Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
١٧ - باب هدي النبي ﷺ في السواك
• عن أبي موسى الأشعري قال: أتيتُ رسول الله ﷺ وهو يستنُّ بسواكٍ بيده، ويقول: "أعْ أعْ" والسواك في فيه، كأنه يتهوَّع.
متفق عليه: أخرجه البخاري في الوضوء (٢٤٤)، ومسلم في الطهارة (٢٥٤)، كلاهما من حديث حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردَة، عن أبيه، فذكره. وهذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم قال: "دخلت على النبي ﷺ وطرفُ السواك على لسانه".
وقوله: "يتهوع": من التهوع، وهو التقيؤ، يقال: (هاع يهوع هواعا) إذا تقيأ، والمراد به ها هنا: إقلاع النخامة من أقصى الحلق، وإخراجها ليبصقها ويفعل ذلك من يريد أن يتقيَّأ.
• عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك.
وفي رواية: قال شريح: سألت عائشة قلت: بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك.
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٥٣) من حديث مِسْعَر، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
• عن حذيفة بن اليمان قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يَشُوص فاه بالسواك.
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (٢٤٥)، ومسلم في الطهارة (٢٥٥) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن حذيفة، فذكر الحديث. وفي رواية حصين بن عبد الرحمن، عن أبي وائل عند مسلم: "إذا قام ليتهجَّد يشوص فاه بالسواك".
والشوص: هو دلك الأسنان بالسواك عَرْضًا.
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه يقول: أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها. قالت عائشة فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي. ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه، فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ ، فاستن به وهو مستند إلى صدري.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤٥٠)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٤٣: ٨٤) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
стр. 5707
جموع خصائص النبي ﷺ -
١ - باب نصر النبي ﷺ بالصبا
• عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٠٥) ومسلم في صلاة الاستسقاء (١٧: ٩٠٠) كلاهما من طريق شعبة، حدثني الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: فذكره.
قوله: "نصرت بالصبا" بفتح المهملة وتخفيف الموحدة وهي الريح الشرقية.
قوله: "الدبور" هي الريح الغربية.
٢ - باب نصر النبي ﷺ بالرعب
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، فبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي".
قال أبو هريرة: وقد ذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها.
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٧٧) ومسلم في المساجد (٦: ٥٢٣) من طرق عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره.
قال أبو هريرة: فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها. أي: تستخرجون ما فيها.
• عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء" فقلنا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: "نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم"
حسن: رواه أحمد (٧٦٣) وابن أبي شيبة (١١/ ٤٣٤) من طريق زهير (وهو ابن محمد التميمي) عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي ابن الحنفية، أنه سمع علي بن أبي طالب، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن محمد بن عقيل فإنه حسن الحديث.
وقد اختلف في إسناده، وصحح أبو زرعة هذا الوجه الذي ذكرته، كما حكاه ابن أبي حاتم في العلل (س ٢٧٠٥).
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى وانصرف
стр. 5708
إليهم، فقال لهم: "لقد أعطيت الليلة خمسًا، ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبًا، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم، والخامسة، هي ما هي، قيل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا اله إلا الله"
حسن: رواه أحمد (٧٠٦٨) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، فإنه صدوق.
وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد.
وقال ابن كثير في تفسير سورة الأعراف (١٥٨): إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه.
• عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: فضلني ربي على الأنبياء أو قال: على الأمم بأربع: قال: أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده، وعنده طهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأحل لنا الغنائم.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢١٣٧) (٢٢٢٠٩) والترمذي (١٥٥٣) والبيهقي (١/ ٢١٢)، (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤) من طرق عن سليمان التميمي، عن سيّار، عن أبي أمامة، فذكره، والسياق لأحمد.
واقتصر الترمذي على قوله: "إن الله فضلني على الأنبياء -أو قال: أمتي على الأمم- وأحل لنا الغنائم.
وإسناده حسن من أجل سيار، وهو الأموي مولاهم الدمشقي، روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان وابن خلفون في ثقاتهما.
وحسّن له الترمذي وسيأتي من قول البخاري ما يشير إلى تقوية أمره.
وقال الترمذي: حديث أبي أمامة حديث حسن صحيح.
وقال في العلل الكبير (٢/ ٦٦٣): سألت محمدا عن هذا الحديث، وقلت له: من سيار هذا الذي روى عن أبي أمامة، قال: هو سيار مولى بني معاوية، أدرك أبا أمامة، وروى عنه.
وروى عن سيّار: "سليمان التميمي، وعبد الله بن بحير" اهـ.
وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٥٩): رجال أحمد ثقات.
стр. 5709
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٦٢٤): "وفي فوائد أبي عبد الله الثقفي بإسناد صحيح عن أبي أمامة. فذكر نحوه.
• عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب، فيرعب العدو، وهي مني مسيرة شهر، وقيل لي: سل تعطه، واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة منكم -إن شاء الله- من لم يشرك بالله شيئًا".
صحيح: رواه أبو داود (٤٨٩) وأحمد (٢١٢٩٩، ٢١٣١٤) وصحّحه ابن حبان (٦٤٦٢) والحاكم (٢/ ٤٢٤) من طرق عن سليمان الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير الليثي، عن أبي ذر، فذكره. وإسناده صحيح.
واقتصر أبو داود على قوله: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما أخرجا ألفاظًا من الحديث متفرقة.
وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٥٩) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وقد اختلف في إسناده اختلافا طويلا وساقه الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٦ - ٢٥٨) وقال: والمحفوظ قول من قال: عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر.
٣ - الكذب على النبي ﷺ ليس كالكذب على أحد من الناس
• عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار" وسمعت النبي ﷺ يقول: "من نيح عليه يعذّب بما نيح عليه".
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٢٩١) ومسلم في الجنائز (٢٨: ٩٣٣) كلاهما من حديث سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، عن المغيرة بن شعبة، فذكره واللفظ للبخاري. وأما مسلم فاكتفى بالجزء الثاني من الحديث.
• عن علي قال: قال النبي ﷺ : "لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي فليلج النار".
متفق عليه: رواه البخاري في العلم (١٠٦) ومسلم في المقدمة (١) كلاهما من حديث شعبة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، أنه سمع عليا يخطب قال: فقال: فذكره.
وفي معناه أحاديث أخرى ذكرت في مواضعها.
من خصائص النبي ﷺ أن الكذب عليه قد يعد كفرًا، فإن تاب قبلت توبته، واختلف في قبول
стр. 5710
روايته، فذهب الإمام أحمد وبعض الشافعية إلى أنه لا تقبل روايته.
٤ - باب من لعنه النبي ﷺ أو سبّه وليس هو أهلًا لذلك، كان له زكاةً وأجرًا ورحمةً
• عن جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما أنا بشر، وإني اشترطت على ربي ، أي عبد من المسلمين سببتُه أو شتمتُه أن يكون ذلك له زكاةً وأجرًا".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٠٢: ٩٤) من طرق عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره.
ورواه أيضا (٢٦٠٢) من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر نحوه.
• عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "اللهم فأيما عبد مؤمن سببتُه، فاجعلْ ذلك له قربة إليك يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاري في الدعوات (٦٣٦١)، ومسلم في البر والصلة (٢٦٠١: ٩٢) من طرق عن ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيتُه، أو سببتُه، أو جلدتُه، فاجعلْها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة".
وفي لفظ: "فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه به إليك يوم القيامة"
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٠١: ٩١) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن سعيد ابن أبي سعيد، عن سالم مولى النصريين قال: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره.
ورواه (٢٦٠١: ٩٠) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا المغيرة (يعني ابن عبد الرحمن الحزامي)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة نحوه. وفيه اللفظ الثاني.
• عن عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ رجلان، فكلّماه بشيء لا أدري ما هو؟ فأغضباه، فلعنهما وسبَّهما، فلما خرجا، قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان، قال: "وما ذاك؟ " قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما. قال: "أو ما علمتِ ما شارطتُ عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنتُه أو سببتُه فاجعله له زكاة وأجرًا".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٠٠) من طرق عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن
стр. 5711
مسروق، عن عائشة، فذكرته.
• عن أنس بن مالك قال: كانت عند أم سليم يتيمة، وهي أم أنس، فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة، فقال: "آنت هيه؟ لقد كبِرت لا كبِر سنك"، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: مالك يا بنية؟ قالت الجارية: دعا عليَّ نبيُّ الله ﷺ أن لا يكبر سني، فالآن لا يكبر سني أبدا -أو قالت: قرني- فخرجتْ أمُّ سليم مستعجلة تلوث خمارها حتى لقيتْ رسول الله ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : "ما لك يا أم سليم؟ " فقالت: يا نبي الله أدعوت على يتيمتي؟ قال: "وما ذاك يا أم سليم؟ " قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنُّها ولا يكبر قرنُها، قال: فضحكَ رسولُ الله ﷺ ثم قال: "يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أن بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحدٍ دعوتُ عليه من أمتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ، أن تجعلها له طهورًا، وزكاةً، وقربةً يقربه بها منه يوم القيامة".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٠٣) من طرق عن عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك، فذكره.
٥ - إن أزواجه ﷺ محرمات على المؤمنين أبدًا
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
روى عبد الرزاق في تفسيره (٢٣٧٢) عن معمر، عن قتادة أن رجلا قال: لو قبض النبي ﷺ لتزوجت فلانة - يعني عائشة فأنزل الله تعالى، فذكر الآية.
