Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
قال: قال أبو سعيد: فلمّا طلع على رسول الله ﷺ قال: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" فقال عمر: سيدنا الله . قال: أنزلوه، فأنزلوه، قال رسول الله ﷺ : "حكم فيهم" قال سعد: فإني أحكم فيهم، أن تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم - وقال يزيد ببغداد: ويقسم - فقال رسول الله ﷺ : "لقد حكمت بحكم الله وحكم رسوله".
قالت: ثمّ دعا سعد قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك ﷺ من حرب قريش شيئًا، فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم، فاقبضني إليك. قالت: فانفجر كلمه، وكان قد برئ حتَّى ما يرى منه إِلَّا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ .
قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده! إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر، وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله : ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] قال علقمة: قلت: أي أمه! فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته.
حسن: رواه أحمد (٢٥٠٩٧) وابن سعد (٣/ ٤٢١) وابن حبَّان (٧٠٢٨) كلّهم من حديث يزيد، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقَّاص، قال: أخبرتني عائشة فذكرته.
فيه عمرو بن علقمة لم يوثّقه أحد، وذكره ابن حبَّان في "الثّقات" على قاعدته ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي عند المتابعة، وبعض فقراته صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما. كما أن لبعض فقراته متابعة ذكرت في مواضعها، ولذا حسّنه الحافظ في الفتح (١١/ ٥١).
• عن جابر قال: رُمِيَ سعدُ بن معاذ في أكحله، فحسمه النَّبِيّ ﷺ بيده بمشقص، ثمّ وَرِمَتْ، فحسمه الثانية.
صحيح: رواه مسلم في السّلام (٢٢٠٨: ٧٥) من طرق عن أبي خيثمة زهير بن حرب، حَدَّثَنَا أبو الزُّبير، عن جابر فذكره.
وتفصيله في الحديث الآتي:
• عن جابر أنه قال: رُمِيَ يومَ الأحزاب سعدُ بن معاذ فقطعوا أكحله - أو أبجله - فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فتركه فنزفه الدم، فحسمه أخرى فانتفخت يده، فلمّا رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتَّى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة، حتَّى نزلوا على حكم سعد بن معاذ. فأرسل إليه،
стр. 5357
فحكم أن يقتل رجالهم وتستحيى نساؤهم، يستعين بهن المسلمون، فقال رسول الله ﷺ : "أصبت حكم الله فيهم" وكانوا أربعمائة، فلمّا فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات.
صحيح: رواه الترمذيّ (١٥٨٢) وأحمد (١٤٧٧٣) وابن حبَّان (٤٧٨٤) كلّهم من طرق عن اللّيث بن سعد، عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: فذكره.
وإسناده صحيح، وقال الترمذيّ: حسن صحيح.
صحّح إسناده أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ٤١٤).
ويستفاد من هذا الحديث أن الذين قتلوا يوم قريظة كان عددهم أربعمائة.
اختلف أهل المغازي والسير في عدتهم إلى تسعمائة. والصحيح ما في حديث جابر، وقد حمل بعضهم بأن العدد الذي ذكره جابر للمقاتلين، والباقي تبع لهم.
هذا مصير كل من يخون بلده، وينقض عهده، لأن أمن الدولة فوق كل شيء، فإن هؤلاء الخونة جعلوا مدينة النَّبِيّ ﷺ والمسلمين في خطر عظيم، فنصرهم الله على أعدائهم بأن قتّل رجالهم وسبيتْ نساءهم، وبهذا انتهى الحظر المحدق حول دولة الإسلام. يقال: إنهم أُدخلوا المدينة وحفر لهم أخدود في السوق، وضربت أعناقهم.
• عن عطية القرظي قال: كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قُتِلَ، ومن لم ينبت لم يُقتَل، فكنت فيمن لم ينبت.
صحيح: رواه أبو داود (٤٤٠٤، ٤٤٠٥)، والتِّرمذيّ (١٥٨٤)، والنسائي (٤٩٨١، ٣٤٣٠)، وابن ماجة (٢٥٤١، ٢٥٤٢)، وأحمد (١٨٧٦٦)، وصحّحه ابن حبَّان (٤٧٨٠، ٤٧٨٣، ٤٧٨٨)، والحاكم (٢/ ١٢٣ و ٣/ ١٣٥) كلّهم من طرق عن عبد الملك بن عمير، حَدَّثَنِي عطية القرظي فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
٥ - لم يقتل من النساء إِلَّا امرأة واحدة
• عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم - تعني بني قريظة - إِلَّا امرأة، إنها لعندي تحدّث تضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسيوف، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث أحدثته، قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، فما أنسى عجبًا منها أنها تضحك ظهرًا وبطنًا، وقد علمت أنها تقتل.
حسن: رواه أبو داود (٢٦٧١) وأحمد (٢٦٣٦٤) وصحّحه الحاكم (٣/ ٣٥ - ٣٦) وعنه البيهقيّ (٩/ ٨٢) كلّهم من طرق عن محمد بن إسحاق قال: حَدَّثَنِي محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن
стр. 5358
الزُّبير، عن عائشة فذكرته - وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٢).
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، فإنه حسن الحديث إذا صرّح.
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم.
ويقال: الحدث الذي أشارت إليه أنها طرحت الرحا على خلَّاد بن سويد فقتلته كما قال ابن هشام فقتلها رسول الله ﷺ .
وقصة خلَّاد بن سويد هي كما رُوي عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه، عن جده قال: جاءت امرأة إلى النَّبِيّ ﷺ يقال لها: أم خلَّاد - وهي منتقبة، تسأل عن ابنها، - وهو مقتول -؟ فقال لها بعض أصحاب النَّبِيّ ﷺ : جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟ فقالت: إن أرزأ ابني، فلن أرزأ حيائي، فقال رسول الله ﷺ : "ابنك شهيد له أجر شهيدين" قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: "لأنه قتله أهل الكتاب".
وفي رواية قتل يوم قريظة رجل من الأنصار، يدعى خلادًا، ثمّ ذكر نحوه.
رواه أبو داود (٢٤٨٨) ومن طريقه البيهقيّ (٩/ ١٧٥) عن عبد الرحمن بن سلّام، حَدَّثَنَا حجَّاج بن محمد، عن فرج بن فضالة، عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شمّاس، عن أبيه، عن جده فذكره.
ورواه أبو يعلى (١٥٩١) من طريق فرج بالإسناد المذكور، وعنده: عبد الخبير بن قيس بن ثابت بن شماس، والرّواية الثانية له.
وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف.
وفيه أيضًا: عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس.
كذا جاء في رواية أبي داود وهو عبد الخبير بن قيس بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، قال البخاريّ: ليس حديثه بالقائم، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، حديثه ليس بالقائم.
وأبوه قيس بن ثابت بن قيس لم يوثّقه أحد وقال الذّهبيّ: ما رأيت روى عنه سوى ابنه عبد الخبير.
وثابت بن قيس بن شماس جد عبد الخبير صحابي مشهور.
٦ - باب إجلاء يهود المدينة
• عن ابن عمر قال: حاربت النضير وقريظة، فأجلى بني النضير وأقرّ قريظةَ، ومنّ عليهم حتَّى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم، وأولادهم، وأموالهم بين المسلمين إِلَّا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فآمنهم وأسلموا. وأجلى يهود المدينة كلّهم: بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلّام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٢٨) ومسلم في الجهاد (١٧٦٦) كلاهما من حديث
стр. 5359
عبد الرزّاق، أخبرنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
٧ - باب استغناء النَّبِيّ ﷺ عن منائح الأنصار بعد فتح قريظة
• عن أنس بن مالك قال: إن الرّجل كان يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه، حتَّى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يردّ عليه ما كان أعطاه.
قال أنس: وإن أهلي أمروني أن آتي النَّبِيّ ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النَّبِيّ ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي، وقالت: لا والله لا نعطيكهن وقد أعطانيهن، فقال نبي الله ﷺ : "يا أم أيمن اتركيه ولك كذا وكذا" وتقول: كلا، والذي لا إله إِلَّا هو! فجعل يقول: كذا حتَّى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٢٠) ومسلم في الجهاد (٧١: ١٧٧١) كلاهما من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس فذكره.
стр. 5360
جموع ما جاء من الأحداث التي بين غزوة بني قريظة وصلح الحديبية
١ - سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء
كانت في شهر محرم سنة ست، بعث رسول الله ﷺ جمر محمد بن مسلمة في ثلاثين راكبًا إلى
القرطاء وهم بطن من بني بكر من كلاب، وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية، وبين ضرية والمدينة سبع ليال، وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار وأغار عليهم فقتل نفرًا منهم وهرب سائرهم واستاق نعمًا وشاء ولم يعرض للطعن، وانحدر إلى المدينة، فخمس رسول الله ﷺ ما جاء به وفض على أصحابه ما بقي فعدلوا الجزور بعشر من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرًا والغنم ثلاثة آلاف شاة، وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرم.
ذكره ابن سعد في الطبقات (٢/ ٧٨).
وفي هذه السرية أُسر ثمامة بن أثال - سيد أهل اليمامة - كما نص ابن حبَّان في الثّقات (١/ ٢٨١) أن محمد بن مسلمة أخذه في بعثه إلى القرطاء. وتفصيل قصة ثمامة في الحديث الآتي:
• عن أبي هريرة قال: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ عِنْدِي خَيْر يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فترك حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ. فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ. فَقَالَ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ" فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ! مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ! مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وإنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ. قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ
стр. 5361
الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٧٢) ومسلم في الجهاد (٥٩: ١٧٦٤) كلاهما من طريق اللّيث، عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة قال: فذكره.
