← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، ثمّ قَالَ: ثُمَّ اقْتَحَمَ رسول الله ﷺ عَنْ فَرَسِهِ، فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَأَخْبَرَنِي الَّذِي كَانَ أَدْنَى إِلَيْهِ مِنِّي: ضَرَبَ به وُجُوهَهُمْ وَقَالَ: "شَاهَتِ الْوجُوهُ"، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ. قَالَ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ: فَحَدَّثني أَبْناؤُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلا امْتَلأَتْ عَيْنَاهُ وَفَمُهُ تُرَابًا وَسَمِعْنَا صَلْصَلَةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَإِمْرَارِ الْحَدِيدِ عَلَى الطَّسْتِ الْحَدِيدِ. رواه أحمد (٢٢٤٦٨، ٢٢٤٦٧) واللّفظ له، وأبو داود (٥٢٣٣) والدارمي (٤٢٥٢) مختصرًا - كلّهم من حديث حمّاد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن أبي همّام عبد الله بن يسار، عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: فذكره. قال أبو داود: أبو عبد الرحمن الفهري ليس له إِلَّا هذا الحديث، وهو حديث نبيل جاء به حمّاد بن سلمة. قلت: ولكن في إسناده أبو همام عبد الله بن يسار، قال فيه عليّ بن المديني: هو شيخ مجهول، وكذا قال أبو جعفر الطبريّ. وأمّا ابن حبَّان فذكره في الثّقات. كما أن في متنه نكارة، وهي ذكر الفرس لرسول الله ﷺ . وفي الأحاديث الصحيحة كان على بغلة بيضاء يركض قبل الكفار، وكان عباس آخذ بلجام البغلة، إِلَّا أن يقصد بالفرس البغلة لأن البغلة من نسل الفرس والحمار. وفي الباب ما رُوي عن يزيد بن عامر السوائي، وكان شهد حنينا مع المشركين، ثمّ أسلم، فنحن نسأل عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان؟ قال: كان يأخذ لنا الحصاة فيرمي بها الطشت، فيظن قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا. وفي لفظ قال: عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين، فتبعهم الكفار، فأخذ رسول الله ﷺ قبضة من الأرض، ثمّ أقبل بها على المشركين، فرمى بها في وجوههم فقال: "ارجعوا شاهت الوجوه" قال: فما من أحد يلقى أخاه إِلَّا وهو يشكو القذى، أو يمسح عينيه. رواه عبد بن حميد (٤٤٠، ٤٣٩) والطَّبرانيّ في الكبير (٢٢/ ٢٣٧) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١١٤) كلّهم من حديث سعيد بن السائب الطائفي، حدثني أبي: السائب بن يسار، قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي، وكان شهد حنينًا، فذكره وفيه السائب بن يسار ذكره البخاريّ في التاريخ الكبير ولم يقل فيه شيئًا. وذكره ابن حبَّان في تقاته وقال: يُروي عن يزيد المراسيل، ولم أقف على توثيق أحد، وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ١٨٣): "رجاله ثقات" فهو اعتمادًا على توثيق ابن حبَّان. وقد رُوي عن أنس بن مالك قال: التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة، واشتد القتال، فولوا مدبرين فندب رسول الله ﷺ الأنصار فقال: "يا معشر المسلمين أنا رسول الله" فقالوا: إليك، والله

стр. 5532

جئنا فنكسوا رؤوسهم ثمّ قاتلوا حتَّى فتح الله عليهم. رواه الحاكم (٣/ ٤٨) من حديث مبارك بن فضالة، ثنا الحسن، عن أنس بن مالك فذكره. وقال: صحيح الإسناد. قلت: ولكن فيه الحسن وهو الإمام المشهور مدلِّس لم يصرح. ١٠ - باب شجاعة أبي قتادة يوم حنين • عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بن ربعي، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حُنينٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلى عَاتِقِهِ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بن الخطّاب فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ . ثُمَّ رَجَعُوا وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ" فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَهُ فَقُمْتُ، فَقَالَ: "مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ" فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ وَسَلَبُهُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنِّي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَاهَا اللَّهِ إِذًا، لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فَيُعْطِيَكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ فَأَعْطِهِ" فَأَعْطَانِيهِ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الاسْلَامِ. متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (١٨) عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة بن ربعي أنه قال: فذكره. ورواه البخاريّ في المغازي (٤٣٢١) ومسلم في الجهاد والسير (٤١: ١٧٥١) كلاهما من طريق مالك به. • عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنينٍ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَآخَرُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَخْتِلُهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ، فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِي يَخْتِلُهُ فَرَفَعَ يَدَهُ لِيَضْرِبَنِي، وَأَضْرِبُ يَدَهُ، فَقَطَعْتُهَا، ثُمَّ أَخَذَنِي، فَضَمَّنِي ضَمًّا شَدِيدًا حَتَّى تَخَوَّفْتُ، ثُمَّ تَرَكَ فَتَحَلَّلَ، وَدَفَعْتُهُ ثُمَّ قَتَلْتُهُ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ، فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ" فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا

стр. 5533

يَشْهَدُ لِي فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لِي، فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْهُ. فَقَال أَبُو بَكْرٍ: كَلَّا لَا يُعْطِهِ أُصَيْبغَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ قَالَ: فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا، فَكَانَ أَوَّل مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإسْلَامِ. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٢٢) قال: وقال اللّيث، حَدَّثَنِي يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة فذكره واللّفظ له، وأسنده في الأحكام (٧١٧٠) فقال: حَدَّثَنَا قُتَيبة، حَدَّثَنَا اللّيث فذكره مختصرًا. وأخرجه مسلم في الجهاد (١٧٥١) عن قُتَيبة بن سعيد بإسناده ولم يسق لفظ الحديث بل قال: وساق الحديث. أي الحديث الذي بعده، وهذا فيه خلل في الترتيب فإن الإحالة تكون للسابق لا للاحق، ولذا أغربه أيضًا النوويّ. • عن أنس بن مالك: أن هوازن جاءت يوم حنين بالصبيان والنساء، والإبل والنعم، فجعلوهم صفوفًا، يكثرون على رسول الله ﷺ ، فلمّا التقوا ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله ، فقال رسول الله ﷺ : "يا عباد الله! أنا عبد الله ورسوله، يا معشر الأنصار! أنا عبد الله ورسوله" فهزم الله المشركين قال عفّان: ولم نضرب بسيف، ولم نطعن برمح فقال النَّبِيّ ﷺ يومئذ: "من قتل كافرًا فله سلبه" فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم. قال: وقال أبو قتادة: يا رسول الله، ضربت رجلًا على حبل العاتق وعليه درع، فأُجهضت عنه، فانظر من أخذها، فقام رجل، فقال: أنا أخذتها، فأرضه منها، وأعطنيها قال: وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئًا إِلَّا أعطاه أو سكت، فسكت رسول الله ﷺ فقال عمر: لا والله لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها فضحك رسول الله ﷺ وقال: "صدق عمر". قال: وكانت أم سليم معها خنجر، فقال أبو طلحة: ما هذا معك؟ قالت: اتخذته إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه، فقال أبو طلحة: يا رسول الله! ألا تسمع ما تقول أم سليم؟ ! قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء، انهزموا بك، قال: "إن الله قد كفانا وأحسن يا أم سليم". صحيح: رواه أحمد (١٢٩٧٧)، (١٣٩٧٥) وابن حبَّان (٤٨٣٨) من طرق عن حمّاد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك فذكره. ورواه مسلم (١٨٠٩) من هذا

стр. 5534

الطريق مقتصرًا على قصة أم سليم. كما رواه أيضًا أبو داود (٢٧١٨) ولم يذكر قصة أبي قتادة. وقال أبو داود: هذا حديث حسن. وقوله: "ولم نضرب بسيف، ولم نطعن برمح" وفي بعض الروايات: "لم يضرب .. ولم يطعن". وقوله: "على حبل العاتق" موضع الرداء من العنق، وقيل: عرق أو عصب هناك. وقوله: "فأجهضت عنه" على بناء المفعول من الاجهاض، بمعنى الإزالة والازلاق، أي: بعدت عنه. اهـ وقول أم سليم: "اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك" قالت ذلك أم سليم اعتقادا منها بأن الطلقاء هم السبب لما وقع على المسلمين من انهزام في أول الأمر، فرد عليها رسول الله ﷺ بقوله: إن الله قد كفى وأحسن. مشيرًا إلى ما وقع للمسلمين من غلبة في نهاية الأمر. ١١ - آثار ضربة حنين في يد ابن أبي أوفى • عن إسماعيل بن أبي خالد قال: رأيت بيد ابن أبي أوفى ضربة قال: ضربتها مع النَّبِيّ ﷺ يوم حنين، قلت: شهدت حنينًا؟ قال: قبل ذلك. صحيح: أخرجه البخاريّ في المغازي (٤٣١٤) عن محمد بن عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون أخبرنا إسماعيل قال: فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٩١٣١) عن يزيد بن هارون مطولًا. فقال فيه عبد الله بن أبي أوفى: اعتمر النَّبِيّ ﷺ فطاف بالبيت، وطفنا معه، وصلى خلف المقام، وصلينا معه، ثمّ خرج فطاف بين الصفا والمروة، ونحن معه نستره من أهل مكة، لا يرميه أحد، أو يصيبه أحد بشيء، قال: فدعا على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب، الفهم اهزمهم وزلزلهم" قال: ورأيت بيده ضربة على ساعد فقلت: ما هذه؟ قال: ضربتها يوم حنين، فقلت له: أشهدت معه حنينًا؟ قال: نعم وقبل ذلك. وقوله: قبل ذلك، معناه: أي شهدت حنينًا وكذلك ما قبل حنين من المشاهد. ١٢ - بطولة أم سليم في حنين • عن أنس أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله ﷺ : "ما هذا الخنجر؟ " قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء، انهزموا

