والأول أصح.
سبب غزو رسول الله ﷺ لهم:
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث، زوج رسول الله ﷺ ، فلما سمع رسول الله ﷺ بهم خرج إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس، واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونفّل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاء هم عليهم.
• عن ابن عون يقول: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال. قال: فكتب إلي: إنما كان ذلك في أول الإسلام، قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلهم وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث. حدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش.
متفق عليه: رواه البخاري في العتق (٢٥٤١) ومسلم في الجهاد والسير (١٧٣٠) كلاهما من هذا الوجه واللفظ لمسلم.
٢ - باب العزل في غزوة بني المصطلق
• عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، أَنَّهُ قَال: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْعَزْلِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي
стр. 5322
الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهْيَ كَائِنَةٌ".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٣٨) ومسلم في النكاح (١٢٥: ١٤٣٨) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز أنه قال: فذكره.
٣ - باب حديث الإفك في غزوة بني المصطلق
• عن عَائِشَة قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ؟ ﷺ مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ؟ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْط الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ وَلَم يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفعُوهُ وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُوني فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْني عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَعَرَفَني حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَاب، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَاللهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وَهُمْ
стр. 5323
نُزُولٌ - قَالَتْ - فَهَلَكَ فِيَّ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الإِفْكِ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ. قَالَ عُرْوَةُ: أخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ، فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ. وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا: لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الإفْكِ أَيْضًا إِلَّا حَسَّانُ بْنُ ثَابتٍ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي نَاسٍ آخَرِينَ، لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ، غَيْرَ أنَّهُمْ عُصْبَةٌ - كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإنَّ كُبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ. قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإفْكِ، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِف مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا. قَالَتْ: وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ قِبَلَ الْغَائِطِ، وَكُنَّا نتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهْيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْم بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْني عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي، حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ أوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ - قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنيَةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ، أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَأ؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ
стр. 5324
بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي - قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبِ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ ". قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ - قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي" قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ! أَعْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فخِذِهِ، وَهْوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهْوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، قَالَتْ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهْوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. قَالَتْ فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَفِّضهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا، لَا يَرْقَأ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتى إِنِّي لأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَانِي بِشَيْءٍ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ! إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً،
стр. 5325
فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ". قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِّي فِيمَا قَالَ، فَقَالَ أَبِي: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ أُمِّي: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَمُلْتُ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرًا إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُم بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْه برِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، فَوَاللهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُف حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْم رُويَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، فَوَاللهِ! مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنَ الْعَرَقِ مِثْلُ الْجُمَانِ وَهْوَ فِي يَوْم شَاتٍ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهْوَ يَضحَك، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ" قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ ، قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الْعَشْرَ الآيَاتِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدِّيقُ: بَلَى وَاللهِ! إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَح النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَأَلَ زَيْنَبَ بنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ لِزَيْنَبَ: "مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟ " فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهْيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ . فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ - قَالَتْ:
стр. 5326
وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ.
ثُمَّ قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ ما قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ. قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٤١) ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) كلاهما من طرق عن الزهري قال: حدثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرت الحديث.
• عن أم رومان - وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ - قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا قَاعِدَةٌ أَنَا وَعَائِشَةُ إِذْ وَلَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَتْ: فَعَلَ اللهُ بِفُلَانٍ وَفَعَلَ. فَقَالَتْ أُمُّ رُومَانَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: ابْنِي فِيمَنْ حَدَّثَ الْحَدِيثَ. قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: كَذَا وَكَذَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّا وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِضٍ، فَطَرَحْتُ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَغَطَّيْتُهَا. فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخَذَتْهَا الْحُمَّى بِنَافِضٍ. قَالَ: "فَلَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ" قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَعَدَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: وَاللهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لَا تُصدِّقُونِي، وَلَئِنْ قُلْتُ لَا تَعْذِرُونِي، مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، قَالَتْ: وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَأَنْزَل اللهُ عُذْرَهَا، قَالَتْ: بِحَمْدِ اللهِ لَا بِحَمْدِ أَحَدٍ وَلَا بِحَمْدِكَ.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤١٤٣) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين (هو ابن عبد الرحمن الواسطي) عن أبي وائل (هو شقيق بن سلمة الأسدي) قال: حدثني مسروق بن الأجدع، قال: حدثتني أم رومان فذكرته.
• عن مسروق قال: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابتٍ يُنْشِدُهَا شِعْرًا، يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ برِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأذَنِينَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكِ؟ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ قَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ - أَوْ: يُهَاجِي - عَنْ
стр. 5327
رَسُولِ اللهِ ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٤٦) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٨: ١٥٥) كلاهما عن بشر بن خالد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: فذكره.
قوله: "حصان": أي عفيفة.
قوله: "رزان": أي صاحبة وقار.
قوله: "تزن": أي تتهم.
قوله: "غرثى": أي جائعة لا تغتاب الناس فتشجع من لحومهم.
• عن عروة بن الزبير قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ: "كَيْفَ بِنَسَبِي" قَالَ: لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ.
وقال عروة: سببت حسان، وكان ممن كثر عليها.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٤٥) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٧: ١٥٤) كلاهما من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: فذكره.
قوله: "ينافح عن رسول الله ﷺ ": أي يدافع عنه بشعره.
٤ - قصة جويرية بنت الحارث وزواج النبي ﷺ بها
• عن عائشة أم المؤمنين، قالت: لما قسم رسول الله ﵌ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له وكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت: فوالله! ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس - أو لابن عم له - فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: "فهل لك في خير من ذلك؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أقضي كتابتك وأتزوجك" قالت: نعم يا رسول الله! قال: "قد فعلت"، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ! فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق
стр. 5328
بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها.
حسن: رواه أبو داود (٣٩٣١) وأحمد (٢٦٢٦٥) وصحّحه ابن حبان (٤٠٥٤) والحاكم (٤/ ٢٦) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين فذكرته. واللفظ لأحمد.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
٥ - الذي تولّى كبره
• عن عائشة قالت: أما زينب بنت جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرًا، وأما أختها حمنة فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم فيه مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو الذي كان يستوشيه، ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة.
متفق عليه: رواه مسلم في التوبة (٥٨: ٢٧٧٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. ورواه الترمذي (٣١٨٠) من وجه آخر عن أبي أسامة واللفظ له.
وذكره البخاري (٤٧٥٧) معلقًا عن أبي أسامة كلهم من قصة طويلة.
وقوله: يستوشيه: أي يسوسه.
٦ - إقامة الحد على القاذفين
• عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام النبي ﷺ على المنبر فذكر ذلك، وتلا - تعني القرآن - فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم.
حسن: رواه أبو داود (٤٤٧٤) والترمذي (٣١٨١) وابن ماجه (٢٥٦٧) وأحمد (٢٤٠٦٦) والبيهقي في الدلائل (٤/ ٧٤) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة فذكرته. وصرّح ابن إسحاق عند البيهقي.
وزاد: رموها بصفوان بن المعطل السلمي.
وصرّح النفيلي أن الرجلين هما حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وقال: ويقولون: المرأة حمنة بنت جحش.
رواه أبو داود (٤٤٧٥) عن النفيلي، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق بهذا الإسناد ولم يذكر عائشة.
стр. 5329
٧ - باب أن عائشة فهمتْ من قول علي بن أبي طالب أنه ممن أساء الظن بها
• عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَبَلَغَكَ أَنَّ عَلِيًّا، كَانَ فِيمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ، قُلْتُ: لَا. وَلَكِنْ قَدْ أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ قَوْمِكِ - أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الزَحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ - أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُمَا: كَانَ عَلِيٌّ مُسَلِّمًا فِي شَأنِهَا.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤١٤٢) عن عبد الله بن محمد، قال: أملى على هشام بن يوسف من حفظه قال: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: فذكره.
٨ - صفوان بن المعطل يعدو على حسان
روي عن محمد بن إبراهيم التميمي أنه قال: وكان حسان بن ثابت قد كثر على صفوان بن المعطل في شأن عائشة ثم قال بيت شعر يعرض به فيه وبأشباهه فقال:
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
فاعترضه صفوان ليلة، وهو آت من عند أخواله بني ساعدة فضربه بالسيف على رأسه، فيعدوا عليه ثابت بن قيس بن شماس، فجمع يديه إلى عنقه بحبل أسود، وانطلق به إلى دار بني حارثة، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال له: ما هذا؟ فقال: ما أعجبك عدا على حسان بالسيف، فوالله ما أراه إلا قد قتله، فقال: هل علم رسول الله ﷺ بما صنعت به؟ فقال: لا، فقال: والله لقد اجترأت، خل سبيله، فستغدوا على رسول الله ﷺ ، فذكروا له ذلك، فقال: "أين ابن المعطل؟ " فقام إليه، فقال: ها أنذا يا رسول الله، فقال: "ما دعاك إلى ما صنعت؟ " فقال: يا رسول الله أذاني وكثر علي، ولم يرض حتى عرض في الهجاء، فاحتملني الغضب وها أنا ذا، فما كان علي من حق فخذني به، فقال رسول الله ﷺ : "ادعو إلي حسان" فأتي به، فقال: يا حسان! اتشوهت على قومك أن هداهم الله للإسلام، يقول: تنفست عليهم، يا حسان أحسن فيما أصابك، فقال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه رسول الله ﷺ سيرين القبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان، وأعطاه أرضًا كانت لأبي طلحة تصدق بها على رسول الله ﷺ .