ثم قال: قال معمر: سمعت أن هذا الرجل هو "طلحة بن عبيد الله".
ولكن قال أهل العلم: إن نسبة هذا القول إلى طلحة بن عبيد الله كذب محض، إنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين.
وأما قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
فيحمل على وفاته، وأشمل منه بعد نكاحه، فإنهن بمجرد نكاح النبي ﷺ صرن من أمهات المؤمنين في حياته ﷺ وبعد مماته، والأمومة المقصود بها الاحترام والاجلال لا مثل الأم الحقيقية التي يجوز الدخول عليها والخلوة بها وتحرم بناتها على أبنائها، فيقصر حكم الأمومة في تحريم نكاحهن بعد وفاته ﷺ .
وأما بقية أحكام التحريم فلا يشملها مثل نكاح بناته ﷺ فإنه يجوز للمسلم أن يتزوج بهن.
стр. 5712
٦ - باب ما جاء أن النبي ﷺ كان يرى خلف ظهره كما يرى من بين يديه
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أترون قبلتي ها هنا؟ فوالله ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري".
متفق عليه: رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاري في الصلاة (٤١٨) ومسلم في الصلاة (١٠٩: ٤٢٤) كلاهما من طريق مالك به.
وفي رواية لمسلم (١٠٨: ٤٢٣) قال أبو هريرة: صلى بنا رسول الله ﷺ يوما ثم انصرف فقال: يا فلان، ألا تحسن صلاتك. ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه، إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي.
• عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "أقيموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعدي -وربما قال: من بعد ظهري- إذا ركعتم وسجدتم".
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٤٢) ومسلم في الصلاة (١١٠: ٤٢٥) كلاهما عن محمد ابن بشّار، حدثنا غندر محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره.
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: معناه أن الله خلق له ﷺ إدراكًا في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكثر من هذا، وليس يمنع هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به.
قال القاضي: قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقة. اهـ.
٧ - من خصائص النبي ﷺ أن الشيطان لا يتمثل به
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو لكأنّما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي".
وهذا لفظ مسلم، وزاد البخاري قال ابن سيرين: إذا رآه في صورته.
متفق عليه: رواه البخاري في كتاب التعبير (٦٩٩٣) ومسلم في كتاب الرؤيا (٢٢٦٦ - ١١) من طريقين عن الزهري، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: فذكره.
ورواه البخاري في كتاب العلم (١١٠) ومسلم في المقدمة (٣) من وجه آخر عن أبي عوانة، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار" وهذا لفظ البخاري وساقه مسلم مختصرًا.
ورواه مسلم في كتاب الرؤيا (٢٢٦٦ - ١٠) من وجه آخر عن حماد بن زيد حدثنا أيوب وهشام
стр. 5713
عن محمد عن أبي هريرة بلفظ: "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي"
وقوله: فسيراني في اليقظة -أي في حياته ﷺ فإنه يوفقه الله تعالى للهجرة إليه، ورؤيته ﷺ في اليقظة عيانا، وأما بعد مماته فلن يقدر أحد رؤيته يقظة، وإن ادعى أحد بذلك فهو كاذب.
ولذلك جاء بلفظ آخر: كأنما يراني في اليقظة، أي أن رؤيته في المنام تشبه رؤيته في اليقظة، لا أنه يراه يقظة عيانا بعد وفاته ﷺ .
قال العلماء: خص النبي ﷺ بأن رؤيته في المنام صحيحة، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما منعه أن يتصور في صورته في اليقظة إكراما له. خصائص النبي ﷺ لابن الملقن (ص ٢٠٢).
ونقل النووي أيضا في شرح مسلم في باب بيان أن الإسناد من الدين عن أصحابنا وغيرهم: أنهم نقلوا الاتفاق على أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع ثم قال: وهذا في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أما إذا رأى النبي ﷺ يأمره بفعل ما هو مندوب إليه أو ينهاه عن منهي عنه أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه لأن ذلك ليس حكمًا بمجرد المنام بل تقرر من أصل ذلك الشيء والله أعلم.
• عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتخيّل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة".
متفق عليه: رواه البخاري في كتاب التعبير (٦٩٩٤) واللفظ له، ومسلم في كتاب الرؤيا (٢٢٦٤) من طريقين عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، فذكره، وسياق مسلم مختصر مقتصر على الشطر الأخير من المتن.
تقييد النفي بالشيطان دون الجن فيه إشارة إلى أن القوى الشيطانية عاجزة عن التمثيل فالجن من باب أولى، وهذا كله من باب حفظ الشريعة المطهرة حتى لا يدعي أحد بأنه النبي وينسخ شيئًا من أحكامها. فمن ادعى في المنام بنسخ شيء من الأحكام الشرعية أو التشريع الجديد فليس هو النبي وإنما هو شبيه بالنبي ﷺ وهو الشيطان الرجيم.
• عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكوّنني".
صحيح: رواه البخاري في كتاب التعبير (٦٩٩٧) عن عبد الله بن يوسف حدثنا الليث، حدثني ابن الهاد عن عبد الله بن خبّاب عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
قوله: "لا يتكوّنني" أي لا يتكوّن كوني، والمعنى لا يتكون في صورتي. فتح الباري (١٢/ ٣٨٦)
• عن أبي قتادة قال: قال النبي ﷺ : "الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثًا وليتعوذ من الشيطان فإنها لا
стр. 5714
تضره، وإن الشيطان لا يتزايا بي".
متفق عليه: رواه البخاري في كتاب التعبير (٦٩٩٥) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أخبرني أبو سلمة، عن أبي قتادة، فذكره.
ورواه مسلم في الرؤيا (٢٢٦١: ٢) من طريق يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، عنه نحوه، ولم يذكر: "وإن الشيطان لا يتزايا بي".
قوله: "لا يتزايا ": بالزاي وبعد الألف تحتانية هكذا في رواية غير أبي ذر. قاله الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٨٦) ومعناه أن الشيطان لا يظهر في زيي.
وفي رواية أبي ذر -بالراي المهملة- لا يتراءى بي: أي لا يستطيع أن يصير مرئيا بصورتي.
قال الحافظ: ورجح بعد الشراح رواية الزاي عليها قال: وليست الرواية الأخرى ببعيدة من هذا المعنى. الفتح (١٢/ ٣٨٦).
• عن جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في النوم فقد رآني، إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي، وقال: إذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدًا بتلعّب الشيطان به في المنام".
صحيح: رواه مسلم في كتاب الرؤيا (٢٢٦٨ - ١٢) من طريقين عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
وفي لفظ له (١٣): "فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي"
رواه عن محمد بن حاتم، حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: فذكره.
ومعنى قوله: "لا يتمثل في صورتي" أي لا يتشبه بي في مثل صورتي. الفتح (١٢/ ٣٨٦).
• عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة، فإن الشيطان لا يتمثل على صورتي".
صحيح: رواه الترمذي (٢٢٧٦) وابن ماجه (٣٩٠٠) والإمام أحمد (٣٥٥٩) والدارمي (٢١٤٣) كلهم من طرق عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
• عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : "من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي".
وفي لفظ ابن حبان: "فإن الشيطان لا يتشبه بي".
стр. 5715
صحيح: رواه ابن ماجه (٣٩٠٤) وأبو يعلى في مسنده (٨٨١) كلاهما من رواية صدقة بن أبي عمران، وابن حبان (٦٠٥٣) من رواية زيد بن أبي أنيسة كلاهما عن عون بن أبي جحيفة، فذكره.
وأبو جحيفة: هو وهب بن عبد الله السّوائي الصحابي المعروف.
ورجاله ثقات سوى صدقة بن أبي عمران وهو صدوق حسن الحديث، وتابعه زيد بن أبي أنيسة وهو ثقة.
قال البوصيري: "هذا إسناد صحيح" مصباح الزجاجة (٤/ ١٥٤).
وفي الباب عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي".
وفي لفظ آخر: "لا يتخيل بي" وفي لفظ: "لا يتخيلني".
رواه ابن ماجه (٣٩٠٥) والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٧٩) كلاهما من طريق أبي عوانة عن جابر عن عمار -هو الدهني- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وجابر: هو ابن يزيد الجعفي ضعيف.
وقال البوصيري: هذا إسناد فيه جابر الجعفي، وهو متهم.
مصباح الزجاجة (٤/ ٢١٤)
وله طريق آخر عن ابن عباس عند أحمد (٣٤١٠)، وفي إسناده يزيد الفارسي، وهو غير يزيد بن هرمز على الراجح، والفارسي هذا في عداد المجهولين.
وفي الباب أيضا عن البراء وحذيفة وأم سلمة وابن عمرو وغيرهم وفي كله مقال والصحيح ما ذكرته.
٨ - باب فضل النظر إلى النبي ﷺ وتمنيه
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفس محمد في يده، ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم".
قال أبو إسحاق: المعنى فيه عندي: لأن يراني معهم أحب إليه من أهله وماله. وهو عندي مقدم ومؤخر.
متفق عليه: رواه مسلم في الفضائل (١٤٢: ٢٣٦٤) عن محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله ﷺ ، فذكره.
ورواه البخاري في المناقب (٣٥٨٩) من طريق آخر عن أبي هريرة به.
وقول أبي إسحاق يعني معناه: لأن يراني معهم أحب إليه من أهله وماله، ثم لا يراني. وكذا في مسند سعيد بن منصور كما قال النووي، وفيه حث على مجالسة النبي ﷺ وملازمته ما دام حيًا.