٢ - غزوة بني لحيان
كانت في السنة السادسة بعد ستة أشهر من فتح قريظة.
قال ابن إسحاق: خرج رسول الله ﷺ إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع: خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرَّةَ.
سيرة ابن هشام (٢/ ٢٧٩)
وبنو لحيان هم الذين غدروا بخبيب وأصحابه يوم الرجيع فخرج إليهم في مائتين من أصحابه. فلمّا سمعت به بنو لحيان هربوا إلى رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد فسار إلى عسفان، فبعث عشرة فوارس إلى كراع الغميم. ليرى أهل مكة أنا قد جئنا مكة، ثمّ رجعوا إلى المدينة، وكانت غيبته عنها أربع عشرة ليلة. انظر زاد المعاد (٣/ ٢٧٦).
وفي عسفان استقبلهم جمع من المشركين على رأسهم خالد بن الوليد فقال المشركون: قد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم، ثمّ قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم مِن أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] كما يرويه أبو عَيَّاش الزرقي. وأبو هريرة في الأحاديث التالية.
• عن أبي عَيَّاش الزرقي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النَّبِيّ ﷺ الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثمّ قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائِهم وأنفسهم. قال فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] قال: فحضرت فأمرهم النَّبِيّ ﷺ فأخذوا السلاح، قال: فصففنا خلفه صفين، قال: ثمّ ركع، فركعنا جميعًا، ثمّ رفع، فرفعنا جميعًا ثمّ سجد النَّبِيّ ﷺ بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلمّا سجدوا وقاموا، جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثمّ تقدّم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، قال: ثمّ ركع، فركعوا جميعًا، ثمّ رفع، فرفعوا جميعًا، ثمّ سجد النَّبِيّ ﷺ والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلمّا جلس، جلس الآخرون فسجدوا، ثمّ سلم عليهم، ثمّ انصرف، قال: فصلاها رسول الله ﷺ مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم.
стр. 5362
صحيح: رواه أبو داود (١٢٣٦) وأحمد (١٦٥٨٠) وصحّحه ابن حبَّان (٢٨٧٦) والحاكم (١/ ٣٣٨ - ٣٣٧) كلّهم من حديث منصور بن معتمر، عن مجاهد، عن أبي عَيَّاش الزرقي فذكره.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نزل بين ضُجنان وعسفان. فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبكارهم - وهي العصر - فأجمعوا أمركم، فيميلوا عليهم ميلة واحدة، وإن جبريل ﵇ أتى النَّبِيّ ﷺ فأمره أن يقسم أصحابه شطرين فيصلي ببعضهم، ولقوم الطائفة الأخرى وراءهم، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ثمّ تأتي الأخرى فيصلون معه، ويأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم لتكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله ﷺ ، ولرسول ﷺ ركعتان.
حسن: رواه الترمذيّ (٣٠٣٥) والنسائي (١٥٤٤) وأحمد (١٠٧٦٥) كلاهما من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حَدَّثَنَا سعيد بن عبيد الهنّائي، حَدَّثَنَا عبد الله بن شقيق، قال: حَدَّثَنَا أبو هريرة قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل سعيد بن عبيد الهنائي قال فيه أبو حاتم: شيخ، وقال البزّار: ليس به بأس، واعتمده الحافظ في التقريب. وذكره ابن حبَّان في الثّقات.
انظر للمزيد: صلاة الخوف.
وهي أول صلاة خوف صلاها رسول الله ﷺ .
٣ - سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر
كانت في شهر ربيع الأوّل سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، وجّه رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن إلى الغمر في أربعين رجلًا، فخرج سريعًا يغذ السير ونذر به القوم فهربوا فنزلوا علياء بلادهم ووجدوا دارهم خلوفًا، فبعث شجاع بن وهب طليعة فرأى أثر النعم فتحملوا فأصابوا ربيئة لهم، فأمنوه فدلهم على نعم لبني عم له، فأغاروا عليها فاستاقوا مائتي بعير فأرسلوا الرّجل وحدروا النعم إلى المدينة وقدموا على رسول الله ﷺ ، ولم يلقوا كيدًا. طبقات ابن سعد (٢/ ٨ ٤).
٤ - سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة
كانت في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة، وهم بذي القصة، وبينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا طريق الربذة في عشرة نفر، فوردوا عليهم ليلًا فأحدق به القوم، وهم مائة رجل فتراموا ساعة من الليل، ثمّ حملت الأعراب عليهم بالرماح، فقتلوهم ووقع محمد بن مسلمة جريحًا فضرب كعبه فلا يتحرك وجردوهم من الثياب، ومر بمحمد بن مسلمة رجل من المسلمين فحمله حتَّى ورد به المدينة، فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلًا إلى مصارع القوم فلم يجدوا
стр. 5363
أحدًا ووجدوا نعمًا وشاء فساقه ورجع. الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٨ ٥).
٥ - سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة
كانت في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، أجدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين والمراض على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة، فسارت بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة، وهو يرعى بهيفا موضع على سبعة أميال من المدينة، فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلًا من المسلمين حين صلوا المغرب، فمشوا إليهم حتَّى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربًا في الجبال، وأصاب رجلًا واحدًا فأسلم وتركه، فأخذ نعمًا من نعمهم، فاستاقه ورثة من متاعهم، وقدم بذلك المدينة فخمسه رسول الله ﷺ ، وقسم ما بقي عليهم. مغازي الواقدي (٢/ ٥٥٢)، وطبقات ابن سعد (٢/ ٨ ٦).
٦ - سرية زيد بن حارثة إلى بني سُليم بالجموم
كانت في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى بني سليم فسار حتَّى ورد الجموم ناحية بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد، فأصابوا عليه امرأة من مزينة يقال لها حليمة، فدلتهم على محلة من محال بني سليم فأصابوا في تلك المحلة نعمًا وشاء وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلمّا قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله ﷺ للمزنية نفسها وزوجها. طبقات ابن سعد (٢/ ٨٦).
٧ - سرية زيد بن حارثة إلى العيص
كانت في جمادى الأولى سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، بلغ رسول الله ﷺ أن عيرًا لقريش قد أقبلت من الشام فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب يتعرض لها، فأخذوها وما فيها وأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية وأسروا ناسًا ممن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع، وقدم بهم المدينة فاستجار أبو العاص بزينب بنت رسول الله ﷺ ، فأجارته ونادت في الناس حين صلى رسول الله ﷺ الفجر: إني قد أجرت أبا العاص فقال رسول الله ﷺ : وما علمت بشيء من هذا، وقد أجرنا من أجرت، ورد عليه ما أخذ منه.
ذكره الواقدي وابن سعد (٢/ ٨٧) وهذا سياق ابن سعد، وسياق الواقدي أطول.
٨ - سرية زيد بن حارثة إلى الطرف
كانت في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى الطرف وهو ماء قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة طريق البقرة على المحجة، فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلًا، فأصاب نعمًا وشاء وهربت الأعراب،
стр. 5364
وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرًا ولم يلق كيدًا وغاب أربع ليال وكان شعارهم أمت أمت. مغازي الواقدي (٢/ ٥٥٥)، والطبقات لابن سعد (٢/ ٨٧).
٩ - سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى
كانت في رجب سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، بعث رسول الله زيدًا أميرًا سنة ست فغزا بني فزارة، فأصيب بها ناس من أصحابه، وارتث زيد من بين القتلى.
قال ابن إسحاق: فلمّا قدم زيد بن حارثة آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتَّى يغزو بني فزارة، فلمّا استبل من جراحته بعثه رسول الله ﷺ إلى بني فزارة في جيش فقتلهم بوادي القرى، وأصاب فيهم وقتل قيس بن المسحر اليعمري مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر، وأسرت أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر كانت عجوزا كبيرة عند مالك بن حذيفة بن بدر، وبنت لها، وعبد الله بن مسعدة، فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر أن يقتل أم قرفة، فقتلها قتلًا عنيفًا، ثمّ قدموا على رسول الله ﷺ بابنة أم قرفة وبابن مسعدة.
وكانت بنت أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع كان هو الذي أصابها، وكانت في بيت شرف من قومها؟ كانت العرب تقول: لو كنت أعزصت أم قرفة ما زدت. فسألها رسول الله ﷺ سلمة فوهبها له فأهداها لخاله حزن بن أبي وهب فولدت له عبد الرحيت بن حزن. السيرة لابن هشام (٢/ ٦١٧).
قلتُ: هذا الذي ذكره ابن إسحاق أن سلمة بن الأكوع أصاب بنت أم قرفة وأعطاها الرسول ﷺ لخاله حزن بن أبي وهب، الصواب أنه وقع في سرية أبي بكر الصديق السنة السابعة كما سيأتي، وأنه فدى رسول الله ﷺ بهذه المرأة ناسًا من المسلمين أُسروا بمكة.
١٠ - سرية أبي عبيدة بن الجراح على سيف البحر
وكانت في السنة السادسة أو قبلها قبل صلح الحديبية وذلك لأنه ورد في الحديث أنهم خرجوا "يتلقون عير قريش" ولا يُتصور هذا في الوقت الذي ذكره ابن سعد يعني رجب سنة ٨ هـ لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة.
وقد أنكر ذلك ابن القيم، وابن حجر، ورجّح ابن حجر أنه كان في السنة السادسة. انظر: الفتح (٨/ ٧٨).