стр. 5535

بك، فقال رسول الله ﷺ : "يا أم سليم! إن الله قد كفى وأحسن". صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٨٠٩: ١٣٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، أخبرنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: فذكره. ١٣ - قصة الرّجل الذي قاتل قتالًا شديدًا في غزوة حنين • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنينًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإسْلَامِ: "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ" فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلَى النَّارِ" فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا، فَنَادَى فِي النَّاسِ: "أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ". متفق عليه: أخرجه البخاريّ في الجهاد والسير (٣٠٦٢)، ومسلم في الإيمان (١١١) كلاهما من حديث عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن الزّهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه. ١٤ - حصار أوطاس • عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنينٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْد وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ. قَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ جُشَمِيٌّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي. فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى، فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحِي، أَلَا تَثْبُتُ. فَكَفَّ فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لأَبِي عَامِرٍ: قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ. قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئِ النَّبِيَّ ﷺ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي. وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ، فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقَالَ: قُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا

стр. 5536

بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ" وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ" فَقُلْتُ: وَلي فَاسْتَغْفِرْ. فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا" قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحْدَاهُمَا لأَبِي عَامِرٍ وَالأُخْرَى لأَبِي مُوسَى. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٢٣) ومسلم في فضائل الصّحابة (١٦٥: ٢٤٩٨) كلاهما من طريق محمد بن العلاء، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، رضي الله قال: فذكره. أبو عامر اسمه: عبيد بن سليم بن حضار الأشعري. • عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنينٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ من الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أَيْ: فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَ. صحيح: رواه مسلم في الرضاع (١٤٥٦: ٣٣) عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. وأوطاس واد بين الطائف وحنين، وقد فر هوازن بعد هزيمتهم إلى أوطاس، فأرسل النَّبِيّ ﷺ أبا عامر الأشعري إليهم فقاتلهم، فاستشهد بعد أن عيّن أبا موسى الأشعري بعده ففتح الله عليه. قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة. سيرة ابن هشام (٢/ ٤٥٣). ١٥ - باب توجيهات النَّبِيّ ﷺ عن الغنائم والسبايا • عن حنش الصنعاني قال: غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري قرية من قرى المغرب يقال لها: جربة، فقام فينا خطيبا فقال: أيها الناس! إني لا أقول فيكم إِلَّا ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: قام فينا يوم حنين فقال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره" يعني إتيان الحبالى من السبايا، "وأن يصيب امرأة ثيّبًا من السبي حتَّى يستبرئها" يعني إذا اشتراها "وأن يبيع مغنمًا حتَّى يُقسم، وأن يركب دابة من فيء المسلمين حتَّى إذا أعجفها ردها فيه، وأن يلبس ثوبًا من فيء

стр. 5537

المسلمين حتَّى إذا أخلقه رده فيه". حسن: رواه أبو داود (٢١٥٩، ٢١٥٨) (٢٧٠٨) وأحمد (١٦٩٩٧) من طريق ابن إسحاق قال: حَدَّثَنِي يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تجيب، عن حنش الصنعاني، فذكره، والسياق لأحمد. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، فإنه حسن الحديث إذا صرَّح بالتحديث، وهو مخرج في كتاب البيوع. ١٦ - باب محاصرة أهل الطائف كان رسول الله ﷺ حاصر الطائف بضع عشرة ليلة كما رجّح ابن حزم في جوامع السيرة (ص ٢٤٣)، وذلك في سنة ثمان. قاله موسى بن عقبة. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف فلم ينل منهم شيئًا، فقال: "إنا قافلون إن شاء الله" قال أصحابه: نرجع ولا نفتتحه؟ ! فقال لهم رسول الله ﷺ : "اغدوا على القتال" فغدوا عليه فأصابهم جراح، فقال لهم رسول الله ﷺ : "إنا قافلون غدًا" قال: فأعجبهم ذلك، فضحك رسول الله ﷺ . متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٢٥) ومسلم في الجهاد والسير (٨٢: ١٧٧٨) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو (هو ابن دينار) عن أبي العباس الشاعر الأعمى، عن عبد الله بن عمرو قال: فذكره. وقيل: إن هذا الحديث من مسند عبد الله بن عمر بن الخطّاب، والصواب عبد الله بن عمرو بن العاص. • عن أم سلمة أن مخنثًا كان عندها ورسول الله ﷺ في البيت، فقال لأخي أم سلمة: يا عبد الله بن أبي أمية إن فتح الله عليكم الطائف غدًا، فإني أدلك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، قال: فسمعه رسول الله ﷺ فقال: "لا يدخل هؤلاء عليكم". وزاد البخاريّ: وهو محاصر الطائف يومئذ. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٢٤) ومسلم في السّلام (٣٢: ٢١٨٠) كلاهما من طريق هشام (بن عروة) عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة فذكرته. ١٧ - حثّ النَّبِيّ ﷺ على الرمي بالسهام في غزوة الطائف • عن أبي نجيح السلمي قال: حاصرنا مع نبي الله ﷺ حصن الطائف، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بلغ بسهم فله درجة في الجنّة" قال: فبلغت يومئذ ستة عشر سهمًا. صحيح: رواه أحمد (١٧٠٢٢) وأبو داود (٣٩٦٥) والتِّرمذيّ (١٦٣٨) والنسائي (٦/ ٢٦)

стр. 5538

وصحّحه ابن حبَّان (٤٦١٥) والحاكم (٢/ ٩٥) كلّهم من حديث هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن سالم بن أبي نجيح، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح السلمي فذكره. واللّفظ لأحمد، وهو عنده مطوَّلًا ذكره في موضعه. ١٨ - جاء أبو بكرة مع أناس إلى النَّبِيّ ﷺ فأسلموا وهم عبيد • عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت سعدًا - وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله - وأبا بكرة، وكان تسور حصن الطائف في أناس، فجاء إلى النَّبِيّ ﷺ قالا: سمعنا النَّبِيّ ﷺ يقول: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام". متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٢٦) ومسلم في الإيمان (٦٢: ١١٥) كلاهما من حديث عاصم، عن أبي عثمان فذكره، واللّفظ للبخاريّ. كان أبو بكرة جاء إلى النَّبِيّ ﷺ وهو بالطائف بجماعة من العبيد وهم ثلاث وعشرون أسلموا جميعًا، ذكره البخاريّ عقبه فقال: وقال هشام: وأخبرنا معمر، عن عاصم، عن أبي العالية، أو أبي عثمان النهدي قال: سمعت سعدًا وأبا بكرة، عن النَّبِيّ ﷺ . قال عاصم: قلت: لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما، قال: أجل، أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأمّا الآخر فنزل إلى النَّبِيّ ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف. وهشام هو: ابن يوسف الصنعاني. • عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسول الله ﷺ ثلاثًا فلم يرخّص لنا، فقلنا: إن أرضنا أرض باردة، فسألناه أن يرخّص لنا في الطهور، فلم يرخّص لنا، وسألناه أن يرخّص لنا في الدباء فلم يرخص لنا فيه ساعة، وسألناه أن يرد إلينا أبا بكرة فأبى، وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله" وكان أبو بكرة خرج إلى النَّبِيّ ﷺ حين حاصر الطائف فأسلم. صحيح: رواه أحمد (١٧٥٣٠) عن يحيى بن آدم، حَدَّثَنَا مفضّل بن مهلهل، عن مغيرة، عن شباك، عن الشعبي، عن رجل من ثقيف فذكره. وإسناده صحيح. وقد روي بإسناد ضعيف عن ابن عباس قال: أعتق رسول الله ﷺ يوم الطائف من خرج إليه من عبيد المشركين. رواه أحمد (١٩٥٩) وأبو يعلى (٢٥٦٤) والطَّبرانيّ (١٢٥٧٩) كلّهم من حديث أبي معاوية، حَدَّثَنَا حجَّاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس فذكره. وحجاج هو ابن أرطاة مدلِّس ضعيف، ولم أقف على تصريح ولا على متابعة. وكذلك رواه أيضًا أحمد (٢١٧٦) عن عبد القدوس بن بكر بن خنيس، حَدَّثَنَا حجَّاج بإسناده

стр. 5539

وجاء فيه: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، فخرج إليه عبدان فأعتقهما، أحدهما أبو بكرة، وكان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا خرجوا إليه. ١٩ - باب دعاء النَّبِي ﷺ لثقيف • عن جابر قال: قالوا: يا رسول الله! أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، قال: "اللهم اهد ثقيفًا". صحيح: رواه الترمذيّ (٣٩٤٢) عن أبي سلمة يحيى بن خلف، حَدَّثَنَا عبد الوهّاب الثقفي، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن أبي الزُّبير، عن جابر فذكره. وأبو الزُّبير توبع، رواه أحمد (١٤٧٠٢) من وجه آخر عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي الزُّبير كلاهما عن جابر فذكر مثله. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن عثمان بن خُثيم فإنه حسن الحديث. قال الترمذيّ: حسن صحيح غريب. واستمر حصار الطائف نحو نصف شهر تقريبًا، وأمر رسول الله ﷺ بتحريق بساتين العنب والنخيل في ضواحي الطائف للضغط على ثقيف، واستشهد فيه اثنا عشر رجلًا من المسلمين، إلى أن فتح الله عليهم ودعا رسول الله ﷺ للثقيف بالهداية فكان ما كان. ثمّ عاد النَّبِيّ ﷺ إلى الجعرانة وقسم الغنائم ورجع إلى مكة معتمرًا. ٢٠ - باب ما جاء في غنائم حنين • عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وكنتم عَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي" كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: "مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "قَالَ: كُلَّمَا قَال شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: "لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا. أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٣٠) ومسلم في الزّكاة (١٣٩: ١٠٦١) كلاهما من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة، عن عبّاد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: فذكره.