стр. 5716
جَموع في معجزات النبي ﷺ ودلائل نبوته
ذكر البيهقي في الدلائل (١/ ١٠) عن بعض أهل العلم أن دلائل نبوة النبي ﷺ تبلغ ألفًا.
وهنا أكتفي بذكر عدد منها والباقي مذكور في الكتاب في المواضع المتفرقة حسب مناسبتها وذلك تجنبا من التكرار والإطالة.
١ - المعجزات التي ظهرت عند ولادة النبي ﷺ -
• عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك فقال: "دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ﵉، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي في بهم لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوءة ثلجا فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقة سوداء فالقياها. ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج، حتى إذا أنقياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بعشرة فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته فوزنني بمائة فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته فوزنني بألف فوزنتهم، فقال: دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنهم".
حسن: رواه محمد بن إسحاق في السيرة (ص ٢٨) فقال: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، فذكره.
وقد رواه كل من الطبري في تفسيره (٢/ ٥٧٣) والحاكم (١/ ٦٠٠) وعنه البيهقي في الدلائل (١/ ٨٣) من حديث ابن إسحاق مختصرًا.
ولكن قال ابن هشام في سيرته (١/ ١٦٦): قال ابن إسحاق: وحدثني ثور بن يزيد، عن بعض أهل العلم - ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي أن نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: فذكر الحديث. والله تعالى أعلم هل كان في النسخة التي عند ابن هشام هكذا، أو حذف من رواه عن ابن إسحاق.
قال الحاكم: "خالد بن معدان من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل فمن بعده من الصحابة، فإذا أسند حديثا إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد، وإن لم يخرجا".
وقال ابن كثير: "هذا إسناد جيد قوي" البداية (٢/ ٢٧٥).
стр. 5717
وقوله: عن أصحاب رسول الله ﷺ لا يعد إرسالا، وإنما هو متصل غير أن أصحاب رسول الله ﷺ الذين سمع منهم لم يسموا. وهم كثيرون.
• عن عتبة بن عبد السلمي أنه حدثهم: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي، اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البَهم، فأقبل طيران أبيضان كأنهما نسْران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فَبطَحاني إلى القفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه -قال يزيد في حديثه: ائتني بماء ثلج- فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حُصْه، فحاصه، وختم عليه بخاتم النبوة -وقال حيوة في حديثه: حُصْه فَحَصَّه واختم عليه بخاتم النبوة- فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة، واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي، أشفق أن يخرّ عليّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وُزِنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني، وفرقت فرقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيته، فأشفقت عليّ أن يكون ألبس بي، قالت: أعيذك بالله، فرحلت بعيرًا لها فجعلتْني -وقال يزيد: فحملتْني- على الرحل، وركبتْ خلْفي حتى بلغْنا إلى أمي. فقالت: أوَ أَديت أمانتي وذمتي؟ وحدثتْها بالذي لقيتُ. فلم يرُعْها ذلك. فقالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءتْ منه قُصور الشام.
حسن: رواه أحمد (١٧٦٤٨) عن حيوة ويزيد بن عبد ربه، قالا: حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي، فذكره. ورواه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٣١) من هذا الوجه إلا أنه لم يسق لفظ الحديث.
وصحّحه الحاكم (٢/ ٦١٦ - ٦١٧) على شرط مسلم.
والصواب أنه حسن من أجل الكلام في بقية وهو ابن الوليد مدلس تدليس التسوية، وقد صرّح بالتحديث في رواية الإمام أحمد ومن أهل العلم من قبلوا تصريحه بتحديثه في أول طبقة وهو رأي الجمهور.
ولذا قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٢٢) رواه أحمد وإسناده حسن. لأن الطبراني لم يصرح بالتحديث.
• عن العرباض بن سارية مرفوعا: "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم ﵇ لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا
стр. 5718
أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين ترين".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧١٥٠) عن عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الله بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية، فذكر الحديث.
ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي عاصم (٤٠٩) والآجري في الشريعة (٩٤٨).
وإسناده حسن من أجل سعيد بن سويد الكلبي، والكلام مبسوط فيما مضى.
وفي الباب أيضا عن أبي أمامة قال: قلت: يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرج منها نور، أضاءت منه قصور الشام"
رواه الإمام أحمد (٢٢٢٦١) والطبراني في الكبير (٧٧٢٩) والبيهقي في الدلائل (١/ ٨٣) كلهم من حديث الفرج بن فضالة، حدثنا لقمان بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة، فذكر الحديث.
والفرج بن فضالة وهو التنوخي الشامي ضعيف جدًّا حتى قال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويلزم المتون الواهية، بالأسانيد الصحيحة، لا يحل الاحتجاج به.
وفي الباب عن عبادة ابن الصلت بلفظ: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وكان آخر من بشر بي عيسى ابن مريم ﵊".
وفيه بشر بن عمارة والأحوص بن حكيم ضعيفان.
٢ - باب أن القرآن من أكبر الدلائل لنبوة النبي ﷺ -
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (٤٩٨١) ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من حديث الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
٣ - باب تسليم الحجر على النبي ﷺ قبل النبوة
• عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢: ٢٢٧٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم بن طهمان، حدثني سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، فذكره.
٤ - باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر
• عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقين فقال
стр. 5719
النبي ﷺ : "اشهدوا"
متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦٣٦) ومسلم في صفات المنافقين (٤٣: ٢٨٠٠) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله، فذكره.
وعبد الله بن مسعود ممن شاهد شق القمر.
فقد رواه البخاري في المناقب (٣٨٦٩) ومسلم في صفة القيامة (٤٤: ٢٨٠٠) كلاهما من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: "بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذا انفلق القمر فلقتين فكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه فقال لنا رسول الله ﷺ : "اشهدوا".
• عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر ونحن بمكة فقال كفار قريش من أهل مكة: هذا سحر سحرنا به ابن أبي كبشة، فانظروا إلى السفار يأتونكم، فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم، وإلا فقد كذبتم قال: فما جاءهم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبرهم أنهم رأوا مثل ما رأوا.
صحيح: رواه أبو داود الطيالسي (٢٩٣) والبزار (١٩٧١) والشاشي في مسنده (٤٠٤) واللفظ له- والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٦٦) كلهم من طريق المغيرة (هو ابن مقسم الضبي) عن أبي الضحى (واسمه: مسلم بن صبيح) عن مسروق، عن عبد الله، فذكره. وإسناده صحيح.
ذكره البخاري معلقًا عقب الحديث (٣٨٦٩) عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بقوله: انشق بمكة.
• عن أنس بن مالك أنه حدثهم أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما.
متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٨٦٨) ومسلم في صفات المنافقين (٤٦: ٢٨٠٢) كلاهما من حديث قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره.
وكان أنسٌ ابنَ أربع سنين أو خمس سنين بالمدينة ومن الممكن أنه ممن رأى انشقاق القمر.
• عن عبد الله بن عباس أن القمر انشق في زمان النبي ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٨٧٠) ومسلم في صفات المنافقين (٤٨: ٢٨٠٣) من حديث بكر بن جعفر، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود، عن ابن عباس، فذكر مثله.
كان ابن عباس ممن لم ير انشقاق القمر لأنه وقع ذلك قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وابن عباس لم يولد بعد.
стр. 5720
• عن ابن عمر قال: انفلق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا".
صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٨٠١) ولم يسق لفظه -والترمذي (٢١٨٢) واللفظ له- كلاهما من طريق شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكره. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي الباب ما روي عن جبير بن مطعم قال: انشق القمر على عهد النبي ﷺ حتى صار فرقتين: على هذا الجبل، وعلى هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقال بعضهم: لئن كان سحرنا فما يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
رواه الطبراني في الكبير (٢/ ١٣٨) والحاكم (٢/ ٤٧٢) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٦٨) كلهم من طرق عن حصين بن عبد الرحمن (هو السلمي) عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، فذكره.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قلت: في إسناده جبير بن محمد بن جبير بن مطعم لم يوثقه سوى ابن حبان فإنه ذكره في ثقاته وهو معروف بالتساهل في توثيق المجاهيل.
ورواه الترمذي (٣٢٨٩) وأحمد (١٦٧٥٠) وابن حبان (٦٤٩٧) كلهم من طرق عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، فذكره.
وهذا إسناد منقطع فإن حصين بن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من محمد بن جبير بن مطعم، بينهما "جبير بن محمد بن جبير بن مطعم" كما تقدم.
وقد رجّح الدارقطني والبيهقي الزيادة في الإسناد فقال الدارقطني في العلل (٣٣١٥): "وقول من قال: عن جبير بن محمد، عن أبيه، عن جده أشبه".
تنبيه: رواه الطبراني في الكبير (٢/ ١٣٨) عن العباس بن حمدان الحنفي، حدثنا علي بن المنذر الطريقي، ثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن محمد بن جبير، عن أبيه، فذكره.
وهذا إسناد موصول إلا أن فيه علة وهي أن علي بن المنذر الطريقي تفرّد بزيادة "سالم بن أبي الجعد" وخالفه أصحاب محمد بن فضل الثقات فلم يذكروه.
وقد أشار إليه الحافظ ابن حجر فقال: "ولولا هذا الاختلاف لكان الحديث على شرط الصحيح". النكت الظراف (٢/ ٤١ ٥).
