Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
• عن أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا رسول الله ﷺ يخطب على المنبر يوم الجمعة، قام أعربي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا أن يسقينا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، وما في السماء قزعة، قال: فثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. قال: فمطرنا يومنا ذلك، وفي الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه إلى الجمعة الأخرى. فقام ذلك الأعرابي، أو رجل غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا. فرفع رسول الله ﷺ يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا". قال: فما جعل يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت، حتى صارت المدينة في مثل الجوبة، حتى سال الوادي، وادي قناة، شهرًا. قال: فلم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود.
متفق عليه: رواه البخاري في الاستسقاء (١٠٣٣) ومسلم في الاستسقاء (٩: ٨٩٧) كلاهما من طريق الأوزاعي، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، قال: حدثني أنس بن مالك، فذكره.
روي عن أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري قال: استسقى رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: "اللهم اسقنا، اللهم اسقنا"، فقام أبو لبابة، فقال: يا رسول الله إن التمر في المرابد، وما في السماء سحاب نراه، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اسقنا"، فقام أبو لبابة فقال: يا رسول الله! إن التمر في المرابد فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة يسد ثعلب مربده بإزاره" فأسبلت السماء ومطرت، وصلى بنا رسول الله ﷺ ، ثم طاف الأنصار بأبي لبابة يقولون له: يا أبا لبابة إن السماء والله لن تقلع حتى تقوم عريانا تسد ثعلب مربدك بإزارك، كما قال رسول ﷺ قال: فقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره فأقلعت السماء.
رواه الطبراني في الصغير (٣٨٥) والبيهقي في الدلائل (٦/ ١٤٥) كلاهما من طريق سهل بن عبد الرحمن المعروف بالسندي بن عبد ربه، عن عبد الله بن أبي أويس، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، فذكره.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٩٢): "هذا إسناد حسن، ولم يروه أحمد ولا أهل الكتب والله أعلم".
قلت: في الإسناد عبد الله بن عبد الله أبو أويس المدني مختلف فيه، وهو عندي حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه.
وقد أتى في هذا الحديث بقصة منكرة.
стр. 5742
١٣ - باب دعاء النبي ﷺ لعروة البارقي
• عن عروة أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
صحيح: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦٤٢) عن علي بن عبد الله، أخبرنا سفيان، حدثنا شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يحدّثون، عن عروة، فذكره.
١٤ - باب سرعة جمل جابر بعد دعاء النبي ﷺ -
• عن جابر بن عبد الله قال: غزوت مع رسول الله ﷺ فتلاحق بي النبي ﷺ , وأنا على ناضح لنا قد أعيا، فلا يكاد يسير، فقال لي: "ما لبعيرك؟ " قال: قلت: عيى، قال: فتخلف رسول الله ﷺ فزجره ودعا له فما زال بين يدي الإبل قدامها .. الحديث بطوله في قصة بيع الجمل.
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٦٧) ومسلم في المساقاة (١١٠: ٧١٥) كلاهما عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي، عن جابر، فذكره.
ورواه البخاري في الشروط (٢٧١٨) ومسلم في المساقاة (١٠٩: ٧١٥) كلاهما من طريق آخر عن جابر وفيه: فلحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه، فسار يسيرًا لم يسر مثله. الحديث.
١٥ - باب ركوب النبي ﷺ على فرس أبي طلحة وكان بطيئا فأصبح سريعًا
• عن أنس بن مالك قال: فزع الناس، فركب رسول الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه فقال: "لم تراعوا إنه لبحر" فما سبق بعد ذلك اليوم.
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (٢٩٦٩) عن الفضل بن سهل، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد، عن أنس بن مالك، فذكره.
ورواه مسلم من طريق آخر عن أنس في الفضائل (٤٨: ٢٣٠٧).
١٦ - باب جواب النبي ﷺ لبعض الأسئلة التي لا يعلمها من الإنس إلا النبيّ
• عن أنس بن مالك أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال:
стр. 5743
"أخبرني به جبريل آنفا". قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال: "أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد: فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد". قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فجاءت اليهود، فقال النبي ﷺ : "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم". قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا. فقال النبي ﷺ : "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام". قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه، قال: هذا كنت أخاف يا رسول الله.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٩٣٨) عن حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل، حدثنا حميد، حدثنا أنس، فذكره.
• عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثه قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ ، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله، فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله ﷺ : "أينفعك شيء إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فقال: "سل" فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : "هم في الظلمة دون الجسر" قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: "فقراء المهاجرين" قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: "زيادة كبد النون" قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا" قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض، إلا نبي أو رجل أو رجلان، قال: "ينفعك إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد؟ قال: "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة، أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل، آنثا بإذن الله" قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم
стр. 5744
انصرف فذهب، فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه، حتى أتاني الله به".
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٤: ٣١٥) عن الحسن بن علي بن الحلواني، حدثنا أبو توبة (وهو الربيع بن نافع) حدثنا معاوية (يعني ابن سلام)، عن زيد (يعني أخاه)، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني أبو أسماء الرحبي، أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدّثه، فذكره.
١٧ - باب لفظ الأرض من كذب على النبي ﷺ -
• عن أنس بن مالك قال: كان رجل نصرانيًّا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا: أنه ليس من الناس فألقوه.
وفي لفظ: كان منا رجل من بني النجار، قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال فرفعوه، قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له، فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له، فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذا.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٦١٧) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس، فذكره.
ورواه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٨١) عن محمد بن رافع، حدثنا أبو النضر، حدثنا سليمان (وهو ابن المغيرة) عن ثابت، عن أنس، فذكره باللفظ الثاني.
١٨ - باب دعائه ﷺ على سراقة في سفر الهجرة وظهور أثره عليه
• عن البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر إلى أبي في منزله، فاشترى منه رحلا، فقال لعازب: ابعث ابنك يحمله معي، قال: فحملته معه، وخرج أبي ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكر، حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله ﷺ ، قال:
стр. 5745
نعم، أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس، فنزلنا عنده، وسويت للنبي ﷺ مكانا بيدي ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت: لمن أنت يا غلام، فقال: لرجل من أهل المدينة أو مكة، قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت: أفتحلب، قال: نعم، فأخذ شاة، فقلت: انفض الضرع من التراب والشعر والقذى، قال: فرأيت البراء يضرب إحدى يديه على الأخرى ينفض، فحلب في قعب كثبة من لبن، ومعي إداوة حملتها للنبي ﷺ يرتوي منها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي ﷺ فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله، قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: "ألم يأن الرحيل". قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما مالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، فقلت: أتينا يا رسول الله، فقال: "لا تحزن إن الله معنا". فدعا عليه النبي ﷺ فارتطمت به فرسه إلى بطنها -أرى- في جلد من الأرض -شك زهير- فقال: إني أراكما قد دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي ﷺ فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلا قال: كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدًا إلا رده، قال: ووفى لنا.
متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦١٥) ومسلم في الزهد (٧٥: ٢٠٠٩) كلاهما من طريق زهير بن معاوية، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: فذكره.
١٩ - باب شفاء عبد الله بن عتيك بمسح النبي ﷺ -
• عن البراء بن عازب قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ، وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ، لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ. فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضي حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ. فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ
стр. 5746
الأَغَالِيقَ عَلَى وَتَدٍ قَالَ فَقُمْتُ إِلَى الأَقَالِيدِ، فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِي عَلَالِيَّ لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، قُلْتُ إِنِ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَىَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ. فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ، لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ الْبَيْتِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ، فَأَضرِبُهُ ضرْبَةً بِالسَّيْفِ، وَأَنَا دَهِشٌ فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا، وَصَاحَ فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ، فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ؟ فَقَالَ: لأُمِّكَ الْوَيْلُ، إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ، قَالَ: فَأَضرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ضبيب السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الأَرْضِ فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ، فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ. فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصحَابِي فَقُلْتُ النَّجَاءَ، فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعِ. فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: "ابْسُطْ رِجْلَكَ" فَبَسَطْتُ رِجْلِي، فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٣٩) عن يوسف بن موسى، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: فذكره.
٢٠ - شفاء سلمة بن الأكوع بنفث النبي ﷺ -
• عن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٠٦) عن المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، فذكره.
٢١ - باب دعاء النبي ﷺ لقوة حفظ أبي هريرة
• عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله! إني سمعت منك حديثا كثيرًا فأنساه فقال النبي ﷺ : "ابسط رداءك " فبسطت فغرف بيده فيه ثم قال: "ضمه" فضممت، فما نسيت حديثا بعد.
стр. 5747
صحيح. رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦٤٨) عن إبراهيم بن المنذر، حدثنا ابن أبي الفديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.
٢٢ - باب دعاء النبي ﷺ لعمرو بن أخطب لجماله
• عن أبي زيد عمر بن أخطب الأنصاري قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ادن مني" قال: فمسح بيده على رأسه ولحيته، قال: ثم قال: "اللهم جمله، وأدم جماله" قال: فلقد بلغ بضعا ومئة سنة وما في رأسه ولحيته بياض إلا نبذ يسير، ولقد كان منبسط الوجه، ولم ينقبض وجهه حتى مات.
حسن: رواه أحمد (٢٠٧٣٣) واللفظ له - والترمذي (٣٦٢٩) وأبو يعلى (٦٨٤٧) وابن حبان (٧١٧١) كلهم من طريق عزرة بن ثابت الأنصاري، حدثنا علباء بن أحمر، حدثنا أبو زيد عمرو بن أخطب، فذ كره.
