Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيني فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ. قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ" قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَئٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي لَوِ اسْتَأذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَاذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَأذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ. فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا، فَلَمَّا صلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ" قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا، بَل مِنْ عِنْدِ اللَّهِ". وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ:
стр. 5567
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صدَقَةً إِلَى اللَّهِ وإِلَى رَسُولِه. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وِإنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة: ١١٧] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فَوَاللَّهِ! مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلإسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فَقَالَ ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]. قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنِ الْغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤١٨) ومسلم في التوبة (٥٣: ٢٧٦٩) من طريق ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول: فذكره.
قوله: "والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ".
جاء بيانُه في روايةٍ عند مسلم (٢٧٦٩: ٥٥): "وغزا رسول الله ﷺ بناسٍ كثيرٍ، يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ.
١١ - مدة إقامة النبي ﷺ بتبوك
• عن جابر قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
صحيح: رواه أبو داود (١٦٣٥) وأحمد (١٤١٣٩) وابن حبان (٢٧٤٩) والبيهقي (٣/ ١٥٢) كلهم من حديث عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٤٣٣٥) قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، فذكره. وإسناده صحيح. انظر للمزيد
стр. 5568
كتاب الصلاة.
١٢ - رجوع النبي ﷺ إلى المدينة
• عن أبي حميد الساعدي قال: أقبلنا مع النبي ﷺ من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: "هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٢٢) ومسلم في الحج (٥٠٣: ١٣٩٢) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، حدثني عمرو بن يحيى، عن عباس بن سهل بن سعد، عن أبي حميد قال: فذكره، ولفظهما سواء.
• عن أنس أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة فقال: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم" قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٢٣) عن أحمد بن محمد، أخبرنا عبد الله (هو ابن المبارك) أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: فذكره.
١٣ - باب خروج الناس من المدينة لاستقبال النبي ﷺ بعد غزوة تبوك
• عن السائب بن يزيد قال: أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبي ﷺ إلى ثنية الوداع، مقدمه من غزوة تبوك.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٢٧) عن عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: فذكره.
١٤ - باب هدم مسجد الضرار
لما رجع النبي ﷺ قافلا من تبوك إلى المدينة نزل عليه بذي أوان قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]، فأرسل النبي ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة. وسيأتي تفصيله في كتاب التفسير.
стр. 5569
جموع ما جاء في الأحداث التي بين غزوة تبوك وحجة الوداع
١ - سرية خالد بن الوليد إلى أكيدر بدومة الجندل عند قفول النبي ﷺ من تبوك
بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارسًا في رجب سنة تسع سرية إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، وكان أكيدر من كندة وقد ملكهم، وكان نصرانيًا، فانتهى إليه خالد وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها هو وأخوه حسان، فشدت عليه خيل خالد بن الوليد، فاستأسر أكيدر، وامتنع أخوه حسان، وقاتل حتى قتل، وهرب من كان معهما، فدخل الحصن وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله ﷺ على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفي بعير، وثمانمائة رأس، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح. فعزل للنبي ﷺ صفيًّا خالصًا، ثم قسم الغنيمة فأخرج الخمس، وكان للنبي ﷺ ، ثم قسم ما بقي بين أصحابه، فصار لكل رجل منهم خمس فرائض، ثم خرج خالد بن الوليد بأكيدر وبأخيه مصاد - وكان في الحصن - وبما صالحه عليه قافلًا إلى المدينة، فقدم بأكيدر على رسول الله ﷺ ، فأهدى له هدية فصالحه على الجزية، وحقن دمه ودم أخيه، وخلى سبيلهما. الطبقات الكبرى لابن سعد - (٢/ ١٦٦).
وكان ذلك عندما توجه رسول الله ﷺ قافلا من تبوك إلى المدينة، كما ذكر ذلك ابن إسحاق والبيهقي.
وتفصيل الهدية في الحديث الآتي:
• عن البراء بن عازب قال: أهديت لرسول الله ﷺ حلة حرير، فجعل أصحابه يلمسونها، ويعجبون من لينها، فقال: "أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين".
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٠٢) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٨: ١٢٦) كلاهما عن محمد بن بشار، حدثنا غندر محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، يقول: فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: "والذي نفس محمد بيده! لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا".
стр. 5570
وفي رواية: أن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ حلة.
متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦١٥)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٩: ١٢٧) كلاهما من طريق يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس، فذكره.
والرواية الأخرى أخرجها مسلم في الموضع نفسه، عن محمد بن بشار، حدثنا سالم بن نوح، حدثنا عمر بن عامر، عن قتادة، عن أنس، فذكره.
وأما البخاري فقد ذكرها معلقة (٢٦١٦) عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، ووصلها أحمد (١٣١٤٨)، وإسنادها صحيح.
• عن قيس بن النعمان قال: كان جار لي ختم القرآن على عمر بن الخطاب، قال: خرجت خيل لرسول الله ﷺ فسمع بها أكيدر دومة الجندل، فانطلق إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! بلغني أن خيلك انطلقت، وإني خفت على أرضي، ومالي، فاكتب لي كتابًا لا يتعرض لشيء هو لي، فإني مقر بالذي علي من الحق، فكتب له رسول الله ﷺ ، ثم إن أكيدر أخرج قباء منسوجًا بالذهب، مما كان كسرى يكسوهم، فقال النبي ﷺ : "ارجع بقبائك، فإنه ليس أحد يلبس هذا في الدنيا إلا حُرِمه في الآخرة" فرجع به الرجل، حتى إذا أتى منزله وجد في نفسه أن تُرد عليه هديته، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنا أهل بيت شق علينا أن ترد هديتنا، فاقبل مني هديتي، فقال له: انطلق فادفعه إلى عمر، وقد كان عمر سمع ما قال رسول الله ﷺ ، فقال: أحَدَثَ فِيَّ شيءٌ، قلت في هذا القباء ما سمعت، ثم بعثت به إلي؟ فضحك رسول الله ﷺ حتى وضع يده على فيه، ثم قال: "ما بعثت إليك لتلبسه، ولكن تبيعه فتستعين بثمنه".
صحيح: رواه أبو يعلى (المطالب العالية ٢٢٣٧)، وابن قانع مختصرًا في معجم الصحابة (٢/ ٣٥١) كلاهما من طريق جعفر بن حميد، ثنا عبيد الله بن إياد (هو ابن لقيط)، عن أبيه، عن قيس بن النعمان، فذكره.
وإسناده صحيح، وصحّحه أيضًا البوصيري في الإتحاف (٥٤٣٦).
وقَوَّى إسناده ابن حجر في الفتح (٥/ ٢٣١).
٢ - بعث خالد بن الوليد إلى ثقيف لهدم اللات
ذكر البيهقي في الدلائل (٥/ ٣٠٣) بإسناده عن موسى بن عقبة قصة قدوم ثقيف إلى النبي ﷺ ورجوعهم إلى ديارهم، وقال: ثم قدم عليهم رسل رسول الله ﷺ قد أمر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فلما قدموا عمدوا اللات ليهدموها، واستكفت ثقيف كلها، الرجال
стр. 5571
والنساء والصبيان، حتى خرج العواتق من الحجال لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة، ويظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين، ثم سقط يركض، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة، وقالوا: أبعد الله المغيرة، قد قتلته الربة، وفرحوا حين رأوه ساقطا، وقالوا: من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها، فوالله لا تُستطاع أبدًا، فوثب المغيرة بن شعبة فقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف! إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا على سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرًا حجرًا حتى سووها بالأرض، وجعل صاحب المفتاح يقول: ليغضبن الأساس فليخسفن بهم، فلما سمع ذلك المغيرة، قال لخالد: دعني أحفر أساسها، فحفره حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليتها، وأخذوا ثيابها، فبهتت ثقيف، فقالت عجوز منهم: أسلمها الرضاع وتركوا المصاع، وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله ﷺ بحليتها وكسوتها، فقسمه رسول الله ﷺ من يومه، وحمدوا الله على نصره نبيه ﷺ وإعزاز دينه.
ذكره موسى بن عقبة بدون إسناد مطولًا.
وكان أبو سفيان بن الحرب والمغيرة بن شعبة مع خالد بن الوليد فيه كما في رواية ابن إسحاق فيما ذكره عنه ابن هشام فقال: فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية. فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: ادخل أنت على قومك؛ وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم؛ فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه دونه بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها، ويقول أبو سفيان - والمغيرة يضربها بالفأس -: واها لك واها لك. فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان مجموع مالها من الذهب والفضة والجزع. سيرة ابن هشام (٢/ ٥٤١) وزاد المعاد (٢/ ٥٠٠).