• عن جابر بن عبد الله أنه قال: بعث رسول الله ﷺ بعثًا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاث مائة، وأنا فيهم، فخرجنا حتَّى إذا كنا ببعض الطريق، فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلًا قليلًا حتَّى فني، فلم يكن يصيبنا إِلَّا تمرة تمرة فقلت:
стр. 5365
وما تغني تمرة فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثمّ أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثمّ أمر براحلة، فرحلت ثمّ مرت تحتهما، فلم تصبهما.
متفق عليه: رواه مالك في صفة النَّبِيّ ﷺ (٢٣) عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره.
ورواه البخاريّ في المغازي (٤٣٦٠)، ومسلم في الصيد والذبائح (١٩٣٥: ٢١) كلاهما من طريق مالك به.
• عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثمّ نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثمّ نبله بالماء فنأكله قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، قال: قال: أبو عبيدة ميتة. ثمّ قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاث مائة حتَّى سمنا قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقتطع منه الفدر كالثور - أو كقدر الثور - فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا، فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه، فأقامها ثمّ رحل أعظم بعير معنا، فمر من تحتها، وتزودنا من لحمه وشائق، فلمّا قدّمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ "، قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله.
متفق عليه: رواه مسلم في الصيد والذبائح (١٩٣٥: ١٧) من طريقين عن أبي الزُّبير، عن جابر، ورواه البخاريّ في المغازي (٤٣٦٢) عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو أنه سمع جابرًا ثمّ قال: فأخبرني أبو الزُّبير أنه سمع جابرًا يقول: فذكر المرفوع: "كلوا رزقًا أخرجه الله".
• عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: بعثنا رسول الله ﷺ ثلاث مائة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عير قريش، فأقمنا بالساحل نصف شهر، فأصابنا جوع شديد، حتَّى أكلنا الخبط، فسمي ذلك الجيش جيش الخبط، فألقى لنا البحر دابة يقال لها: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، وادهنا من ودكه حتَّى
стр. 5366
ثابت إلينا أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه، فنصبه فعمد إلى أطول رجل معه قال سفيان مرة: ضلعا من أضلاعه فنصبه وأخذ رجلًا وبعيرًا فمر تحته.
قال جابر: وكان رجل من القوم نحر ثلاث جزائر، ثمّ نحر ثلاث جزائر، ثمّ نحر ثلاث جزائر، ثمّ إن أبا عبيدة نهاه.
كان عمرو يقول: أخبرنا أبو صالح، أن قيس بن سعد قال لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا، قال: انحر، قال: نحرت قال: ثمّ جاعوا، قال: انحر قال: نحرت قال: ثمّ جاعوا قال: انحر قال: نحرت ثمّ جاعوا قال: انحر قال: نهيت.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٦١) واللّفظ له، ومسلم في الصيد (١٩٣٥: ١٨) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار فذكره.
١١ - سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل
كانت في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، دعا رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف فأقعده بين يديه وعممه بيده، وقال: اغز بسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدًا، وبعثه إلى كلب بدومة الجندل وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم، فسار عبد الرحمن حتَّى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيًا وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه وأقام من أقام على إعطاء الجزية وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وقدم بها إلى المدينة وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن.
ذكره الواقدي في مغازيه (٢/ ٥٦٠ - ٥٦٢)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٨٩).
• عن عبد الله بن عمر - في حديث طويل - أن رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية أمّره عليها، فأصبح قد اعتم بعمامة كرابيس سوداء، فدعاه النَّبِيّ ﷺ ، فنقضها، فعممه وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوها، ثمّ قال: "هكذا يا ابن عوف فاعتم، فإنه أعرف وأحسن"، ثمّ أمر بلالًا، أن يرفع إليه اللواء، فحمد الله، ثمّ قال: "اغزوا جميعًا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فهذا عهد الله وسنة نبيكم فيكم".
حسن: رواه البزّار (٦١٧٥)، والطَّبرانيّ في الأوسط (٤٦٦٨)، والحاكم (٤/ ٥٤٠) كلّهم من طرق عن أبي الجماهر محمد بن عثمان الدمشقي، حَدَّثَنَا الهيثم بن حميد، حَدَّثَنِي حفص بن غيلان، عن عطاء بن أبي رباح فذكره.
وإسناده حسن من أجل الهيثم بن حميد وحفص بن غيلان.
стр. 5367
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". والحديث بطوله مذكور في كتاب الجهاد.
١٢ - سرية عليّ بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك
كانت في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، بلغ رسول الله ﷺ أن لهم جمعًا يريدون أن يمدوا يهود خيبر فبعث إليهم عليّ بن أبي طالب في مائة رجل فسار الليل وكمن النهار، حتَّى انتهى إلى الهمج وهو ماء بين خيبر وفدك، وبين فدك والمدينة ست ليال، فوجدوا به رجلًا فسألوه عن القوم فقال: أخبركم على أنكم تؤمنوني، فأمنوه، فدلهم فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير وألف شاة وهربت بنو سعد بالظعن ورأسهم وبر بن عليم فعزل عليّ صفي النَّبِيّ ﷺ لقوحا تدعى الحفذة ثمّ عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه وقدم المدينة ولم يلق كيدًا. الطبقات (٢/ ٨٩ - ٩٠).
١٣ - سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم بخيبر
كانت في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ ، لما قتل أبو رافع سلّام بن أبي الحقيق أمرت يهود عليهم أسير بن زارم فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله ﷺ ، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر في شهر رمضان سرًّا فسأل عن خبره وغرته فأخبر بذلك، فقدم على رسول الله ﷺ فأخبره فندب رسول الله ﷺ الناس فانتدب له ثلاثون رجلًا فبعث عليهم عبد الله بن رواحة فقدموا على أسير فقالوا: نحن آمنون حتَّى نعرض عليك ما جئنا له؟ قال: نعم ولي منكم مثل ذلك وقالوا: نعم، فقلنا: إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك؟ فطمع في ذلك فخرج وخرج معه ثلاثون رجلًا من اليهود مع كل رجل رديف من المسلمين حتَّى إذا كنا بقرقرة ثبار ندم أسير فقال عبد الله بن أنيس، وكان في السرية: وأهوى بيده إلى سيفي ففطنت له ودفعت بعيري وقلت: غدرًا أي عدو الله فعل ذلك مرتين فنزلت فسُقت بالقوم حتَّى انفرد لي أسير فضربته بالسيف فأندرت عامة فخذه وساقه وسقط عن بعيره وبيده مخرش من شوحط فضربني فشجني مأمومة، وملنا على أصحابه فقتلناهم كلّهم غير رجل واحد أعجزنا شدًا، ولم يُصب من المسلمين أحد، ثمّ أقبلنا إلى رسول الله ﷺ فحدثناه الحديث فقال: قد نجاكم الله من القوم الظالمين.
واختلف في اسم أسير فقيل: أسير بن زارم، وقيل: ابن رازم، وقيل: ابن رقرام، وقيل: اليُسير بن رزام. السيرة لابن هشام (٢/ ٦١٨)، والطبقات لابن سعد (٢/ ٩٢).
١٤ - سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين
كانت في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله ﷺ . قالوا: قدم نفر من عرينة ثمانية على رسول الله ﷺ ، فأسلموا واستوبئوا المدينة فأمر بهم رسول الله ﷺ إلى لقاحه وكانت ترعى بذي الجدر ناحية قباء قريبًا من عير على ستة أميال من المدينة فكانوا فيها حتَّى صحوا وسمنوا فغدوا
стр. 5368
على اللقاح فاستاقوها فيدركهم يسار مولى رسول الله ﷺ ، ومعه نفر فقاتلهم فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتَّى مات. وبلغ رسول الله ﷺ الخبر فبعث في أثرهم عشرين فارسا واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري فأدركوهم فأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتَّى قدموا بهم المدينة، وكان رسول الله ﷺ بالغابة فخرجوا بهم نحوه، فلقوه بالزغابة بمجتمع السيول وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم فصلبوا هناك وأنزل على رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية [سورة المائدة: ٣٣] فلم يسمل بعد ذلك عينًا. وكانت اللقاح خمس عشرة لقحة غزارا فردوها إلى المدينة ففقد رسول الله ﷺ منها لقحة تدعى الحناء فسأل عنها فقيل نحروها.
الطبقات (٢/ ٩٣)، ومغازي الواقدي (٢/ ٥٦٨ - ٥٧٠).
• عن أنس بن مالك: أن ناسًا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النَّبِيّ ﷺ ، وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي الله! إنا كنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتَّى إذا كانوا ناحية الحرة، كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النَّبِيّ ﷺ ، واستاقوا الذود، فبلغ النَّبِيّ ﷺ ، فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم، فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتَّى ماتوا على حالهم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٩٢) واللّفظ له، ومسلم في القسامة (١٦٧١: ١٤) كلاهما من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس فذكره.
