Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
وحسّنه أيضًا الحافظ في المطالب العالية (٣٤٠٣).
وقوله: "ثمّ دعا رسول الله ﷺ بزعفران فلطّخه بتلك التماثيل" فيه غرابة.
١٩ - باب قول النَّبِيّ ﷺ لأهل مكة: "أنتم الطلقاء "
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة، فقال: "لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إِلَّا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها.
يا معشر قريش! إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهليّة، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب"، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
ثمّ قال: يا معشر قريش! "ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا: خيرًا أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
ثمّ جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه عليّ بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله! اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : "أين عثمان بن طلحة؟ " فدعي له فقال: "هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء" السيرة لابن هشام (٢/ ٤١٢).
ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤١ - ١٤٢) بإسناده عن الزّهري، عن بعض آل عمر بن الخطّاب وقال فيه رسول الله ﷺ : "مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] " وفيه شيهخ الزهري مبهم.
ولقد عُرف أهل مكة في التاريخ بالطلقاء كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
• عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن، ومع رسول الله ﷺ عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا. فذكر الحديث بطوله وسيأتي بكامله.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٣٣) ومسلم في الزّكاة (١٣٥: ١٠٥٩) كلاهما عن ابن عون، عن هشام بن زيد بن أنس، عن أنس بن مالك فذكره.
• عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ : "المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة".
حسن: رواه أحمد (١٩٢١٥) والطَّبرانيّ في الكبير (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧) وصحّحه ابن حبَّان (٧٢٦٠) كلّهم من طريق عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن جرير قال: فذكره. وإسناده
стр. 5497
حسن من أجل الكلام في عاصم بن أبي النجود وهو ابن بهدلة غير أنه حسن الحديث.
٢٠ - باب لا يقتل قرشي بعد اليوم صبرًا، ولا تغزى مكة بعد اليوم أبدًا
• عن مطيع بن الأسود قال: سمعت النَّبِيّ ﷺ يوم فتح مكة: "لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة".
وزاد في رواية فقال: ولم يكن أسلم أحد من عصاة قريش غير مطيع، كان اسمه العاصي، فسماه رسول الله ﷺ مطيعًا.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٨٨: ١٧٨٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عليّ بن مسهر ووكيع، عن زكريا، عن الشعبي قال: أخبرني عبد الله بن مطيع، عن أبيه قال: فذكره.
ورواه مسلم (٨٩: ١٧٨٢) عن ابن نمير، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا زكريا بهذا الإسناد، وزاد: قال: ولم يكن أسلم ......
وأخرجه الإمام أحمد (١٥٤٠٨) والطَّبرانيّ في الكبير (٢٠/ ٢٩٢) والطحاوي في مشكله (١٥٠٨) كلّهم من حديث ابن إسحاق، حَدَّثَنِي شعبة بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي السفر، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن مطيع بن الأسود - أخي بني عدي بن كعب - عن أبيه مطيع، وكان اسمه العاص فسماه رسول الله ﷺ مطيعا، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ حين أمر بقتل هؤلاء الرهط بمكة يقول: "لا تغزى مكة بعد هذا العام أبدًا، ولا يقتل رجل من قريش بعد العام صبرًا أبدًا".
وهذا إسناد حسن من أجل تصريح ابن إسحاق. ولقوله: "لا تغزى مكة بعد هذا العام أبدًا" شاهد من حديث الحارث بن مالك بن البرصاء، وهو الآتي:
• عن الحارث بن مالك بن البرصاء قال: سمعت النَّبِيّ ﷺ يوم فتح مكة يقول: "لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة".
صحيح: رواه الترمذيّ (١٦١١) وأحمد (١٥٤٠٤) والحاكم (٣/ ٦٢٧) كلّهم من حديث زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن الحارث بن مالك بن البرصاء فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وهو حديث زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي، فلا نعرفه إِلَّا من حديثه".
والظاهر أن الشعبي له شيخان في هذا الحديث: الحارث بن مالك بن البرصاء، كان يروي حديث غزو مكة، وعبد الله بن مطيع، كان يُروي عن أبيه حديث غزو مكة، وحديث قتل القرشي صبرًا، وكان يجمع بينهما مرة، ويفرق أخرى.
ومعنى الحديث: لا يقتل قرشي كفرًا وارتدادًا بعد دخولهم في الإسلام يوم الفتح، وليس المراد أنهم لا يقتلون ظلمًا صبرًا، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم. أفاده النوويّ.
стр. 5498
وقال سفيان بن عيينة: إنهم لا يكفرون أبدًا، ولا يغزون على الكفر، ذكره الطحاويّ في مشكل الآثار (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
وكذلك قوله: "لا تغزى مكة بعد اليوم" أي على الكفر.
٢١ - باب خُطَب النَّبِيّ ﷺ يوم الفتح
الخطبة الأولى
• عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهليّة لم يزده الإسلام إِلَّا شدة".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٥٣٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير وأبو أسامة، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم فذكره. هذا مختصر وذكره عبد الله بن عمرو بن العاص مطوَّلًا.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ خطب الناس عام الفتح، على درجة الكعبة، فكان فيما قال: بعد أن أثنى على الله، أن قال: "يا أيها الناس! كل حلف كان في الجاهليّة لم يزده الإسلام إِلَّا شدة، ولا حلف في الإسلام، ولا هجرة بعد الفتح، يد المسلمين واحدة على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ودية الكافر كنصف دية المسلم، ألا ولا شغار في الإسلام، ولا جَنَبَ ولا جَلَبَ، وتؤخذ صدقاتهم في ديارهم، يجير على المسلمين أدناهم، ويرد على المسلمين أقصاهم" ثمّ نزل.
حسن: رواه الإمام أحمد (٧٠١٢) عن إبراهيم بن أبي العباس وحسين بن محمد قالا: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: "كفوا السلاح إِلَّا خزاعة عن بني بكر" فأذَّن لهم حتَّى صلى العصر ثمّ قال: "كفوا السلاح" فلقي رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبًا فقال، ورأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة، قال: "إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهليّة" فقام إليه رجل، فقال: إن فلانًا ابني، فقال رسول الله ﷺ : "لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهليّة الولد للفراش وللعاهر الأثلب" قالوا: وما الأثلب؟ قال: "الحجر"
стр. 5499
قال: "وفي الأصابع عشر عشر وفي المواضح خمس خمس" قال: وقال: "لا صلاة بعد الغداة حتَّى تطلع الشّمس ولا صلاة بعد العصر حتَّى تغرب الشّمس" قال: "ولا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا يجوز لمرأة عطية إِلَّا بإذن زوجها".
وفي رواية: لما فتح على رسول الله ﷺ مكة قال: "كفوا السلاح إِلَّا خزاعة عن بني بكر" فأذَّن لهم حتَّى صلوا العصر، ثمّ قال: "كفوا السلاح" فلقي من الغد رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبًا فقال: "إن أعدى الناس على الله من عدا في الحرم ومن قتل غير قاتله ومن قتل بذحول الجاهليّة" فقال رجل: يا رسول الله! إن ابني فلانًا عاهرت بأمه في الجاهليّة؟ فقال: "لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهليّة الولد للفراش وللعاهر الأثلب" قيل: يا رسول الله، وما الأثلب؟ قال: "الحجر، وفي الأصابع عشر عشر، وفي المواضح خمس خمس، ولا صلاة بعد الصبح حتَّى تشرق الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتَّى تغرب الشّمس، ولا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا يجوز لمرأة عطية إِلَّا بإذن زوجها، أوفوا بحلف الجاهليّة، فإن الإسلام لم يزده إِلَّا شدة، ولا تحدثوا حلفًا في الإسلام".
حسن: رواه أحمد (٦٦٩٢، ٦٩٣٣، ٦٦٨١) وابن الجارود (١٠٥٢) والبيهقي (٢٥٤٢) كلّهم من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره مطوَّلًا ومختصرًا وفي بعض طرقه محمد بن إسحاق إِلَّا أنه صرّح بالتحديث عن عمرو بن شعيب، كما أنه لم ينفرد بل توبع، تابعه حسين المعلم وغيره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث.
وقد انفرد بذكر (فأذن لهم حتَّى صلاة العصر) ولم أجد له متابعة في السنن والمسانيد.
• عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ أن النَّبِيّ ﷺ خطب يوم فتح مكة، فقال: "لا إله إِلَّا الله وحده، نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" قال هُشيم مرة أخرى: "الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهليّة، تعد وتدعى، وكل دم أو دعوى موضوعة تحت قدمي هاتين، إِلَّا سدانة البيت، وسقاية الحاج، ألا وإن قتيل خطأ العمد" قال هُشيم مرة: "بالسوط والعصا والحجر دية مغلظة: مئة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها" وقال مرة: "أربعون من ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة".
стр. 5500
صحيح: رواه أحمد (١٥٣٨٨) عن هُشيم، أخبرنا خالد، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن، عن عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ فذكره. وإسناده صحيح. وخالد هو الحذاء.
والصحابي المبهم هو عبد الله بن عمرو بن العاص وقد تلقى أصحاب السنن هذه الخطبة بالقبول فأخرجوها في كتبهم مطوَّلًا ومختصرًا، كما سبق ذكره في كتاب الحدود والديات.
وفي الباب ما رُوي عن عبد الله بن عمر قال: كانت خزاعة حلفاء لرسول الله ﷺ وكانت بنو بكر - رهط من بني كنانة - حلفاء لأبي سفيان فذكر الحديث وقال: ففتح الله مكة، فلمّا دخلها أسند ظهره إلى الكعبة فقال: "كفوا السلاح إِلَّا خزاعة عن بكر" ولم يذكر فيه إلى صلاة العصر، فذكر الحديث بنحوه.
رواه ابن حبَّان (٥٩٩٦) بإسناده، وفيه سنان بن الحارث بن مصرف ذكره ابن حبَّان في ثقاته، وأخرج عنه، ولم يوثقه غيره، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يقل فيه شيئًا.
الخطبة الثانية
• عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ! أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ يَوْمَ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: أنه حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، لَا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وِإنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ" فَقِيلَ لأَبِي شرَيْحٍ: مَاذَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ! إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٩٥) ومسلم في الحجّ (٤٤٦: ١٣٥٤) كلاهما من طريق اللّيث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد: فذكره.
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح، فتح مكة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" وقال: "إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إِلَّا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه
стр. 5501
ولا ينفّر صيده، ولا يلتقط لقطته إِلَّا من عرّفها، ولا يختلى خلاها".
فقال العباس: يا رسول الله! إِلَّا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: "إِلَّا الإذخر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في جزاء الصيد (١٨٣٤) ومسلم في الحجّ (١٣٥٣) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس فذكره.
الخطبة الثالثة
• عن أبي هريرة قال: لما فتح الله على رسوله مكة، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، فإنها لا تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لا تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إِلَّا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى، وإما أن يقيد".
فقال العباس: إِلَّا الإذخر، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا فقال رسول الله ﷺ : "إِلَّا الإذخر" فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال: اكتبوا لي يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللقطة (٢٤٣٤) ومسلم في الحجّ (١٣٥٥) كلاهما من حديث الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حَدَّثَنِي يحيى بن أبي كثير، حَدَّثَنِي أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكره.
قال الوليد: فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ .
وعندهما: البخاريّ (١١٢) ومسلم (١٣٥٥) من حديث شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النَّبِيّ ﷺ فركب راحلته فخطب فقال: فذكر نحوه.
الخطبة الرابعة
• عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ عام الفتح وهو بمكة: "إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: "لا، هو حرام" ثمّ قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه".
стр. 5502
متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٢٣٦) ومسلم في المساقاة (١٥٨١) كلاهما عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله فذكره.
٢٢ - باب مبادرة الناس بالإسلام بعد فتح مكة
• عَنْ عَمْرِو بْنِ سلِمَةَ، قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا. فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمِ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْل الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْم بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: "صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا" فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنَي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّون عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ. فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَىْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٠٢) عن سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته فسألته فقال: فذكره.
٢٣ - باب بيعة رجالٍ ونساءٍ رسولَ الله ﷺ يوم الفتح
• عن مجاشع بن مسعود السلمي قال: جئت بأخي أبي معبد إلى رسول الله ﷺ بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله! بايعه على الهجرة قال: "قد مضت الهجرة بأهلها" قلت: فبأي شيء تبايعه؟ قال: "على الإسلام والجهاد والخير".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٠٥ - ٤٣٠٦) ومسلم في الجهاد (٨٤: ١٨٦٣) كلاهما من حديث عاصم، عن أبي عثمان، قال: حَدَّثَنِي مجاشع بن مسعود فذكره.
قال أبو عثمان: فلقيت أبا معبد فأخبرته بقول مجاشع فقال: صدق.
• عن أبي الأسود أنه رأى النَّبِيّ ﷺ يبايع الناس يوم الفتح، قال: جلس عند قرن مسفلة، فبايع الناس على الإسلام والشهادة قال: قلت: وما الشهادة؟ قال: أخبرني
стр. 5503
محمد بن الأسود بن خلف أنه بايعهم على الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.
حسن: رواه أحمد (١٥٤٣١) عن عبد الرزّاق وهو في المصنف (٩٨٢٠) والحاكم (٣/ ٢٩٦) قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خنيم أن محمد بن الأسود بن خلف أخبره، أن أباه الأسود رأى النَّبِيّ ﷺ فذكره.
ورواه البيهقيّ في الدلائل (٥/ ٩٤) من وجه آخر عن ابن جريج وزاد فيه: فجاءه الصغار والكبار، والرجال والنساء، فبايعوه على الإسلام والشهادة.
وسكت عليه الحاكم.
وإسناده حسن من أجل محمد بن الأسود بن خلف ذكره البخاريّ في التاريخ (١/ ٢٩) وقال: عداده في المكيين، وذكر له حديثين آخرين، يعني أنه عرفه. ووثّقه ابن حبَّان، وهو عمدة الحافظ الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ٣٧) في قوله: رجاله ثقات.
• عن عائشة أخبرت عن بيعة النساء قالت: ما مسّ رسول الله ﷺ بيده امرأة قطّ، إِلَّا أن يأخذ عليها، فإذا أخذ عليها فأعطته قال: "اذهبي فقد بايعتك".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد (٨٩: ١٨٦٦) من طرق عن ابن وهب، حَدَّثَنِي مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة أخبرته فذكرته.
• عن أميمة بنت رقيقة أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة على الإسلام فقلن: يا رسول الله! نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف فقال رسول الله ﷺ : "فيما استطعتن وأطعتنّ" قالت: فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا هلم نبايعك يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "إنِّي لا أصافح النساء، إنّما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي: لامرأة واحدة".
صحيح: رواه مالك في البيعة (٢) عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة قالت: فذكرته.
ورواه الترمذيّ (١٥٩٧) وابن ماجة (٢٨٧٤) والنسائي (٧/ ١٤٩) وأحمد (٢٧٠٠٦) وصحّحه ابن حبَّان (٤٥٥٣) كلّهم من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر بإسناده مثله واللّفظ لمالك، ومن طريقه رواه ابن حبَّان، ورواه الحاكم (٤/ ٧١) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن المنكدر.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إِلَّا من حديث محمد بن المنكدر نحوه، وروى سفيان الثوري ومالك بن أنس وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن المنكدر نحوه. وسألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: لا أعرف لأميمة بنت رقيقة غير هذا الحديث، وأميمة امرأة
стр. 5504
أخرى لها حديث عن رسول الله ﷺ ".
قال الواقدي: "رقيقة أمها، هي أخت خديجة بنت خويلد وهي خالة فاطمة بنت النَّبِيّ ﷺ ".
• عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة بن ربيعة تبايع النَّبِيّ ﷺ ، حمه فأخذ عليها: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] قالت: فوضعت يدها على رأسها حياءً، فأعجب النَّبِيّ ﷺ ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرّي أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إِلَّا على هذا، قالت: فنعم إذًا، فبايعها بالآية.
صحيح: رواه أحمد (٢٥١٧٥) عن عبد الرزّاق - وهو في مصنفه (٩٨٢٧) ومن طريقه أيضًا ابن حبَّان (٤٥٥٤) والبزّار - كشف الأستار (٧٠) قال: أخبرنا معمر، عن الزهري - أو غيره - عن عروة، عن عائشة فذكرته. ومنهم من رواه بالجزم بأنه عن الزهري. وإسناده صحيح.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ ، كان لا يصافح النساء في البيعة.
حسن: رواه أحمد (٦٩٩٨) عن عتّاب بن زيد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا أسامة بن زيد، حَدَّثَنِي عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو فذكره.
وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد وعمرو بن شعيب فإنهما حسنا الحديث.
• عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي لست أصافح النساء في البيعة".
حسن: رواه أحمد (٢٧٥٩٤) عن وكيع، حَدَّثَنَا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد فذكرته.
وإسناده حسن من أجل شهر بن حوشب فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، والحديث روي مطوَّلًا انظر كتاب الإمارة.
وقوله: "كان لا يصافح النساء في البيعة" أي كان يأخذ ميثاقهن بالقول دون المصافحة.
٢٤ - إسلام أبي قحافة
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما وقف رسول الله ﷺ بذي طوى، قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية أظهري بي على أبي قبيس. قال: وقد كف بصره. قالت: فأشرفت به عليه، فقال: يا بنية ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعًا قال: تلك الخيل قالت: وأرى رجلًا يسعى بين ذلك السواد مقبلًا ومدبرًا، قال: يا بنية! ذلك الوازع - يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها - قالت: قد والله انتشر السواد، قال: قد والله! إذًا دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، وفي عنق الجارية طوق من ورق فتلقاها رجل فاقتلعه من
стр. 5505
عنقها قالت: فلمّا دخل رسول الله ﷺ مكة، ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه، فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: "هلا تركت الشّيخ في بيته حتَّى أكون أنا آتيه فيه؟ " فقال أبو بكر: يا رسول الله! هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه، قال: فأجلسه بين يديه، ثمّ مسح صدره ثمّ قال له: "أسلم" فأسلم، ودخل به أبو بكر على رسول الله ﷺ ورأسه كأنّها ثغامة، فقال رسول الله ﷺ : "غيروا هذا من شعره" ثمّ قام أبو بكر فأخذ بيد أخته، فقال: أنشد بالله والإسلام طوق أختي، فلم يجبه أحد، فقال: يا أخية، احتسبي طوقك.
حسن: رواه أحمد (٢٦٩٥٦) والطَّبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٨٨ - ٨٩) وصحّحه ابن حبَّان (٧٢٠٨) والحاكم (٣/ ٤٦ - ٤٧) كلّهم من طرق عن ابن إسحاق وهو في سيرة ابن هشام - (٢/ ٤٠٥) قال: حَدَّثَنِي يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبي بكر فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
• سئل أنس بن مالك عن خضاب رسول الله ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ لم يكن شاب إِلَّا يسيرًا، ولكن أبا بكر وعمر بعده خضبا بالحناء والكتم، قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة يحمله حتَّى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "لو أقررت الشّيخ في بيته لأتيناه" تكرمه لأبي بكر، فأسلم ولحيته ورأسه كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ : "غيروهما وجنبوه السواد".
صحيح: رواه أحمد (١٢٦٣٥) والبزّار - كشف الأستار (٢٩٨١) وأبو يعلى (٢٨٣١) وصحّحه ابن حبَّان (٥٤٧٢) والحاكم (٣/ ٢٤٤) كلّهم من حديث بن سلمة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: سئل أنس فذكره. واللّفظ لأحمد. وإسناده صحيح.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين.
قلت: محمد بن سلمة هو الحراني شيخ أحمد الباهلي، لم يرو عنه سوى مسلم.
وقال الحاكم: قال ابن وهب (وهو معطوف على الإسناد السابق) وأخبرني عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ هنّأ أبا بكر بإسلام أبيه.
رجاله ثقات، عمر بن محمد هو ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب من رجال الصَّحيح.
وهي سنة عزيزة لولا فيه إرسال، فإن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطّاب تابعي ثقة وكان يرسل.
وأمّا مسألة الاجتناب من السواد فستأتي في موضعها.
стр. 5506
٢٥ - إسلام هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان
• عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة فقالت: يا رسول الله! والله ما كان على ظهر الأرض خباء أحب إليّ من أن يذلّوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم على ظهر الأرض خباء أحب إلي من أن يعزّوا من أهل خبائك، فقال رسول الله ﷺ : "وأيضًا، والذي نفسي بيده! " ثمّ قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل مسّيك، فهل عليَّ حرج من أن أطعم من الذي له، عِيالَنا؟ فقال لها: "لا، إِلَّا بالمعروف".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٤١) ومسلم في الأقضية (١٧١٤: ٩) كلاهما من حديث ابن شهاب الزّهري، حَدَّثَنِي عروة بن الزُّبير، أن عائشة قالت: واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
و"الخباء" - البيت.
٢٦ - باب أسلم أهل مكة جميعًا فلم يغنم المسلمون
• عن وهب بن منبه قال: سألت جابرًا: هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا.
حسن: رواه أبو داود (٣٠٢٣) وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤٣) من طريق إسماعيل، يعني ابن عبد الكريم، حَدَّثَنِي إبراهيم بن عقيل بن معقل، عن أبيه، عن وهب بن منبه فذكره.
وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن عبد الكريم، وإبراهيم بن معقل وأبيه، فإن كلا منهم حسن الحديث.
وحسّن إسناده أيضًا ابن حجر في الفتح (٨/ ١٣).
٢٧ - باب أمان المرأة
• عن أم هانئ تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، فسلمت عليه فقال: "من هذه؟ " فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: "مرحبًا بأم هانئ" فلمّا فرغ من غسله قام فصلى ثمان ركعات ملتحفًا في ثوب واحد فقلت: يا رسول الله! زعم ابن أمي عليّ أنه قاتل رجلًا قد أجرته فلانُ بن هُبَيْرة، فقال رسول الله ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" قالت أم هانئ: وذلك ضحى.
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الضحى (٣٥٩) عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ أخبره، أنه سمع أم هانئ تقول: فذكرته.
ورواه البخاريّ في الجزية (٣١٧١) ومسلم في الغسل (٣٣٦) كلاهما من حديث مالك إِلَّا أن مسلمًا اختصره فلم يذكر الأمان ولا الصّلاة.