٣ - باب أمر النبي ﷺ لأبي بكر بالخروج للحج
وكان ذلك في العام التاسع في شهر ذي الحجة.
• عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أمَّره النبي ﷺ قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: "لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٦٣) ومسلم في الحج (١٣٤٧) كلاهما من حديث ابن شهاب الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي رواية عند البخاري (٣٦٩) قال أبو هريرة: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم
стр. 5572
النحر نؤذن بمنى: "أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان".
قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله ﷺ عليا فأمره أن يؤذِّن بـ "براءة" قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ وقد كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله! لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: "لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي"، فذكر نحوه إلا أنه مرسل.
وقد روي موصولا: رواه الترمذي (٣٠٩٠) وأحمد (١٣٢١٤) والجوزجاني في الأباطيل (١٢٨) كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن سماك، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ بعث ببراءة مع أبي بكر الصديق، فلما بلغ ذا الحليفة قال: "لا يُبَلِّغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي".
ذكر ابن عدي في ترجمة سماك هذا الحديث وقال: "لا أعلم يرويه عن سماك غير حماد". وسماك هو ابن حرب بن أوس قد تغير بآخره، فكان ربما يتلقن، وهو ليس بذاك القوي، ولذا استنكر عليه هذا المتن، استنكره الخطابي والجوزجاني وابن تيمية وابن القيم وغيرهم.
وقد روي أيضا من أوجه أخرى عن ابن عباس وغيره ولا يسلم منها شيء.
وقد تكلمت على هذا الحديث بالتفصيل في كتاب الحج في باب وجوب ستر العورة في الطواف.
٤ - بعث خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب بنجران
قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى، سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس! أسلموا تسلموا. فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وبذلك كان أمره رسول الله ﷺ إن هم أسلموا ولم يقاتلوا.
ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ : من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته! فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد! يا رسول الله صلى الله عليك، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا أقمت فيهم، وقبلت منهم، وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله ﷺ وبعثت فيهم ركبانا، قالوا: يا بني الحارث أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم
стр. 5573
الإسلام وسنة النبي ﷺ حتى يكتب إلي رسول الله ﷺ ، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
فكتب إليه رسول الله ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك تخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وأنذرهم، وأقبل وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فأقبل خالد إلى رسول الله ﷺ ، وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب منهم قيس بن الحصين ذي الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشداد بن عبد الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابي.
فلما قدموا على رسول الله ﷺ فرآهم قال: "من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ "، قيل: يا رسول الله! هؤلاء رجال بني الحارث بن كعب، فلما وقفوا على رسول الله ﷺ سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. قال رسول الله ﷺ : "وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله". ثم قال رسول الله ﷺ : "أنتم الذين إذا زجروا استقدموا"، فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة فقال يزيد بن عبد المدان: نعم، يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار، فقال رسول الله ﷺ : "لو أن خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا، لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم" فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا، قال: "فمن حمدتم؟ " قالوا: حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله. قال: "صدقتم". ثم قال رسول الله ﷺ : "بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ " قالوا: لم نكن نغلب أحدا؛ قال: "بلى، قد كنتم تغلبون من قاتلكم"، قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله، إنا كنا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال: "صدقتم" وأمر رسول الله ﷺ علي بني الحارث بن كعب قيسَ بن الحصين.
فرجع وفد بني الحارث إلى قومهم في بقية من شوال أو في صدر ذي القعدة فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله ﷺ ورحم وبارك ورضي وأنعم.
السيرة لابن هشام (٢/ ٥٩٢ - ٥٩٤) وذكره البيهقي في الدلائل (٥/ ٤١١ - ٤١٢) بإسناده عن ابن إسحاق.
٥ - بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن
قالوا: بعث رسول الله ﷺ عليا إلى اليمن، وعقد له لواء، وعممه بيده، وقال: "امض ولا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك"، فخرج في ثلاثمائة فارس، وكانت أول
стр. 5574
خيل دخلت إلى تلك البلاد، وهي بلاد مذحج، ففرق أصحابه فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك، وجعل علي على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمي، فجمع إليه ما أصابوا، ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا بالنبل والحجارة، فصف أصحابه ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السلمي، ثم حمل عليهم علي بأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلا فتفرقوا وانهزموا، فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله. وجمع علي الغنائم فجزأها على خمسة أجزاء فكتب في سهم منها لله، وأقرع عليها فخرج أول السهام سهم الخمس، وقسم علي على أصحابه بقية المغنم، ثم قفل فوافى النبي ﷺ بمكة قد قدمها للحج سنة عشر. الطبقات الكبرى (٢/ ١٦٩ - ١٧٠).
• عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله! إنك تبعثني إلى قوم هم أسن مني لأقضي بينهم. قال: "اذهب فإن الله تعالى سيثبت لسانك ويهدي قلبك".
صحيح: رواه أحمد (٦٦١) عن يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي، فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه ابن ماجه (٢٣٠٩) وأحمد (٦٣٦) وغيرهما من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي، قال: فذكر نحوه. وزاد فيه قول علي: فما شككت بعد في قضاء بين اثنين. إلا أن البختري وهو سعيد بن فيروز لم يسمع من علي، ويدل عليه ما رواه شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا البختري الطائي، قال: أخبرني من سمع عليا يقول: فذكر نحوه.
رواه أحمد (١١٤٥) وللحديث أسانيد أخرى سبق ذكرها.
• عن بريدة بن الحصيب قال: بعث النبي ﷺ عليا إلى خالد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا، وقد اغتسل فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: "يا بريدة أتبغض عليا؟ " فقلت: نعم. قال: "لا تبغضه؛ فإن له في الخمس أكثر من ذلك".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٣٥٠) عن محمد بن بشار، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا علي بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: فذكره.
قوله: "ليقبض الخمس" أي خمس الغنيمة، وفي رواية: "ليقسم الخمس".
قوله: "كنت أبغض عليا" وإنما أبغضه لأنه رأى أن عليا أخذ جارية من المغنم، فظن أنه غَلَّ، فلما أعلمه النبي ﷺ أنه أخذ أقلَّ من حقه أَحَبَّه كما في الحديث الآتي:
стр. 5575
• عن بريدة قال: أبغضت عليا بغضا لم يبغضه أحد قط، قال: وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا. قال: فَبُعِثَ ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا. قال: فأصبنا سبيا. قال: فكتب إلى رسول الله ﷺ : ابعث إلينا من يخمسه. قال: فبعث إلينا عليا، وفي السبي وصيفة هي من أفضل السبي، فخمس وقسم، فخرج ورأسه يقطر، فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ قال: ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي، فإني قسمت وخمست، فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت النبي ﷺ ، ثم صارت في آل علي ووقعت بها. قال: فكتب الرجل إلى نبي الله ﷺ ، فقلت: ابعثني، فبعثني مصدقا. قال: فجعلت أقرأ الكتاب، وأقول: صدق. قال: فأمسك يدي والكتاب وقال: "أتبغض عليا؟ " قال: قلت: نعم. قال: "فلا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذي نفس محمد بيده، لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة" قال: فما كان من الناس أحد بعد قول رسول الله ﷺ أحب إلي من عليٍّ.
حسن: رواه أحمد (٢٢٩٦٧) عن يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الجليل، قال: انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجلز وابنا بريدة، فقال عبد الله بن بريدة، حدثني أبي بريدة، قال: فذكره.
قال عبد الله (ابن بريدة): فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين رسول الله ﷺ في هذا الحديث غير أبي - بريدة.
وإسناده حسن من أجل عبد الجليل وهو ابن عطية القيسي أبو صالح البصري، وثقه ابن معين وقال البخاري: "يهم بعض الشيء".
قلت: إنه لم يهم في هذا الحديث لمتابعة سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه في أصل الحديث.
رواه الإمام أحمد (٢٣٠٢٨) عن وكيع، والحاكم (٢/ ١٢٩ - ١٣٠) من حديث أبي عوانة - كلاهما عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة. ولفظ الحاكم أتم.
