← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب. فأذن له رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله، قال: "عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن، ثم قال: أي عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ قلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك". متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٩٤)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٣٩٦) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد، أن محمد بن سعد بن أبي وقاص أخبره، أن أباه سعد بن أبي وقاص قال: فذكره. • عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب جاء إلى رسول الله ﷺ وعنده نسوة قد رفعن أصواتهن على رسول الله ﷺ ، فلما استأذن عمر ابتدرن الحجاب، فذكر نحو حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم. صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٣٩٧) عن هارون بن معروف، حدثنا به عبد العزيز ابن محمد، أخبرني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. ولم يذكر مسلم لفظه كاملا بل أحال إلى حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم، فقال: "فذكر نحو حديث الزهري" يعني الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد، أن محمد بن سعد ابن أبي وقاص أخبره أن أباه سعدا قال: فذكر الحديث. • عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ جالسا فسمعنا لغطا وصوت صبيان، فقام رسول الله ﷺ ، فإذا حبشية تزفن والصبيان حولها، فقال: "يا عائشة! تعالي فانظري". فجئت فوضعت لحييَّ على منكب رسول الله ﷺ ، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: "أما شبعت، أما شبعت". قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر قلت: فارفضَّ الناس عنها، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر". قالت: فرجعت. حسن: رواه الترمذي (٣٦٩١)، والنسائي في الكبرى (٨٩٠٨) كلاهما من طريق زيد بن حباب، أخبرني خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، أخبرنا يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة فذكرته. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه".

стр. 5847

وإسناده حسن من أجل خارجة بن عبد الله، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه. وقوله: "تزفن" أي: ترقص، وأصل الزفن: اللعب والدفع. وقوله: "فارفض الناس عنها" أي: تفرقوا. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا غيره". حسن: رواه ابن أبي عاصم في السنة (١٢٩٥)، والبزار (٩٠٨٨) كلاهما من طرق عن عبد العزيز بن محمد (هو الدراوردي)، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل الدراوردي وسهيل بن أبي صالح، فإنهما حسنا الحديث. ٧ - باب في قصر عمر بن الخطاب في الجنة • عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بالرميصاء -امرأة أبي طلحة-، وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال. ورأيت قصرا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر. فأردت أن أدخله، فأنظر إليه، فذكرت غيرتك". فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار؟ . متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٦٧٩) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٣٩٤ - ٢٠) كلاهما من حديث محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه. وفيه: "دخلت الجنة فرأيت فيها دارا، أو قصرا ... " وفي آخره: "فبكى عمر، وقال: أي رسول الله، أو عليك يغار؟ ". وفي لفظ للبخاري: "دخلت الجنة، أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرا، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله، فلم يمنعني إلا علمي بغيرتك". رواه البخاري في النكاح (٥٢٢٦) عن محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا معتمر، عن عبيد الله، عن محمد بن المنكدر، عن جابر فذكره. وفي لفظ للبخاري: "دخلت الجنة، فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فما منعني أن أدخله ... ". رواه البخاري في التعبير (٧٠٢٤) عن عمرو بن علي، حدثنا معتمر بن سليمان، ثنا عبيد الله بن عمر، عن محمد بن المنكدر به، فذكره. • عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ جلوس، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 5848

"بينما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: هذا لعمر، فذكرت غيرته، فوليت مدبرا"، فبكى عمر وهو في المجلس، ثم قال: أوعليك يا رسول الله أغار؟ . متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥٢٢٧)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٣٩٥) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، عن يونس، عن الزهري قال: أخبرني ابن المسيب، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ للبخاري. وفي لفظ آخر للبخاري: "قال أبو هريرة، فبكى عمر بن الخطاب، ثم قال: أعليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله أغار؟ " رواه البخاري في التعبير (٧٠٢٣) عن سعيد بن عفير، ثني الليث، ثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة فذكره. • عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة، فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش، فظننت أني أنا هو، فقلت: لمن هو؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب"، قال: "فلولا ما علمت من غيرتك لدخلته"، فقال عمر: عليك يا رسول الله أغار؟ . صحيح: رواه الترمذي (٣٦٨٨)، والنسائي في فضائل الصحابة (٢٦)، وأحمد (١٢٠٤٦) -واللفظ له-، وصحّحه ابن حبان (٦٨٨٧) كلهم من طرق عن حميد، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقد رواه أيضا أحمد في مسنده (١٢٩٨٣، ١٣٨٤٧) وفي فضائل الصحابة (٤٥١) وابن حبان (٥٤) من طرق أخرى عن أنس مثله. • عن بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالا فقال: "يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك، فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرَّف، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل من العرب. قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من المسلمين من أمة محمد، قلت: فأنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر ابن الخطاب". فقال رسول الله ﷺ : "لولا غيرتك يا عمر، لدخلت القصر". فقال: يا رسول الله، ما كنت لأغار عليك. قال: وقال لبلال: "بم سبقتني إلى الجنة؟ ". قال: ما أحدثت إلا توضأت، وصليت ركعتين. فقال رسول الله ﷺ : "بهذا".

стр. 5849

حسن: رواه الترمذي (٣٦٨٩)، وأحمد (٢٢٩٩٦)، وصحّحه ابن حبان (٧٠٨٦) كلهم من طريق حسين بن واقد قال: حدثني عبد الله بن بريدة، حدثني أبي بريدة (هو ابن الحصيب) فذكره. وإسناده حسن من أجل حسين بن واقد، فإنه حسن الحديث. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وقال: "معنى هذا الحديث: "إني دخلت البارحة الجنة" يعني رأيت في المنام كأني دخلت الجنة هكذا روي في بعض الحديث". وقد ورد في بعض طرق الحديث زيادة قول بلال: "يا رسول الله، ما أذَّنت قط إلا صليت ركعتين" وهذا منكر لم أقف على من استحب ركعتين بعد الأذان. ٨ - باب ما جاء في موافقات عمر بن الخطاب ربه • عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث. فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فنزلت هذه الآية. متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٠٢) عن عمرو بن عون، ثنا هشيم، عن حميد، عن أنس قال: فذكره، واللفظ له. ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٣٩٩) عن عقبة بن مكرم العمي، ثنا سعيد بن عامر، قال جويرية بن أسماء: أخبرنا عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: فذكر نحوه. وقال في الثالث: "أسارى بدر" مكان "الغيرة". وفي لفظ للبخاري: "وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلت عليهن، فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله ﷺ خيرا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] الآية. رواه البخاري في التفسير (٤٤٨٣) عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: فذكره. • عن عائشة قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة، لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين. قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في

стр. 5850

بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: "إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٩٥)، ومسلم في السلام (٢١٧٠ - ١٧) كلاهما من طرق عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه، وفيه: "وكانت امرأة يفرع النساء جسمها" وفي لفظ: "إن أزواج رسول الله ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع -وهو صعيد أفيح- وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ : احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة -زوج النبي ﷺ - ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب". رواه البخاري في الوضوء (١٤٦) ومسلم في السلام (٢١٧٠ - ١٨) كلاهما من طريق الليث، ثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته. • عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه، وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما خيرَّني الله، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] الآية، وسأزيده على سبعين". قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، وأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٧٠)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٠) كلاهما من طريق أبي أسامة، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. • عن عمر بن الخطاب قال: لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أبي، وقد قال يوم كذا: كذا وكذا، قال: أعدِّد عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: "أخِّرْ عني، يا عمر". فلما أكثرت عليه قال: "إني خُيِّرْتُ فاخترتُ، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغْفر له لزدت عليها". قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قال: فعجبت بعد من جرأتي

стр. 5851

على رسول الله ﷺ ، والله ورسوله أعلم. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦٧١) عن يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عُقيل، وقال غيره: حدثني الليث، ثني عُقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال: فذكره. ٩ - باب إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه • عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه". قال: وقال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال عمر بن الخطاب، أو قال عمر، إلا نزل القرآن على نحو مما قال عمر. صحيح: رواه الترمذي (٣٦٨٢) وأحمد (٥٦٩٧، ٥١٤٥) وابنه في زوائد الفضائل (٣٩٥) وصحّحه ابن حبان (٦٨٩٥) كلهم من طرق عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وإسناده صحيح. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه" ومعنى الحديث: أن الله ألهمه الحق ووفَّقه للتكلم به. • عن غُضيف بن الحارث أنه مر بعمر بن الخطاب، فقال: نعم الفتى غضيف، فلقيه أبو ذر، فقال: أي أخي استغفر لي، قال: أنت صاحب رسول الله وأنت أحق أن تستغفر لي! فقال: إني سمعت عمر بن الخطاب يقول: نعم الفتى غضيف، وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الله ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه". صحيح: رواه أبو داود (٢٩٦٢) وابن ماجه (١٠٨) وأحمد (٢١٢٩٥، ٢١٤٥٧) واللفظ له، وصحّحه الحاكم (٣/ ٨٧) كلهم من طرق عن غضيف بن الحارث، فذكره. وبعضهم لم يذكر القصة. وإسناده صحيح. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". حسن: رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على الفضائل (٣١٥) وصحّحه ابن حبان (٦٨٨٩) كلاهما من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد العزيز الدراوردي وسهيل بن أبي صالح، فإنهما حسنا الحديث. • عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "ما كان نبي قط إلا في أمته معلَّم أو معلَّمان، وإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر بن الخطاب، إن الحق على لسان عمر وقلبه". حسن: رواه القطيعي في زوائده على فضائل الصحابة (٥١٨) والطبراني في الأوسط (٩١٣٣)