٥ - باب انقياد الشجرتين لرسول الله ﷺ -
• عن جابر بن عبد الله قال -في حديثه الطويل-: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى
стр. 5721
نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: "انقادي علي بإذن الله" فانقادت معه كالبعير المخشوش، الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: "انقادي علي بإذن الله" فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما، لأم بينهما (يعني جمعهما) فقال: "التئما علي بإذن الله" فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يُحِسّ رسول الله ﷺ بقربي فيبتعد (وقال محمد بن عباد: فيتبعد) فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله ﷺ وقف وقفة، فقال: برأسه هكذا (وأشار أبو إسماعيل برأسه يمينا وشمالا) ثم أقبل، فلما انتهى إلي قال: "يا جابر! هل رأيت مقامي؟ " قلت: نعم، يا رسول الله، قال: فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا، فأقبل بهما، حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك.
قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته، فانذلق لي، فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول الله ﷺ ، أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري، ثم لحقته فقلت: قد فعلت، يا رسول الله، فعم ذاك؟ قال: "إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين" ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٣٠١٢: ٧٤) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم حتى أتينا جابر بن عبد الله، فذكره.
شرح الغريب:
(واديا أفيح): أي واسعا.
(بشاطئ الوادي): أي جانبه.
(كالبعير المخشوش): هو الذي يجعل في أنفه خشاش وهو عود يجعل في أنف البعير إذا كان صعبا ويشد فيه حبل ليذل وينقاد وقد يتمانع لصعوبته فإذا اشتد عليه وآلمه انقاد شيئًا ولهذا قال: الذي يصانع قائده.
стр. 5722
(بالمنصف): هو نصف المسافة.
(لأم): روى بهمزة مقصورة لأم وممدودة لاءم وكلاهما صحيح أي: جمع بينهما.
(فخرجت أحضر): أي: أعدو وأسعى سعيا شديدًا.
(فحانت مني لفتة): اللفتة: النظرة إلى جنب.
(وحسرته): أي: أحددته ونحيت عنه ما يمنع حدته بحيث صار مما يمكن قطعي الأغصان به.
(فانذلق) أي: صار حادا.
(أن يرفه عنهما) أي: يخفف.
• عن يعلى بن مرة قال: لقد رأيت من رسول الله ﷺ ثلاثا، ما رآها أحد قبلي، ولا يراها أحد بعدي، لقد خرجت معه في سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة، معها صبي لها، فقالت: يا رسول الله هذا صبي أصابه بلاء، وأصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم، ما أدري كم مرة، قال: "ناولينيه" فرفعته إليه، فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فَغَر فاه، فنفث فيه ثلاثا، وقال: "بسم الله، أنا عبد الله، اخسأ عدو الله" ثم ناولها إياه، فقال: "القينا في الرجعة في هذا المكان، فأخبرينا ما فعل" قال: فذهبنا ورجعنا، فوجدناها في ذلك المكان، معها شياه ثلاث، فقال: "ما فعل صبيك؟ " فقالت: والذي بعثك بالحق، ما حسسنا منه شيئا حتى الساعة، فاجترر هذه الغنم. قال: "انزل فخذ منها واحدة، ورد البقية" قال: وخرجت ذات يوم إلى الجبانة، حتى إذا برزنا قال: "انظر ويحك، هل ترى من شيء يواريني؟ " قلت: ما أرى شيئا يواريك إلا شجرة ما أراها تواريك. قال: "فما بقربها؟ " قلت: شجرة مثلها أو قريب منها. قال: "فاذهب إليهما، فقل: إن رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا بإذن الله" قال: فاجتمعتا، فبرز لحاجته، ثم رجع، فقال: "اذهب إليهما، فقل لهما: إن رسول الله ﷺ يأمركما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها" فرجعت. قال: وكنت معه جالسا ذات يوم إذ جاءه جمل يخبب، حتى صوب بجرانه بين يديه، ثم ذرفت عيناه، فقال: "ويحك انظر لمن هذا الجمل، إن له لشأنا" قال: فخرجت ألتمس صاحبه، فوجدته لرجل من الأنصار، فدعوته إليه، فقال: "ما شأن جملك هذا؟ " فقال: وما شأنه؟ -قال-: لا أدري والله ما شأنه، عملنا عليه، ونضحنا عليه، حتى عجز عن السقاية، فأتمرنا البارحة أن ننحره، ونقسم لحمه. قال: "فلا تفعل، هبه لي أو بعنيه" فقال: بل هو لك يا رسول الله. قال: فوسمه بسمة الصدقة، ثم بعث به.
стр. 5723
حسن: رواه أحمد (١٧٥٤٨) عن عبد الله بن نمير، عن عثمان بن حكيم، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن يعلى بن مرة، قال: فذكره.
وفيه عبد الرحمن بن عبد العزيز وهو الأوسي الإمامي مختلف فيه وقد توبع. رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٦١) والبيهقي في دلائله (٦/ ٢٢ - ٢٣) كلاهما من حديث شريك، عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده، قال: فذكره، وزاد في آخره: "ما من شيء إلا يعلم أني رسول الله إلا كفرة أو فسقة الجن والأنس".
وفيه شريك -وهو عبد الله النخعي سيئ الحفظ ولكن تابعه مروان بن معاوية عند الطبراني. وآفته عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة.
وعمر بن عبد الله وأبوه ضعيفان، والأب أسوأ حالا من ابنه.
ولكن رواه الحاكم (٢/ ٦١٧ - ٦١٨) وعنه البيهقي في دلائله عن أبي العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرة، عن أبيه، فذكر القصة دون قوله: "ما من شيء إلا يعلم ... ".
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
وفيه ذكره "عن أبيه" وهم نَبَّه عليه البيهقي.
وبالجملة، فإن يعلى بن مرة حدَّث بهذه القصة لورودها من طرق متعددة دون قوله: "ما من شيء ... "، والله تعالى أعلم.
• عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال: إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله؟ فدعاه رسول الله ﷺ فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ ثم قال: "ارجع" فعاد، فأسلم الأعرابي.
صحيح: رواه الترمذي (٣٦٢٨) واللفظ له -وأحمد (١٩٥٤) وصححه ابن حبان (٦٥٢٣) والحاكم (٢/ ٦٢٠) كلهم من طرق عن أبي ظبيان (واسمه: حصين بن جندب البجلي) عن ابن عباس، فذكره.
ولفظ أحمد وابن حبان نحوه وليس عندهما ذكر إسلام الأعرابي وإسناده صحيح. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب صحيح".
• عن أنس بن مالك قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ذات يوم، وهو جالس حزينًا قد خضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، قال: فقال له: ما لك؟ قال: فقال له: "فعل بي هؤلاء وفعلوا" قال: فقال له جبريل ﵇: أتحب أن أريك آية؟ قال: "نعم" قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع بتلك الشجرة، فدعاها
стр. 5724
فجاءت تمشي، حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع، فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله ﷺ : "حسبي".
حسن: رواه ابن ماجه (٤٢٠٨) وأحمد (١٢١١٢) والدارمي (٢٣) كلهم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان (واسمه: طلحة بن نافع) عن أنس بن مالك قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي سفيان طلحة بن نافع فإنه حسن الحديث.
٦ - باب ما جاء في تكثير الماء
• عن عمران قال: كنا في سفر مع النبي ﷺ , وإنا أسرينا، حتى كنا في آخر الليل، وقعنا وقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، وكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان -يسميهم أبو رجاء فنسي عوف- ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي ﷺ إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلا جليدا، فكبر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير، حتى استيقظ بصوته النبي ﷺ ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: "لا ضير أو لا يضير، ارتحلوا" فارتحل فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: "ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ " قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد، فإنه يكفيك" ثم سار النبي ﷺ ، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانا -كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف- ودعا عليا فقال: "اذهبا فابتغيا الماء" فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين، أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوف، قالا لها: انطلقي إذا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ ، قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى النبي ﷺ وحدثاه الحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي ﷺ بإناء، ففرغ فيه من أفواه المزادتين، أو سطيحتين، وأوكأ أفواهما، وأطلق العزالي، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: اذهب فأفرغه عليك، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وأيم الله، لقد أقلع عنها، وإنه ليخيل إلينا أنها أشد مِلأة منها حين ابتدأ فيها، فقال النبي ﷺ : "اجمعوا لها"
стр. 5725
فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقه، حتى جمعوا لها طعاما، فجعلوها في ثوب، وحملوها على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: "تعلمين ما رزئنا من مائك شيئا، ولكن الله هو الذي أسقانا"، فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله، إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه -وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة، فرفعتهما إلى السماء: تعني السماء والأرض- أو إنه لرسول الله حقا، فكان المسلمون بعد ذلك، يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون الصِّرم الذي هي منه، فقالت يوما لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدَعونكم عمدا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام.
متفق عليه: رواه البخاري في التيمم (٣٤٤) ومسلم في المساجد (٣١٢: ٦٨٢) كلاهما من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن الحصين، فذكره.
واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم قريب منه.
• عَنْ جَابِرٍ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا لَكُمْ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ، وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي رَكْوَتِكَ. قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. فَقُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٥٢) ومسلم في الإمارة (٧٣: ١٨٥٦) كلاهما من طريق حصين (هو ابن عبد الرحمن) عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: فذكره.
قوله: "كنا خمس عشرة مائة" وجاء في رواية عمرو بن دينار عن جابر "كنا ألفا وأربع مائة" فيجمع بينهما بأنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفا وخمسائة جبر الكسر، ومن قال ألفا وأربعمائة ألغاه.