قال عبد الله بن بريدة الأسلمي: إني لأمشي مع أبي إذ مر بقوم ينقصون عليا ﵁، يقولون فيه، فقام فقال: إني كنت أنال من علي وفي نفسي عليه شيء وكنت مع خالد بن الوليد في جيش فأصابوا غنائم، فعمد علي إلى جارية من الخمس، فأخذها لنفسه، وكان بين علي وبين خالد شيء، فقال خالد: هذه فرصتك وقد عرف خالد الذي في نفسي على علي قال: فانطلق إلى النبي ﷺ فاذكر ذلك له، فأتيت النبي ﷺ ، فحدثته وكنت رجلا مكبابا، وكنت إذا حدثت الحديث أكببت، ثم رفعت رأسي، فذكرت للنبي ﷺ أمر الجيش، ثم ذكرت له أمر علي فرفعت رأسي، وأوداج رسول الله ﷺ قد احمرت قال: قال النبي ﷺ : "من كنت وليه فإن عليا وليه"، وذهب الذي
стр. 5576
في نفسي عليه.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما أخرجه البخاري من حديث علي بن سويد بن منجوف، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مختصرا، وليس في هذا الباب أصح من حديث أبي عوانة هذا عن الأعمش عن سعد بن عبيدة" انتهى.
وفي معناه ما روي عن البراء أن النبي ﷺ بعث جيشين، وأمَّر على أحدهما علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: "إذا كان القتال فعلي" قال: فافتتح علي حصنا، فأخذ منه جارية، فكتب معي خالد بن الوليد إلى النبي ﷺ يشي به، فقدمت على النبي ﷺ ، فقرأ الكتاب فتغير لونه، ثم قال: "ما ترى في رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؟ " قال: قلت: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، وإنما أنا رسول. فسكت.
رواه الترمذي (١٧٠٤، ٣٧٢٥) وابن أبي شيبة في المصنف (٣٢٧٨٢) عن الأحوص بن جواب، عن يونس بن أبي إسحق، عن أبي إسحق، عن البراء، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الأحوص بن جواب".
قلت: إسناده ضعيف؛ فإن أبا إسحاق السبيعي اختلط، وقد سمع منه يونس بن أبي إسحاق بعد الاختلاط.
قوله: "يشي به" يعني النميمة.
وأما ما رواه أجلح، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وجاء فيه: "لا تقع في علي؛ فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي، وإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي" فهو منكر. رواه أحمد (٢٣٠١٢) والنسائي في خصائص علي (٩٠) والبزار - كشف الأستار (٢٥٦٣) كلهم من هذا الوجه، وأجلح هو ابن عبد الله بن حُجية مختلف فيه غير أنه أنكر عليه أحاديث منها هذا الحديث، ولذا قال النسائي: ضعيف ليس بذاك، وكان له رأي سوء (يعني في سب الشيخين).
وفيه أيضا حديث عمران بن حصين رواه أحمد (١٩٩٢٨) وابن حبان (٦٩٢٩) وفي متنه نكارة وهو مخرج في موضعه.
• عن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ ، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان، قال: فغضبت قريش فقالوا: أتعطي صناديد نجد وتدعنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم" فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد! قال: فقال رسول الله ﷺ : "فمن يطع الله إن عصيته؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا
стр. 5577
تأمنوني؟ " قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله، يرون أنه خالد بن الوليد، فقال رسول الله ﷺ : "إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد".
متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٤٣٢)، ومسلم في الزكاة (١٠٦٤: ١٤٣) كلاهما من طريق سعيد بن مسروق، عن عبد الرحمن بن أبي أنعم، قال: سمعت أبا سعيد الخدري، يقول: فذكره.
٦ - باب بعث خالد بن الوليد إلى اليمن
• عن البراء قال: بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه فقال: "مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقفل" فكنت فيمن عَقَّبَ معه، قال: فغنمت أواقي ذوات عدد.
صحيح: رواه البخاري في التوحيد (٤٣٤٩) عن أحمد بن عثمان، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، حدثني أبي، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، فذكره.
وكان ذلك بعد رجوع النبي ﷺ من الطائف وقسمة الغنائم بالجعرانة.
قال البخاري: قبل حجة الوداع.
وقوله: "أن يُعَقِّبَ معك" أي يرجع إلى اليمن.
والتعقيب أن يعود بعض العسكر بعد الرجوع ليصيبوا غزوة من الغد، كذا قال الخطابي كما في الفتح (٨/ ٦٦).
٧ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع
• عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، قال: بعث النبي ﷺ جده أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن فقال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا" فقال أبو موسى: يا نبي الله! إن أرضنا بها شراب من الشعير: المزر، وشراب من العسل: البتع، فقال: "كل مسكر حرام" فانطلقا فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا، وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقًا. قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، وضرب فسطاطًا، فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى، فإذا رجل موثق، فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد. فقال معاذ: لأضربن عنقه.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٤٤) عن مسلم، حدثنا شعبة، حدثنا سعيد بن أبي
стр. 5578
بردة، عن أبيه، فذكره، واللفظ له. وذكر متابعات عن شعبة.
وأخرجه مسلم في الإمارة (١٧٣٣: ١٥) من وجه آخر عن أبي بردة بعض معانيه.
• عن أبي بردة قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال، وبعث كل واحد منهما على مخلاف قال: واليمن مخلافان، ثم قال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا" فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه كان قريبًا من صاحبه أحدث به عهدًا فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أيم هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه. قال: لا أنزل حتى يقتل. قال: إنما جيء به لذلك فانزل. قال: ما أنزل حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل فقال: يا عبد الله كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقا، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم، وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٣٤١، ٤٣٤٢) عن موسى، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عبد الملك، عن أبي بردة قال: فذكره.
قوله: "مخلاف" بمعنى إقليم فكان معاذ للجهة العلياء إلى صوب عدن، وأبو موسى للجهة السفلى.
قوله: "أتفوقه" أي: ألازم قراءته ليلا ونهارا، شيئا بعد شيء.
قوله: "أحدث به عهدا" أي: جدَّدَ به العهد لزيارته.
• عن أبي موسى أن النبي ﷺ بعثه ومعاذا إلى اليمن فقال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا".
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٣٠٣٨) ومسلم في الجهاد والسير (١٧٣٣: ٧) كلاهما من طريق وكيع، عن شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، قال: فذكره.
• عن أبي موسى الأشعري، قال: بعثني النبي ﷺ أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن فقلت: يا رسول الله! ﷺ إن شرابًا يصنع بأرضنا يقال له: المزر، من الشعير، وشراب يقال له: البتعُ، من العسل، فقال: "كل مسكر حرام".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٤٣) ومسلم في الأشربة (١٨٣٣: ٧٠) كلاهما من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، قال: فذكره.
стр. 5579
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٤٧) ومسلم في الإيمان (١٩) كلاهما من حديث زكريا بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، فذكره، ولفظهما سواء.
• عن معاذ قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه رسول ﷺ يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال: "يا معاذ! إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، أو لعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري" فبكى معاذ جشعًا لفراق رسول الله ﷺ ، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: "إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا".
وفي رواية: فقال النبي ﷺ : "لا تبك يا معاذ! للبكاء - أو إن البكاء - من الشيطان".
حسن: رواه أحمد (٢٢٠٥٢، ٢٢٠٥٤) والطبراني (٢٠/ ١٢١) وابن حبان (٦٤٧) كلهم من طريق صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني، عن معاذ بن جبل، فذكره.
وزاد ابن حبان: "اللهم إني لا أحل لهم فساد ما أصلحت، وأيم الله ليكفؤون أمتي عن دينها كما يكفأ الإناء في البطحاء".
وإسناده حسن من أجل عاصم بن حميد السكوني، فإنه حسن الحديث.
٨ - باب بعث جرير بن عبد الله إلى ذي الخلصة
• عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " فقلت: بلى، فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال: "اللهم ثبته، واجعله هاديًّا مهديَّا" قال: فما وقعت عن فرس بعد، قال: وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعم وبجيلة، فيه نصب تعبد، يقال له الكعبة، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها.
стр. 5580
قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول رسول الله ﷺ ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير، فقال: لتكسرنها ولتشهدن: أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك؟ قال: فكسرها وشهد، ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبي ﷺ يبشره بذلك، فلما أتى النبي ﷺ قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبرك النبي ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٥٧) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٧٦: ١٣٧) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: فذكره.
• عن جرير قال: كان بيت في الجاهلية يقال له: ذو الخلصة، والكعبة اليمانية، والكعبة الشامية، فقال لي النبي ﷺ : "ألا تريحني من ذي الخلصة" فنفرت في مائة وخمسين راكبا، فكسرناه، وقتلنا من وجدنا عنده، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فدعا لنا ولأحمس.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٥٥) ومسلم في الفضائل (٢٤٧٦: ١٣٦) كلاهما من حديث خالد (ابن عبد الله الطحان)، حدثنا بيان (ابن بشر)، عن قيس (ابن أبي حازم)، عن جرير بن عبد الله، فذكره.
