Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
عبد الرحمن، عن عبد الله بن سعيد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر فذكره.
وأما ما رُوي عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث إلى مؤتة فاستعمل زيدًا، فإن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فابن رواحة، فتخلف ابن رواحة، فجمّع مع رسول الله ﷺ فرآه فقال: "ما خلّفك؟ " قال: أجمّع معك، قال: "لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها" فهو ضعيف.
رواه الإمام أحمد (٢٣١٧) عن عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره.
وأخرجه الترمذي (٥٢٧) من حديث أبي معاوية عن الحجاج به نحوه، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم لسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث، وعدها شعبة، وليس هذا الحديث فيما عد شعبة، فكأن هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم.
قلت: وفيه أيضًا حجاج وهو ابن أرطاة مدلس وقد عنعن.
٣ - قصة عوف بن مالك الأشجعي مع خالد بن الوليد
• عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورا، فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهئة الدرق، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي، فعرقب فرسه، فخر وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى ولكني استكثرته، قلت: لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ ، وأبى أن يرد عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما فعله خالد، فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد، ما حملك على ما صنعت؟ " قال: يا رسول الله، اسشكثرته. فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد رد عليه ما أخذت منه" قال عوف: فقلت: دونك يا خالد ألم أف لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ " فأخبرته، فغضب رسول الله، وقال: "يا خالد لا ترده عليه هل أنتم تاركو لي أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره".
قال الوليد: سألت ثورًا عن هذا الحديث، فحدثني عن خالد بن معدان، عن جبير
стр. 5462
ابن نفير، عن عوف بن مالك الأشجعي، نحوه.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٩٩٧) عن الوليد بن مسلم، قال: حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف فذكره.
وهو في صحيح مسلم (١٧٥٣: ٤٤) من طريق الوليد بن مسلم مختصرًا، وأحال على الإسناد السابق وهو عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي مطولًا إلا أنه لم يذكر فيه "غزوة مؤتة" ولذا قدّمت إسناد الإمام أحمد.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٢٣٩٨٧) عن أبي المغيرة، قال: حدثنا صفوان قال: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير نحوه، وفيه: "غزونا غزوة إلى طرف الشام".
٤ - شجاعة جعفر بن أبي طالب
• عن ابن عمر أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، يعني في ظهره.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٦٠) عن أحمد، حدثنا ابن وهب، عن عمرو، عن أبي هلال قال: وأخبرني نافع، أن ابن عمر أخبره فذكره.
• عن عبد الله بن عمر قال: أمّر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﷺ : "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة".
قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٦١) عن أحمد بن أبي بكر، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سعد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر فذكره.
ورواية: "بضعًا وتسعين" هو الأرجح لمجيئه من طريق آخر، أورواية الخمسين متعلقة بظهره، ورواية بضع وتسعين شاملة له ولبقية جسده.
• كان ابن عمر إذا حيّا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٦٤) عن محمد بن أبي بكر، حدثنا عمر بن علي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر قال: كان ابن عمر ... فذكره.
• عن عباد بن عبد الله بن الزبير، حدثني أبي الذي أرضعني - وهو أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزاة - غزاة مؤتة - قال: والله! لكأني أنظر إلى جعفر، حين اقتحم عن فرس له شقراء، فعقرها، ثم قاتل القوم، حتى قتل.
стр. 5463
حسن: رواه أبو داود (٢٥٧٣) والحاكم (٣/ ٢٠٩) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني عباد (هو يحيى بن عباد) عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وكذلك حسّنه أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ٥١١) ولكن قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالقوي.
قلت: لعله نظر إلى تفرد محمد بن إسحاق في عقر الفرس في الحرب، فإنه لم يوافقه على ذلك أحد.
وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٣٧٨) وزاد فيه بعد قوله: "حتى قتل": وهو يقول:
يا حبّذا الجنة واقترابها ... طيبة باردة شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذ لاقيتها ضرابها
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل ﵁ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.
٥ - باب ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة
• عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف قال: فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة ... ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة في شنه
وقال أيضًا:
يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
يريد صاحبيه: زيدًا وجعفر، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بها صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده، ثم
стр. 5464
أخذه سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل.
حسن: رواه محمد بن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٣٧٩).
• عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي، واجبلاه! واكذا وكذا! تعدّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: آنت كذلك.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٦٧) عن عمران بن ميسرة، حدثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عامر، عن النعمان بن بشير قال: فذكره.
٦ - باب ثم أخذ الراية خالد بن الوليد حتى فتح الله عليهم
• عن أنس أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا، وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٦٢) عن أحمد بن واقد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس قال: فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: خطب النبي ﷺ فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة ففتح له".
وقال: "ما يسرنا أنهم عندنا".
قال أيوب: أو قال: "ما يسرهم أنهم عندنا" وعيناه تذرِفان.
صحيح: رواه البخاري في الجهاد (٢٧٩٨) عن يوسف بن يعقوب الصفار، حدثنا إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك فذكره.
• عن أبي قتادة فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء وقال: "عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري".
فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله وأمي! ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيدًا قال: "امضوا فإنك لا تدري أي ذلك خير".
ثم ذكر نعي زيد وجعفر وعبد الله بن رواحة ثم قال: "ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء هو أمّر نفسه" فرفع رسول الله ﷺ أصبعيه وقال: "اللهم هو سيف من سيوفك فانصره".
стр. 5465
حسن: رواه النسائي (٨١٥٩) وأحمد (٢٢٥٥١) وصحّحه ابن حبان (٧٠٤٨) كلهم من طرق عن الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير، قال: قدم علينا عبد الله بن رباح فوجدته قد اجتمع إليه ناس من الناس قال: حدثنا أبو قتادة فذكره. وإسناده حسن من أجل خالد بن سمير فإنه حسن الحديث.
• عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني، ثم أخذ الراية ثابت بن أقوم أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز، وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس.
حسن: رواه ابن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم هل هو هزيمة للمسلمين أم خدعة للمشركين؟ فذهب جمهور أهل العلم منهم الزهري وموسى بن عقبة والواقدي والبيهقي وغيرهم إلى أنه خدعة للمشركين ونصر للمسلمين وحديث أنس في الصحيح في قوله: "ففتح له" يدل على هذا.
كما يدل عليه أيضًا قول خالد بن الوليد انقطعت في يدي تسعة أسياف إشارة إلى قتال شديد من قبل المسلمين.
قال ابن هشام: فأما الزهري فقال فيما بلغنا عنه: أمّر المسلمون عليهم خالد بن الوليد، ففتح الله عليهم.
٧ - باب شجاعة خالد بن الوليد
• عن خالد بن الوليد قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٦٦، ٤٢٦٥) من طريق عن إسماعيل، قال: حدثني قيس بن أبي حازم، قال: سمعت خالد بن الوليد يقول فذكره.
٨ - باب ما جاء في حزن النبي ﷺ على قتل الصحابة في غزوة مؤتة
• عن عَائِشَةَ تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِب وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ﵃ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ، تَعْنِي مِنْ شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، قَالَت: وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَن يَنْهَاهُنَّ، قَالَ: فَذَهَبَ الرَّجلُ ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتهنَّ. وَذَكَرَ أَنَّهُن لَمْ يُطِعْنَهُ، قَالَ: فَأَمَرَ أَيْضًا، فذَهَبَ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: وَاللَّهِ
стр. 5466
لَقَدْ غَلَبْنَنَا. فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الْعَنَاءِ.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٢٦٣) ومسلم في الجنائز (٣٠: ٩٣٥) كلاهما من طريق عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول أخبرتني عمرة أنها سمعت عائشة تقول: فذكرته.
قوله ﷺ : "فاحث في أفواههن التراب": كناية عن المبالغة في الزجر، لأنه لا يستطيع القيام به، ولذا قالت عائشة: أرغم الله أنفك، فوالله ما أنت تفعل. أي أنت قاصر عن القيام بما أمرت به من الإنكار. ولكن أحرجت رسول الله ﷺ من كثرة تكرارك عليه.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحزن.
حسن: رواه الحاكم (٣/ ٢٠٩) من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وصحّحه الحاكم على شرط مسلم.
تسمية من استشهد يوم مؤتة
ذكر ابن إسحاق من استشهد يوم مؤتة وهم:
١ - جعفر بن أبي طالب.
٢ - زيد بن حارثة.
٣ - مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة.
٤ - وهب بن سعد بن أبي سرْح.
٥ - عبد الله بن رواحة.
٦ - عباد بن قيس.
٧ - الحارث بن النعمان بن أسامة.
٨ - سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء.
وقال ابن هشام: وممن استشهد يوم مؤتة فيما ذكر ابن شهاب:
٩ - أبو كليب.
١٠ - وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف.
١١ - وعمرو.
١٢ - وعامر ابنا سعد بن الحارث.
стр. 5467
جموع ما جاء في الأحداث التي بين غزوة مؤتة وبين غزوة فتح مكة
١ - باب سرية ذات السلاسل
كانت في السنة الثامنة في شهر جمادى الآخرة، بعد غزوة مؤتة. وسميت ذات السلاسل باسم ماء بأرض جذام من أرض بني عذرة.
