Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
ولذا أخرجه الإمام مسلم، ولكنه أُعِلَّ بتفرد عدي بن ثابت لأنه كان غاليا في التشيع، والصحيح في هذا ما رواه الشيخان: البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥) عن البراء بن عازب مرفوعا: "الأنصار لا يحبّهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبّهم أحبّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله". وهو مخرج في موضعه، لأن بغض المنافقين كان لجميع الصحابة، وخُصَّ بالأنصار لأنهم من أهل بلدهم، وسارعوا إلى نصرة الإسلام، وتركوا رئيسهم عبد الله بن أبي ابن سلول الذي كان يحلم أن يكون ملكا على أهل المدينة.
وكذلك لا يصحّ ما روي عن أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا يحب عليا منافق، ولا يبغضه مؤمن".
رواه الترمذي (٣٧١٧)، وأحمد (٢٦٥٠٧)، وأبو يعلى (٦٩٠٤) كلهم من طريق محمد بن فضيل، عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي نضر، عن المساور الحميري، عن أمه قالت: دخلت على أم سلمة فسمعتها تقول: فذكرته.
وإسناده ضعيف لجهالة المساور وأمه فإنهما مجهولان. وبه أعله الذهبي، وحكم بأنه خبر منكر، إلا أن الترمذي قال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه".
ورواه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٨٠) عن يحيى بن عبد الباقي الأذني، ثنا محمد بن عوف الحمصي، ثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك، ثنا الحكم بن محمد -شيخ مكي-، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل قال: سمعت أم سلمة تقول: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله".
وأبو جابر محمد بن عبد الملك هو الأزدي، قال أبو حاتم: ليس بقوي، وذكره ابن حبان في الثقات. والحكم بن محمد المكي لم أقف على ترجمته.
وأما الهيثمي فقد حسَّن إسناده في المجمع (٩/ ١٣٢).
وروي عن جميع بن عمير التيمي، قال: دخلت مع عمتي على عائشة، فسئلت أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة، فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان ما علمت صواما قواما.
رواه الترمذي (٣٨٧٤)، وأبو يعلى (٤٨٥٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٠٤)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٥٤) كلهم من طرق عن جميع بن عمير قال: فذكره.
قال الترمذي: "حسن غريب".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
قلت: جميع بن عمير التيمي أبو الأسود الكوفي، قال البخاري: فيه نظر، قال ابن حبان: كان
стр. 5882
رافضيا يضع الحديث، وبه أعله الذهبي في تلخيص المستدرك، فقال: "جُميع متهم، ولم تقل عائشة هذا أصلا".
٩ - باب ما روي أن علي بن أبي طالب باب مدينة العلم ودار الحكمة
روي عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا دار الحكمة، وعلي بابها".
رواه الترمذي (٣٧٢٣) عن إسماعيل بن موسى، حدثنا محمد بن عمر بن الرومي، حدثنا شريك، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن علي فذكره.
وقال: "هذا حديث غريب منكر، وروى بعضهم هذا الحديث من شريك، ولم يذكروا فيه عن الصنابحي، ولا نعرف هذا الحديث عن أحد من الثقات غير شريك".
ومحمد بن عمر الرومي قال فيه أبو زرعة: شيخ فيه لين.
وشريك سيء الحفظ، وقد اختلف عليه كما قال الترمذي. وإسماعيل بن موسى رمي بالرفض، وكان يشتم السلف.
قال ابن حبان: هذا خبر لا أصل له عن النبي ﷺ .
وللحديث طرق أخرى عن علي وكلها واهية.
وروي أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه".
رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٥٥) من طرق، عن عبد السلام بن صالح الهروي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره.
وعبد السلام بن صالح الهروي له مناكير في فضل أهل البيت، وهو متهم فيها، قاله ابن عدي. وبه أعله الهيثمي في المجمع (٩/ ١١٤).
قال ابن معين وأحمد وأبو حاتم: إنه كذب لا أصل له. الجرح والتعديل (٦/ ٩٩).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ٤١٠): "وأما حديث: "أنا مدينة العلم" فأضعف وأوهى، ولهذا إنما يعد في الموضوعات المكذوبات، وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وبيَّن أنه موضوع من سائر طرقه.