١٥ - سرية عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان بن حرب بمكة
كانت في شوال سنة ست، وذلك أن أبا سفيان بن حرب قال لنفر من قريش: ألا أحد يغتال محمدًا، فإنه يمشي في الأسواق فأتاه رجل صن الأعراب فقال: قد وجدت أجمعَ الرجال قلبًا وأشده بطشًا وأسرعه شدًّا فإن أنت قويتني خرجت إليه حتَّى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر فأُسوِره ثمّ آخذ في عير وأسبق القوم عدوًا فإني هاد بالطريق خريت قال: أنت صاحبنا فأعطاه بعيرًا ونفقة وقال: اطو أمرك، فخرج ليلًا فسار على راحلته خمسًا وصبح ظَهر الحرة صبح سادسة، ثمّ أقبل يسأل عن رسول الله ﷺ حو حتَّى دل عليه فعقل راحلته ثمّ أقبل إلى رسول الله ﷺ وهو في مسجد بني عبد الأشهل فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: إن هذا ليريد غدرًا فذهب ليجني على رسول الله ﷺ فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره فإذا بالخنجر، فسُقط في يديه وقال: دمي دمي فأخذ أسيد بلبته فدعته فقال رسول الله ﷺ : اصدقني ما أنت؟ قال: وأنا آمن؟ قال: نعم فأخبره بأمره وما
стр. 5369
جعل له أبو سفيان فخلى عنه رسول الله ﷺ فأسلم وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية وسلمة بن أسلم إلى أبي سفيان بن حرب وقال: إن أصبتما منه غرة فاقتلاه فدخلا مكة ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلًا فرآه معاوية بن أبي سفيان فعرفه، فأخبر قريشا بمكانه فخافوه وطلبوه وكان فاتكا في الجاهليّة، وقالوا: لم يأت عمرو لخير؛ فحشد له أهل مكة وتجمعوا وهرب عمرو وسلمة فلقي عمرو عبيد الله بن مالك بن عبيد الله التيمي فقتله، وقتل آخر من بني الديل سمعه يتغنى، ويقول:
ولست بمسلم ما دمت حيًا ... ولست أدين دين المسلمينا
ولقي رسولين لقريش بعثتهما يتحسبان الخبر فقتل أحدهما وأسر الآخر فقدم به المدينة، فجعل عمرو يخبر رسول الله ﷺ خبره ورسول الله ﷺ يضحك.
السيرة لابن هشام (٢/ ٦٣٣)، والطبقات لابن سعد (٢/ ٩٤).
• * *
стр. 5370
جموع ما جاء في غزوة الحديبية وغزوة ذات القرد
١ - باب غزوة الحديبية
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]
اتفق معظم أهل السير والمغازي أنها كانت في شهر ذي القعد سنة ست.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧].
ذكر المفسرون أن خروج النَّبِيّ ﷺ إلى الحديبية كانت للرؤيا التي رآها وهو بالمدينة، فلمّا ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، ولكن لما منعه قريش من دخول مكة وقع في نفوس بعض الصّحابة من ذلك شيء حتَّى سأل عمر بن الخطّاب فقال له: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ فقال له: "بلى، أخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ " قال: لا، قال: "فإنك آتيه ومطوف به" ولذا أكد الله : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وقد حصل ذلك في العام المقبل.
• عن أنس قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، إِلَّا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٤٨) ومسلم في الحجّ (٢١٧: ١٢٥٣) كلاهما عن هدبة وقيل: هداب بن خالد، حَدَّثَنَا همام، حَدَّثَنَا قتادة، عن أنس قال: فذكره.
٢ - إحرام النَّبِيّ ﷺ من ذي الحليفة
• عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: خرج النَّبِيّ ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة ومائة من أصحابه فلمّا كان بذي الحليفة قلّد الهدي وأشعر وأحرم منها. لا أحصي كم سمعته من سفيان حتَّى سمعته يقول: لا أحفظ من الزهري الإشعار، والتقليد فلا أدري - يعني موضع الإشعار والتقليد أو الحديث كله.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥٨، ٤١٥٧) عن عليّ بن عبد الله، حَدَّثَنَا سفيان، عن الزّهري، عن عروة، عن مروان والمسور بن مخرمة قالا فذكره.
стр. 5371
ظاهره انقطاع فإن مروان والمسور لم يحضرا الواقعة ولكنهما سمعا عن أصحاب رسول الله ﷺ كما رواه البخاريّ في الشروط (٢٧١٢، ٢٧١١) عن يحيى بن بكير، حَدَّثَنَا اللّيث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزُّبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ في تفصيل أكثر.
• عن نافع أن عبد الله بن عمر خرج معتمرًا في الفتنة، فقال: إن صُددتُ عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ، فأهل بعمرة من أجل أن رسول الله ﷺ كان أهل بعمرة عام الحديبية.
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (١٠٣) عن نافع قال: فذكره.
ورواه البخاريّ في المغازي (٤١٨٣) ومسلم في الحجّ (١٨٠: ١٢٣٠) كلاهما من طريق مالك به.
• عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلما عبد الله بن عمر وقال له: لو أقمت العام، فإني أخاف أن لا تَصِل إلى البيت، قال: خرجنا مع النَّبِيّ ﷺ فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النَّبِيّ ﷺ هداياه، وحلق وقصر أصحابه. وقال: أشهدكم أني أوجبت عمرة، فإن خلي بيني وبين البيت طفت، وإن حيل بيني وبين البيت صنعت كما صنع رسول الله ﷺ ، فسار ساعة، ثمّ قال: ما أرى شأنهما إِلَّا واحدًا، أشهدكم أني قد أوجبت حجّة مع عمرتي، فطاف طوافًا واحدًا، وسعيا واحدًا، حتَّى حل منهما جميعًا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٨٥) ومسلم في الحجّ (١٨١: ١٢٣٠) كلاهما من طريق نافع به، والسياق للبخاريّ.
وعند مسلم: عبد الله بن عبد الله" مكبر. قال البيهقيّ: عبد الله - يعني مكبرًا.
٣ - طريق المسلمين إلى الحديبية
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من يصعد الثنية، ثنية المرار، فإنه يُحط عنه ما حُط عن بني إسرائيل".
قال: فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثمّ تتام الناس.
صحيح: أخرجه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٨٠: ١٢) عن عبيد الله بن معاذ العنبري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا قرة بن خالد، عن أبي الزُّبير، عن جابر فذكره.
قال ابن شهاب: فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمش في طريق تخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة، ذكره ابن إسحاق. سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٠)،
стр. 5372
وذلك تجنبا لخيل المشركين.
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من يصعد ثنية المُرار أو المَرار" بمثل حديث معاذ غير أنه قال: وإذا هو أعرابي جاء ينشد ضالة له.
صحيح: رواه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٨٠: ١٣) عن يحيى بن حبيب الحارثي، حَدَّثَنَا خالد بن الحارث، حَدَّثَنَا قرة، حَدَّثَنَا أبو الزُّبير، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
• عن أبي سعيد أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتَّى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول الله ﷺ : "إن عيون قريش الآن على ضجنان فأيكم يعرف طريق ذات الحنظل؟ " فقال رسول الله ﷺ حين أمسى: "هل من رجل ينزل فيسعى بين يدي الركاب؟ " فقال رجل: أنا يا رسول الله! فنزل، فجعلت الحجارة تنكبه والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ : "اركب"، ثمّ نزل آخر، فجعلت الحجارة تنكبه والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ : اركب، ثمّ وقعنا على الطريق، حتَّى سرنا في ثنية يقال لها: الحنظل فقال رسول الله ﷺ : "ما مثل هذه الثنية إِلَّا مثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل"، قيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] لا يجوز أحد الليلة هذه الثنية إِلَّا غفر له. فجعل الناس يسرعون ويجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم، قال: فجعل الناس يركب بعضهم بعضًا حتَّى تلاحقنا، فنزل رسول الله ﷺ ونزلنا.
حسن: رواه البزّار - كشف الأستار (١٨١٢) عن إسحاق بن بهلول الأنباري، ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد فذكره.
قال البزّار: لا نعلم أحدًا رواه هكذا إِلَّا محمد بن إسماعيل.
قلت: محمد بن إسماعيل بن أبي فديك - بالفاء مصغرًا. وثّقه ابن معين.
وقال النسائيّ: ليس به بأس، فلا يضر تفرده.
وهو أحسن حالا من شيخه هشام بن سعد فإنه أيضًا مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت ما ينكر عليه، وقال الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٤٤): رجاله ثقات.
٤ - باب نزول المطر في الحديبية
• عن زيد بن خالد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثمّ أقبل علينا فقال: "أتدرون ماذا قال ربّكم؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: "قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر
стр. 5373
بي، فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله، فهو مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأمّا من قال: مطرنا بنجم كذا وكذا، فهو مؤمن بالكواكب كافر بي".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٤٧) ومسلم في الإيمان (٧١) كلاهما من طريق صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله، عن زيد بن خالد ﵁ قال: فذكره.
٥ - باب الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية
• عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النَّبِيّ ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ فأتاها، فجلس على شفيرها، ثمّ دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثمّ مضمض ودعا ثمّ صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثمّ إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥٠) عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله قال: فذكره.
٦ - باب من شهد غزوة الحديبية
• عن مرداس الأسلمي قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "يذهب الصالحون الأوّل فالأوّل، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالة".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٣٤) عن يحيى بن حمّاد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن بيان، عن قيس بن أبي حازم، عن مرداس الأسلمي قال: فذكره.
وجاء في الرواية عند البخاريّ (٤١٥٦) أن مرداسًا كان من أصحاب الشجرة.
• عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: خرجت مع عمر بن الخطّاب ﵁ إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة، فقالت: يا أمير المؤمنين! هلك زوجي وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كراعًا، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضبع، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النَّبِيّ ﷺ ، فوقف عمر ولم يمض، ثمّ قال: مرحبا بنسب قريب، ثمّ انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاما، وحمل بينهما نفقة وثيابا، ثمّ ناولها بخطامه، ثمّ قال: اقتاديه، فلن يفنى حتَّى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها؟ قال عمر: ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها، قد حاصرا حصنا زمانا فافتتحاه، ثمّ أصبحنا نستفيء سهمانهما فيه.
стр. 5374
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٦١، ٤١٦٠) عن إسماعيل بن عبد الله، قال: حَدَّثَنِي مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: فذكره.
• عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ انْطَلَقْتُ حَاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ: مَا هَذَا الْمَسْجِدُ قَالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ، حَيْثُ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ. فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ نَسِينَاهَا، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا. فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَعْلَمُوهَا وَعَلِمْتُمُوهَا أَنْتُمْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٦٣) ومسلم في الإمارة (١٨٥٩: ٧٧) كلاهما من طريق طارق بن عبد الرحمن قال: فذكره. والسياق للبخاريّ. واختصره مسلم.
• عن عبد الله بن أبي أوفى - وكان من أصحاب الشجرة - قال: كان النَّبِيّ ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: "اللهم صل عليهم" فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٦٦) ومسلم في الزّكاة (١٠٧٨: ١٧٦) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، حَدَّثَنَا عبد الله بن أبي أوفى قال: فذكره.
• عن المسيب بن أبي رافع قال: لقيت البراء بن عازب ﵁ فقلت: طوبى لك، صحبت النَّبِيّ ﷺ وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٧٠) عن أحمد بن إشكاب، حَدَّثَنَا محمد بن فضيل، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه قال: فذكره.
• عن أبي قلابة أن ثابت بن الضَّحَّاك أخبره أنه بايع النَّبِيّ ﷺ تحت الشجرة. الحديث.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٧١) ومسلم في الإيمان (١١٠) كلاهما من طريق معاوية بن سلّام بن أبي سلّام الدمشقي، عن يحيى بن أبي كثير أن أبا قلابة أخبره أن ثابت بن الضَّحَّاك أخبره: فذكره.
• عن زاهر الأسلمي - وكان ممن شهد الشجرة قال: إني لأوقد تحت القدر بلحوم الحمر، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : إن رسول الله ﷺ ينهاكم عن لحوم الحمر.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٧٣) عن عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا أبو عامر، (هو عبد الملك بن عمرو العقدي) حَدَّثَنَا إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر الأسلمي، عن أبيه، قال: فذكره.
стр. 5375
قوله: "إني لأوقد تحت القدر بلحوم الحمر" يعني يوم خيبر.
قال البخاريّ (٤١٧٤) وعن مجزأة، عن رجل منهم من أصحاب الشجرة اسمه أهبان بن أوس، وكان اشتكى ركبته وكان إذا سجد جعل تحت ركبته وسادة. وهو معطوف على الإسناد السابق.
• عن سويد بن النعمان - وكان من أصحاب الشجرة - كان رسول الله ﷺ وأصحابه أتوا بسويق فلاكوه.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٧٥) عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن سويد بن النعمان فذكره.
• عن أبي جمرة قال: سألت عائذ بن عمرو ﵁ وكان من أصحاب النَّبِيّ ﷺ من أصحاب الشجرة - هل ينقض الوتر؟ قال: إذا أوترت من أوله فلا توتر من آخره.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٧٦) عن محمد بن حاتم بن بزيع، حَدَّثَنَا شاذان، عن لضعبة، عن أبي جمرة قال: فذكره.
٧ - باب تشاور النَّبِيّ ﷺ عند غدير الأشطاط وأنه لا يريد القتال
• عن عروة بن الزُّبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم - يزيد أحدهما على صاحبه - قالا: خرج النَّبِيّ ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلمّا أتى ذا الحليفة، قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة، وسار النَّبِيّ ﷺ حتَّى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه، قال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، ومانعوك. قال: "أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركناهم محروبين". قال أبو بكر: يا رسول الله! خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: "امضوا على اسم الله".
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٧٩، ٤١٧٨) حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا سفيان (هو ابن عيينة) قال: سمعت الزهري حين حدّث هذا الحديث حفظت بعضه، وثبتني معمر، عن عروة بن الزُّبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قالا: فذكراه.
قوله: "عينًا له من خزاعة": العين هو الجاسوس واسمه بشر بن سفيان الخزاعي.
стр. 5376
قوله: "غدير الأشطاط": موضع قرب عسفان على مرحلتين من مكة على طريق المدينة.
٨ - باب النهي من إيقاد النّار بالليل يوم الحديبية
• عن أبي سعيد الخدريّ أن النَّبِيّ ﷺ لما كان يوم الحديبية قال: "لا توقدوا نارًا بليل" فما كان بعد ذلك قال: "أوقدوا، واصطنعوا، فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم".
حسن: رواه أحمد (١١٢٠٨) وأبو يعلى (٩٨٤) وصحّحه الحاكم (٣/ ٣٦) كلّهم من حديث يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن أبي يحيى، قال: حَدَّثَنِي أبي، أن أبا سعيد الخدريّ حدَّثه فقال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي يحيى وهو سمعان الأسلمي.
قال النسائيّ: لا بأس به، وذكره ابن حبَّان في "الثّقات".
وذكره الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٤٥) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
وأمّا ابنه محمد فوثّقه جمع من الأئمة منهم ابن معين وابن سعد وأبو داود وغيرهم إِلَّا أن الحافظ قال في التقريب "صدوق".
٩ - دعاء النَّبِيّ ﷺ على بئر الحديبية
• عن سلمة بن الأكوع قال: قدّمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية، فإما دعا، وإما بصق فيها، قال: فجاشت، فسقينا واستقينا.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد (١٣٢: ١٨٠٧) من طرق عن عكرمة بن عمار قال: حَدَّثَنِي إياس بن سلمة، حَدَّثَنِي أبي قال: فذكره في حديث طويل.
وقوله: "جبا الركية" ما حول البئر والركي البئر.
• عن المسور بن مخرمة ومروان قالا: وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش فانتزع سهمًا من كنانته، ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتَّى صدروا عنه.
صحيح: رواه البخاريّ في الشروط (٢٧٣٢، ٢٧٣١) عن عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا عبد
الرزّاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزّهري، قال: أخبرني عروة بن الزُّبير، عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: فذكرا الحديث بطوله.
• عن البراء بن عازب أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية ألفًا وأربع مائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها، فأتوا رسول الله ﷺ ، فأتي البئر وقعد على شفيرها،
стр. 5377
ثمّ قال: "ائتوني بدلو من مائها" فأتي به، فبصق فدعا ثمّ قال: "دعوها ساعة" فأرووا أنفسهم وركابهم حتَّى ارتحلوا.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥١) عن فضل بن يعقوب، حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن أعين أبو عليّ الحراني، حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا أبو إسحاق قال: أنبأنا البراء بن عازب فذكره.
• عن البراء قال: كنا مع النَّبِيّ ﷺ أربع عشرة مائة والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ فأتاها، فجلس على شفيرها، ثمّ دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثمّ مضمض ودعا، ثمّ صبّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثمّ إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥٠) عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء فذكره.
• عن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها، ثمّ أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله ﷺ : "ما لكم؟ ". قالوا: يا رسول الله! ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إِلَّا ما في ركوتك، قال: فوضع النَّبِيّ ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا، فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥٢) ومسلم في الإمارة (٧٣: ١٨٥٦) كلاهما من طريق حصين (هو ابن عبد الرحمن) عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر ﵁ قال: فذكره.
وأمّا ما رُوي عن جندب بن ناجية أو ناجية بن جندب قال: لما كنا بالغميم لقي رسول الله ﷺ خبر من قريش أنها بعثت خالد بن الوليد في جريدة خيل يتلقى رسول الله ﷺ ، فكره رسول الله ﷺ أن يلقاه وكان بهم رحيمًا، فقال: "من برجل يعدل لنا عن الطريق؟ " فقلت: أنا بأبي أنت، فأخذت في طريق قد كان بها جربًا فدافد وعقاب فاستوت بنا الأرض حتَّى أنزله على الحديبية وهي نزح، فألقى فيها سهما أو سهمه من كنانته ثمّ بصق فيها ثمّ دعا ففارت عيونها حتَّى إني لأقول أو تقول: لو شئنا لاغترفنا بأيدينا. فهو ضعيف.
رواه الطبرانيّ في الكبير (٢/ ١٩٣ - ١٩٤) عن عبد الله بن محمد بن شعيب الرجاني، ثنا محمد بن معمر البحراني، عن عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله شيخ من أسلم، عن جندب بن ناجية أو ناجية بن جندب قال: فذكره.
ورواه الحسن بن سفيان في مسنده من طريق موسى بن عبيدة من حديث ناجية بن جندب بدون شك. ذكره ابن حجر في الإصابة (١١/ ١٩).
стр. 5378
وعزاه إلى رواية الطبرانيّ كما عنده بالشك، وعبد الله شيخ من أسلم هو عبد الله بن عمرو بن أسلم. وقال: موسى ضعيف.
وبه أعلّه أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٤٤).
تنبيه: وقع في نسخة الطبرانيّ: "عبيد الله بن موسى بن عبيدة عن عبد الله شيخ من أسلم" وهو خطأ مطبعي.
وفي مغازي أبي الأسود، عن عروة: فتوضأ في الدلو، ومضمض فاه، ثمّ مجّ فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانته فألقاه في البئر، ودعا الله.
١٠ - باب تكثير الطعام
• عن سلمة بن الأكوع قال: خفت أزواد القوم وأملقوا، فأتوا النَّبِيّ ﷺ في نحر إبلهم فأذن لهم، فلقيهم عمر فأخبروه فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ فدخل على النَّبِيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "ناد في الناس، فيأتون بفضل أزوادهم". فبسط لذلك نطع وجعلوه على النطع، فقام رسول الله ﷺ فدعا وبرك عليه، ثمّ دعاهم بأوعيتهم، فاحتثى الناس حتَّى فرغوا، ثمّ قال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأني رسول الله".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الشركة (٢٤٨٤) عن بشر بن محروم، حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع فذكره.