وسببه كما قال الواقدي: بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنّ جَمْعًا مِنْ بَلِيّ وَقُضَاعَةَ قَدْ تَجَمّعُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَدْنُوَا إلَى أَطْرَافِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ، وَجَعَلَ مَعَهُ رَايَةً سَوْدَاءَ، وَبَعَثَهُ فِي سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ مَرّ بِهِ مِنْ الْعَرَبِ، وَهِيَ بِلَادُ بَلِيّ وَعُذْرَةَ وَبَلْقَيْن، وَذَلِكَ أَنّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ ذَا رَحِمٍ بِهِمْ. كَانَتْ أُمّ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ بَلَوِيّةً، فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَأَلّفُهُمْ بِعَمْرٍو. فَلَمَّا صار إلى هناك خاف كثرة عدوه، فَبَعَثَ رَافِعَ بْنُ مَكِيثٍ الْجُهَنِيّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُخْبِرُهُ بذلك، وَيَسْتَمِدّهُ بِالرّجَالِ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ ومعه مائتان من سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار، وفيهم أبو بكر وعمر. وقال له: "إذا أنت قدمت على صاحبك، فتطاوعا، ولا تختلفا" فسار عمرو بمن معه حتى وصل إلى بلاد بلي، فكان كلما انتهى إلى موضع به جمع تفرقوا حتى انتهى إلى بلاد بلي وعذرة وبلقين، فلقي جمعا ليس بالكثير، فقاتلوا ساعة وتراموا بالنجل، وحمل عليهم المسلمون فهزموا وتفرقوا، ثم عاد المسلمون منتصرين بعد أن أظهروا سطوة الإسلام وسلطته.
انظر: مغازي الواقدي (٢/ ٧٦٩ - ٧٧٢).
• عن عمرو بن العاص قال: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ وَسِلَاحَكَ ثُمَّ ائْتِنِي" فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ ثُمَّ طَأْطَأَهُ فَقَالَ: "إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُسَلِّمَكَ اللَّهُ وَيُغْنِمَكَ، وَأَزْعَبُ لَكَ مِنْ الْمَالِ زَعْبَةً صَالِحَةً" قَالَ: فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الإسْلَامِ، وَأَنْ أَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا عَمْرُو! نِعِمَّا بالْمَال الصَّالِح لِلرجل الصَّالِحِ".
صحيح: رواه أحمد (١٧٧٦٣) وابن حبان (٣٢١٠) والحاكم (٢/ ٢٣٦) كلهم من حديث موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عمرو بن العاص، قال: فذكره.
وإسناده صحيح. وموسى بن علي ثقة، وثّقه ابن سعد وأحمد وابن معين والنسائي والعجلي وغيرهم.
стр. 5468
وصحّحه أيضًا الحاكم على شرط مسلم.
وقوله: "أزعب" من زعبه، أي: أدفع إليك من المال، والزعب هو الدفع.
• عن عمرو بن العاص أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَه عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ". قُلْتُ: مِن الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "عُمَرُ"، فَعَدَّ رِجَالًا، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٥٨) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٣٨٤: ٨) كلاهما من طريق خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي عثمان، أخبرني عمرو بن العاص، قال: فذكره. هذا مختصر، وتفصيله في الحديث التالي.
• عن عمرو بن العاص أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَه في ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فسأله أصحابه أن يوقدوا نارًا، فمنعهم، فكلموا أبا بكر، فكلمه في ذلك، فقال: لا يوقد أحد منهم نارًا إلا قذفته فيها، قال: فلقوا العدو فهزموهم، فأرادوا أن يتبعوهم، فمنعهم، فلما انصرف ذلك الجيش ذكروا للنبي ﷺ ، وشكوه إليه، فقال: يا رسول الله! إني كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارًا فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، فحمد رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ قال: "لم؟ " قال: لأحب من تحب، قال: "عائشة"، قال: من الرجال؟ قال: "أبو بكر".
صحيح: رواه ابن حبان (٤٥٤٠) واللفظ له، وابن أبي شيبة (٣٧٧٩٢) والترمذي (٣٨٨٦) والحاكم (٤/ ١٢) - كلاهما مختصرًا - كلهم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عمرو بن العاص، فذكره.
سكت عليه الحاكم. وإسناده صحيح.
• عن عمرو بن العاص قال: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ. فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "يَا عَمْرُو! صَلَّيْتَ بأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ" فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الاغْتِسَالِ، وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
صحيح: رواه أبو داود (٣٣٤) وأحمد (١٧٨١٢) والحاكم (١/ ٧٧ - ٧٨) كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، فذكره.
وإسناده صحيح، وعبد الرحمن بن جبير هو المصري المؤذن، وقد زاد بعضهم بين عبد الرحمن
стр. 5469
ابن جبير وبين عمرو بن العاص "أبا قيس مولى عمرو بن العاص" فقال الحاكم: هذا لا يعله، فإن أهل مصر أعلم بحديثهم من أهل البصرة.
٢ - سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة - وهي أرض محارب بنجد - في شعبان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ .
قالوا: بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة ومعه خمسة عشر رجلا إلى غطفان وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، فهجم على حاضر منهم عظيم، فأحاط بهم فصرخ رجل منهم: يا خضرة! وقاتل منهم رجال، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا النعم، فكانت الإبل مائتي بعير، والغنم ألفي شاة، وسبوا سبيًا كثيرًا، وجمعوا الغنائم، فأخرجوا الخمس، فعزلوه، وقسموا ما بقي على أهل السرية، فأصاب كل رجل منهم اثنا عشر بعيرًا، فعدل البعير بعشر من الغنم، وصارت في سهم أبي قتادة جارية وضيئة فاستوهبها منه رسول الله ﷺ ، فوهبها له، فوهبها رسول ﷺ لمحمية بن جزء، وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة. الطبقات لابن سعد (٢/ ١٣٢). ذكره البخاري بعد غزوة الطائف والذي ذكره أهل المغازي أنها كانت قبل التوجه لفتح مكة، واختلفوا في الشهر، فقيل: شعبان، وقيل: رمضان، وقيل: غير ذلك.
• عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد، فغنموا إبلًا كثيرة فكان سُهمانهم اثني عشر بعيرًا، أو أحد عشر بعيرًا، ونفّلوا بعيرًا بعيرًا.
متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (١٥) عن نافع به مثله، ورواه البخاري في فرض الخمس (٣١٣٤) ومسلم في الجهاد (١٧٤٩) كلاهما من حديث مالك.
وتفصيل ذلك عند أبي داود (٢٧٤٣) عن هناد، قال: حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان الكلابي، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد، فخرجت معها، فأصبنا نعمًا كثيرًا، فنفّلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكل إنسان. ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرًا بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه بعد ما صنع، فكان لكل رجل منا ثلاثة عشر بعيرًا بنفله.
٣ - سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم في أول شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ .
قالوا: لما هم رسول الله ﷺ بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سرية إلى بطن
стр. 5470
إضم، وهي فيما بين ذي خشب وذي المروة. وبينها وبين المدينة ثلاثة برد، ليظن ظان أن رسول الله ﷺ توجه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية محلم بن جثامة الليثي، فمر عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلم بتحية الإسلام، فأمسك عنه القوم وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله وسلبه بعيره ومتاعه ووطْبَ لبن كان معه؛ فلما لحقوا بالنبي ﷺ ، نزل فيهم القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ... ﴾ [النساء: ٩٤]، إلى آخر الآية، فمضوا ولم يلحقوا جمعًا، فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خشب، فبلغهم أن رسول الله ﷺ ، قد توجه إلى مكة فأخذوا على بيبن حتى لحقوا النبي ﷺ بالسقيا. طبقات ابن سعد (٢/ ١٣٣).
وقوله: "إضم" اسم موضع شمال المدينة، من أرض جهينة، يقع خلف جبل أحد، وهو مجتمع أودية المدينة. الأماكن للحازمي (١/ ٧٧).
• عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِضَمَ، فَخَرَجْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَمُحَلَّمُ بْنُ جَثَّامَةَ بْنِ قَيْسِ، فَخَرَجْنَا حَتى إِذَا كُنَّا بِبَطْنِ إِضَمَ مَرَّ بِنَا عَامِرٌ الْأَشْجَعِيُّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ معه مُتَيْعٌ وَوَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ، فَلَمَّا مَرَّ بِنَا سلَّمَ عَلَيْنَا، فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلَّمُ بْنُ جَثَّامَةَ، فَقَتَلَهُ بِشَيءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَأَخَذ بَعِيرَهُ وَمُتَيْعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ نَزَلَ فِينَا الْقُرْآنُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤].
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٨٨١) وابن أبي شيبة (٣٨١٦٨) وابن الجارود (٧٧٧) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل القعقاع بن عبد الله، فقد روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد الله بن قسيط، وذكره ابن حبان في ثقاته، واختلف في صحبته، والصواب أنه لا صحبة له، وهو حسن الحديث.
ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث كما عند أحمد.