стр. 5540

• عن أنس بن مالك قال: قَالَ نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَا أَفَاءَ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي رِجَالًا الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَقَالَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَم وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ" فَقَالَ فُقَهَاءُ الأَنْصَارِ: أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا نَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، أَتَأَلَّفُهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ، فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ رَضِينَا. فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "سَتَجِدُونَ أُثْرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ" قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ يَصْبِرُوا. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٣١) ومسلم في الزكاة (١٣٢: ١٠٥٩) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: فذكره. • عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنينٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بِنَعَمِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَشَرَةُ آلَافٍ ومن الطُّلَقَاءِ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ، فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا شيئًا، قال: فالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! " قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ. ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! " قَالُوا: لبّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ. وَهْوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، فَنَزَلَ فَقَالَ: "أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، فأَصَابَ يومئذ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتْ الشدة فنَحْنُ نُدْعَى، ويعطى الغنيمة غَيْرُنَا. فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ" فَسَكَتُوا فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أما تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ برسول الله ﷺ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ" قَالُوا: بَلَى. يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لأَخَذْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ". وقَالَ هِشَامٌ: قلت يَا أَبَا حَمْزَةَ، أَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟ قَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ؟

стр. 5541

متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٣٧) ومسلم في الزكاة (١٣٥: ١٠٥٩) كلاهما من طريق معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون، عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك ﵁ قال: فذكره. • عن أنس قال: لما كان يوم فتح مكة قسم رسول الله ﷺ غنائم بين قريش، فغضب الأنصار قال النبي ﷺ : "أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله ﷺ ؟ " قالوا: بلى، قال: "لو سلك الناس واديا وشعبا، لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم". متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٣٢) ومسلم في الزكاة (١٣٤: ١٠٥٩) كلاهما من حديث شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أنس بن مالك فذكره. واللفظ للبخاري. وعند مسلم: فقال الأنصار: إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجمعهم فقال: فذكره نحوه. قوله: يوم فتح مكة - أي زمن فتح مكة، لأن هذه الغنائم هي غنائم حنين، لأنه لا غنيمة لفتح مكة. • عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله! إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، قال: فقلت: والله! لأخبرن رسول الله ﷺ ، قال: فأتيته فأخبرته بما قال، قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف، ثم قال: "فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله! " قال: ثم قال: "يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". قال: قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٣٦) ومسلم في الزكاة (١٤٠: ١٠٦٢) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ قال: فذكره. قوله: "حتى كان كالصرف" هو صبغ أحمر يصبغ به الجلود. قال ابن دريد: وقد يسمى الدم أيضا صرفًا. • عن عمرو بن تغلب أن رسول الله ﷺ أتي بمال أو سبي فقسمه، فأعطى رجالًا وترك رجالًا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: "أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكن أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكِل أقوامًا إلى ما جعل الله في

стр. 5542

قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن تغلب" فوالله! ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النعم. صحيح: رواه البخاري في الجمعة (٩٢٣) عن محمد بن معمر، قال: حدثنا أبو عاصم، عن جرير بن حازم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا عمرو بن تغلب فذكره. • عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مئة، ثم مائة. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣١٣) عن أبي طاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: فذكره. • عن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم، مائة من الإبل. وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك. فقال عباس بن مرداس: أتجعل نهبى ونهب العبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع؟ فما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تخفض اليوم لا يرفع قال: فأتم له رسول الله ﷺ مائة. صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٦٠) عن محمد بن أبي عمر المكي، حدثنا سفيان، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج فذكره. قوله: "نهبي" - أي غنيمتي. وقوله: "العبيد" - هو اسم فرسه. ورواه من وجه آخر عن ابن عيينة وفيه: أن النبي ﷺ قسم غنائم حنين، فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة من الإبل، وساق الحديث نحوه وزاد: وأعطى علقمة بن علاثة مائة. كانت غنائم حنين كثيرة. ذكر ابن سعد تفاصيل هذه الغنائم فقال: كان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فاستأنى رسول الله ﷺ بالسبي أن يقدَم عليه وفدُهم وبدأ بالأموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس فأعطى أبا

стр. 5543

سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل قال: ابني يزيد، قال: أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل، قال: ابني معاوية، قال: أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياه، وأعطى النصر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين بعيرًا، وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرًا، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل، وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل، وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل، وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل، وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل، وأعطى هشام بن عمرو العامري خمسين من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين فقال في ذلك شعرًا فأعطاه مائة من الإبل. ويقال خمسين، وأعطى ذلك كله من الخمس وهو أثبت الأقاويل عندنا، ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاء الغنائم والناس ثم فضها على الناس فكانت سهامهم لكل رجل أربعًا من الإبل وأربعين شاة فإن كان فارسًا أخذ اثني عشر بعيرًا وعشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم له. الطبقات (٢/ ١٥٢ - ١٥٣). روى ابن بديل بن ورقاء، عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمر بالغنائم والأموال، وغنائم حنين أن تحبس حتى يقدم، فحبست حتى قدم. رواه البزار كشف الأستار (١٨٣٨) من طريق ابن إسحاق عن ابن أبي عبلة، عن ابن بديل بن ورقاء فذكره. كانت هذه الغنائم حبست في الجعرانة لحين عودة النبي ﷺ من حصار الطائف. قال ابن إسحاق: جمعت إلى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها، وكان على المغانم مسعود بن عمرو الغفاري، وأمر رسول الله ﷺ بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحبست بها. سيرة ابن هشام (٢/ ٤٥٩). فأتاه وفد هوازن بالجعرانة، وكان مع رسول الله ﷺ سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الإبل والشاة ما لا يدرى ما عدته. ٢١ - باب قدوم هوازن مسلمين، وتخيير النبي ﷺ لهم بين السبايا والأموال • عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ،

стр. 5544

وَإمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِكُمْ" وَكَانَ أَنْظَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وإنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ، حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّل مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا، فَلْيَفْعَلْ" فَقَال النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ" فرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيّبوا وَأَذِنُوا. هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٣١٨، ٤٣١٩) عن سعيد بن عفير، حدثني ليث، حدثني عقيل، وعن إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب كلاهما عن محمد بن شهاب قال: وزعم عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه: فذكراه. • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: شهدت رسول الله ﷺ يوم حنين وجاءته وفود هوازن فقالوا: يا محمد! إنا أصل وعشيرة فمن علينا من الله عليك فإنه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك فقال: "اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم" قالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا نختار أبناءنا فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا صليتُ الظهر فقولوا: إنا نستشفع برسول الله ﷺ على المؤمنين وبالمؤمنين على رسول الله ﷺ في نسائنا وأبنائنا" قال: ففعلوا فقال رسول الله ﷺ : "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ وقالت الأنصار مثل ذلك، وقال عيينة بن بدر: أما ما كان لي ولبني فزارة فلا، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت الحيان: كذبت بل هو لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم فمن تمسك بشيء من الفيء فله علينا ستة فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا" ثم ركب راحلته وتعلق به الناس يقولون: اقسم علينا فيئنا بيننا، حتى ألجؤوه إلى سمرة فخطفت رداءه، فقال: "يا أيها الناس! ردوا علي ردائي فوالله! لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته بينكم ثم لا تُلفُوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذوبًا" ثم دنا من بعيره فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصابعه السبابة