وإسناده حسن من أجل علباء بن أحمر فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. أي لم يرو إلا من هذا الوجه.
وقد ورد السبب الذي من أجله دعا رسول الله ﷺ لأبي زيد بالجمال في الحديث الذي رواه أحمد (٢٢٨٨٣) وصححه ابن حبان (٧١٧٢) والحاكم (٤/ ١٣٩) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣١١ - ٣١٢) كلهم من طريق علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا الحسين بن واقد، حدثني أبو نهيك (اسمه: عثمان بن نهيك الأزدي) حدثني عمرو بن أخطب قال: استسقى رسول الله ﷺ فأتيته بإناء فيه ماء، وفيه شعرة فرفعتها، ثم ناولته فقال: "اللهم جمله".
٢٣ - دعاؤه ﷺ للسائب بن يزيد وظهور بركته عليه
• عن الجعيد بن عبد الرحمن: رأيت السائب بن يزيد ابن أربع وتسعين جلدًا معتدلًا فقال: لقد علمت ما متعت به -سمعي وبصري- إلا بدعاء رسول الله ﷺ إن خالتي ذهبت بي إليه فقال: يا رسول الله، إن ابن أختي شاك فادع الله، قال: فدعا لي.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٥٤٠) عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا الفضل بن موسى، عن الجعيد بن عبد الرحمن، فذكره. ورواه مسلم في الفضائل (١١١: ٢٣٤٥) من طريق آخر عن الجعيد بن عبد الرحمن، به.
٢٤ - باب أثر مسح النبي ﷺ على وجه قتادة بن ملحان
• عن أبي العلاء بن عمير قال: كنت عند قتادة بن ملحان حين حُضِرَ، فمر رجل في أقصى الدار قال: فأبصرته في وجه قتادة قال: وكنت إذا رأيته كأن على وجهه
стр. 5748
الدهان قال: وكان رسول الله ﷺ مسح على وجهه.
صحيح: رواه أحمد (٢٠٣١٧) ومن طريقه البيهقي في الدلائل (٦/ ٢١٧) عن عارم (هو: محمد ابن الفضل) حدثنا معتمر قال: وحدث أبي، عن أبي العلاء بن عمير، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في المجمع (١٥٧٧١): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
٢٥ - شفاء علي بن أبي طالب ببصاقه ﷺ -
• عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، فدعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع .. الحديث في قصة خيبر.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٢١٠) ومسلم في فضائل الصحابة (٣٤: ٢٤٠٦) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم أخبرني سهل بن سعد، فذكره.
• عن علي قال: ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله ﷺ وجهي، وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية.
حسن: رواه أحمد (٥٧٩) مختصرًا، وأبو يعلى (٥٩٣) -واللفظ له- وأبو داود الطيالسي (١٨٥) كلهم من طرق عن المغيرة بن مقسم الضبي، عن أم موسى، قالت: سمعت عليًّا يقول: فذكره.
وإسناده حسن من أجل أم موسى -وهي سرية علي بن أبي طابى- قيل: اسمها فاختة. وقيل: حبيبة.
قال الدارقطني: "حديثها مستقيم يخرج حديثها اعتبارًا" ووثَّقها العجلي.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٢٢): "رواه أبو يعلى وأحمد باختصار، ورجالهما رجال الصحيح غير أم موسى وحديثها مستقيم".
٢٦ - بُرْءُ رِجْلِ عمرو بن معاذ بتفل النبي ﷺ -
• عن بريدة بن الحصيب قال: إن رسول الله ﷺ تفل في رِجْلِ عمرو بن معاذ حين قطعت رجله فبرأ.
حسن: رواه ابن حبان (٦٥٠٩) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٣٦) كلاهما من طريق الحسين بن حريث أبي عمار، حدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي، حدثني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة يقول: فذكره.
وإسناده حسن من أجل علي بن الحسين بن واقد وأبيه فإنهما حسنا الحديث.
стр. 5749
جموع ما تحقق من نبوءاته ﷺ -
١ - باب إخبار النبي ﷺ بأن فاطمة تكون أول من تلحق بالنبي ﷺ من أهل بيته
• عن عائشة قالت: دعا النبي ﷺ فاطمة ابنته في شكواه الذي قبض فيها، فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها فضحكت قالت: فسألتها عن ذلك، فقالت: سارني النبي ﷺ فأخبرني أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه فضحكت.
متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦٢٦، ٣٦٢٥) ومسلم في الفضائل (٢٤٥٠) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. وتوفيت فاطمة ﵂ بعد وفاة أبيها بستة أشهر.
٢ - باب أن أسرع أزواجه لحوقا به أطولهن يدا
• عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله ﷺ : "أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا".
قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا. قالت: فكانت أطولنا يدا زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها، وتصدق.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٥٢) عن محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى السيناني، أخبرنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، فذكرته.
وكان مراد النبي ﷺ بطول اليد كثرة الصدقة، لا طول اليد الحقيقية، فكانت زينب أول أزواجه لحوقا به باتفاق أهل السير، وكانت كثيرة الصدقة، ومن هنا يعرف السقط الذي وقع في حديث البخاري الآتي:
• عن عائشة أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن للنبي ﷺ : أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: "أطولكن يدا".
فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدا، فعلمنا بعدُ أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به، وكانت تحب الصدقة.
صحيح: رواه البخاري في الزكاة (١٤٢٠) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته.
стр. 5750
وقولها: "وكانت أسرعنا لحوقا به" أي زينب. التي سقط ذكرها من هذه الرواية، وهي ماتت سنة عشرين، وماتت سودة في آخر خلافة عمر (ت ٢٣ هـ).
٣ - باب نعي جعفر وزيد قبل أن يجيء خبرهم
• عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ ﷺ نعى جعفرًا، وزيدًا قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تذرفان.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٦٣٠) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك، فذكره.
• عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ" وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٦٢) عن أحمد بن واقد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس قال: فذكره.
٤ - باب الصلح بين الحسن بن علي ومعاوية
• عن أبي بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
صحيح: رواه البخاري في الصلح (٢٧٠٤) عن عبد الله بن محمد: حدثنا سفيان، عن أبي موسى قال: سمعت الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولِّي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين- أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم، فبعث إليه رجلين من قريش، من بني عبد شمس، عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله ابن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه، فتكلما وقالا له، فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب، قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه. فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: فذكره.
قال البخاري: قال لي علي بن عبد الله: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث.
وفي معناه ما روي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ للحسن: "ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين".
стр. 5751
رواه البزار - كشف الأستار (٢٦٣٥) عن يوسف بن موسى، ثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره.
قال البزار: لا نعلمه يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد.
قلت: وهو كما قال، فإن عبد الرحمن بن مغراء يروي عن الأعمش أحاديث لا يتابع عليها.
قال علي بن المديني: إنه ليس بشيء كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث تركناه لم يكن بذاك، قال ابن عدي: وهو كما قال علي، إنما أنكرت على أبي زهير هذا، أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه عليها الثقات، وله عن غير الأعمش، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم.
ويظهر من أقوال العلماء أنه ضعيف في روايته عن الأعمش، وصدوق، في روايته عن غير الأعمش. وبه أعله الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٨) ولكن بدون تفصيل فقال: "فيه عبد الرحمن بن مغراء، وثّقه غير واحد، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وقد تحققت هذه النبوة في سنة إحدى وأربعين عندما صالح الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ جميعا على أن يكون الأمر لمعاوية بن أبي سفيان، وحينئذ دخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها بعد البيعة.
٥ - إخباره ﷺ بقتل أمية بن خلف
• عن عَمْرو بْنِ مَيْمُونٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ صَدِيقًا لأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا، فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ. فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصفِ النَّهَارِ، فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا سَعْدٌ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بمَكَّةَ آمِنًا، وَقَدْ أَوَيْتُمُ الصُّبَاةَ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ؟ ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ: طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ. فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِي. فَقَالَ سَعْدٌ: دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ. قَالَ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ، أَلَمْ تَرَىْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا
стр. 5752
أَدْرِي. فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ قَالَ: أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ. فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، إِنَّكَ مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ: أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي، فَوَاللَّهِ لأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي. فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَانَ وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَ: لَا، مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا. فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ بِبَدْرٍ.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٥٠) حدثني أحمد بن عثمان، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق قال: حدثني عمرو بن ميمون أنه سمع عبد الله ابن مسعود، فذكره.
٦ - باب قول النبي ﷺ لرجل: إنه من أهل النار
• عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا، يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فقالوا: مَا أَجْزَأَ مِنًّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أبدًا. قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ -قَالَ- فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ. فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنَ أَهْلِ النَّارِ. وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٢٠٢) ومسلم في الإيمان (١٧٩: ١١٢) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب (هو ابن عبد الرحمن القاري) عن أبي حازم (هو سلمة بن دينار)،
стр. 5753
عن سهل بن سعد قال: فذكره.
واسم الرجل الذي قتل نفسه القزمان الظفري وكان من المنافقين.
انظر: شرح النووي والفتح (٧/ ٤٧٣).
• عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر، فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه يدعي الإسلام: "هذا من أهل النار". فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال، وكثرت به الجراح فأثبتته، فجاء رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت الذي تحدثت أنه من أهل النار، قاتل في سبيل الله من أشد القتال، فكثرت به الجراح، فقال النبي ﷺ : "أما إنه من أهل النار". فكاد بعض المسلمين يرتاب، فبينما هو على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع منها سهما فانتحر بها، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله صدق الله حديثك، قد انتحر فلان فقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال، قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".