وأما قول عبد الله بن أبي أوفى: "ألفا وثلاثمائة" فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على الزيادة، أو العدد الذي ذكره جملة من ابتداء الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم، أو العدد الذي ذكره عدد المقاتلة، والزيادة أتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم.
• عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرُّضوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ
стр. 5726
فَنَزَحْنَاهَا، فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغِ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهَا، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ مَضْمَض وَدَعَا، ثُمَّ صبَّهُ فِيهَا فَتَرَكْنَاهَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ إِنَّهَا أَصْدَرَتْنَا مَا شِئْنَا نَحْنُ وَرِكَابَنَا.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤١٥٠) عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: فذكره.
• عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، حتى إذا كان يوما أخر الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج بعد ذلك، فصلى المغرب والعشاء جميعا، ثم قال: "إنكم ستأتون غدا، إن شاء الله، عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي" فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول الله ﷺ : "هل مسستما من مائها شيئا؟ " قالا: نعم، فسبهما النبي ﷺ ، وقال لهما ما شاء الله أن يقول، قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا، حتى اجتمع في شيء، قال وغسل رسول الله ﷺ فيه يده ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر، أو قال غزير -شك أبو علي أيهما قال- حتى استقى الناس، ثم قال: "يوشك يا معاذ! إن طالت بك حياة، أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانا".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (١٠: ٧٠٦) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حدثنا أبو علي الحنفي، حدثنا مالك (هو ابن أنس) عن أبي الزبير المكي، أن أبا الطفيل عامر بن واثلة أخبره أن معاذ بن جبل أخبره، فذكره.
قوله: "تبضّ" بالضاد المعجمة - أي تسيل.
قوله: "منهمر": أي كثير الصب والدفع.
٧ - باب نبع الماء بين أصابع النبي ﷺ -
• عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس وضوءًا فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء في إناء، فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده، ثم أمر الناس يتوضئون منه.
قال أنس: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم.
متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (٣٢) والبخاري في الوضوء (١٦٩) ومسلم في الفضائل (٢٢٧٩)
стр. 5727
كلاهما من حديث مالك به مثله.
وفيه ذكر للمكان وهو الزوراء (والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمة)
وعدد الصحابة ما بين الستين إلى الثمانين، وفي رواية عنده "وكانوا زهاء الثلاثمائة" وفي رواية عند البخاري (١٩٥): "ثمانين وزيادة" وفي رواية عنده (٢٠٠) "بين السبعين إلى الثمانين" وفي رواية (٣٥٧٢): "ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة".
وكذا وقع الخلاف في اسم المكان فمرة الزوراء كما مضى، وقيل في سفر، ومرة ذكر مكان آخر.
ونظرا لهذا الخلاف في عدد الصحابة والمكان الذي وقعت فيه هذه المعجزة حملوا على التعدد وهو الظاهر، لأنه وقع مثل هذا في الحديبية كما في حديث جابر وغيره.
ورواه البخاري في علامات النبوة (٣٥٧٤) من وجه آخر عن أنس أنه قال: خرج النبي ﷺ في بعض مخارجه ومعه ناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة فلم يجدوا ماء يتوضؤون، فانطلق رجل من القوم، فجاء بقدح من ماء يسير، فأخذه النبي ﷺ فتوضأ، ثم مد أصابعه الأربع على القدح، ثم قال: "قوموا فتوضؤا" فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء وكانوا سبعين أو نحوه.
ورواه أيضا (٣٥٧٥) من وجه آخر عن أنس قال: حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ، وبقي قوم، فأتي النبي ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فوضع كفه فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فضمّ أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القوم كلهم جميعا، قلت: (أي الراوي) كم كانوا؟ قال: ثمانون رجلا.
• عن عبد الله قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقل الماء فقال: "اطلبوا فضلة من ماء" فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: "حيّ على الطهور المبارك، والبركة من الله" فلقد رأيت الماء ينبع بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
صحيح: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٥٧٩) عن محمد بن المثنى، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
قوله: "في سفر": ظاهره الحديبية، وقد وقع مثل هذا أيضا في غزوة خيبر كما رواه أبو نعيم في "الدلائل" من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن إبراهيم بإسناده.
قال الحافظ في الفتح (٦/ ٥٩١): هذا أولى، ودل على تكرار وقوع ذلك حضرًا أو سفرًا.
• عن جابر بن عبد الله -في حديثه الطويل- قال: فأتينا العسكر، فقال رسول الله ﷺ : "يا جابر، ناد بوضوء" فقلت: ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ قال: قلت:
стр. 5728
يا رسول الله، ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله ﷺ الماء، في أشجاب له، على حماره من جريد، قال: فقال لي: "انطلق إلى فلان بن فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شئ" قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها، لو أني أفرغه لشربه يابسه، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها، لو أني أفرغه لشربه يابسه، قال: "اذهب فأتني به" فأتيته به، فأخذه بيده فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو، ويغمزه بيديه، ثم أعطانيه فقال: "يا جابر، ناد بجفنة" فقلت: يا جفنة الركب! فأتيت بها تحمل، فوضعتها بين يديه، فقال رسول الله ﷺ بيده في الجفنة هكذا، فبسطها وفرق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: "خذ، يا جابر! " فصب علي، وقل: "باسم الله" فصببت عليه وقلت: باسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فقال: "يا جابر! ناد من كان له حاجة بماء" قال: فأتى الناس فاستقوا حتى رووا، قال: فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٧٤: ٣٠٣١) من طريق عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم حتى أتينا جابر بن عبد الله، فذكره.
شرح الغريب:
في أشجاب له: الأشجاب جمع شجب وهو: السقاء الذي قد أخلق وبلي وصار شنا يقال: شاجب؛ أي: يابس وهو من الشجب الذي هو الهلاك.
حمارة: هي: أعواد تعلق عليها أسقية الماء.
لشربه يابسه: معناه: أنه قليل جدًّا فلقلته مع شدة يبس باقي الشجب وهو السقاء لو أفرغته لاشتفه اليابس منه ولم ينزل منه شيء.
ويغمز بيديه: أي يعصره.
يا جفنة الركب: أي: يا صاحب جفنة الركب فحذف المضاف للعلم بأنه المراد وأن الجنفة لا تُنادى ومعناه يا صاحب جفنة الركب التي تشبعهم أحضرها أي من كان عنده جفنة بهذا الصفة فليحضرها.
٨ - باب مجّ النبي ﷺ في البئر يوم الحديبية فخرج منها الماء
• عن البراء قال: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة والحديبية بئر، فنزحناها حتى
стр. 5729
لم نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير البئر فدعا بماء فمضمض ومج في البئر، فمكثنا غير بعيد، ثم استقينا حتى روينا، وروت أو صدرتْ ركائبنا.
صحيح: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٥٧٧) عن مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره.
• عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشر مائة. وعليها خمسون شاة لا ترويها، قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية فإما دعا، وإما بسق فيها، قال: فجاشت فسقينا واستقينا.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٨٠٧: ١٣٢) من طرق عن عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية، فذكر الحديث بطوله.
٩ - باب ما جاء في تكثير الطعام
• عن أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخذت خمارا لها، فلفَّت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله ﷺ : "آرسلك أبو طلحة؟ ". قال: فقلت: نعم، قال: "للطعام". فقلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا". قال: فانطلق وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم؟ فقالت: الله ورسوله أعلم، قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه حتى دخلا، فقال رسول الله ﷺ : "هلمي يا أم سليم، ما عندك؟ ". فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت أم سليم عكة لها فآدمته، ثم قال رسول الله ﷺ ما شاء أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة بالدخول". فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة". فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "ائذن لعشرة". حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا.
متفق عليه: رواه مالك في كتاب صفة النبي ﷺ (١٩) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه
стр. 5730
سمع أنس بن مالك يقول: فذكره.
وأخرجه البخاري في علامات النبوة (٣٥٧٨) ومسلم في كتاب الأشربة (٢٠٤٠) كلاهما من طريق مالك بإسناده.
ورواه مسلم من طريق آخر في الأشربة (١٤٣: ٢٠٤٠) عن أنس بن مالك قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه، وقد جعل طعامًا قال: فأقبلت ورسول الله ﷺ مع الناس، فنظر إلي فاستحييت فقلت: أجب أبا صلحة، فقال للناس: "قوموا" فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما صنعت لك شيئًا قال: فَمَسَّها رسول الله ﷺ ودعا فيها بالبركة ثم قال: "أدخل نفرًا من أصحابي عشرة" وقال: "كلوا" وأخرج لهم شيئًا من بين أصابعه فأكلوا حتى شبعوا فخرجوا فقال: أدخل عشرة، فأكلوا حتى شبعوا فخرجوا فما زال يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع ثم هيّأها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها.
• عن أنس بن مالك قال: تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله. قال: فصنعت أمي أم سليم حيسا فجعلته في تور. فقالتَ: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ . فقل بعثتْ بهذا إليك أمي. وهي تقرئك السلام. وتقول: إن هذا لك منا قليل، يا رسول الله! قال: فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ . فقلت: إن أمي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل، يا رسول الله، فقال: "ضعه" ثم قال: "اذهب فادع لي فلانا وفلانا وفلانا. ومن لقيت" وسمى رجالا. قال: فدعوت من سمى ومن لقيت.
قال: قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة.