ورواه مسلم في اللقطة (١٧٢٩) من وجه آخر عن عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه وليس فيه ذكر قصة عمر بن الخطّاب.
وزاد فيه: فقال النبي ﷺ : "هل من وضوء؟ " قال: فجاء رجل بإداوة له فيها نطفة، فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة. أربع عشرة مائة. قال: ثمّ جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ "فرِغ الوَضوءُ".
قوله: "نطعًا" أي سفرة من أديم أو بساطًا.
وقوله: "نطفة" أي قليل من الماء.
وقوله: "ندغفقه" أي نصبه صبًا شديدًا.
١١ - بيعة الرضوان على الموت
قال محمد بن إسحاق: حَدَّثَنِي عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتَّى نناجز القوم" فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٥).
стр. 5379
قال ابن هشام: ذكر وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي. سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٦).
وأبو سنان اسمه: وهب بن محصن بن حرثان هو أخو عكاشة بن محصن.
ذكر ابن عبد البر في ترجمته (١٩١) عدة روايات عن الشعبي وزر وغيرهما أنه أول من بايع النَّبِيّ ﷺ . ذكر الحلوان، عن أبي أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب الأسدي فقال له رسول الله ﷺ : "علام ما تبايع؟ " قال: ما في نفسك فبايعه، وتتابع الناس فبايعوه. فأثنى عليهم رسول الله ﷺ كما في الحديث الآتي:
• عن جابر بن عبد الله قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض" وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥٤) ومسلم في الإمارة (٧١: ١٨٥٦) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: فذكره.
• عن جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النّار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها".
قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فقال النَّبِيّ ﷺ : "قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] ".
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٤٩٦) عن هارون بن عبد الله، حَدَّثَنَا حجَّاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزُّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: فذكره.
• عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٦٩) ومسلم في الإمارة (٨٠: ١٨٦٠) كلاهما عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا حاتم (هو ابن إسماعيل) عن يزيد بن أبي عبيد قال: فذكره.
قوله: "على الموت" وجاء في بعض الروايات: "بايعوه على الصبر وألا يفروا" فمن قال: "على الموت" أراد لازمها.
ومن قال: "على الصبر" فقد حكى الحقيقة.
• عن عباد بن تميم قال: لما كان يوم الحرة - والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة - فقال ابن زيد: على ما يبايع ابن حنظلة الناس؟ قيل له: على الموت. قال. لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله ﷺ وكان شهد معه الحديبية.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٦٧) ومسلم في الإمارة (٨١: ١٨٦١) كلاهما من
стр. 5380
طريق عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، قال: فذكره. والسياق للبخاريّ.
والصحابي ابن زيد: هو عبد الله بن زيد بن عاصم - عم عباد بن تميم.
قوله: "لما كان يوم الحرة" أي لما خلع أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية وبايعوا عبد الله بن حنظلة الأنصاري.
١٢ - بيعة عمر بن الخطّاب
• عن نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله ثمّ ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، قال: فانطلق، فذهب معه حتَّى بايع رسول الله ﷺ ، فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٨٦) عن شجاع بن الوليد (هو المؤدب أبو اللّيث) سمع النضر بن محمد، حَدَّثَنَا صخر، عن نافع قال: فذكره.
ظاهر هذا السياق الإرسال لكن جاء في الرواية التي بعدها عند البخاريّ (٤١٨٧) أنه أخذه عن ابن عمر.
قوله: "يستلئم للقتال" أي يلبس اللأمة بالهمز وهي السلاح.
• عن ابن عمر أن الناس كانوا مع النَّبِيّ ﷺ يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال: يا عبد الله! انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ فوجدوهم يبايعون، فبايع ثمّ رجع إلى عمر فخرج فبايع.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٨٧) عن هشام بن عمار، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا عمر بن محمد العمري، أخبرني نافع، عن ابن عمر فذكره.
جاء هذا الحديث بصيغة التعليق "وقال هشام بن عمار".
قال الحافظ في بعض النسخ "وقال لي هشام بن عمار" فهو موصول.
١٣ - مبايعة النَّبِيّ ﷺ نفسه عن عثمان
• عن عثمان بن موهب قال: جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ: مَنِ الشَّيخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدّثُنِي؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذا الْبَيْتِ أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ
стр. 5381
يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَكَبَّرَ. قَال ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ لأُخْبِرَكَ وَلأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُول اللهِ ﷺ وَكَانَتْ مَرِيضةً، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ". وَأَمَّا تَغَيّبهُ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ، وَكَانَ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ" فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَال "هَذِهِ لِعُثْمَانَ". اذْهَبْ بِهَذَا الآنَ مَعَكَ.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٦٦) عن عبدان، أخبرنا أبو حمزة، عن عثمان بن موهب فذكره.
وعثمان بن موهب هو عثمان بن عبد الله بن موهب التميمي وقد ينسب إلى جده.
ورواه أيضًا البخاريّ (٣٦٩٩) من حديث أبي عوانة عن عثمان بن موهب وفيه: "جاء رجل من أهل مصر" وكان أهلها يبغضون عثمان ﵁ ولذا سأل ابن عمر عن عثمان.
١٤ - بايع سلمة بن الأكوع ثلاث مرات
• عن سلمة بن الأكوع قال: قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا - قَالَ - فَقَعَدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ فَاِمَّا دَعَا وَإمَّا بَصقَ فِيهَا - قَالَ - فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا. قَال: ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللهِ ﷺ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ. قَال: فَبَايَعْتُهُ أَوَّل النَّاسِ ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ قَال: "بَايَعْ يَا سَلَمَةُ! ". قَال: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُول اللَّهِ فِي أَوَّل النَّاسِ قَالَ "وَأَيْضًا". قَالَ: وَرَآنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ عَزِلًا - يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ - قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: "أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُول اللَّهِ فِي أَوَّل النَّاسِ وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ قَال: "وَأَيْضًا". قَال: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ قَال لِي: "يَا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟ ". قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ! لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا - قَال: فَضحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَقَال: "إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَّ أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي".
стр. 5382
صحيح: رواه مسلم في الجهاد (١٨٠٧) من طرق عن عكرمة بن عمار، حَدَّثَنِي إياس بن سلمة، قال: حَدَّثَنِي أبي قال: فذكره في حديث طويل.
١٥ - ذكر المنافق الذي لم يبايع
• عن أبي الزُّبير أنه سمع جابرًا يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر أخذ بيده تحت الشجرة. وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره.
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٥٦: ٦٩) عن محمد بن حاتم، حَدَّثَنَا حجَّاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزُّبير فذكره.
والجد بن قيس بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن تميم بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي، يكنى أبا عبد الله، كان ممن يغمز بالنفاق. وقال ابن عبد البر في آخر ترجمته (٣٦٣): وقد قيل: إنه تاب فحسنت توبته.
١٦ - باب أمر عمر بن الخطّاب بقطع شجرة الرضوان
• عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ انْطَلَقْتُ حَاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ: مَا هَذَا الْمَسْجِدُ قَالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ، حَيْثُ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ. فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ نَسِينَاهَا، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا. فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَعْلَمُوهَا وَعَلِمْتُمُوهَا أَنْتُمْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٦٣) ومسلم في الإمارة (٧٧: ١٨٥٩) كلاهما من طريق طارق بن عبد الرحمن قال: فذكره.
ورواه مسلم في الجهاد (٧٧: ١٨٥٩) من أوجه أخر عن طارق بن عبد الرحمن، إِلَّا أنه لم يذكر فيه المسجد والصلاة فيه.
• عن طارق قال: ذكرت عند سعيد بن المسيب الشجرة فضحك، فقال: أخبرني أبي وكان شهدها.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٦٥) ومسلم في الإمارة (١٨٥٩: ٧٨) كلاهما من حديث سفيان، عن طارق فذكره، واللّفظ للبخاري، وزاد مسلم: قال: فنسوها من العام المقبل.
• عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت.
стр. 5383
صحيح: رواه ابن سعد في طبقاته (٢/ ١٠٠) عن عبد الوهّاب بن عطاء، أخبرنا عبد الله بن عون، عن نافع فذكره. وإسناده صحيح.
وقد صحّحه أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ٤٤٨).
فقول سعيد بن المسيب: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم: فيه إنكار وتهكم، فإن الشجرة قد أمر بقطعها عمر بن الخطّاب فأين هي الآن، وأمّا مكان الشجرة فكان جابر بن عبد الله يضبطه ولكنه عمي فلم يستطع أن يدل عليه.
١٧ - باب ذكر العدد الذين كانوا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية
• عن البراء بن عازب قال: أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَنَزَلُوا عَلَى بِئْرٍ فَنَزَحُوهَا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَتَى الْبِئْرَ، وَقَعَدَ عَلَى شَفِيرِهَا ثُمَّ قَالَ: "ائْتُونِي بِدَلْوٍ مِنْ مَائِهَا" فَأُتِيَ بِه، فَبَصَقَ، فَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: "دَعُوهَا سَاعَةً" فَأَرْوَوْا أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ حَتَّى ارْتَحَلُوا.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥١) عن فضل بن يعقوب، حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن أعين أبو عليّ الحراني، حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا أبو إسحاق قال: أنبأنا البراء فذكره.