стр. 5852

كلاهما من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الله بن محمد بن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وإسناده حسن فإن رجال الإسناد غير الصحابي كلهم حسن الحديث. وعبد الرحمن بن أبي الزناد حديثه بالمدينة حسن، فقد روى عنه محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وهو مدني، كما في فضائل الصحابة (٥١٨). ومحمد بن أبي عتيق هو محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عتيق، وثّقه الدارقطني، كما في سؤالات الحاكم، وحسنه الذهلي كما في التهذيب. وأما الحافظ ابن حجر فقال: "مقبول". والصحيح أنه صدوق. وعن طارق بن شهاب قال: كنا نتحدث أن السكينة تنزل على لسان عمر. رواه ابن أبي شيبة (٣٢٦٧٤) عن يحيى بن أبي بكير، حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: فذكره. وإسناده صحيح. ١٠ - باب أن عمر باب مغلق دون الفتن • عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ قال: فقلت: أنا. قال: إنك لجريء، وكيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر، قال: فقلت: مالك ولها؟ يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: لا، بل يكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدا. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط. قال: فهِبْنَا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله، فسأله، فقال: عمر. متفق عليه: رواه البخاري في علامات النبوة (٣٥٦٨) ومسلم في الفتن (١٤٤: ٢٦) كلاهما من طريق سليمان الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن حذيفة فذكره. ١١ - باب تخوف عمر بعد رسول الله ﷺ - • عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال: قلت: لا. قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى هل يسرُك

стр. 5853

إسلامنا مع رسول الله ﷺ ، وهجرتنا معه، وجهادنا معه، وعملنا كله معه، برد لنا، وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس؟ فقال أبي: لا والله، قد جاهدنا بعد رسول الله ﷺ وصلينا، وصمنا، وعملنا خيرا كثيرا، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنا لنرجو ذلك، فقال أبي: لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملنا بعدُ نجونا منه كفافا رأسا برأس. فقلت: إن أباك والله خير من أبي. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩١٥) عن يحيى بن بشر، حدثنا روح، حدثنا عوف، عن معاوية بن قرة قال: حدثني أبو بردة بن أبي موسى الأشعري قال: فذكره. قوله: "برد لنا" أي: ثبت لنا. وقوله: "كفافا" سواء بسواء ١٢ - باب ما جاء في أخبار عمر بن الخطاب • عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يقول في مسجد الكوفة: والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم، ولو أن أحدا ارفض للذي صنعتم بعثمان لكان. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٦٢) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في مسجد الكوفة يقول: فذكره. وفي لفظ: "لو رأيتني موثقي عمرُ على الإسلام أنا وأخته وما أسلم، ولو أن أحدا انقضَّ لما صنعتم بعثمان لكان محقوقا أن ينقضَّ". رواه البخاري (٣٨٦٧) من وجه آخر عن إسماعيل بن قيس، فذكره. قوله: "لموثقي على الإسلام" أي كان يربطه بسبب إسلامه ويضربه ليرجع عن الإسلام. • عن عبد الله بن مسعود قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٦٨٤) عن محمد بن المثنى، ثنا يحيى، عن إسماعيل، ثنا قيس قال: قال عبد الله: فذكره. • عن أبي عثمان قال: سمعت ابن عمر إذا قيل له: هاجر قبل أبيه يغضب. قال: وقدمت أنا وعمر على رسول الله ﷺ فوجدناه قائلا، فرجعنا إلى المنزل، فأرسلني عمرُ، وقال: اذهب فانظر هل استيقظ، فأتيته فدخلت عليه فبايعته، ثم انطلقت إلى عمر فأخبرته أنه قد استيقظ، فانطلقنا إليه نهرول هرولة حتى دخل عليه فبايعه ثم بايعته. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩١٦) عن محمد بن صباح، أو بلغني عنه، حدثنا إسماعيل، عن عاصم، عن أبي عثمان قال: فذكره.

стр. 5854

• عن حذيفة بن اليمان قال: دُعِيَ عمر لجنازة، فخرج فيها أو يريدها، فتعلقت به، فقلت: اجلس يا أمير المؤمنين، فإنه من أولئك، فقال: نشدتك بالله أنا منهم؟ قال: لا. ولا أبرئ أحدا بعدك. صحيح: رواه البزار (٢٨٨٥) عن عبد الواحد بن غياث، أخبرنا عبد العزيز بن مسلم (هو القسملي)، أخبرنا الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة فذكره. وإسناده صحيح، وقد صحّحه أيضا ابن حجر في مختصر زوائد البزار (٥٩٠). في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لعمر بن الخطاب ﵁، وهو براءته من النفاق، لأن النبي ﷺ قد بيَّن أسماء المنافقين لحذيفة بن اليمان، وأمره بعدم إظهاره، لذا لُقِّبَ حذيفة بصاحب سر رسول الله ﷺ . قوله: "فإنه من أولئك" يعني المنافقين. • عن ابن عباس: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلى صلاة جلس للناس لمن كانت له حاجة، فإن لم يكن لأحد حاجة قام فدخل، قال: فصلى صلوات لا يجلس للناس فيهن، قال ابن عباس: فحضرت الباب، فقلت: يا يرفأ، أبأمير المؤمنين شكاة؟ قال: ما بأمير المؤمنين من شكوى، فجلست، فجاء عثمان بن عفان ﵁ فجلس، فخرج يرفأ، فقال: قم يا ابن عفان، قم يا ابن عباس، فدخلا على عمر، فإذا بين يديه صُبَرٌ من مال، على كل صُبْرة منها كتف، فقال عمر ﵁: إني نظرت في أهل المدينة، فوجدتكما من أكثر أهلها عشيرة، فخذا هذا المال فاقسماه، فما كان من فضل فردا، قال: فأما عثمان ﵁ فحثا، وأما أنا فجثوت على ركبتي فقلت: وإن كان نقصانا رددت علينا، فقال: شنشنة من أخشن، يعني حجرا من جبل، أما كان هذا عند الله إذ محمد ﷺ وأصحابه يأكلون القد، فقلت: بلى، والله لقد كان هذا عند الله ومحمد ﷺ حي، ولو عليه فتح لصنع فيه غير الذي تصنع، فغضب عمر ﵁ وقال: أخبرني صنع ماذا، قلت: إذًا لأكل وأطعمنا، قال: فنشج عمر ﵁ حتى اختلفت أضلاعه، ثم قال: وددت أني خرجت منها كفافا لا لي ولا علي. حسن: رواه الحميدي (٣٠)، والبزار (٢٠٩) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. واللفظ للحميدي. وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن النبي ﷺ بهذا اللفظ غير عمر، ولا نعلم له طريقا عن عمر إلا هذا الطريق". قلت: وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب وأبيه، فإنهما صدوقان. روي عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر نزل جبريل فقال: يا محمد، لقد استبشر أهل السماء

стр. 5855

بإسلام عمر. رواه ابن ماجه (١٠٣) عن إسماعيل بن محمد الطلحي، حدثنا عبد الله بن خراش الحوشبي، عن العوام بن حوشب، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره. وإسناده ضعيف من أجل عبد الله بن خراش فإنه ضعيف باتفاق أهل العلم. روي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "أول من يصافحه الحقُّ عمر، وأول من يُسَلّم عليه، وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة". رواه ابن ماجه (١٠٤) عن إسماعيل بن محمد الطلحي، أنبأنا داود بن عطاء المديني، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي بن كعب فذكره. وإسناده ضعيف من أجل داود بن عطاء المديني، فإنه ضعيف باتفاق أهل العلم. وبه أعله البوصيري في مصباح الزجاجة. وأما ما روي عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر لأبي بكر: يا خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: أما إنك إن قلت ذاك فلقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر". فهو ضعيف جدا. رواه الترمذي (٣٦٨٤)، والبزار (٨١)، والحاكم (٣/ ٩٠) كلهم من طريق عبد الله بن داود الواسطي أبي محمد، حدثني عبد الرحمن ابن أخي محمد بن المنكدر، عن عمه محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بذاك". وتعقب الذهبي على تصحيح الحاكم فقال: "عبد الله ضعَّفوه، وعبد الرحمن متكلم فيه، والحديث شبه موضوع". وهو كما قال: فإن الأنبياء والمرسلين وأبا بكر خير من عمر وأفضل منه. ١٣ - باب ما جاء في جود عمر بن الخطاب • عن زيد بن أسلم حدَّث عن أبيه قال: سألني ابن عمر عن بعض شأنه -يعني عمر- فأخبرته، فقال: ما رأيت أحدا قط بعد رسول الله ﷺ من حين قبض كان أجدَّ وأجود حتى انتهى من عمر بن الخطاب. صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٦٨٧) عن يحيى بن سليمان، ثني ابن وهب، ثني عمر بن محمد، أن زيد بن أسلم حدَّثه عن أبيه فذكره. ١٤ - باب عمر بن الخطاب أول من وضع للمسلمين تاريخا قال سهل بن سعد: ما عدّوا من مبعث النبي ﷺ ولا من وفاته، ما عدّوا إلا من مقدمه المدينة.