стр. 5507
٢٨ - صلاة الضحى في بيت أم هانئ
• عن أم هانئ: أن النَّبِيّ ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة، فصلى ثمان ركعات، ما رأيته صلى صلاة قطّ أخف منها، غير أنه كان يتم الركوع والسجود.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٩٢) ومسلم في صلاة المسافرين (٨٠: ٣٣٦) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرة بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النَّبِيّ ﷺ يُصَلِّي الضحى إِلَّا أم هانئ فإنها حدثت: فذكرته.
الجمع بين الحديثين الذي قبله وبين هذا أنه ﷺ صلى في بيته الذي نزل فيه وجاءت أم هانئ تشتكي عليّ بن أبي طالب، ثمّ نزل النَّبِيّ ﷺ في بيتها زائرًا، فصلى فيه أيضًا، وهي تخبر ما رأت في منزل النَّبِيّ ﷺ وما رأت في بيتها.
٢٩ - باب من أمر بالقتل يوم الفتح
• عن أنس بن مالك أن النَّبِيّ ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلمّا نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: "أقتله".
قال مالك: ولم يكن رسول الله ﷺ فيما يرى - والله أعلم - يومئذ محرمًا.
متفق عليه: رواه مالك في الحجّ (٢٤٧) عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: فذكره.
ورواه البخاريّ في المغازي (٤٢٨٦) ومسلم في الحجّ (٤٥: ١٣٥٧) كلاهما من طريق مالك به.
• عن أبي برزة الأسلمي يقول: قتلت عبد العزّى بن خطل، وهو متعلق بستر الكعبة.
حسن: رواه أحمد (١٩٧٩٤) عن إسماعيل، حَدَّثَنِي شداد بن سعيد قال: حَدَّثَنِي جابر بن عمرو الراسبي قال: سمعت أبا برزة الأسلمي فذكره.
إسماعيل هو ابن علية.
وإسناده حسن من أجل جابر بن عمرو وأبو الوازع الراسبي مختلف فيه فوثقه أحمد وذكره ابن حبَّان في الثّقات، وتكلم فيه ابن معين والنسائي غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف. ولكن وقع الخلاف في اسم قاتل ابن خطل ورجح الواقدي أنه أبو برزة الأسلمي، وجزم محمد بن إسحاق بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله. وسبق بعض الكلام في كتاب المرتد.
• عَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ آمن رسول الله ﷺ الناس إِلَّا أربعة نفر وامرأتين وسماهم، وابن أبي سرح، فذكر الحديث قال: وأمّا ابن أبي سرح فإنه اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فلمّا دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رسول الله ﷺ فَقَالَ: يَا نبي الله! بَايعْ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى
стр. 5508
فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصحَابِهِ فَقَالَ: "أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ" فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسولَ اللَّهِ! مَا فِي نَفْسِكَ، أَلَّا أَوْمَأتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ قَالَ: "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ".
قال أبو داود: كان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة، وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه، ضربه عثمان الحد إذ شرب الخمر.
صحيح: رواه أبو داود (٢٦٨٣) عن عثمان بن أبي شيبة قال: حَدَّثَنَا أحمد بن المفضل، قال: حَدَّثَنَا أسباط بن نصر، قال: زعم السدي، عن مصعب بن سعد، عن سعد فذكره. وأخرجه النسائيّ (٤٠٦٧) من وجه آخر عن أحمد بن المفضل.
وممن أمر بالقتل يوم الفتح: عكرمة بن أبي جهل.
وإسناده صحيح. انظر للمزيد كتاب المرتد.
وفي الباب عن سعيد بن يربوع المخزومي قال: إن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "أمن الناس إِلَّا هؤلاء الأربعة فلا يؤمنون في حل ولا حرم ابن خطل ومقيس بن صبابة المخزومي وعبد الله بن أبي سرح وابن نقيذ" فأما ابن خطل فقتله الزُّبير بن العوام وأمّا عبد الله بن أبي سرح فاستأمن له عثمان ﵁ فأومن وكان أخاه من الرضاعة فلم يقتل ومقيس بن صبابة قتله ابن عم له أحد قد سماه وقتل عليّ ﵁ ابن نقيذ وقينتين كانتا لمقيس فقتلت إحداهما وأفلتت الأخرى وأسلمت.
رواه أبو داود (٢٦٨٤) والدارقطني (٤/ ١٦٨) والبيهقي (٩/ ٢١٢، ١٢٠) من طريق عن زيد بن الحباب، أخبرنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي، حَدَّثَنِي جدي، عن أبيه فذكره. واللّفظ للبيهقي. ولفظ أبي داود والدارقطني مختصر.
وفي إسناده عمر بن عثمان بن عبد الرحمن وقيل: عمرو كما في رواية أبي داود والصواب الأوّل. كما قال أبو داود في كتاب التفرد فيما نقل عن المزي، ولم يوثقه أحد إِلَّا أن ابن حبَّان ذكره في ثقاته، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم أجد له متابعًا.
قال الواقدي: الذين أمر النَّبِيّ ﷺ بقتلهم ستة نفر، وأربع نسوة:
١ - عكرمة بن أبي جهل.
٢ - هبار بن الأسود.
٣ - عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
٤ - مقيس بن صبابة الليثي.
٥ - حويرث بن نقيذ.
٦ - عبد الله بن هلال بن خطل الأدرمي.
стр. 5509
٧ - هند بنت عتبة بن ربيعة.
٨ - سارة مولاة عمرو بن هاشم.
٩ - و ١٠ - قينتين لابن خطل وهما: قرينا، وقريبة.
المغازي (٢/ ٧٢٥)
وقال الحافظ ابن حجر: وقد جمعت أسماءهم من مفرقات الأخبار وهم: فذكرهم.
ثمّ قال: فأما ابن أبي سرح فكان أسلم، ثمّ ارتد، ثمّ شفع فيه عثمان يوم الفتح إلى النَّبِيّ ﷺ فحقن دمه، وقبل إسلامه.
وأمّا عكرمة ففر إلى اليمن، فتبعته امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فرجع معها بأمان من رسول الله ﷺ .
وأمّا الحويرث فكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ بمكة فقتله عليّ يوم الفتح.
وأمّا مقيس بن صبابة فكان أسلم، ثمّ عدا على رجل من الأنصار فقتله، وكان الأنصاري قتل أخاه هشامًا خطأ، فجاء مقيس فأخذ الدية، ثمّ قتل الأنصاري، ثمّ ارتد، فقتله ثميلة بن عبد الله يوم الفتح.
وأمّا هبار فكان شديد الأذى للمسلمين، وعرض لزينب بنت رسول الله ﷺ لما هاجرت، فنخس بعيرها فأسقطت، ولم يزل ذلك المرض بها حتَّى ماتت، فلمّا كان يوم الفتح بعد أن أهدر النَّبِيّ ﷺ دمه، أعلن بالإسلام، فقبل منه، فعفا عنه.
وأمّا القينتان فاستؤمن لإحداهما فأسلمت، وقتلت الأخرى.
وأمّا سارة فأسلمت، وعاشت إلى خلافة عمر، وقال الحميدي: بل قتلت.
قال: وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه: الحارث بن طلاطل الخزاعي قتله عليّ.
وذكر الحاكم: أيضًا ممن أهدر دمه كعب بن زهير، وقصته مشهورة، وقد جاء بعد ذلك، وأسلم ومدح، ووحشي بن حرب، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان وأسلمت، وأرنب مولاة ابن خطل أيضًا قتلت، وأم سعد قتلت فيما ذكر ابن إسحاق فكملت العدة ثمانية رجال، وست نسوة. انتهى.
الفتح (٨/ ١١ - ١٢) وسبق ذكر من قتل وارتد في كتاب المرتد.
٣٠ - صلاة النَّبِيّ ﷺ في الكعبة المشرفة
• عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفًا أسامة بن زيد، ومعه بلال ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة حتَّى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت، ففتح ودخل رسول الله ﷺ ومعه أسامة وبلال وعثمان، فمكث فيها نهارًا طويلًا، ثمّ خرج فاستبق الناس، وكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا، فسأله: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ فأشار
стр. 5510
له إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد الله: فنسيت أن أسأله: كم صلى من سجدة؟
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٩٨٨) ومسلم في الحجّ (٣٨٨: ١٣٢٩) كلاهما من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر قال: فذكره.
٣١ - باب ما جاء أنه ﷺ كبّر في نواحي البيت ولم يصل فيه
• عن ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ لما قدم أبى أن يدخل البيت، وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله ﷺ : "قاتلهم الله، أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قطّ" فدخل البيت فكبر في نواحيه، ولم يصل فيه.
صحيح: رواه البخاريّ في الحجّ (١٦٠١) عن أبي معمر، حَدَّثَنَا عبد الوارث، حَدَّثَنَا أيوب، حَدَّثَنَا عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وقول عبد الله بن عمر مقدم على قول ابن عباس لأنه مثبت، وابن عباس ينفي، والجمع ممكن.
قال ابن حجر: وابن عباس لم يكن مع النَّبِيّ ﷺ وإنما أسند نفيه تارة لأسامة وتارة لأخيه الفضل مع أنه لم يثبت أن الفضل كان معهم إِلَّا في رواية شاذة.
ثمّ نقل الجمع بين حديث أسامة وبلال عن النوويّ وغيره أنه قال: ويجمع بين إثبات بلال ونفي بلال بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النَّبِيّ ﷺ يدعو فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية والنبي ﷺ في ناحية، ثمّ صلى النَّبِيّ ﷺ فرآه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة فنفاها عملًا بظنه، وقال المحب الطبريّ: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته انتهى.
ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة، قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة فرأى صورًا فدعا بدلو من ماء فأتيته به فضرب به الصّور، فهذا الإسناد جيد. الفتح (٣/ ٤٦٨)
٣٢ - باب قصة المرأة المخزومية في غزوة الفتح
• عن عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النَّبِيّ ﷺ في غزوة الفتح فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ فقالوا: ومن يجترئ عليه إِلَّا أسامة بن زيد، حب رسول الله ﷺ فأتي بها رسول الله ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله! فلمّا كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله
стр. 5511
بما هو أهله، ثمّ قال: "أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثمّ أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٠٤) ومسلم في الحدود (٨: ١٦٨٨) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزُّبير، عن عائشة قالت: فذكرته.
٣٣ - باب من استشهد من المسلمين يوم الفتح
• عن عروة بن الزُّبير قال: أمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كَداء، ودخل النَّبِيّ ﷺ من كُدَا، فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان: حبيش بن الأشعر، وكرْز بن جابر الفهري.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٨٠) عن عبيد بن إسماعيل حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، فذكره في حديث مطول.
ذكر ابن إسحاق: إن هذين الرجلين سلكا طريقًا فشذا عن عسكر خالد فقتلهما المشركون يومئذ.
٣٤ - عدد من قتل من المشركين يوم الفتح
لم يرد بإسناد صحيح عدد قتلى المشركين.
فقيل: قتل قريب من عشرين رجلًا، وقيل أربعة وعشرون رجلًا، وقيل سبعون رجلًا، وقيل غير ذلك.
ذكره الواقدي في المغازي (٢/ ٨٢٧ - ٨٢٨) وموسى بن عقبة وعنه البيهقيّ في السنن الكبرى (٩/ ١٢٠) وغيرها بأسانيد لا يصح منها شيء.