رواه البيهقي في الدلائل (٤/ ٧٤ - ٧٥) من حديث يونس، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم التميمي فذكره. وهو عند سيرة ابن هشام (٢/ ٣٠٥).
وفيه: وكانت عائشة تقول: لقد سئل عن ابن المعطل فوجدوه رجلًا حصورًا ما يأتي النساء، ثم قتل بعد ذلك شهيدًا. وهذا مرسل.
стр. 5330
جموع ما جاء في غزوة الأحزاب
١ - باب غزوة الأحزاب وتسمى أيضًا غزوة الخندق سنة خمس
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحراب، ٩ - ١٠]
قال جمهور أهل العلم: إنها كانت في شوال سنة خمس من الهجرة، وهو رأي ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة والبيهقي وغيرهم.
ومن قال: إنها كانت سنة أربع فأراد به أنه بعد مضيّ أربع سنين وقبل استكمال خمس.
• عن ابن عمر أن النبي ﷺ عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجازه.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٩٧) ومسلم في الإمارة (٩١: ١٨٦٨) كلاهما من طريق عبيد الله (هو ابن عمر) عن نافع، عن ابن عمر قال: فذكره.
• عن عبد الله بن عمر قال: أول يوم شهدته يوم الخندق.
صحيح. رواه البخاري في المغازي (٤١٠٧) عن عبدة بن عبد الله، حدثنا عبد الصمد، عن عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، أن ابن عمر فذكره.
قال ابن سعد: وكان يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة، ولواء الأنصار سعد بن عبادة. الطبقات (٣/ ٦٧)
٢ - كان أبو سفيان من رأس الأحزاب يوم الخندق
• عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونسواتها تنطف، قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء، فقالت: الحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية، قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه، قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام،
стр. 5331
فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان، قال حبيب: حفظت وعصمت. قال محمود، عن عبد الرزاق: ونوساتها.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤١٠٨) عن إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر فذكره.
قوله: "نسواتها" حصل فيه قلب، والصواب: نوساتها. أي ذوائبها. ومعنى تنطف أي تعطر كأنها قد اغتسلت.
قوله: "قد كان من أمر الناس ما ترين" مراده بذلك ما وقع بين علي ومعاوية من القتال في صفين.
قوله: "فحللت حبوتي" الحبوة: ثوب يلقى على الظهر ويربط طرفاه على الساقين بعد ضمهما.
قوله: "من قاتلك وأباك عن الإسلام" أبوه هو أبو سفيان بن حرب، وكان رأس الأحزاب يوم الخندق.
٣ - باب سياق قصة الخندق وسبب تسميتها الأحزاب
قال ابن إسحاق: ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس، فحدثني يزيد بن رومان، عن عروة، ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم من علمائنا، وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض، قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود - منهم: سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضر، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ - خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود! إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢] فلما قالوا ذلك لقريش سرّهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب النبي ﷺ ، وأخبروهم أنهم يكونون معه عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه. فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، في بني مرة، ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ وما
стр. 5332
أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة. سيرة ابن إسحاق (٢/ ٢١٤ - ٢١٥)
قال ابن هشام (٢/ ٢٢٤): يقال: إن سلمان الفارسي أشار به على رسوله ﷺ (في حفر الخندق).
٤ - باب حال المسلمين يوم الخندق
• عن عائشة في قوله : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] قالت: كان ذلك يوم الخندق.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٠٣) ومسلم في التفسير (١٢: ٣٠٢٠) كلاهما من حديث عبدة بن سليمان، عن هشام (هو ابن عروة بن الزبير) عن أبيه، عن عائشة قالت فذكرته.
روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] عيينة بن حصن، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أبو سفيان بن حرب.
وقيل: وكان الذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم قريش وغطفان.
قال ابن إسحاق: نزلت قريش بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة، وتهامة ونزل عيينة في غطفان ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان. وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف، والخندق بينه وبين القوم، وجعل النساء والذراري في الآطام. سيرة ابن هشام (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠)
وأقام المشركون محاصرين رسول الله ﷺ شهرًا. لم يكن بينهم قتال لأجل ما حال بينهم وبين المسلمين من الخندق.
• عن يزيد بن شريك التميمي قال: كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، ثم قال: "ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، ثم قال: "ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ " فسكتنا، فلم يجبه منا أحد. فقال: "قم، يا حذيفة! فأتنا بخبر القوم" فلم أجد بدًا، إذ دعاني باسمي، أن أقوم، قال: "أذهب، فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ" فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يَصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ﷺ : "ولا تذعرهم علي" ولو رميته لأصبته. فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما
стр. 5333
أتيته أخبرته بخبر القوم، وفرغت قُرِرت، فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى أصبحت فلما أصبحت قال: "قم، يا نومان! "
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٨٨: ٩٩) عن زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التميمي، عن أبيه (يزيد بن شريك) قال: فذكره.
قوله: "ريح شديدة وقر" القرّ هو البرد.
قوله: "كأنما أمشي في الحمام" يعني أنه لم يجد البرد الذي يجده الناس.
والحمّام مشتق من الحميم وهو الماء الحار.
ورواه البزار - كشف الأستار (١٨٠٩) وأبو بكر بن أبي شيبة - المطالب العالية (٤٢٧٣) والحاكم (٣/ ٣١) وعنه البيهقي في الدلائل (٣/ ٤٥٠) كلهم من حديث بلال العبسي، عن حذيفة قال: إن الناس تفرقوا عن رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، فأتاني رسول الله ﷺ وأنا جاثم من البرد، فقال: "يا ابن اليمان! قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب فانظر إلى حالهم"، قلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما قمت إليك إلا حياء - من البرد قال: وبرد الحرة وبرد الصبخة - قال رسول الله ﷺ : "انطلق يا ابن اليمان، فلا بأس عليك من برد ولا حر حتى ترجع إلي" قال: فانطلقت حتى آتي عسكرهم، فوجدت أبا سفيان يوقد النار في عصبة حوله، وقد تفرق عنه الأحزاب، فجئت حتى أجلس فيهم، فحس أبو سفيان أنه قد دخل فيهم من غيرهم، فقال: ليأخذ كل رجل بيد جليسه، قال: فضربت بيميني على الذي بيميني، فأخذت بيده، وضربت شمالي على الذي عن يساري، فأخذت بيده، فكنت فيهم هنيهة، ثم قمت فأتيت رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي، فأومى إلي بيده أن ادن، فدنوت منه حتى أرسل علي من الثوب الذي كان عليه ليدفئني، فلما فرغ ﷺ من صلاته، قال: يا ابن اليمان! اقعد فأخبر الناس، قال: قلت: يا رسول الله! تفرق الناس عن أبي سفيان فلم يبق إلا في عصبة توقد النار، وقد صب الله تعالى عليهم من البرد مثل الذي صب علينا ولكن نرجو من الله ما لا يرجون.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وقال البزار: لا نعلمه عن بلال، عن حذيفة إلا بهذا الإسناد.
وقال الهيثمي في كشف الأستار: حديث حذيفة في الصحيح. وفي هذا زيادة، منها أنه قال: فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا. وفيها ما قمت لك إلا حياء وغير ذلك.
وقال ابن حجر في تعليقه على المطالب: هذا حديث حسن وأصله في الصحيح. وفي هذا زيادات.
قلت: بلال بن يحيى العبسي الكوفي ليس به بأس كما قال ابن معين، ولكن روايته عن حذيفة مرسلة كما قال يحيى بن معين وغيره فإنه كان يقول: بلغني عن حذيفة، ومع إرساله عن حذيفة فإنه لا يقبل تفرده بهذه الزيادات وإلا فإنه صدوق حسن الحديث.
стр. 5334
قال ابن القطان: هو ثقة، روى عن حذيفة أحاديث معنعنة ليس في شيء منها ذكر سماع، وقد صحّح الترمذي حديثه عن حذيفة اعتقادا منه أنه سمع منه.
وقصة حذيفة هذه ذكرها أهل السير والمغازي والتاريخ بتفصيل أكثر منها ما رواه أحمد (٢٣٣٣٤) عن يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتًى منا من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان فذكر القصة بطولها، وفيه الواسطة بين محمد بن كعب القرظي وحذيفة مبهمة. وأما محمد بن كعب القرظي فلم يدرك حذيفة. ولكن لها أسانيد أخرى تقوّيها.
وكان لنعيم بن مسعود بن عامر بن غطفان دور بارز في بذر الشقاق بين قريظة وغطفان وقريش وكان قد أسلم، وأخفى إسلامه عن قومه، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ : "إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة".