متفق عليه: رواه البخاري في القدر (٦٦٠٦) ومسلم في الإيمان (١٧٨: ١١١) كلاهما من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: فذكره، والسياق للبخاري.
تنبيه: وقع في رواية مسلم "حنينًا" بدل "خيبر".
قال القاضي بن عياض: صوابه خيبر، بالخاء المعجمة.
• عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أنه أخبره بعض من شهد النبي ﷺ بخيبر، أن رسول الله ﷺ قال لرجل ممن معه: "إن هذا لمن أهل النار" فلما حضر القتال، قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراح، فأتاه رجال من أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت الرجل الذي ذكرت أنه من أهل النار، فقد -والله- قاتل في سبيل الله أشد القتال، وكثرت به الجراح، فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه من أهل النار" وكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك وجد الرجل ألم الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع منها سهمًا، فانتحر به، فاشتد رجل من المسلمين إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، قد صدق الله حديثك، قد انتحر فلان، فقتل نفسه.
صحيح: رواه أحمد (١٧٢١٨) عن يعقوب (هو: ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري)
стр. 5754
حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، قال ابن شهاب: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، فذكره. وإسناده صحيح.
ذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١٤) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
٧ - باب ما روي من دلائل نبوة النبي ﷺ : يسبق حلمه جهله
روي عن عبد الله بن سلام أنه قال: إن الله تعالى لما أراد هدي زيد بن سَعْنة، قال زيد بن سعنة: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه من جهله، قال: فخرج رسول الله ﷺ من الحجرات، ومعه علي بن أبي طالب فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، قرية بني فلان قد أسلموا، ودخلوا في الإسلام وكنت أخبرتهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدًا، وقد أصابتهم سنة وشدة وقحوط من الغيث! ! فأنا أخشى يا رسول الله، أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به فعلت، قال: فنظر رسول الله ﷺ إلى رجل إلى جانبه، أراه عمر، فقال: ما بقي منه شيء يا رسول الله، قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه فقلت له: يا محمد هل لك أن تبيعني تمرا معلوما من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: "لا، يا يهودي ولكن أبيعك تمرا معلوما إلى أجل كذا وكذا، ولا أسمي حائط بني فلان" قلت: نعم، فبايعني ﷺ فأطلقت همياني فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، قال: فأعطاها الرجل، وقال: "اعجل عليهم وأغثهم بها" قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، خرج رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة، دنا من جدار، فجلس إليه فأخذت بمجامع قميصه، ونظرت إليه بوجه غليظ، ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب بمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، قال: ونظرت إلى عمر بن الخطاب، وإذا عيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم رماني ببصره، وقال: أي عدو الله، أتقول لرسول الله ما أسمع، وتفعل به ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحق! لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي هذا عنقك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدة ثم قال: "إنا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا من تمر مكان ما رُعْتَه" قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي، وزادني عشرين صاعا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان ما رعتك، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة، قال: الحبر؟ قلت: نعم، الحبر، قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله ﷺ ما قلت وتفعل به ما فعلت؟ فقلت: يا
стр. 5755
عمر كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا، وأشهدك أن شطر مالي- فإني أكثرها مالا- صدقة على أمة محمد ﷺ ، فقال عمر، أو على بعضهم، فإنك لا تسعهم كلهم، قلت: أو على بعضهم، فرجع عمر وزيد إلى رسول الله ﷺ فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فآمن به وصدقه، وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر.
فيه حمزة بن يوسف مجهول.
رواه ابن حبان (٢٨٨) والطبراني في الكبير (٥١٤٧) والحاكم (٣/ ٦٠٥، ٦٠٤) والبيهقي في الدلائل (٦/ ٢٧٨ - ٢٨٠) كلهم من طريق محمد بن المتوكل - وهو ابن أبي السري، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده قال: فذكره.
ومحمد بن المتوكل فيه كلام يسير لا يضر، ثم هو توبع فرواه أبو الشيخ الأصبهاني في أخلاق النبي ﷺ (ص ٧٢ - ٧٣) من طريق الحوطي - وهو عبد الوهاب بن نجدة وهو ثقة كما في التقريب، وابن ماجه (٢٢٨١) من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب وهو "ضعيف" كما في "التقريب" كلاهما عن الوليد بن مسلم بإسناده.
والوليد بن مسلم مدلس إلا أنه صرّح بالتحديث، ولكن مدار الحديث على حمزة بن يوسف بن عبد الله ابن سلام فإنه لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ١٧٠) كعادته في توثيق المجاهيل.
لم يرو عنه إلا ابنه، فهو "مجهول" على اصطلاح ابن حجر وغيره، إلا أن الحافظ قال فيه "مقبول" أي حيث يتابع، وإلا فليّن الحديث.
وحيث أنه لم يتابع فهو "لين الحديث" على أقل تقدير، وإلا فالصحيح أنه مجهول.
وأما قول الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهو من غرر الحديث، ومحمد ابن أبي السري العسقلاني ثقة.
فهو تساهل منه، فإنه تكلم في محمد بن أبي السري فوثقه، مع خلاف فيه لا يضر، فوثقه ابن معين، ولينه أبو حاتم، وقال ابن عدي: محمد كثير الغلط، ومع هذا فهو لم ينفرد به، بل توبع كما سبق، وترك الكلام على حمزة بن يوسف، ومدار الإسناد عليه وهو مجهول، وحديث المجهول لا يكون صحيحا.
وتعقبه الذهبي فقال: "ما أنكره وأتركه لا سيما قوله: مقبلا غير مدبر، فإنه لم يكن في غزوة تبوك قتال" انتهى.
وكذلك فعل الحافظ ابن حجر فجعل المدار على محمد بن أبي السري ونقل كلام أهل العلم
стр. 5756
فيه، انظر "الإصابة" ترجمة زيد بن سعنة.
والله تعالى أعلم، إلا أن هذا الحديث مشهور بين أهل العلم في إثبات دلائل النبوة.
٨ - باب الشاة التي سُمّتْ للنبي ﷺ بخيبر
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْمَعُوا إِلَىَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ". فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ: "إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَئءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟ ". فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أَبُوكُمْ؟ " قَالُوا: فُلَانٌ، فَقَالَ: "كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ" قَالُوا: صَدَقْتَ. قَالَ: "فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ " قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا" ثُمَّ قَالَ: "هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَىْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. قَالَ: "هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ ". قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ.
صحيح: رواه البخاري في الجزية والموادعة (٣١٦٩) عن عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، قال: حدثني سعيد، عن أبي هريرة قال: فذكره.
٩ - إخباره ﷺ عن عدم غزو قريش بعد غزوة الأحزاب
• عن سليمان بن صرد يقول: سمعت النبي ﷺ يقول حين أجلي الأحزاب عنه: "الآن نغزوهم، ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤١١٠) عن عبد الله بن محمد، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل: سمعت أبا إسحاق يقول: سمعت سليمان بن صرد يقول: فذكره.
قوله: "حين أجلي الأحزاب عنه ": أي رجعوا عنه.
١٠ - باب إخباره ﷺ عن هبوب ريح شديدة
• عن أبي حميد قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله ﷺ : "اخرصوها" فخرصناها، وخرصها رسول الله ﷺ عشرة أوسق، وقال: "أحصيها حتى نرجع إليك، إن شاء الله" وانطلقنا، حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : "ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقيم فيها أحد منكم،
стр. 5757
فمن كان له بعير فليشد عقاله" فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء، وجاء رسول ابن العلماء، صاحب أيلة، إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله ﷺ وأهدى له بردا، ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله ﷺ المرأة عن حديقتها "كم بلغ ثمرها؟ " فقالت: عشرة أوسق، فقال رسول الله ﷺ : "إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع معي، ومن شاء فليمكث" فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة، فقال: "هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه" ثم قال: "إن خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج، ثم دأر بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير" فلحقنا سعد بن عبادة، فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول الله ﷺ خير دور الأنصار، فجعلنا آخرًا، فأدرك سعد رسول الله ﷺ ، فقال يا رسول الله! خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرًا، فقال: "أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار".
متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٨١) ومسلم في الفضائل (١١: ١٣٩٢) كلاهما من طريق عمرو بن يحيى، عن عباس بن سهل الساعدي، عن أبي حميد الساعدي قال: فذكره.
قوله: "ثم دار بني عبد الحارث بن الخزرج" هذا خطأ، والصواب "بني حارث بن الخزرج" كما عند البخاري بحذف كلمة "عبد".
انظر: شرح النووي لصحيح مسلم.
١١ - باب إخباره عن الخوارج
• عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل". فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: "دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه -وهو قدحه- فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، وأشهد
стр. 5758
أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته.
متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦١٠) ومسلم في الزكاة (١٤٨: ١٠٦٤) كلاهما من طريق الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
١٢ - باب إخباره عن هلاك قيصر وكسرى
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله".
متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦١٨) ومسلم في الفتن (٧٥: ٢٩١٨) كلاهما من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله".
متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (٣١٢١) ومسلم في الفتن (٧٧: ٢٩١٩) كلاهما من طريق جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، فذكره.
١٣ - باب إخباره عن فتح كنوز كسرى
• عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل، فقال: "يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ ". قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: "فإن طالت بك الحياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله -قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين قد سعروا في البلاد؟ - ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى". قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالا وولدا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم". قال عدي: سمعت النبي ﷺ يقول: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة، فبكلمة طيبة". قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم الحياة، لترون ما قال
стр. 5759
النبي أبو القاسم ﷺ : "يخرج ملء كفه".
متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٥٩٥) عن محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعد الطائي، أخبرنا محل بن خليفة، عن عدي بن حاتم، فذكره. ورواه مسلم في الزكاة (٦٧: ١٠١٦) من وجه آخر عن عدي بن حاتم مختصرًا.
• عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لتفتحن عصابة من المسلمين -أو من المؤمنين- كنز آل كسرى الذي في الأبيض".
صحيح: رواه مسلم في الفتن (٧٨: ٢٩١٩) عن قتيبة بن سعيد وأبي كامل الجحدري قالا: حدثنا أبو عوانة عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، فذكره.
قال الإمام مسلم: قال قتيبة: من المسلمين ولم يشك.
١٤ - باب إخباره عن سير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله
• عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
صحيح: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦١٢) عن محمد بن المثنى، حدثني يحيى، عن إسماعيل، حدثنا قيس، عن خباب بن الأرت، فذكره.
١٥ - باب إخباره ﷺ عن كذاب ثقيف ومبيرها
• عن أبي نوفل رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، قال فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مر عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه، فقال: السلام عليك، أبا خبيب، السلام عليك، أبا خبيب، السلام عليك، أبا خبيب، أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله! إن كنت، ما علمت، صواما، قواما، وصولا للرحم، أما والله! لأمة أنت أشرها لأمة خير، ثم نفذ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك
стр. 5760
بقرونك، قال فأبت وقالت: والله! لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، قال فقال: أروني سبتي، فأخذ نعليه، ثم انطلق يتوذف، حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين! أنا، والله! ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول الله ﷺ حدثنا "أن في ثقيف كذابا ومبيرا" فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه، قال فقام عنها ولم يراجعها.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٢٩: ٢٥٤٥) عن عقبة بن مكرم العمي، حدثنا يعقوب (يعني ابن إسحاق الحضرمي) أخبرنا الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل، فذكره.
قوله: "كذابًا" هو المختار بن أبي عبيد الثقفي.
وقوله: "ومبيرًا" أي مهلكا.
وقد ذكر الترمذي عن هشام بن حسّان قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرًا فبلغ مائة ألف وعشرين ألف قتيل.
وفي معناه ما رُويَ عن ابن عمر عند الترمذي (٢٢٢٠)، وأحمد (٤٧٩٠)، وفي إسناده شريك ابن عبد الله النخعي، وهو سيء الحفظ.
• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ. وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَال: "لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإنِّي لأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي". ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ.
قَال ابْنُ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكَ أُرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيتُ" فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَىَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبِ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَىَّ فِي الْمَنَامِ: أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي"، أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةُ.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٧٣) ومسلم في الرؤيا (٢١: ٢٢٧٤، ٢٢٧٣) كلاهما من طريق شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، حدثنا نافع بن جبير عن ابن عباس قال: فذكره.
стр. 5761
قوله: "لئن أدبرت ليعقرنّك الله": أي إن أدبرت عن طاعتي ليقتلنك الله، وهذا من معجزات النبوة، فقد قتله الله يوم اليمامة.
• عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض، فوضع في كفي سواران من ذهب، فكبرا علي، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة".
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٧٥) ومسلم في الرؤيا (٢٢: ٢٢٧٤) كلاهما من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره.
صاحب صنعاء هو: الأسود العنسي. وصاحب اليمامة هو: مسيلمة الكذاب.
كما جاء عند البخاري في المناقب (٣٦٢١) مصرحًا.
١٦ - إخباره بهبوب الريح لموت منافق
• عن جابر أن رسول الله ﷺ قدم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت هذه الريح لموت منافق" فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات.
صحيح: رواه مسلم في صفات المنافقين (١٥: ٢٧٨٢) عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدثنا حفص -يعني ابن غياث- عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره.
١٧ - باب إخبار النبي ﷺ أبا شهم بجبذته
• عن أبي شهم قال: مرت بي جارية بالمدينة فأخذت بكشحها قال: وأصبح الرسول يبايع الناس - يعني النبي ﷺ قال: فأتيته، فلم يبايعني، فقال: "صاحب الجبذة! " قال: قلت: والله لا أعود، قال: فبايعني.
صحيح: رواه النسائي في الكبرى (٧٢٨٨) وأحمد (٢٢٥١١) وصححه الحاكم (٤/ ٣٧٧) كلهم من طريق الأسود بن عامر شاذان، حدثنا هريم بن سفيان، عن بيان بن بشر الأحمسي، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي شهم، فذكره.
وإسناده صحيح.
ورواه الإمام أحمد (٢٢٥١٢) عن سريج (هو ابن النعمان) حدثنا يزيد بن عطاء، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي شهم، قال: كان رجلًا بطّالًا قال: فمرّت بي جارية في بعض طرق المدينة، إذ هويت إلى كشحها، فلما كان الغد قال: فأتى الناس رسول الله ﷺ يبايعونه، فأتيته فبسطت يدي لأبايعه فقبض يده، وقال: "أجنّك صاحب الجبيذة" -يعني أما إنك
стр. 5762
صاحب الجبيذة أمس- قال: قلت: يا رسول الله، بايعني، فوالله لا أعود أبدًا قال: فنعم إذًا.
ويزيد بن عطاء هو اليشكري ليّن الحديث لكنه توبع كما تقدم.
ذكره ابن حجر في الإصابة في ترجمة أبي شهم (١٢/ ٣٥٢) وقال: إسناده قوي.
١٨ - باب إخباره عن كثرة أمته
• عن الفلتان بن عاصم قال: كنا قعودًا مع النبي ﷺ في المسجد، فشخص بصره إلى رجل يمشي في المسجد، فقال: "يا فلان، أتشهد أني رسول الله؟ " قال: لا، قال: "أتقرأ التوراة؟ " قال: نعم، قال: "والإنجيل؟ " قال: نعم، قال: "والقرآن؟ " قال: والذي نفسي بيده لو أشاء لقرأته، قال: ثم أنشده، فقال: "تجدني في التوراة والإنجيل؟ " قال: نجد مثلك ومثل أمتك ومثل مخرجك، وكنا نرجو أن تكون فينا، فلما خرجت، تخوفنا أن تكون أنت، فنظرنا، فإذا ليس أنت هو، قال: "ولم ذاك؟ " قال: إن معه من أمته سبعين ألفا ليس عليهم حساب ولا عقاب، وإدن ما معك نفر يسير. قال: "فوالذي نفسي بيده لأنا هو، وإنها لأمتي وإنهم لأكثر من سبعين ألفا وسبعين ألفا، وسبعين ألفا".
حسن: رواه البزار (٣٧٠٠) وابن حبان (٦٥٨٠) واللفظ له - والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٣٢ - ٣٣٣) كلهم من طرق عن عاصم بن كليب، حدثني أبي، عن خاله الفلتان بن عاصم، فذكره.
وإسناده حسن من أجل كليب بن شهاب والد عاصم فإنه حسن الحديث.
وقال الهيثمي (١٠/ ٤٠٨): "رواه البزار ورجاله ثقات".
١٩ - إخباره عن الشاة التي أخذت بغير إذن أهلها
• عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فلما رجعنا لقينا داعي امرأة من قريش، فقال: يا رسول الله، إن فلانة تدعوك ومن معك إلى طعام، فانصرف فانصرفنا معه، فجلسنا مجالس الغلمان من آبائهم بين أيديهم، ثم جيء بالطعام فوضع رسول الله ﷺ يده، ووضع القوم أيديهم، ففطن له القوم، وهو يلوك لقمته لا يُجيزها، فرفعوا أيديهم وغفلوا عنا، ثم ذكروا فأخذوا بأيدينا، فجعل الرجل يضرب اللقمة بيده حتى تسقط، ثم أمسكوا بأيدينا ينظرون ما يصنع رسول الله ﷺ فلفظها، فألقاها، فقال: "أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها" فقامت المرأة، فقالت: يا رسول الله، إنه كان في نفسي أن أجمعك ومن معك على طعام، فأرسلت إلى البقيع، فلم أجد شاة تباع، وكان عامر بن أبي وقاص ابتاع شاة أمس من البقيع،
стр. 5763
فأرسلت إليه: أن ابْتُغِي لي شاة في البقيع فلم توجد، فذُكِر لي أنك اشتريت شاة، فأرسل بها إلي، فلم يجده الرسول ووجد أهله فدفعوها إلى رسولي فقال رسول الله ﷺ : "أطعموها الأسارى".
حسن: رواه أحمد (٢٢٥٠٩) واللفظ له - وأبو داود (٣٣٣٢) كلاهما من طرق عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، فذكره.
وزاد أبو داود في أوله قصة جلوسه عند القبر وأمر الحافر بتوسيع القبر، وإسناده حسن من أجل عاصم وأبيه فإنهما حسنا الحديث.
٢٠ - باب إخبار النبي ﷺ عن قلة الأنصار
• عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، بملحفة، قد عصب بعصابة دسماء حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فإن الناس يكثرون، ويقل الأنصار، حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم شيئًا يضر فيه قومًا، وينفع فيه آخرين، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم" فكان ذلك آخر مجلس جلس فيه النبي ﷺ .
صحيح: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٦٢٨) عن أبي نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة بن الغسيل، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
٢١ - باب إخباره بأنه لا يبقى على رأس المائة أحد
• عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينقصني مائة سنة وعين تطرف"
وفي رواية: "إن لله ﵎ ريحًا يبعثها عند رأس مائة سنة فتقبض روح كل مؤمن"
حسن: رواه البزار (٢٢٩، ٢٢٨) - كشف الأستار، من طريقين عن بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فذكر الحديث.
قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد عن بريدة.