• عن سلمة بن الأكوع قال: قدّمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشر مائة. وعليها خمسون شاة لا ترويها، قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية فإما دعا، وإما بصق فيها، قال: فجاشت فسقينا واستقينا.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٨٠٧: ١٣٢) من طرق عن عكرمة بن عمار، حَدَّثَنِي إياس بن سلمة، عن أبيه فذكره في حديث طويل.
• عَنْ جَابِرِ بن عبد الله قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبيَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا لَكُمْ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نتَوَضَّأُ بِهِ، وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي رَكْوَتِكَ. قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأنَا. فَقُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ "لَوْ كُنَا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥٢) ومسلم في الإمارة (٧٣: ١٨٥٦) كلاهما عن طريق حصين (هو ابن عبد الرحمن) عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر ﵁ قال: فذكره.
قوله: "كنا خمس عشر مائة": وجاء في رواية عمرو بن دينار عن جابر "كنا ألفا وأربع مائة"
стр. 5384
فيجمع بينهما بأنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة. فمن قال ألفا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفا وأربعمائة ألغاه.
وأمّا قول عبد الله بن أبي أوفى: "ألفًا وثلاثمائة" فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على الزيادة، أو العدد الذي ذكره جملة من ابتداء الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم، أو العدد الذي ذكره عدد المقاتلة والزيادة أتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم.
• عن قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة، فقال لي سعيد: حَدَّثَنِي جابر كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا النَّبِيّ ﷺ .
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥٣) عن الصلت بن محمد، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قال: قلت لسعيد: فذكره.
• عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلاثمائة، وكانت أسلم ثمن المهاجرين.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥٥) ومسلم في الإمارة (٧٥: ١٨٥٧) كلاهما عن عبيد الله بن معاذ، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا شعبة، عن عمرو بن مرة، حَدَّثَنِي عبد الله بن أبي أوفى فذكره، إِلَّا أن البخاريّ لم يذكر صيغة التحديث وإنما صدره بقوله: قال عبيد الله بن معاذ، وهو محمول على التحديث كما مضى مرارًا.
• عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا. وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل. فكانت كل بدنة عن عشرة.
حسن: رواه أحمد (١٨٩١٠) عن يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن إسحاق، عن الزّهري، عن عروة بن الزُّبير عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، فذكراه في حديث طويل وهو مخرج في موضعه. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه صرّح في المصادر الأخرى كما أنه توبع في بعض فقراته. إِلَّا أنه غلط في قوله: وكان الناس سبع مائة رجل. صرّح به كثير من أئمة الحديث.
وأصل الحديث في الصَّحيح وفيه أن المسور ومروان سمعا من بعض الصّحابة.
والراجح من هذا العدد قول جابر ألف وخمس مائة لأنه الحكم للأكثر، ومن قال أقل من ذلك فهو يحمل على اطلاعه وحسابه فإنه قد وقع منه الخطأ في عدّهم لتفرقهم في الأماكن المختلفة.
وذهب بعض أهل العلم إلى ترجيح من قال بألف وأربعمائة لقوة إسناده. وذهب غيرهم إلى الجمع بين هذه الأعداد، فكل اجتهد، وكل له أجر إن شاء الله تعالى.
стр. 5385
١٨ - لم يرد النبي ﷺ من جاء مسلمًا قبل الصلح
• عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب، قَالَ: خَرَجَ عُبْدَانٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - قَبْلَ الصُّلْحٍ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَوَالِيهِمْ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ مَا خَرَجُوا إِلَيْكَ رَغْبَةً فِي دِينِكَ، وَإنَّمَا خرَجُوا هَرَبًا مِنَ الرِّقِّ، فَقَالَ نَاسٌ: صَدَقُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، رُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "مَا أُرَاكُمْ تَنْتَهُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى هَذَا" وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُمْ وَقَالَ: "هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ ".
حسن: رواه أبو داود (٢٧٠٠) وابن الجارود (١٠٩٣) والحاكم (٢/ ١٢٥) وعنه البيهقيّ (٩/ ٢٢٩) من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن عليّ بن أبي طالب فذكره.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
قلت: في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلِّس، وقد عنعن، لكنه توبع على أصل القصة.
رواه أحمد (١٣٣٦) من طريق شريك، عن منصور، عن ربعي، عن علي قال: جاء النَّبِيّ ﷺ أناس من قريش، فقالوا: يا محمد! إنا جيرانك وحلفاؤك، وإن ناسًا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين، ولا رغبة في الفقه، إنّما فرّوا من ضياعنا وأموالنا فارددهم إلينا، فقال لأبي بكر: "ما تقول؟ " قال: صدقوا، إنهم جيرانك، قال: فتغير وجه النَّبِيّ ﷺ ، ثمّ قال لعمر: "ما تقول؟ " قال: صدقوا، إنهم لجيرانك وحلفاؤك، فتغير وجه النَّبِيّ ﷺ .
وفي إسناده شريك بن عبد الله النخعي وهو سيء الحفظ، ولكنه لا بأس به في المتابعات.
١٩ - باب محاولة اغتيال النَّبِيّ ﷺ يوم الحديبية
• عن أنس بن مالك أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النَّبِيّ ﷺ وأصحابه، فأخذهم سلْمًا فاستحياهم فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤].
صحيح: رواه مسلم في الجهاد (١٨٠٨) عن عمرو بن محمد الناقد، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، أخبرنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.
ورواه أحمد (١٢٢٢٧) عن يزيد بن هارون وزاد في أوله: لما كان يوم الحديبية.
• عن عَبْدِاللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ، قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ يَقَعُ مِنْ أَغْصَانِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ عَلَى ظَهْرِ
стр. 5386
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلِي بْنُ أَبِي طَالِب وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: "اكْتُب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فَأَخَذَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو بِيَدِهِ، فَقَالَ: مَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اكْتُبْ فِي قَضِيَّتِنَا مَا نَعْرِفُ، قَالَ: "اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ" فَكَتَبَ هَذَا مَا صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ مَكَّةَ فَأَمْسَكَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو بِيَدِهِ، وَقَالَ: لَقَدْ ظَلَمْنَاكَ إِنْ كُنْتَ رَسُولَهُ، اكْتُبْ فِي قَضِيَّتِنَا مَا نَعْرِفُ. فَقَالَ: "اكْتُبْ هَذَا مَا صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ" فَكَتَبَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا ثَلَاثُونَ شَابًّا عَلَيْهِمْ السِّلَاحُ، فَثَارُوا فِي وُجُوهِنَا، فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ اللَّهُ بِأَبْصارِهِمْ، فَقَدِمْنَا إِلَيْهِمْ، فَأَخَذْنَاهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ جِئْتُمْ فِي عَهْدِ أَحَدٍ أَوْ هَلْ جَعَلَ لَكُمْ أَحَدٌ أَمَانًا؟ " فَقَالُوا: لَا، فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٤].
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٨٠٠) عن زيد بن الحباب، قال: حَدَّثَنِي حسين بن واقد، قال: حَدَّثَنِي ثابت البناني، عن عبد الله بن مغفل المزني قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل حسين بن واقد فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وأمّا قول عبد الله بن أحمد عقب الحديث: "قال حمّاد بن سلمة في هذا الحديث عن ثابت، عن أنس. وقال حسين بن واقد: عن عبد الله بن مغفل وهذا الصواب عندي إن شاء الله".
قلت: ولا يبعد أن يكون لثابت البناني شيخان أحدهما أنس كما في حديث حمّاد بن سلمة، والثاني عبد الله بن مغفل كما في حديث حسين بن واقد، ولا يعل أحدهما الآخر، وقد قال الحاكم (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١) بعد أن أخرجه من حديث حسين بن واقد: "هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين إذ لا يبعد سماع ثابت من عبد الله بن مغفل، وقد اتفقا على إخراج حديث معاوية بن قرة، وعلى حديث حميد بن هلال عنه (يعني عبد الله بن مغفل) وثابت أسن منهما جميعًا".
٢٠ - باب الصلح بين النَّبِيّ ﷺ وبين سهيل بن عمرو يوم الحديبية، وذكر الأحداث التي وقعت بعد الصلح
• عن البراء بن عازب قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية، كتب عليّ بن أبي طالب بينهم كتابًا، فكتب محمد رسول الله، فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولا لم نقاتلك، فقال لعلي: "امحه"، فقال عليّ: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام،
стр. 5387
ولا يدخلوها إِلَّا بجلبان السلاح، فسألوه ما جلبان السلاح؟ فقال: القراب بما فيه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلح (٢٦٩٨)، ومسلم في الجهاد (١٧٨٣: ٩٠) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب يقول: فذكره.
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إِلَّا سيوفًا، ولا يقيم بها إِلَّا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلمّا أقام بها ثلاثًا، أمروه أن يخرج فخرج.
صحيح: رواه البخاريّ في الصلح (٢٧٠١) عن محمد بن رافع، حَدَّثَنَا سريج بن النعمان، حَدَّثَنَا فليح، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
• عن عُرْوَةُ بْنِ الزُّبَيْرِ، أنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، ﵄ يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ، كَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أحَدٌ وَإنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إلَّا رَدَدْتَهُ إلَيْنَا، وَخَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَكَرِهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ، وَامْتَعَضُوا مِنْهُ، وَأبَى سُهَيْلٌ إلَّا ذَلِكَ، فَكَاتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فرَدَّ يَوْمَئِذٍ أَبَا جَنْدَلٍ عَلَى أبِيهِ لسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَأْتِهِ أحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إلَّا رَدَّهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَإنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَجَاءَ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ، وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُوم بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وَهْيَ عَاتِقٌ، فَجَاءَ أهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَرْجِعهَا إِلَيهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
صحيح: رواه البخاريّ في الشروط (٢٧١٢، ٢٧١١) عن يحيى بن بكير، حَدَّثَنَا اللّيث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزُّبير فذكره.