وروي عَنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِينُهُ فِي صدَاقِهَا، فَقَالَ: "كَمْ أَصدَقْتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. قَالَ: "لَوْ كُنْتُمْ تَغْرِفُونَ الدَّرَاهِمَ مِنْ
стр. 5471
وَادِيكُمْ هَذَا مَا زِدْتُمْ، مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكُمْ" قَالَ: فَمَكَثْتُ ثُمَّ دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَنِي فِي سَرِيَّةٍ بَعَثَهَا نحْوَ نَجْدٍ، فَقَالَ: "اخْرُجْ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ، لَعَلَّكَ أَنْ تُصِيبَ شَيْئًا، فَأُنَفِّلَكَهُ" قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا الْحَاضِرَ مُمْسِينَ، قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبَتْ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ بَعَثَنَا أَمِيرُنَا رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ. قَالَ: فَأَحَطْنَا بِالْعَسْكَرِ، وَقَالَ: إِذَا كَبَّرْتُ وَحَمَلْتُ، فَكَبِّرُوا وَاحْمِلُوا. وَقَالَ: حِينَ بَعَثَنَا رَجُلَيْنِ رجلين: لَا تَفْتَرِقَا، وَلأَسْأَلَنَّ وَاحِدًا مِنْكُمَا عَنْ خَبَرِ صَاحِبِهِ فَلَا أَجِدُهُ عِنْدَهُ، وَلَا تُمْعِنُوا فِي الطَّلَبِ. قَالَ: فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَحْمِلَ سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ الْحَاضِرِ صَرَخَ: يَا خَضْرَةُ، فَتَفَاءَلْتُ بِأَنَّا سَنُصِيبُ مِنْهُمْ خَضْرَةً. قَالَ: فَلَمَّا أَعْتَمْنَا كَبَّرَ أَمِيرُنَا وَحَمَلَ، وَكَبَّرْنَا وَحَمَلْنَا. قَالَ: فَمَرَّ بِي رَجُلٌ فِي يَدِهِ السَّيْفُ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَقَالَ لِي صَاحِبِي: إِنَّ أَمِيرَنَا قَدْ عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ لَا نُمْعِنَ فِي الطَّلَبِ فَارْجِعْ، فَلَمَّا رَأَيْتُ إِلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَتَرْجِعَنَّ أَوْ لأَرْجِعَنَّ إِلَيْهِ وَلأُخْبِرَنَّهُ أَنَّكَ أَبَيْتَ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأَتَّبِعَنَّهُ. قَالَ: فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُ رَمَيْتُهُ بِسَهْمٍ عَلَى جُرَيْدَاءِ مَتْنِهِ فَوَقَعَ فَقَالَ: ادْنُ يَا مُسْلِمُ إِلَى الْجَنَّةِ، فَلَمَّا رَآنِي لَا أَدْنُو إِلَيْهِ وَرَمَيْتُهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَأَثْخَنْتُهُ رَمَانِي بِالسَّيْفِ فَأَخْطَأَنِي، وَأَخَذْتُ السَّيْفَ فَقَتَلْتُهُ به، وَاحْتَزَزْتُ بِهِ رَأْسَهُ، وَشَدَدْنَا نَعَمًا كَثِيرَةً وَغَنَمًا. قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفْنَا. قَالَ: فَأَصْبَحْتُ فَإِذَا بَعِيرِي مَقْطُورٌ بِهِ بَعِيرٌ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ شَابَّةٌ، قَالَ: فَجَعَلَتْ تَلْتَفِتُ خَلْفَهَا فَتُكَبِّرُ، فَقُلْتُ لَهَا: إِلَى أَيْنَ تَلْتَفِتِينَ؟ قَالَتْ: إِلَى رَجُلٍ وَاللَّهِ إِنْ كَانَ حَيًّا خَالَطَكُمْ. قَالَ: قُلْتُ - وَظَنَنْتُ أَنَّهُ صَاحِبِي الَّذِي قَتَلْتُ -: قَدْ وَاللَّهِ قَتَلْتُهُ، وَهَذَا سَيْفُهُ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ بِقَتَبِ الْبَعِيرِ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ. قَالَ: وَغِمْدُ السَّيْفِ لَيْسَ فِيهِ شَئٌ مُعَلَّقٌ بِقَتَبِ بَعِيرِهَا، فَلَمَّا قُلْتُ ذَلِكَ لَهَا قَالَتْ: فَدُونَكَ هَذَا الْغِمْدَ فَشِمْهُ فِيهِ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا. قَالَ: فَأَخَذْتُهُ فَشِمْتُهُ فِيهِ فَطَبَقَهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ بَكَتْ. قَالَ: فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي مِنْ ذَلِكَ النَّعَمِ الَّذِي قَدِمْنَا بِهِ.
رواه أحمد (٢٣٨٨٢) عن يَعْقُوبَ (هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري)، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِي، فذكره.
وإسناده ضعيف لإبهام جدة عبد الواحد بن أبي عون.
• * *
стр. 5472
جموع ما جاء في غزوة الفتح الأعظم وهو فتح مكة وكانت في رمضان سنة ثمان
وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع فقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣].
لا خلاف بين أهل السير والمغازي أن هذه الغزوة كانت في شهر رمضان، وإنما وقع الخلاف في وقت الخروج من المدينة ووقت دخول مكة وسيأتي بعده.
١ - باب ذكر الأسباب الموجبة للمسير إلى مكة
• عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، أنهما حدثاه جميعًا، قالا: كان في صلح رسول الله ﷺ يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة والثمانية عشر شهرًا، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم. وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله ﷺ وعهده ليلًا بماء لهم يقال له: الوتير قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، فقاتلوهم معه للطعن علي رسول الله ﷺ ، وأن عمر بن سالم ركب إلى رسول الله ﷺ عند ما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير، حتى قدم المدينة على رسول الله ﷺ يخبره الخبر وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله ﷺ أنشده إياها:
اللهم إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كنا والدًا وكنت ولدًا ... ثم أسلمنا ولم ننزع يدا
стр. 5473
فأنصر رسول الله نصرًا أعندا ... وأدع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... إن سيم خسفًا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشًا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وزعموا أن لست أرجو أحدًا
فهم أذل وأقل عددًا ... قد جعلوا لي بكداء مرصدًا
هم بيتونا بالوتير هجدًّا ... فقتلونا ركعًا وسجدًّا
فقال رسول الله ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم".
فما برح رسول الله ﷺ مرت عنانة في السماء، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب".
وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم.
حسن: رواه البيهقي في الدلائل (٥/ ٦ - ٧) من حديتَ يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة فذكراه، وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه صرّح بالتحديث وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٣٩٠) من هذا الوجه نحوه.
• عن أبي هريرة أن قائد خزاعة قال:
اللهم إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
انصر هداك الله نصرًا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (١٨١٧) عن عبد الواحد بن غياث، أنبأ حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي فإنه حسن الحديث. وقد حسّنه أيضًا الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٦٢).
وفي الباب عن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبًا لم أره غضبه منذ زمان، وقال: "لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب" قالت: وقال لي: "قولي لأبي بكر وعمر يتجهزا لهذا الغزو" قال: فجاءا إلى عائشة فقالا: أين يريد رسول الله ﷺ ؟ قال: فقالت:
стр. 5474
لقد رأيته غضب فيما كان من شأن بني كعب غضبًا لم أره غضبه منذ زمان من الدهر.
قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٦١ - ١٦٢): رواه يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش، عن أبيه عنها. وقد وثّقها ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح.
قلت: حزام بن هشام بن حبيش قال فيه أبو حاتم: "شيخ محله الصدق" الجرح والتعديل (٣/ ٢٩٨) ولكن أباه هشام بن حبيش مجهول تفرد بالرواية عنه ابنه ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٥٣) ولم يقل فيه شيئًا، فهو في عداد المجهولين، وأما ابن حبان فذكره في الثقات على قاعدته في توثيق المجاهيل.
وروي معناه مطولًا عن ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين رواه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤) ولكن فيه يحيى بن سليمان بن نضلة المديني، ضعّفه الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٦٤).
٢ - باب أُمر المشاة إلى مكة بالإسراع في المشي
• عن جابر أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان حتى بلغ كراع الغميم. قال: فصام الناس، وهم مشاة وركبان، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصوم، إنما ينظرون ما تفعل، فدعا بقدح، فرفعه إلى فيه، حتى نظر الناس، ثم شرب، فأفطر بعض الناس، وصام بعض، فقيل للنبي ﷺ : إن بعضهم صام، فقال: "أولئك العصاة". واجتمع المشاة من أصحابه، فقالوا: نتعرض لدعوات رسول الله ﷺ ، وقد اشتد السفر، وطالت المشقة، فقال لهم رسول الله ﷺ : "استعينوا بالنسل، فإنه يقطع عَلم الأرض، وتخفون له". قال: ففعلنا، فخففنا له.
صحيح: رواه أبو يعلى (١٨٨٠) - وعنه ابن حبان (٢٧٠٦) - عن عبد الله بن عمر بن أبان قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢٥٣٦) من وجه آخر عن عبد الوهاب به مختصرًا. ورواه (٢٥٣٧) أيضًا من طريق ابن جريج قال: أخبرني جعفر بن محمد به مختصرًا، وفيه "عليكم بالنسلان".
وقوله: "النسل" هو الإسراع في المشي.
٣ - باب إرسال قريش أبا سفيان بن حرب إلى المدينة لتجديد العهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ -
قال ابن إسحاق: ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ للناس: "كأنكم بأبي سفيان وقد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة" ومضى بديل بن ورقاء في أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان، وقد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ ليشد
стр. 5475
العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديل بن ورقاء قال: من أين أقبلت يا بديل؟ فظن أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: تسيرت في خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادي، قال: أوما جئت محمدًا؟ قال: لا، فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن جاء بديل المدينة، لقد علف بها النوى، فأتى مبرك راحلته، فأخذ من بعرها ففته فرأى فيها النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدًا.
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ، قال: والله لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فوالله! لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنها، وعندها حسن بن علي غلام يدب بين يديهما فقال: يا علي! إنك أمس القوم بي رحمًا، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبًا، فاشفع لي إلى رسول الله، فقال: ويحك يا أبا سفيان! والله! لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمد! هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ . قال: يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال: والله! ما أعلم لك شيئًا يغني عنك شيئًا، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أوترى ذلك مغنيا عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكني ما أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس! إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته، فوالله! ما رد علي شيئًا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت عمر بن الخطاب فوجدته أدنى العدو.
قال ابن هشام: أعدى العدو.
قال ابن إسحاق: ثم جئت عليًا فوجدته ألين القوم قد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني ذلك عني شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلك والله! إن زاد الرجل على أن لعب بك، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك. سيرة ابن هشام (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٧).