وإنما الصَّحيح هو ما قاله أبو سفيان بن حرب: يا رسول الله! أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، رواه مسلم (١٧٨٠) في حديث طويل.
وفيه إشارة إلى أن عددًا من المشركين قد قتلوا.
٣٥ - باب أن مكة فتحت صلحًا لا عنوة
• عن جابر أنه سئل: هل غنمتم يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا.
حسن: رواه أبو داود (٣٠٢٣) عن الحسن بن الصبّاح، حَدَّثَنَا إسماعيل - يعني ابن عبد الكريم، حَدَّثَنِي إبراهيم بن عقيل بن معقل، عن أبيه، عن وهب بن منبه قال: سألت جابرًا فذكره.
стр. 5512
وإسناده حسن من أجل إبراهيم بن عقيل بن معقل الصنعاني فإنه صدوق.
وحسّنه أيضًا الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٣) وفيه دليل لمن قال: إن مكة فتحت صلحًا، وفي المسألة تفاصيل في كتب الفقه.
وفي الحديث دليل على أن مكة فتحت صلحًا، وقتل خالد بن الوليد عددًا من المشركين لم يجعله عنوة، لأن ذلك كان اجتهادًا منه، ودفاعًا عن النفس، ولم يكن ذلك بأمر النَّبِيّ ﷺ ، ولذلك لم يجر فيها قسم غنيمة ولا سبي أهلها.
٣٦ - باب مدة مقام النَّبِيّ ﷺ بمكة زمن الفتح
• عن عبد الله بن عباس قال: أقام النَّبِيّ ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يصلّي ركعتين.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٩٨) عن عبدان، أخبرنا عبد الله (هو ابن المبارك) أخبرنا عاصم (هو ابن سليمان الأحول) عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس قال: فذكره.
وقال ابن إدريس: حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم بن شهاب ومحمد بن عليّ بن الحسين وعاصم بن عمر بن قتادة وعمرو بن شعيب وعبد الله بن أبي بكر قالوا: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة أقام بها خمسة عشر. "المعرفة والتاريخ" للفسوي (٣/ ٢٩٦) والسيرة لابن هشام (٢/ ٤٣٧).
قال البيهقيّ في الدلائل (٥/ ٢٤، ٢٤) هذا منقطع، والأصح رواية ابن المبارك، عن عاصم الأحول التي اعتمدها البخاريّ رحمه الله تعالى.
٣٧ - باب اشتغال النَّبِيّ ﷺ يوم الفتح
• عن بريدة بن الحصيب أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: "عَمْدًا صنَعْتُهُ يَا عُمَرُ".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٧٧) من طرق عن سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، فذكره.
ورواه ابن ماجة (٥١٠) وابن خزيمة (١٣) كلاهما من حديث سفيان الثوري، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة إِلَّا يوم فتح مكة، فإنه شغل، فجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد.
واللّفظ لابن خزيمة، وقال: غريب غريب. يعني المشهور أنه من حديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، كما عند مسلم.
стр. 5513
جموع ما جاء في الأحداث التي بين فتح مكة وبين غزوة حنين والطائف
١ - سرية حمزة بن عمرو الأسلمي إلى هبَّار بن الأسود وصاحبه الذين تعرضا لزينب بنت النَّبِيّ ﷺ -
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْثٍ، فَقَالَ: "إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ" ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: "إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا".
صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٣٠١٦) عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا اللّيث، عن بكير، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره.
وزاد الترمذيّ (١٥٧١): "لرجلين من قريش".
وقوله: "فلانًا وفلانًا" الأوّل اسمه: هبَّار بن الأسود الذي آذى زينب بنت رسول الله ﷺ حين خرجت من مكة مهاجرة إلى المدينة، فإنه لم يزل يطعن بعيرها برمحه حتَّى صرعها، وألقت ما في بطنها، وأهريقت دما.
والثاني اسمه: نافع بن قيس.
وهذا البعث بعثه رسول الله ﷺ بإمرة حمزة بن عمرو الأسلمي. انظر: الفتح (٦/ ١٤٩). ولم يدركوا هبارا وصاحبه فرجعوا.
وأسلم هبار بالجعرانة، وذلك بعد فتح مكة، ثمّ قدم المدينة. انظر للمزيد الإصابة (٨٩٦٩).
• عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ وَرَهْطًا مَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ عُذْرَةَ فَقَالَ: "إِنْ قَدَرْتُمْ عَلَى فُلَانٍ فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ" فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا تَوَارَوْا مِنْهُ نَادَاهُمْ أَوْ أَرْسلَ فِي أَثَرِهِمْ فَرَدُّوهُمْ ثُمَّ قَالَ: "إِنْ أَنْتُمْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ فَاقْتُلُوهُ وَلَا تُحْرِقُوهُ بِالنَّارِ، فَإِنَّمَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ رَبُّ النَّارِ".
صحيح: رواه أحمد (١٦٠٣٥، ١٦٠٣٦) من طرق عن ابن جريج، قال: أخبرني زياد بن سعد، أن أبا الزّناد، قال: أخبرني حنظلة بن علي، عن حمزة بن عمرو الأسلمي، فذكره. وإسناده صحيح.
قال البخاريّ: "حديث حمزة بن عمرو الأسلمي في هذا الحديث أصح" علل الترمذيّ الكبير (٢/ ٦٧٥).
стр. 5514
ورواه أبو داود (٢٦٧٣)، وأحمد (١٦٠٣٤) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزّناد قال: حَدَّثَنِي محمد بن حمزة الأسلمي، عن أبيه، فذكر نحوه.
فسمى المغيرة شيخ أبي الزّناد: محمد بن حمزة الأسلمي، وزياد بن سعد سماه حنظلة بن علي، وزياد أوثق بكثير من المغيرة، ثمّ إن محمد بن حمزة الأسلمي روى عنه جمع، ولكن لم ينص على توثيقه أحد إِلَّا أن ابن حبَّان ذكره في ثقاته، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي: عند المتابعة.
وقد توبع لكن ذلك من الاختلاف على أبي الزّناد كما سبق، ومع ذلك قال ابن حجر في الفتح (٦/ ١٤٩) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح.
يعني أن لأبي الزّناد شيخين، ولا يترجح أحدهما على الآخر.
٢ - باب سرية خالد بن الوليد لهدم العزى
• عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد بن الوليد، وكانت على تلال السمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثمّ أتى النَّبِيّ ﷺ فأخبره فقال: "ارجع فإنك لم تصنع شيئًا" فرجع خالد، فلمّا نظرت إليه السدنة، وهم حجابها أمعنوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه، وإلَّا فموتي برغم! قال: فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها فعممها بالسيف حتَّى قتلها، ثمّ رجع إلى النَّبِيّ ﷺ فأخبره قال: "تلك العزى".
حسن: رواه أبو يعلى (٩٠٢) واللّفظ له، والنسائي في الكبرى (١١٤٨٣) كلاهما من حديث محمد بن الفضيل، حَدَّثَنَا الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل فذكره.
وزاد النسائيّ: فرجع خالد، فلمّا بصرت به السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الجبل وهو يقولون: يا عزى يا عزى، فأتاها خالد - فذكر نحوه.
وإسناده حسن من أجل الوليد بن جميع - وهو الوليد بن عبد الله بن جميع، نسب إلى جده -؛ فإنه حسن الحديث، فقد وثَّقه ابن معين والعجلي وقال أحمد: ليس به بأس.
وقال ابن إسحاق: ثمّ بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى العزى، وكانت بيتًا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر، وكان سدنتها وحجّابها من بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، فلمّا سمع حاجبها السلمي بمسير خالد بن الوليد إليها علّق سيفه عليها، ثمّ اشتد في الجبل الذي هي فيه وهو يقول:
стр. 5515
أيا عزّى شدّي شدّة لا شوى لها ... على خالد ألقي القناع وشمّري
أيا عزى إن لم تقتلي المرء خالدًا ... فبوئي بإثم عاجل أو تُنصّري
سيرة ابن هشام (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧)
وقال غيره: وكان آخر سادن للعزى "ذبية بن حرمي السلمي ثمّ الشيباني" قتله خالد بن الوليد بعد هدمه الوثن والبيت وقطعه الشجرة أو الشجرات الثلاث.
وقال الواقدي: وأقبل خالد بالسيف إليها وهو يقول:
يا عُزَّ كُفرانَكِ لا سُبحانَكِ ... إنِّي وجدتُ اللهَ قد أهانَكِ
قال: فضربها بالسيف فجزلها باثنتين، ثمّ رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: "نعم! تلك العُزّى وقد يئست أن تُعبدَ ببلادكم أبدًا" ثمّ قال خالد: أيْ رسول الله، الحمدُ لله الذي أكرمنا بك، وأنقذنا من الهَلَكة، إني كنت أرى أبي يأتي إلى العُزّى بحتره، مئة من الإبل والغنم، فيذبحها للعُزّى، ويقيم عندها ثلاثًا ثمّ ينصرف إلينا مسرورًا، فنظرتُ إلى ما مات عليه أبي، وذلك الرأي الذي كان يُعاش في فضله، كيف خُدع حتَّى صار يذبح لحجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ هذا الأمرَ إلى الله، فمَنْ يسَّرَهُ للهدى تيسر، ومَنْ يُسِّرَه للضلالة كان فيها" وكان هدمها لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان. مغازي الواقدي (٣/ ٨٧٤)
٣ - سرية عمرو بن العاص إلى سواع
كانت سرية عمرو بن العاص إلى سواع في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ .
قالوا: بعث النَّبِيّ ﷺ حين فتح مكة عمرو بن العاص إلى سواع، صنم هذيل، ليهدمه. قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قلت: لم؟ قال: تمنع! قلت: حتَّى الآن أنت في الباطل! ويحك وهل يسمع أو يبصر! قال: فدنوت منه فكسرته، وأمرت أصحابي، فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئًا، ثمّ قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
انظر: طبقات ابن سعد (٢/ ١ ٤٦).
٤ - سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة
كانت سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول ﷺ .
قالوا: بعث رسول الله ﷺ حين فتح مكة سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمشلل للأوس والخزرج وغسان، فلمّا كان يوم الفتح بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأشهلي يهدمها، فخرج في عشرين فارسًا حتَّى انتهى إليها، وعليها سادن، فقال السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة! قال:
стр. 5516
أنت وذاك! فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فقال السادن: مناة دونك بعض غضباتك! ويضربها سعد بن زيد الأشهلي وقتلها ويقبل إلى الصنم معه أصحابه فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئًا، وانصرف راجعًا إلى رسول الله ﷺ ، وكان ذلك لست بقين من شهر رمضان. طبقات ابن سعد (٢/ ١٤٦ - ١٤٧).
٥ - سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة
لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى ورسول الله ﷺ مقيم بمكة بعثه إلى بني جذيمة في ثلاثمائة وخمسين رجلًا في شوال سنة ثمان.
انظر: طبقات ابن سعد (٢/ ١٤٧).
• عن ابن عمر بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا. فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأنَا، صَبَأنَا. فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَاهُ، فرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ" مَرَّتَيْنِ.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٣٩) عن محمود، حَدَّثَنَا عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن الزّهري، عن سالم، عن أبيه فذكره.
وهو في مصنف عبد الرزّاق (٩٤٣٤).