стр. 5545

والوسطى ثم رفعها فقال: "يا أيها الناس! ليس لي من هذا الفيء ولا هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فردوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عارًا ونارًا وشنارًا". فقام رجل معه كُبة من شعر فقال: إني أخذت هذه أصلح بها بردعة بعير لي دبر قال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك" فقال الرجل: يا رسول الله! أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي بها ونبذها. حسن: رواه النسائي (٣٦٨٨)، وأبو داود (٢٦٩٤)، وأحمد (٧٠٣٧)، والبيهقي (٦/ ٣٣٦) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فذكره. ومنهم من اختصره. وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٤٨٩). وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وشيخه عمرو بن شعيب. قال الزهري: وأخبرني ابن المسيب: أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف من السبي، فجاؤوا مسلمين بعد ذلك، ذكره ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥٥) وأما ما روي عن أبي جَرْوَلٍ زُهَيْر بن صُرَدٍ الْجُشَمِيّ، يَقُولُ: لَمَّا أَسَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنينٍ يَوْمَ هَوَازِنَ، وَذَهَبَ يُفَرِّقُ الشُّبَّانَ وَالسَّبْيَ أَنْشَدْتُهُ هَذَا الشَّعْرَ: امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ ونَنَتْظِرُ امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ ... مُفَرَّقًا شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ أَبْقَتْ لَنَا الدَّهْرَ هَتَّافًا عَلَى حُزُنٍ ... عَلَى قُلُوبِهِمُ الْغَمَّاءُ وَالْغُمُرُ إِنْ لَمْ تَدَارَكْهُمُ نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... وَإِذْ يَزِينُكَ مَا تَأتِي وَمَا تَذَرُ لا تَجْعَلَنا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ ... فَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زهر إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنَّعْمَاءِ إِذْ كُفِرَتْ ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ فَأَلْبِسِ الْعَفْوَ مَنْ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ ... مِنْ أُمَّهَاتِكَ إِنَّ الْعَفْوَ مُشْتَهَرُ يَا خَيْرَ مَنْ مَرَحَتْ كَمْتُ الْجِيَادِ بِهِ ... عِنْدَ الْهياجِ إِذَا مَا اسْتَوْقَدَ الشَّرَرُ إِنَّا نُؤمّلُ عَفْوًا مِنْكَ نَلْبَسُهُ ... هَادِي الْبَرِيَّةِ إِذْ تَعْفُو وَتَنْتَصِرُ فَاعْفُ عَفَا اللَّهُ عَمَّا أَنْتَ رَاهِبُهُ ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ يَهْدِي لَكَ الظُّفَرُ

стр. 5546

فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا الشَّعْرَ قَالَ: "مَا كَانَ لِي وَلبَني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ"، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَقَالَتِ الأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِلَّهِ وَلرَسُولِهِ. فهو ضعيف. رواه الطبراني في الكبير (٥/ ٣١١، ٣١٢) عن عبيد الله بن رماحس الجشمي، ثنا أبو عمرو زياد بن طارق - وكان قد لبث عليه عشرون ومائة سنة، قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي، يقول: فذكره. قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٨٧): رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه من لم أعرفهم. قلت: يقصد بهذا عبيد الله بن رماحس شيخ الطبراني، وزياد بن طارق. وعبيد الله بن رماحس القيسي الرملي ذكره الذهبي في الميزان (٣/ ٦) وقال: "روى عنه الأمير بدر الحمامى، وأبو القاسم الطبراني، وأحمد بن إسماعيل بن عاصم، وأبو سعيد بن الأعرابي، والحسن بن زيد الجعفري، ومحمد بن إبراهيم بن عيسى المقدسي. وكان معمرًا، ما رأيت للمتقدمين فيه جرحًا، وما هو بمعتمد عليه. ثم رأيت الحديث الذي رواه له (يعني: هذا الحديث) علة قادحة. قال أبو عمر بن عبد البر في شعر زهير: رواه عبيد الله بن رماحس، عن زياد بن طارق، عن زياد بن صرد بن زهير، عن أبيه، عن جده زهير بن صرد، فعمد عبيد الله إلى الإسناد وأسقط رجلين منه، وما قنع بذلك حتى صرح بأن زياد بن طارق قال: حدثني زهير، هكذا هو في معجم الطبراني وغيره بإسقاط اثنين من سنده". قلت: إن صح هذا القول فعبيد الله بن رماحس يتهم بالكذب، وأما زياد بن طارق فهو مجهول. ٢٢ - قصة الأعرابي الذي ردَّ البشرى من أجل الدنيا • عَنْ أَبِي مُوسَى قَال: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي. فَقَالَ لَهُ: "أَبْشِرْ" فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ. فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَال: "رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا" قَالَا: قَبِلْنَا. ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا" فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا، فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضلَا لأُمِّكُمَا. فَأَفْضلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٢٨) ومسلم في فضائل الصحابة (١٦٤: ٢٤٩٧) كلاهما من طريق أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره.

стр. 5547

٢٣ - باب الوفاء بالعهد • عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي أن أباه أخبر أن سراقة بن مالك ﵁ أخبره أنه لما خرج النبي ﷺ مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش لمن رده مائة ناقة قال: فبينا أنا جالس في نادي قومي جاء رجل فقال: والله لقد رأيت ثلاثة ركبة مروا علي آنفا والله إني لأظنه محمدا ﵇، قال: فأومأت إليه بعيني أن اسكت. قلت: إنما هم بنو فلان يبغون ضالة لهم، فقال: لعله وسكت، قال: فمكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتي فأمرت بفرس فقيد إلى بطن الوادي وأخرجت سلاحي من وراء حجرتي وأخذت سهامي التي أستقسم بها ثم لبست لأمتي ثم أخرجت قداحي فاستقسمت فخرج سهم الذي أكره أن لا أضره وقد كنت أرجو أن أرده فآخذ المائة، قال: فركبت على أثره، قال: فبينا فرسي تشتد بي عثرت وسقطت عنها فأخرجت قداحي فاستقسمت فخرج السهم الذي أكره أن لا أضره فأبيت إلا أن أتبعه فركبت فلما بدا لي القوم ونظرت إليهم عثر بي فرسي وذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه فاستخرج يداه، وأتبعها دخان مثل الغبار، فعرفت أنه قد منع مني، وأنه ظاهر فناديتهم فقلت: انظروني فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه، فقال النبي ﷺ : "قل له ما تبغي؟ " فقلت له: اكتب لي كتابا فكتبه ثم ألقاه إلي فسكت فلم أذكر شيئا مما كان فلما فتح رسول الله ﷺ مكة وفرغ من حنين خرج إليه ومعه الكتاب الذي كتبه له قال: فبينما أنا عامد له دخلت بين ظهراني كتيبة من كتائب الأنصار قال: فطفقوا يقرعوني بالرماح ويقولون: إليك إليك حتى دنوت إلى رسول الله ﷺ وهو على ناقة أنظر إلى ساقه في غرزة كأنها جمارة فرفعت يدي بالكتاب فقال النبي ﷺ : "اليوم يوم وفاء وبرادنه" قال: فأسلمت ثم انصرفت فسقت إلى النبي ﷺ صدقتي. صحيح: رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٢٩، ١٠٣٠) وابن أبي عمر العدني في مسنده - المطالب العالية (٩/ ٤٦٧) والطبراني في الكبير (٧/ ١٣٥، ١٣٤) كلهم من حديث عبد الرحمن بن مالك وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم، أن أباه أخبره، أنه سمع سراقة بن مالك فذكره. واللفظ لابن أبي عاصم. وأصله في الصحيح سبق ذكره في قصة الهجرة إلا أنه لم يذكر قصة حضور سراقة بن مالك إلى حنين. ورواه الحميدي في مسنده (٢/ ٤٠١) عن سفيان قال: سمعت الزهري يخبر عن ابن سراقة، أو

стр. 5548

ابن أخي سراقة، عن سراقة فذكره. قال سفيان: هذا الذي حفظت عن الزهري واختلط عليَّ من أوله شيء، فأخبرني وائل بن داود عن الزهري بعض هذا الكلام، لا أخلص ما حفظت من الزهري، وما أخبرنيه وائل، قال سراقة، فذكر نحوه. وهذا إسناد صحيح أيضا، وقوله: وما أخبرنيه وائل، قال سراقة: القائل هو ابن أخي سراقة، لا وائل بن داود. ٢٤ - باب عمرة النبي ﷺ من الجعرانة • عن أنس قال: اعتمر النبي ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٤٨) ومسلم في الحج (١٢٥٣) كلاهما عن هدبة بن خالد - ويقال له: هدّاب - حدثنا همام، حدثنا قتادة أن أنسا أخبره فذكره. قوله: "عمرة من العام المقبل" - وهي العمرة المعروفة بعمرة القضية. و"الجعرانة": بكسر الجيم وسكون العين، وقد تكسر العين وتشدد الراء - منزل بين الطائف ومكة. وانظر بقية الأحاديث في كتاب الحج والعمرة. • * *