ذكره ابن إسحاق مفصلًا بدون إسناد. انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠) وأورده معظم أصحاب السير والمغازي والتاريخ.
وأما قول النبي ﷺ : "الحرب خدعة" فهو متفق عليه مخرج في موضعه، وقد قيل: إن النبي ﷺ تكلم بهذه الجملة في غزوة الخندق.
٥ - باب جعل النساء والذراري في الآطام الحصينة
• عن عبد الله بن الزبير قال: كنت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الخندق مع النسوة في أطم حسّان.
متفق عليه: رواه مسلم في الفضائل (٢٤١٦) من طرق عن علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير فذكره في سياق أطول.
ورواه البخاري في المغازي (٣٧٢٠) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب، جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء في سياق أطول.
قال ابن سعد: وكان رسول الله ﷺ يبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة. الطبقات (٣/ ٦٧)
وفي الباب ما رُوي عن هريرة بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج عن أبيه عن جده قال: لما كان يوم الخندق لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة فجعل النبي ﷺ النساء والصبيان والذراري فيه فقال: "إن ألم بكن أحد فألمعن بالسيف" فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له: بجدان أحد بني جحاش على فرس حتى كان في أصل الحصن، ثم جعل يقول للنساء انزلن إلي خير لكن،
стр. 5335
فحركن السيف فأبصره أصحاب النبي ﷺ فابتدر الحصن قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له: ظهير بن رافع فقال له: يا بجدان أبرز فبرز إليه فحمل عليه فرسه فقتله، وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي ﷺ .
رواه الطبرأني في المعجم الكبير (٤/ ٣١٨) عن محمد بن عبد الله القرمطي البغدادي، ثنا عثمان بن يعقوب العثماني، ثنا محمد بن طلحة التميمي، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، عن أبيه، عن جده قال: فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل عبد الرحمن بن رافع فإنه مجهول كما قال أبو حاتم (٥/ ٢٣٢) وأما هرير بن عبد الرحمن فليس "بمقبول" كما قال الحافظ في التقريب فإنه قد وثّقه ابن معين والدارمي وابن حبان.
وقول الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٣٣): رجاله ثقات فيه تساهل.
٦ - باب همّ الرسول ﷺ بعقد الصلح بينه وبين غطفان ثم عدلَ عنه
قال ابن إسحاق: فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول الله ﷺ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله! أمرًا نحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به، لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله! ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله! قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى، أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله ﷺ : "فأنت وذاك" فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا. سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢٣)
• عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد! ناصفنا تمر المدينة، وإلا ملأناها عليك خيلًا ورجالًا، فقال: حتى أستأمر السعود، سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، يعني يشاورهما، فقالا: لا والله، ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالإسلام؟ فرجع إليه الحارث، فأخبره،
стр. 5336
فقال: غدرت يا محمد! قال: فقال حسان:
يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمدًا لا يغدر
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر
وأمانة النهدي حيث لقيتها ... مثل الزجاجة صدعها لا يجبر
قال: فقال الحارث: كف عنا يا محمد! لسان حسان، فلو مزج به ماء البحر لمزجه.
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (١٨٠٣) عن عقبة بن سنان، ثنا عثمان بن عثمان الغطفاني، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
قال البزار: "لا نعلم رواه عن محمد بن عمرو هكذا إلا عثمان، ولم نسمعه إلا من عقبة".
وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٣٢): رواه البزار والطبراني، ولفظه: عن أبي هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! شاطرنا تمر المدينة فقال: حتى أستأمر السعود، فبعا إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود، فقال: قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وأن الحارث قد سألكم تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا في (كذا ولعل الصواب حتى) أمركم بعد فقالوا: يا رسول الله أوحي من السماء؟ فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا نتبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله! لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى، فقال رسول الله - صل: ى ال له عليه وسلم - "هو ذا تسمعون ما يقولون؟ " قالوا: غدرت يا محمد، فقال حسان بن ثابت ﵁:
يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمدًا لا يغدر
وأمانة المري حين لقيتها ... كسر الزجاجة صدعها لا يجبر
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر
ورجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو وحديثه حسن وبقية رجاله ثقات.
والصحيح الثابت أن النبي ﷺ استشار السعدين وهما سعد بن عبادة وسعد بن معاذ كما قال ابن إسحاق.
فلعل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي المدني أصاب مرة، ووهم مرة أخرى، لأن بعض هؤلاء ماتوا قبل غزوة الخندق وغزوة بني قريظة.
стр. 5337
٧ - باب أمر النبي ﷺ بحفر الخندق حول المدينة وحث أصحابه على ذلك
ذكر أصحاب المغازي أن الذي أشار إلى حفر الخندق هو سلمان الفارسي قائلًا: يا رسول الله! إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا. مغازي الواقدي (٢/ ٤٤٥).
• عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق، وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله ﷺ : "للهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٩٨) ومسلم في الجهاد والسير (١٢٦: ١٨٠٤) كلاهما من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: فذكره.
قوله: "على أكتادنا" بالمثناة جمع كتد بفتح أوله وكسر المثناة وهو ما بين الكاهل إلى الظهر. وعند مسلم: "أكتافنا".
وكان موقع الخندق في المنطقة الشمالية الغربية من المدينة، لأن هذه الجهة وحدها كانت مكشوفة بخلاف الجهات الأخرى فإن فيها أشجار النخيل والزروع الكثيفة والجبال والحواجز الأخرى.
• عن أنس قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة" فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٩٩) عن عبد الله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن حميد (هو الطويل) عن أنس فذكره.
ورواه مسلم في الجهاد (١٣٠: ١٨٠٥) من وجه آخر عن أنس مختصرًا.
• عن أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الإسلام ما بقينا أبدًا
قال: يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم:
"اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ... فبارك في الأنصار والمهاجرة"
قال: يؤتون بملء كفيّ من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤١٠٠) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد
стр. 5338
العزيز (هو ابن صهيب) عن أنس قال: فذكره.
قوله "بإهالة" بكسر الهمزة وتخفيف الهاء: الدهن الذي يؤتدم به سواء كان زيتًا أو سمنًا أو شحمًا.
قوله: "سنخة" أي تغير طعمها ولونها من قدمها.
قوله: "بشعة" أن كريهة الطعم تأخذ الحلق.
• عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، ... فاغفر للأنصار والمهاجرة".
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٧٩٥) ومسلم في الجهاد والسير (١٢٧: ١٨٠٥) كلاهما من طريق شعبة، حدتنا أبو إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك قال: فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يقول يوم الخندق:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (١٨٠٤) وأبو يعلى (٣٣٩٥) كلاهما من حديث محمد بن المثنى، ثنا زكريا بن يحيى، قال: سمعت ثابتا البناني، يحدث عن أنس بن مالك فذكره. وإسناده حسن من أجل زكريا بن يحيى وهو ابن عمارة الأنصاري، وقد ينسب إلى جده مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٣٣): رواه البزار وأبو يعلى ورجاله ثقات.
• عن أم سلمة قالت: ما نسيت قوله يوم الخندق وهو يعاطيهم اللّبن، وقد اغبرّ شعر صدره وهو يقول:
اللهم إن الخير خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
قال: فرأى عمارًا فقال: "ويحك ابن سمية تقتله الفئة الباغية"
قال: فذكرته لمحمد - يعني ابن سيرين - فقال: عن أمه؟ قلت: نعم، أما إنها كانت تخالطها تلج عليها.
حسن: رواه أحمد (٢٦٤٨٢) وأبو يعلى (١٦٤٥) كلاهما من حديث ابن عون، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة فذكرته، واللفظ لأحمد.
وعند أبي يعلى: قال ابن عون: حدثت محمدًا عن أمه، فقال: أما إنها قد كانت تدخل على أم سلمة. وأم الحسن هي اسمها خيرة مولاة أم سلمة. روى لها مسلم قصة قتل عمار وهو سيأتي في موضعه، ولكن قال الحافظ في التقريب: "مقبولة".
стр. 5339
قلت: هي: "صدوقة" روى عنها جماعة ووثّقه ابن حبان وأخرج لها مسلم.
٨ - باب إنشاد الشعر والرجز في غزوة الخندق لأجل الأعمال والتنشيط
• عن البراء قال: رأيت النبي ﷺ يوم الخندق وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، - وكان رجلًا كثير الشعر - وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة.
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأعداء قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
يرفع بها صوته.
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٣٠٣٤) من طريق أبي الأحوص، ومسلم في الجهاد والسير (١٢٥: ١٨٠٣) من طريق شعبة - كلاهما عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره واللفظ للبخاري.
وفي المصادر الأخرى: "ينقل في زنبيل" بكسر الزاي ونون ساكنة.
٩ - مدة حفر الخندق
وأما مدة حفر الخندق فاختلف أهل السير والمغازي اختلافًا كثيرًا، فقال ابن سعد: فرغوا من حفره في ستة أيام، وقال القسطلاني في المواهب اللدنية (١/ ٤٥١ - ٤٥٢) "وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريبًا من عشرين ليلة"، وعند الواقدي: أربعًا وعشرين، وفي الروضة للنووي: خمسة عشر يومًا. وفي الهدي النبوي لابن القيم: أقاموا شهرًا.