والكذب يعرف من نفس متنه؛ لا يحتاج إلى النظر في إسناده: فإن النبي ﷺ إذا كان "مدينة العلم" لم يكن لهذه المدينة إلا باب واحد، ولا يجوز أن يكون المبلغ عنه واحدا؛ بل يجب أن يكون المبلغ عنه أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، ورواية الواحد لا تفيد العلم إلا مع قرائن، وتلك القرائن إما أن تكون منتفية؛ وإما أن تكون خفية عن كثير من الناس، أو أكثرهم فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنة المتواترة؛ بخلاف النقل المتواتر: الذي يحصل به العلم
стр. 5883
للخاص والعام. وهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل: ظنه مدحا؛ وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في علم الدين؛ إذ لم يبلغه إلا واحد من الصحابة".
١٠ - باب ما رُوي في فضائل علي بن أبي طالب ولا تصح
روي عن ابن عباس أنه أتاه تسعة رهط فقالوا: يا أبا عباس، إما أن تقوم معنا وإما أن تخلونا يا هؤلاء، قال: فقال ابن عباس: بل أقوم معكم. قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى، قال: فابتدءوا فتحدثوا، فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفض ثوبه، ويقول: أفْ وتُفْ، وقعوا في رجل له عشر، وقعوا في رجل قال له النبي ﷺ : "لأبعثن رجلا لا يخزيه الله أبدا، يحب الله ورسوله" قال: فاستشرف لها من استشرف، قال: "أين علي؟ " قالوا: هو في الرحى يطحن. قال: "وما كان أحدكم ليطحن؟ ! " قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر، قال: فنفث في عينيه، ثم هز الراية ثلاثا، فأعطاها إياه، فجاء بصفية بنت حيي.
قال: ثم بعث فلانا بسورة التوبة، فبعث عليا خلفه، فأخذها منه، قال: "لا يذهب بها إلا رجل مني وأنا منه" قال: وقال لبني عمه: "أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ " قال: وعلي معه جالس، فأبوا، فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. قال: "أنت وليي في الدنيا والآخرة" قال: فتركه، ثم أقبل على رجل منهم، فقال: "أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ " فأبوا، قال: فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. فقال: "أنت وليي في الدنيا والآخرة".
قال: وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة.
قال: وأخذ رسول الله ﷺ ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين، فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
قال: وشرى عليٌّ نفسه، لبس ثوب النبي ﷺ ، ثم نام مكانه. قال: وكان المشركون يرمون رسول الله ﷺ ، فجاء أبو بكر وعلي نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنه نبي الله، قال: فقال: يا نبي الله، قال: فقال له علي: إن نبي الله ﷺ قد انطلق نحو بئر ميمون، فأدرِكْه. قال: فانطلق أبو بكر، فدخل معه الغار، قال: وجعل علي يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبي الله، وهو يتضور، قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه، فقالوا: إنك للئيم، كان صاحبك نرميه فلا يتضور، وأنت تتضور، وقد استنكرنا ذلك.
قال: وخرج بالناس في غزوة تبوك، قال: فقال له علي: أخرج معك؟ قال: فقال له نبي الله: "لا" فبكى عليٌّ، فقال له: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنك لست بنبي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي" قال: وقال له رسول الله: "أنت وليي في كل مؤمن بعدي" قال: وسد أبواب المسجد غير باب علي، فقال: فيدخل المسجد جنبا، وهو طريقه ليس له طريق غيره.
стр. 5884
قال: وقال: "من كنت مولاه فإن مولاه عليٌّ".
قال: وأخبرنا الله في القرآن أنه قد رضي عنهم، عن أصحاب الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، هل حدثنا أنه سخط عليهم بعد؟ !
قال: وقال نبي الله لعمر حين قال: ائذن لي فلأضرب عنقه. قال: "وكنت فاعلا؟ ! وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم".
رواه أحمد (٣٠٦١) -والسياق له-، والترمذي (٣٧٣٢)، والنسائي في الخصائص (٤٢)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٥٥٥)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٣٢) كلهم من طريق أبي بلج، حدثنا عمرو بن ميمون قال: إني جالس إلى ابن عباس إذا أتاه تسعة رهط، فقالوا: يا أبا عباس فذكر الحديث.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه عن شعبة -يعني عن أبي بلج- بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه".
قلت: ليس كما قال بل تابعه أبو عوانة عن أبي بلج عند أحمد والحاكم وغيرهما.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وذهب ابن حجر إلى صحة هذا الحديث وتقويته بشواهده.