وجذيمة - بفتح الجيم، وكسر المعجمة - ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة، وهذا البعث كان عقب فتح مكة في شوال قبل الخروج إلى حنين. لأن النَّبِيّ ﷺ بعث خالدًا داعيًا، ولم يبعثه مقاتلا، فوطئ بني جذيمة فأصاب منهم.
ذكره ابن إسحاق، السيرة لابن هشام (٢/ ٤٢٨).
وقال: حَدَّثَنِي حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن عليّ قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيًا، ولم يبعثه مقاتلًا، ومعه قبائل من العرب: سليم بن منصور ومدلج بن مرة، فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة فلمّا رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا، إِلَّا أنه مرسل، وذكر أيضًا قول جحْدم: ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد والله! ما بعد وضع السلاح إِلَّا الإسار، وما بعد الإسار إِلَّا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبدًا.
ثمّ رواه أيضًا من مرسل أبي جعفر محمد بن عليّ قال: فلمّا وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند
стр. 5517
ذلك، فكتّفوا، ثمّ عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. فلمّا انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السماء ثمّ قال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد".
• عَنْ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمَئِذٍ فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لِي فَتًى مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ، وَهُوَ فِي سِنِّي، وَقَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِرُمَّةٍ وَنِسْوَةٌ مُجْتَمِعَاتٌ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْهُ: يَا فَتَى، فَقُلْتُ: مَا تَشَاءُ؟ قَالَ: هَلْ أَنْتَ آخِذٌ بِهَذِهِ الرُّمَّةِ، فَقَائِدِي إلَى هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ حَتَّى أَقْضِيَ إلَيْهِنَ حَاجَةً، ثُمَّ تَرُدَّنِي بَعْدُ، فَتَصْنَعُوا بِي مَا بَدَا لَكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَيَسِيرٌ مَا طَلَبْتَ. فَأَخَذْتُ بِرُمَّتِهِ فَقُدْتُهُ بِهَا، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِنَّ، فَقَالَ: اسْلَمِي حُبَيْشِ، عَلَى نَفَذٍ مِنْ الْعَيْشِ:
أَرَيْتُكِ إذْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ ... بِحَلْيَةَ أَوْ أَلْفَيْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ
أَلَمْ يَكُ أَهْلًا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ ... تَكَلَّفَ إدْلَاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ
فَلَا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْتُ إذْ أَهْلُنَا مَعًا ... أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ إحْدَى الصَّفَائِقِ
أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ أَنْ تَشْحَطَ النَّوَى ... وَيَنْأَى الْأَمِيرُ بِالْحَبِيبِ الْمُفارِقِ
فَإِنِّي لَا ضَيَّعْتُ سِرَّ أَمَانَةٍ وَلَا ... رَاقَ عَيْني عَنْكَ بَعْدَكَ رَائِقُ
سِوَى أَنَّ مَا نَالَ الْعَشِيرَةَ شَاغِلٌ ... عَنْ الْوُدِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّوَامُقُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ، (قَالَ) قَالَتْ: وَأَنْتَ فَحُيِّيتُ سَبْعًا وَعَشْرًا، وِتْرًا وَثَمَانِيًا تَتْرَى. قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفْتُ بِهِ. فَضرِبَتْ عُنُقُهُ.
حسن: رواه محمد بن إسحاق قال: حَدَّثَنِي يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، عن الزّهري، عن ابن أبي حدرد الأسلمي قال: فذكره. سيرة ابن هشام (٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
وإسناده حسن من أجل تصريح محمد بن إسحاق إِلَّا أني أخشى فيه من الانقطاع بين الزهري وبين ابن أبي حدرد، واسمه عبد الله بن أبي حدرد. ثمّ وقفت على روايات أخرى وفيها زيادة "عن أبيه" هكذا رواه أبو نعيم في معرفة الصّحابة (٤٠٨٩) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١١٥) والخرائطي في اعتلال القلوب (٢٥١) وهكذا نقله أيضًا ابن حجر في الإصابة (٤٦٤٣) وبهذا ثبت الإسناد.
قال ابن إسحاق: فحدثني أبو فراس بن أبي سنبلة الأسلمي عن أشياخ منهم عمن كان حضرها منهم، قالوا: فقامت إليه حين ضربت عنقه، فاكبتْ عليه، فما زالت تقبّله حتَّى ماتت عنده.
стр. 5518
• عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ بعث سرية، قال: فغنموا، وفيهم رجل، فقال لهم: إني لست منهم، عشقت امرأة فلحقتها، فدعوني أنظر إليها نظرة، ثمّ اصنعوا بي ما بدا لكم، فإذا امرأة طويلة أدماء، فقال لها: اسلمي حبيش قبل نفاذ العيش:
أرأيتك لو تبعتكم فلحقتكم ... حلية أو أدركتكم بالخوانق
ألم يك حقًّا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق
قالت: نعم فديتك، قال: فقدموه فضربوا عنقه، فجاءت المرأة، فوقفت عليه، فشهقت شهقة أو شهقتين ثمّ ماتت. فلمّا قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه الخبر فقال رسول الله ﷺ : "أما كان فيكم رجل رحيم".
حسن. رواه النسائيّ في الكبرى (٨٦١٠) ومن طريقه البيهقيّ في الدلائل (٥/ ١١٨) عن محمد بن عليّ بن حرب المروزي - ولقبه ترك - قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل عليّ بن الحسين بن واقد وأبيه الحسين فإنهما حسنا الحديث.
وصحّحه الحافظ في الفتح (٨/ ٥٨)
٦ - سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين
كانت سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين: صنم عمرو بن حممة الدوسي في شوال سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ .
قالوا: لما أراد رسول الله ﷺ السير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين، صنم عمرو بن حممة الدوسي، يهدمه، وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعًا إلى قومه فهدم ذا الكفين وجعل يحش النّار في وجهه ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حششت النّار في فؤادكا
قال: وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعًا فوافوا النَّبِيّ ﷺ بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام، وقدم بدبابة ومنجنيق، وقال: يا معشر الأزد! من يحمل رايتكم؟ فقال الطفيل: من كان يحملها في الجاهليّة النعمان بن بازية اللهبي؛ قال: أصبتم.
الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٥٧ - ١٥٨).
стр. 5519
جموع ما جاء في غزوة حنين والطائف
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥، ٢٦].
ذكر ابن إسحاق أن خروج النَّبِيّ ﷺ إلى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان. ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" (٦/ ٥).
وقال الواقدي في المغازي (٣/ ٨٨٩): ثمّ غدا يوم السبت لست ليال خلون من شوال، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد يُصَلِّي بهم، ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه، وانتهى إلى حنين في عاشره".
وحنين: واد إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة عرفات. ويعرف اليوم بالشرائع، بل يسمى رأسه الصدر، وأسفله الشرائع، "المعالم الأثيرة للشرّاب".
وهوازن: قبيلة مضرية عدنانية في شمال الجزيرة تفرعت منها فروع كثيرة - أشهرها ثقيف التي استقرت في مدينة الطائف.
١ - باب سبب خروج النَّبِيّ ﷺ إلى حنين
• عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ لما فرغ من فتح مكة جمع مالك بن عوف النصري بني نصر وبني جشم وبني سعد بن بكر وأوزاعًا من بني هلال، وهم قليل، وناسًا من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وأوعيت معه ثقيف الأحلاف، وبنو مالك، ثمّ سار بهم إلى رسول الله ﷺ ، وساق معه الأموال والنساء والأبناء، فلمّا سمع بهم رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: "اذهب فادخل في القوم حتَّى تعلم لنا من علمهم" فدخل فيهم فمكث فيهم يومًا أو اثنين، ثمّ أتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرهم، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطّاب: "ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ " فقال عمر: كذب، فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق، فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله! ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد كنت يا عمر! ضالا فهداك الله " ثمّ بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعًا عنده مائة درع، وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبا
стр. 5520
يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة حتَّى نؤديها إليك" ثمّ خرج رسول الله ﷺ سائرًا.
حسن: رواه الحاكم (٣/ ٤٨ - ٤٩) عن أبي العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حَدَّثَنِي عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن جابر بن عبد الله فذكره.
ومن طريقه رواه البيهقيّ في الدلائل (٥/ ١١٩ - ١٢١) واللّفظ له، وقال: وعمرو بن شعيب والزهري وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وعبد الله بن المكدّم بن عبد الرحمن الثقفي، عن حديث حنين حين سار إليهم رسول الله ﷺ ، وساروا إليه، فبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض. وقد اجتمع حديثهم فذكر نحوه.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه صرّح وصحّحه الحاكم.
وذكر ابن هشام في سيرته (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨) نحوه، وحذف الإسناد.
وقال البيهقيّ: زاد أبو عبد الله في روايته قال: قال ابن إسحاق، حَدَّثَنَا الزّهري، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى حنين في ألفين من مكة، وعشرة آلاف كانوا معه فسار بهم.
أي ألفين من أهل مكة الذين عرفوا بالطلقاء، وعشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وقبائل العرب الذين جاؤوا مع النَّبِيّ ﷺ لفتح مكة، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له "حنين".
٢ - باب عدد جيش المسلمين يوم حنين
• عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بِنَعَمِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ يومئذ عَشَرَةُ آلَافٍ ومعه الطُّلَقَاءُ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ، فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ لَمْ يَخْلِطْ بَينَهُمَا شيئًا، قال: فالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! " قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ. ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! " قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ. وَهْوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، فَنَزَلَ فَقَالَ: "أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وأَصَابَ رسول الله ﷺ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتْ الشدة فَنَحْنُ نُدْعَى، وَتعْطَى الغنائم غَيْرُنَا. فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! مَا حَدِيث بَلَغَنِي عَنْكُمْ" فَسَكَتُوا فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أما تَرْضوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ بمحمد تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ" قَالُوا: بَلَى. يا رسول الله! رضينا، قال: فقال: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لأَخَذْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ".
стр. 5521
قَال هِشَامٌ: فقلت: يَا أَبَا حَمْزَةَ! أَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟ قَال: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ؟
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٣٣) ومسلم في الزّكاة (١٣٥: ١٠٥٩) كلاهما من حديث ابن عون، عن هشام بن زيد بن أنس، عن أنس فذكره واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
• عن أنس بن مالك قال: افتتحنا مكة ثمّ إنا غزونا حنينًا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصُفّت الخيل، ثمّ صفت المقاتلة، ثمّ صُفَّت النساء من وراء ذلك، ثمّ صفت الغنم، ثمّ صفت النعم، قال: ونحن بشر كثير، قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله ﷺ : "يال المهاجرين! يال المهاجرين". ثمّ قال "يال الأنصار! يال الأنصار! ". قال: قال أنس: هذا حديث عمية، قال: قلنا: لبيك، يا رسول الله! قال: فتقدم رسول الله ﷺ ، قال: فايم الله! ما أتيناهم حتَّى هزمهم الله، قال: فقبضنا ذلك المال، ثمّ انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة، ثمّ رجعنا إلى مكة فنزلنا، قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرّجل المائة من الإبل.
صحيح: إِلَّا قوله: "ستة آلاف" رواه مسلم في الزّكاة (١٠٥٩: ١٣٦) من طرق عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: حَدَّثَنِي السّميط، عن أنس فذكره.