والذي أراه صوابا ما ذكره الحافظ ابن القيم، لأن مسافة الخندق قدرتْ باثنتي عشر ألف ذراع، ومن المستبعد حفر هذه المسافة في أقل من شهر.
١٠ - المعجزات التي ظهرت أثناء حفر الخندق
• عن جابر بن عبد الله قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصًا شديدًا، فأخرجت إلي جرابًا فيه صاع من شعير، ولنا بُهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغتْ إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله ذبحنا بُهيمة لنا وطحنا صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح النبي ﷺ فقال: "يا أهل الخندق إن جابرًا قد صنع سورا، فحي هلا بكم". فقال رسول الله
стр. 5340
- ﷺ : "لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينتكم حتَّى أجيء". فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس حتَّى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت، فأخرجت له عجينًا فبصق فيه وبارك، ثمّ عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثمّ قال: "ادع خابزة فلتخبز معي، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها". وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتَّى تركوه وانحرفوا، إن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٠٢) ومسلم في الأشربة (١٤١: ٢٠٣٩) كلاهما من طريق أبي عاصم الضَّحَّاك بن مخلد بن حنظلة بن أبي سفيان، أخبرنا سعيد بن ميناء، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: فذكره.
قوله: "خمصًا" أي جوعًا والخمص خلاء البطن من الطعام.
قوله: "جِرابًا" وعاء يحفظ فيه الزاد ونحوه.
قوله: "حي هلا بكم" هي كلمة استدعاء فيها حث، أي هلموا مسرعين.
ورواه البيهقيّ في الدلائل (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر به أطول من هذا وجاء فيه قول جابر: فاستحييت حياءً حتَّى لا يعلمه إِلَّا الله، فقلت لامرأتي: ثكلتك أمك، وقد جاءك رسول الله ﷺ وأصحابه أجمعون، فقالت: أكان رسول الله ﷺ سألك عن الطعام؟ قلت: نعم، قالت: الله ورسوله أعلم قد أخبرته بما كان عندك، فذهب عني بعض ما كنت أجد، قلت: لقد صدقت.
وقال في آخره: وأخبرني أنهم كانوا ثمان مائة أو ثلاثمائة.
قوله: "وهم ألف": هو الصَّحيح لأن فيه زيادة العلم، ولا يحتمل على التعدد، لأن القصة وقعت مرة واحدة.
• عن جابر قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا النَّبِيّ ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: "أنا نازل". ثمّ قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النَّبِيّ ﷺ المعول فضرب في الكدية، فعاد كثيبًا أهيل، أو أهيم، فقلت: يا رسول الله! ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير حتَّى جعلنا اللحم في البرمة، ثمّ جئت النَّبِيّ ﷺ والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت تنضج، فقلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول ورجل أو رجلان، قال: "كم هو؟ ". فذكرت له، قال: "كثير طيب، قال: قل لها: لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتَّى آتي، فقال: قوموا". فقام
стр. 5341
المهاجرون والأنصار، فلمّا دخل على امرأته قال: ويحك جاء النَّبِيّ ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال: "ادخلوا ولا تضاغطوا". فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثمّ ينزع، فلم يزل يكسر الخبز، ويغرف حتَّى شبعوا وبقي بقية، قال: "كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٠١) عن خلَّاد بن يحيى حَدَّثَنَا عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه قال: أتيت جابرًا فقال: فذكره.
ورواه أحمد (١٤٢٢٠) عن وكيع، حَدَّثَنَا عبد الواحد بن أيمن وجاء فيه: لما حفر النَّبِيّ ﷺ وأصحابه الخندق أصابهم جهد شديد حتَّى ربط النَّبِيّ ﷺ على بطنه حجرًا من الجوع.
قوله: "كثيبًا أهيم": معناه أنه صار رملًا يسيل ولا يتماسك، وأهيم بمعني أهيل.
قوله: "فقلت لامرأتي" اسمها سهلة بنت مسعود بن أوس الأنصارية ﵂.
وقوله: "البرمة" هي القدر.
وقوله: "بين الأثافي "جمع الأثفية، وهي الحجارة التي تنصب وتوضع عليها القدر وهي ثلاثة.
وقوله: "تضاغطوا": أي تزدحموا.
• عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ قال: لما أمر النبي ﷺ بحفر الخندق، عرضت لهم صخرة حالت بينهم، وبين الحفر، فقام رسول الله ﷺ وأخذ المعول، ووضع رداءه ناحية الخندق وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] فندر ثلث الحجر، وسلمان الفارسي قائم ينظر، فبرق مع ضربة رسول الله ﷺ برقة، ثمّ ضرب الثانية وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] فندر الثلث الآخر، فبرقت برقة، فرآها سلمان، ثمّ ضرب الثالثة وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، فندر الثلث الباقي، وخرج رسول الله ﷺ ، فأخذ رداءه وجلس. قال سلمان يا رسول الله! رأيتك حين ضربت ما تضرب ضربة، إِلَّا كانت معها برقة؟ ! قال له رسول الله ﷺ : "يا سلمان، رأيت ذلك؟ " فقال: أي والذي بعثك بالحق يا رسول الله! قال: "فإني حين ضربت الضربة الأولى، رفعت لي مدائن كسرى وما حولها، ومدائن كثيرة، حتَّى رأيتها بعيني". قال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله! ادع الله أن يفتحها علينا، ويغنمنا ديارهم، ويخرب بأيدينا بلادهم. فدعا
стр. 5342
رسول الله ﷺ بذلك. ثمّ ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها، حتَّى رأيتها بعيني" قالوا: يا رسول الله! ادع الله أن يفتحها علينا، ويغنمنا ديارهم، ويخرب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول الله ﷺ بذلك. ثمّ ضربت الثالثة، فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى، حتَّى رأيتها بعيني" قال رسول الله ﷺ عند ذلك: ادعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم".
حسن: رواه النسائيّ (٣١٧٦) عن عيسى بن يونس، قال: حَدَّثَنَا ضمرة، عن أبي زرعة السيباني، عن أبي سكينة رجل من المحررين، عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ فذكره.
ورواه أبو داود (٤٣٠٢) عن عيسى بن محمد الرملي، عن ضمرة بإسناده مقتصرا على لفظ: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم".
إسناده حسن من أجل ضمرة وهو ابن ربيعة الفلسطيني فإنه حسن الحديث، وأبو سكينة هو الحمصي، قيل اسمه محلّم مختلف في صحبته كما في "التقريب".
وأمّا المزي فقال في "تهذيبه" رُوي عن النَّبِي ﷺ ، وعن رجل عن النَّبِي ﷺ ، ذكر من الرواة عنه بلال بن سعد، ويحيى بن أبي عمرو السيباني.
ولكن قصة إبصار النَّبِيّ ﷺ لم يذكرها البخاريّ في حديث جابر لأنها ليست على شرطه وهي زيادة حسنة.
ويشهد له على ذلك حديث البراء بن عازب رواه أحمد (١٨٦٩٤) وأبو يعلى (١٦٨٥) وأبو نعيم في دلائل النبوة (٤٣٠) كلّهم من حديث عوف عن أبي عبد الله ميمون، عن البراء، قال: أمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق قال: عرض لنا صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى النَّبِيّ ﷺ قال: فأخذ المعول قال: وأحسبه قال: وضع ثوبه - فضرب ضربة وقال: "بسم الله" فكسر ثلث الصخرة، ثمّ قال: "الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام، إني لأنظر إلى قصورها الحمر من مكاني هذا" ثمّ قال: "بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأنظر إلى المدائن وقصرها الأبيض من مكاني هذا" ثمّ قال: "بسم الله" وضرب أخرى فكسر بقية الحجر وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأنظر إلى مفاتيح صنعاء من مكاني هذا" وإسناده ضعيف من أجل أبي عبد الله ميمون البصري الكندي، ويقال: القرشي فإنه ضعيف باتفاق أهل العلم، قال يحيى بن معين: لا شيء، وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير، وذكره ابن حبَّان في الثّقات وقال: كان يحيى القطان سيء الرأي فيه.
إِلَّا أن الحافظ ابن حجر حسن إسناده في الفتح (٧/ ٣٩٧) وذكر له شاهدا آخر من حديث كثير
بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه.
رواه البيهقيّ في الدلائل (٣/ ٤١٨) وجاء فيه: خط رسول الله ﷺ الخندق عام الأحزاب ...
стр. 5343
فقطع أربعين ذراعًا بين كل عشرة. وجاء فيه: فهبط رسول الله ﷺ مع سلمان في الخندق، ورقينا عن الشقة في شقة الخندق.
فأخذ رسول الله ﷺ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاء ما بين لابتيها - يعني لابتي المدينة، حتَّى لكأن مصباحًا في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة فتح، فكبر المسلمون.
ثمّ ضربها رسول الله ﷺ الثانية، فصدعها وبرق منها برقة أضاء لها ما بين لابتيها حتَّى لكأن مصباحًا في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة فتح، وكبر المسلمون.