وهو ليس كما قالوا. فإن أبا بلج هو يحيى بن سليم الفزاري الكوفي مختلف فيه، فوثّقه ابن معين وابن سعد والنسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يخطئ، وذكره في المجروحين وقال: كان ممن يخطئ لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولا أتى منه ما لا ينفك البشر عنه. فيسلك به مسلك العدول، فأرى أن لا يحتاج بما انفرد من الرواية، وهو ممن استخير الله فيه.
وقال البخاري: فيه نظر، وقال أحمد: روى حديثا منكرا، وذكر هذا الحديث ابن عدي والذهبي من مناكير أبي بلج.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٥/ ٣٤ - ٣٦): (إن هذا ليس مسندا بل هو مرسل لو ثبت عن عمرو بن ميمون، وفيه ألفاظ هي كذب على رسول الله ﷺ كقوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنك لست بنبي، لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي". فإن النبي ﷺ ذهب غير مرة وخليفته على المدينة غير علي، كما اعتمر عمرة الحديبية وعلي معه وخليفته غيره، وغزا بعد ذلك خيبر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة الفتح وعلي معه وخليفته في المدينة غيره، وغزا حنينا والطائف وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وحج حجة الوداع وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة بدر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره.
وكل هذا معلوم بالأسانيد الصحيحة وباتفاق أهل العلم بالحديث، وكان علي معه في غالب
стр. 5885
الغزوات وإن لم يكن فيها قتال.
فإن قيل: استخلافه يدل على أنه لا يستخلف إلا الأفضل لزم أن يكون علي مفضولا في عامة الغزوات، وفي عمرته وحجته، لا سيما وكل مرة كان يكون الاستخلاف على رجال مؤمنين، وعام تبوك ما كان الاستخلاف إلا على النساء والصبيان ومن عذر الله، وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا أو متهم بالنفاق، وكانت المدينة آمنة لا يخاف على أهلها، ولا يحتاج المستخلف إلى جهاد، كما يحتاج في أكثر الاستخلافات.
وكذلك قوله: "وسد الأبواب كلها إلا باب عليٍّ" فإن هذا مما وضعته الشيعة على طريق المقابلة، فإن الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: "إن أمن الناس عليَّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر"، ورواه ابن عباس أيضا في الصحيحين. ومثل قوله: "أنت وليي في كل مؤمن بعدي" فإن هذا موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، والذي فيه من الصحيح ليس هو من خصائص الأئمة، بل ولا من خصائص عليٍّ، بل قد شاركه فيه غيره، مثل كونه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ومثل استخلافه وكونه منه بمنزلة هارون من موسى، ومثل كون علي مولى مَن النبي ﷺ مولاه، فإن كل مؤمن موال لله ورسوله، ومثل كون براءة لا يبلغها إلا رجل من بني هاشم، فإن هذا يشترك فيه جميع الهاشميين، لما رُوي أن العادة كانت جارية بأن لا ينقض العهود ويحلها إلا رجل من قبيلة المطاع).
وإن صح قوله: "وسد الأبواب كلها إلا باب عليٍّ" فمعناه يحمل على ما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (١١/ ٥٥) حيث قال: (وهذا لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري من أمره ﵊ في مرضه الذي مات فيه بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب أبي بكر الصديق؛ لأن نفي هذا في حق علي كان في حال حياته لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، فجعل هذا رفقا بها، وأما بعد وفاته فزالت هذه العلة فاحتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالناس إذ كان الخليفة عليهم بعد موته ﵊ وفيه إشارة إلى خلافته).
وللحديث عدة شواهد منها:
حديث زيد بن أرقم عند أحمد (١٩٢٨٧) والنسائي في الكبرى (٨٣٦٩).
وحديث ابن عمر عند أحمد (٤٧٩٧) وأبي يعلى (٥٦٠١).
وحديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد (١٥١١) والنسائي في الخصائص (٤١).
وحديث علي بن أبي طالب عند البزار (٥٠٦).
وحديث جابر بن سمرة عند الطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٤).
ولا يصح منها شيء إلا أن ابن حجر حسَّن بعضها، وقوَّى البعض الآخر. انظر: الفتح (٧/
стр. 5886
١٤ - ١٥).
وروي عن جابر بن عبد الله قال: دعا رسول الله ﷺ عليا يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله ﷺ : "ما انتجيته ولكن الله انتجاه".