قلت: وإسناده حسن من أجل بشير بن المهاجر فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
لقد تحقق هذا التنبأ فكان أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني الذي ولد عام أحد، وأدرك من حياة النبي ﷺ ثمان سنين كان آخر من مات من الصحابة سنة عشر ومائة، وكان يقول قبل موته: ما على وجه الأرض رجل اليوم رأى النبي ﷺ غيري.
٢٢ - إخباره عن فتح جزيرة العرب وفارس والروم
• عن نافع بن عتبة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، قال: فأتى النبي ﷺ قوم
стр. 5764
من قبل المغرب، عليهم ثياب الصوف، فوافقوه عند أكمة، فإنهم لقيام ورسول الله ﷺ قاعد، قال: فقالت لي نفسي: ائتهم فقم بينهم وبينه، لا يغتالونه, قال: ثم قلت: لعله نجي معهم، فأتيتهم فقمت بينهم وبينه، قال: فحفظت منه أربع كلمات، أعدهن في يدي، قال: "تغزون جزيرة العرب، فيفتحها الله. ثم فارس، فيفتحها الله. ثم تغزون الروم، فيفتحها الله. ثم تغزون الدجال، فيفتحه الله".
قال: فقال نافع: يا جابر! لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم.
صحيح: رواه مسلم في الفتن (٣٨: ٢٩٠٠) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن عبد الملك ابن عمير، عن جابر بن سمرة، عن نافع بن عتبة، فذكره.
• عن عوف بن مالك أنه قال: إن رسول الله ﷺ قام في أصحابه فقال: "الفقر تخافون أو العوز أو تهمكم الدنيا؟ فإن الله فاتح لكم أرض فارس والروم، وتصب عليكم الدنيا صبّا، لا يزيغكم بعدي إن أزاغكم إلا هي".
حسن: رواه أحمد (٢٣٩٨٢) والطبراني في الكبير (١٨/ ٥٢) كلاهما من طريق بقية بن الوليد، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عوف بن مالك، فذكره.
وإسناده حسن من أجل بقية بن الوليد فإنه حسن الحديث إذا صرّح بالتحديث. وقد صرّح بالتحديث عند الإمام أحمد.
٢٣ - إخباره عن فتح مصر
• عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا -أو قال: ذمة وصهرًا- فإذا رأيت رجلين يختصمان فيهما في موضع لبنة فاخرج منها".
فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٢٧: ٢٥٤٣) عن زهير بن حرب وعبد الله بن سعيد قالا: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت حرملة المصري، يحدث عن عبد الرحمن بن شماسة، عن أبي بصرة، عن أبي ذر قال: فذكره.
٢٤ - باب إخباره أنه لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة
• عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن
стр. 5765
أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٤٢٥) عن عثمان بن الهيثم، حدثنا عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة، فذكره.
٢٥ - باب إخباره عن صفة بيت المقدس بعد ما رفع الله له إلى مكة ليراه
• عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: لما كذّبتني قريش، قمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٨٦) ومسلم في الإيمان (٢٧٦: ١٧٠) كلاهما من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط، قال: فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به .. الحديث".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٧٨: ١٧٢) عن زهير بن حرب، حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز - وهو ابن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره.
٢٦ - باب إخباره عن موضع قتل رؤساء قريش في غزوة بدر
• عن أنس أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان. قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه. ثم تكلم عمر فأعرض عنه. فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد؟ يا رسول الله، والذي نفسي بيده! لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. قال: فندب رسول الله ﷺ الناس. فانطلقوا حتى نزلوا بدرا. ووردت عليهم روايا قريش. وفيهم غلام أسود لبني الحجاج. فأخذوه. فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: ما لي علم بأبي سفيان. ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف. فإذا قال ذلك، ضربوه. فقال: نعم. أنا أخبركم. هذا أبو سفيان. فإذا تركوه فسألوه فقال: ما لي بأبي سفيان علم. ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس. فإذا قال هذا أيضا ضربوه. ورسول الله ﷺ قائم يصلي. فلما رأى ذلك انصرف. وقال: "والذي نفسي بيده! لتضربوه إذا صدقكم. وتتركوه إذا كذبكم". قال: فقال رسول الله
стр. 5766
- ﷺ : "هذا مصرع فلان" قال: ويضع يده على الأرض، ها هنا وها هنا. قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٨٣: ١٧٧٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: فذكره.
قوله: "فما ماط أحدهم" أي تباعد.
٢٧ - باب إخباره عن بلوغ ملك أمته إلى مشارق الأرض ومغاربها
• عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها .. الحديث".
صحيح: رواه مسلم في الفتن (١٩: ٢٨٨٩) من طرق عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، فذكره.
قال النووي: "في هذا الحديث إشارة إلى أن ملك هذه الأمة يكون معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب وهكذا وقع، وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب. اهـ.
٢٨ - باب إخباره عن إفاضة المال واستغناء الناس عنه
• عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تصدقوا، فيوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بها بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لي بها، فلا يجد من يقبلها".
متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤١١) ومسلم في الزكاة (٥٨: ١٠١١) كلاهما من طريق شعبة، عن معبد بن خالد، قال: سمعت حارثة بن وهب قال: فذكره.
• عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء".
متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤١٤) ومسلم في الزكاة (٥٩: ١٠١٢) كلاهما عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي"
стр. 5767
متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤١٢) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه مسلم من طريق آخر عن أبي هريرة مثله في كتاب الزكاة (٦٠: ١٥٧)
ورواه مسلم أيضا في كتاب الزكاة (٦٠: ١٥٧) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب -هو ابن عبد الرحمن الثاري- عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا".
قلت: لقد تحقق ما أخبر به النبي ﷺ حيث كثر المال حتى استغنى الناس جميعا في سنة مائة من الهجرة في خلافة عمر بن العزيز ﵀.
ومثله قال البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣ ٢٣)
٢٩ - إخباره عن خروج النار بأرض الحجاز
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى"
متفق عليه: رواه البخاري في الفتن (٧١١٨) ومسلم في الفتن (٤٢: ٢٩٠٢) كلاهما من طريق الزهري، أنه قال: قال سعيد بن المسيب، أخبرني أبو هريرة، فذكره.
قال النووي: "قد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وست مائة وكانت نارًا عظيمة جدًّا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة تواتر العلم بها عند جميع أهل الشام وسائر البلدان أخبرني من حضرها من أهل المدينة".
٣٠ - باب إخباره أن عبد الله بن بسر سيعيش مائة سنة
• عن الحسن بن أيوب الحضرمي قال: أراني عبد الله بن بسر شامة في قرنه، فوضعت إصبعي عليها فقال: وضع رسول الله ﷺ إصبعه عليها، ثم قال: لتبلغن قرنًا، قال أبو عبد الله: وكان ذا جمة.
حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٦٨٩) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٣٤٣) كلاهما من طريق أبي عبد الله الحسن بن أيوب الحضرمي قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل الحسن بن أيوب الحضرمي فإنه حسن الحديث.
ورواه الحاكم (٤/ ٥٠٠) والبيهقي في الدلائل (٦/ ٥٠٣) من طرق عن عبد الله بن بسر به وزادا: فعاش مئة سنة.
стр. 5768
٣١ - باب إخباره ﷺ بغزو الهند والسند
• عن أبي هريرة قال: حدثني خليلي الصادق رسول الله ﷺ أنه قال: "يكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند".
فإن أنا أدركته فاستشهدت فذاك، وإن أنا -فذكر كلمة- رجعت وأنا أبو هريرة المحرر قد أعتقني من النار.
حسن: رواه أحمد (٨٨٢٣) عن يحيى بن إسحاق، أخبرنا البراء، عن الحسن، عن أبي هريرة، فذكره.
والبراء هو ابن عبد الله الغنوي ضعيف، والحسن هو البصري لم يثبت سماعه من أبي هريرة على الأصح، ولكن له طرق أخرى، وبمجموعها يصير الحديث حسنا، وهو مخرج في كتاب الجهاد.
وقد غزا المسلمون الهند في زمن معاوية سنة ٤٤ هـ ثم تتابعت الغزوات على يد محمد بن القاسم ومحمود بن سبكتكين وغيرهما. انظر: البداية والنهاية (٩/ ٢١٨ - ٢١٩).
وبقيت الهند دار السلام قرابة ثمانية قرون، وبهذا تحققت بشارة النبي ﷺ .
٣٢ - باب ما من شيء بين السماء والأرض إلا يشهد لنبوة محمد ﷺ -
• عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من سفر، حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بني النجار، إذا فيه جمل لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه. قال: فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فجاء حتى أتى الحائط، فدعا البعير، فجاء واضعًا مشفره إلى الأرض، حتى برك بين يديه. قال: فقال النبي ﷺ : "هاتوا خطامه" فخطمه ودفعه إلى صاحبه. قال: ثم التفت إلى الناس فقال: "إنه ليس شيء بين السماء والأرض، إلا يعلم أني رسول الله، إلا عاصي الجن والإنس".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٣٣٣) وعبد بن حميد (١١٢٢) والدارمي (١٨) كلهم من طرق عن الأجلح، عن الذيال بن حرملة، عن جابر، فذكر مثله.
وإسناده حسن من أجل الذيال بن حرملة فإنه من رجال "التعجيل" روى عنه جمع، ووثّقه ابن حبان.
ورواه الطبراني في "الكبير" (١٢٧٤٤) والبيهقي في الدلائل (٦/ ٣٠) كلاهما من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأجلح، عن ذيال بن حرملة، عن ابن عباس.
ولا يعرف لذيال بن حرملة رواية عن ابن عباس.
فالظاهر أن هذا من تخليط أبي بكر بن عياش، لأنه وصف بذلك في روايته عن غير أهل بلده وهو شامي، والذيال بن حرملة كوفي.