ثمّ ضربها رسول الله ﷺ الثالثة، فكسرها، وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، حتَّى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة فتح، فكبر المسلمون.
ثمّ أخذ بيد سلمان فرقيَ فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد رأيت شيئًا ما رأيته قطّ، فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم، فقال: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله! بأبينا أنت وأمنا، قد رأيناك تضرب، فخرج برق كالموج فرأيناك تكبر، ولا نرى شيئًا غير ذلك، فقال: صدقتم، ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، كأنّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها.
ثمّ ضربت ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل ﵇ أن أمتي ظاهرة عليها.
ثمّ ضربت ضربتي الثالثة فبرق منها الذي رأيتم، أضاءت منها قصور صنعاء كأنّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل ﵇ أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا يبلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر.
فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صادق بأن الله وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب، فقال المسلمون: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
وقال المنافقون: ألا تعجبون: يحدثكم ويمنيكم، ويعدكم بالباطل، يخبركم أنه بصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وإنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق، ولا تستطيعون أن تبرزوا! !
وأنزل القرآن: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢].
وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ضعيف باتفاق أهل العلم.
وله شاهد آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٣١) أخرجه الطبرانيّ بإسنادين في أحدهما حيي بن عبد الله وثّقه ابن معين وضعّفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصَّحيح.
стр. 5344
وله شاهد آخر عن ابن عباس ﵄ قال: احتفر رسول الله ﷺ الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع فلمّا رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: "هل دللتم على أحد يطعمنا أكلة" قال رجل: نعم، قال: "أما لا فتقدم فدلنا عليه" فانطلقوا إلى رجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه فيه، فأرسلت امرأته أن جيء فإن رسول الله ﷺ قد أتانا فجاء الرّجل يسعى.
فقال: بأبي وأمي، وله معزة ومعها جديها فوثب إليها، فقال النَّبِيّ ﷺ : "الجدي من ورائنا" فذبح الجدي، وعمدت امرأته إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت، وأدركت وتردت، فقربتها إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فوضع النَّبِيّ ﷺ أصبعه فيها فقال: "بسم الله، اللهم بارك فيها، اللهم بارك فيها، اطعموا" فأكلوا منها حتَّى صدروا، ولم يأكلوا إِلَّا ثلثها وبقي ثلثاها، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا، وسرحوا إلينا نغديكم فذهبوا وجاء أولئك العشرة مكانه، فأكلوا منها حتَّى شبعوا، ثمّ قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهلها، ثمّ مشوا إلى الخندق فقالوا: اذهبوا بنا إلى سلمان، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال النَّبِيّ ﷺ لأصحابه: "دعوني فأكون أول من ضربها فقال بسم الله" فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: "الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة" ثمّ ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال: "الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة" فقال عندها المنافقون: نحن بخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم.
رواه الطبرانيّ في الكبير (١١/ ٣٧٦) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حَدَّثَنِي سعيد بن محمد الجرمي، ثنا أبو ثميلة، ثنا نعيم بن سعيد العبدي، أن عكرمة حدث عن ابن عباس فذكره.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٣٢): "رجاله رجال الصَّحيح غير عبد الله بن أحمد بن حنبل ونعيم العبدي وهما ثقتان".
كذا قال: ولم أقف على ترجمة نعيم بن سعيد العبدي فإنه ليس من رجال التقريب، ولا من رجال التعجيل، ولم يترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" وابن حبَّان في ثقاته، فتأكد منه.
وأمّا ما رُوي عن سهل بن سعد الساعدي قال: كنت مع النَّبِيّ ﷺ بالخندق، فأخذ الكرزين فضربه، فصادف حجرًا، فضحك، قيل: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ضحكت من ناس يؤتى بهم من قبل المشرق في النكول يساقون إلى الجنّة". فهو ضعيف.
رواه أحمد (٢٢٨٦١) والطَّبرانيّ (٥٧٣٣) كلاهما من طريق الفضيل بن سليمان، حَدَّثَنَا محمد بن أبي يحيى، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه فذكره.
والفضيل بن سليمان هو النميري البصري ضعيف باتفاق أهل العلم، ومع هذا ذكره ابن حبَّان في الثّقات (٧/ ٣١٦) وأخرج له البخاريّ متابعة.
١١ - باب حراسة النَّبِيّ ﷺ يوم الخندق
• عن عائشة قالت: أرق النَّبِيّ ﷺ ذات ليلة فقال: "ليت رجل صالح من أصحابي
стр. 5345
يحرسني الليلة" إذ سمعنا صوت السلاح قال: "من هذا؟ " قال: سعد يا رسول الله! جئت أحرسك، فنام النَّبِيّ ﷺ حتَّى سمعنا غطيطه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التمني (٧٢٣١) ومسلم في الفضائل (٢٤١٠) كلاهما من حديث سليمان بن بلال، حَدَّثَنِي يحيى بن سعيد، سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قالت عائشة: فذكرته. واللفظ للبخاري.
وفي رواية مسلم: فقال له رسول الله ﷺ : "ما جاء بك؟ " فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه فدعا له النَّبِيّ ﷺ ثم نام.
وسعد هو ابن أبي وقَّاص كما جاء مصرحًا في الروايات الأخرى.
١٢ - باب شجاعة الزُّبير يوم الأحزاب
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزُّبير: أنا، ثمّ قال: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزُّبير: أنا، ثمّ قال: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزُّبير: أنا، ثمّ قال: "إنَّ لكل نبي حواريًا، وإن حواري الزُّبير".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١٣) ومسلم في فضائل الصّحابة (٤٨: ٢٤١٥) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره.
قوله: "من يأتينا بخبر القوم؟ " المراد خبر بني قريظة في نقض العهد، وأمّا قصة حذيفة ﵁ فكانت لخبر قريش وكانت في ليلة شديدة البرد.
١٣ - باب دعاء النَّبِيّ ﷺ يوم الأحزاب
• عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١٥) ومسلم في الجهاد والسير (٢١: ١٧٤١) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، فذكره.
• عن عليّ بن أبي طالب، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال يوم الخندق: "ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصّلاة الوسطى حتَّى غابت الشّمس".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١١) ومسلم في المساجد ومواضع الصّلاة (٢٠٢: ٦٢٧) كلاهما من طريق هشام (هو الدستوائي) عن محمد (هو ابن سيرين) عن عبيدة (هو السلماني) عن عليّ قال: فذكره.
• عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطّاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشّمس
стр. 5346
جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتَّى كادت الشّمس أن تغرب. قال النَّبِيّ ﷺ : "والله ما صليتها" فنزلنا مع النَّبِيّ ﷺ بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثمّ صلى بعدها المغرب.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١٢) ومسلم في المساجد ومواضع الصّلاة (٢٠٩: ٦٣١) كلاهما من طريق هشام (هو ابن عبد الله الدستوائي) عن يحيى بن أبي كثير، حَدَّثَنَا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: فذكره.
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: قلنا لرسول الله ﷺ يوم الخندق وقد بلغ منا الجهد: هل من شيء نقوله؟ قال: "قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا". قال: فهزم الله بالريح.
حسن: رواه البزّار - كشف الأستار (٣١١٩) عن محمد بن المثنى، ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، ثنا الزُّبير بن عبد الله، ويقال: ابن رهيمة من أهل المدينة، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده فذكره.
قال البزّار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إِلَّا الزُّبير.
قلت: وهو كما قال. فقد رواه أيضًا الإمام أحمد (١٠٩٩٦) عن أبي عامر بإسناده إِلَّا أن فيه: ربيح بن أبي سعيد، عن أبيه.
فالظاهر أن فيه سقطًا، فإن ربيحا ليس ابنا لأبي سعيد، وإنما هو ابن عبد الرحمن كما في إسناد البزّار.
ولذا قال الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ١٣٦): رواه أحمد والبزّار، وإسناد البزّار متصل، ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحمد، إِلَّا في نسختي من المسند: عن ربيح بن أبي سعيد، عن أبيه، وهو في البزّار: عن أبيه، عن جده.
قلت: إسناده حسن فإن الزُّبير بن عبد الله الأموي مولاهم، قال فيه أبو حاتم صالح. وذكره ابن حبَّان في الثّقات فهو حسن الحديث.
ولكن قال الحافظ في التقريب "مقبول".
وأمّا ربيح بن عبد الرحمن فقد تكلم فيه البخاريّ وأحمد وغيرهما ولكن قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، فيحسن حديثه إِلَّا إذا خالف أو أتى بما ينكر عليه.
بقي المشركون محاصرين للنبي ﷺ وأصحابه قريبا من شهر، إِلَّا أنهم لا يَصِلُون إليهم، ولم يقع بينهم قتال إِلَّا أن عمرو بن عبد ود العامري - وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهليّة - ركب، ومعه فوارس فاقتحموا الخندق، وخلصوا إلى ناحية المسلمين، فندب رسول الله ﷺ المسلمين إليه، فلم يبرز إليه أحد، وأمر عليًا فخرج إليه فتجالا ساعة، ثمّ قتله علي رضي
стр. 5347
الله عنه، فكان علامة على النصر.