стр. 5856

رواه البخاري في المناقب (٣٩٣٤) عن عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز، عن أبيه، عن سهل بن سعد فذكره. ومن أخباره عن سعيد بن المسيب يقول: جمع عمر الناس فسألهم من أي يوم يكتب التاريخ؟ فقال علي بن أبي طالب: من يوم هاجر رسول الله ﷺ وترك أرض الشرك، ففعله عمر ﵁. رواه الحاكم (٣/ ١٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وقد تواترت الروايات عن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أنه أول من وضع تاريخا للمسلمين ابتداء من هجرة المصطفى ﷺ من مكة إلى المدينة. راجع للمزيد "فتح الباري" (٧/ ٢٦٨) ومحض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ص ٣ ١٦ - ٣١٧. ١٥ - باب تمني عمر الموتَ في المدينة • عن عمر بن الخطاب قال: "اللهم! ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك". رواه البخاري في فضائل المدينة (١٨٩٠) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر فذكره. لقد سمعت من بعض المشائخ كانوا ينشدون: إلهي نَجِّني من كل ضيقٍ ... لِحُبِّ المصطفى مولى الجميع وهَبْ لي في مدينته قرارا ... ورزقا، ثم مثوى، بالبقيع ١٦ - باب ما جاء في قصة استشهاد عمر ووصاياه وكفنه ودفنه وقصة أمر الاستخلاف بعده واتفاقهم على عثمان • عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف. قال: كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل. قال: انظرا أن تكونا حمَّلتما الأرض ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سلَّمني الله لأدعنَّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى

стр. 5857

يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبَّر فسمعته يقول: قتلني -أو أكلني- الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأق ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن ابن عوف فقدَّمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، سبحان الله. فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة ثم جاء، فقال: غلام المغيرة. قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، -وكان أكثرهم رقيقا-، فقال: إن شئت فعلتُ، أي: إن شئت قتلنا؟ قال: كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم، فاحتُمِل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس. وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وَلِيتَ فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف، لا عليَّ ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا عليَّ الغلام، قال: يا ابن أخي ارفع ثوبك؛ فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال. انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر ابن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسَلَّم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله ابن عمر قد جاء، قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي

стр. 5858

تحب يا أمير المؤمنين أذِنَتْ. قال: الحمد لله ما كان من شيء أهم إلي من ذلك. فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سَلِّم، فقل: يستأذدن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجتْ عليه فبكت عنده ساعة، واستأذدن الرجال، فولجت داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء -كهيئة التعزية له- فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر؛ فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا؛ فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرَدَّ على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم. فلما قُبِضَ خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسَلَّمَ عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر ابن الخطاب. قالت: أدخلوه، فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه، فلما فُرِغَ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي. فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ، والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ ، والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان. فبايعه، فبايع له عليٌّ،

стр. 5859

وولج أهل الدار فبايعوه. صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٠٠) عن موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن حصين، عن عمرو بن ميمون قال: فذكره. وفي لفظ له مزيد إيضاح لقصة الاستخلاف: • عن المسور بن مخرمة قال: إن الرهط الذين ولَّاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن، حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان، قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائما فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم، انطلق فادع الزبير وسعدا، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني، فقال: ادع لي عليا، فدعوته، فناجاه حتى ابهارَّ الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى للناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد، يا علي! إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس المهاجرون، والأنصار، وأمراء الأجناد، والمسلمون. صحيح: رواه البخاري في الأحكام (٧٢٠٧) عن عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن المسور بن مخرمة فذكره. • عن المسور بن مخرمة قال: لما طُعِن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس، وكأنه يجزّعه: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنما ذاك مَنٌّ

стр. 5860

من الله تعالى مَنَّ به عليَّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك مَنٌّ من الله جل ذكره مَنَّ به عليَّ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه. صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٦٩٢) عن الصلت بن محمد، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة فذكره. • عن ابن عمر قال: لما طعن أبو لؤلؤة عمرَ، طعنه طعنتين، فظن عمر أن له ذنبا في الناس لا يعلمه، فدعا ابن عباس -وكان يحبه، ويدنيه، ويستمع منه- فقال له: أحب أن نعلم عن ملأ من الناس كان هذا؟ فخرج ابن عباس، فجعل لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون، فرجع إليه، فقال: يا أمير المؤمنين! ما أتيت على ملأ من المسلمين إلا وهم يبكون، كأنما فقدوا اليوم أبكار أولادهم، فقال: من قتلني؟ قال: أبو لؤلؤة المجوسي عبد المغيرة بن شعبة. قال ابن عباس: فرأيت البشر في وجهه، فقال: الحمد لله الذي لم يبتلني أحد يحاجني بقول: لا إله إلا الله، أما إني كنت قد نهيتكم أن تجلبوا إلينا من العلوج أحدا، فعصيتموني، ثم قال: ادعوا لي إخواني. قالوا: ومن؟ قال: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبي وقاص، فأرسل إليهم، ثم وضع رأسه في حجري، فلما جاؤوا، قلت: هؤلاء قد حضروا. فقال: نعم. نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم أيها الستة رؤوس الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم ما استقمتم يستقيم أمر الناس، وإن يكن اختلاف يكن فيكم، فلما سمعت ذكر الاختلاف والشقاق ظننت أنه كائن؛ لأنه قَلَّ ما قال شيئا إلا رأيته، ثم نزف الدم، فهمسوا بينهم حتى خشيت أن يبايعوا رجلا منهم، فقلت: إن أمير المؤمنين حي بعد، ولا يكون خليفتان ينظر أحدهما إلى الآخر، فقال: احملوني. فحملناه. فقال: تشاوروا ثلاثا، ويصلي بالناس صهيب، قال: من نشاور يا أمير المؤمنين؟ فقال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسراة من هنا من الأجناد، ثم دعا بشربة من لبن، فشرب فخرج بياض اللبن من الجرحين، فعرف أنه الموت. فقال: الآن لو أن لي الدنيا كلها لافتديت بها من هول المطلع، وما ذاك والحمد لله إن أكون رأيت إلا خيرا، فقال ابن عباس: وإن قلت ذلك فجزاك الله خيرا، أليس قد دعا رسول الله ﷺ أن يعز الله بك الدين والمسلمين إذ يخافون بمكة، فلما أسلمت كان إسلامك عزا، وظهر بك الإسلام ورسول الله ﷺ وأصحابه،

стр. 5861

وهاجرت إلى المدينة، فكانت هجرتك فتحا، ثم لم تغب عن مشهد شهده رسول الله ﷺ من قتال المشركين من يوم كذا ويوم كذا، ثم قبض رسول الله ﷺ وهو عنك راض، فوازرت الخليفة بعده على منهاج رسول الله ﷺ ، فضربت من أدبر بمن أقبل حتى دخل الناس في الإسلام طوعا أو كرها. ثم قُبِضَ الخليفة وهو عنك راض، ثم وُلِّيتَ بخير ما ولَّى الناسُ، مصَّر الله بك الأمصار، وجبى بك الأموال، ونفى بك العدو، وأدخل الله بك على كل أهل بيت من توسعهم في دينهم، وتوسعهم في أرزاقهم، ثم ختم لك بالشهادة، فهنيئا لك، فقال: والله! إن المغرور من تُغَرِّرونه. ثم قال: أتشهد لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة؟ فقال: نعم. فقال: اللهم! لك الحمد، ألصق خدي بالأرض يا عبد الله بن عمر، فوضعته من فخذي على ساقي، فقال: ألصق خدي بالأرض، فترك لحيته وخده حتى وقع بالأرض، فقال: ويلك وويل أمك يا عمر إن لم يغفر الله لك. ثم قُبِضَ ﵀. فلما قُبِضَ أرسلوا إلى عبد الله بن عمر، فقال: لا آتيكم إن لم تفعلوا ما أمركم به من مشاورة المهاجرين، والأنصار، وسراة من ها هنا من الأجناد. قال الحسن -وذُكِرَ له فعل عمر عند موته وخشيته من ربه- فقال: هكذا المؤمن جمع إحسانا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وغرة، والله! ما وجدت فيما مضى، ولا فيما بقي عبدا ازداد إحسانا إلا ازداد مخافة وشفقة منه، ولا وجدت فيما مضى، ولا فيما بقي عبدا ازداد إساءة إلا ازداد غِرَّة. حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٥٨٣) عن أحمد (هو القاسم بن مساور)، حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وإسناده حسن من أجل مبارك بن فضالة فإنه حسن الحديث وقد حسَّنه الهيثمي في المجمع (٩/ ٧٤ - ٧٦). تنبيه: قوله: "ألصق خدي بالأرض يا عبد الله بن عمر" كذا في المطبوع، والصواب "عبد الله ابن عباس" لأن "عبد الله بن عمر" لم يكن موجودا في ذلك الوقت عنده، كما يدل عليه آخر الحديث. وهو قوله: "ثم قبض ﵀، فلما قبض أرسلوا إلى عبد الله بن عمر".

стр. 5862

جموع مناقب عثمان بن عفان وأخباره هو عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي الأموي أمير المؤمنين. ولد بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح، وكان ربعة (أي لا بالطويل ولا بالقصير) حسن الوجه، رقيق البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين، زوجه النبي ﷺ ابنته رقية، فماتت عنده أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين. قال ابن مسعود: "لما بويع بايعنا خيرنا، ولم نَأْل. وقال علي: "كان عثمان أوصلنا للرحم". وكذا قالت عائشة لما بلغها قتله: "قتلوه، وإنه لأوصلهم للرحم، وأتقاهم للرب". قتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما من خلافته فيكون ذلك في ثاني عشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين قاله ابن إسحاق. الإصابة (٥٤٧٣). ١ - باب أن عثمان رجل حيي تستحي منه الملائكة • عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا فى بيتي، كاشفا عن فخذيه -أو ساقيه- فاستأذن أبو بكر، فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ ، وسوَّى ثيابه -قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسوَّيت ثيابك، فقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة". صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠١: ٢٦) من طرق، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمد ابن أبي حرملة، عن عطاء وسليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة قالت: فذكرته. كذا رواه مسلم "عن فخذيه أو ساقيه" بالشك، ورواه أحمد بإسناد حسن (٢٤٣٣٠) من وجه آخر عن عائشة: "كان جالسًا كاشفًا عن فخذيه" بدون الشك. • عن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ ، وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس، وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك". فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله! ما لي لم أرك