وقوله: "ولأحمس" وهم إخوة بجيلة - رهط جرير، ينسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار، وبجيلة امرأة نسبت إليها القبيلة المشهورة.
• * *
стр. 5581
جموع ما جاء في حجة الوداع
١ - باب حجة النبي ﷺ التي سميت بحجة الوداع
خرج النبي ﷺ من المدينة يوم الخميس لخمس بقين من ذي القعدة في السنة العاشرة، وخرج معه بشر كثير.
• عن جابر بن عبد الله قال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله. وذكر الحديث بطوله.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، قال: دخلت على جابر بن عبد الله، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ، فقال: فذكره.
وسميت حجة الوداع لأنه ﷺ ودَّع الناس فيها وقال لهم: "خذوا عني مناسككم، لعلي لا ألقاكم بعد عامكم هذا".
وأكمل الله هذا الدين الذي ارتضاه للناس في حجة الوداع. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
• عن طارق بن شهاب أن أناسًا من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. فقال: عمر أية آية؟ فقالوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فقال عمر: إني لأعلم أي مكان أنزلت، أنزلت ورسول الله ﷺ واقف بعرفة.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٠٧) ومسلم في التفسير (٣٠١٧) كلاهما من حديث سفيان الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، فذكره، واللفظ للبخاري.
• عن زيد بن أرقم قال: إن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها: حجة الوداع.
قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٠٤) ومسلم في الحج (١٢٥٤: ٢١٨) وفي الجهاد والسير (١٢٥٤: ١٤٤) كلاهما من طريق زهير، حدثنا أبو إسحاق، قال: حدثني زيد بن أرقم،
стр. 5582
قال: فذكره.
قوله: "وبمكة أخرى" قال الحافظ ابن حجر: هذا قد يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلا واحدة، وليس كذلك بل حج قبل أن يهاجر مرارًا.
• عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ لما حج بنسائه قال: "إنما هذه الحجة، ثم الزمن ظهور الحصر".
حسن: رواه الإمام أحمد (٩٧٦٥)، وأبو يعلى (٧١٥٨)، والطيالسي (١٧٥٢)، والبيهقيّ (٥/ ٢٢٨) كلّهم من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وزاد الأخيران: "فكن يحججن إلّا سودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، فإنهما كانتا تقولان: واللهِ لا تُحركُنا دابةٌ بعد أن سمعنا من رسول الله ﷺ ".
وأمّا معنى الحديث فكما قال البيهقيّ: "في حجّ عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين بعد رسول الله ﷺ دلالة على أنّ المراد من هذا الخبر وجوب الحجّ عليهن مرّة واحدة كما بيّن وجوبه على الرجال مرة لا المنع من الزيادة عليه".
وقوله: "الحصر" بضمة وسكون الصاد تخفيفًا، جمع حصير يُبسط في البيوت، وفيه إشارة إلى لزوم البيت وترك الحجّ النّفل بعد أن تيسّر لهن الحجّ مع النبيّ ﷺ ، لا النهي عن الحج كليًّا تطوّعًا بعد أداء الفريضة، وقد صح من فعل أزواج النبيّ ﷺ أنهن حججن بعده ﷺ .
٢ - خطبة عظيمة في حجة الوداع
• عن جابر بن عبد الله قال في قصة حجة الوداع: فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنَزَل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة - يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس -
стр. 5583
: "اللهم اشهد، اللهم اشهد" ثلاث مرات.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره في حديث طويل.
• عن ابن أبي بكرة، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: "الزمان قد استدار كهيئة يومَ خلق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، أي شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: "أليس ذو الحجة؟ " قلنا: بلى. قال: "فأي بلد هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس البلدة؟ " قلنا: بلى. قال: "فأي يوم هذا" قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس يوم النحر" قلنا: بلى. قال: "فإن دماءكم وأموالكم - قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فسيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه" فكان محمد إذا ذكره يقول: صدق محمد ﷺ ثم قال: "ألا هل بلغت؟ "مرتين.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٠٦) ومسلم في القسامة (١٦٧٩: ٢٩) كلاهما من حديث عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن أبي بكرة، فذكره، وذلك يوم النحر كما ذكره البخاري (١٧٤١) وانظر بقية الخطب في كتاب الجج.
٣ - باب سكن النبي ﷺ بمكة
• عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ مكة فطاف وسعى بين الصفا والمروة، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة.
صحيح: رواه البخاري في الجج (١٦٢٥) عن محمد بن أبي بكر، حدثنا فضيل، حدثنا موسى بن عقبة، أخبرني كريب، عن عبد الله بن عباس، فذكره.
وقد ثبت أنه نزل عند الحجون وهو بأعلى مكة، وقد سبق ذكر بعضه بالتفصيل في كتاب الجج.
٤ - مدة إقامة النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع
• عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلى
стр. 5584
ركعتين ركعتين حتى رجع، قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشرا.
متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٨١) ومسلم في صلاة المسافرين (٦٩٣: ١٥) كلاهما من طريق يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك، قال: فذكره.
وذكر البخاري في المغازي أنه أقام هذه المدة في فتح مكة لكن الصواب أن حديث أنس هذا في حجة الوداع، لأنه دخل يوم الرابع وخرج يوم الرابع عشر، قاله ابن حجر. الفتح (٨/ ٢١).
٥ - خطبة النبي ﷺ عند عودته من مكة إلى المدينة بماء خم
• عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول الله ﷺ ، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: يا ابن أخي! والله! لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبًا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: "أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٤٠٨) من طرق عن إسماعيل بن إبراهيم، حدثني أبو حيان، حدثني يزيد بن حيان، فذكره.
٦ - بعث أسامة بن زيد إلى الشام
رجع النبي ﷺ من حجة الوداع في أواخر ذي الحجة من العام نفسه.
وفي شهر صفر من العام الحادي عشر ندب الناس لغزو الروم بالبلقاء وفلسطين، وكان فيهم كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، ولكن أمر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وكان ابن ثمان عشرة سنة.
стр. 5585
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرون والأنصار. قال ابن هشام: وهو آخر بعث بعثه رسول الله ﷺ .
• عن ابن عمر قال: أمَّر رسول الله ﷺ أسامة على قوم، فطعنوا في إمارته، فقال: "إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله لقد كان خليقا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٢٥٠) ومسلم في الفضائل (٢٤٢٦) كلاهما من حديث عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر، يقول: فذكره.
وأما ما روي عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قرية يقال لها: أُبنى، فقال: "ائت أُبنى صباحا، ثم حَرِّقْ" ففي إسناده ضعف.
رواه أبو داود (٢٦١٦) وابن ماجه (٢٨٤٣) وأحمد (٢١٧٨٥) من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، فذكره.
وفيه صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف.
وله طرق أخرى كلها ضعيفة. وقوله: "أبنى" ويقال: يُبْنى، على وزن حُبلى موضع بالشام من جهة البلقاء، وقيل: موضع في فلسطين.
ثم مرض رسول الله ﷺ ولم يتحرك الجيش، وبقي معسكرا بالجرف، فلما توفي رسول الله ﷺ رجعوا إلى المدينة، وبعد أن استخلف أبو بكر الصديق أمر بخروج الجيش، وعددهم نحو ثلاثة آلاف.
стр. 5586
جموع ما جاء في مرض رسول الله ﷺ ووفاته ودفنه
١ - باب ما جاء في مرض رسول الله ﷺ -
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: ما رأيتُ أحدا أشدَّ عليه الوجعُ من رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في المرضى (٥٦٤٦)، ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٧٠: ٤٤) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق قال: قالت عائشة فذكرته.
• عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه يقول: "أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟ " يريد يوم عائشة، فأذِنَّ له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها. قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن! فأعطانيه فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ ، فاستن به وهو مستند إلى صدري.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٥٠) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٤٣: ٨٤) كلاهما من طريق هشام بن عروة، أخبرني أبي، عن عائشة فذكرته.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجَه أن يمرض في بيتي، فأذِنَّ له، فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه في الأرض، بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر، قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال: قلت: لا. قال ابن عباس: هو علي بن أبي طالب، وكانت عائشة زوج النبي ﷺ تحدث أن رسول الله ﷺ لما دخل بيتي واشتد به وجعه قال: "هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس". فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ ، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت: ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٤٢) ومسلم في الصلاة (٤١٨: ٩٢) كلاهما من
стр. 5587
طريق الليث، حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عائشة قالت: فذكرته.