ثمّ أرسل الله على الأحزاب ريحًا شديدة الهبوب قوية، حتَّى لم يبق لهم خيمة، ولا شيء ولا توقد لهم نار، ولم يقر لهم قرار حتَّى ارتحلوا خائبين خاسرين كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩].
وقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة.
وممن قتل يوم الخندق ابن عمرو بن عبد ود - وهو حسل كما قال ابن هشام: وحدثني الثقة أنه حدّث عن ابن شهاب الزهري أنه قال: قتل عليّ بن أبي طالب يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسْل بن عمرو. انظر: سيرة ابن هشام (٢/ ٢٥٣).
وممن قتل أيضًا من المشركين: نوفل بن عبد الله المخزومي قتله الزُّبير بن العوام بالسيف فشقّه اثنين وهو الذي طلب المشركون جسده بالدية فقال النَّبِيّ ﷺ : "إنه خبيث، وخبيث الدية" فلم يقبل منهم الدية وأذن لهم بدفنه.
وأمّا ما رُوي عن ابن عباس: أن المسلمين أصابوا رجلًا من عظماء المشركين، فقتلوه، فسألوهم أن يشتروه، فنهاهم النَّبِيّ ﷺ أن يبيعوا جيفة مشرك. فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (١٧١٥)، وأحمد (٣٠١١)، والبيهقي (٩/ ١٣٣) كلّهم من طرق عن سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره. وابن أبي ليلى هو: محمد بن عبد الرحمن سيء الحفظ.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إِلَّا من حديث الحكم، ورواه الحجاج بن أرطاة أيضًا عن الحكم".
قلت: رواه أحمد (٢٢٣٠، ٢٤٤٢)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٤١٩) من طرق عن الحجاج بن أرطاة قال: عن الحكم به. ولفظه: قتل المسلمون يوم الخندق رجلًا من المشركين، فأعطوا بجيفته مالا، فقال رسول الله ﷺ : "ادفعوا إليهم جيفتهم؛ فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية" فلم يقبل منهم شيئًا.
والحجاج بن أرطاة مدلِّس وقد عنعن. ومدار الاسنادين على الحكم، وهو ابن عيينة، ولم يسمع من مقسم إِلَّا خمسة أحاديث، وليس هذا منها.
ولعل ابن حجر قال لذلك في الفتح (٦/ ٢٨٣): "إسناده غير قوي".
وجاء مرسلًا عن عكرمة أن نوفلا - أو ابن نوفل - تردى به فرسه يوم الخندق، فقتل، فبعث أبو سفيان إلى النبي ﷺ بديته مئة من الإبل، فأبى النبي ﷺ ، وقال: "خذوه فإنه خبيث الدية، خبيث الجيفة".
رواه ابن أبي شيبة (١٤/ ٤٢٣) بإسناد صحيح عن عكرمة مرسلًا.
وممن قتل أيضًا من المشركين يوم الخندق من بني عبد الدار بن قصي: منبّه بن عثمان بن
стр. 5348
السبّاق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة. قاله ابن إسحاق.
قال ابن هشام: هو عثمان بن أمية بن منبّه بن عبيد بن السباق.
هؤلاء الأربعة من المشركين قتلوا يوم الخندق.
١٤ - باب بيان أن الله هو الذي هزم الأحزاب ونصر النَّبِيّ ﷺ بالصبا
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا إله إِلَّا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١٤) ومسلم في الذكر والدعاء (٧٧: ٢٧٢٤) كلاهما عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا اللّيث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه (هو أبو سعيد المقبريّ) عن أبي هريرة قال: فذكره.
قوله: "وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده" هو من السجع المحمود، والفرق بينه وبين المذموم ما يأتي بتكلف واستكراه، والمحمود ما جاء بانسجام واتفاق.
• عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من الغزو أو الحجّ أو العمرة يبدأ فيكبر ثلاث مرار، ثمّ يقول: "لا إله إِلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١٦) ومسلم في الحجّ (٤٢٨: ١٣٤٤) كلاهما من طريق نافع عن عبد الله بن عمر قال: فذكره.
• عن عبد الله بن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدبور".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٠٥) ومسلم في صلاة الاستسقاء (١٧: ٩٠٠) كلاهما عن طريق شعبة، حَدَّثَنِي الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: فذكره.
قوله: "نصرت بالصبا" بفتح المهملة وتخفيف الموحدة وهي الريح الشرقية.
و"الدبور": هي الريح الغربية.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور".
حسن: رواه الطبرانيّ في الأوسط (٧٨٣٧) وفي الصغير (١٠٦٩) عن محمود بن محمد الواسطي، حَدَّثَنَا محمد بن أبان الواسطي، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس بن مالك فذكره.
قال الطبرانيّ: لم يروه عن قتادة إِلَّا أبو عوانة، تفرّد به محمد بن أبان.
قلت: محمد بن أبان الواسطي أبو الحسن حسن الحديث، ذكره ابن حبَّان في "الثّقات" وقال بحشل: كان فقيها، وقال مسلمة في الصلة: محمد بن أبان الواسطي يكنى أبا الحسن ثقة.
стр. 5349
١٥ - باب بيان أن المسلمين هم الذين يغزون المشركين بعد غزوة الأحزاب
• عن سليمان بن صرد يقول: سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول حين أجلي الأحزاب عنه: "الآن نغزوهم، ولا يغزوننا نحن نسير إليهم".
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١٠) عن عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا يحيى بن آدم، حَدَّثَنَا إسرائيل: سمعت أبا إسحاق يقول: سمعت سليمان بن صرد يقول: فذكره.
قوله: "حين أجلي الأحزاب عنه" أي رجعوا عنه.
وفيه علم من أعلام النبوة فإنه ﷺ اعتمر في السنة المقبلة فصدته قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها، فكان ذلك سبب فتح مكة، فوقع الأمر كما قال ﷺ . انظر الفتح (٧/ ٤٠٥).
• عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال يوم الأحزاب وقد جمعوا له جموعًا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : "لا يغزوكم بعدها أبدًا، ولكن نغزوهم".
حسن: رواه البزّار - كشف الأستار (١٨١٠) عن محمد بن عمر بن هياج، ثنا يحيى بن عبد الرحمن الأرجي، ثنا عبيدة بن الأسود، عن مجالد، عن عامر (الشعبي) عن جابر بن عبد الله فذكره.
قال البزّار: قد اختلفوا في إسناده، فرواه زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن الحارث بن الرصاد. وقال مجالد، عن الشعبي، عن جابر، ولا نعلم أحدا رواه عن جابر إِلَّا عبيدة.
قلت: ومجالد هو ابن سعيد بن عمير الكوفي ضعّفه أكثر أهل العلم ولكن قال ابن عدي: له عن الشعبي، عن جابر أحاديث صالحة، وعن غير جابر من الصّحابة أحاديث صالحة، وعامة ما يرويه غير محفوظ.
قلت: هذا إسناد حسن من أجل رواية مجالد، عن الشعبي، عن جابر.
وحسنه أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ٤٠٥) وقال الهيثميّ: رجاله ثقات.
١٦ - باب من استشهد من المسلمين يوم الخندق
• عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له: حبّان بن العرقة رماه في الأكحل فضرب النَّبِيّ ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب إِلَّا أن جرحه يغذو دمًا فمات منها.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٢٢) ومسلم في الجهاد (١٧٦٩) كلاهما من حديث عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته في حديث أطول كما سيأتي وأنه مات بعد انصراف الأحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة وبعد أن حكم في بني قريظة.
стр. 5350
وروى موسى بن عقبة عن ابن شهاب في تسمية من استشهد من الأنصار يوم الخندق: أنس بن معاذ بن أوس بن عبد عمرو.
رواه الطبرانيّ في الكبير (١/ ٢٣٨) وهو مرسل.
وذكر أصحاب السير والمغازي ممن استشهد يوم الخندق: عبد الله بن سهل الأشهلي، وثعلبة بن غنمة بن عدي الأنصاري الخزرجي.
وطفيل بن النعمان الأنصاري، وكعب بن زيد الأنصار البخاريّ وسليط بن عوف الأسلمي وسفيان بن عوف الأسلمي وسنان بن صيفي الخزرجي، وفي بعضهم خلاف.
• * *
стр. 5351
جموع ما جاء في غزوة بني قريظة
كانت غزوة بني قريظة في شهر ذي الحجة من السنة الخامسة عقب غزوة الأحزاب. وكان سببه نقض بني قريظة العهد الذي بينهم وبين النَّبِيّ ﷺ في وقت غزو قريش المدينة. فأمر الله تعالى نبيه بالتوجه إليهم لقتالهم.
١ - باب خروج النَّبِيّ ﷺ إلى بني قريظة
• عن عائشة قالت: لما رجع النَّبِيّ ﷺ من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل أتاه جبريل ﵇ فقال: قد وضعت السلاح، والله! ما وضعناه. فاخرج إليهم، قال: "فإلى أين؟ " قال: ها هنا، وأشار إلى بني قريظة، فخرج النَّبِيّ ﷺ إليهم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١٧) ومسلم في الجهاد (١٧٦٩) كلاهما من حديث ابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة واللّفظ للبخاريّ. وسيأتي مطولًا.