стр. 5863

فزعت لأبي بكر وعمر رضى الله عنهما كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله ﷺ : "إن عثمان رجل حييّ وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إليَّ في حاجته". صحيح. رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٢: ٢٧) عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، حدثني أبي، عن جدي، حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان حدثاه فذكراه. ٢ - باب أن عثمان أدرك فضل من شهد بدرًا • عن ابن عمر قال: إنما تغيَّب عثمان عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ : "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه". صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣١٣٠) عن موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، ثنا عثمان بن موهب، عن ابن عمر فذكره. ٣ - باب أن بيعة الرضوان كانت من أجل عثمان • عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر، إني سائلك عن شيء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فرَّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: تعلم أنه تغيَّب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال: تعلم أنه تغيَّب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه". وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان". فضرب بها على يده، فقال: "هذه لعثمان". فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك. صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٦٩٨) عن موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، ثنا عثمان بن موهب قال: فذكره. روي عن أنس بن مالك قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة قال: فبايع الناس، قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن عثمان في حاجة الله

стр. 5864

وحاجة رسوله" فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم. رواه الترمذي (٣٧٠٢) عن أبي زرعة، حدثنا الحسن بن بشر، حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك فذكره. والحكم بن عبد الملك ضعيف عند أهل العلم. ٤ - باب قوله: "ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد تجهيز جيش العسرة " • عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي ﷺ جيش العسرة، قال: فصبها في حجر النبي ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يقلبها بيده، ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم"، يرددها مرارا. حسن: رواه الترمذي (٣٧٠١)، وأحمد (٢٠٦٣٠)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٨٢)، والحاكم (٣/ ١٠٢) كلهم من حديث ضمرة بن ربيعة، عن عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن بن سمرة فذكره. وإسناده حسن من أجل كثير بن أبي كثير مولى ابن سمرة، فإنه حسن الحديث، فقد روى عنه عدد كثير، ووثّقه العجلي وابن حبان، وأصله ثابت في الصحيح، وإلا فهو "مقبول" كما في التقريب. • عن أبي عبد الرحمن أن عثمان حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم، ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ : ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من حفر رومة فله الجنة" فحفرتها، ألستم تعلمون أنه قال: "من جهَّز جيش العسرة فله الجنة" فجهزتها، قال: فصدقوه بما قال. صحيح: رواه البخاري في الوصايا (٧٧٨) قال: قال عبدان، أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان فذكره. وقول البخاري: "قال عبدان" يحمل على الاتصال، ولذا قال البيهقي (٦/ ١٦٧): رواه البخاري في الصحيح عن عبدان. وعبدان هو عبد الله بن عثمان بن جبلة، الملقب بعبدان من شيوخ البخاري. ورواه أحمد (٤٢٠)، والنسائي (٣٦٠٩)، والدارقطني (٤/ ١٩٨) كلهم من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أشرف عثمان من القصر، وهو محصور فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم حراء إذ اهتز الجبل، فركله بقدمه ثم قال: "اسكن حراء، ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" وأنا معه؟ فانتشد له رجال. قال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة، قال: "هذه يدي، وهذه يد عثمان" فبايع لي؟ فانتشد له رجال.

стр. 5865

قال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ قال: "من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد ببيت في الجنة؟ " فابتعته من مالي، فوسعت به المسجد؟ فانتشد له رجال. قال: وأنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم جيش العسرة، قال: "من ينفق اليوم نفقة متقبلة؟ " فجهزت نصف الجيش من مالي؟ قال: فانتشد له رجال. وأنشد بالله من شهد رومة يباع ماؤها ابن السبيل، فابتعتها من مالي، فأبحتها ابن السبيل؟ قال: فانتشد له رجال. وإسناده صحيح. وقد رواه أيضا الترمذي (٣٦٩٩) من وجه آخر عن زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق به نحوه، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان". قلت: لقد رجَّح الدارقطني في العلل (٣/ ٥٢) ما رواه شعبة ومن تابعه (يعني زيد بن أبي أنيسة وغيره) ولكن لا يبعد أن يكون لأبي إسحاق شيخان: أحدهما أبو عبد الرحمن السلمي، والثاني أبو سلمة بن عبد الرحمن. وأما ذكر حراء في الحديث ففيه وهم، والصحيح جبل أحد. ورواه النسائي (٣١٨٢، ٣٦٠٦)، وأحمد (٥١١)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٨٧)، وابن حبان (٦٩٢٠) كلهم من طرق عن حصين (هو ابن عبد الرحمن السلمي)، عن عمرو بن جاوان قال: قال الأحنف: انطلقنا حجاجا، فمررنا بالمدينة، فبينما نحن في منزلنا إذ جاءنا آت، فقال: الناس من فزع في المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد، قال: فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، قال: فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي، فقال: أههنا علي؟ قالوا: نعم. قال: أههنا الزبير؟ قالوا: نعم. قال: أههنا طلحة؟ قالوا: نعم. قال: أههنا سعد؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله الا هو، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له" فابتعته فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: إني قد ابتعته فقال: "اجعله في مسجدنا وأجره لك" قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله الا هو، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من يبتاع بئر رومة؟ " فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: اني قد ابتعتها، يعني بئر رومة، فقال: "اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك"؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة، فقال: "من يجهز هؤلاء غفر الله له" فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا؟ قالوا: اللهم! نعم. قال: اللهم! اشهد، اللهم! اشهد، اللهم! اشهد، ثم انصرف.

стр. 5866

وعمرو بن جاوان -ويقال: عمر بن جاوان- لم يرو عنه غير حصين بن عبد الرحمن، ولم يوثّقه أحد غير ابن حبان على قاعدته في توثيق من لم يعرف فيه جرح، لذا قال الحافظ إنه "مقبول" يعني حيث يُتَابع وإلا فلين الحديث. ولم أجد له متابعا. ٥ - باب ما جاء في أخبار عثمان بن عفان • عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يقول في مسجد الكوفة: والله! لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم، ولو أن أحدا ارفضَّ للذي صنعتم بعثمان لكان. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٦٢) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في مسجد الكوفة يقول: فذكره. وفي لفظ: "لو رأيتني موثقي عمرُ على الإسلام أنا وأخته وما أسلم، ولو أن أحدا انقضَّ لما صنعتم بعثمان لكان محقوقا أن ينقضَّ" رواه البخاري (٣٨٦٧) من وجه آخر عن إسماعيل بن قيس فذكره. • عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره: أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا له: ما يمنعك أن تكلم خالك عثمان في أخيه الوليد بن عقبة، وكان أكثرَ الناسُ فيما فعل به. قال عبيد الله: فانتصبت لعثمان حين خرج إلى الصلاة، فقلت له: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة، فقال: أيها المرء، أعوذ بالله منك، فانصرفت، فلما قضيت الصلاة جلست إلى المسور وإلى ابن عبد يغوث، فحدثتهما بالذي قلت لعثمان وقال لي، فقالا: قد قضيت الذي كان عليك، فبينما أنا جالس معهما إذ جاءني رسول عثمان، فقالا لي: قد ابتلاك الله. فانطلقت حتى دخلت عليه، فقال: ما نصيحتك التي ذكرت آنفا؟ . قال: فتشهدت، ثم قلت: إن الله بعث محمدا ﷺ ، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ورسوله ﷺ ، وآمنت به، وهاجرت الهجرتين الأوليين، وصحبت رسول الله ﷺ ، ورأيت هديه وقد أكثر الناس في شأن الوليد بن عقبة، فحق عليك أن تقيم عليه الحد، فقال لي: يا ابن أخي آدركت رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: لا. ولكن قد خلص إلي من علمه ما خلص إلى العذراء في سترها. قال: فتشهد عثمان، فقال: إن الله قد بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ورسوله ﷺ ، وآمنت بما بُعِث به محمد ﷺ ، وهاجرت الهجرتين الأوليين كما قلت، وصحبت رسول الله وبايعته، والله! ما

стр. 5867

عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم استخلف الله أبا بكر، فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استُخْلِف عمر، فوالله! ما عصيته ولا غششته، ثم استُخْلِفْتُ، أفليس لي عليكم مثل الذي كان لهم عليّ؟ قال: بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ فأما ما ذكرت من شأن الوليد بن عقبة فسنأخذ فيه إن شاء الله بالحق، قال: فجلد الوليد أربعين جلدة، وأمر عليا أن يجلده، وكان هو يجلده. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٧٢) عن عبد الله بن محمد الجعفي، ثنا هشام، أنا معمر، عن الزهري، ثنا عروة بن الزبير، أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره فذكره. وقال بعده: "وقال يونس وابن أخي الزهري، عن الزهري: أفليس لي عليكم من الحق مثل الذي كان لهم". • عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك. ثم سأله عن علي، فذكر محاسن عمله، قال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي ﷺ ، ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد علي جهدك. صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٠٤) عن محمد بن رافع، ثنا حسين، عن زائدة، عن أبي حصين، عن سعد بن عبيدة قال: فذكره. وروي عن طلحة بن عبيد الله قال: قال النبي ﷺ : "لكل نبي رفيق، ورفيقي- يعني في الجنة- عثمان". رواه الترمذي (٣٦٩٨)، وعبد الله بن أحمد في زيادته على الفضائل (٨٦٠ - ٨٦١)، وأبو يعلى (٦٦٥) كلهم من طريق يحيى بن اليمان، عن شيخ من بني زهرة، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذئاب، عن طلحة بن عبيد الله قال: فذكره. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي، وهو منقطع". وهو كما قال: فإن يحيى بن اليمان ضعيف عند أكثر أهل العلم وشيخه مجهول. وحديث الحارث بن عبد الرحمن عن طلحة بن عبيد الله مرسل، وإليه أشار الترمذي بقوله: "وهو منقطع". وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي رفيق في الجنة، ورفيقي فيها عثمان بن عفان". رواه ابن ماجه (١٠٩) عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، حدثنا أبي عثمان بن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده ضعيف جدا، فإن عثمان بن خالد (هو: ابن عمر بن عبد الله الأموي أبو عفان المدني)، منكر الحديث، كما قال البخاري وأبو حاتم وغيرهما. وبه أعله البوصيري في مصباح الزجاجة.