قال مسلم: باقي الحديث كنحو حديث قتادة وأبي التياح وهشام بن زيد. أي الحديث الماضي، وفيه أن عددهم كان عشرة آلاف، ومعه الطلقاء وهم ألفان.
وأمّا قوله في هذا الحديث: قد بلغنا ستة آلاف، ففيه وهم من بعض الرواة والأظهر أنه من السّميط، فإنه لم يبلغ درجة الثّقات الضابطين.
وليس عند مسلم عنه غير هذا الحديث.
٣ - باب إعجاب المسلمين بكثرتهم يوم حنين
لقد خطر في قلوب بعض الصّحابة أنهم لن يغلبوا اليوم من قلة. فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥].
وقد روي في ذلك أحاديث منها حديث أنس بن مالك قال: قال غلام منا من الأنصار يوم حنين: لم نغلب اليوم من قلة، فما هو إِلَّا أن لقينا عدونا فانهزم القوم، وكان رسول الله ﷺ على بغلة له، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والعباس عمه آخذ بغرزها، وكنا في واد دهس، فارتفع النقع، فما منا أحد يبصر كفه، إذا شخص قد أقبل، فقال: إليك من أنت؟ قال: أنا أبو بكر فداك أبي وأمي، وبه بضع عشرة ضربة، ثمّ إذا شخص قد أقبل فقال: إليك من أنت؟ قال: أنا عمر
стр. 5522
ابن الخطّاب فداك أبي وأمي، وبه بضع عشرة ضربة، وإذا شخص قد أقبل وبه بضعة عشر ضربة، فقال: إليك من أنت؟ قال: عثمان بن عفّان فداك أبي وأمي، ثمّ إذا شخص قد أقبل وبه بضع عشرة ضربة، فقال: إليك من أنت؟ فقال: عليّ بن أبي طالب فداك أبي وأمي، ثمّ أقبل الناس، فقال النَّبِيّ ﷺ : "ألا رجل صيت ينطلق فينادي في القوم" فانطلق فصاح، فما هو إِلَّا أن وقع صوته في أسماعهم، فأقبلوا راجعين فحمل النَّبِيّ ﷺ وحمل المسلمون معه، فانهزم المشركون، وانحاز دريد بن الصمة على جبل أو قال على أكمة في زهاء ستمائة، فقال له بعض أصحابه: أرى والله كتيبة قد أقبلت. فقال: حلوهم لي. فقالوا: سيماهم كذا، حليتهم كذا، قال: لا بأس عليكم، قضاعة منطلقة في آثار القوم، فقالوا: نرى والله كتيبة خشناء قد أقبلت. قال: حلوهم لي. قالوا: سيماهم كذا، حليتهم كذا. قال: لا بأس عليكم، هذه سليم. ثمّ قالوا: نرى فارسًا قد أقبل. قال: ويلكم وحده. قالوا: وحده، قال: حلوه لي. قالوا: معتجر بعمامة سوداء، قال دريد: ذاك والله الزُّبير بن العوام، وهو - والله - قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا. قال: فالتفت إليهم، فقال: علام هؤلاء ههنا! فمضى ومن اتبعه، فقتل بها ثلثمائة، وجزَّ رأس دريد بن الصمة، فجعله بين يديه.
رواه البزّار - كشف الأستار (١٨٢٧) عن عليّ بن شعيب وعبد الله بن أيوب المخزومي، ثنا عليّ بن عاصم، ثنا سليمان التميمي، عن أنس فذكره.
قال البزّار: لا نعلم أحدًا رواه بهذا اللّفظ إِلَّا سليمان التميمي، عن أنس، ولا عن سليمان إِلَّا عليّ.
وأعله الهيثميّ في "المجمع" (١٧٨: ٦) فقال: عليّ بن عاصم بن صُهَيب وهو ضعيف لكثرة غلطه، وتماديه، وقد وثّق.
ومنها ما رُوي عن الربيع أن رجلًا قال يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥].
قال الربيع: وكانوا اثني عشر ألفًا، منهم ألفان من مكة.
رواه البيهقيّ في الدلائل (٥/ ١٢٣ - ١٢٤) عن الحاكم عن أبي العباس محمد بن يعقوب، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الجبار، قال: حَدَّثَنَا يونس بن بكير، عن أبي جعفر عيسى الرازي، عن الربيع فذكره.
والربيع لم يدرك القصة.
وفي معناه أحاديث أخرى أخرجها ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم وغيرهما وكلها ضعيفة، وسيأتي ذكر بعضها الأخرى في كتاب التفسير إن شاء الله تعالى.
٤ - باب ما جاء في خبر الجاسوس من المشركين في غزوة حنين
• عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثمّ انتزع طلقًا من حقبه فقيد به الجمل، ثمّ تقدّم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر،
стр. 5523
وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده، ثمّ أناخ وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال سلمة: وخرجت أشتد، فكنت عند ورك الناقة، ثمّ تقدمت، حتَّى كنت عند ورك الجمل، ثمّ تقدمت حتَّى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلمّا وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرّجل، فندر، ثمّ جئت بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه، فقال: "من قتل الرّجل؟ " قال: ابن الأكوع، قال: "له سلبه أجمع".
متفق عليه: رواه مسلم في الجهاد والسير (٤٥: ١٧٥٤) واللّفظ له، والبخاري في الجهاد (٣٠٥١) كلاهما من طريق إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه فذكره.
وأمّا لفظ البخاريّ فقال: أتى النَّبِيّ ﷺ عين من المشركين - وهو في سفر - فجلس عند أصحابه يتحدث ثمّ انفتل فقال النَّبِيّ ﷺ : "اطلبوه واقتلوه" فقتلته فنفله سلبه.
٥ - باب تبشير النَّبِيّ ﷺ بغنيمة حنين
• عن سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فأطنبوا السير، حتَّى كانت عشية، فحضرت صلاة عند رسول الله ﷺ ، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله! إني انطلقت بين أيديكم حتَّى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم - بظعنهم ونعمهم وشائهم - اجتمعوا إلى حنين فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله" ثمّ قال: "من يحرسنا الليلة؟ " قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله! قال: "فاركب" فركب فرسًا له فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "استقبل هذا الشعب حتَّى تكون في أعلاه ولا نُغرن من قبلك الليلة" فلمّا أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين ثمّ قال: "هل أحسستم فارسكم" قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه! فثوب بالصلاة فجعل رسول الله ﷺ - وهو يُصَلِّي - يلتفت إلى الشدب حتَّى إذا قضى صلاته وسلم قال: "أبشروا فقد جاءكم فارسكم! " فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب فإذا هو قد جاء حتَّى وقف على رسول الله ﷺ فسلم فقال: إني انطلقت حتَّى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله ﷺ فلمّا أصبحت اطلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدًا! فقال له رسول الله ﷺ : "هل نزلت الليلة؟ " قال: لا، إِلَّا مصليا أو قاضيا حاجة، فقال له رسول الله ﷺ : "قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها".
صحيح: رواه أبو داود (٢٥٠١) والنسائي في الكبرى (٨٨١٩) والحاكم (٢/ ٨٣) والبيهقي (٩/
стр. 5524
١٤٩) كلّهم من طريق أبي توبة، حَدَّثَنَا معاوية بن سلّام، عن زيد بن سلّام، أنه سمع أبا سلّام قال: حَدَّثَنِي السلولي أبو كبشة، أنه حدَّثه سهل بن الحنظلية فذكره. وهذا إسناد صحيح.
وقال الحاكم: هذا الإسناد من أوله إلى آخره صحيح على شرط الشّيخين غير أنهما لم يخرجا مسانيد سهل بن الحنظلية لقلة رواية التابعين عنه، وهو من كبار الصّحابة".
وأمّا الحافظ ابن حجر فحسّنه في الفتح (٨/ ٢٧) ولا أعرف وجه تحسينه، ورجاله كلّهم ثقات ضابطون.
٦ - باب استعارة الدروع من صفوان بن أمية
• عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ سار إلى حنين، فذكر الحديث وفيه: ثمّ بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعًا عنده مائة درع، وما يصلحها من عدلها، فقال: أغصبًا يا محمد؟ فقال: "بل عارية مضمونة، حتَّى نؤديها عليك".
حسن: رواه البيهقيّ (٦/ ٨٩) عن الحاكم (٣/ ٤٨ - ٤٩) من طريق محمد بن إسحاق، حَدَّثَنِي عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر فذكره مختصرًا، وأورده الحاكم مطولًا كما مضى.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه صرّح بالتحديث وللحديث شواهد ذكرتها في كتاب البيوع.
٧ - باب شجاعة النَّبِيّ ﷺ يوم حنين
• عن البراء بن عازب وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال البراء: ولكن رسول الله ﷺ لم يفر، وكانت هوازن يومئذ رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسّهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذٌ بلجامها وهو يقول:
أنا النَّبِيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب.
وفي رواية: أما أنا أشهد على النَّبِيّ ﷺ أنه لم يول، ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣١٧) ومسلم في الجهاد والسير (٨٠: ١٧٧٦) كلاهما عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر غندر، حَدَّثَنَا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء وسأله رجل من قيس فذكره.
هذا موقف عظيم من النَّبِيّ ﷺ يدل على ثقته بالله ، والتوكل عليه، وهو على بغلة ليست سريعة الجري، يركضها إلى وجوههم، وهذا أكبر دليل على نبوته ﷺ فأنزل الله تعالى كما
стр. 5525
قال: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٦].
• عن أبي إسحاق قال: قال رجل للبراء: يا أبا عمارة! أفررتم يوم حنين؟ قال: لا، والله! ما ولى رسول الله ﷺ ، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرًا ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح فلقوا قومًا رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن وبني نصر، فرشقوهم رشقًا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل فاستنصر، وقال:
"أنا النَّبِيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب".
ثمّ صفّهم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٩٣٠) ومسلم في الجهاد والسير (٧٨: ١٧٧٦)
كلاهما من طريق أبي إسحاق قال: فذكره.
٨ - هزيمة المسلمين ومن ثبت مع النَّبِيّ ﷺ -
• عن جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين قال: انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنّما ننحدر فيه انحدارًا، قال: وفي عماية الصبح، وقد كان القوم كمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، قال: فوالله ما راعنا ونحن منحطون إِلَّا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد، وانهزم الناس راجعين، فاستمروا لا يلوي أحد على أحد. وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثمّ قال: "إليَّ أيها الناس، هلموا إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله" قال: فلا شيء، احتملت الإبل بعضها بعضًا، فانطلق الناس، إِلَّا أن مع رسول الله ﷺ رهطًا من المهاجرين والأنصار وأهل بيته غير كثير ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته عليّ بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب، وابنه، والفضل بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد، وهو ابن أم أيمن، وأسامة بن زيد.
قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، في يده راية له سوداء في رأس رمح طويل له أمام الناس، وهوازن خلفه، فإذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه.
стр. 5526
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: بينا ذلك الرّجل من هوازن صاحب الراية على جمله ذلك يصنع ما يصنع، إذ هوى له عليّ بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فيأتيه عليّ من خلفه، فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرّجل، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله واجتلد الناس، فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتَّى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله ﷺ .
حسن: رواه أحمد (١٥٠٢٧) والبزّار - كشف الأستار (١٨٦٣) وأبو يعلى والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٢٦ - ١٢٧) كلّهم من طريق محمد بن إسحاق قال: حَدَّثَنِي عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن جابر بن عبد الله فذكره. وإسناده حسن من أجل تصريح ابن إسحاق.