وقال لي رسول الله ﷺ : "يا أنس! هات التور" قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة. فقال رسول الله ﷺ : "ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه" قال: فأكلوا حتى شبعوا. قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم. فقال لي: "يا أنس! ارفع" قال: فرفعت. فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت؟ قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ ، فسلم على نسائه ثم رجع، فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه.
قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج علي، وأنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله ﷺ وقرأهن على الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ
стр. 5731
النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إلى آخر الآية.
صحيح: رواه مسلم في النكاح (٩٤: ١٤٢٨) عن قتيبة بن سعيد حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس، فذكره بطوله وفيه قصة الحجاب.
وذكره البخاري في النكاح (٥١٦٣) معلقا فقال: قال إبراهيم، عن أبي عثمان -واسمه الجعد- عن أنس بن مالك قال: "مر بنا في مسجد بني رفاعة، فسمعته يقول: كان النبي ﷺ إذا مر بجنبات أم سليم دخل عليها فسلم عليها، ثم قال: كان النبي ﷺ عروسًا بزينب فقال لي أم سليم: لو أهدينا لرسول الله ﷺ هدية، فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمر وسمن وأقط، فاتخذت حيسة في برمة فأرسلت بها معي إليه .. " الحديث بنحوه.
• عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء، وأن النبي ﷺ قال مرة: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس" أو كما قال: وأن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ﷺ بعشرة، وأبو بكر وثلاثة، قال: فهو أنا وأبي وأمي، ولا أدري هل قال: امرأتي وخادمي، بين بيتنا وبين بيت أبي بكر، وأن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ ، ثم لبث حتى صلى العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله ﷺ ، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك أو ضيفك؟ قال: أو عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا عليهم فغلبوهم، فذهبت فاختبأت، فقال: يا غنثر، فجدع وسب، وقال: كلوا، وقال: لا أطعمه أبدا، قال: وايم الله، ما كنا نأخذ من اللقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها حتى شبعوا، وصارت أكثر مما كانت قبل، فنظر أبو بكر: فإذا شيء أو أكثر، قال لامرأته: يا أخت بني فراس، قالت: لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرات. فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان الشيطان، يعني يمينه، ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي ﷺ فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين قوم عهد، فمضى الأجل فتفرقنا اثنا عشر رجلا، مع كل رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كل رجل، غير أنه بعث معهم، قال: أكلوا منها أجمعون. أو كما قال.
متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٥٨١) ومسلم في كتاب الأشربة (٢٠٥٧) كلاهما من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدثنا أبو عثمان، أنه حدثه عبد الرحمن بن أبي بكر، فذكره.
стр. 5732
• عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، فقال النبي ﷺ : "هل مع أحد منكم طعام؟ ". فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل، بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ : "أبيع أم عطية، أو قال: هبة؟ ". قال: لا، بل بيع، قال: فاشترى منه شاة فصنعت، فأمر نبي الله ﷺ بسواد البطن يشوى، وايم الله، ما من الثلاثين ومائة إلا قد حز له حزة من سواد بطنها، إن كان شاهدًا أعطاه إياه، وإن كان غائبا خبأها له، ثم جعل فيها قصعتين، فأكلنا أجمعون وشبعنا، وفضل في القصعتين، فحملته على البعير، أو كما قال.
متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦١٨) ومسلم في الأشربة (١٧٥: ٢٠٥٦) كلاهما من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، فذكره.
• عن جابر بن عبد الله قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمَصا شديدًا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمَصا شديدا، فأخرجت إلي جِرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله، إنا قد ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح النبي ﷺ وقال: "يا أهل الخندق إن جابرًا قد صنع سورًا، فحيهلا بكم". وقال رسول الله ﷺ : "لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينتكم حتى أجيء". فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت لي، فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك، ثم قال: "ادع خابزة فلتخبز معي، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها". وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا -أو كما قال الضحاك- لتخبز كما هو.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٠٢) ومسلم في الأشربة (١٤١: ٢٠٣٩) كلاهما من حديث حنظلة بن أبي سفيان، حدثنا سعيد بن ميناء، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فذكره ولفظهما سواء.
• عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة. فأصابنا جهد. حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا. فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا. فبسطنا له نطعا.
стр. 5733
فاجتمع زاد القوم على النطع. قال: فتطاولت لأحزره كم هو؟ فحزرته كربضة العنز. ونحن أربع عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا. ثم حشونا جربنا. فقال نبي الله ﷺ : "فهل من وضوء؟ " قال: فجاء رجل بإداوة له، فيها نطفة. فأفرغها في قدح. فتوضأنا كلنا. ندغفقه دغفقة. أربع عشرة مائة.
قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ : "فرغ الوضوء".
متفق عليه: رواه مسلم في اللقطة (١٩: ١٧٢٩) عن أحمد بن يوسف الأزدي، حدثنا النضر (يعني ابن محمد اليمامي) حدثنا عكرمة (هو ابن عمار) حدثنا إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع، فذكره.
ورواه البخاري في الشركة (٢٤٨٤) من وجه آخر عن حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع نحوه.
• عن جابر بن عبد الله قال: توفي عبد الله بن عمرو بن حرام، وعليه دين، فاستعنت النبي ﷺ على غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب النبي ﷺ إليهم فلم يفعلوا، فقال لي النبي ﷺ : "اذهب فصنف تمرك أصنافًا، العجوة على حدة، وعذق زيد على حدة" ثم أرسل إلي، ففعلت ثم أرسلت إلى النبي ﷺ فجلس على أعلاه، أو في وسطه ثم قال: "كِل للقوم" فَكِلْتُهُمْ حتى أوفيتهم الذي لهم، وبقي تمري، كأنه لم ينقص منه شيء.
صحيح: رواه البخاري في البيوع (٢١٢٧) عن عبدان، أخبرنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن جابر، فذكره.
وقوله: "عذق ابن زيد": العذق -بفتح العين- النخلة، وبكسرها العرجون.
وابن زيد شخص نسب إليه النوع المذكور من التمر، وأصناف تمر المدينة كثيرة جدًّا، فقد ذكر الشيخ أبو محمد الجويني في "الفروق" أنه كان بالمدينة فبلغه أنهم عدوا عند أميرها صنوف التمر الأسود خاصة فزادت على الستين، قال: والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم. "الفتح" (٤/ ٣٤٥).
• عن أبي هريرة قال: دخلت مع رسول الله ﷺ فوجد لبنًا في قدح، فقال: "يا أبا هريرة، الْحَقْ أهل الصفة، فادعهم إليّ" قال: فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم فدخلوا "أي فشربوا".
صحيح: رواه البخاري في الاستئذان (٦٢٤٦) عن أبي نعيم، حدثنا عمر بن ذر، وحدثنا محمد ابن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن ذر، أخبرنا مجاهد، عن أبي هريرة، فذكره.
ثم رواه البخاري في كتاب الرقاق (٦٤٥٢) عن أبي نعيم بنحو من نصف هذا الحديث، حدثنا
стр. 5734
عمر بن ذر، حدثنا مجاهد، أن أبا هريرة كان يقول: آلله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ ، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: "يا أبا هر". قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "الحق". ومضى فاتبعته، فدخل، فأستأذن، فأذن لي، فدخل، فوجد لبنا في قدح، فقال: "من أين هذا اللبن". قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: "أبا هر". قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي". قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ ! ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: "يا أبا هر". قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "خذ فأعطهم". قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم، فقال: "أبا هر". قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "بقيت أنا وأنت". قلت: صدقت يا رسول الله، قال: "اقعد فاشرب". فقعدت فشربت، فقال: "اشرب". فشربت، فما زال يقول: "اشرب". حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكا، قال: "فأرني". فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة.
ولعل المقصود من البخاري بنحو من نصف هذا الحديث هو الجزء الذي في الاستئذان، والباقي من الحديث كان بطريق الوجادة، أو الإجازة أو من شيخ آخر غير أبي نعيم وغير ذلك.
وقد رواه البيهقي (٢/ ٤٤٦) من طريق علي بن عبد العزيز، عن أبي نعيم موصولا بتمامه.
• عن جابر بن عبد الله أن أم مالك كانت تهدي للنبي ﷺ في عكّة لها سمنًا، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ فتجد فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي ﷺ فقال: "عصرتيها؟ " قالت: نعم قال: "لو تركتيها ما زال قائمًا".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٨: ٢٢٨٠) عن سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
стр. 5735
قوله: "ما زال قائما" أي حاضرًا موجودًا.
• عن جابر بن عبد الله أن رجلًا أتى النبي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه، وامرأته وضيفها حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فقال: "لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٩: ٢٢٨١) عن سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: كنا مع النبي ﷺ في مسير، قال: فنفدت أوزاد القوم، قال: حتى هم بنحر بعض حمائلهم قال: فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم، فدعوت الله عليها؟ قال ففعل. قال: فجاء ذو البر ببره. وذو التمر بتمره. قال: وقال مجاهد: وذو النواة بنواه قلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء. قال: فدعا عليها. حتى ملأ القوم أزودتهم. قال فقال عند ذلك: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة".
وفي رواية: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة. قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "افعلوا" قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر. ولكن ادعهم بفضل أزوادهم. ثم ادع الله لهم عليها بالبركة. لعل الله أن يجعل في ذلك. فقال رسول الله ﷺ : "نعم" قال: فدعا بنطع فبسطه. ثم دعا بفضل أزوادهم. قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة. قال: ويجيء الآخر بكف تمر. قال: ويجيء الآخر بكسرة. حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير. قال: فدعا رسول الله ﷺ بالبركة. ثم قال: "خذوا في أوعيتكم" قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا. وفضلت فضلة. فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك، فيحجب عن الجنة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٧) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر، قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبيد الله الأشجعي، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
والرواية الثانية عند مسلم أيضا من وجه آخر عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو
стр. 5736
أبي سعيد (الشك من الأعمش)، فذكر الحديث.