• عن أنس قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١٨) عن موسى حَدَّثَنَا جرير بن حازم، عن حميد بن هلال، عن أنس فذكره.
• عن كعب بن مالك قال: إن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب رجع، فوضع لأمته، واستجمر - زاد دحيم في حديثه - قال رسول الله ﷺ : "فنزل جبريل ﵇ فقال: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة، وما وضعناها بعد" فوثب رسول الله ﷺ فزعًا، فعزم على الناس ألا يصلوا العصر إِلَّا في بني قريظة، فلبسوا السلاح، وخرجوا فلم يأتوا بني قريظة حتَّى غربت الشّمس، واختصم الناس في صلاة العصر فقال بعضهم: صلوا، فإن رسول الله ﷺ لم يرد أن تتركوا الصّلاة، وقال بعضهم: عزم علينا أن لا نصلي حتَّى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزيمة رسول الله ﷺ ، فليس علينا إثم، فصلت طائفة العصر إيمانًا واحتسابًا، وطائفة لم يصلوا حتى نزلوا بني قريظة بعد ما غربت الشّمس فصلوها إيمانًا واحتسابًا، فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدة من الطائفتين.
стр. 5352
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (١٩/ ٧٩ - ٨٠) عن إبراهيم بن دحيم الدمشقي، ثنا أبي ح وحدثنا الحسن بن إسحاق، ثنا عليّ بن بحر قالا: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا مرزوق بن أبي الهذيل، عن الزّهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن عمه عبيد الله بن كعب، عن كعب بن مالك فذكره.
وإسناده حسن من أجل مرزوق بن أبي الهذيل تكلم فيه البخاريّ.
وقال أبو حاتم: حديثه صالح، وقال ابن عدي: يكتب حديثه.
فهو لا بأس به في الشواهد.
وأمّا الوليد بن مسلم فهو مدلِّس ولكنه صرَّح وحسّنه أيضًا الحافظ في المطالب (٤٢٧٢) والجمهور على أنه يقبل تصريحه ولو في طبقة وإحدة وهي طبقة شيخه.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٤٠) بعد أن عزاه إلى الطبرانيّ: ورجاله رجال الصَّحيح غير ابن أبي الهذيل وهو ثقة.
٢ - باب المبادرة بغزو أهل قريظة
• عن ابن عمر قال: قال النَّبِيّ ﷺ يوم الأحزاب: "لا يصلين أحد العصر إِلَّا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتَّى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١١٩) ومسلم في الجهاد والسير (٦٩: ١٧٧٠) كلاهما عن عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حَدَّثَنَا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: فذكره.
وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل معهم ستة وثلاثون فرسًا كما ذكره ابن سعد (٣/ ٧٤).
قال ابن إسحاق: وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين ليلة حتَّى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. السيرة لابن هشام (٢/ ٢ ٣٥)
٣ - هجاء حسان
• عن البراء بن عازب قال: قال النَّبِيّ ﷺ لحسان: "اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٢٣) ومسلم في فضائل الصّحابة (١٥٣: ٢٤٨٦) كلاهما من طريق شعبة، أخبرني عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء بن عازب قال: فذكره.
وفي الرواية عند البخاريّ أنه قال ذلك يوم قريظة.
стр. 5353
٤ - حكم سعد بن معاذ في بني قريظة
• عن أبي سعيد قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النَّبِيّ ﷺ إلى سعد فأتى على حمار، فلمّا دنا من المسجد قال للأنصار: "قوموا إلى سيدكم أو خيركم" فقال: "هؤلاء نزلوا على حكمك"، فقال: تَقتل مقاتلتهم، وتَسبِي ذراريهم، قال: "قضيتَ بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٢١) ومسلم في الجهاد والسير (٦٤: ١٧٦٨) كلاهما عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا غندر (هو محمد بن جعفر) حَدَّثَنَا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا أمامة قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ قال: فذكره.
وأمّا ما رواه الحاكم (٢/ ١٢٣ - ١٢٤) وعنه البيهقيّ في الكبرى (٩/ ٦٣) من حديث محمد بن صالح التمار المديني، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، أن سعد بن معاذ حكم على بني قريظة فذكر الحديث.
وجاء فيه: "لقد حكم اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق السماوات" فهو معلول، فإن محمد بن صالح التمار خالف شعبة بن الحجاج الإمام المعروف، ولا تقبل مخالفته، أشار إليه أبو حاتم في العلل (٩٧١) والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٩١) والدراقطني في العلل (٥٧٣).
• عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش، يقال له حبَّان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النَّبِيّ ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلمّا رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح، والله ما وضعته، اخرج إليهم. قال النَّبِيّ ﷺ : "فأين". فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد، قال: فإني أحكم فيهم: أن تُقتل المقاتلة، وأن تُسبى النساء والذرية، وأن تُقسم أموالهم.
قال هشام: فأخبرني أبي، عن عائشة: أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك، من قوم كذبوا رسولك ﷺ وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له، حتَّى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم، وفي المسجد خيمة من بني غفار، إِلَّا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة! ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه
стр. 5354
دمًا، فمات ﵁.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٢٢) ومسلم في الجهاد والسير (٦٥: ١٧٦٩) كلاهما من طريق عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
وزاد مسلم قول عروة: فأخبرت أن رسول الله ﷺ قال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله ".
وزاد مسلم أيضًا (٦٨: ١٧٦٩) من طريق آخر عن هشام بن عروة بهذا الإسناد فانفجر من ليلته فما زال يسيل حتَّى مات.
وزاد في الحديث قال: فذاك حين يقول الشاعر:
ألا يا سعد سعد بني معاذ ... فما فعلت قريظة والنضير
لعمرك إن سعد بني معاذ ... غداة تحملوا لهو الصبور
تركتم قِدركم لا شيء فيها ... وقِدر القوم حامية تفور
وقد قال الكريم أبو حُباب ... أقيموا قينُقاع ولا تسيروا
وقد كانوا ببلدتهم ثقالًا ... كما ثقلت بميطان الصخور
وقوله: "تركتم قدركم" أراد به الأوس لقلة حلفائهم، فإن حلفاءهم قريظة وقد قتلوا.
وقوله: "قدر القوم" الخزرج لشفاعتهم في حلفائهم بني قينقاع حتَّى منّ عليهم النَّبِيّ ﷺ وتركهم لعبد الله بن أبي ابن سلول. وهو أبو حباب المذكور في البيت الأخير.
وقوله: "ثقالا" هم بنو قريظة.
وقوله: "كما ثقلت بميطان الصخور" ميطان - اسم جبل من أرض الحجاز في ديار بني مزينة، إنّما قصد هذا الشاعر تحريض سعد على استبقاء بني قريظة حلفائه. ويلومه على حكمه فيهم، ويذكره بفعل عبد الله بن أبي، ويمدحه بشفاعته في حلفائهم بني قينقاع.
• عن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس قالت: فسمعت وئيد الأرض ورائي يعني - حس الأرض - قالت: فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس، يحمل مِجَنّه قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد، قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم. قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:
لبث قليلًا يدرك الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل
قالت: فقمت، فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن
стр. 5355
الخطّاب وفيهم رجل عليه تسبغة له - يعني مغفرًا - فقال عمر: ما جاء بك؟ ! لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء، أو يكون تحوز؟ قالت: فما زال يلومني حتَّى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ، فدخلت فيها، قالت: فرفع الرّجل التسبغة عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر! إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إِلَّا إلى الله ؟ !
قالت: ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش - يقال له: ابن العرقة - بسهم له، فقال له: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله، فقطعه، فدعا الله سعد، فقال: اللهم لا تمتني حتَّى تقر عيني من قريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهليّة.
قالت: فرقأ كلمه، وبعث الله الريح على المشركين، فكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويًا عزيزًا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة، فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فوضع السلاح، وأمر بقبة من أدم، فضربت على سعد في المسجد.
قالت: فجاء جبريل ﵇، وإن على ثناياه لنقع الغبار فقال: أقد وضعت السلاح؟ والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فخرج رسول الله ﷺ ، فمر على بني غنم، وهم جيران المسجد حوله، فقال: "من مر بكم؟ " قالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنة وجهه جبريل ﵇.
فقالت: فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلمّا اشتد حصرهم واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال رسول الله ﷺ : "انزلوا على حكم سعد بن معاذ" فنزلوا وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ، فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف، قد حمل عليه، وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو! حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت. قالت: لا يُرجِع إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم حتَّى إذا دنا من دورهم، التفت إلى قومه، فقال: قد أنى لي أن لا أبالي في الله لومة لائم.
стр. 5356
قال: قال أبو سعيد: فلمّا طلع على رسول الله ﷺ قال: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" فقال عمر: سيدنا الله . قال: أنزلوه، فأنزلوه، قال رسول الله ﷺ : "حكم فيهم" قال سعد: فإني أحكم فيهم، أن تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم - وقال يزيد ببغداد: ويقسم - فقال رسول الله ﷺ : "لقد حكمت بحكم الله وحكم رسوله".