رواه الترمذي (٣٧٢٦)، وأبو يعلى (٢١٦٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٣١٢١ - ظلال الجنة) كلهم من طريق الأجلح بن عبد الله بن حجية، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الأجلح، وقد رواه غير ابن فضيل أيضا عن الأجلح.
ومعنى قوله: "ولكن الله انتجاه". يقول: إن الله أمرني أن أنتجي معه.
والأجلح بن عبد الله أكثر أهل العلم تكلموا فيه وكان شيعيا.
وللحديث طريق آخر رواه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٠٢) من طريق يحيى بن الحسن بن فرات القزاز، ثنا محمد بن أبي حفص العطار، عن سالم بن أبي حفص (كذا في المطبوع ولعل الصواب: سالم بن أبي حفصة)، عن أبي الزبير، عن جابر فذكر مثله.
وسالم بن أبي حفصة كان غاليا في التشيع، ويحيى بن الحسن بن الفرات لم أجد له ترجمة، ومحمد بن أبي حفص العطار قال الأزدي: يتكلمون فيه.
وروي عن ابن عمر قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال له رسول الله ﷺ : "أنت أخي في الدنيا والآخرة".
رواه الترمذي (٣٧٢٠)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٤) كلاهما من طريق علي بن قادم، ثنا علي بن صالح بن حي، عن حكيم بن جبير، عن جميع بن عمير التيمي، عن ابن عمر فذكره.
وإسناده ضعيف، فإن حكيم بن جبير الأسدي ضعيف باتفاق أهل العلم. وشيخه جميع بن عمير أيضا من الضعفاء.
والحديث أعله الذهبي بجميع بن عمير في التلخيص.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: كنت إذا سألت رسول الله ﷺ أعطاني، وإذا سكت ابتدأني.
رواه الترمذي (٣٧٢٢)، والنسائي في خصائص علي (١١٩)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٢٥) كلهم من طريق عوف (هو ابن أبي جميلة)، عن عبد الله بن عمرو بن هند الجملي قال: قال علي فذكره.
وإسناده منقطع. قال عوف بن أبي جميلة: "عبد الله بن عمرو الجملي لم يسمع من علي". انظر: المراسيل (ص ١٠٩).
ورواه النسائي في الخصائص (١٢٠) عن محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري (سعيد بن فيروز)، عن علي قال: كنت إذا سألت
стр. 5887
أُعْطِيْتُ، وإذا سكتُّ ابتديتُ.
قال شعبة: أبو البختري لم يدرك عليا ولم يره. المراسيل (ص: ٧٦).
ورواه النسائي في الخصائص أيضا (١٢١) من طريق حجاج (هو ابن محمد المصيصي)، عن ابن جريج، حدثنا أبو حرب بن أبي الأسود (هو الديلي البصري) ورجل آخر، عن زاذان قال: قال علي: فذكره.
قال النسائي عقبه: ابن جريج لم يسمع من أبي حرب.
وروي عن أم عطية قالت: بعث النبي ﷺ جيشا فيهم علي. قالت: فسمعت النبي ﷺ وهو رافع يديه يقول: "اللهم! لا تمتني حتى تريني عليا".
رواه الترمذي (٣٧٣٧)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٦٨) كلاهما من طريق أبي عاصم، عن أبي الجراح، حدثني جابر بن صبح، حدثتني أم شراحيل، حدثتني أم عطية فذكرته.
وإسناده ضعيف لجهالة أبي الجراح البهزي، وأم شراحيل لا يعرف حالها.
وروي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي، لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك".
رواه الترمذي (٣٧٢٧)، وأبو يعلى (١٠٤٢) كلاهما من طريق محمد بن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد فذكره.
وسالم بن أبي حفصة كان غاليا في التشيع، وشيخه عطية بن سعد العوفي أيضا كان شيعيا، وهو ضعيف الحديث إذا انفرد. ولم أجد له متابعا.
وقد سمع البخاري هذا الحديث من الترمذي فاستغربه.
ومعنى الحديث: أنه لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غير النبي ﷺ وعلي.
وروي عن أنس بن مالك قال: كان عند النبي ﷺ طير فقال: "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير" فجاء علي، فأكل معه.
وعند النسائي وأبي يعلى: "فجاء أبو بكر فردَّه، وجاء عمر فردَّه، ثم جاء علي فأذن له". رواه الترمذي (٣٧٢١)، والنسائي في الخصائص (١٠)، وأبو يعلى (٤٠٥٢) كلهم من طريق عيسى بن عمر، عن السدي، عن أنس فذكره.
وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث السدي إلا من هذا الوجه.
والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة مختلف فيه، وكان من الغلاة في التشيع، وكان يشتم أبا بكر وعمر.
وحديث الطير قد حكم عليه الأئمة بالضعف والنكارة.
قال البزار: "كل من رواه عن أنس فليس بالقوي"
стр. 5888
وقال العقيلي: "وهذا الباب الرواية فيها لين وضعف، ولا نعلم فيها شيئا ثابتا، وهكذا قال محمد بن إسماعيل البخاري".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن حديث الطائر من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل". منهاج السنة (٤/ ٩٩).
وروي عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أيُسَبُّ رسول الله ﷺ فيكم؟ قلت: معاذ الله، أو سبحان الله، أو كلمة نحوها. قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سبَّ عليا فقد سبَّني".
وفي لفظ: قالت أم سلمة: أيُسَبُّ رسول الله ﷺ على المنابر؟ قلت: وأنى ذلك؟ قالت: أليس يُسَبُّ علي ومن يحبه؟ فأشهد أن رسول الله ﷺ كان يحبه.
رواه أحمد (٢٦٧٤٨)، والنسائي في الخصائص (٩١)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٢١) كلهم من طريق يحيى بن بكير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله الجدلي فذكره.
واللفظ الآخر رواه أبو يعلى (٧٠١٣)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣) كلاهما من طرق، عن أبي عبد الله الجدلي قال: فذكره.
وفيه أبو عبد الله الجدلي اسمه: عبد بن عبد أو عبد الرحمن بن عبد الكوفي، كان غاليا في التشيع، وكان على شرطة المختار وصاحب رايته، وتفرد بهذا اللفظ.
وروي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "من آذى عليا فقد آذاني". رواه البزار (١١٦٦)، وأبو يعلى (٧٧٠)، والشاشي في مسنده (٧٢) كلهم من طريق قنان بن عبد الله النهمي، حدثنا مصعب بن سعد، عن أبيه (سعد بن أبي وقاص) قال: فذكره.
وقنان بن عبد الله النهمي مختلف فيه، فضعَّفَه النسائي، وتفرد بهذا اللفظ، ولم يتابع عليه، وقد قال الحافظ ابن حجر: "مقبول" أي عند المتابعة.
وروي عن علي قال: كنت شاكيا فمر بي رسول الله ﷺ وأنا أقول: اللهم! إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فارفعني، وإن كان بلاء فصبِّرني، فقال رسول الله ﷺ : "كيف قلت؟ " قال: فأعاد عليه ما قال. قال: فضربه برجله، فقال: "اللهم! عافه أو اشفه" -شعبة الشاك- فما اشتكيت وجعي بعد.
رواه الترمذي (٣٥٦٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٨)، وأحمد (٦٣٧، ٦٣٨)، وصحّحه ابن حبان (٦٩٤٠)، والحاكم (٢/ ٦٢٠ - ٦٢١) كلهم من طرق عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي فذكره.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
стр. 5889
قلت: هو حديث منكر، فإن عبد الله بن سلمة وهو المرادي ليس من رجال الشيخين، ثم هو مختلف فيه، فقال البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال أبو حاتم: تعرف وتنكر، وقال شعبة: عن عمرو بن مرة: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا فنعرف وننكر، كان قد كبر.
وروي عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ على علي وفاطمة وهما يضحكان، فلما رأيا النبي ﷺ سكتا، فقال لهما النبي ﷺ : "ما لكما كنتما تضحكان، فلما رأيتماني سكتما؟ " فبادرت فاطمة، فقالت: بأبي أنت يا رسول الله، قال: هذا أنا أحب إلى رسول الله منك، فقلت: بل أنا أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: "يا بنية لك رقة الولد، وعلي أعز علي منك".
رواه الطبراني في الكبير (١١٠٦٣) عن عبد الرحمن بن خلاد الدورقي، ثنا ملحان بن سليمان الدورقي، ثنا عبد الله بن داود الخريبي، ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره.
ذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٠٢) وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح".
قلت: فيه شيخ الطبراني وشيخ شيخه لم أقف على ترجمتهما.
وروي عن هبيرة بن يريم قال: خطبنا الحسن بن علي ﵁، فقال: لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم، ولا يدركه الآخرون، كان رسول الله ﷺ يبعثه بالراية: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، لا ينصرف حتى يفتح له.