• عن أبي هريرة إن شاة طبخت، فقال رسول الله ﷺ : "أعطني الذراع" فناولها إياه، فقال: "أعطني الذراع" فناولها إياه، ثم قال: "أعطني الذراع" فقال: يا رسول الله إنما للشاة ذراعان! قال: "أما إنك لو التمستها لوجدتها".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٠٧٠٦) عن الضحاك، حدثنا ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان وأبيه عجلان ومن هذا الطريق رواه ابن حبان في صحيحه (٦٤٨٤).
• عن أبي عبيد أنه طبخ لرسول الله ﷺ قدرًا فيها لحم، فقال رسول الله ﷺ : "ناولني ذراعها" فناولته فقال: "ناولني ذراعها" فناولته، فقال: "ناولني ذراعها" فقال: يا نبي الله! كم للشاة من الذراع؟ قال: "والذي نفسي بيده لو سكتّ لأعطتك ذراعًا ما دعوت به".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٥٩٦٧) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦) والترمذي في الشمائل (١٧٠) كلهم من طريق أبان بن العطار، حدثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي عبيد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب فإنه يحسن حديثه في الشواهد دون الأصول.
وأبو عبيد هو مولى رسول الله ﷺ ولا يعرف اسمه.
وروي مثله عن أبي رافع قال: صنع لرسول الله ﷺ شاة مصلية فأتي بها فقال لي: "يا أبا رافع ناولني الذراع" فناولته، فقال: "يا أبا رافع ناولني الذراع" فناولته ثم قال: "يا أبا رافع ناولني الذراع" فقلت: يا رسول الله، وهل للشاة إلا ذراعان؟ فقال: "لو سكت لناوَلْتَني منها ما دعوت به" قال: وكان رسول الله ﷺ يعجبه الذراع.
رواه الإمام أحمد (٢٣٨٥٩) والطبراني في الكبير (١/ ٣٠٥) كلاهما من طريق حماد بن سلمة، حدثني عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته، عن أبي رافع، فذكره.
عبد الرحمن بن أبي رافع هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي رافع قال فيه ابن معين: صالح الحديث.
وأما عمته واسمها سلمى من رجال السنن ذكرها ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٧٩) ولم يوثقها أحد ولذا قال فيه الحافظ: "مقبولة" أي حيث تتابع، وإلا فهي لينة الحديث. وقال ابن القطان: لا تعرف.
وأبو رافع هو مولى رسول الله ﷺ وكان قبطيًّا، فأعتقه ﷺ .
وروي مثل هذا عن سالم بن عبد الله، قال حدثني فلان، فذكر نحوه، وفيه رجل من بني غفار لا يعرف من هو؟ رواه الإمام أحمد (٥٠٨٩) عن إسماعيل، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق، حدثني
стр. 5737
رجل من بني غفار في مجلس سالم بن عبد الله، فذكره.
• عن سمرة بن جندب قال: كنا مع رسول الله ﷺ نتداول من قصعة من غُدوة حتى الليل، تقوم عشرة، ويقعد عشرة، قلنا: فما كانت تُمَدّ؟ قال: من أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا من ها هنا. وأشار بيده إلى السماء.
صحيح: رواه الترمذي (٣٦٢٥) عن محمد بن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي العلاء، عن سمرة بن جندب، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٢٠١٩٦) وصحّحه ابن حبان (٦٥٢٩) والحاكم (٢/ ٦١٨) كلهم من طريق سليمان التيمي بإسناده نحوه.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
قلت: وهو كما قالا، وأبو العلاء هو يزيد بن عبد الله بن الشخير.
• عن أبي عمرة الأنصاري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فأصاب الناس مخمصة، فاستأذن الناس رسول الله ﷺ في نحر بعض ظهورهم، وقالوا: يبلغنا الله به، فلما رأى عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قد هم أن يأذن لهم في نحر بعض ظهورهم، قال يا رسول الله، كيف بنا إذا نحن لقينا القوم غدا جِياعا رجالا؟ ! ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم، فنجمعها ثم تدعو الله فيها بالبركة فإن الله، ﵎، سيبلغنا بدعوتك أو قال: سيبارك لنا في دعوتك، فدعا النبي ﷺ ببقايا أزوادهم، فجعل الناس يجيئون بالحثية من الطعام، وفوق ذلك، وكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر فجمعها رسول الله ﷺ ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعو، ثم دعا الجيش بأوعيتهم، فأمرهم أن يحتثوا، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملؤه، وبقي مثله، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله عبد مؤمن بهما، إلا حجبت عنه النار يوم القيامة".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٥٤٤٩) عن علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله - يعني ابن المبارك، قال: أخبرنا الأوزاعي، قال: حدثنا المطلب بن حنطب المخزومي، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، حدثني أبي قال، فذكره.
وهو في زهد عبد الله بن المبارك (٩١٧)
ورواه الطبراني في الكبير (٥٧٥) وصحّحه ابن حبان (٢٢١) والحاكم (٢/ ٦١٨ - ٦١٩) كلهم من طريق الأوزاعي.
стр. 5738
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
قلت: إسناده حسن من أجل المطلب بن حنطب وهو المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي فيه كلام يسير لا يضر، وهو حسن الحديث، وقد رمي بالتدليس إلا أنه صرّح بالتحديث هنا.
وأورده الهيثمي في المجمع (١/ ١٩ - ٢٠) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات.
• عن أبي هريرة قال: أتيت النبي ﷺ بتمرات فقلت: يا رسول الله ادع الله فيهن بالبركة فضمهن ثم دعا لي فيهن بالبركة، فقال لي: "خذهن واجعلهن في مزودك هذا، أو في هذا المزود، كلما أردت أن تأخذ منه شيئا فأدخل فيه يدك فخذه ولا تنثره نثرا، فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله" فكنا نأكل منه ونطعم وكان لا يفارق حقوي حتى كان يوم قتل عثمان فإنه انقطع.
حسن: رواه الترمذي (٣٨٣٩) واللفظ له، وأحمد (٨٦٢٨) وابن حبان (٦٥٣٢) والبيهقي في الدلائل (٦/ ١٠٩) كلهم من طرق عن حماد بن زيد، عن المهاجر، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل المهاجر (هو ابن مخلد) فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة قال: أعطاني رسول الله ﷺ شيئا من تمر، فجعلته في مكتل لنا، فعلقناه في سقف البيت، فلم نزل نأكل منه حتى كان آخره أصابه أهل الشام حيث أغاروا على المدينة.
رواه أحمد (٨٢٩٩) عن أبي عامر (هو: العقدي عبد الملك بن عمرو البصري) حدثنا إسماعيل -يعني ابن مسلم- عن أبي المتوكل (واسمه: علي بن داود الناجي) عن أبي هريرة، فذكره.
قوله في الحديث: (أصابه أهل الشام) وهم من بعض الرواة لأن إغارة أهل الشام على أهل المدينة كانت في زمن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأبو هريرة كان قد توفي قبل ذلك في أيام معاوية. والصواب كما سبق في الإسناد الأول.
• عن دكين بن سعيد المزني، قال: أتينا رسول الله ﷺ أربعين راكبا وأربع مائة، نسأله الطعام، فقال لعمر: "اذهب فأعطهم" فقال: يا رسول الله، ما بقي إلا آصع من تمر، ما أرى أن يقيظني، قال: "اذهب فأعطهم" قال: سمعا وطاعة. قال: فأخرج عمر المفتاح من حجزته، ففتح الباب، فإذا شبه الفصيل الرابض من تمر، فقال لنا: خذوا.
стр. 5739
فأخذ كل رجل منا ما أحب، ثم التفَتُّ، وكنت من آخر القوم، وكَأَنَّا لم نرزأْ تمرة.
صحيح: رواه أحمد (١٧٥٧٧) واللفظ له -وأبو داود (٥٢٣٨) مختصرا- وابن حبان (٦٥٢٨) والطبراني في الكبير (٤/ ٢٧٠ - ٢٧١) كلهم من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: حدثني دكين بن سعيد المزني، فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٣٠٤ - ٣٠٥): "روى أبو داود طرفًا منه، ورواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح".
قوله: "ما يُقَيِّظُني" بالتشديد أي: ما يكفيني.
وقوله: "الفصيل الرابض" هو: ولد الناقة الجالس المقيم.
وقوله: "لم نرزأْ": أي: لم ننقص أو لم نصب.
١٠ - باب ما جاء في تسبيح الطعام
• عن عبد الله قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
صحيح: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٥٧٩) عن محمد بن المثنى، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فذكره. وذلك في عهد النبي ﷺ كما جاء التصريح به في رواية عند الإسماعيلي أخرجه عن الحسن بن سفيان، عن بندار، عن أبي أحمد الزبيري في هذا الحديث: "كنا نأكل مع النبي ﷺ الطعام، ونحن نسمع تسبيح الطعام".
١١ - باب ما جاء في حنين الجذع
• عن جابر بن عبد الله قال: كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ ، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه.
صحيح: رواه البخاري في الجمعة (٩١٨) عن سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: أخبرني ابن أنس، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره.