وذكره ابن هشام في سيرته (٢/ ٤٤٣) وزاد فيه ابن أبي سفيان بن الحارث.
وقال ابن هشام: اسم ابن أبي سفيان بن الحارث جعفر، واسم أبي سفيان المغيرة، وبعض الناس يعد فيهم قثم بن العباس، ولا يعد ابن أبي سفيان.
• عن ابن عمر قال: لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الفئتين لموليتان، وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل.
حسن: رواه الترمذيّ في جامعه (١٦٨٩) وفي العلل الكبير (٢/ ٧١٥) عن محمد بن عمر بن عليّ المقدمي البصري قال: حَدَّثَنِي أبي، عن سفيان بن حسين، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه من حديث عبيد الله إِلَّا من هذا الوجه. اهـ
وقال في العلل: سألت محمدًا (البخاريّ) عن هذا الحديث فقال: لا أعرف أحدًا روى هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر غير سفيان بن حسين. اهـ
قل: سفيان بن حسين ثقة في غير الزهري.
وإسناده حسن من أجل عمر بن عليّ بن عطاء بن مقدم المقدمي، فقال فيه ابن معين: كان يدلّس، وما كان به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال أبو حاتم: "محله الصدق" وهو من رجال الجماعة وحسّنه أيضًا الحافظ في الفتح (٨/ ٢٩) إن صحّ هذا العدد فيحمل على من انضم إلى النَّبِيّ ﷺ عند ندائه.
وإلى هذا يشير ما رواه البيهقيّ في الدلائل (٥/ ١٢٩) من حديث جابر كما مضى وزاد فيه فجعل الرّجل منهم يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه من عنقه، ويأخذ سيفه وقوسه، ثمّ
стр. 5527
يعومّ الصوت حتَّى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مائة.
وأمّا ما رُوي عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: تفرق الناس عن رسول الله ﷺ يوم حنين، فلم يبق معه إِلَّا رجل يقال له: زيد، وهو آخذ بعنان بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، فقال له رسول الله: "ويحك! ادع الناس"، فنادى زيد: أيها الناس! هذا رسول الله ﷺ يدعوكم، فلم يجئ أحد، فقال: "ادع الأنصار"، فنادى يا معشر الأنصار! رسول الله ﷺ يدعوكم فلم يجئ أحد، قال: "ويحك! خص الأوس والخزرج"، فقال: يا معشر الأوس والخزرج! هذا رسول الله ﷺ يدعوكم فلم يجئ أحد، قال: "ويحك! خص المهاجرين فإن لي في أعناقهم بيعة"، قال: فحدثني بريدة: أنه أقبل منهم ألف قد طرحوا الجفون، حتَّى أتوا رسول الله ﷺ فمشوا قدما حتَّى فتح الله عليهم. فرجاله ثقات ولكن في متنه نكارة وشذوذ.
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٨١٤٥) والبزّار (٤٤٤٠) والروياني في مسنده (رقم ٣١) كلّهم من طريق يوسف بن صُهَيب، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة قال: فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي: رواه البزّار ورجاله ثقات. مجمع الزوائد (٦/ ١٨١).
قلت: لكن قوله: "لم يبق معه إِلَّا رجل يقال له زيد" شاذ، وكذلك هذا الحديث مخالف لما جاء في الصَّحيح أن الصّحابة لما سمعوا صوت العباس: أنهم عطفوا على رسول الله ﷺ عطفة البقر على أولادها.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين قال: فولّى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار، فنكصنا على أقدامنا نحوا من ثمانين قدمًا، ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: ورسول الله ﷺ على بغلته يمضي قدما، فحادت به بغلته، فمال عن السرج، فقلت له: ارتفع رفعك الله، فقال: "ناولني كفًّا من تراب" فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابا، ثمّ قال: "أين المهاجرون والأنصار؟ " قلت: هم أولاء، قال: "اهتف بهم" فهتفت بهم، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنّها الشهب، وولى المشركون أدبارهم.
رواه أحمد (٤٣٣٦) والطَّبرانيّ في الكبير (١٠٣٥١) والبزّار - كشف الأستار (١٨٢٩) والحاكم (٢/ ١١٧) كلّهم من حديث عفّان بن مسلم، حَدَّثَنَا عبد الواحد بن زياد، حَدَّثَنَا الحارث بن حصيرة، حَدَّثَنَا القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
وتعقبه الذّهبيّ فقال: الحارث وعبد الواحد ذوا مناكير، هذا منها ثمّ فيه إرسال. أي أن عبد الرحمن بن مسعود لم يسمع من أبيه.
стр. 5528
٩ - الفتح بعد الهزيمة
• عن عباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلمّا التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أي عباس! ناد أصحاب السمرة". فقال عباس: وكان رجلًا صيتًا فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فو الله لكأن عطفتهم، حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا يا لبيك يا لبيك - قال: - فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار، يقولون: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! قال: ثمّ قصرت الدعوة علي بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! . فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ : "هذا حين حمي الوطيس". قال: ثمّ أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثمّ قال: "انهزموا ورب محمد" قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، - قال: - فوالله! ما هو إِلَّا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرًا.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٧٦: ١٧٧٥) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حَدَّثَنِي كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس فذكره.
وقوله: أصحاب السمرة، هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان.
وقال مسلم: وحدثناه إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد جميعًا عن عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن الزهري بهذا الإسناد نحوه غير أنه قال: فروة بن نعامة الجذامي، وقال: انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة، وزاد في الحديث: حتَّى هزمهم الله قال: وكأني أنظر إلى النَّبِيّ ﷺ يركض خلفهم على بغلته.
قوله: على بغلة له بيضاء وفي رواية: على بغلته الشهباء، وهي واحدة.
قال العلماء: لا يعرف له بغلة سواها وهي التي يقال لها: دلدل.
قوله: "فما زلت أرى حدهم كليلًا" أي ما زلت أرى قوتهم ضعيفة.
стр. 5529
قوله: "أهداها له فروة بن نفاثة" وفي رواية: "فروة بن نعامة" قال النوويّ: الصَّحيح المعروف الأوّل.
وقوله: "أصحاب السمرة" هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان.
• عن كثير بن عباس قال: كان عباس وأبو سفيان معه - يعني النَّبِيّ ﷺ قال: خطبهم وقال: "الآن حمي الوطيس" وقال: "ناد: يا أصحاب سورة البقرة".
صحيح: رواه أحمد (١٧٧٢) عن سفيان قال: سمعت الزهري مرة أو مرتين - فلم أحفظه عن كثير بن عباس فذكره.
وصورته إرسال، فإن كثير بن عباس لم يحضر المشهد ولكن رواه مسلم عن ابن أبي عمر، حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، عن الزّهري، قال: أخبرني كثير بن عباس، عن أبيه قال: كنت مع النَّبِيّ ﷺ يوم حنين قال مسلم: وساق الحديث غير أن حديث يونس وحديث معمر أكثر منه وأتم.
• عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينًا، فلمّا واجهنا العدو تقدمت، فأعلو ثنية. فاستقبلني رجل من العدو، فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما صنع ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النَّبِيّ ﷺ فولى صحابة النَّبِيّ ﷺ ، وأرجع منهزما وعليّ بردتان، متزرا بإحداهما، مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعًا ومررت على رسول الله ﷺ منهزما، وهو على بغلته الشهباء فقال رسول الله ﷺ : "لقد رأى ابن الأكوع فزعا". فلمّا غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثمّ قبض قبضة من تراب من الأرض، ثمّ استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه". فما خلق الله منهم إنسانًا إِلَّا ملأ عينيه ترابًا، بتلك القبضة. فولوا مدبرين فهزمهم الله وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٨١: ١٧٧٧) عن زهير بن حرب، حَدَّثَنَا عمر بن يونس الحنفي، حَدَّثَنَا عكرمة بن عمار، حَدَّثَنِي إياس بن سلمة، حَدَّثَنِي أبي، قال: فذكره.
قوله: "ومررت على رسول الله ﷺ منهزمًا": هذا حال من ابن الأكوع. كما صرّح أولًا بانهزامه، ولم يرد أن النَّبِيّ ﷺ انهزم. ولم ينقل أحد من الصّحابة قطّ أنه انهزم النَّبِي ﷺ في موطن من المواطن، وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه، ولا يجوز ذلك عليه.
• عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح، فتح مكة، ثمّ خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثمّ مائة، ثمّ مائة.
قال ابن شهاب: حَدَّثَنِي سعيد بن المسيب؛ أن صفوان قال: والله! لقد أعطاني رسول الله ﷺ -
стр. 5530
ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتَّى إنه لأحب الناس إلي.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٥٩: ٢٣١٣) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: فذكره.
والجزء الأوّل من الحديث مرسل لكن آخره مسند من حديث صفوان بن أمية ﵁.
• عن أنس ﵁ قال: لما كان يوم حنين انهزم الناس عن رسول الله ﷺ إِلَّا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، وأمر رسول الله ﷺ العباس أن ينادي: يا أصحاب سورة البقرة! يا معشر الأنصار! ثمّ استحث النداء في بني الحارث بن الخزرج، فلمّا سمعوا النداء أقبلوا، فوالله ما شبهتهم إِلَّا الإبل تحن إلى أولادها، فلمّا التقوا التحم القتال، فقال رسول الله ﷺ : "الآن حمي الوطيس" وأخذ ﷺ كفا من حصى أبيض، فرمى بها، وقال: "هُزموا ورب الكعبة" وكان عليّ بن أبي طالب يومئذ أشد الناس قتالا بين يديه.
حسن: رواه أبو يعلى (٣٦٠٦) عن محمد بن أبي بكر، حَدَّثَنَا عمرو بن عاصم، حَدَّثَنَا أبو العوّام، عن معمر، عن الزّهري، عن أنس قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي العوّام - واسمه عمران بن داور - بفتح الواو وبعدها راء - مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف.
• عن أنس أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "جزوهم جزًّا" وأومأ بيده إلى الحلق.
حسن: رواه البزّار - كشف الأستار (١٨٣٠) عن الوليد بن عمر بن سكين - ثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، عن أبيه، عن ثمامة، عن أنس فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد الله بن المثنى والد محمد - وهو عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٨١): ورجاله ثقات.
وفي الباب ما رُوي عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رسول الله ﷺ فِي غَزْوَةِ حُنينٍ، فَسِرْنَا فِي يَوْمٍ قَائِظٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَنَزَلْنَا تَحْتَ ظِلالِ الشَّجَرِ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ لَبِسْتُ لأْمَتِي، وَرَكِبْتُ فَرَسِي، فَانْطَلَقْتُ إِلَى رسول الله ﷺ وَهُوَ فِي فُسْطَاطِهِ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَانَ الرَّوَاحُ؟ فَقَالَ: "أجل" فقَالَ: "يَا بِلالُ" فَثَارَ مِنْ تَحْتِ سَمُرَةٍ كَأَنَّ ظِلَّهُ ظِلُّ طَائِرٍ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَأَنَا فِدَاؤُكَ، فقَالَ: "أَسْرِجْ لِي فَرَسِي"، فأخْرَجَ سَرْجًا دَفَّتَاهُ مِنْ لِيفٍ لَيْسَ فِيهَا أَشَرٌّ وَلا بَطَرٌ، قَالَ: فَأَسْرَجَ. قال: فرَكِبَ وَرَكِبْنا فَصَاففناهُمْ عَشِيّتنَا وَلَيْلَتَنَا فَتَشَامَّتِ الْخَيْلانِ، فَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عِبَادَ اللَّهِ! أَنَا عَبْدُ
стр. 5531
اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، ثمّ قَالَ: ثُمَّ اقْتَحَمَ رسول الله ﷺ عَنْ فَرَسِهِ، فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَأَخْبَرَنِي الَّذِي كَانَ أَدْنَى إِلَيْهِ مِنِّي: ضَرَبَ به وُجُوهَهُمْ وَقَالَ: "شَاهَتِ الْوجُوهُ"، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ.