стр. 5868

وروي عن أبي هريرة قال: وقف رسول الله ﷺ على قبر ابنته الثانية التي كانت عند عثمان، فقال: "ألا أبا أيم، ألا أخا أيم يزوجها عثمانَ، فلو كن عشرا لزوجتهن عثمان، وما زوجته إلا بوحي من السماء"، وإن رسول الله ﷺ لقي عثمان عند باب المسجد، فقال: "يا عثمان، هذا جبريل يخبرني أن الله قد زوجك أم كلثوم على مثل صداق رقية، وعلى مثل صحبتها". رواه ابن ماجه (١١٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٣) كلاهما من طريق أبي مروان محمد بن عثمان بن خالد العثماني، حدثنا أبي عثمان بن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده ضعيف جدا من أجل عثمان بن خالد، فإنه منكر الحديث كما قال البخاري وأبو حاتم وغيرهما. وروي عن جابر قال: أتي رسول الله ﷺ بجنازة رجل ليصلي عليه فلم يصل عليه، فقيل: يا رسول الله! ما رأيناك تركت الصلاة على أحد قبل هذا؟ قال: "إنه كان يبغض عثمان فأبغضه الله". رواه الترمذي (٣٧٠٩) من طريق عثمان بن زفر، حدثنا محمد بن زياد، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: فذكره. وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ومحمد بن زياد صاحب ميمون بن مهران ضعيف في الحديث جدا، ومحمد بن زياد صاحب أبي هريرة هو بصري ثقة ويكنى أبا الحارث، ومحمد بن زياد الألهاني صاحب أبي أمامة ثقة يكنى أبا سفيان شاميٌّ". وهو كما قال؛ فإن محمد بن زياد هو الطحان الأعور، متروك الحديث كما قال البخاري والنسائي وأبو حاتم وغيرهم. ٦ - باب قوله: "إن عثمان يقتل مظلوما " • عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنةً فمرَّ رجل، فقال: "يقتل فيها هذا المقنَّع يومئذ مظلوما"، قال: فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان. حسن: رواه الترمذي (٣٧٠٨)، وأحمد (٥٩٥٣) كلاهما من حديث الأسود بن عامر، عن سنان بن هارون (هو البرجمي)، عن كليب بن وائل، عن ابن عمر فذكره. وإسناده حسن من أجل سنان بن هارون، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه. وقد صحَّح إسناده ابن حجر في الفتح (٧/ ٣٨). • عن أبي الأشعث الصنعاني، أن خطباء قامت بالشام، وفيهم رجال من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقام آخرهم رجل يقال له: مرة بن كعب، فقال: لولا حديث سمعته

стр. 5869

من رسول الله ﷺ ما قمت، وذكر الفتن فقرَّبها، فمر رجل مقنع في ثوب فقال: "هذا يومئذ على الهدى"، فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان. قال: فأقبلت عليه بوجهه، فقلت: هذا؟ قال: "نعم". صحيح: رواه الترمذي (٣٧٠٤)، وأحمد (١٨٠٦٨)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٠٢) كلهم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث (وهو شراحيل بن آده) قال: فذكره. وإسناده صحيح. وصحّحه الترمذي فقال: "هذا حديث حسن صحيح". ورواه أحمد (١٨٠٦٧) عن عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية (هو ابن صالح بن حُدير الحضرمي)، عن سليم بن عامر (هو الكلاعي)، عن جبير بن نفير قال: كنا معسكرين مع معاوية بعد قتل عثمان، فقام كعب بن مرة البهزي فقال: لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت هذا المقام، فلما سمع بذكر رسول الله ﷺ أجلس الناسَ، فقال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ مر عثمان بن عفان مرجَّلا، قال: فقال رسول الله ﷺ : "لتخرجن فتنة من تحت قدمي -أو من بين رجليَّ-، هذا يومئذ ومن اتبعه على الهدى". قال: فقام ابن حوالة الأزدي من عند المنبر، فقال: إنك لصاحب هذا؟ قال: نعم. قال: والله إني لحاضر ذلك المجلس، ولو علمت أن لي في الجيش مصدقا كنت أول من تكلم به. وإسناده حسن من أجل معاوية بن صالح بن حدير فإنه حسن الحديث. روي عن كعب بن عجرة قال: كنت عند رسول الله ﷺ ، فذكر فتنة فقرَّبها، فمر رجل متقنع فقال: "هذا يومئذ على الهدى" قال: فاتبعته حتى أخذت بضبعيه، فحولت وجهه إليه، وكشفت عن رأسه، فقلت: هذا يا رسول الله؟ فقال: "نعم" فإذا هو عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه. رواه ابن ماجه (١١١)، وأحمد (١٨١٢٩) كلاهما من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كعب بن عجرة فذكره. وإسناده منقطع، فإن حديث محمد بن سيرين عن كعب بن عجرة مرسل، كما قال أبو حاتم. انظر: المراسيل (ص: ١٨٧). وبه أعله البوصيري في مصباح الزجاجة. • عن عائشة قالت: أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن عفان، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فلما رأينا رسول الله ﷺ أقبلت إحدانا على الأخرى، فكان من آخر كلام كلَّمه أن ضرب منكبه، وقال: "يا عثمان، إن الله عسى أن يلبسك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني، يا عثمان، إن الله عسى أن يلبسك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني" ثلاثا. فقلت

стр. 5870

لها: يا أم المؤمنين فأين كان هذا عنك؟ قالت: نسيته والله! فما ذكرته. قال: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان، فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين أن اكتبي إلي به، فكتبت إليه به كتابا. صحيح: رواه الترمذي (٣٧٠٥)، وأحمد (٢٤٥٦٦) كلاهما من طريق ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر، عن النعمان بن بشير، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح. وللحديث طرق أخرى عن عائشة إلا أني ما ذكرتها أصح. • عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه: "وددت أن عندي بعض أصحابي" قلنا: يا رسول الله، ألا ندعو لك أبا بكر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال: "نعم" فجاء فخلا به، فجعل النبي ﷺ يكلمه، ووجه عثمان يتغير. صحيح: رواه ابن ماجه (١١٣)، وصحّحه ابن حبان (٦٩١٨) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح. • عن أبي سهلة مولى عثمان: أن عثمان بن عفان قال يوم الدار: إن رسول الله ﷺ عهد إليَّ عهدا، فأنا صابر عليه. قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم. حسن: رواه الترمذي (٣٧١١)، وأحمد (٤٠٧)، والبزار (٤٠٢) كلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: حدثني أبو سهلة قال: فذكره. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن أبي خالد". وإسناده حسن من أجل أبي سهلة، فإنه حسن الحديث. وقول قيس: "فكانوا يرونه ذلك اليوم" يعني بذلك ما ورد في حديث عائشة المتقدم من كلام النبي ﷺ مع عثمان في الخلوة. والحديث ورد في وقتين مختلفين كما هو ظاهر من السياق، لكن لاتحاد القصة ساقه ابن ماجه وابن حبان في مساق واحد. وقيس بن حازم قد سمع من عائشة أول الحديث، وسمع من أبي سهلة مولى عثمان عن عثمان آخر الحديث، وكلاهما صحيح.

стр. 5871

جموع ما جاء في فضائل علي بن أبي طالب وأخباره ١ - باب أن علي بن أبي طالب من أهل بيت النبي ﷺ - • عن سعد بن أبي وقاص قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا، فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟ فقال: أمَّا ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله ﷺ فلن أسبه. لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول له، خلَّفه فى بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي". وسمعته يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". قال: فتطاولنا لها، فقال: "ادعوا لي عليا". فأتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي". صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٤ - ٣٢) من طرق، عن حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية فذكره. • عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد! خيرا كثيرا، رأيت رسول الله ﷺ ، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد! خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد! ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: يا ابن أخي، والله! لقد كبرت سني، وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ، فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلّفونيه. ثم قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: "أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به". فحث على كتاب الله، ورغَّب فيه ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي". فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس

стр. 5872

نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقةَ بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حُرِم الصدقةَ؟ قال: نعم. صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٨ - ٣٦) من طرق عن ابن علية، ثني أبو حيان، ثني يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا فذكره. وفي لفظ لمسلم: "ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله ، هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة". وفيه فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده. رواه مسلم فيه (٣٧) من وجه آخر عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم فذكر نحو حديث أبي حيان، غير أنه قال: فذكره. ٢ - باب ما جاء في منزلة علي من النبى ﷺ كمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعده • عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك، واستخلف عليا، فقال: أتخلِّفني في الصبيان والنساء؟ قال: "ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه ليس نبي بعدي". متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤١٦)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٤ - ٣١) كلاهما من طريق شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه فذكره. • عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". حسن: رواه الترمذي (٣٧٣٠) عن محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في شريك وهو ابن عبد الله النخعي وهو مختلف فيه، فوثّقه ابن سعد والعجلي وغيرهما غير أنه تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة فيخطئ، والغالب أنه لم يخطئ في هذا الحديث لكثرة شواهده. ومن هذا الطريق رواه أيضا أحمد (١٤٦٣٨). • عن أسماء بنت عُميس، أنّ رسول الله ﷺ قال لعليّ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه ليس بعدي نبيٌّ".