• عن عائشة قالت: لددنا رسول الله ﷺ في مرضه، فأشار أن لا تَلُدُّوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: "لا يبقى أحد منكم إلا لُدَّ غيرُ العباس؛ فإنه لم يشهدكم".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٥٨) ومسلم في السلام (٢٢١٣: ٨٥) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد (هو القطان)، حدثني موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة، قالت: فذكرته.
قوله: "لددناه" أي جعلنا في جانب فمه دواء بغير اختياره.
• عن أسماء بنت عميس قالت: أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، فاشتد مرضه حتى أغمي عليه، قال: فتشاور نساؤه في لدّه، فلدوه، فلما أفاق قال: "هذا فعل نساء جئن من هؤلاء"، وأشار إلى أرض الحبشة، وكانت أسماء بنت عميس فيهن، قالوا: كنا نتهم بك ذات الجنب يا رسول الله! قال: "إن ذلك لداء ما كان الله ليقذفني به، لا يبقين في البيت أحد إلا التدَّ"، إلا عم رسول الله ﷺ يعني عباسا - قال: فلقد التدت ميمونة يومئذ، وإنها لصائمة، لعزيمة رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه عبد الرزاق (٥/ ٤٢٨ - ٤٢٩) (٩٧٥٤) عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أسماء بنت عميس، قالت: فذكرته. وإسناده صحيح.
وقد صحّحه أيضًا الحافظ في الفتح (٨/ ١٤٨).
• عن عبد الله بن كعب أن عبد الله بن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن! كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا، فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله ﷺ سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فلنسأله فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه، فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله! لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله! لا أسألها رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٤٧) عن إسحاق (ابن راهويه)، أخبرنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة، قال: حدثني أبي، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك
стр. 5588
الأنصاري، أن عبد الله بن عباس، أخبره: فذكره.
قوله: "أنت والله بعد ثلاث عبد العصا".
قال الحافظ: هو كناية عمن يصير تابعا لغيره، والمعنى أنه يموت بعد ثلاث وتصير أنت مأمورا عليك. الفتح (٨/ ١٤٣).
• عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بل دمعه الحصى، فقلت: يا ابن عباس، وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه، فقال: "ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي"، فتنازعوا، وما ينبغي عند نبي تنازع، وقالوا: ما شأنه أهجر؟ استفهموه، قال: "دعوني فالذي أنا فيه خير، أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم"، قال: وسكت عن الثالثة، أو قالها، فأنسيتها.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٣١) ومسلم في الوصية (١٦٣٧: ٢٠) كلاهما من طريق سفيان (هو ابن عيينة)، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس، فذكره.
الساكت: هو ابن عباس، والناسي: سعيد بن جبير.
قال المهلب: الثالثة هي تجهيز جيش أسامة.
• عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبي ﷺ : "هلم أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده" فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت، فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : "قوموا".
قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٣٢) ومسلم في الوصية (١٦٣٧: ٢٢) كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: فذكره.
قوله: "هلم أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده" قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في الكتاب الذي هم النبي ﷺ به، فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع نزاع وفتن، وقيل: أراد كتابا يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة؛ ليرتفع النزاع فيها، ويحصل الاتفاق
стр. 5589
على المنصوص عليه، وكان النبي ﷺ هَمَّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك، ونسخ ذلك الأمر الأول. وأما كلام عمر ﵁ فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله، ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب ﷺ أمورا ربما عجزوا عنها؛ واستحقوا العقوبة عليها؛ لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، فقال عمر: حسبنا كتاب الله؛ لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فعلم أن الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة، وأراد الترفيه على رسول الله ﷺ ، فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه.
قال الخطابي: ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله ﷺ ، أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله ﷺ من الوجع، وقرب الوفاة مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلا إلى الكلام في الدين، وقد كان أصحابه ﷺ يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش. فأما إذا أمر النبي ﷺ بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم. اهـ.
• عن عبد الله بن مسعود قال: أتيت النبي ﷺ في مرضه - وهو يوعك وعكا شديدا - وقلت: إنك لتوعك وعكا شديدا. قلت: إن ذاك بأن لك أجرين. قال: "أجل، ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتَّ الله عنه خطاياه كما تُحَاتُّ ورق الشجر".
متفق عليه: رواه البخاري في كتاب المرض (٥٦٤٧) ومسلم في البر والصلة (٢٥٧١) كلاهما من حديث سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سُويد، عن عبد الله بن مسعود، فذكره، واللفظ للبخاري.
وفي لفظ عندهما: "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم".
• عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: مرض رسول الله ﷺ مرضا اشتد منه ضجره أو وجعه، قالت: فقلت: يا رسول الله! إنك لتجزع أو تضجر، لو فعلته امرأة منا عجبت منها! قال: "أوما علمت أن المؤمن يشدد عليه ليكون كفارة لخطاياه؟ ".
صحيح: رواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٠٧) عن محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا إسرائيل بن يونس، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبي بردة، عن بعض أزواج النبي ﷺ ويحسبها عائشة، قالت: فذكرته. وإسناده صحيح.
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي
стр. 5590
كان ينفث، وأمسح بيد النبي ﷺ عنه.
متفق عليه: رواه مالك في العين (١٠) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: فذكرته. ورواه مسلم في السلام (٢١٩٢: ٥١) من طريق مالك به. ورواه البخاري في المغازي (٤٤٣٩) من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة به.
٢ - باب آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ بالناس
• عن أم الفضل بنت الحارث قالت: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا، ثم ما صلَّى لنا بعدها حتى قبضه الله.
متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (٢٦) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن أم الفضل، قالت: فذكرته.
وأخرجه مسلم في الصلاة (٤٦٢: ١٧٣) من طريق مالك به.
وأخرجه البخاري في المغازي (٤٤٢٩) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله به، واللفظ له.
وأم الفضل هي والدة عبد الله بن العباس، واسمها لبابة بنت الحارث.
وسيأتي في الباب الآتي حديث عائشة أنه ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس صلاة العشاء، فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم وجد رسول الله من نفسه خفة فخرج لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس.
٣ - باب إمامة أبي بكر في مرضه ﷺ -
• عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة، فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ قالت: بلى، ثقل النبي ﷺ ، فقال: "أصلى الناس؟ " قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله! . قال: "ضعوا لي ماء في المخضب". ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: "أصلى الناس؟ " قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله! . فقال: "ضعوا لي ماء في المخضب". ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: "أصلى الناس؟ " قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله! فقال: "ضعوا لي ماء في المخضب" ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: "أصلى الناس؟ " فقلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة. قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فأتاه الرسول
стр. 5591
فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر - وكان رجلا رقيقا -: يا عمر! صل بالناس. قال: فقال عمر: أنت أحق بذلك. قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام. ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخر. وقال لهما: "أجلساني إلى جنبه" فأجلساه إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد.
قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قال: هات. فعرضت حديثها عليه، فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال: علي.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٨٧) ومسلم في الصلاة (٤١٨: ٩٠) كلاهما عن أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زائدة، حدثنا موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، قال فذكره.
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة: إن أبا بكر - يا رسول الله - إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله: "إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا.
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٨٩) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ورواه البخاري في الاعتصام (٧٣٠٣) من طريق مالك به.
ورواه مسلم في الصلاة (٤١٨: ٩٤ - ٩٥) من طرق أخرى عن عائشة نحوه.
• عن عائشة قالت: لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدًا، وإلا أني كنت أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٤٥) ومسلم في الصلاة (٤١٨: ٩٣) كلاهما من
стр. 5592
طريق الليث بن سعد، حدثني عقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرته.
• عن أبي موسى قال: مرض رسول الله ﷺ فاشتد مرضه فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل رقيق، متى يقم مقامك لا يستطع أن يصلي بالناس. فقال: "مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف" قال: فصلى بهم أبو بكر حياة رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٧٨) ومسلم في الصلاة (٤٢٠) كلاهما من حديث حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره.
ولكن رواه أحمد (٢٣٠٦٠) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن ابن بريدة، عن أبيه، فذكره.
قال الدارقطني في علله (٧/ ٢١٨، ٢١٩): والصواب عن أبي موسى.