قَالَ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ: فَحَدَّثني أَبْناؤُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلا امْتَلأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمُهُ تُرَابًا وَسَمِعْنَا صَلْصَلَةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَإِمْرَارِ الْحَدِيدِ عَلَى الطَّسْتِ الْحَدِيدِ.
رواه أحمد (٢٢٤٦٨، ٢٢٤٦٧) واللّفظ له، وأبو داود (٥٢٣٣) والدارمي (٤٢٥٢) مختصرًا - كلّهم من حديث حمّاد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن أبي همّام عبد الله بن يسار، عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: فذكره.
قال أبو داود: أبو عبد الرحمن الفهري ليس له إِلَّا هذا الحديث، وهو حديث نبيل جاء به حمّاد بن سلمة.
قلت: ولكن في إسناده أبو همام عبد الله بن يسار، قال فيه عليّ بن المديني: هو شيخ مجهول، وكذا قال أبو جعفر الطبريّ.
وأمّا ابن حبَّان فذكره في الثّقات.
كما أن في متنه نكارة، وهي ذكر الفرس لرسول الله ﷺ .
وفي الأحاديث الصحيحة كان على بغلة بيضاء يركض قبل الكفار، وكان عباس آخذ بلجام البغلة، إِلَّا أن يقصد بالفرس البغلة لأن البغلة من نسل الفرس والحمار.
وفي الباب ما رُوي عن يزيد بن عامر السوائي، وكان شهد حنينا مع المشركين، ثمّ أسلم، فنحن نسأل عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان؟ قال: كان يأخذ لنا الحصاة فيرمي بها الطشت، فيظن قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
وفي لفظ قال: عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين، فتبعهم الكفار، فأخذ رسول الله ﷺ قبضة من الأرض، ثمّ أقبل بها على المشركين، فرمى بها في وجوههم فقال: "ارجعوا شاهت الوجوه" قال: فما من أحد يلقى أخاه إِلَّا وهو يشكو القذى، أو يمسح عينيه.
رواه عبد بن حميد (٤٤٠، ٤٣٩) والطَّبرانيّ في الكبير (٢٢/ ٢٣٧) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١١٤) كلّهم من حديث سعيد بن السائب الطائفي، حدثني أبي: السائب بن يسار، قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي، وكان شهد حنينًا، فذكره وفيه السائب بن يسار ذكره البخاريّ في التاريخ الكبير ولم يقل فيه شيئًا. وذكره ابن حبَّان في تقاته وقال: يُروي عن يزيد المراسيل، ولم أقف على توثيق أحد، وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٨٣): "رجاله ثقات" فهو اعتمادًا على توثيق ابن حبَّان.
وقد رُوي عن أنس بن مالك قال: التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة، واشتد القتال، فولوا مدبرين فندب رسول الله ﷺ الأنصار فقال: "يا معشر المسلمين أنا رسول الله" فقالوا: إليك، والله
стр. 5532
جئنا فنكسوا رؤوسهم ثمّ قاتلوا حتَّى فتح الله عليهم.
رواه الحاكم (٣/ ٤٨) من حديث مبارك بن فضالة، ثنا الحسن، عن أنس بن مالك فذكره. وقال: صحيح الإسناد.
قلت: ولكن فيه الحسن وهو الإمام المشهور مدلِّس لم يصرح.
١٠ - باب شجاعة أبي قتادة يوم حنين
• عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بن ربعي، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حُنينٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلى عَاتِقِهِ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بن الخطّاب فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ . ثُمَّ رَجَعُوا وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ" فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَهُ فَقُمْتُ، فَقَالَ: "مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ" فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ وَسَلَبُهُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنِّي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا، لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فَيُعْطِيَكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ فَأَعْطِهِ" فَأَعْطَانِيهِ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الاسْلَامِ.
متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (١٨) عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة بن ربعي أنه قال: فذكره.
ورواه البخاريّ في المغازي (٤٣٢١) ومسلم في الجهاد والسير (٤١: ١٧٥١) كلاهما من طريق مالك به.
• عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنينٍ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَآخَرُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَخْتِلُهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِي يَخْتِلُهُ فَرَفَعَ يَدَهُ لِيَضْرِبَنِي، وَأَضْرِبُ يَدَهُ، فَقَطَعْتُهَا، ثُمَّ أَخَذَنِي، فَضَمَّنِي ضَمًّا شَدِيدًا حَتَّى تَخَوَّفْتُ، ثُمَّ تَرَكَ فَتَحَلَّلَ، وَدَفَعْتُهُ ثُمَّ قَتَلْتُهُ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ، فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ" فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا
стр. 5533
يَشْهَدُ لِي فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لِي، فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْهُ. فَقَال أَبُو بَكْرٍ: كَلَّا لَا يُعْطِهِ أُصَيْبغَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ قَالَ: فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا، فَكَانَ أَوَّل مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإسْلَامِ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٢٢) قال: وقال اللّيث، حَدَّثَنِي يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة فذكره واللّفظ له، وأسنده في الأحكام (٧١٧٠) فقال: حَدَّثَنَا قُتَيبة، حَدَّثَنَا اللّيث فذكره مختصرًا.
وأخرجه مسلم في الجهاد (١٧٥١) عن قُتَيبة بن سعيد بإسناده ولم يسق لفظ الحديث بل قال: وساق الحديث. أي الحديث الذي بعده، وهذا فيه خلل في الترتيب فإن الإحالة تكون للسابق لا للاحق، ولذا أغربه أيضًا النوويّ.
• عن أنس بن مالك: أن هوازن جاءت يوم حنين بالصبيان والنساء، والإبل والنعم، فجعلوهم صفوفًا، يكثرون على رسول الله ﷺ ، فلمّا التقوا ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله ، فقال رسول الله ﷺ : "يا عباد الله! أنا عبد الله ورسوله، يا معشر الأنصار! أنا عبد الله ورسوله" فهزم الله المشركين قال عفّان: ولم نضرب بسيف، ولم نطعن برمح فقال النَّبِيّ ﷺ يومئذ: "من قتل كافرًا فله سلبه" فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم.
قال: وقال أبو قتادة: يا رسول الله، ضربت رجلًا على حبل العاتق وعليه درع، فأُجهضت عنه، فانظر من أخذها، فقام رجل، فقال: أنا أخذتها، فأرضه منها، وأعطنيها قال: وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئًا إِلَّا أعطاه أو سكت، فسكت رسول الله ﷺ فقال عمر: لا والله لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها فضحك رسول الله ﷺ وقال: "صدق عمر".
قال: وكانت أم سليم معها خنجر، فقال أبو طلحة: ما هذا معك؟ قالت: اتخذته إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه، فقال أبو طلحة: يا رسول الله! ألا تسمع ما تقول أم سليم؟ ! قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء، انهزموا بك، قال: "إن الله قد كفانا وأحسن يا أم سليم".
صحيح: رواه أحمد (١٢٩٧٧)، (١٣٩٧٥) وابن حبَّان (٤٨٣٨) من طرق عن حمّاد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك فذكره. ورواه مسلم (١٨٠٩) من هذا
стр. 5534
الطريق مقتصرًا على قصة أم سليم.
كما رواه أيضًا أبو داود (٢٧١٨) ولم يذكر قصة أبي قتادة.
وقال أبو داود: هذا حديث حسن.
وقوله: "ولم نضرب بسيف، ولم نطعن برمح" وفي بعض الروايات: "لم يضرب .. ولم يطعن".
وقوله: "على حبل العاتق" موضع الرداء من العنق، وقيل: عرق أو عصب هناك.
وقوله: "فأجهضت عنه" على بناء المفعول من الاجهاض، بمعنى الإزالة والازلاق، أي: بعدت عنه. اهـ
وقول أم سليم: "اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك" قالت ذلك أم سليم اعتقادا منها بأن الطلقاء هم السبب لما وقع على المسلمين من انهزام في أول الأمر، فرد عليها رسول الله ﷺ بقوله: إن الله قد كفى وأحسن. مشيرًا إلى ما وقع للمسلمين من غلبة في نهاية الأمر.
١١ - آثار ضربة حنين في يد ابن أبي أوفى
• عن إسماعيل بن أبي خالد قال: رأيت بيد ابن أبي أوفى ضربة قال: ضربتها مع النَّبِيّ ﷺ يوم حنين، قلت: شهدت حنينًا؟ قال: قبل ذلك.
صحيح: أخرجه البخاريّ في المغازي (٤٣١٤) عن محمد بن عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون أخبرنا إسماعيل قال: فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٩١٣١) عن يزيد بن هارون مطولًا.
فقال فيه عبد الله بن أبي أوفى: اعتمر النَّبِيّ ﷺ فطاف بالبيت، وطفنا معه، وصلى خلف المقام، وصلينا معه، ثمّ خرج فطاف بين الصفا والمروة، ونحن معه نستره من أهل مكة، لا يرميه أحد، أو يصيبه أحد بشيء، قال: فدعا على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب، الفهم اهزمهم وزلزلهم" قال: ورأيت بيده ضربة على ساعد فقلت: ما هذه؟ قال: ضربتها يوم حنين، فقلت له: أشهدت معه حنينًا؟ قال: نعم وقبل ذلك.
وقوله: قبل ذلك، معناه: أي شهدت حنينًا وكذلك ما قبل حنين من المشاهد.
١٢ - بطولة أم سليم في حنين
• عن أنس أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله ﷺ : "ما هذا الخنجر؟ " قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء، انهزموا
стр. 5535
بك، فقال رسول الله ﷺ : "يا أم سليم! إن الله قد كفى وأحسن".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٨٠٩: ١٣٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، أخبرنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: فذكره.
١٣ - قصة الرّجل الذي قاتل قتالًا شديدًا في غزوة حنين
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنينًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإسْلَامِ: "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ" فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلَى النَّارِ" فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا، فَنَادَى فِي النَّاسِ: "أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ".
متفق عليه: أخرجه البخاريّ في الجهاد والسير (٣٠٦٢)، ومسلم في الإيمان (١١١) كلاهما من حديث عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن الزّهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
١٤ - حصار أوطاس
• عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنينٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْد وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ. قَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ جُشَمِيٌّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي. فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى، فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحِي، أَلَا تَثْبُتُ. فَكَفَّ فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لأَبِي عَامِرٍ: قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ. قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئِ النَّبِيَّ ﷺ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي. وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ، فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقَالَ: قُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا
следующие страницы →