ورواه عبد الرزاق في المصنف (٩٧٣٩) مصرحًا فيه أن أبا سفيان قدم المدينة فكلم رسول الله ﷺ فقال: هلم فلنجدّد بيننا وبينك كتابًا، فقال النبي ﷺ : "فنحن على أمرنا الذي كان، وهل
стр. 5476
أحدثتم من حدث؟ " فقال أبو سفيان: لا، فقال النبي ﷺ : "فنحن على أمرنا الذي كان بيننا" فلما لم يجد استجابة من النبي ﷺ لتجديد الكتاب توجه إلى علي بن أبي طالب .. الخ ما ذكره. رواه عن معمر، عن عثمان الجزري عن مقسم، قال معمر: وكان يقال لعثمان الجزري المشاهد عن مقسم مولى ابن عباس قال: فذكره. وهو مرسل.
وقال موسى بن عقبة في فتح مكة: ثم إن بني نفاثة من بني الدئل أغاروا علي بني كعب، وهم في المدة التي بين رسول الله ﷺ وبين قريش. وكانت بنو كعب في صلح رسول الله ﷺ ، وكانت بنو نفاثة في صلح قريش، فأعانت بنو بكر بني نفاثة، وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق، واعتزلتهم بنو مدلج، ووفوا بالعهد الذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله ﷺ . وفي بني الدئل رجلان هما سيداهم؟ سلم بن الأسود، وكلثوم بن الأسود، ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو، فأغارت بنو الدئل علي بني عمرو، وعامتهم - زعموا نساء وصبيان وضعفاء الرجال - فألجئوهم وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بُديل بن ورقاء بمكة. فخرج ركب من بني كعب حتى أتوا رسول الله ﷺ ، فذكروا له الذي أصابهم وما كان من أمر قريش عليهم في ذلك، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ارجعوا فتفرقوا في البلدان" وخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله ﷺ ، وتخوف الذي كان، فقال: يا محمد! اشدد العقد وزدنا في المدة، فقال رسول الله ﷺ : "ولذلك قدمت، هل كان من حدث قبلكم؟ ". فقال: معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير ولا نبدل. فخرج من عند رسول الله ﷺ ، فأتى أبا بكر فقال: جدد العقد وزدنا في المدة. فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله ﷺ ، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال عمر بن الخطاب: ما كان من حلفنا جديد فأخلقه الله، وما كان منه متينًا قطعه الله، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله. فقال له أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرًّا. ثم دخل على عثمان فكلمه فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله ﷺ . ثم أتبع أشراف قريش يكلمهم، فكلهم يقول: عقدنا في عقد رسول الله ﷺ ، فلما يئس مما عندهم دخل على فاطمة بنت رسول الله ﷺ فكلمها، فقالت: إنما أنا امرأة، وإنما ذلك إلى رسول الله ﷺ . فقال لها: فأمري أحد ابنيك. فقالت: إنهما صبيان، وليس مثلهما يجير. قال: فكلمي عليا. فقالت: أنت فكلمه، فكلم عليا. فقال له: يا أبا سفيان! إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يفتات على رسول الله ﷺ بجوار، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها، فأجر بين عشيرتك. قال: صدقت وأنا كذلك. فخرج فصاح: ألا إني قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد. ثم دخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد! إني قد أجرت بين الناس، ولا والله! ما أظن أن يخفرني أحد، ولا يرد جواري؟ فقال: "أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟ ". فخرج أبو سفيان على ذلك فزعموا - والله أعلم - أن رسول الله ﷺ قال حين أدبر أبو سفيان: "اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعوا بنا إلا فجأة". وقدم أبو سفيان مكة
стр. 5477
فقالت له قريش: ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ قال: لا والله، لقد أبى علي وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قومًا لملك عليهم أطوع منهم له، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي: لم تلتمس جوار الناس على محمد، ولا تجير أنت عليه وعلى قومك، وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن تخفر جواره؟ فقمت بالجوار، ثم دخلت على محمد فذكرت له أني قد أجرت بين الناس، وقلت: ما أظن أن تخفرني؟ فقال: "أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟ " فقالوا - مجيبين له -: رضيت بغير رضى، وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا، وإنما لعب بك علي، لعمر الله ما جوارك بجائز، وإن إخفارك عليهم لهين. ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث، فقالت: قبحك الله من وافد قوم فما جئت بخير. قال: ورأى رسول الله ﷺ سحابا فقال: "إن هذه السحاب لتبض بنصر بني كعب". فمكث رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يمكث يعد ما خرج من عنده أبو سفيان، ثم أخذ في الجهاز، وأمر عائشة أن تجهزه وتخفي ذلك. ثم خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته، فدخل أبو بكر على عائشة، فوجد عندها حنطة تنسف وتنقي، فقال لها: يا بنية لم تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت. فقال: أيريد رسول الله ﷺ أن يغزو؟ فصمتت. فقال: يريد بني الأصفر - وهم الروم - فصمتت. قال: فلعله يريد أهل نجد؟ فصمتت. قال: فلعله يريد قريشا؟ فصمتت. قال: فدخل رسول الله ﷺ ، فقال له: يا رسول الله! أتريد أن تخرج مخرجًا؟ قال: "نعم". قال: فلعلك تريد بني الأصفر؟ قال: "لا". قال: أتريد أهل نجد؟ قال: "لا". قال: فلعلك تريد قريشًا؟ قال: "نعم". قال أبو بكر: يا رسول الله! أليس بينك وبينهم مدة؟ قال: "ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟ ". قال: وأذن رسول الله ﷺ في الناس بالغزو. أخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٩ - ١٢) بإسناده إلى موسى بن عقبة هكذا معلقًا عن موسى بن عقبة.
وأهل السير مختلفون في ذهاب أبي سفيان إلى المدينة أكان ذلك قبل الخبر إلى النبي ﷺ في نقض قريش العهد الذي كان بين النبي ﷺ وبينهم، فيطلب من النبي ﷺ التجديد، والنبي ﷺ يرفض ذلك قائلًا: "نحن على أمرنا الذي كان" أم كان بعد أن وصل الخبر إلى المدينة ووعد النبي ﷺ عمرو بن سالم الخزاعي الذي جاء إلى المدينة يستنصره فقال النبي ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم " كما سبق ذكره. فندمت قريش وأرسلت أبا سفيان إلى المدينة فجاء يطلب الشفاعة من أبي بكر وعمر وفاطمة وعلي وابنته حبيبة أن يكلموا رسول الله ﷺ في هذا الشأن، فلم يستجيبوا لطلبه فجاء إلى النبي ﷺ فكلمه، فلم يرد عليه شيئًا.
فالظاهر من الروايات السابقة أن مجيئه كان بعد وصول خبر نقض قريش المعاهدة، ولذا لم يكلمه النبي ﷺ بشيء، بل كتم ما كان ينوي في نفسه كما كتم لغيره.
٤ - باب كتمان رسول الله ﷺ أمر خروجه من أصحابه
• عن عائشة أن أبا بكر دخل عليها وهي تغربل حنطة لها فقال: ما هذا؟ أمركم
стр. 5478
رسول الله ﷺ بالجهاز؟ فقالت: نعم فتجهزه، قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمّى لنا شيئًا غير أنه قد أمرنا بالجهاز.
حسن: رواه البيهقي في الدلائل (٥/ ١٢) من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٣٩٧) بدون إسناد، وفيه: ثم إن رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار، عن قريش حتى نبغتها في بلادها".
٥ - إخبار حاطب بن أبي بلتعة أهل مكة بأمر رسول الله ﷺ -
• عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، - وهو كاتب علي - يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ فَقَالَ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوا مِنْهَا". قَالَ: فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، قُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ. قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَ الثِّيَابَ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ - إِلَى نَاسٍ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ -، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا حَاطِبُ مَا هَذَا". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ - يَقُولُ: كُنْتُ حَلِيفًا - وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا - وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ لَهُمْ قَرَابَاتٌ، يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفرِ بَعْدَ الإسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَال: "إِنَّهُ قَدْ شهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شهِدَ بَدْرًا، قَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ السُّورَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١].
стр. 5479
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٢٧٤) ومسلم في فضائل الصحابة (١٦: ٢٤٩٤) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يقول: سمعت عليًّا يقول: فذكره.
قوله: "لظعينة": المرأة.
وقوله: "بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد" وفي رواية عند البخاري ومسلم "أبو مرثد الغنوي" بدل "المقداد" قال الحافظ: "فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه فذكر أحد الراويين عن علي ما لم يذكره الآخر" اهـ. الفتح (٧/ ٥٢٠) وفي رواية أخرى: "فدمعت عينا عمر" فقال: الله ورسوله أعلم.
• عن جابر بن عبد الله أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن رسول الله ﷺ أراد غزوهم، فدلّ رسول الله ﷺ على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها، وقال: "يا حاطب، أفعلت؟ " قال: نعم، أما إني لم أفعله غشًّا لرسول الله - وقال يونس: غشًّا يا رسول الله - ولا نفاقًا، قد علمت أن الله مظهر رسوله، ومتمّ له أمره، غير أني كنت عزيزًا بين ظهريهم، وكانت والدتي معهم، فأردت أن أتخذ هذا عندهم، فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟ قال: "أتقتل رجلًا من أهل بدر؟ ما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم".
صحيح: رواه أحمد (١٤٧٧٤) وأبو يعلى (٢٢٦٥) وابن حبان (٤٧٩٧) كلهم من طرق عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
واللفظ لأحمد وإسناده صحيح.