стр. 5549

جموع ما جاء في الأحداث التي بين غزوة الطائف وغزوة تبوك ١ - سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم كانت سرية عيينة بن الحصن الفزاري إلى بني تميم، وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم، وذلك في المحرم سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ . قالوا: بعث رسول الله ﷺ عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارسًا من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء، فدخلوا وسرحوا مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولوا، وأخذ منهم أحد عشر رجلا، ووجدوا في المَحِلّة إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيًا، فجلبهم إلى المدينة، فأمر بهم رسول الله ﷺ ، فحبسوا في دار رملة بنت الحارث، فقدم فيهم عدة من رؤسائهم: عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، ورباح بن الحارث بن مجاشع، فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري، فعجلوا فجاؤوا إلى باب النبي ﷺ ، فنادوا: يا محمد! اخرج إلينا! فخرج رسول الله ﷺ ، وأقام بلال الصلاة وتعلقوا برسول الله ﷺ يكلمونه، فوقف معهم، ثم مضى فصلى الظهر، ثم جلس في صحن المسجد، فقدموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب؛ فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم، ونزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]. فرد عليهم رسول الله الأسرى والسبي، ثم بعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بَلْمُصْطَلِق من خُزاعة يُصَدقهم، وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنو الوليد خرج منهم عشرون رجلًا يتلقونه بالجزور والغنم فرحا به، فلما رآهم ولى راجعا إلى المدينة فأخبر النبي ﷺ أنهم لقوه بالسلاح يحولون بينه وبين الصدقة. فهم رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم من يغزوهم، وبلغ ذلك القوم فقدم عليه الركب الذين لقوا الوليد فأخبروا النبي الخبر على وجهه، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ... ﴾ [الحجرات: ٦] (إلى آخر الآية) فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن، وبعث معهم عَبّاد بن بشر يأخذ صدقات أموالهم، ويعلمهم شرائع الإسلام، ويقرئهم القرآن، فلم يعد ما أمره رسول الله ﷺ ، ولم يضيع حقا، وأقام عندهم عشرا، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ راضيا. طبقات ابن سعد (٢/ ١٦٠ - ١٦٢). ٢ - سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم كانت سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم بناحية بيشة قريبا من تربة في صفر سنة تسع من

стр. 5550

مهاجر رسول الله ﷺ . قالوا: بعث رسول الله ﷺ قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلا إلى حي من خثعم بناحية تبالة، وأمره أن يشن الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يتعقبونها، فأخذوا رجلا، فسألوه فاستعجم عليهم، فجعل يصيح بالحاضر ويحذرهم فضربوا عنقه، ثم أمهلوا حتى نام الحاضر فشنوا عليهم الغارة، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعا، وقتل قطبة بن عامر من قتل، وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة، وجاء سيل أَتِيٌّ، فحال بينهم وبينه فما يجدون إليه سبيلا، وكانت سهمانهم أربعة أبعرة أربعة أبعرة، والبعير يعدل بعشر من الغنم، بعد أن أخرج الخمس. الطبقات الكبرى (٢/ ١٦٢). ٣ - سرية إلى رعية السحيمي روي عن رعية السحيمي قال: كتب إليه رسول الله ﷺ في أديم أحمر، فأخذ كتاب رسول الله ﷺ فرقع به دلوه، فبعث رسول الله ﷺ سرية، فلم يدعوا له رائحة ولا سارحة ولا أهلا ولا مالا إلا أخذوه، وانفلت عريانا على فرس له، ليس عليه قشرة حتى ينتهي إلى ابنته، وهي متزوجة في بني هلال، وقد أسلمت وأسلم أهلها، وكان مجلس القوم بفناء بيتها، فدار حتى دخل عليها من وراء البيت، قال: فلما رأته ألقت عليه ثوبا. قالت: ما لك؟ قال: كل الشر نزل بأبيك، ما ترك له رائحة ولا سارحة ولا أهل ولا مال إلا وقد أخذ. قالت: دعيت إلى الإسلام. قال: أين بعلك؟ قالت: في الإبل. قال: فأتاه، فقال: ما لك؟ قال: كل الشر قد نزل به، ما تركت له رائحة ولا سارحة ولا أهل ولا مال إلا وقد أخذ، وأنا أريد محمدًا أبادره قبل أن يقسم أهلي ومالي. قال: فخذ راحلتي برحلها. قال: لا حاجة لي فيها. قال: فأخذ قعود الراعي، وزوده إداوة من ماء. قال: وعليه ثوب إذا غطى به وجهه خرجت أسته، وإذا غطى استه خرج وجهه، وهو يكره أن يعرف، حتى انتهى إلى المدينة، فعقل راحلته، ثم أتى رسول الله ﷺ ، فكان بحذائه حيث يقبل، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر قال: يا رسول الله، ابسط يديك فلأبايعك، قال: فبسطها، فلما أراد أن يضرب عليها قبضها إليه رسول الله ﷺ ، قال: ففعل النبي ﷺ ذلك ثلاثا، قبضها إليه ويفعله، فلما كانت الثالثة قال: "من أنت؟ " قال: رعية السحيمي، قال: فتناول رسول الله ﷺ عضده، ثم رفعه، ثم قال: "يا معشر المسلمين هذا رعية السحيمي الذي كتبت إليه، فأخذ كتابي فرقع به دلوه" فأخذ يتضرع إليه، قلت: يا رسول الله أهلي ومالي. قال: "أما مالك فقد قسم، وأما أهلك فمن قدرت عليه منهم" فخرج فإذا ابنه قد عرف الراحلة وهو قائم عندها، فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا ابني. فقال: "يا بلال، اخرج معه فسله أبوك هذا؟ فإن قال: نعم فادفعه إليه" فخرج بلال إليه، فقال: أبوك هذا؟ قال: نعم. فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما رأيت أحدا استعبر إلى صاحبه. فقال: "ذاك جفاء الأعراب".

стр. 5551

رواه أحمد (٢٢٤٦٦) عن محمد بن بكر، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن الشعبي، عن رعية السحيمي، فذكره. وإسناده منقطع لأن عامرًا الشعبي كثير الإرسال، ولم يصرح بالسماع، والحديث ورد مرسلا في مصادر أخرى، كما عند ابن أبي شيبة (٣٧٧٩ ٤). ٤ - سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب كانت سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في شهر ربيع الأول سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ . قالوا: بعث رسول الله ﷺ جيشًا إلى القرطاء عليهم الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر الكلابي، ومعه الأصيد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزج زج لاوه، فدعوهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم، فلحق الأصيد أباه سلمة، وسلمة على فرس له في غدير بالزج، فدعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبه وسب دينه، فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء، ثم استمسك به حتى جاءه أحدهم فقتله، ولم يقتله ابنه. طبقات ابن سعد (٢/ ١٦٢ - ١٦٣). ٥ - سرية علي بن أبي طالب إلى الفُلْس صنم طيء ليهدمه كانت سرية علي بن أبي طالب إلى الفُلْس صنم طيء ليهدمه في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ . قالوا: بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض إلى الفلس ليهدمه، فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلس وخربوه، وملؤوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام، ووجد في خزانة الفلس ثلاثة أسياف: رسوب، والمخذم، وسيف يقال له: اليماني، وثلاثة أدراع. واستعمل رسول الله ﷺ على السبي أبا قتادة، واستعمل على الماشية والرثة عبد الله بن عتيك، فلما نزلوا ركك اقتسموا الغنائم وعزل للنبي ﷺ صفيا رسوبا والمخذم، ثم صار له بعدُ السيف الآخر، وعزل الخمس، وعزل آل حاتم، فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة. طبقات ابن سعد (٢/ ١ ٦٤). ٦ - سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب أرض عذرة وبلي كانت سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب أرض عذرة وبلي في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجر رسول الله ﷺ . طبقات ابن سعد (٢/ ١٦٤).

стр. 5552

جموع ما جاء في غزوة تبوك وكانت في سنة تسع بلا خلاف وسميت غزوة العسرة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]. وذلك لقلة الطعام والشراب والمركب، مع شدة الجو، وكثرة العدو، وبعد الشقة، وكان قلما يخرج لغزوة إلا ورى بغيرها إلا في هذه الغزوة، فإنه أخبرهم بقصده ليعدوا عدتهم، وكان ذلك بعد عودة النبي ﷺ من حصار الطائف بنحو ستة أشهر في العام التاسع الهجري. وكان سبب الخروج أن هرقل والي الروم جمع جموعًا من الروم ومن قبائل العرب لمحاربة رسول الله ﷺ والمؤمنين، فعلم بهم رسول الله ﷺ ، وكان من سياسته ﷺ إذا علم أن قوما هموا بغزوه أن يبادئهم قبل أن يغزوه، أي: غزوة الوقاية، فأسرع الخروج إليهم قبل أن يصل هؤلاء إلى المدينة، فتقابل الجيشان في تبوك، وكان عدد جيش المسلمين نحو ثلاثين ألفا وزيادة. ١ - باب تجهيز جيش العسرة • عن أبي عبد الرحمن أن عثمان حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ : ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من حفر رومة فله الجنة" فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة" فجهزتها قال: فصدقوه بما قال. صحيح: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٧٨) قال: قال عبدان، أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن أن عثمان فذكره. وقول البخاري: "قال عبدان" يحمل على الاتصال، ولذا قال البيهقي (٦/ ١٦٧): رواه البخاري في الصحيح عن عبدان. وعبدان هو عبد الله بن عثمان بن جبلة الملقب بعبدان من شيوخ البخاري. • عن كعب بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل غزو عدو كثير، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم،