وأما النبوءات التي تتعلق بأشراط الساعة فهي مذكورة في موضعها.
стр. 5769
جموع ما جاء في ذكر الوفود إلى رسول الله ﷺ -
قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفودُ العرب من كل وجه.
وقال: وإنما كانت العرب تربَّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله ﷺ ، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام ... سيرة ابن هشام (٥٥٩ - ٥٦٠).
وفي حديث عمرو بن سلمة في قصة الفتح عند البخاري (٤٣٠٢) قال: كانت العرب تلوَّم -تنتظر- بإسلامهم الفتح، يقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم ...
قال ابن هشام صاحب السيرة: حدثني أبو عبيدة: أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تسمى سنة الوفود.
ولكن هذا لا يمنع أن تكون بعض الوفود مقدمة على هذه السنة مثل وفد ضمام بن ثعلبة كان سنة خمس، ووفد مزينة كان سنة خمس وغيرهما.
وقد أخرج البخاري في صحيحه جملة من هذه الوفود بالأسانيد المتصلة الصحيحة، وكان محمد بن سعد أوفى من ذكر هذه الوفود، بلغ مجموعه ما يزيد على ستين، ومعظمها أسندها عن شيخه الواقدي، وهو متهم، مع سعة علمه في أيام رسول الله ﷺ ومغازيه.
وأنا أكتفي هنا بذكر جملة من الوفود بالأسانيد الصحيحة، وأسرد بعضها سردا، ولكن لا يعني هذا أن هذه لم تثبت، وأنها مختلقة! ! بل أقول بكل جزم أن ورود هذه الوفود على النبي ﷺ حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها، ولكن لم يهتم المؤرخون في السيرة النبوية مثل محمد بن إسحاق والواقدي وابن سعد بذكر الأسانيد المتصلة، كما اهتم المحدثون في ذكر الأحكام والمعاملات في مصنفاتهم بالأسانيد المتصلة، ليتمكن الناقد البارع معرفة الصحيح من السقيم بخلاف كتب السير والتواريخ، والله المستعان.
١ - وفد طارق بن عبد الله المحاربي وأصحابه من أهل الربذة في مكة
• عن طارق بن عبد الله المحاربي، قال: رأيت رسول الله ﷺ في سوق ذي المجاز وعليه حلة حمراء، وهو يقول: "يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، وقد أدمى عرقوبيه وكعبيه، وهو يقول: يا أيها الناس، لا تطيعوه، فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ قيل: هذا غلام بني عبد المطلب. قلت:
стр. 5770
فمن هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة؟ قال: هذا عبد العزى أبو لهب. قال: فلما ظهر الإسلام، خرجنا في ذلك حتى نزلنا قريبا من المدينة، ومعنا ظعينة لنا، فبينا نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان، فسلم، وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة. قال: ومعنا جمل. قال: أتبيعون هذا الجمل؟ قلنا: نعم. قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا صاعا من تمر. قال: فأخذه، ولم يستنقصنا. قال: قد أخذتُه، ثم توارى بحيطان المدينة، فتلاومنا فيما بيننا، فقلنا: أعطيتم جملكم رجلا لا تعرفونه؟ قال: فقالت الظعينة: لا تلاوموا، فإني رأيت وجه رجل لم يكن ليحْقِركم، ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه. قال: فلما كان من العشي أتانا رجل فسلم علينا، وقال: أنا رسول رسول الله ﷺ يقول: "إن لكم أن تأكلوا حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا". قال: فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا. قال: ثم قدمنا المدينة من الغد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يخطب على المنبر وهو يقول: "يد المعطي يد العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، أختك وأخاك، ثم أدناك أدناك"، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلانا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا منه، فرفع رسول الله ﷺ يديه حتى رأيت بياض إبطيه، وقال: "ألا لا تجني أم على ولد، ألا لا تجني أم على ولد".
حسن: رواه النسائي (٤٨٣٩) وابن ماجه (٢٦٧٠) وصححه ابن حبان (٦٥٦٢) والحاكم (٢/ ٦١١ - ٦١٢) كلهم من حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي، فذكره. واللفظ لابن حبان، واقتصر النسائي وابن ماجه على جزء الجناية.
وإسناده حسن من أجل يزيد بن زياد بن أبي الجعد.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
٢ - باب من وفد على رسول الله ﷺ من مضر من مزينة وذلك في سنة خمس
قال الواقدي: حدثنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، قال: كان أول من وفد على رسول الله ﷺ من مضر أربع مائة من مزينة، وذلك في رجب سنة خمس، فجعل لهم رسول الله ﷺ الهجرة في دارهم، وقال: "أنتم مهاجرون حيث كنتم، فارجعوا إلى أموالكم" فرجعوا إلى بلادهم.
رواه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٩١) عن الواقدي.
وكثير بن عبد الله المزني ضعيف باتفاق أهل العلم، وقد قال ابن حبان: روى عن أبيه، عن جده نسخة موضوعة.
стр. 5771
ثم قال الواقدي: أخبرنا هشام بن محمد السائب الكلبي، أخبرنا أبو مسكين وأبو عبد الرحمن العجلاني، قالا: قدم على رسول ﷺ نفر من مزينة منهم: خزاعي بن عبد نهم، فبايعه على قومه مزينة.
وروي أيضا عن النعمان بن مقرن، قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في أربع مائة من مزينة، فأمرنا رسول الله ﷺ بأمره، فقال بعض القوم: يا رسول الله، ما لنا طعام نتزوده، فقال النبي ﷺ لعمر: "زودهم" فقال: ما عندي إلا فاضلة من تمر، وما أراها تغني عنهم شيئا، فقال: "انطلق فزودهم" فانطلق بنا إلى عليَّة له، فإذا فيها تمر مثل البكر الأورق فقال: خذوا فأخذ القوم حاجتهم، قال: وكنت أنا في آخر القوم، قال: فالتفت، وما أفقد موضع تمرة، وقد احتمل منه أربع مائة رجل.
رواه أحمد (٢٣٧٤٦) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٦٥) كلاهما من حديث حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن النعمان بن مقرن، فذكره.
وسالم بن أبي الجعد لم يدرك النعمان بن مقرن، كما قال ابن حجر في الإصابة.
وقول الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٣٠٥): "رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح" لا يستلزم صحة الإسناد.
٣ - قدوم ضمام بن ثعلبة وافدا من قومه بني سعد بن بكر سنة خمس
قال الواقدي: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس، قال: بعث بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعبة، وكان جلدا أشعر ذا غديرين وافدا إلى رسول الله ﷺ ، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ فسأله، فأغلظ في المسألة، سأله عمن أرسله، وبما أرسله، وسأله عن شرائع الإسلام، فأجابه رسول الله ﷺ في ذلك كله. فرجع إلى قومه مسلما، قد خلع الأنداد، فأخبرهم بما أمرهم به، ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما، وبنوا المساجد، وأذَّنوا بالصلاة.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٩٩) عن الواقدي.
• عن أنس بن مالك قال: نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيءٍ، فكان يعجبنا أن يجيء الرّجلُ من أهل البادية العاقلُ، فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد! أتانا رسولُك فزعم لنا أنّك تزعم أنّ الله أرسلك قال: "صدق" قال: فمن خلق السّماء؟ قال: "الله". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله" قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله". قال: فبالذي خلق السّماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولُك أنّ علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا؟ قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولُك أنّ علينا زكاةً في أموالنا؟ قال:
стр. 5772
"صدق". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولُك أنّ علينا صوْمَ شهر رمضان في سنتنا؟ قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولُك أنّ علينا حجّ البيت من استطاع إليه سبيلًا؟ قال: "صدق" قال: ثم ولى، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهنّ، فقال النّبيُّ ﷺ : "لئن صَدقَ لَيَدْخُلَنَّ الجنَّةَ".
متفق عليه: رواه مسلم في الإيمان (١٠: ١٢) عن عمرو بن محمد بن بكير الناقد، حدثنا هاشم ابن القاسم أبو النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، فذكره.
ورواه البخاري في العلم (٦٣) من وجه آخر، عن أنس، وجاء فيه: فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
٤ - باب قدوم الأشعريين في سنة سبع عند فتح خيبر
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يقدم عليكم غدا أقوام، هم أرق قلوبا للإسلام منكم". قال: فقدم الأشعريون، فيهم أبو موسى الأشعري، فلما دنوا من المدينة جعلوا يرتجزون يقولون:
غدا نلقى الأحِبّه ... محمدًا وحِزبه
فلما أن قدموا تصافحوا، فكانوا هم أول من أحدث المصافحة.
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٢٥٨٢) وصححه ابن حبان (٧١٩٣) كلاهما من طريق يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح.
وله طرق أخرى عن حميد عند أحمد (١٢٠٢٦) وغيره.
٥ - قدوم أبي هريرة على النبي ﷺ -
• عن أبي هريرة قال: لما قدمت على النبي ﷺ قلت في الطريق:
يا ليلة من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نجت
وأبق غلام لي في الطريق، فلما قدمت على النبي ﷺ فبايعته، فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال لي النبي ﷺ : "يا أبا هريرة، هذا غلامك" فقلت: هو لوجه الله، فأعتقته.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٣٩٣) عن محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن أبي هريرة، فذكره.
стр. 5773
٦ - قدوم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه
• عن جابر، أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هل لك في حِصْنٍ حَصِيْنٍ ومنعةٍ؟ (قال: حِصنٌ كان لدوس في الجاهلية) فأبى ذلك النبي ﷺ للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة، فمرض فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبتْ يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ . فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم وليديه فاغفر".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١١٦) من طريق سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
• عن أبي هريرة، قال: قدم الطفيل وأصحابه فقالوا: يا رسول الله، إن دوسا قد كفرت، وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، فقال: "اللهم اهْدِ دوسا وَأْتِ بهم".