• عن عمر بن الخطاب: كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى أهل مكة، فأطلع الله عليه نبيه، فبعث عليًا والزبير في أثر الكتاب، فأدركا امرأة على بعير، فاستخرجاه من قرن من قرونها، على ما قال لهم نبي الله ﷺ ، فأرسل إلى حاطب، فقال: "يا حاطب! أنت كتبت هذا الكتاب؟ " قال: نعم يا رسول الله، قال: "ما حملك على ذلك؟ " قال: أما والله إني لناصح لله ورسوله، ولكن كنت غريبًا في أهل مكة، وكان أهلي بين ظهرانيهم فخفت عليهم، فكتبت كتابًا لا يضر الله ورسوله شيئًا، وعسى أن تكون فيه منفعة لأهلي، فقال عمر: فاخترطت سيفي فقلت: يا رسول الله! مكني من حاطب فإنه قد كفر فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : "يا ابن الخطاب! وما يدريك لعل الله اطلع على هذه العصابة من أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٢٦٩٥) والحاكم (٤/ ٧٧) كلاهما من حديث عمر بن
стр. 5480
يونس بن القاسم اليمامي، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا أبو زميل قال: قال ابن عباس، سمعت عمر بن الخطاب فذكره.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا.
إنما اتفقا على حديث عبد الله بن أبي رافع، عن علي بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير إلى روضة بغير هذا اللفظ".
قلت: إسناده حسن من أجل أبي زميل، وهو سماك بن الوليد الحنفي اليمامي فإنه من رجال مسلم، وهو حسن الحديث.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٩/ ٣٠٤): رواه أبو يعلى في الكبير والبزار، والطبراني في الأوسط باختصار، ورجالهم رجال الصحيح".
وقال البزار: قد وردت قصة حاطب من غير وجه.
• عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أتي بحاطب بن أبي بلتعة، فقال له رسول الله ﷺ : "أنت كتبت هذا الكتاب؟ " قال: نعم، أما والله، يا رسول الله! ما تغير الإيمان من قلبي، ولكن لم يكن رجل من قريش إلا وله جذم وأهل بيت يمنعون له أهله، وكتبت كتابًا رجوت أن يمنع الله بذلك أهلي، فقال عمر: ائذن لي فيه، قال: "أو كنت قاتله؟ " قال: نعم، إن أذنت لي، قال: "وما يدريك، لعله قد اطلع الله إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم".
حسن: رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٣٧٨٨٣) والإمام أحمد (٥٨٧٨) وأبو يعلى في مسنده (٥٥٢٢) كلهم عن أبي أسامة، أنا عمر بن حمزة، أخبرني سالم، أخبرني ابن عمر، أن رسول الله ﷺ فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عمر بن حمزة بن عبد الله العمري غير أنه حسن الحديث وهو من رجال مسلم.
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٠٣): "رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح".
• عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة أنه حدث أن أباه كتب إلى كفار قريش كتابًا وهو مع رسول الله ﷺ قد شهد بدرًا فدعا رسول الله ﷺ عليًّا والزبير فقال: انطلقا حتى تدركا معها كتاب فأتياني به، فانطلقا حتى لقياها فقالا أعطينا الكتاب الذي معك وأخبراها أنهما غير منصرفين حتى ينزعا كل ثوب عليها فقالت ألستما رجلين مسلمين؟ قالا: بلى ولكن رسول الله ﷺ حدثنا أن معك كتابًا فلما أيقنت أنها غير منفلتة منهما حلت الكتاب من رأسها فدفعته إليهما فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا
стр. 5481
حتى قرأ عليه الكتاب فقال: "أتعرف هذا الكتاب؟ " قال: نعم، قال: "فما حملك على ذلك؟ " قال: هناك ولدي وذو قرابتي وكنت امرءًا غريبًا فيكم مدثر قريش فقال عمر: ائذن لي في قتل حاطب فقال رسول الله ﷺ : "لا لأنه قد شهد بدرًا وأنك لا تدري لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم إني غافر لكم".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٠٦) والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٠١) كلاهما من حديث موسى بن هارون، عن هاشم بن الحارث، عن عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل إسحاق بن راشد فإن له أوهامًا في روايته عن الزهري.
إلا أنه لم يَهِمْ في هذا الحديث لشواهده.
وعبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة لم يدرك القصة، وله رؤية فقط، ولذا عُدَّ حديثه من مراسيل الصحابة، وأنه بالتأكيد سمع هذا من أبيه. والله أعلم.
٦ - باب وقت خروج النبي ﷺ إلى مكة بجيش عدده عشرة آلاف
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف، من مقدمه المدينة، فصار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون، حتى بلغ الكديد - وهو ماء بين عسفان وقديد - أفطر وأفطروا.
قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ الآخر فالآخر، هذا لفظ البخاري. واختصره مسلم وزاد: قال الزهري: فصبّح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٢٧٦) ومسلم في الصيام (٥٠٠.: ١١١٣) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس فذكره.
وأحال مسلم لفظ الحديث على الإسناد السابق وهو ما رواه من أوجه عن الليث، عن الزهري وليس فيه ذكر عدد الجيش وعام الخروج، وإنما فيه وقت دخول مكة.
ورواه محمد بن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠) مطولًا كما سيأتي.
• عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله ﷺ ، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام رسول الله ﷺ -
стр. 5482
وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين من مزينة وسليم، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد. فنزل رسول الله ﷺ مر الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش، فلا يأتهم عن رسول الله ﷺ خبر، ولا يدرون ما هو فاعل؟ ! خرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتحسسون وينظرون، هل يجدون خبرًا أو يسمعون به؟ ! وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله ﷺ ببعض الطريق. وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله! ابن عمك، وابن عمتك وصهرك قال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي، فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري، فهو الذي قال لي بمكة ما قال. فلما أخرج إليهما بذلك - ومع أبي سفيان بني له - فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما، ثم أذن لهما، فدخلا وأسلما. فلما نزل رسول الله ﷺ بمر الظهران قال العباس: واصباح قريش! والله لئن دخل رسول الله ﷺ عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت: لعلي ألقى بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة ليخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان، وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط، ولا عسكرًا. قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب. قال: يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال: فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة! فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قال: قلت: نعم. قال: ما لك فدى لك أبي وأمي؟ ! قلت: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله ﷺ في الناس. قال: واصباح قريش والله، فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ أستأمنه لك. قال: فركب خلفي ورجع صاحباه. فحركت
стр. 5483
به، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي.
فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، ودخل عمر فقال: يا رسول الله! هذا أبو سفيان، قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله! إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه فقلت: لا والله، لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلا يا عمر! والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت أنه رجل من رجال بني عبد مناف! فقال: مهلًا يا عباس! فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت إن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب فقال رسول الله ﷺ : "اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به". فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره، لقد أغنى عني شيئًا. قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ ! قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك، هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان! أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن يضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق وأسلم، قلت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئًا، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن". فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ : "يا عباس! احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها". قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه. قال: ومرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس! من هؤلاء؟
стр. 5484
فأقول؟ مزينة فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفذت القبائل لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول بنو فلان، فيقول: ما لي ولبني فلان، حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق فقال: سبحان الله يا عباس! من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا! قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قلت: النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الدسم الأحمش قبح من طليعة قوم! فقال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: ويلك وما تغني دارك؟ قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
حسن: رواه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٥ - ابن هشام) والطبراني في الكبير (٨/ ١٠ - ١٥) والسياق له - والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٣١٩ - ٣٢٢) وإسحاق كما في المطالب (٤٣٠١) كلهم من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس فذكره.
ورواه أبو داود (٣٠٢١) وصحّحه الحاكم (٣/ ٤٣ - ٤٤) من طريق محمد بن إسحاق به بعض القصة.
قال الحافظ ابن حجر في المطالب: هذا حديث صحيح. وقال: "ولم يسقه أحد من الأئمة الستة وأحمد بتمامه". وقد أشار إلى إخراج الشيخين وغرهما طرفا منه من طرق أخرى عن الزهري.
قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٣٢٢): "حديث متصل الإسناد صحيح".
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
ولكن قال عروة بن الزبير: وخرج رسول الله ﷺ في اثني عشر ألفا من المهاجرين، والأنصار، وغفار، وأسلم، ومزينة، وجهينة، وبني سليم، وقادوا الخيول حتى نزلوا بمر الظهران، أخرجه البيهقي في دلائله (٥/ ٣٦) إلا أنه مرسل.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٤): وفي مرسل عروة عند ابن إسحاق وابن عائذ: ثم خرج رسول الله ﷺ في اثني عشر ألفًا.
والصواب ما في الصحيح، وكذلك ذكر الواقدي أيضًا في المغازي (٢/ ٨٠١) وذكر عددًا
стр. 5485
لبعض القبائل التي وقف عليه فقال: كان المهاجرون سبعمائة، وكانت الأنصار أربعة آلاف، وكانت مزينة ألفًا، وكانت أسلم أربعمائة، وكانت جهينة ثمانمائة، وكانت بنو كعب بن عمرو خمسمائة.
وهذا لا ينافي ذكره عشرة آلاف مجملًا.
• عن أبي سعيد الخدري قال: آذنّا رسول الله ﷺ بالرحيل عام الفتح في ليلتين خلتا من رمضّان، فخرجنا صوامًا حتى إذا بلغنا الكديد فأمرنا رسول الله ﷺ بالفطر، فأصبح الناس منهم الصائم، ومنهم المفطر حتى إذا بلغ أدنى منزل تلقاء العدو أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعين.
صحيح: رواه أحمد (١١٨٢٥) عن أبي المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: حدثني عطية ابن قيس، عمن حدثه عن أبي سعيد فذكره.