لم يرد النَّبِيّ ﷺ النساء المهاجرات لأن الصلح الذي تم بينه وبين سهيل بن عمرو لم يدخل فيه النساء لأن من نص الصلح: "ولم يأت أحد من رجال إِلَّا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا".
• عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية، حتَّى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النَّبِيّ ﷺ : "إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين". فوالله ما شعر بهم خالد حتَّى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النَّبِيّ ﷺ -
стр. 5388
حتَّى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النَّبِيّ ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثمّ قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إِلَّا أعطيتهم إياها". ثمّ زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتَّى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يلبثه الناس حتَّى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتَّى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر: فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلَّا فقد جموا، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتَّى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره". فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق حتَّى أتى قريشًا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرّجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النَّبِيّ ﷺ ، فقام عروة بن مشعود فقال: أي قوم! ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلمّا بلَّحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد، اقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النَّبِيّ ﷺ ، فقال النَّبِيّ ﷺ نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد! أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال:
стр. 5389
وجعل يكلم النَّبِيّ ﷺ ، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النَّبِيّ ﷺ ، ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النَّبِيّ ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ ، وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهليّة فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثمّ جاء فأسلم، فقال النَّبِيّ ﷺ : "أما الإسلام فأقبل، وأمّا المال فلست منه في شيء". ثمّ إن عروة جعل يرمق أصحاب النَّبِيّ ﷺ بعينه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إِلَّا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قطّ يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن تنخم نخامة إِلَّا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلمّا أشرف على النَّبِيّ ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له". فبعثت له، وأستقبله الناس يلبون، فلمّا رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلمّا رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل منهم، يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلمّا أشرف عليهم، قال النَّبِيّ ﷺ : "هذا مكرز، وهو رجل فاجر". فجعل يكلم النَّبِيّ ﷺ ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة: أنه لما جاء سهيل بن عمرو: قال النَّبِيّ ﷺ : "لقد سهل لكم من أمركم". قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النَّبِيّ ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال النَّبِيّ ﷺ : "اكتب
стр. 5390
باسمك اللهم". ثمّ قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النَّبِيّ ﷺ : "والله إني لرسول الله وإن كذبتمونيّ، اكتب: محمد بن عبد الله". قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون بها حرمات الله إِلَّا أعطيتهم إياها". فقال له النَّبِيّ ﷺ : "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إِلَّا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا، فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتَّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ، فقال النَّبِيّ ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعد". قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا، قال النَّبِيّ ﷺ : "فأجزه لي". قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: "بلى فافعل". قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين! أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله. قال: فقال عمر بن الخطّاب: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: "بلى". قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى". قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: "إنِّي رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري". قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ ". قال: قلت: لا، قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقًّا؟ ، قال بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرّجل، إنه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق؟ قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به، قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، قال. فلمّا فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثمّ احلقوا". قال: فوالله ما قام منهم رجل حتَّى قال ذلك ثلاث مرات، فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر
стр. 5391
لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله! أتحب ذلك، اخرج لا تكلم أحدًا منهم كلمة، حتَّى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتَّى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتَّى كاد بعضهم يقتل غمًّا، ثمّ جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتَّى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فطلق عمر يومئذ امرأتين، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثمّ رجع النَّبِيّ ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير، رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتَّى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله! إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر، فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به، ثمّ جربت به، ثمّ جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتَّى برد، وفر الآخر حتَّى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: "لقد رأى هذا ذعرًا". فلمّا انتهى إلى النَّبِيّ ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير: فقال: يا نبي الله! قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثمّ نجاني الله منهم، قال النَّبِيّ ﷺ : "ويل أمه، مسعر حرب، لو كان له أحد". فلمّا سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتَّى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إِلَّا لحق بأبي بصير، حتَّى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إِلَّا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النَّبِيّ ﷺ تناشده بالله والرحم: لما أرسل: فمن آتاه فهو آمن، فأرسل النَّبِيّ ﷺ إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: [الفتح: ٢٤ - ٢٦]. وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحالوا بينهم وبين البيت.
وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَهُ فأخبرتني عَائِشَةُ، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أن يَرُدُّوا إلى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أزواجهم، وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَنْ لَا يُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ
стр. 5392
طَلَّقَ امرأتين قَرِيبَةَ بِنْتَ أبي أمية، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ، فَلَمَّا أبى الْكُفَّارُ أن يُقِرُّوا بأداء مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أزواجهم، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] وَالْعَقِبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إلى مَنْ هَاجَرَتِ امرأته مِنَ الْكُفَّارِ، فأمر أن يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أنْفَقَ مِنْ صدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللَّائِي هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أحدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إيمانها. وَبَلَغَنَا أن أبا بَصِيرِ بْنَ أسيد الثّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ، فَكَتَبَ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ يسأله أبا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
صحيح: رواه البخاري في الشروط (٢٧٣١، ٢٧٣٣، ٢٧٣٢) عن عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزّهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزُّبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: فذكرا الحديث.
• عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة، وخرج رسول الله ﷺ حتَّى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبيّ، فقال: يا رسول الله! هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوأ جلود النمور، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عَنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه إلى كراع الغميم، فقال رسول الله ﷺ : "يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قُوة، فماذا تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتَّى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة". ثمّ أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة. قال: فسلك بالجيش تلك الطريق، فلمّا رأت خيلُ قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله ﷺ حتَّى إذا سلك ثنية المرار، بركت ناقته، فقال الناس: خلأت. فقال رسول الله ﷺ : "ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم، إِلَّا أعطيتهم إياها" ثمّ قال للناس:
стр. 5393
"انزلوا". فقالوا: يا رسول الله، ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج رسول الله ﷺ سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القُلُب، فغرزه فيه فجاش الماء حتَّى ضرب الناس عنه بعطن. فلمّا اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبسر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدًا لم يأت لقتال، إنّما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه، فاتهموهم.
قال محمد بن إسحاق: قال الزهري: وكانت خزاعة في عيبة رسول الله ﷺ مشركها ومسلمها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئًا كان بمكة، فقالوا: وإن كان إنّما جاء لذلك فوالله! لا يدخلها أبدًا علينا عنوة، ولا تتحدث بذلك العرب. ثمّ بعثوا إليه مكرز بن حفص، أحد بني عامر بن لؤي، فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا رجل غادر". فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه رسول الله ﷺ بنحو ما كلم به أصحابه، ثمّ رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ .
قال: فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه"، فبعثوا الهدي، فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأى، فقال: يا معشر قريش! قد رأيت ما لا يحل صده، الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله. قالوا: اجلس، إنّما أنت أعرابي لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم، من التعنيف وسوء اللّفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثمّ جئت حتَّى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتَّى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه، فقال: يا محمد جمعت أوباش الناس، ثمّ جئت بهم لبيضتك لتفضها، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا. قال: وأبو بكر قاعد خلف رسول الله ﷺ فقال: امصص بظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟ ! قال: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أبي قحافة". قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك
стр. 5394
بها، ولكن هذه بها. ثمّ تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد، قال: فقرع يده. ثمّ قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبلَ - والله! - لا تصل إليك. قال: ويحك! ما أفظك وأغلظك! فتبسم رسول الله ﷺ . قال: من هذا يا محمد؟ قال ﷺ : "هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة" قال: أغدر، وهل غسلت سوأتك إِلَّا بالأمس؟ ! قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا. قال: فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ وضوءا إِلَّا ابتدروه، ولا يبصق بصاقًا إِلَّا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إِلَّا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إنى جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكا قطّ مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا، فروا رأيكم.
قال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له: "الثعلب" فلمّا دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش، حتَّى أتى رسول الله ﷺ فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله! إنى أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني: عثمان بن عفّان. قال: فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، معظمًا لحرمته. فخرج عثمان حتَّى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف خلفه، وأجاره حتَّى بلغ رسالة رسول الله؟ ﷺ فانطلق عثمان حتَّى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتَّى يطوف به رسول الله ﷺ قال: واحتبسته قريش عندها، قال: وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل.
قال محمد: فحدثني الزهري: أن قريشًا بعثوا سهل بن عمرو، وقالوا: ائت محمدًا فصالحه ولا يكون في صلحه إِلَّا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عَنوة أبدًا. فأتاه سهل بن عمرو فلمّا رآه النَّبِيّ ﷺ قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرّجل". فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح، فلمّا التأم الأمر ولم يبق إِلَّا الكتاب، وثب عمر
стр. 5395
ابن الخطّاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أوليس برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه حيث كان، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد. ثمّ أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين أوليسوا بالمشركين؟ قال: "بلى" قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: "أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني". ثمّ قال عمر: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتَّى رجوت أن يكون خيرًا.
قال: ودعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب فقال: اكتب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". فقال سهل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله: "اكتب باسمك اللهم. هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهلَ بن عمرو"، فقال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله من أصحابه بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد رسول الله وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيهم ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب، فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب، إذا جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ قال: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلمّا رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتَّى كادوا أن يهلكوا. فلمّا رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وقال: يا محمد! قد لَجَّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: "صدقت". فقام إليه فأخذ بتلابيبه. قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال: فزاد
следующие страницы →