стр. 5553

وأخبرهم بوجهه الذي يريد. متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٤٨) ومسلم في التوبة (٢٧٦٩: ٥٤) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب - وكان قائد كعب من بنيه - قال: سمعت كعب بن مالك، فذكره. • عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي ﷺ جيش العسرة، قال: فصبها في حجر النبي ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يقلبها بيده، ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم" يرددها مرارا. حسن: رواه الترمذي (٣٧٠١) وأحمد (٢٠٦٣٠) وابن أبي عاصم في الجهاد (٨٢) والحاكم (٣/ ١٠٢) كلهم من حديث ضمرة بن ربيعة، عن عبد الله بن شؤذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن بن سمرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل كثير بن أبي كثير مولى ابن سمرة، فإنه حسن الحديث، فقد روى عنه عدد كثير، ووثقه العجلي وابن حبان، وأصله ثابت في الصحيح. وروي عن عبد الرحمن بن خباب السلمي قال: خرج رسول الله ﷺ فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان: علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم حث، فقال عثمان: علي مائة أخرى بأحلاسا وأقتابها. قال: ثم نزل مرقاة من المنبر، ثم حث، فقال عثمان بن عفان: علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت النبي ﷺ يقول بيده هكذا يحركها - وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب -: "ما على عثمان ما عمل بعد هذا". رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (١٦٦٩٦) عن أبي موسى العنزي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال حدثني سكن بن المغيرة، قال: حدثني الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب السلمي، فذكره. ورواه الترمذي (٣٧٠٠) وابن حميد (٣٠٠) كلاهما من أبي داود الطيالسي - وهو في مسنده (١١٨٩) عن سكن بن المغيرة بإسناده نحوه. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث السكن بن مغيرة. قلت: وهو كما قال. والسكن بن المغيرة حسن الحديث، ولكن فيه فرقد أبو طلحة "مجهول" قال علي بن المديني: لا أعرفه، وتفرد بالرواية عنه الوليد بن أبي هشام. • عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ وَهْيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ. فَقَالَ: "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَئٍ" وَوَافَقْتُهُ، وَهْوَ غَضْبَانُ وَلَا

стр. 5554

أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنعِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قد وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَىْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ. فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، قَالَ: "خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينينِ - وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ - فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ (أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ". قال أبو موسى: فَانْطَلَقْتُ إلى أصحابي بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ رسول الله ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ وَلَكِن وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حين سألته لكم ومنعه في أول مرة، ثم إعطاءه إياي بعد ذلك، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ، فَقَالُوا لِي: والله! إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ. فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بما حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى، سواء. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤١٥) ومسلم في الأيمان والنذور (١٦٤٩: ٨) كلاهما عن محمد بن العلاء الهمداني، حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال فذكره. ٢ - باب استخلاف علي على المدينة • عن سعد بن أبي وقاص قال: إن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك، واستخلف عليّا فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي". متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤١٦) ومسلم في فضائل الصحابة (٣١: ٢٤٠٤) كلاهما من طريق شعبة، عن الحكم (هو ابن عيينة) عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: فذكره. ٣ - باب الخروج إلى غزوة تبوك • عن كعب بن مالك أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس. صحيح: رواه البخاري في الجهاد (٢٩٥٠) عن عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر،

стр. 5555

عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، فذكره. • عن واثلة بن الأسقع، قال: نادى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فخرجت إلى أهلي، فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله ﷺ فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلًا له سهمه، فنادى شيخ من الأنصار، قال: لنا سهمه على أن نحمله عقبة وطعامه معنا؟ قلت: نعم، قال: فسر على بركة الله، قال: فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا، فأصابني قلائص فسقتهن حتى أتيته، فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات، ثم قال: سقهن مقبلات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كرامًا، قال: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال: خذ قلائصك يا ابن أخي، فغير سهمك أردنا. وفي رواية عنه: خرجت مهاجرا إلى رسول الله ﷺ فلما أقبل الناس من بين خارج وقائم فجعل رسول الله ﷺ لا يرى جالسا إلا دنا إليه فسأله: هل لك من حاجة؟ وبدأ بالصف الأول ثم بالثاني ثم الثالث حتى دنا إلي، فقال: "لك من حاجة؟ " قلت: نعم يا رسول الله! قال: وما حاجتك؟ قلت: "الإسلام" قال: "هو خير لك" قال: "وتهاجر" قلت: نعم قال: "هجرة البادية أو هجرة الباتة؟ " قلت: أيهما أفضل؟ قال: "الهجرة الباتة: أن تثبت مع رسول الله ﷺ ، وهجرة البادية أن ترجع إلى باديتك وعليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومكرهك ومنشطك، وأثرة عليك" قال: فبسطت يدي إليه، فبايعته، قال: واستثنى لي حيث لم أستثن لنفسي "فيما استطعت" قال: ونادى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فخرجت إلى أهلي، فوافقت أبي جالسا في الشمس يستدبرها فسلمت عليه بتسليم الإسلام، فقال: أصبوت؟ فقلت: أسلمت، فقال: لعل الله يجعل لنا ولك فيه خيرا، فرضيت بذلك منه، فبينا أنا معه إذ أتتني أختي تسلم علي، فقلت: يا أختاه! زوديني زاد المرأة أخاها غازيا، فأتتني بعجين في دلو، والدلو في مزود، فأقبلت، وقد خرج رسول الله ﷺ فجعلت أنادي: ألا من يحمل رجلًا له سهمه، فناداني شيخ من الأنصار، فقال: لنا سهمه على أن نحمله عقبة وطعامه معنا فقلت: نعم، قال: سر على بركة الله، فخرجت مع خير صاحب لي زادني حملانا على ما شارطت، وخصني بطعام سوى ما أطعم معه، حتى أفاء الله علينا، فأصابني قلائص فسقتهن حتى أتيته وهو في خبائه، فدعوته فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات، فسقتهن مدبرات، ثم قال: سقهن

стр. 5556

مقبلات، فسقتهن مقبلات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كرامًا، قال: قلت: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، فقال: خذ قلائصك يا ابن أخي، فغير سهمك أردنا. حسن: رواه أبو داود (٢٦٧٦) ومن طريقه البيهقي (٩/ ٢٨) من طريق محمد بن شعيب بن شابور، أخبرني أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عمرو بن عبد الله الحضرمي، عن واثلة بن الأسقع فذكره. واللفظ الأول لهما. ورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٨٠ - ٨١) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٢١) من طريق محمد بن شعيب بن شابور به باللفظ الثاني. وإسناده حسن من أجل عمرو بن عبد الله الحضرمي، فإنه حسن الحديث فقد وثّقه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٣٧) والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في مشاهير علماء الأنصار: كان متقنا، وفيه أيضا محمد بن شعيب بن شابور، وهو صدوق. وقوله: "فغير سهمك أردنا" يشبه أن يكون معناه: إني لم أرد سهمك من المغنم، إنما أردت مشاركتك في الأجر والثواب. قاله الخطابي في المعالم. • عن يعلى بن أمية قال: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعُسْرَةَ قَالَ: كَانَ يَعْلَى يَقُولُ: تِلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ أَعْمَالِي عِنْدِي. قَالَ عَطَاءُ: فَقَالَ صَفْوَانُ: قَالَ يَعْلَى: فَكَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الآخَرِ، قَالَ عَطَاءٌ: فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ: أَيُّهُمَا عَضَّ الآخَرَ فَنَسِيتُهُ، قَالَ: فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ، فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَهْدَرَ ثَنيَّتَهُ. قَالَ عَطَاءٌ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا، كَأَنَّهَا فِي فِي فَحْلٍ يَقْضَمُهَا". متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤١٧) ومسلم في القسامة والمحاربين (٢٣: ١٦٧٤) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء، أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه قال فذكره. ٤ - باب ما جاء في قلة الطعام والشراب وظهور المعجزات في غزوة تبوك • عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد (شك الأعمش) قال: لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله ﷺ : "افعلوا" قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله! إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "نعم" قال: فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، قال: ويجيء الآخر بكف

стр. 5557

تمر، قال: ويجيء الآخر بكسرة. حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال: "خذوا في أوعيتكم" قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك، فيحجب عن الجنة". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٤٥: ٢٧) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد فذكره. ورواه الإمام أحمد (١١٠٨٠) عن أبي معاوية بإسناده، وفيه: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، ثم ذكر مثله. • عن أبي هريرة قال: كنا مع النبي ﷺ في مسير قال: فنفدت أزواد القوم قال: حتى هم بنحر بعض حمائلهم قال: فقال عمر: يا رسول الله! لو جمعت ما بقي من أزواد القوم، فدعوت الله عليها، قال: ففعل قال: فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره (وقال مجاهد وذو النواة بنواه) قلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء، قال: فدعا عليها، حتى ملأ القوم أزودتهم قال: فقال عند ذلك "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٧) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر، قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبيد الله الأشجعي، عن مالك بن مِغوَل، عن طلحة بن مصرف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره. • عن فضالة بن عبيد الأنصاري يقول: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك، فجهد بالظهر جهدًا شديدًا، فشكوا إلى النبي ﷺ ما بظهرهم من الجهد، فتحين بهم مضيقًا، فسار النبي ﷺ فيه، فقال: "مروا بسم الله"، فمر الناس عليه بظهرهم، فجعل ينفخ بظهرهم: "اللهم احمل عليها في سبيلك، إنك تحمل على القوي والضعيف، وعلى الرطب واليابس في البر والبحر" قال: فما بلغنا المدينة حتى جعلت تنازعنا أزمتها. قال فضالة: هذه دعوة النبي ﷺ على القوي والضعيف، فما بال الرطب واليابس! فلما قدمنا الشام غزونا غزوة قبرس في البحر، فلما رأيت السفن في البحر وما يدخل فيها عرفت دعوة النبي ﷺ . صحيح: رواه أحمد (٢٣٩٥٥) وابن حبان (٤٦٨١) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١١٠)