قالت: ثمّ دعا سعد قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك ﷺ من حرب قريش شيئًا، فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم، فاقبضني إليك. قالت: فانفجر كلمه، وكان قد برئ حتَّى ما يرى منه إِلَّا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ .
قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده! إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر، وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله : ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] قال علقمة: قلت: أي أمه! فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته.
حسن: رواه أحمد (٢٥٠٩٧) وابن سعد (٣/ ٤٢١) وابن حبَّان (٧٠٢٨) كلّهم من حديث يزيد، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقَّاص، قال: أخبرتني عائشة فذكرته.
فيه عمرو بن علقمة لم يوثّقه أحد، وذكره ابن حبَّان في "الثّقات" على قاعدته ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي عند المتابعة، وبعض فقراته صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما. كما أن لبعض فقراته متابعة ذكرت في مواضعها، ولذا حسّنه الحافظ في الفتح (١١/ ٥١).
• عن جابر قال: رُمِيَ سعدُ بن معاذ في أكحله، فحسمه النَّبِيّ ﷺ بيده بمشقص، ثمّ وَرِمَتْ، فحسمه الثانية.
صحيح: رواه مسلم في السّلام (٢٢٠٨: ٧٥) من طرق عن أبي خيثمة زهير بن حرب، حَدَّثَنَا أبو الزُّبير، عن جابر فذكره.
وتفصيله في الحديث الآتي:
• عن جابر أنه قال: رُمِيَ يومَ الأحزاب سعدُ بن معاذ فقطعوا أكحله - أو أبجله - فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فتركه فنزفه الدم، فحسمه أخرى فانتفخت يده، فلمّا رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتَّى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة، حتَّى نزلوا على حكم سعد بن معاذ. فأرسل إليه،
стр. 5357
فحكم أن يقتل رجالهم وتستحيى نساؤهم، يستعين بهن المسلمون، فقال رسول الله ﷺ : "أصبت حكم الله فيهم" وكانوا أربعمائة، فلمّا فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات.
صحيح: رواه الترمذيّ (١٥٨٢) وأحمد (١٤٧٧٣) وابن حبَّان (٤٧٨٤) كلّهم من طرق عن اللّيث بن سعد، عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: فذكره.
وإسناده صحيح، وقال الترمذيّ: حسن صحيح.
صحّح إسناده أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ٤١٤).
ويستفاد من هذا الحديث أن الذين قتلوا يوم قريظة كان عددهم أربعمائة.
اختلف أهل المغازي والسير في عدتهم إلى تسعمائة. والصحيح ما في حديث جابر، وقد حمل بعضهم بأن العدد الذي ذكره جابر للمقاتلين، والباقي تبع لهم.
هذا مصير كل من يخون بلده، وينقض عهده، لأن أمن الدولة فوق كل شيء، فإن هؤلاء الخونة جعلوا مدينة النَّبِيّ ﷺ والمسلمين في خطر عظيم، فنصرهم الله على أعدائهم بأن قتّل رجالهم وسبيتْ نساءهم، وبهذا انتهى الحظر المحدق حول دولة الإسلام. يقال: إنهم أُدخلوا المدينة وحفر لهم أخدود في السوق، وضربت أعناقهم.
• عن عطية القرظي قال: كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قُتِلَ، ومن لم ينبت لم يُقتَل، فكنت فيمن لم ينبت.
صحيح: رواه أبو داود (٤٤٠٤، ٤٤٠٥)، والتِّرمذيّ (١٥٨٤)، والنسائي (٤٩٨١، ٣٤٣٠)، وابن ماجة (٢٥٤١، ٢٥٤٢)، وأحمد (١٨٧٦٦)، وصحّحه ابن حبَّان (٤٧٨٠، ٤٧٨٣، ٤٧٨٨)، والحاكم (٢/ ١٢٣ و ٣/ ١٣٥) كلّهم من طرق عن عبد الملك بن عمير، حَدَّثَنِي عطية القرظي فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
٥ - لم يقتل من النساء إِلَّا امرأة واحدة
• عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم - تعني بني قريظة - إِلَّا امرأة، إنها لعندي تحدّث تضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسيوف، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث أحدثته، قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، فما أنسى عجبًا منها أنها تضحك ظهرًا وبطنًا، وقد علمت أنها تقتل.
حسن: رواه أبو داود (٢٦٧١) وأحمد (٢٦٣٦٤) وصحّحه الحاكم (٣/ ٣٥ - ٣٦) وعنه البيهقيّ (٩/ ٨٢) كلّهم من طرق عن محمد بن إسحاق قال: حَدَّثَنِي محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن
стр. 5358
الزُّبير، عن عائشة فذكرته - وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٢).
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، فإنه حسن الحديث إذا صرّح.
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم.
ويقال: الحدث الذي أشارت إليه أنها طرحت الرحا على خلَّاد بن سويد فقتلته كما قال ابن هشام فقتلها رسول الله ﷺ .
وقصة خلَّاد بن سويد هي كما رُوي عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه، عن جده قال: جاءت امرأة إلى النَّبِيّ ﷺ يقال لها: أم خلَّاد - وهي منتقبة، تسأل عن ابنها، - وهو مقتول -؟ فقال لها بعض أصحاب النَّبِيّ ﷺ : جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟ فقالت: إن أرزأ ابني، فلن أرزأ حيائي، فقال رسول الله ﷺ : "ابنك شهيد له أجر شهيدين" قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: "لأنه قتله أهل الكتاب".
وفي رواية قتل يوم قريظة رجل من الأنصار، يدعى خلادًا، ثمّ ذكر نحوه.
رواه أبو داود (٢٤٨٨) ومن طريقه البيهقيّ (٩/ ١٧٥) عن عبد الرحمن بن سلّام، حَدَّثَنَا حجَّاج بن محمد، عن فرج بن فضالة، عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شمّاس، عن أبيه، عن جده فذكره.
ورواه أبو يعلى (١٥٩١) من طريق فرج بالإسناد المذكور، وعنده: عبد الخبير بن قيس بن ثابت بن شماس، والرّواية الثانية له.
وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف.
وفيه أيضًا: عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس.
كذا جاء في رواية أبي داود وهو عبد الخبير بن قيس بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، قال البخاريّ: ليس حديثه بالقائم، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، حديثه ليس بالقائم.
وأبوه قيس بن ثابت بن قيس لم يوثّقه أحد وقال الذّهبيّ: ما رأيت روى عنه سوى ابنه عبد الخبير.
وثابت بن قيس بن شماس جد عبد الخبير صحابي مشهور.
٦ - باب إجلاء يهود المدينة
• عن ابن عمر قال: حاربت النضير وقريظة، فأجلى بني النضير وأقرّ قريظةَ، ومنّ عليهم حتَّى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم، وأولادهم، وأموالهم بين المسلمين إِلَّا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فآمنهم وأسلموا. وأجلى يهود المدينة كلّهم: بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلّام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٢٨) ومسلم في الجهاد (١٧٦٦) كلاهما من حديث
стр. 5359
عبد الرزّاق، أخبرنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
٧ - باب استغناء النَّبِيّ ﷺ عن منائح الأنصار بعد فتح قريظة
• عن أنس بن مالك قال: إن الرّجل كان يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه، حتَّى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يردّ عليه ما كان أعطاه.
قال أنس: وإن أهلي أمروني أن آتي النَّبِيّ ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النَّبِيّ ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي، وقالت: لا والله لا نعطيكهن وقد أعطانيهن، فقال نبي الله ﷺ : "يا أم أيمن اتركيه ولك كذا وكذا" وتقول: كلا، والذي لا إله إِلَّا هو! فجعل يقول: كذا حتَّى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٢٠) ومسلم في الجهاد (٧١: ١٧٧١) كلاهما من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس فذكره.
стр. 5360
جموع ما جاء من الأحداث التي بين غزوة بني قريظة وصلح الحديبية
١ - سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء
كانت في شهر محرم سنة ست، بعث رسول الله ﷺ جمر محمد بن مسلمة في ثلاثين راكبًا إلى
القرطاء وهم بطن من بني بكر من كلاب، وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية، وبين ضرية والمدينة سبع ليال، وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار وأغار عليهم فقتل نفرًا منهم وهرب سائرهم واستاق نعمًا وشاء ولم يعرض للطعن، وانحدر إلى المدينة، فخمس رسول الله ﷺ ما جاء به وفض على أصحابه ما بقي فعدلوا الجزور بعشر من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرًا والغنم ثلاثة آلاف شاة، وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرم.
ذكره ابن سعد في الطبقات (٢/ ٧٨).
وفي هذه السرية أُسر ثمامة بن أثال - سيد أهل اليمامة - كما نص ابن حبَّان في الثّقات (١/ ٢٨١) أن محمد بن مسلمة أخذه في بعثه إلى القرطاء. وتفصيل قصة ثمامة في الحديث الآتي:
• عن أبي هريرة قال: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ عِنْدِي خَيْر يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فترك حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ. فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ. فَقَالَ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ" فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ! مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ! مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وإنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ. قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ
следующие страницы →