стр. 5873

حسن: رواه أحمد (٢٧٠٨١)، والنسائيّ في الكبرى (٨١٤٣)، والطبرانيّ في الكبير (ج ٢٤/ ١٤٦ - ١٤٧)، وابن أبي عاصم في السنة (١٣٨١ - بتحقيق باسم) كلّهم من طريق موسى الجهنيّ قال: دخلتُ على فاطمة بنت عليّ، فقال لها رفيقي أبو مَهَل: كم لكِ؟ قالت: ستة وثمانون سنة. قال: ما سمعتِ من أبيك شيئًا؟ قالت: حدَّثتني أسماءُ بنتُ عميس فذكرت الحديث. وإسناده حسن من أجل فاطمة بنت علي بن أبي طالب، روى عنها جماعة ولم يوثّقها أحدٌ غير أنّ ابن حبان ذكرها في الثقات (٥/ ٣٠١). فقول الحافظ في التقريب: "ثقة". لعلّه يعود إلى شهرة أخبارها الخاصة كما ذكرها المزي في تهذيب الكمال عن الزبير بن بكار وغيره، وإلّا فإنّ كلمة "ثقة" تحتاج إلى تنصيص أحد الأئمّة. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ١٠٩) وقال: "رواه أحمد، والطبرانيّ ورجال أحمد رجال الصحيح غير فاطمة بنت علي وهي ثقة". ووهم من جعلها فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، لأنّه لا يوجد من الرّواة عنها موسى الجهنيّ. ٣ - باب لقبه النبي ﷺ بأبي تراب • عن سهل بن سعد قال: استعمل على المدينة رجل من آل مروان. قال: فدعا سهل بن سعد، فأمره أن يشتم عليا. قال: فأبى سهل. فقال له: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا التراب، فقال سهل ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها. فقال له أخبرنا عن قصته، لم سمي أبا تراب؟ قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليًا في البيت فقال: "أين ابن عمك؟ " قالت: كان بيني وبينه شيءٌ فغاضبني فخرج، فلم يَقِلْ عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: "انظر. أين هو؟ " فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد. فجاءه رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداءُه عن شِقِّه وأصابه تراب فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: "قم أبا التراب، قم أبا التُراب". متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٤١)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٩) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد فذكره. وفي لفظ زاد البخاري بعد قوله: "وإن كان ليفرح إذا دعي بها": "وما سماه أبو تراب إلا النبي ﷺ ".

стр. 5874

٤ - باب ما جاء في بشارة النبي ﷺ أن الله يفتح خيبر على يد عليٍّ، وأنه يحبه الله ورسوله • عن سلمة بن الأكوع قال: كان علي قد تخلف عن النبي ﷺ في خيبر، وكان به رمد، فقال: أنا أتخلف عن رسول الله ﷺ ، فخرج علي فلحق بالنبي ﷺ ، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها، قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية -أو ليأخذن الراية- غدا رجلا يحبه الله ورسوله، أو قال: يحب الله ورسوله، يفتح الله عليه". فإذا نحن بعلي، وما نرجوه، فقالوا: هذا علي، فأعطاه رسول الله ﷺ ، ففتح الله عليه. متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٠٢) وفي المغازي (٤٢٠٩)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٧) كلاهما من طريق حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة ابن الأكوع قال: فذكره. • عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ ". فقالوا: هو يا رسول الله، يشتكى عينيه. قال: فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله! لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم". متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (٢٩٤٢) وفي فضائل الصحابة (٣٧٠١) وفي المغازي (٤٢١٠)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٦) كلاهما من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد سمع النبي ﷺ فذكره. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه". قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. قال: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأعطاه إياها، وقال: "امش، ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك". قال فسار علي شيئا،

стр. 5875

ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٥) عن قتيبة بن سعيد، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. • عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: "لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله -أو قال-: يحبه الله ورسوله". فدعا عليا وهو أرمد، ففتح الله على يديه. صحيح: رواه النسائي في الكبرى (٨٠٩٤، ٨٣٥٣) والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٧) كلاهما من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن عمران بن حصين قال: فذكره. وإسناده صحيح. روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان أبي يسمر مع علي، وكان علي يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف، فقيل له: لو سألته؟ فسأله فقال: إن رسول الله ﷺ بعث إلي وأنا أرمد العين يوم خيبر، فقلت: يا رسول الله! إني أرمد العين. قال: فتفل في عيني، وقال: "اللهم! أذهب عنه الحر والبرد" فما وجدت حرا ولا بردا منذ يومئذ، وقال: "لأعطين الرايه رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ليس بفرَّار". فتشرف لها أصحاب النبي ﷺ فأعطانيها. رواه أحمد (٧٧٨) عن وكيع، عن ابن أبي ليلى (هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى)، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى فذكره. ورواه ابن ماجه (١١٧) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثنا الحكم (هو ابن عتيبة)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى فذكره. ورواه البزار (٤٩٦) عن يوسف بن موسى، نا عبيد الله بن موسى، نا ابن أبي ليلى، عن الحكم والمنهال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: فذكره بسياق أطول. ومدار هذه الطرق على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف سيئ الحفظ جدا، ولذا اضطرب في ذكر شيوخه. قال شعبة: ما رأيت أحدا أسوأ حفظا من ابن أبي ليلى، وكذا قال أحمد وأبو حاتم وغيرهما. وبه أعله البوصيري في مصباح الزجاجة. وأبو ليلى: اسمه يسار. والحديث روي من أوجه أخرى عن علي وكلها ضعيفة. ٥ - باب قوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه " • عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن، فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على

стр. 5876

رسول الله ﷺ ذكرت عليا، فتنقصته، فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتغير، فقال: "يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ ". قلت: بلى يا رسول الله. قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". صحيح: رواه أحمد (٢٢٩٤٥)، والنسائي في خصائص علي (٨٢)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١١٠) كلهم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، حدثنا عبد الملك بن أبي غنية، عن الحكم (هو ابن عتيبة)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن بريدة فذكره. وإسناده صحيح. • عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد أو -زيد بن أرقم- عن النبي ﷺ قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". صحيح: رواه الترمذي (٣٧١٣)، وأحمد في فضائل الصحابة (٩٥٩)، والطبراني في الكبير (٣/ ١٩٩) كلهم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل قال: سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبي سريحة (واسمه: حذيفة بن أسيد) أو -زيد بن أرقم- قال: فذكره. وإسناده صحيح. والشك في تعيين الصحابي لا يضر، والشاك هو شعبة. والراجح أنه من مسند زيد بن أرقم، كما ورد في طرق أخرى عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم بدون الشك. • عن سعيد بن وهب قال: نشد عليّ الناس، فقام خمسة أو ستة من أصحاب النبي ﷺ فشهدوا أن رسول الله ﷺ قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". صحيح: رواه أحمد (٢٣١٠٧)، والنسائي في خصائص علي (٨٦) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت سعيد بن وهب قال: فذكره. وإسناده صحيح. قوله: "نشد علي الناس" أي: من سمع رسول الله ﷺ يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه". والحديث روي من طرق أخرى عن علي، وهذا أصح. • عن رباح بن الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ ! قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يوم غدير خُمّ يقول: "من كنت مولاه فإن هذا مولاه". قال رباح: فلما مضوا تبعتهم، فسألت من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري. حسن: رواه أحمد (٢٣٥٦٣، ٢٣٥٦٤)، وابن أبي شيبة (٣٢٧٣٦) كلاهما من طرق عن حنش ابن الحارث بن لقيط النخعي الأشجعي، عن رباح بن الحارث قال: فذكره. وإسناده حسن من

стр. 5877

أجل حنش بن الحارث فإنه حسن الحديث. • عن جابر بن عبد الله قال: كنا بجحفة بغدير خم إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فأخذ بيد علي فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". حسن: رواه ابن أبي شيبة (٣٢٧٣٥) عن مطلب بن زياد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل مطلب بن زياد وشيخه عبد الله بن محمد بن عقيل فإنهما حسنا الحديث. • عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه". حسن: رواه ابن أبي عاصم في السنة (١٣٩٣) والنسائي في الكبرى (٨٤١٤) كلاهما من طريق عبد الله بن داود، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه أن سعدا قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الواحد بن أيمن. ورواه ابن ماجه (١٢١)، والنسائي في الكبرى (٨٣٤٣)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤٢١) كلهم من طرق، عن عبد الرحمن بن سابط، عن سعد بن أبي وقاص قال: كنت جالسا فتنقصوا علي بن أبي طالب فقال: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول له خصال ثلاثة، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليَّ من حمر النعم، سمعته يقول: "إنه مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" وسمعته يقول: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" وسمعته يقول: "من كنت مولاه فعلي مولاه". وإسناده منقطع. لأن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من سعد بن أبي وقاص. قاله ابن معين. انظر: المراسيل (ص ١٢٧). وفي الباب ما روي عن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا: الصلاة جامعة، وكُسِح لرسول الله ﷺ تحت شجرتين، فصلى الظهر، وأخذ بيد علي ﵁ فقال: "ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قالوا: بلى. قال: "ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ " قالوا: بلى. قال: فأخذ بيد علي فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم! وال من والاه، وعاد من عاداه" قال: فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. رواه ابن ماجه (١١٦)، وأحمد (١٨٤٧٩) كلاهما من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد بن جدعان، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب فذكره. وإسناده ضعيف من أجل علي بن زيد بن جدعان، فإنه ضعيف عند أكثر أهل العلم. وبه أعله البوصيري في مصباح الزجاجة. وكذلك لا يصح ما روي عن أبي الطفيل عن النبي ﷺ أنه قال لعلي: "من كنت مولاه فهذا