ورواه في علامات النبوة (٣٥٨٤) من وجه آخر عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: "إن شئتم" فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يسكّن قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.
ورواه في علامات النبوة (٣٥٨٥) من وجه آخر عن جابر قال: "كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه
стр. 5740
فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكتت.
• عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحنّ الجذع، فأتاه فمسح يده عليه.
صحيح: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٥٨٣) عن محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن كثير أبو غسان، حدثنا أبو حفص -واسمه عمر بن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء- قال: سمعت نافعا، عن ابن عمر، فذكره.
• عن أبي حازم قال: أتوا سهل بن سعد فقالوا: من أي شيء منبر رسول الله ﷺ ؟ قال: ما بقي أحد من الناس أعلم به مني، قال: هو من أثل الغابة، وعمله فلان -مولى فلانة- لرسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يستند إلى جذع في المسجد يصلي إليه إذا خطب، فلما اتخذ المنبر فقعد عليه حنّ الجذع، قال: فأتاه رسول الله ﷺ فوطده وليس في حديث أبي حازم: فوطده - حتى سكن.
صحيح: رواه ابن أبي شيبة (٣٢٤٠٦) عن ابن عيينة، عن أبي حازم قال: فذكره. ورواه مسلم في المساجد (٥٤٤: ٤٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة به إلا أنه لم يسق لفظه، وأحال إلى حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه.
وهو مذكور في كتاب الجمعة إلا أنه ليس فيه ذكر "حنين الجذع" موضع الشاهد.
١٢ - باب نزول المطر بدعاء النبي ﷺ -
• عن أنس قال: أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله ﷺ فبينا هو يخطب يوم جمعة، إذ قام رجل فقال: يا رسول الله، هلكت الكراع، وهلكت الشاء، فادع الله يسقينا فمد يديه، ودعا.
قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عزاليها، فخرجنا نخوض الماء، حتى أتينا منازلنا، فلم نزل نمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، فادع الله يحبسه، فتبسم ثم قال: "حوالينا ولا علينا" فنظرت إلى السحاب تصدّع حول المدينة كأنه إكليل.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٥٨٢) ومسلم في صلاة الاستسقاء (٨٩٧) كلاهما من حديث ثابت البناني، عن أنس، فذكره.
والسياق للبخاري وساقه مسلم مختصرًا.
стр. 5741
• عن أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا رسول الله ﷺ يخطب على المنبر يوم الجمعة، قام أعربي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا أن يسقينا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، وما في السماء قزعة، قال: فثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. قال: فمطرنا يومنا ذلك، وفي الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه إلى الجمعة الأخرى. فقام ذلك الأعرابي، أو رجل غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا. فرفع رسول الله ﷺ يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا". قال: فما جعل يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت، حتى صارت المدينة في مثل الجوبة، حتى سال الوادي، وادي قناة، شهرًا. قال: فلم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود.
متفق عليه: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٣٣) ومسلم في الاستسقاء (٩: ٨٩٧) كلاهما من طريق الأوزاعي، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، قال: حدثني أنس بن مالك، فذكره.
روي عن أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري قال: استسقى رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: "اللهم اسقنا، اللهم اسقنا"، فقام أبو لبابة، فقال: يا رسول الله إن التمر في المرابد، وما في السماء سحاب نراه، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اسقنا"، فقام أبو لبابة فقال: يا رسول الله! إن التمر في المرابد فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة يسد ثعلب مربده بإزاره" فأسبلت السماء ومطرت، وصلى بنا رسول الله ﷺ ، ثم طاف الأنصار بأبي لبابة يقولون له: يا أبا لبابة إن السماء والله لن تقلع حتى تقوم عريانا تسد ثعلب مربدك بإزارك، كما قال رسول ﷺ قال: فقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره فأقلعت السماء.
رواه الطبراني في الصغير (٣٨٥) والبيهقي في الدلائل (٦/ ١٤٥) كلاهما من طريق سهل بن عبد الرحمن المعروف بالسندي بن عبد ربه، عن عبد الله بن أبي أويس، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، فذكره.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٩٢): "هذا إسناد حسن، ولم يروه أحمد ولا أهل الكتب والله أعلم".
قلت: في الإسناد عبد الله بن عبد الله أبو أويس المدني مختلف فيه، وهو عندي حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه.
وقد أتى في هذا الحديث بقصة منكرة.
стр. 5742
١٣ - باب دعاء النبي ﷺ لعروة البارقي
• عن عروة أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
صحيح: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦٤٢) عن علي بن عبد الله، أخبرنا سفيان، حدثنا شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يحدّثون، عن عروة، فذكره.
١٤ - باب سرعة جمل جابر بعد دعاء النبي ﷺ -
• عن جابر بن عبد الله قال: غزوت مع رسول الله ﷺ فتلاحق بي النبي ﷺ , وأنا على ناضح لنا قد أعيا، فلا يكاد يسير، فقال لي: "ما لبعيرك؟ " قال: قلت: عيى، قال: فتخلف رسول الله ﷺ فزجره ودعا له فما زال بين يدي الإبل قدامها .. الحديث بطوله في قصة بيع الجمل.
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٦٧) ومسلم في المساقاة (١١٠: ٧١٥) كلاهما عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي، عن جابر، فذكره.
ورواه البخاري في الشروط (٢٧١٨) ومسلم في المساقاة (١٠٩: ٧١٥) كلاهما من طريق آخر عن جابر وفيه: فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه، فسار يسيرًا لم يسر مثله. الحديث.
١٥ - باب ركوب النبي ﷺ على فرس أبي طلحة وكان بطيئا فأصبح سريعًا
• عن أنس بن مالك قال: فزع الناس، فركب رسول الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه فقال: "لم تراعوا إنه لبحر" فما سبق بعد ذلك اليوم.
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (٢٩٦٩) عن الفضل بن سهل، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد، عن أنس بن مالك، فذكره.
ورواه مسلم من طريق آخر عن أنس في الفضائل (٤٨: ٢٣٠٧).
١٦ - باب جواب النبي ﷺ لبعض الأسئلة التي لا يعلمها من الإنس إلا النبيّ
• عن أنس بن مالك أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال:
стр. 5743
"أخبرني به جبريل آنفا". قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال: "أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد: فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد". قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فجاءت اليهود، فقال النبي ﷺ : "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم". قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا. فقال النبي ﷺ : "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام". قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه، قال: هذا كنت أخاف يا رسول الله.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٩٣٨) عن حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل، حدثنا حميد، حدثنا أنس، فذكره.
• عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثه قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ ، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله، فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله ﷺ : "أينفعك شيء إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فقال: "سل" فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : "هم في الظلمة دون الجسر" قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: "فقراء المهاجرين" قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: "زيادة كبد النون" قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا" قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض، إلا نبي أو رجل أو رجلان، قال: "ينفعك إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد؟ قال: "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة، أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل، آنثا بإذن الله" قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم
стр. 5744
انصرف فذهب، فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه، حتى أتاني الله به".
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٤: ٣١٥) عن الحسن بن علي بن الحلواني، حدثنا أبو توبة (وهو الربيع بن نافع) حدثنا معاوية (يعني ابن سلام)، عن زيد (يعني أخاه)، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني أبو أسماء الرحبي، أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدّثه، فذكره.
١٧ - باب لفظ الأرض من كذب على النبي ﷺ -
• عن أنس بن مالك قال: كان رجل نصرانيًّا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا: أنه ليس من الناس فألقوه.
وفي لفظ: كان منا رجل من بني النجار، قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال فرفعوه، قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له، فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له، فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذا.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦١٧) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس، فذكره.
ورواه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٨١) عن محمد بن رافع، حدثنا أبو النضر، حدثنا سليمان (وهو ابن المغيرة) عن ثابت، عن أنس، فذكره باللفظ الثاني.
١٨ - باب دعائه ﷺ على سراقة في سفر الهجرة وظهور أثره عليه
• عن البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر إلى أبي في منزله، فاشترى منه رحلا، فقال لعازب: ابعث ابنك يحمله معي، قال: فحملته معه، وخرج أبي ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكر، حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله ﷺ ، قال:
стр. 5745
نعم، أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس، فنزلنا عنده، وسويت للنبي ﷺ مكانا بيدي ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت: لمن أنت يا غلام، فقال: لرجل من أهل المدينة أو مكة، قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت: أفتحلب، قال: نعم، فأخذ شاة، فقلت: انفض الضرع من التراب والشعر والقذى، قال: فرأيت البراء يضرب إحدى يديه على الأخرى ينفض، فحلب في قعب كثبة من لبن، ومعي إداوة حملتها للنبي ﷺ يرتوي منها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي ﷺ فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله، قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: "ألم يأن الرحيل". قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما مالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، فقلت: أتينا يا رسول الله، فقال: "لا تحزن إن الله معنا". فدعا عليه النبي ﷺ فارتطمت به فرسه إلى بطنها -أرى- في جلد من الأرض -شك زهير- فقال: إني أراكما قد دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي ﷺ فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلا قال: كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدًا إلا رده، قال: ووفى لنا.
متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦١٥) ومسلم في الزهد (٧٥: ٢٠٠٩) كلاهما من طريق زهير بن معاوية، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: فذكره.
١٩ - باب شفاء عبد الله بن عتيك بمسح النبي ﷺ -
• عن البراء بن عازب قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ، وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ، لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ. فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضي حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ. فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ
следующие страницы →