وإسناده صحيح، والراوي المبهم هو قزعة بن يحيى، فقد أخرج البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٤) من وجه آخر عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى عن أبي سعيد فذكر مثله.
وحديث أبي سعيد يحدد خروج النبي ﷺ من المدينة وهو الثاني من رمضان، والزهري لحدد أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان، ويقتضي أن مسيرهم كان بين المدينة ومكة في إحدى عشرة ليلة.
٧ - باب ترتيب وتحديد مواقع القواد وإسلام أبي سفيان بن حرب
• عن عروة بن الزبير قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ لَكَأَنَهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: "احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ خطْمِ الجبل حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ". فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَة قَالَ: يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ غِفَارُ. قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ ثُمَّ مَرَّت جُهَيْنَةُ، قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْم، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّت سُلَيْمُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتى أَقْبَلَتْ كَتيبَة لَمْ يَرَ مِثْلَهَا، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ
стр. 5486
ابْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ! الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ. ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ، وَهْيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: "مَا قَالَ؟ ". قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: "كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْم يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْم يكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ". قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالْحَجُونِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! هَا هُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟ قَالَ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ؟ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ: حُبَيْشُ بْنُ الأَشْعَرِ، وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٨٠) عن عبيد الله بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، (هو عروة بن الزبير) قال: فذكره.
صورة الحديث: مرسل، وقد جاء في نهاية الحديث موصولًا وهو مقصود البخاري بتبويبه.
• عن أبي هريرة، قال: وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في رمضان، فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام، فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعامًا فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة، فقال: سبقتني، قلت: نعم، فدعوتهم، فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم؟ يا معشر الأنصار! ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالدا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله ﷺ في كتيبة، قال: فنظر فرآني، فقال أبو هريرة: قلت: لبيك، يا رسول الله! فقال: لا يأتيني إلا أنصاري".
زاد غير شيبان: فقال: "اهتف لي بالأنصار" قال: فأطافوا به، ووبشت قريش أوباشًا لها وأتباعًا، فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فقال رسول الله ﷺ : "ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى، ثم قال: "حتى توافوني بالصفا" قال: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحدًا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئًا، قال: فجاء أبو
стр. 5487
سفيان فقال: يا رسول الله! أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن "فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي، فلما انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار! " قالوا: لبيك، يا رسول الله لله! قال "قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته"، قالوا: قد كان ذاك، قال: "كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات مماتكم"، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله! ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأغلق الناس أبوابهم، قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، قال: وفي يد رسول الله ﷺ قوس، وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل"، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.
وفي لفظ آخر: قال: "فما اسمي إذا؟ كلا إني عبد الله ورسوله".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير "٨٤: ١٧٨٠" عن شيبان بن فرّوخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة قال: فذكره.
قوله: "المجنبتين" هما الميمنة والميسرة، ويكون القلب بينهما.
قوله: "الحسر" أي الذين لا دروع لهم.
قوله: "اهتف لي بالأنصار" أي ادعهم لي.
قوله: "أبيحت خضراء قريش "وفي رواية: "أبيدت".
وهما متقاربان أي استوطئت قريش بالقتل وأفنيت، وخضراؤهم بمعنى جماعتهم.
قوله: "إلا الضن": هو الشح.
• عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، فكان كل رجل منا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه، فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة! اليوم نوبتي، فجاؤوا إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا، فقلت: يا أبا هريرة! لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ حتى يدرك طعامنا، فقال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فجعل
стр. 5488
خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي، فقال "يا أبا هريرة! ادع لي الأنصار" فدعوتهم، فجاءوا يهرولون، فقال: "يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟ " قالوا: نعم، قال "انظروا، إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدًا" وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال "موعدكم الصفا" قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن" فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته، ونزل الوحي على رسول الله ﷺ ، قال "قلتم: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، ألا فما اسمي إذا! "ثلاث مرات" أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم"، قالوا: والله! ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله، قال "فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٨٦: ١٧٨٠) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت، عن عبد الله بن رباح قال: فذكره.
• عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فلو جعلت له شيئًا، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن".
حسن: رواه أبو داود (٣٠٢١) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣١) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
قال الواقدي: وعسكر رسول الله ﷺ ببئر أبي عنبة، وعقد الألوية والرايات، فكان في المهاجرين ثلاث رايات - راية مع الزبير، وراية مع علي، وراية مع سعد بن أبي وقاص.
وكان في الأوس بني عبد الأشهل راية مع أبي نائلة، وفي بني ظفر راية مع قتادة بن النعمان وفي بني حارثة راية مع أبي بردة بن نيار، وفي بني معاوية راية مع جبر بن عتيك، وفي بني خطمة راية مع أبي لبابة بن عبد المنذر، وفي بني أمية راية مع مبيّض، وفي بني ساعدة راية مع أبي أسيد الساعدي، وفي بني الحارث بن الخزرج راية مع عبد الله بن زيد، وفي بني سلمة راية مع قطبة بن
стр. 5489
عامر بن حديدة، وفي بني مالك بن النجار راية مع عمارة بن حزم، وفي بني مازن راية مع سليط بن قيس، وفي بني دينار راية يحملها (بياض) مغازي الواقدي (٢/ ٨٠٠).
٨ - إسلام أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ وغيره من زعماء قريش
• عن ابن عباس قال: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية قد لقيا رسول الله ﷺ أيضًا بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه، فكلّمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله! ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: "لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال" قال: فلما خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بني له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما، وأنشد أبو سفيان قوله في إسلامه، واعتذر إليه مما كان مضى منه:
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليلُه ... فهذا أواني حين أُهدى وأهتدي
هداني هاد غيرُ نفسي ونالني ... مع الله من طردت كل مطرد
أصد وأنأى جاهدًا عن محمد ... وأُدعى وإن لم أَنَتسِب من محمد
هُم ما هم من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذا رأي يُلم ويفنَّد
أريد لأَرْضِيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أُهَد في كل مقعد
فقل لثقيف لا أريد قتالها ... وقل لثقيف تلك غيري أوعِدي
فما كنت في الجيش الذي نال عامرًا ... وما كان عن جرّا لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة ... نزائع جاءت من سهام وسردد
قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله ﷺ ونالني مع الله من طردت كل مطرد، ضرب رسول الله بيده في صدره وقال: "أنت طردتني كل مطرد".
حسن: رواه الحاكم (٣/ ٤٣ - ٤٤) وعنه البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧ - ٢٨) من حديث يونس بن
стр. 5490
بكير، عن ابن إسحاق قال: حَدَّثَنِي الزّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس فذكره، وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠) من هذا الوجه مطولًا.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأبو سفيان بن الحارث أخو رسول الله ﷺ من الرضاعة أرضعتهما حليمة وابن عمه، ثمّ عامل النَّبِيّ ﷺ بمعاملات قبيحة. وهجاه غير مرة حتَّى أجابه حسان بن ثابت بقصيدته التي يقول فيها:
هجوت محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
والحديث والقصيدة بطولها مخرجة في الحديث الصَّحيح لمسلم ﵀. وقد كان حسان بن ثابت يستأذن رسول الله ﷺ أن يهجوه فلا يأذن له" انتهى قول الحاكم.
• عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبلِ" فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَال: "اهْجُهُمْ" فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنٍ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذنَبِهِ، ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَعْجَلْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي" فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ! قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعَجِينِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لا يَزَال يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ"، وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى" قَال حَسَّانُ:
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُول اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
ثَكِلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ
يُبَارِينَ الْأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظِّمَاءُ
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ
стр. 5491
وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ ... يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ... هُمْ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ
لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٤٩٠: ١٥٧) عن عبد الملك بن شعيب بن اللّيث، حَدَّثَنِي أبي، عن جدي، حدثنىِ خالد بن يزيد، حَدَّثَنِي سعيد بن أبي هلال، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، فذكرته.
٩ - باب نزول النَّبِيّ ﷺ في خيف بني كنانة يوم الفتح
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "منزلنا - إن شاء الله إذا فتح الله - الخيف، حيث تقاسموا على الكفر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٨٤) ومسلم في الحجّ (٣٤٥: ١٣١٤) كلاهما من طريق أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: فذكره.
قوله: "حيث تقاسموا على الكفر" أي تحالفوا وتعاهدوا على مقاطعة بني هاشم والمطلب حتَّى يسلموا إليهم النَّبِيّ ﷺ .
والخيف: هو المكان الذي تعاقدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم والمسلمين، وهو خيف بني كنانة وهو الحجون ويعرف اليوم بالمحصب، لأن داره أخذها عقيل بن أبي طالب، ولم يرث عليّ وجعفر شيئًا من أجل إسلامهما.
• عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله! أين ننزل غدًا؟ قال النَّبِيّ ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ " ثمّ قال: "لا يرث المؤمن الكافر، ولا يرث الكافر المؤمن" قيل للزهري: من ورث أبا طالب؟ قال: ورثه عقيل وطالب.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٨٣، ٤٢٨٢) ومسلم في الحجّ (٤٤٠: ١٣٥١) الجزء الأوّل - وأمّا الجزء الثاني ففي كتاب الفرائض (١: ١٦١٤) كلاهما من طريق الزّهري، عن عليّ بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد قال: فذكره.
стр. 5492
١٠ - دخول النَّبِيّ ﷺ مكة من كداء
• عن عائشة أن النَّبِيّ ﷺ أخبرته أن النَّبِيّ ﷺ دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٩٠) ومسلم في الحجّ (١٢٥٨: ٢٢٥) كلاهما من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته.