стр. 5878

مولاه، اللَّهم وال من والاه، وعاد من عاداه". رواه أحمد (١٩٣٠٢)، والنسائي في خصائص علي (٩٣)، والطحاوي في شرح المشكل (١٧٦٢)، وصحّحه ابن حبان (٦٩٣١) كلهم من طرق، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل عامر ابن واثلة قال: فذكره في سياق طويل. وفطر بن خليفة المخزومي مولاهم أبو بكر الحناط مختلف فيه، وقد رمي بالتشيع، تكلم فيه أبو بكر بن عياش والدارقطني وغيرهما لسوء مذهبه، ولذلك لا تقبل منه هذه الزيادة. ولا تنفع متابعة حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل وهو عند أحمد (٩٥٢)، والنسائي في الخصائص (٨٨) وفيه شريك بن عبد الله القاضي سيء الحفظ، وقد اختلف عليه بهذه الزيادة. ولكن رواه الحاكم (٣/ ١٠٩) من طريق أبي عوانة متابعة له. ورواه النسائي في الخصائص (٨٤) من وجه آخر عن زيد بن أرقم ولم يذكر هذه الزيادة، فالظاهر أنه وقع اضطراب في حديث زيد بن أرقم في ذكر هذه الزيادة، وقد رويت هذه الزيادة عن عدد من الصحابة ولا يخلو واحد منه من مجهول، أو ضعيف، أو متهم، وكذا قال أحمد: "إنها زيادة كوفية" نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه (٤/ ٤١٧). وقال: وأما قوله "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم! وال من والاه. . . الخ" فهذا ليس في شيء من الأمهات، إلا في الترمذي، وليس فيه إلا: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، وأما الزيادة فليست في الحديث. وسئل عنها أحمد فقال: "زيادة كوفية"، ولا ريب أنها أكاذيب لوجوه: أحدها: أن الحق لا يدور مع معين إلا النبي ﷺ ، لأنه لو كان كذلك لوجب اتباعه في كل ما قال، ومعلوم أن عليا ينازعه الصحابة واتباعه في مسائل وجد فيها النص يوافق من نازعه، كالمتوفي عنها زوجها وهي حامل. وقوله: "اللهم! انصر من نصره. . . الخ" خلاف الواقع، قاتل معه أقوام يوم صفين فما انتصروا، وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا، كسعد الذي فتح العراق لم يقاتل معه، وكذلك أصحاب معاوية وبني أمية الذين قاتلوه فتحوا كثيرا من بلاد الكفار ونصرهم الله. وكذلك قوله: "اللهم! وال من والاه، وعاد من عاداه" مخالف لأصل الإسلام. فإن القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغي بعضهم على بعض، وقوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فمن أهل الحديث من طعن فيه كالبخاري وغيره، ومنهم من حسنه، فإن كان قاله فلم يرد به ولاية مختصا بها، بل ولاية مشتركة، وهي ولاية الإيمان التي للمؤمنين، والموالاة ضد المعاداة، ولا ريب أنه يجب موالاة المؤمنين على سواهم، ففيه رد على النواصب. انتهى. وما قاله شيخ الإسلام هو حق لا ريب فيه، ومن ذهب إلى تصحيحه لم يلاحظ هذا الجانب الذي أشار إليه شيخ الإسلام، ثم إن صحة الإسناد لم يستلزم صحة المتن لوجود الشذوذ وغيرها.

стр. 5879

وهو أمر معروف لدى علماء أهل الحديث والله الموفق. ٦ - باب إخبار النبي ﷺ بأنه يقاتل الخوارج • عن أبي سعيد الخدري قال: كنا جلوسا ننتظر رسول الله ﷺ ، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، قال: فقمنا معه، فانقطعت نعله، فتخلف عليها علي يخصفها، فمضى رسول الله ﷺ ، ومضينا معه، ثم قام ينتظره وقمنا معه فقال: "إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن، كما قاتلت على تنزيله". فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر فقال: "لا، ولكنه خاصف النعل". قال: فجئنا نبشره، قال: وكأنه قد سمعه. حسن: رواه أحمد (١١٧٧٣) -واللفظ له-، والنسائي في الكبرى (٨٤٨٨)، وأبو يعلى (١٠٨٦)، والطحاوي في مشكله (٤٠٥٨)، وصحّحه ابن حبان (٦٩٣٧)، والحاكم (٣/ ١٢٢ - ١٢٣) كلهم من طرق، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي، عن أبيه (هو رجاء بن ربيعة) قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: فذكره. وإسناده حسن من أجل والد إسماعيل وهو رجاء بن ربيعة الزبيدي فإنه حسن الحديث. ووهمَ من ظن أن إسماعيل بن رجاء هو الحِصني المتروك. وإنما هو إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي أبو إسحاق الكوفي ثقة وثّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم. وقوله: "إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن" وفيه إشارة إلى قتال الخوارج الذين هم شرار خلق الله لأنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين كما قال ابن عمر. وأول ما نجم ذلك في زمان علي بن أبي طالب ﵁، فقاتلهم بالنهروان حتى قتل كثيرا منهم، يقال: كانوا ستة آلاف، وقيل: من ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف، ولم ينج منهم إلا دون العشرة. وبذلك ظهرت معجزة ما أخبر به النبي ﷺ قبل الوقوع. وروي عن ربعي بن حراش قال: حدثنا علي بن أبي طالب بالرحبة، قال: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله! خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا. فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم، فقال النبي ﷺ : "يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلوبهم على الإيمان" قالوا: من هو يا رسول الله؟ فقال له أبو بكر: من هو يا رسول الله؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو خاصف النعل" وكان أعطى عليا نعله يخصفها، ثم التفت إلينا علي فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدا فليبوأ مقعده من النار". رواه الترمذي (٣٧١٥)، والنسائي في خصائص علي (٣١)، والطحاوي في شرح المشكل (٤٠٥٣)

стр. 5880

كلهم من طريق شريك بن عبد الله النخعي القاضي، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش قال: فذكره. وشريك بن عبد الله القاضي مختلف فيه، والغالب على حديثه الخطأ إلا فيما توبع. ٧ - باب إخبار النبي ﷺ بأن علي بن أبي طالب يقتله أشقى هذه الأمة • عن أبي سنان يزيد بن أمية الدؤلي قال: مرض علي بن أبي طالب مرضا شديدا حتى أدنف وخفنا عليه، ثم إنه برأ ونَقِهَ، فقلنا: هنيئا لك أبا الحسن، الحمد لله الذي عافاك، قد كنا نخاف عليك. قال: لكني لم أخف على نفسي، أخبرني الصادق المصدق أني لا أموت حتى أضرب على هذه، وأشار إلى مقدم رأسه الأيسر، فتُخضَّبُ هذه منها بدم، وأخذ بلحيته، وقال لي: "يقتلك أشقى هذه الأمة كما عقر ناقة الله أشقى بني فلان من ثمود". قال: فنسبه رسول الله ﷺ إلى فخذه الدنيا دون ثمود. حسن: رواه أبو يعلى (٥٦٩) عن عبيد الله (هو القواريري)، حدثنا عبد الله بن جعفر (وهو ابن أبي نجيح)، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبي سنان يزيد بن أمية قال: فذكره. وإسناده ضعيف من أجل عبد الله بن جعفر، وبه أعله الهيثمي لكنه توبع، فقد رواه عبد بن حميد (٩٢) عن محمد بن بشر (هو العبدي الكوفي)، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، ثنا زيد بن أسلم، عن أبي سنان الدؤلي يزيد بن أمية فذكره. وعبد الرحمن بن أبي الزناد متكلم فيه إلا أنه لا بأس به في المتابعة. ورواه الطبراني في الكبير (١/ ٦٣ - ٦٤) والحاكم (١/ ١١٣) كلاهما من طريق عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم أن أبا سنان الدؤلي قال: فذكره. وهذه متابعة أخرى ولكن عبد الله بن صالح (هو أبو صالح المصري كاتب الليث) متكلم فيه ولكنه توبع في الجملة. وحسَّنه الهيثمي في المجمع (٩/ ١٣٧) فقال: "رواه الطبراني، وإسناده حسن". ٨ - باب ما رُوي في حب علي بن أبي طالب عن علي بن أبي طالب قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إليَّ: "أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق". رواه مسلم في الإيمان (٧٨) من طرق عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حُبيش قال: قال علي: فذكره. وظاهر إسناده صحيح.

стр. 5881

ولذا أخرجه الإمام مسلم، ولكنه أُعِلَّ بتفرد عدي بن ثابت لأنه كان غاليا في التشيع، والصحيح في هذا ما رواه الشيخان: البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥) عن البراء بن عازب مرفوعا: "الأنصار لا يحبّهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبّهم أحبّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله". وهو مخرج في موضعه، لأن بغض المنافقين كان لجميع الصحابة، وخُصَّ بالأنصار لأنهم من أهل بلدهم، وسارعوا إلى نصرة الإسلام، وتركوا رئيسهم عبد الله بن أبي ابن سلول الذي كان يحلم أن يكون ملكا على أهل المدينة. وكذلك لا يصحّ ما روي عن أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا يحب عليا منافق، ولا يبغضه مؤمن". رواه الترمذي (٣٧١٧)، وأحمد (٢٦٥٠٧)، وأبو يعلى (٦٩٠٤) كلهم من طريق محمد بن فضيل، عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي نضر، عن المساور الحميري، عن أمه قالت: دخلت على أم سلمة فسمعتها تقول: فذكرته. وإسناده ضعيف لجهالة المساور وأمه فإنهما مجهولان. وبه أعله الذهبي، وحكم بأنه خبر منكر، إلا أن الترمذي قال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه". ورواه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٨٠) عن يحيى بن عبد الباقي الأذني، ثنا محمد بن عوف الحمصي، ثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك، ثنا الحكم بن محمد -شيخ مكي-، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل قال: سمعت أم سلمة تقول: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله". وأبو جابر محمد بن عبد الملك هو الأزدي، قال أبو حاتم: ليس بقوي، وذكره ابن حبان في الثقات. والحكم بن محمد المكي لم أقف على ترجمته. وأما الهيثمي فقد حسَّن إسناده في المجمع (٩/ ١٣٢). وروي عن جميع بن عمير التيمي، قال: دخلت مع عمتي على عائشة، فسئلت أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة، فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان ما علمت صواما قواما. رواه الترمذي (٣٨٧٤)، وأبو يعلى (٤٨٥٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٠٤)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٥٤) كلهم من طرق عن جميع بن عمير قال: فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: جميع بن عمير التيمي أبو الأسود الكوفي، قال البخاري: فيه نظر، قال ابن حبان: كان