стр. 5558

كلهم من حديث صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، عن فضالة بن عبيد الأنصاري، قال: فذكره. وإسناده صحيح. • عن ابن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا، أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى نظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! قد عودك الله في الدعاء خيرًا، فادع لنا، فقال: "أتحب ذلك؟ " قال: نعم، قال: فرفع يديه ﷺ ، فلم يرجعهما حتى أظلت سحابة، فسكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. صحيح: رواه ابن حبان (١٣٨٣) والبزار - كشف الأستار (١٨٤١) والحاكم (١/ ١٥٩) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢٣١) كلهم من حديث ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. تنبيه: سقط من إسناد ابن حبان "عتبة بن أبي عتبة". وروى البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٢٧) عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] قال: خرجوا في غزوة تبوك: الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حر شديد، فأصابهم يومًا عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها، ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة من الياء، وعسرة من النفقة، وعسرة من الظهر إلا أنه مرسل. ٥ - باب اجتماع المنافقين في عقبة للغدر برسول الله ﷺ - • عن أبي الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله! كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك، قال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة، قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى فقال: "إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد" فوجد قوما قد سبقوه، فلعنهم يومئذ.

стр. 5559

صحيح: رواه مسلم في صفات المنافقين (٢٩٩٧: ١١) عن زهير بن حرب حدثنا أبو أحمد الكوفي حدثنا الوليد بن جميع، حدثنا أبو الطفيل فذكره. قال النووي: وهذه العقبة ليست العقبة المشهورة بمنى التي كان بها بيعة الأنصار ﵃، وإنما هذه عقبة على طريق تبوك، اجتمع المنافقون فيها للغدر برسول الله ﷺ في غزوة تبوك فعصمه الله منهم. اهـ. قلت: يزيده وضوحا الرواية التالية: • عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى: أن رسول الله ﷺ أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد. فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة، ويسوق به عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، غشوا عمارا وهو يسوق برسول الله ﷺ وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: "قد، قد" حتى هبط رسول الله ﷺ ، فلما هبط رسول الله ﷺ نزل ورجع عمار، فقال: "يا عمار، هل عرفت القوم؟ " فقال: قد عرف عامة الرواحل والقوم متلثمون، قال: "هل تدري ما أرادوا؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه " قال: فسار عمار ﵁ رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ فقال: أربعة عشر، فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثة، قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ، وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. قال أبو الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله ﷺ . قال للناس وذكر له أن في الماء قلة، فأمر رسول الله ﷺ مناديا فنادى: أن لا يرد الماء أحد قبل رسول الله ﷺ ، فورده رسول الله ﷺ فوجد رهطا وردوه قبله، فلعنهم رسول الله ﷺ يومئذ. حسن: رواه أحمد (٢٣٧٩٢) عن يزيد، أخبرنا الوليد - يعني ابن عبد الله بن جميع، عن أبي الطفيل، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل الوليد بن عبد الله بن جميع، فإنه حسن الحديث. • عن حذيفة قال: خرج رسول الله ﷺ يوم غزوة تبوك، قال: فبلغه أن في الماء قلة. فأمر مناديا فنادى في الناس: "أن لا يسبقني إلى الماء أحد" فأتى الماء، وقد سبقه قوم فلعنهم.

стр. 5560

حسن: رواه أحمد (٢٣٣٩٥) عن أبي نعيم، حدثنا الوليد - يعني ابن جميع، حدثنا أبو الطفيل، عن حذيفة، فذكره. وإسناده حسن من أجل الوليد بن عبد الله بن جميع، فإنه حسن الحديث. فجعله أبو نعيم شيخُ أحمد من مسند حذيفة. ٦ - مقال المنافقين عندما ضلت ناقة النبي ﷺ - • عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل، قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم والله! إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفي عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول الله ﷺ حيث سار، فلما كان من أمر الناس بالحجر ما كان ودعا رسول الله ﷺ حين دعا، فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه نقول ويحك، هل بعد هذا شيء! قال: سحابة مارة. قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله ﷺ رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم، وكان عقبيا بدريا، وهو عم بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعي وكان منافقا. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل قالوا: فقال زيد بن اللصيت وهو في رحل عمارة وعمارة عند رسول الله ﷺ أليس محمد يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ - وعمارة عنده -: "إن رجلا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله! ما أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها"، فذهبوا، فجاءوا بها. فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجب من شيء حدثناه رسول الله ﷺ آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا للذي قال زيد بن لصيت، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله ﷺ : زيدٌ والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي. فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه، ويقول: إلي عباد الله، إن في رحلي لداهية وما أشعر،

стр. 5561

اخرج أي عدو الله من رحلي، فلا تصحبني. حسن: رواه محمد بن إسحاق فقال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، بإسناده، فذكره. سيرة ابن هشام (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣). ومن هذا الطريق رواه أيضًا البيهقي في الدلائل (٥/ ٢٣١ - ٢٣٢). وإسناده حسن من أجل تصريح ابن إسحاق، ومحمود بن لبيد من صغار الصحابة، يروي عن رجال من قومه، وهم الصحابة. ٧ - مرور النبي ﷺ بالحجر منازل ثمود • عن ابن عمر قال: لما مر النبي ﷺ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤١٩) ومسلم في الزهد (٢٩٨٠) كلاهما من طريق الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: فذكره. ثم ذكر البخاري معلقا عن سبرة بن معبد، وأبي الشموس، وأبي ذر. قلت: الصحيح منها: حديث سبرة بن معبد، وهو ما يليه، وحديث أبي الشموس وأبي ذر ضعيفان. • عن سبرة بن معبد الجهني أن النبي ﷺ قال لأصحابه حين نزل الحجر: "من اعتجن من هذه - يعني - بئرهم - شيئا، فليلقه". فألقى ذو العجين عجينَه، وصاحب الحيس حيسَه. حسن: رواه الطبراني في الكبير (٧/ ١٣٦)، والحاكم (٢/ ٥٦٦) كلاهما من طرقٍ عن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد العزيز بن الربيع بن سبرة فإنه حسن الحديث. والحِجْر: هو مساكن قوم ثمود، وقد مر به الرسول ﷺ وأصحابه في غزوة تبوك. • عن محمد بن أبي كبشة الأنصاري، عن أبيه، واسمه عمرو بن سعد، ويقال: عامر بن سعد، قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنادى في الناس: "الصلاة جامعة" قال: فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعيره، وهو يقول: "ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم؟ " فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله! قال: "أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن

стр. 5562

الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم بشيء". حسن: رواه أحمد (١٨٠٢٩) والطبراني (٣٤٠/ ٢٢ - ٣٤١) والطحاوي في مشكله (٣٧٤١) كلهم من حديث المسعودي، عن إسماعيل بن أوسط، عن محمد بن أبي كبشة، فذكره، واللفظ لأحمد. وإسناده حسن من أجل محمد بن أبي كبشة، ذكر ابن حبان بعض أوصافه، فالظاهر أنه عرفه، وذكر له من الرواة اثنين. وقد حسّن إسناده أيضًا ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ١٦٥). وأما المسعودي فهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة الكوفي اختلط في آخره، ولكن روى عنه جماعة منهم من روى عنه قبل الاختلاط. وفي الباب أحاديث أخرى، انظر: أخبار نبي الله صالح ﵇. ٨ - مرور النبي ﷺ بوادي القرى على حديقة امرأة • عن أبي حميد، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله ﷺ : "اخرصوها" فخرصناها وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق، وقال: "أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله"، وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير، فليشد عقاله" فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيئ، وجاء رسول ابن العَلْماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله ﷺ ، وأهدى له بردا، ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله ﷺ المرأة عن حديقتها: "كم بلغ ثمرها؟ " فقالت: عشرة أوسق. فقال رسول الله ﷺ : "إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع معي ومن شاء فليمكث" فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة، فقال: "هذه طابة، وهذا أحد وهو جبل يحبنا ونحبه" ثم قال: "إن خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير". فلحقنا سعد بن عبادة فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول الله ﷺ خير دور الأنصار، فجعلنا آخرا، فأدرك سعد رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله خيرت دور الأنصار، فجعلتنا آخرا، فقال: "أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار". متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٨١) ومسلم في الفضائل (١٣٩٢: ١١) كلاهما من حديث عمرو بن يحيى، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبي حميد، فذكره.