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٣٧) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٢٤) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
٧ - وفد عبد القيس، وكان قبل فتح مكة
• عن أبي جمرة قال: كنتُ أقعدُ مع ابن عباس يُجلسني على سريره فقال: أَقِمْ عندي حتى أجعل لك سهمًا من مالي. فأقمتُ معه شهرين، ثم قال: إنّ وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: "من القوم؟ -أو من الوفد؟ -" قالوا: ربيعة. قال: "مرحبا بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى". فقالوا: يا رسول الله، إنّا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشّهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفار مُضر، فُمرْنا بأمر فَصْل نُخْبر به مَنْ وراءَنا، وندخل به الجنّة. وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم: بالإيمان بالله وحده، قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزّكاة، وصيامُ رمضان، وأنْ تُعطوا من المغنم الخمس". ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدُّباء، والنّقير، والمزفّت، وربما قال: المقير، وقال: "احفظوهن وأخبروا بهنّ من وراءكم".
стр. 5774
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٣)، ومسلم في الإيمان (١٧) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي جمرة، فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه.
وزاد مسلمٌ في رواية قرّة بن خالد، عن أبي جمرة: وقال رسول الله ﷺ للأشجّ -أشجّ عبد القيس-: "إن فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحِلمُ والأناةُ".
قوله: "والمقير" هو المزفّت، وهو المطلي بالقار، وهو الزّفت.
قال الحافظ ابن كثير: "سياق حديث ابن عباس يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة لقولهم: وبيننا وبينك هذا الحي من مضر، لا نصل إليك إلا في شهر حرام" البداية والنهاية (٧/ ٢٥١).
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: إنّ أناسا من عبد القيس قدموا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا نبيَّ الله، إنّا حيٌّ من ربيعة وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم فمرْنا بأمر نأْمُرُ به مَنْ وَراءَنا وندخل به الجنّة، إذا نحن أخذنا به فقال رسول الله ﷺ : "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصّلاة، وآتوا الزّكاة، وصُوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم، وأنهاكم عن أربع: عن الدُّبّاء، والحَنْتَم، والمزفَّت والنّقِير". قالوا: يا نبي الله، ما علمُك بالنّقير؟ قال: "بلى جِذعٌ تنقرونه فتقذفون فيه من القُطَيْعاء -قال سعيدٌ: أو قال من التمر-، ثم تصبُّون فيه من الماء، حتى إذا سكن غليانُه شربتموه، حتى إنّ أحدكم -أو إنَّ أحدهم- ليضربُ ابنَ عمِّه بالسّيف" قال: وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك. قال: وكنتُ أَخْبأُها حياءً من رسول الله ﷺ . فقلتُ: ففيم نشرب يا رسول الله؟ قال: "في أَسْقِية الأَدَم التي يُلاثُ على أفواهها". قالوا: يا رسول الله، إنّ أرضنا كثيرةُ الجِرْذان، ولا تبقى بها أسقية الأَدَم. فقال نبيُّ الله ﷺ : "وإن أكلتها الجرذانُ، وإن أكلتها الجِرذانُ، وإن أكلتها الجرذان" قال: وقال نبيُّ الله ﷺ لأشج عبد القيس: "إنّ فيك لخصلتين يحبُّهما الله الحِلْمُ والأَنَاة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨) عن يحيى بن أيوب، حدثنا ابنُ عليّة، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: حدّثنا من لقي الوفدَ الذين قدموا على رسول الله ﷺ من عبد القيس.
قال سعيد (ابن أبي عروبة): وذكر قتادة أبا نضرة، عن أبي سعيد في حديثه هذا: "أنّ ناسًا من عبد القيس"، فذكره.
• عن ثمامة بن حزن القشيري قال: لقيت عائشة فسألتها عن النبيذ؟ فحدثتني أن وفد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ فسألوا النبي ﷺ عن النبيذ؟ فنهاهم أن ينتبذوا في
стр. 5775
الدباء، والنقير، والمزفت، والحنتم.
صحيح: رواه مسلم في الأشربة (١٩٩٥: ٣٧) عن شيبان بن فروخ، حدثنا القاسم بن الفضل، حدثنا ثمامة بن حزن القشيري، قال: فذكره.
• عن سعيد بن المسيب يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول عند هذا المنبر، وأشار إلى منبر رسول الله ﷺ : قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فسألوه عن الأشربة، فنهاهم عن الدباء والنقير والحنتم، فقلت له: يا أبا محمد، والمزفت، -وظننا أنه نسيه-؟ فقال: لم أسمعه يومئذ من عبد الله بن عمر، وقد كان يكره.
صحيح: رواه مسلم في الأشربة (١٩٩٧: ٥٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون: أخبرنا عبد الخالق بن سلمة، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: فذكره.
وفي الباب عن هود العصري، عن جده قال: بينما رسول الله ﷺ يحدث أصحابه إذ قال: "يطلع عليكم من هذا الوجه ركب من خير أهل المشرق". فقام عمر بن الخطاب، فتوجه في ذلك الوجه، فلقي ثلاثة عشر راكبا، فرحب وقرب، وقال: من القوم؟ قالوا: قوم من عبد القيس. قال: فما أقدمكم هذه البلاد؟ التجارة؟ قالوا: لا. قال: فتبيعون سيوفكم هذه؟ قالوا: لا. قال: فلعلكم إنما قدمتم في طلب هذا الرجل؟ قالوا: أجل، فمشى معهم يحدثهم حتى نظر إلى النبي ﷺ ، فقال لهم: هذا صاحبكم الذي تطلبون. فرمى القوم بأنفسهم عن رحالهم، فمنهم من سعى سعيا، ومنهم من هرول، ومنهم من مشى حتى أتوا رسول الله ﷺ ، فأخذوا بيده يقبلونها، وقعدوا إليه، وبقي الأشج -وهو أصغر القوم- فأناخ الإبل وعقلها، وجمع متاع القوم، ثم أقبل يمشي على تؤدة حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأخذ بيده فقبلها، فقال النبي ﷺ : "فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله". قال: وما هما يا نبي الله؟ قال: "الأناة والتؤدة". قال: أجَبْلًا جُبِلْتُ عليه أو تَخَلُّقًا مني؟ قال: "بل جَبْلٌ" فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله.
وأقبل القوم قِبَل تمرات لهم يأكلونها، فجعل النبي ﷺ يسمي لهم: "هذا كذا، وهذا كذا". قالوا: أجل يا رسول الله، ما نحن بأعلم بأسمائها منك. قال: "أجل". فقالوا لرجل منهم: أطعمنا من بقية الذي بقي في نَوْطك، فقام فأتاه بالبرني، فقال النبي ﷺ : "هذا البرَني، أما إنه من خير تمراتكم، إنما هو دواء، ولا داء فيه".
رواه أبو يعلى (٦٨٥٠) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٤٥ - ٣٤٦) كلاهما من حديث محمد بن صُدران، حدثنا طالب بن حجير العبدي، حدثنا هود العصري، عن جده. وجده هو مزيدة العصري.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٨): "رواه الطبراني وأبو يعلى ورجالهما ثقات، وفي بعضهم اختلاف".
قلت: في إسناده هو العصري، لم يذكر له راو غير طالب، ولم أجد توثيقه عن أحد إلا أن ابن
стр. 5776
حبان ذكره في ثقاته. ولذا قال ابن حجر: "مقبول" أي عند المتابعة. ولم أجد له متابعا.
وروي عن الجارود العبدي قال: أتيت النبي ﷺ أبايعه، فقلت له: على إني إن تركت ديني ودخلت في دينك لا يعذبني الله في الآخرة؟ قال: "نعم".
رواه أبو يعلى (٩١٨) والطبراني في الكبير (٢/ ٣٠٠) كلاهما من طريق أشعث بن سوار، عن محمد بن سيرين، عن الجارود العبدي، فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢): رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.
قلت: بل في إسناده أشعث بن سوار ضعيف.
• عن طلق بن علي قال: جلسنا عند النبي ﷺ فجاء وفد عبد القيس، فقال: "ما لكم قد اصفرت ألوانكم، وعظمت بطونكم، وظهرت عروقكم؟ " قال: قالوا: أتاك سيدنا فسألك عن شراب كان لنا موافقا فنهيته عنه، وكنا بأرض محمة، قال: "فاشربوا ما طاب لكم".
حسن: رواه ابن أبي شيبة (٢٤٣٦٨) عن ملازم بن عمرو، عن عجيبة بن عبد الحميد، عن عمه قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي، قال: فذكره.
ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الطبراني (٨٢٥٦).
وعزاه الهيثمي في المجمع (٥/ ٦٥) للطبراني وقال: "وفيه عجيبة بن عبد الحميد، قال الذهبي: لا يكاد يعرف، وبقية رجاله ثقات".
قلت: قول الذهبي هذا في الميزان، وأقره عليه الحافظ في اللسان، وفاتهما توثيق ابن معين له، كما في رواية عثمان الدارمي عنه (٤٨٨)، ورواه عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ٤٢).
ووثقه أيضا العجلي في ثقاته (١١١٣).
وكذا ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٠٧) لكنه ظنه امرأة، فترجم له بقوله: "عجيبة بنت عبد الحميد بن عقبة بن طلق بن علي الحنفي".
والحاصل أنه لا ينزل عن درجة صدوق.
فالإسناد حسن من أجل عجيبة هذا وشيخه قيس بن طلق.