стр. 5882

رافضيا يضع الحديث، وبه أعله الذهبي في تلخيص المستدرك، فقال: "جُميع متهم، ولم تقل عائشة هذا أصلا". ٩ - باب ما روي أن علي بن أبي طالب باب مدينة العلم ودار الحكمة روي عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا دار الحكمة، وعلي بابها". رواه الترمذي (٣٧٢٣) عن إسماعيل بن موسى، حدثنا محمد بن عمر بن الرومي، حدثنا شريك، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن علي فذكره. وقال: "هذا حديث غريب منكر، وروى بعضهم هذا الحديث من شريك، ولم يذكروا فيه عن الصنابحي، ولا نعرف هذا الحديث عن أحد من الثقات غير شريك". ومحمد بن عمر الرومي قال فيه أبو زرعة: شيخ فيه لين. وشريك سيء الحفظ، وقد اختلف عليه كما قال الترمذي. وإسماعيل بن موسى رمي بالرفض، وكان يشتم السلف. قال ابن حبان: هذا خبر لا أصل له عن النبي ﷺ . وللحديث طرق أخرى عن علي وكلها واهية. وروي أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه". رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٥٥) من طرق، عن عبد السلام بن صالح الهروي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره. وعبد السلام بن صالح الهروي له مناكير في فضل أهل البيت، وهو متهم فيها، قاله ابن عدي. وبه أعله الهيثمي في المجمع (٩/ ١١٤). قال ابن معين وأحمد وأبو حاتم: إنه كذب لا أصل له. الجرح والتعديل (٦/ ٩٩). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ٤١٠): "وأما حديث: "أنا مدينة العلم" فأضعف وأوهى، ولهذا إنما يعد في الموضوعات المكذوبات، وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وبيَّن أنه موضوع من سائر طرقه. والكذب يعرف من نفس متنه؛ لا يحتاج إلى النظر في إسناده: فإن النبي ﷺ إذا كان "مدينة العلم" لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد، ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحدا؛ بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، ورواية الواحد لا تفيد العلم إلا مع قرائن، وتلك القرائن إما أن تكون منتفية؛ وإما أن تكون خفية عن كثير من الناس، أو أكثرهم فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنة المتواترة؛ بخلاف النقل المتواتر: الذي يحصل به العلم

стр. 5883

للخاص والعام. وهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل: ظنه مدحا؛ وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في علم الدين؛ إذ لم يبلغه إلا واحد من الصحابة". ١٠ - باب ما رُوي في فضائل علي بن أبي طالب ولا تصح روي عن ابن عباس أنه أتاه تسعة رهط فقالوا: يا أبا عباس، إما أن تقوم معنا وإما أن تخلونا يا هؤلاء، قال: فقال ابن عباس: بل أقوم معكم. قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى، قال: فابتدءوا فتحدثوا، فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفض ثوبه، ويقول: أفْ وتُفْ، وقعوا في رجل له عشر، وقعوا في رجل قال له النبي ﷺ : "لأبعثن رجلا لا يخزيه الله أبدا، يحب الله ورسوله" قال: فاستشرف لها من استشرف، قال: "أين علي؟ " قالوا: هو في الرحى يطحن. قال: "وما كان أحدكم ليطحن؟ ! " قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر، قال: فنفث في عينيه، ثم هز الراية ثلاثا، فأعطاها إياه، فجاء بصفية بنت حيي. قال: ثم بعث فلانا بسورة التوبة، فبعث عليا خلفه، فأخذها منه، قال: "لا يذهب بها إلا رجل مني وأنا منه" قال: وقال لبني عمه: "أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ " قال: وعلي معه جالس، فأبوا، فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. قال: "أنت وليي في الدنيا والآخرة" قال: فتركه، ثم أقبل على رجل منهم، فقال: "أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ " فأبوا، قال: فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. فقال: "أنت وليي في الدنيا والآخرة". قال: وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة. قال: وأخذ رسول الله ﷺ ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين، فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال: وشرى عليٌّ نفسه، لبس ثوب النبي ﷺ ، ثم نام مكانه. قال: وكان المشركون يرمون رسول الله ﷺ ، فجاء أبو بكر وعلي نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنه نبي الله، قال: فقال: يا نبي الله، قال: فقال له علي: إن نبي الله ﷺ قد انطلق نحو بئر ميمون، فأدرِكْه. قال: فانطلق أبو بكر، فدخل معه الغار، قال: وجعل علي يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبي الله، وهو يتضور، قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه، فقالوا: إنك للئيم، كان صاحبك نرميه فلا يتضور، وأنت تتضور، وقد استنكرنا ذلك. قال: وخرج بالناس في غزوة تبوك، قال: فقال له علي: أخرج معك؟ قال: فقال له نبي الله: "لا" فبكى عليٌّ، فقال له: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنك لست بنبي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي" قال: وقال له رسول الله: "أنت وليي في كل مؤمن بعدي" قال: وسد أبواب المسجد غير باب علي، فقال: فيدخل المسجد جنبا، وهو طريقه ليس له طريق غيره.

стр. 5884

قال: وقال: "من كنت مولاه فإن مولاه عليٌّ". قال: وأخبرنا الله في القرآن أنه قد رضي عنهم، عن أصحاب الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، هل حدثنا أنه سخط عليهم بعد؟ ! قال: وقال نبي الله لعمر حين قال: ائذن لي فلأضرب عنقه. قال: "وكنت فاعلا؟ ! وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم". رواه أحمد (٣٠٦١) -والسياق له-، والترمذي (٣٧٣٢)، والنسائي في الخصائص (٤٢)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٥٥٥)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٣٢) كلهم من طريق أبي بلج، حدثنا عمرو بن ميمون قال: إني جالس إلى ابن عباس إذا أتاه تسعة رهط، فقالوا: يا أبا عباس فذكر الحديث. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه عن شعبة -يعني عن أبي بلج- بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه". قلت: ليس كما قال بل تابعه أبو عوانة عن أبي بلج عند أحمد والحاكم وغيرهما. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وذهب ابن حجر إلى صحة هذا الحديث وتقويته بشواهده. وهو ليس كما قالوا. فإن أبا بلج هو يحيى بن سليم الفزاري الكوفي مختلف فيه، فوثّقه ابن معين وابن سعد والنسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يخطئ، وذكره في المجروحين وقال: كان ممن يخطئ لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولا أتى منه ما لا ينفك البشر عنه. فيسلك به مسلك العدول، فأرى أن لا يحتاج بما انفرد من الرواية، وهو ممن استخير الله فيه. وقال البخاري: فيه نظر، وقال أحمد: روى حديثا منكرا، وذكر هذا الحديث ابن عدي والذهبي من مناكير أبي بلج. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٥/ ٣٤ - ٣٦): (إن هذا ليس مسندا بل هو مرسل لو ثبت عن عمرو بن ميمون، وفيه ألفاظ هي كذب على رسول الله ﷺ كقوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنك لست بنبي، لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي". فإن النبي ﷺ ذهب غير مرة وخليفته على المدينة غير علي، كما اعتمر عمرة الحديبية وعلي معه وخليفته غيره، وغزا بعد ذلك خيبر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة الفتح وعلي معه وخليفته في المدينة غيره، وغزا حنينا والطائف وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وحج حجة الوداع وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة بدر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره. وكل هذا معلوم بالأسانيد الصحيحة وباتفاق أهل العلم بالحديث، وكان علي معه في غالب

стр. 5885

الغزوات وإن لم يكن فيها قتال. فإن قيل: استخلافه يدل على أنه لا يستخلف إلا الأفضل لزم أن يكون علي مفضولا في عامة الغزوات، وفي عمرته وحجته، لا سيما وكل مرة كان يكون الاستخلاف على رجال مؤمنين، وعام تبوك ما كان الاستخلاف إلا على النساء والصبيان ومن عذر الله، وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا أو متهم بالنفاق، وكانت المدينة آمنة لا يخاف على أهلها، ولا يحتاج المستخلف إلى جهاد، كما يحتاج في أكثر الاستخلافات. وكذلك قوله: "وسد الأبواب كلها إلا باب عليٍّ" فإن هذا مما وضعته الشيعة على طريق المقابلة، فإن الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: "إن أمن الناس عليَّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر"، ورواه ابن عباس أيضا في الصحيحين. ومثل قوله: "أنت وليي في كل مؤمن بعدي" فإن هذا موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، والذي فيه من الصحيح ليس هو من خصائص الأئمة، بل ولا من خصائص عليٍّ، بل قد شاركه فيه غيره، مثل كونه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ومثل استخلافه وكونه منه بمنزلة هارون من موسى، ومثل كون علي مولى مَن النبي ﷺ مولاه، فإن كل مؤمن موال لله ورسوله، ومثل كون براءة لا يبلغها إلا رجل من بني هاشم، فإن هذا يشترك فيه جميع الهاشميين، لما رُوي أن العادة كانت جارية بأن لا ينقض العهود ويحلها إلا رجل من قبيلة المطاع). وإن صح قوله: "وسد الأبواب كلها إلا باب عليٍّ" فمعناه يحمل على ما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (١١/ ٥٥) حيث قال: (وهذا لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري من أمره ﵊ في مرضه الذي مات فيه بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب أبي بكر الصديق؛ لأن نفي هذا في حق علي كان في حال حياته لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، فجعل هذا رفقا بها، وأما بعد وفاته فزالت هذه العلة فاحتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالناس إذ كان الخليفة عليهم بعد موته ﵊ وفيه إشارة إلى خلافته). وللحديث عدة شواهد منها: حديث زيد بن أرقم عند أحمد (١٩٢٨٧) والنسائي في الكبرى (٨٣٦٩). وحديث ابن عمر عند أحمد (٤٧٩٧) وأبي يعلى (٥٦٠١). وحديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد (١٥١١) والنسائي في الخصائص (٤١). وحديث علي بن أبي طالب عند البزار (٥٠٦). وحديث جابر بن سمرة عند الطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٤). ولا يصح منها شيء إلا أن ابن حجر حسَّن بعضها، وقوَّى البعض الآخر. انظر: الفتح (٧/
следующие страницы →