стр. 5563

٩ - خطبة النبي ﷺ يوم تبوك • عن شهاب العنبري قال: أتيت ابن عباس، أنا وصاحب لي، فلقينا أبا هريرة عند باب ابن عباس فقال: من أنتما؟ فأخبرناه، فقال: انطلقا إلى ناس على تمر وماء، إنما يسيل كل واد بقدره، قال: قلنا: كثر خيرك استأذن لنا على ابن عباس قال: فاستأذن لنا فسمعنا ابن عباس يحدث عن رسول الله ﷺ فقال: خطب رسول الله يوم تبوك فقال: "ما في الناس مثل رجل آخذ بعنان فرسه، فيجاهد في سبيل الله، ويجتنب شرور الناس، ومثل رجل باد في غنمه، يقري ضيفه، ويؤدي حقه" قال: قلت: أقالها؟ قال: قالها، قال: قلت: أقالها؟ قال: قالها، قال: قلت: أقالها؟ قال: قالها، فكبرت الله وحمدت الله، وشكرت. صحيح: رواه أحمد (١٩٨٧) (٢٨٣٧) وابن أبي عاصم في الجهاد (١٥٤) والحاكم (٢/ ٦٧) كلهم من حديث حبيب بن شهاب، حدثني أبي قال: سمعت ابن عباس يقول فذكره. وإسناده صحيح، حبيب بن شهاب وثقه ابن معين والنسائي، وقال أحمد: ليس به بأس، وأبوه شهاب العنبري، وثقه أبو زرعة، وهما من رجال التعجيل. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. ١٠ - قصة الذين تخلّفوا في غزوة تبوك، وكان عدد المسلمين يومئذ أكثر من عشرة آلاف قال الله : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]. • عن كعب بن مالك قال: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كَانَتْ بَدْر أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ،

стр. 5564

وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَاب حَافِظٌ - يُرِيدُ الدِّيوَانَ - قَالَ كَعبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَي أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصلوا لأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَيي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطُفْتُ فِيهِمْ، أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهْوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: "مَا فَعَلَ كَعبٌ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ. يَا رَسُول اللَّهِ! حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ. فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي، وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَئٍ فِيهِ كَذِب، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تبَسَّمَ تبَسُّمَ الْمُغْضَب، ثُمَّ قَالَ: "تَعَال" فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي. "مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ" فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ

стр. 5565

كَذِب تَرْضَى بهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّقْتُ عَنْكَ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللَّهُ فِيكَ" فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفُونَ، قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَكَ، فَوَاللَّهِ! مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبُ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ. فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ وَهِلَال بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا إِسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، وَنَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنبنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تَنكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ، فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهْوَ في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُول فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ، وِإذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهْوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ! أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ. فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ. فَتيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا،

стр. 5566

حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيني فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ. قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ" قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَئٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي لَوِ اسْتَأذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَاذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَأذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ. فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا، فَلَمَّا صلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ" قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا، بَل مِنْ عِنْدِ اللَّهِ". وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ:

стр. 5567

يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صدَقَةً إِلَى اللَّهِ وإِلَى رَسُولِه. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وِإنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة: ١١٧] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فَوَاللَّهِ! مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلإسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فَقَالَ ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]. قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنِ الْغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤١٨) ومسلم في التوبة (٥٣: ٢٧٦٩) من طريق ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول: فذكره. قوله: "والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ". جاء بيانُه في روايةٍ عند مسلم (٢٧٦٩: ٥٥): "وغزا رسول الله ﷺ بناسٍ كثيرٍ، يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ. ١١ - مدة إقامة النبي ﷺ بتبوك • عن جابر قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة. صحيح: رواه أبو داود (١٦٣٥) وأحمد (١٤١٣٩) وابن حبان (٢٧٤٩) والبيهقي (٣/ ١٥٢) كلهم من حديث عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٤٣٣٥) قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، فذكره. وإسناده صحيح. انظر للمزيد

стр. 5568

كتاب الصلاة. ١٢ - رجوع النبي ﷺ إلى المدينة • عن أبي حميد الساعدي قال: أقبلنا مع النبي ﷺ من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: "هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه". متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٢٢) ومسلم في الحج (٥٠٣: ١٣٩٢) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، حدثني عمرو بن يحيى، عن عباس بن سهل بن سعد، عن أبي حميد قال: فذكره، ولفظهما سواء. • عن أنس أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة فقال: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم" قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر". صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٢٣) عن أحمد بن محمد، أخبرنا عبد الله (هو ابن المبارك) أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: فذكره. ١٣ - باب خروج الناس من المدينة لاستقبال النبي ﷺ بعد غزوة تبوك • عن السائب بن يزيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﷺ إلى ثنية الوداع، مقدمه من غزوة تبوك. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٢٧) عن عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: فذكره. ١٤ - باب هدم مسجد الضرار لما رجع النبي ﷺ قافلا من تبوك إلى المدينة نزل عليه بذي أوان قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]، فأرسل النبي ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة. وسيأتي تفصيله في كتاب التفسير.

стр. 5569

جموع ما جاء في الأحداث التي بين غزوة تبوك وحجة الوداع ١ - سرية خالد بن الوليد إلى أكيدر بدومة الجندل عند قفول النبي ﷺ من تبوك بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارسًا في رجب سنة تسع سرية إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، وكان أكيدر من كندة وقد ملكهم، وكان نصرانيًا، فانتهى إليه خالد وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها هو وأخوه حسان، فشدت عليه خيل خالد بن الوليد، فاستأسر أكيدر، وامتنع أخوه حسان، وقاتل حتى قتل، وهرب من كان معهما، فدخل الحصن وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله ﷺ على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفي بعير، وثمانمائة رأس، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح. فعزل للنبي ﷺ صفيًّا خالصًا، ثم قسم الغنيمة فأخرج الخمس، وكان للنبي ﷺ ، ثم قسم ما بقي بين أصحابه، فصار لكل رجل منهم خمس فرائض، ثم خرج خالد بن الوليد بأكيدر وبأخيه مصاد - وكان في الحصن - وبما صالحه عليه قافلًا إلى المدينة، فقدم بأكيدر على رسول الله ﷺ ، فأهدى له هدية فصالحه على الجزية، وحقن دمه ودم أخيه، وخلى سبيلهما. الطبقات الكبرى لابن سعد - (٢/ ١٦٦). وكان ذلك عندما توجه رسول الله ﷺ قافلا من تبوك إلى المدينة، كما ذكر ذلك ابن إسحاق والبيهقي. وتفصيل الهدية في الحديث الآتي: • عن البراء بن عازب قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة حرير، فجعل أصحابه يلمسونها، ويعجبون من لينها، فقال: "أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين". متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٠٢) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٨: ١٢٦) كلاهما عن محمد بن بشار، حدثنا غندر محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، يقول: فذكره. • عن أنس بن مالك قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: "والذي نفس محمد بيده! لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا".

стр. 5570

وفي رواية: أن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ حلة. متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦١٥)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٩: ١٢٧) كلاهما من طريق يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس، فذكره. والرواية الأخرى أخرجها مسلم في الموضع نفسه، عن محمد بن بشار، حدثنا سالم بن نوح، حدثنا عمر بن عامر، عن قتادة، عن أنس، فذكره. وأما البخاري فقد ذكرها معلقة (٢٦١٦) عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، ووصلها أحمد (١٣١٤٨)، وإسنادها صحيح. • عن قيس بن النعمان قال: كان جار لي ختم القرآن على عمر بن الخطاب، قال: خرجت خيل لرسول الله ﷺ فسمع بها أكيدر دومة الجندل، فانطلق إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! بلغني أن خيلك انطلقت، وإني خفت على أرضي، ومالي، فاكتب لي كتابًا لا يتعرض لشيء هو لي، فإني مقر بالذي علي من الحق، فكتب له رسول الله ﷺ ، ثم إن أكيدر أخرج قباء منسوجًا بالذهب، مما كان كسرى يكسوهم، فقال النبي ﷺ : "ارجع بقبائك، فإنه ليس أحد يلبس هذا في الدنيا إلا حُرِمه في الآخرة" فرجع به الرجل، حتى إذا أتى منزله وجد في نفسه أن تُرد عليه هديته، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنا أهل بيت شق علينا أن ترد هديتنا، فاقبل مني هديتي، فقال له: انطلق فادفعه إلى عمر، وقد كان عمر سمع ما قال رسول الله ﷺ ، فقال: أحَدَثَ فِيَّ شيءٌ، قلت في هذا القباء ما سمعت، ثم بعثت به إلي؟ فضحك رسول الله ﷺ حتى وضع يده على فيه، ثم قال: "ما بعثت إليك لتلبسه، ولكن تبيعه فتستعين بثمنه". صحيح: رواه أبو يعلى (المطالب العالية ٢٢٣٧)، وابن قانع مختصرًا في معجم الصحابة (٢/ ٣٥١) كلاهما من طريق جعفر بن حميد، ثنا عبيد الله بن إياد (هو ابن لقيط)، عن أبيه، عن قيس بن النعمان، فذكره. وإسناده صحيح، وصحّحه أيضًا البوصيري في الإتحاف (٥٤٣٦). وقَوَّى إسناده ابن حجر في الفتح (٥/ ٢٣١). ٢ - بعث خالد بن الوليد إلى ثقيف لهدم اللات ذكر البيهقي في الدلائل (٥/ ٣٠٣) بإسناده عن موسى بن عقبة قصة قدوم ثقيف إلى النبي ﷺ ورجوعهم إلى ديارهم، وقال: ثم قدم عليهم رسل رسول الله ﷺ قد أمر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فلما قدموا عمدوا اللات ليهدموها، واستكفت ثقيف كلها، الرجال
следующие страницы →