٤ - باب تبسم النبي ﷺ وهو في مرض موته
• عن أنس بن مالك الأنصاري - وكان تبع النبي ﷺ وخدمه وصحبه - أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ ، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي ﷺ : أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، فتوفي من يومه.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٨٠) ومسلم في الصلاة (٤١٩: ٩٨) كلاهما من حديث ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك، فذكره.
قوله: "كأن وجهه ورقة مصحف" عبارة عن الجمال البارع وحسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته.
في المصحف ثلاث لغات: ضم الميم وكسرها وفتحها، أفاده النووي.
وكان تبسمه لإقامة شعائر الله بعده، واجتماع الناس على أخيه أبي بكر الصديق ﵁.
٥ - آخر وصية أوصى بها النبي ﷺ في مرض موته
• عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس، وما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه يوم الخميس، فقال: "ائتوني
стр. 5593
بكتاب أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا" فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله ﷺ ، قال: "دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه".
وأوصى عند موته بثلاث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم" ونسيت الثالثة.
قال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب، فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن.
وقال يعقوب: والعرج أول تهامة.
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٣٠٥٣) ومسلم في الوصية (١٦٣٧) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
والثالث: التحذير من اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد كما في الأحاديث الآتية:
• عن أبي عبيدة قال: آخر ما تكلم به النبي ﷺ : "أخرجوا يهود أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٩١)، والبزار - كشف الأستار (٤٣٩)، وأبو يعلى (٨٧٢)، والدارمي (٢٥٠١)، والحميدي (٥٨)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٥٧)، والبيهقي (٩/ ٢٠٨) كلهم من طرق عن إبراهيم بن ميمون، قال: حدثنا سعد بن سمرة بن جندب، عن أبيه، عن أبي عبيدة، فذكر مثله، وبعضهم اقتصر على قوله: "أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب"، ومنهم من جمع بينه وبين اتخاذ القبور مساجد.
وإسناده حسن لأجل إبراهيم بن ميمون الحناط المعروف بالنحاس مولى آل سمرة فإنه حسن الحديث. وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: محله الصدق.
وسعد بن سمرة وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٢٩٤) وذكره الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٨) وعزاه للبزار وحده وقال: رجاله ثقات.
واختلف أهل العلم في تحديد جزيرة العرب والصحيح هي الأرض الواقعة بين بحر الهند وبحر القلزم، والخليج العربي وبحر الحبشة وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم، وبها أوطانهم ومنازلهم، ولكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة وهو مكة والمدينة على رأي جمهور العلماء. وعند الشافعي يجوز دخولهم بإذن الامام لمصلحة المسملمين. انظر للمزيد: فتح الباري (٦/ ١٧١).
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت: فلولا ذاك لأبرز قبره غير أنه
стр. 5594
خُشِيَ أن يُتَّخَذَ مسجدًا.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٤١) ومسلم في المساجد (٥٢٩: ١٩) كلاهما من طريق هلال بن أبي حميد الوزَّان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: فذكرته.
• عن أنس بن مالك يقول: مر أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار، وهم يبكون. فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا، فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم".
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٧٩٩) عن محمد بن يحيى أبي علي، حدثنا شاذان أخو عبدان، حدثنا أبي، أخبرنا شعبة بن الحجاج، عن هشام بن زيد، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: فذكره.
ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٥١٠) من طريق آخر عن شعبة، سمعت قتادة يحدث عن أنس، فذكر الجزء المرفوع فقط بدون القصة.
وقوله: "الأنصار كرشي وعيبتي" أي: جماعتي وخاصتي.
قال الخطابي في أعلام الحديث (٣/ ١١٤٤): "كرشي وعيبتي: يريد أنهم بطانتي وخاصتي، وضرب المثل بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون به بقاؤه، وقد يكون الكرش عيال الرجل وأهله، ويقال: لفلان كرش منثورة، أي: عيال كثيرة.
والعيبة: هي التي يخزن فيها المرء حر ثيابه، ومصونها، ضرب المثل بها، يريد أنهم موضع سره وأمانته".
• عن عبد الله بن عباس قال: كشف رسول الله ﷺ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال: "اللَّهم هل بلغت؟ " ثلاث مرات - "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا، يراها العبد الصالح أو ترى له".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٧٩: ٢٠٨) عن يحيى بن أيوب، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه سفيان، عن سليمان بن سحيم، وزاد فيه: "ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم".
وقوله: "قمن" أي: حقيق وجدير.
стр. 5595
٦ - باب وصية النبي ﷺ بالصلاة عند مرض موته
• عن علي قال: كان آخر كلام رسول الله ﷺ : "الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم".
حسن: رواه أبو داود (٥١٥٦) وابن ماجه (٢٦٩٨) وأحمد (٥٨٥) والبخاري في الأدب المفرد (٥٠) والبيهقي (٨/ ١١) كلهم من حديث محمد بن فضيل، عن مغيرة، عن أم موسى، عن علي، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أم موسى وهي سرية علي، قيل: اسمها فاختة، وقيل: حبيبة. روى عنها مغيرة بن مقسم الضبي. قال الدارقطني: حديثها مستقيم، يخرج حديثها اعتبارًا، وقال العجلي: كوفية تابعية ثقة.
وبمعناه روي أيضا عن علي قال: أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده. قال: فخشيت أن تفوتني نفسه، قال: قلت: إني أحفظ وأعي. قال: "أوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم".
رواه أحمد (٦٩٣) عن بكر بن عيسى الراسبي، حدثنا عمر بن الفضل، عن نعيم بن يزيد، عن علي بن أبي طالب، فذكره.
وفيه نعيم بن يزيد مجهول، لم يرو عنه سوى عمر بن الفضل. قال أبو حاتم: هو مجهول.
وفي الباب عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه.
رواه ابن ماجه (١٦٢٥) وأحمد (٢٦٦٥٧، ٢٦٧٢٧) وأبو يعلى (٦٩٧٩) كلهم من حديث همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن سفينة، عن أم سلمة، ذكرته.
ورجاله ثقات غير أن فيه انقطاعا، فإن صالحا أبا الخليل - وهو ابن أبي مريم الضبعي مولاهم - روايته عن سفينة مرسلة إلا أن رواية همام عن قتادة أصح من رواية سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس، وهو الآتي.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" قال أبي: نرى أن هذا خطأ، والصحيح حديث همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن سفينة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ .
وفيه انقطاع كما سبق.
وقال أبو زرعة: رواه سعيد بن أبي عروبة فقال: عن قتادة، عن سفينة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ . وقال: وابن أبي عروبة أحفظ، وحديث همام أشبه، زاد همام رجلا" انتهى. العلل (١/ ١١٠ - ١١١).
стр. 5596
وأما حديث سعيد بن أبي عروبة فرواه أحمد (٢٦٤٨٣، ٢٦٦٨٤) والنسائي في الكبرى (٧٠٦١) من طريقه عن قتادة، أن سفينة مولى أم سلمة، حدث عن أم سلمة، فذكرته. قال النسائي: قتادة لم يسمعه من سفينة.
وأما حديث أنس فرواه ابن ماجه (٢٦٩٧) وأحمد (١٢١٦٩) وابن حبان (٦٦٠٥) كلهم من حديث سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس، قال: كان آخر وصية رسول الله ﷺ وهو يغرغر بها في صدره، وما كان يفيض بها لسانه: "الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم". وسبق قول أبي حاتم: أن هذا خطأ.
وأما الحاكم (٣/ ٥٧) فرواه من هذا الوجه ولكنه أسقط "قتادة" بين سليمان وأنس، فجعله عن أنس.
قال النسائي: وسليمان التيمي لم يسمع هذا الحديث من أنس. الكبرى (٧٠٥٧). ثم رواه النسائي في الكبرى (٧٠٥٩) من حديث سليمان، عن قتادة، عن صاحب له، عن أنس نحوه.
وفيه رجل مبهم، وهذه هي علة هذا الإسناد.
والخلاصة: أن حديث أم سلمة وحديث أنس لا يخلوان من علّةٍ إلا أن حديث علي بن أبي طالب يشهد لهما.
٧ - عدم وصية النبي ﷺ بوصية خاصة لأحد عند موته
• عن الأسود بن يزيد قال: ذكروا عند عائشة أن عليا كان وصيا. فقالت: متى أوصى إليه؟ فقد كنت مسندته إلى صدري - أو قالت: حجري - فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري، وما شعرت أنه مات، فمتى أوصى إليه.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٥٩) ومسلم في الوصية (١٦٣٦: ١٩) كلاهما من طريق ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: فذكره.
• عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا. قلت. فلم كُتِبَ على المسلمين الوصية، أو فلم أمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله .
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٦٠) ومسلم في الوصية (١٦٣٤: ١٦) كلاهما من طريق مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، قال: فذكره.
٨ - باب تخيير النبي ﷺ بين الدنيا والآخرة
• عن عائشة قالت: كنت أسمع أنه لن يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة، قالت: فسمعت النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحَّة يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ
стр. 5597
اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
قالت: فظننته خُيِّر حينئذ.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٣٥) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٤٣: ٨٦) كلاهما عن محمد بن بشار، حدثنا غندر محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة، قالت: فذكرته.
• عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقول - وهو صحيح -: "إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير" فلما نزل به، ورأسه على فخذي غشي عليه، ثم أفاق، فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى". فقلت: إذا لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا وهو صحيح، قالت: فكانت آخر كلمة تكلم بها: "اللهم الرفيق الأعلى".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٦٣) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٢٤: ٨٧) كلاهما من طريق الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب في رجال من أهل العلم أن عائشة قالت: فذكرته.
وزاد مسلم مع سعيد بن المسيب عروة بن الزبير في الإسناد.
• عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر، فقال: "إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده"، فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، وقال رسول الله ﷺ : "إن من أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر إلا خلة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر".
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٩٠٤) ومسلم في الفضائل (٢٣٨٢) كلاهما من حديث مالك، عن أبي النضر، عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد، فذكره.
• عن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه ونحن في المسجد عاصبًا رأسه بخرقة حتى أهوى نحو المنبر، فاستوى عليه واتبعناه قال: "والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا". ثم قال: "إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة". قال: فلم يفطن لها أحد غير أبي بكر،
стр. 5598
فذرفت عيناه فبكى ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله! قال: ثم هبط فما قام عليه حتى الساعة.
حسن: رواه الدارمي (٧٨) وابن حبان (٦٥٩٣) كلاهما من حديث أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي يحيى وهو سمعان الأسلمي مولاهم المدني، قال النسائي: ليس به بأس. وبمعناه روي عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ في حديث طويل.
رواه أحمد (١٥٩٩٦، ١٥٩٩٧) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٨٧١) والبزار - كشف الأستار (٨٦٣) والحاكم (٣/ ٥٥ - ٥٦) والدارمي (٧٩) كلهم من طرق عن أبي مويهبة فذكره.
وفي إسناده اختلاف كبير مع ضعف في إسناده وأوهام وقعت فيه، نبّه عليها الدارقطني وابن حجر وغيرهما.
وبمعناه روي أيضًا عن ابن أبي المعلَّى، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خطب يومًا فقال: "إن رجلا خيره ربه بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش فيها، يأكل من الدنيا ما شاء أن يأكل منها وبين لقاء ربه ، فاختار لقاء ربه" فبكى أبو بكر، فذكره في حديث طويل.
رواه الترمذي في السنن (٣٦٥٩) وفي العلل الكبير (٤١٩) وأحمد (١٥٩٢٢) والطحاوي في مشكل الآثار (١٠٠٦) كلهم من حديث أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أبي المعلى، فذكره.
قال الترمذي: "حسن غريب" وفي نسخة: "غريب" فقط.
ونقل عن البخاري في العلل قوله: "يضطربون في هذا الحديث، يروى عن أبي عوانة خلاف هذا، وأبو المعلى لا أعرف اسمه".
قلت: وفيه أيضا ابن أبي المعلى لم يذكر من الرواة عنه إلا عبد الملك بن عمير، ولم يوثقه أحد فهو "مجهول".
٩ - باب ما جاء في شدة موته ﷺ -
• عن عائشة قالت: مات النبي ﷺ ، وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد النبي ﷺ .
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٤٦) عن عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: فذكرته.
• عن عائشة كانت تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب
стр. 5599
السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته، فأمره وبين يديه ركوة - أو علبة يشك عمر - فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه يقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" ثم نصب يده، فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٤٩) عن محمد بن عبيد، حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره، أن عائشة كانت تقول: فذكرته.
وروي عن عاشة أنها قالت: رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: "اللهم، أعني على غمرات الموت أو سكرات الموت".
رواه الترمذي في السنن (٩٧٨) والشمائل (٣٨٧) وابن ماجه (١٦٢٢) وأحمد (٢٤٣٥٦) وصحّحه الحاكم (٣/ ٥٦ - ٥٧) كلهم من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن موسى بن سرجس، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.
وقال الترمذي: "حسن غريب".
كذا قال! وابن سرجس مجهول، لم يرو عنه إلا ابن الهاد، ولم يوثقه أحد.
تنبيه: وقع عند ابن ماجه "يزيد بن أبي حبيب" والصواب ما رواه الجماعة يعني: "يزيد بن الهاد".
١٠ - باب آخر كلمة تكلم بها النبي ﷺ قبل موته
• عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها، وأصغت إليه وهو يقول: "اللهم اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق".
متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٤٦) عن هشام بن عروة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: فذكرته.
وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٤٤: ٨٥) من طريق مالك به.
وأخرجه البخاري في المغازي (٤٤٤٠) من طريق عبد العزيز بن مختار، عن هشام بن عروه به.
١١ - باب ما جاء في وفاة رسول الله ﷺ -
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
بقي رسول الله ﷺ في مرضه عشرة أيام، كما جاء في رواية سليمان التيمي: أن رسول الله ﷺ مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر، وبدأه وجعه عند وليدة له، يقال لها ريحانة، كانت من سبي اليهود، وكان أول يوم مرض فيه يوم السبت، وكانت وفاته اليوم العاشر، يوم الاثنين لليلتين خلتا
стр. 5600
من شهر ربيع الأول، لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة.
رواه البيهقي في الدلائل (٧/ ٢٣٤) إلا أنه مرسل، وفي روايات أخرى أنه بقي في مرضه ثلاثة عشر يوما، وتوفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول.
• عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لِمَ تُدْخِل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم. قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما أريته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢، ١]؟ حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئا. فقال لي: يا ابن عباس أكذاك تقول؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة فذاك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٩٤) عن أبي النعمان، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره.
• عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب يدني ابن عباس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: إن لنا أبناء مثله فقال: إنه من حيث تعلم، فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فقال: أجل رسول الله ﷺ أعلمه إياه. قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٣٠) عن محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره.
• عن عائشة قالت: دعا النبي ﷺ فاطمة ﵂ في شكواه الذي قبض فيه، فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت، فسألنا عن ذلك، فقالت: سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٣٣، ٤٤٣٤) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٥٠: ٩٧) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد (هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف)، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة قالت: فذكرته.
стр. 5601
• عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] دعا رسول الله ﷺ فاطمة فقال: "قد نُعِيت إليَّ نفسي". فبكت فقال: "لا تبكي، فإنك أول أهلى لاحق بي". فضحكت فرآها بعض أزواج النبي ﷺ فقلن: يا فاطمة! رأيناك بكيت ثم ضحكت. قالت: إنه أخبرني أنه قد نعيت إليه نفسه فبكيت، فقال لي: "لا تبكي، فإنك أول أهلي لاحق بي". فضحكت.
حسن: رواه الدارمي (٨٠) والطبراني في الكبير (١١/ ٣٢٩) والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٦٧) كلهم من حديث هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل هلال بن خباب فإنه حسن الحديث إذا لم يخالف.
• عن أنس بن مالك قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء من المدينة كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.
صحيح: رواه الترمذي (٣٦١٨) وابن ماجه (١٦٣١) وأحمد (١٣٨٣٠) وصحّحه ابن حبان (٦٦٣٤) والحاكم (٣/ ٥٧) كلهم من طريق جعفر بن سليمان الضبعي، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: فذكره.
قال الترمذي: "غريب صحيح".
قلت: جعفر بن سليمان صدوق حسن الحديث لكنه توبع، تابعه حماد بن سلمة، عن ثابت به عند أحمد (١٢٢٣٤).
• عن جرير قال: كنت باليمن، فلقيت رجلين من أهل اليمن: ذا كلاع وذا عمرو، فجعلت أحدثهم عن رسول الله ﷺ ، فقال له ذو عمرو: لئن كان الذي تذكر من أمر صاحبك، لقد مر على أجله منذ ثلاث، وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر، والناس صالحون. فقالا: أخبر صاحبك أنا قد جئنا، ولعلنا سنعود إن شاء الله، ورجعا إلى اليمن، فأخبرت أبا بكر بحديثهم، قال: أفلا جئت بهم، فلما كان بعد قال لي ذو عمرو: يا جرير إن بك علي كرامة، وإني مخبرك خبرا: إنكم معشر العرب، لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر، فإذا كانت بالسيف كانوا ملوكا، يغضبون غضب الملوك، ويرضون رضا الملوك.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٣٥٩) عن عبد الله بن أبي شيبة العبسي، حدثنا ابن إدريس (هو عبد الله)، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس (هو ابن أبي حازم)، عن جرير، قال: فذكره.