وقوله: "فاشربوا ما طاب لكم" إن كان غير مسكر، وأما المسكر فلا؛ لأنه سبق النهي عنه.
قال الواقدي: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: حدثني أبو الشغب عكرشة بن أربد العبسي وعدة من بني عبس قالوا: وفد على رسول الله ﷺ تسعة رهط من بني عبس، فكانوا من المهاجرين الأولين، منهم: ميسرة بن مسروق، والحارث بن الربيع وهو الكامل، وقنان بن دارم، وبشر بن الحارث بن عبادة، وهدم بن مسعدة، وسباع بن زيد، وأبو الحصن بن لقمان،
стр. 5777
وعبد الله بن مالك، وفروة بن الحصين بن فضالة، فأسلموا، فدعا لهم رسول الله ﷺ بخير وقال: "ابغوني رجلًا يعشركم أعقد لكم لواء"، فدخل طلحة بن عبيد الله، فعقد لهم لواء وجعل شعارهم يا عشرة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عمار بن عبد الله بن عبس الدئلي، عن عروة بن أذينة الليثي قال: بلغ رسول الله ﷺ أن عيرًا لقريش أقبلت من الشام، فبعث بني عبس في سرية وعقد لهم لواء، فقالوا: يا رسول الله كيف نقسم غنيمة إن أصبناها ونحن تسعة؟ قال: "أنا عاشركم"، وجعلت الولاة اللواء الأعظم لواء الجماعة، والإمام لبني عبس ليست لهم راية.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني علي بن مسلم الليثي، عن المقبري، صت أبي هريرة قال: قدم ثلاثة نفر من بني عبس على رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنه قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواشٍ هي معاشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا، فقال رسول الله ﷺ : "اتقوا الله حيث كنتم فلن يليتكم من أعمالكم شيئًا ولو كنتم بصمدٍ وجازان"، وسألهم عن خالد بن سنان، فقالوا: لا عقب له، فقال: "نبي ضيعه قومه"، ثم أنشأ يحدث أصحابه حديث خالد بن سنان.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦) عن الواقدي، وهو المتهم.
وقوله فيه: "إن عيرا لقريش أقبلت من الشام ... " يدل على أن ذلك كان قبل فتح مكة، وفي بعض فقراته غرابة.
٨ - وفد بني ثعلبة في سنة ثمان
قال الواقدي: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن رجل من بني ثعلبة، عن أبيه قال: لما قدم رسول الله ﷺ من الجعرانة سنة ثمان، قدمنا عليه أربعة نفر، وقلنا: نحن رسل من خلفنا من قومنا، ونحن وهم مقرون بالإسلام، فأمر لنا بضيافة، وأقمنا أيامًا، ثم جئناه لنودعه، فقال لبلال: "أجزهم كما تجيز الوفد"، فجاء بنقر من فضة، وأعطى كل رجلٍ منا خمس أواقٍ، قال: "ليس عندنا دراهم"، فانصرفنا إلى بلادنا.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٩٨) وفيه مع الواقدي رجل لم يسم.
٩ - وفد بني أسد، وكان في سنة تسع
• عن ابن عباس قال: قدم على النبي ﷺ وفد بني أسد، فتكلموا، فأبانوا، فقالوا: يا رسول الله، قاتلتك مضر كلها، ولم نقاتلك، ولسنا بأقلهم عددا، ولا أَكَلِّهم شوكة، وصلنا رحمك. فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر حيث سمع كلامهم: "أيتكلمون هكذا؟ " قال: يا رسول الله، إن فقههم لقليل، وإن الشيطان
стр. 5778
لينطق على لسانهم.
زاد في رواية: ونزلت هذه الآية: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
حسن: رواه النسائي في الكبرى (١١٤٥٥) وأبو يعلى (٢٣٦٣) والبزار (٥١٤١) كلهم من حديث يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن قيس الأسدي، عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره، واللفظ لأبي يعلى، والزيادة للبزار.
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن رسول الله ﷺ بهذا اللفظ إلا ابن عباس، ولا له طريقا عن ابن عباس إلا هذا الطريق، ولا نعلم أسند محمد بن عبيد الله، عن سعيد بن جبير غير هذا الحديث، ومحمد بن عبيد الله هو أبو عون".
قلت: إسناده حسن من أجل يحيى بن سعيد الأموي، وهو ابن أبان بن سعيد بن العاص الكوفي.
قال الواقدي: قدم على رسول الله ﷺ في أول سنة تسع وفد بني أسد، وكانوا عشرة، منهم ضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد، وطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد ذلك ثم أسلم وحسن إسلامه، ونقادة بن عبد الله بن خلف. فقال له رئيسهم حضرمي بن عامر: يا رسول الله، أتيناك نتدرع الليل البهيم، في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثا. فنزل فيهم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
وكان فيهم قبيلة يقال لهم بنو الزنية، فغَيَّرَ اسمهم، فقال: "أنتم بنو الرشدة"، وقد استهدى رسول الله ﷺ من نقادة بن عبد الله بن خلف ناقة تكون جيدة للركوب وللحلب من غير أن يكون لها ولد معها، فطلبها فلم يجدها إلا عند ابن عم له، فجاء بها، فأمر رسول الله ﷺ بحلبها، فشرب منها، وسقاه سؤره، ثم قال: "اللهم بارك فيها وفيمن منحها" فقال: يا رسول الله، وفيمن جاء بها. فقال: "وفيمن جاء بها".
ذكره ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣) عن الواقدي قال: حدثنا هشام بن سعد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: وأخبرنا هشام بن محمد الكلبي، عن أبيه، قالا: قدم عشر رهط، فذكره باختلاف يسير، واللفظ هنا لابن كثير في تاريخه (٧/ ٣٥ ١ - ٣٥٢).
١٠ - قدوم وفد همدان في سنة تسع
قال ابن هشام: وقدم وفد همدان على رسول الله ﷺ فيما حدثني من أثق به، عن عمرو بن عبد الله بن أذينة العبدي، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قدم وفد همدان على رسول الله ﷺ منهم مالك بن نمط، وأبو ثور، وهو ذو المشعار، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك السلماني، وعميرة ابن مالك الخارفي، فلقوا رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك. وعليهم مقطعات الحبرات، والعمائم العدنية، برحال الميس على المهرية، والأرحبية. وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا فيه:
стр. 5779
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هذا كتاب من رسول الله محمد، لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرمل، مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووِهاطها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها ويرعون عافيها، لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدهم المهاجرون والأنصار" سيرة ابن هشام (٢/ ٥٩٦ - ٥٩٨).
وفي الإسناد رجل لم يُسَمَّ، كما أن فيه إرسالا، فإن أبا إسحاق السبيعي من التابعين.
قوله: "مقطعات": ثياب مخيطة.
وقوله: "الحبرات": برود يمنية.
وقوله: "الميس": خشب تصنع منه الرحال التي تكون على ظهر الإبل.
وقوله: "المهرية": الإبل النجيبة، تنسب إلى مهرة، قبيلة باليمن.
وقوله: "الأرحبية": إبل تنسب إلى أرحب، وهم قبيلة من همدان.
وقوله: "المخلاف": المدينة بلغة اليمن.
وقوله: "خارف": قبيلة من اليمن.
وقوله: "الحقاف": جمع حقف، وهو الرمل المستدير.
وقوله: "الفراع": أعالي الأرض.
وقوله: "الوِهاط": المنخفض من الأرض.
وقوله: "العلاف": ثمر الطلح.
وقوله: "عافيها": نباتها الكثير.
وجاء ذكر إسلام همدان مسندًا في الحديث التالي:
• عن البراء قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالدًا ومن كان معه إلا رجل ممن كان مع خالد أحب أن يعقب مع علي فليعقب معه، قال البراء: فكنت ممن عقب معه، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، وصفنا صفا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فأسلمت همدان جميعا، فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه، فقال: "السلام على همدان، السلام على همدان".
صحيح: رواه البيهقي في الكبرى (٢/ ٣٦٩) من طريقين عن أبي عبيدة بن أبي السفر، قال: سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره.
قال البيهقي: أخرج البخاري (٤٣٤٩) صدر الحديث عن أحمد بن عثمان، حدثنا شريح بن
стр. 5780
مسلمة، عن إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، فلم يسق بتمامه، وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه" انتهى.
قلت: حديث البخاري الذي أشار إليه البيهقي مخرج في البعوث والسرايا.
١١ - قصة وفد أهل نجران، وكان بعد فتح مكة
قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران، ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، في الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم، العاقب أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح. والسيد لهم ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه: الأيهم. وأبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائل، أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم. وأطال في ذكرهم. سيرة ابن هشام (١/ ٥٧٣).
قوله: "ثمالهم" أي أصلهم الذي يقصدون إليه.
• عن حذيفة قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه. قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيا فلاعنَّا لا نفلحُ نحن، ولا عَقِبُنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال: "لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين" فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح" فلما قام قال رسول الله ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٨٠) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٢٠: ٥٥) كلاهما من طريق أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: فذكره.
• عن ابن عباس قال: صالح رسول الله ﷺ أهل نجران على ألفي حلة: النصف في صفر والنصف في رجب، يؤدونها إلى المسلمين، وعاريةٍ ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد أو غدرة: على أن لا تهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا، قال إسماعيل: فقد أكلوا الربا. قال أبو داود: إذا نقضوا بعض ما اشترط عليهم فقد أحدثوا.
حسن: رواه أبو داود (٣٠٤١) والبيهقي (٩/ ١٨٧) والضياء المقدسي في المختارة (٩/ ٥٠٨) كلهم من حديث يونس بن بكير، حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي، عن ابن عباس، فذكره.
следующие страницы →