١١ - باب صفة دخول رسول الله ﷺ مكة
• عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل مكة، وعلى رأسه المغفر، فلمّا نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: "اقتلوه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الحجّ (١٨٤٦) ومسلم في الحجّ (١٣٥٧) كلاهما من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك فذكره.
• عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله ﷺ دخل مكة - أي يوم فتح مكة - وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٥٨) من طرق عن معاوية بن عمار الدهني، عن أبيِ الزُّبير، عن جابر فذكره.
• عن عمرو بن حريث أن رسول الله ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٥٩) من طريقين عن وكيع، عن مساور الوراق، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه فذكره.
ورواه من طريق ثالث عن أبي أسامة، عن مساور الوراق وفيه: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على المنبر، وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه.
ورواه النسائيّ (٥٣٤٣) من وجه رابع عن سفيان عن مساور الوراق وفيه: "عمامة حرقانية".
وحرقانية: هي التي على لون ما أحرقته النّار - يعني به سواد.
ولا منافاة بين وجود المغفر على الرأس، والعمامة، فإن المغفر كان فوق العمامة
١٢ - باب ما جاء في لوائه ﷺ يوم فتح مكة
رُوي عن جابر أن النَّبِيّ ﷺ دخل مكة ولواؤه أبيض. إِلَّا أنه غير محفوظ.
رواه الترمذيّ (١٦٧٩) وأبو داود (٢٥٩٢) والنسائي (٢٨٦٦) وابن ماجة (٢٨١٧) والبيهقي (٦/ ٣٦٢) وصحّحه ابن حبَّان (٤٧٤٣) والحاكم (٢/ ١٠٤) كلّهم من طرق عن يحيى بن آدم، عن شريك، عن عمار الدهني، عن أبي الزُّبير، عن جابر بن عبد الله فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إِلَّا من حديث يحيى بن آدم، عن شريك".
стр. 5493
قال: وسألت محمدًا (أي البخاريّ) عن هذا الحديث، فلم يعرفه إِلَّا من حديث يحيى بن آدم، عن شريك، وقال: حَدَّثَنَا غير واحد عن شريك، عن عمار، عن أبي الزُّبير، عن جابر أن النَّبِيّ ﷺ دخل مكة، وعليه عمامة سوداء. قال محمد: والحديث هو هذا. انتهى كلامه.
وهو كما قال، فقد رواه غير واحد عن شريك به بذكر العمامة، منهم عليّ بن حكيم الأودي، وحديثه عند مسلم (١٣٥٨: ... ) والفضل بن دُكين، وحديثه عند النسائيّ (٥٣٤٥).
١٣ - دخول النَّبِيّ ﷺ مكة وهو يقرأ سورة الفتح
• عن عبد الله بن مغفل المزني قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الفتح على ناقة له يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قال: فترجع فيها قال؟ ثمّ قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفل وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجّعت كما رجّع ابن مغفل يحكي النَّبِيّ ﷺ فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: آآ آثلاث مرات.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٤٠) ومسلم في صلاة المسافرين (٢٣٧: ٧٩٤) كلاهما من طريق شعبة، عن معاوية بن قرّة، عن عبد الله بن مغفل المزني قال: فذكره.
١٤ - يوم الفتح يوم تعظيم الكعبة
• عن عروة بن الزُّبير لما قال سعد بن عبادة لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال النَّبِيّ ﷺ : "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة".
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٨٠) عن عبيد بن إسماعيل حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، قال: فذكره في حديث طويل.
وقوله: "كذب" أي أخطأ.
١٥ - باب صرف النَّبِيّ ﷺ قيس بن سعد من الموضع الذي هو فيه
• عن أنس بن مالك قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة، كان قيس في مقدمته، فكلم سعد (يعني أباه) رسول الله ﷺ أن يصرفه عن الموضع الذي هو فيه، مخافة أن يقدم على شيء، فصرفه عن ذلك.
حسن: رواه البزّار - كشف الأستار (١٨١٩) عن محمد بن المثنى، ثنا محمد بن عبد الله، حَدَّثَنِي أبي، عن ثمامة، عن أنس فذكره.
وإسناده حسن من أجل ثمامة وهو ابن عبد الله بن أنس بن مالك حسن الحديث. وهو من رجال الصَّحيح.
стр. 5494
وقد أشار الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٧٥) فقال: رجاله رجال الصَّحيح.
وقال الحافظ في الفتح (٨/ ٩): إسناده على شرط البخاريّ.
وذكر أصحاب السير أن الراية كانت أولا بيد سعد بن عبادة، فأُخذتْ منه وأُعطيتْ ابنه قيس، ثمّ أُخذتْ منه على طلب أبيه، وأُعطيتْ الزُّبير بن العوام.
١٦ - باب طواف النَّبِيّ ﷺ يوم الفتح
• عن صفية بنت شيبة قالت: لما اطمأن النَّبِيّ ﷺ بمكة عام الفتح طاف على بعير يستلم الركن بمحجن في يده، وأنا أنظر إليه.
حسن: رواه أبو داود (١٨٧٨) من حديث محمد بن إسحاق وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٤١١) قال: حَدَّثَنِي محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. واللّفظ لأبي داود، وهو مختصر، ولفظ ابن إسحاق في سيرة ابن هشام وهو الآتي:
١٧ - مفتاح باب الكعبة
• عن صفية بنت شيبة أن رسول الله ﷺ لما نزل مكة، واطمأن الناس، خرج حتَّى جاء البيت فطاف به سبعًا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلمّا قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثمّ طرحها، ثمّ وقف على باب الكعبة، وقد استكف له الناس في المسجد.
حسن: رواه ابن إسحاق - السيرة لابن هشام (٢/ ٤١١ - ٤١٢) قال: حَدَّثَنِي محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة فذكرته. وإسناده حسن من أجل تصريح ابن إسحاق.
ثمّ ذكر ابن إسحاق عفو النَّبِيّ ﷺ عن أهل مكة كما سيأتي.
١٨ - باب إزالة الأصنام من حول الكعبة
• عن عبد الله قال: دخل النَّبِيّ ﷺ مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نُصبًا، فجعل يطعنها بعود كان بيده ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١].
متفق عليه: رواه البخاريّ في المظالم (٢٤٧٨) ومسلم في الجهاد (١٧٨١) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود فذكره.
стр. 5495
• عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال النَّبِيّ ﷺ : "قاتلهم الله، لقد علموا ما استقسما بهما قطّ" ثمّ دخل البيت فكبّر في نواحي البيت وخرج ولم يصل فيه.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٨٨) عن إسحاق (هو ابن منصور) حَدَّثَنَا عبد الصمد (هو ابن عبد الوارث) قال: حَدَّثَنِي أبي، حَدَّثَنِي أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فذكره.
والأزلام: سهام كانت العرب في الجاهليّة تكتب على بعضها: افعل، وعلى الآخر: لا تفعل، وتضعها في وعاء، فإذا أراد أحدهم أمرًا أدخل يده، وأخرج سهمًا، فإن خرج ما فيه الأمر مضى لقصده، وإن خرج ما فيه النهي كف.
• عن ابن عباس قال: دخل النَّبِيّ ﷺ البيت، وجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال: "أما لهم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مصور، فما له يستقسم؟ "
صحيح: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٣٥١) عن يحيى بن سليمان قال: حَدَّثَنِي ابن وهب، قال: أخبرني عمرو أن بكيرًا حدّثه عن كريب مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس قال: فذكره.
والاستقسام: طلب القِسم الذي قُسم له وقُدّر مما لم يُقسم ولم يُقدر، وكانوا إذا أراد أحدهم سفرًا، أو تزويجًا، أو نحو ذلك من المهام ضرب بالأزلام وهي القدح، وكان على بعضها مكتوب: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، وعلى الآخر: غُفل، فإن خرج "أمرني" مضى لشأنه، وإن خرج "نهاني" أمسك، وإن خرج "غفل" عاد فأجالها، وضرب بها أخرى إلى أن يخرج الأمر أو النهي، انظر: النهاية.
• عن جابر قال: دخلنا مع النَّبِيّ ﷺ مكة، وفي البيت وحول البيت ثلاث مائة وستون صنمًا تعبد من دون الله، قال: فأمر بها رسول الله ﷺ فكبّت كلها لوجوهها، ثمّ قال: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] ثمّ دخل رسول الله ﷺ البيت، فصلى فيه ركعتين، فرأى فيه تمثال إبراهيم، وإسماعيل وإسحاق، وقد جعلوا في يد إبراهيم الأزلام يستقسم بها، فقال رسول الله ﷺ : "قاتلهم الله، ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام" ثمّ دعا رسول الله ﷺ بزعفران فلطّخه بتلك التماثيل.
حسن: رواه ابن أبي شيبة (٣٨٠٦٠) عن شبابة بن سوّار، قال: حَدَّثَنَا المغيرة بن مسلم، عن أبي الزُّبير، عن جابر فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي الزُّبير.
стр. 5496
وحسّنه أيضًا الحافظ في المطالب العالية (٣٤٠٣).
وقوله: "ثمّ دعا رسول الله ﷺ بزعفران فلطّخه بتلك التماثيل" فيه غرابة.
١٩ - باب قول النَّبِيّ ﷺ لأهل مكة: "أنتم الطلقاء "
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة، فقال: "لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إِلَّا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها.
يا معشر قريش! إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب"، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
ثمّ قال: يا معشر قريش! "ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا: خيرًا أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
ثمّ جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه عليّ بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله! اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : "أين عثمان بن طلحة؟ " فدعي له فقال: "هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء" السيرة لابن هشام (٢/ ٤١٢).
ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤١ - ١٤٢) بإسناده عن الزّهري، عن بعض آل عمر بن الخطّاب وقال فيه رسول الله ﷺ : "مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] " وفيه شيهخ الزهري مبهم.
ولقد عُرف أهل مكة في التاريخ بالطلقاء كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
• عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن، ومع رسول الله ﷺ عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا. فذكر الحديث بطوله وسيأتي بكامله.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٣٣) ومسلم في الزّكاة (١٣٥: ١٠٥٩) كلاهما عن ابن عون، عن هشام بن زيد بن أنس، عن أنس بن مالك فذكره.
• عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ : "المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة".
حسن: رواه أحمد (١٩٢١٥) والطَّبرانيّ في الكبير (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧) وصحّحه ابن حبَّان (٧٢٦٠) كلّهم من طريق عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن جرير قال: فذكره. وإسناده
стр. 5497
حسن من أجل الكلام في عاصم بن أبي النجود وهو ابن بهدلة غير أنه حسن الحديث.
٢٠ - باب لا يقتل قرشي بعد اليوم صبرًا، ولا تغزى مكة بعد اليوم أبدًا
• عن مطيع بن الأسود قال: سمعت النَّبِيّ ﷺ يوم فتح مكة: "لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة".
وزاد في رواية فقال: ولم يكن أسلم أحد من عصاة قريش غير مطيع، كان اسمه العاصي، فسماه رسول الله ﷺ مطيعًا.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٨٨: ١٧٨٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عليّ بن مسهر ووكيع، عن زكريا، عن الشعبي قال: أخبرني عبد الله بن مطيع، عن أبيه قال: فذكره.
ورواه مسلم (٨٩: ١٧٨٢) عن ابن نمير، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا زكريا بهذا الإسناد، وزاد: قال: ولم يكن أسلم ......
وأخرجه الإمام أحمد (١٥٤٠٨) والطَّبرانيّ في الكبير (٢٠/ ٢٩٢) والطحاوي في مشكله (١٥٠٨) كلّهم من حديث ابن إسحاق، حَدَّثَنِي شعبة بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي السفر، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن مطيع بن الأسود - أخي بني عدي بن كعب - عن أبيه مطيع، وكان اسمه العاص فسماه رسول الله ﷺ مطيعا، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ حين أمر بقتل هؤلاء الرهط بمكة يقول: "لا تغزى مكة بعد هذا العام أبدًا، ولا يقتل رجل من قريش بعد العام صبرًا أبدًا".
وهذا إسناد حسن من أجل تصريح ابن إسحاق. ولقوله: "لا تغزى مكة بعد هذا العام أبدًا" شاهد من حديث الحارث بن مالك بن البرصاء، وهو الآتي:
• عن الحارث بن مالك بن البرصاء قال: سمعت النَّبِيّ ﷺ يوم فتح مكة يقول: "لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة".
صحيح: رواه الترمذيّ (١٦١١) وأحمد (١٥٤٠٤) والحاكم (٣/ ٦٢٧) كلّهم من حديث زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن الحارث بن مالك بن البرصاء فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وهو حديث زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي، فلا نعرفه إِلَّا من حديثه".
والظاهر أن الشعبي له شيخان في هذا الحديث: الحارث بن مالك بن البرصاء، كان يروي حديث غزو مكة، وعبد الله بن مطيع، كان يُروي عن أبيه حديث غزو مكة، وحديث قتل القرشي صبرًا، وكان يجمع بينهما مرة، ويفرق أخرى.
ومعنى الحديث: لا يقتل قرشي كفرًا وارتدادًا بعد دخولهم في الإسلام يوم الفتح، وليس المراد أنهم لا يقتلون ظلمًا صبرًا، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم. أفاده النوويّ.
стр. 5498
وقال سفيان بن عيينة: إنهم لا يكفرون أبدًا، ولا يغزون على الكفر، ذكره الطحاويّ في مشكل الآثار (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
وكذلك قوله: "لا تغزى مكة بعد اليوم" أي على الكفر.
٢١ - باب خُطَب النَّبِيّ ﷺ يوم الفتح
الخطبة الأولى
• عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهليّة لم يزده الإسلام إِلَّا شدة".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٥٣٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير وأبو أسامة، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم فذكره. هذا مختصر وذكره عبد الله بن عمرو بن العاص مطوَّلًا.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ خطب الناس عام الفتح، على درجة الكعبة، فكان فيما قال: بعد أن أثنى على الله، أن قال: "يا أيها الناس! كل حلف كان في الجاهليّة لم يزده الإسلام إِلَّا شدة، ولا حلف في الإسلام، ولا هجرة بعد الفتح، يد المسلمين واحدة على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ودية الكافر كنصف دية المسلم، ألا ولا شغار في الإسلام، ولا جَنَبَ ولا جَلَبَ، وتؤخذ صدقاتهم في ديارهم، يجير على المسلمين أدناهم، ويرد على المسلمين أقصاهم" ثمّ نزل.
حسن: رواه الإمام أحمد (٧٠١٢) عن إبراهيم بن أبي العباس وحسين بن محمد قالا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: "كفوا السلاح إِلَّا خزاعة عن بني بكر" فأذَّن لهم حتَّى صلى العصر ثمّ قال: "كفوا السلاح" فلقي رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبًا فقال، ورأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة، قال: "إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهليّة" فقام إليه رجل، فقال: إن فلانًا ابني، فقال رسول الله ﷺ : "لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهليّة الولد للفراش وللعاهر الأثلب" قالوا: وما الأثلب؟ قال: "الحجر"
стр. 5499
قال: "وفي الأصابع عشر عشر وفي المواضح خمس خمس" قال: وقال: "لا صلاة بعد الغداة حتَّى تطلع الشّمس ولا صلاة بعد العصر حتَّى تغرب الشّمس" قال: "ولا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا يجوز لمرأة عطية إِلَّا بإذن زوجها".
وفي رواية: لما فتح على رسول الله ﷺ مكة قال: "كفوا السلاح إِلَّا خزاعة عن بني بكر" فأذَّن لهم حتَّى صلوا العصر، ثمّ قال: "كفوا السلاح" فلقي من الغد رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبًا فقال: "إن أعدى الناس على الله من عدا في الحرم ومن قتل غير قاتله ومن قتل بذحول الجاهليّة" فقال رجل: يا رسول الله! إن ابني فلانًا عاهرت بأمه في الجاهليّة؟ فقال: "لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهليّة الولد للفراش وللعاهر الأثلب" قيل: يا رسول الله، وما الأثلب؟ قال: "الحجر، وفي الأصابع عشر عشر، وفي المواضح خمس خمس، ولا صلاة بعد الصبح حتَّى تشرق الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتَّى تغرب الشّمس، ولا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا يجوز لمرأة عطية إِلَّا بإذن زوجها، أوفوا بحلف الجاهليّة، فإن الإسلام لم يزده إِلَّا شدة، ولا تحدثوا حلفًا في الإسلام".
حسن: رواه أحمد (٦٦٩٢، ٦٩٣٣، ٦٦٨١) وابن الجارود (١٠٥٢) والبيهقي (٢٥٤٢) كلّهم من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره مطوَّلًا ومختصرًا وفي بعض طرقه محمد بن إسحاق إِلَّا أنه صرّح بالتحديث عن عمرو بن شعيب، كما أنه لم ينفرد بل توبع، تابعه حسين المعلم وغيره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
وقد انفرد بذكر (فأذن لهم حتَّى صلاة العصر) ولم أجد له متابعة في السنن والمسانيد.
• عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أن النَّبِيّ ﷺ خطب يوم فتح مكة، فقال: "لا إله إِلَّا الله وحده، نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" قال هُشيم مرة أخرى: "الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهليّة، تعد وتدعى، وكل دم أو دعوى موضوعة تحت قدمي هاتين، إِلَّا سدانة البيت، وسقاية الحاج، ألا وإن قتيل خطأ العمد" قال هُشيم مرة: "بالسوط والعصا والحجر دية مغلظة: مئة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها" وقال مرة: "أربعون من ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة".
стр. 5500
صحيح: رواه أحمد (١٥٣٨٨) عن هُشيم، أخبرنا خالد، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن، عن عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ فذكره. وإسناده صحيح. وخالد هو الحذاء.
والصحابي المبهم هو عبد الله بن عمرو بن العاص وقد تلقى أصحاب السنن هذه الخطبة بالقبول فأخرجوها في كتبهم مطوَّلًا ومختصرًا، كما سبق ذكره في كتاب الحدود والديات.
وفي الباب ما رُوي عن عبد الله بن عمر قال: كانت خزاعة حلفاء لرسول الله ﷺ وكانت بنو بكر - رهط من بني كنانة - حلفاء لأبي سفيان فذكر الحديث وقال: ففتح الله مكة، فلمّا دخلها أسند ظهره إلى الكعبة فقال: "كفوا السلاح إِلَّا خزاعة عن بكر" ولم يذكر فيه إلى صلاة العصر، فذكر الحديث بنحوه.
رواه ابن حبَّان (٥٩٩٦) بإسناده، وفيه سنان بن الحارث بن مصرف ذكره ابن حبَّان في ثقاته، وأخرج عنه، ولم يوثقه غيره، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يقل فيه شيئًا.
الخطبة الثانية
• عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ! أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ يَوْمَ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: أنه حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، لَا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وِإنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ" فَقِيلَ لأَبِي شرَيْحٍ: مَاذَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ! إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٩٥) ومسلم في الحجّ (٤٤٦: ١٣٥٤) كلاهما من طريق اللّيث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد: فذكره.
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح، فتح مكة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" وقال: "إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إِلَّا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه
следующие страницы →