стр. 5602
قوله: "لئن كان الذي تذكر من صاحبك" أي: حقا.
قوله: "تأمرتم" أي: تشاورتم فيما بينكم، وأقمتم أميرا تختارونه منكم.
قوله: "فإذا كانت بالسيف" أي: أصبحت الإمارة بالغلبة والقهر.
• عن أبي الخير، عن الصنابحي، أنه قال له: متى هاجرت؟ قال: خرجنا من اليمن مهاجرين، فقدمنا الجحفة، فأقبل راكب، فقلت له: الخبر؟ فقال: دفنا النبي ﷺ منذ خمس. قلت: هل سمعت في ليلة القدر شيئا. قال: نعم، أخبرني بلال مؤذن النبي ﷺ أنه في السبع في العشر الأواخر.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٧٠) عن أصبغ، أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن ابن أبي حبيب (هو يزيد)، عن أبي الخير، قال: فذكره.
• عن ابن عمر قال: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبي ﷺ هيبة أن ينزل فينا شيء، فلما توفي النبي ﷺ تكلمنا وانبسطنا.
صحيح: رواه البخاري في النكاح (٥١٨٧) عن أبي نُعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره.
١٢ - باب أين توفي ﷺ -؟
• عن عائشة كانت تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري. الحديث.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٤٩) عن محمد بن عبيد، حدثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره، أن عائشة كانت تقول: فذكرته.
١٣ - باب كم كان سن النبي ﷺ يوم قُبِضَ ؟
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقال ابن شهاب: أخبرني سعيد بن المسيب بمثل ذلك.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٦٦) ومسلم في الفضائل (٢٣٤٩: ١١٥) كلاهما من طريق الليث، حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: فذكرته.
• عن أنس بن مالك قال: قُبِضَ رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر هو ابن ثلاث وستين.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤٨: ١١٤) عن أبي غسان الرازي محمد بن عمرو، حدثنا
стр. 5603
حكام بن سلم، حدثنا عثمان بن زائدة، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك، قال: فذكره.
• عن معاوية بن أبي سفيان قال: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وعمر، وأنا ابن ثلاث وستين.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٥١: ١٢٠) من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق، يحدث عن عامر بن سعد البجلي، عن جرير، أنه سمع معاوية، يخطب فقال: فذكره.
• عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مكث بمكة ثلاث عشرة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين.
وفي لفظ: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وبالمدينة عشرا، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٣) ومسلم في الفضائل (٢٣٥١: ١١٧) كلاهما من طريق روح بن عبادة، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: فذكره.
واللفظ الثاني رواه مسلم في الفضائل (٢٣٥١: ١١٨) عن ابن أبي عمر، حدثنا بشر بن السري، حدثنا حماد، عن أبي جمرة الضبعي، عن ابن عباس به.
١٤ - باب ما جاء في بكاء فاطمة ﵂ على موت رسول الله ﷺ -
• عن أنس قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة: واكرب أباه. فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم" فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟ .
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٦٢) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، قال: فذكره.
وفي مسند أحمد (١٣١١٧): يا أنس أطابت! أنفسكم أن دفنتم رسول الله ﷺ في التراب ورجعتم. رواه عن يزيد، عن حماد بن زيد بإسناده.
ورواه ابن ماجه (١٦٣٠ - المكرر) نحوه وقال: قال حماد: فرأيت ثابتا حين حدث بهذا الحديث بكى حتى رأيت أضلاعه تختلف.
• عن أنس بن مالك قال: لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال رسول الله ﷺ : "لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتاركٍ منه أحدا، الموافاة يوم القيامة".
стр. 5604
حسن: رواه ابن ماجه (١٦٢٩) واللفظ له، والترمذي في الشمائل (٣٨٠)، وأبو يعلى (٣٤٤١) كلهم من حديث عبد الله بن الزبير، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن الزبير وهو الباهلي؛ فإنه لم يوثّقه غير ابن حبان، ولكنه توبع عند أحمد (١٢٤٣٤)، تابعه المبارك بن فضالة عن ثابت به.
١٥ - تقبيل أبي بكر جبهة رسول الله ﷺ وهو ميّت
• عن عائشة وابن عباس: أن أبا بكر ﵁ قَبَّلَ النبي ﷺ بعد موته.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٥٥ - ٤٤٥٧) عن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة وابن عباس، قالا: فذكراه.
• عن عائشة، أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله! لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٥٢ - ٤٤٥٣) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة، أن عائشة أخبرته، فذكرته.
١٦ - باب إنكار عمر بموت النبي ﷺ لعظم وقوعه على قلبه
• عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم الاثنين كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة، فرأى أبا بكر وهو يصلي بالناس، قال: فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، وهو يتبسم، قال: وكدنا أن نفتتن في صلاتنا فرحًا لرؤية رسول الله ﷺ ، فأراد أبو بكر أن ينكص، فأشار إليه: أن كما أنت، ثم أرخى الستر، فقبض من يومه ذلك.
فقام عمر فقال: إن رسول الله ﷺ لم يمت، ولكن ربه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فمكث عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يقطع أيدي رجال من المنافقين وألسنتهم يزعمون - أو قال: يقولون -: إن رسول الله ﷺ قد مات.
صحيح: رواه أحمد (١٣٠٢٨) وعبد بن حميد (١١٦٣) كلاهما عن عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٥/ ٤٣٣) (٩٧٥٤) عن معمر، قال: قال الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك، فذكره. وإسناده صحيح.
стр. 5605
ورواه مسلم في الصلاة (٤١٩) عن عبد بن حميد وغيره، عن عبد الرزاق، ولم يسق لفظه.
• عن يزيد بن بابنوس، قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة فاستأذنا عليها، فألقت لنا وسادة، وجذبت إليها الحجاب، فقال صاحبي: يا أم المؤمنين! ما تقولين في العراك؟ قالت: وما العراك؟ وضربت منكب صاحبي، فقالت: مه آذيت أخاك، ثم قالت: ما العراك؟ المحيض؟ قولوا ما قال الله: المحيض. ثم قالت: كان رسول الله ﷺ يتوشحني، وينال من رأسي، وبيني وبينه ثوب، وأنا حائض، ثم قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مر ببابي مما يلقي الكلمة ينفع الله بها، فمر ذات يوم فلم يقل شيئا، ثم مر أيضا فلم يقل شيئا - مرتين أو ثلاثا - قلت: يا جارية، ضعي لي وسادة على الباب، وعصبت رأسي، فمر بي، فقال: "يا عائشة، ما شأنك؟ " فقلت: أشتكي رأسي. فقال: "أنا وارأساه" فذهب، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جيء به محمولا في كساء، فدخل علي وبعث إلى النساء، فقال: "إني قد اشتكيت، وإني لا أستطيع أن أدور بينكن، فأذن لي فلأكن عند عائشة". فكنت أوضئه، ولم أكن أوضئ أحدا قبله فبينما رأسه ذات يوم على منكبي إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نطفة باردة، فوقعت على ثغرة نحري، فاقشعر لها جلدي، فظننت أنه غشي عليه، فسجيته ثوبا، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا، فأذنت لهما، وجذبت إلي الحجاب، فنظر عمر إليه، فقال: وا غشياه ما أشد غشي رسول الله ﷺ ، ثم قاما، فلما دنوا من الباب، قال المغيرة: يا عمر! مات رسول الله ﷺ . قال: كذبت بل أنت رجل تحوسك فتنة، إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين. ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب، فنظر إليه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. مات رسول الله ﷺ ، ثم أتاه من قبل رأسه، فحدر فاه وقبل جبهته، ثم قال: وانبياه! ثم رفع رأسه، ثم حدر فاه وقبل جبهته، ثم قال: واصفياه! ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبل، وقال: واخليلاه! مات رسول الله ﷺ ، فخرج إلى المسجد وعمر يخطب الناس ويتكلم، ويقول: إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين، فتكلم أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] حتى فرغ من الآية، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] حتى فرغ من الآية، فمن كان يعبد الله فإن الله حي، ومن كان يعبد
следующие страницы →