رواه أحمد (١٧١٩) -واللفظ له-، والنسائي في خصائص علي (٢٣)، وصحّحه ابن حبان (٦٩٣٦)، والطبراني في الكبير (٣/ ٧٩ - ٨١) كلهم من طرق، عن أبي إسحاق (هو السبيعي)، عن هبيرة بن يريم قال: فذكره.
قلت: ظاهر إسناده لا بأس به، ولكن في متنه نكارة، وهبيرة بن يريم رمي بالتشيع.
ورواه البزار في مسنده (١٣٤٠) عن عمرو بن علي قال: حَدَّثَنَا أبو عاصم قال: حَدَّثَنَا سكين بن عبد العزيز، قال: حدثني حفص بن خالد قال: حدثني أبي خالد بن جابر قال: لما قُتِلَ علي بن أبي طالب ﵁ قام الحسن بن علي خطيبا، فقال: قد قتلتم والله! الليلة رجلا في الليلة التي أنزل فيها القرآن، وفيها رفع عيسى بن مريم، وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى.
قال سكين: حدثني رجل قد سماه قال: وفيها تيب على بني إسرائيل - ثم رجع إلى حديث حفص بن خالد فقال: والله! ما سبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد كان بعده، والله! إن كان رسول الله ﷺ ليبعثه في السرية جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والله! ما ترك من صفراء ولا بيضاء إلا ثمان مائة درهم أو سبع مائة درهم كان أعدها لخادم.
وقال: "هذا الحديث بهذه الألفاظ لَا نعلم أَحَدًا يرويها إلا الحسن بن علي بهذا الإسناد، وإسناده صالح، ولا نعلم يحدث عن حفص بن خالد غير سكين بن عبد العزيز".
قلت: في إسناده حفص بن خالد وأبوه خالد بن جابر مجهولان.
стр. 5890
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (١١/ ٢٨): "وهذا حديث غريب جدا، وفيه نكارة".
وروي عن علي بن أبي طالب قال: قال لي عبد الله بن سلَّام، وقد وضعت رجلي في الغرز وأنا أريد العراق: لا تأت أهل العراق، فإنك إن أتيتهم أصابك ذباب السيف بها. قال علي: وأيم الله لقد قالها لي رسول الله. قال أبو الأسود: فقلت في نفسي: ما رأيت كاليوم رجلا محاربا يحدث الناس بمثل هذا.
رواه الحميدي (٥٣)، والبزار (٧١٨)، وأبو يعلى (٤٩١)، وابن حبان (٦٧٣٣)، والحاكم (٣/ ١٤٠) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، حدثنا عبد الملك بن أعين، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب فذكره.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
قلت: وهو كما قال إلا أن عبد الملك بن أعين رافضي، له حديث واحد في الصحيحين متابعة، ولذا تعقبه الذهبي بقوله: "ابن أعين غير مرضي".
وروي عن جابر أن رسول الله ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار.
رواه الطبراني في الأوسط (٤٠٥١) عن علي بن سعيد، ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن المفضل الحراني، ثنا الوليد بن عبد الواحد التميمي، ثنا معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
وقال الطبراني: "لم يروه عن معقل إلا الوليد، تفرد به أحمد بن عبد الرحمن، ولم يرو عن أبي الزبير إلا معقل".
قلت: معقل بن عبيد الله مختلف فيه، والغالب عليه الضعف، كما أنه تفرد به عن أبي الزبير.
وروي عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله ﷺ يوحى إليه، ورأسه في حجر عليٍّ، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله ﷺ : "صليت يا علي؟ " قال: لا. فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهم! إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس" قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعدما غربت.
فإسناده ضعيف أيضا، رواه الطحاوي في شرح المشكل (١٠٦٧)، والطّبراني في الكبير (٢٤/ ١٤٧، ١٥٢)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٢٧)، والجوزقاني في الأباطيل (١/ ١٥٨)، وابن الجوزي في الموضوعات (٦٦٧) كلهم من طرق عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عميس فذكرته.
قال ابن الجوزي: "هذا الحديث موضوع بلا شك".
وقال الجوزقاني: "هذا حديث منكر مضطرب".
قلت: في سنده الفضيل بن مرزوق، مختلف فيه، وإبراهيم بن الحسن لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، فهو في عداد المجهولين.
стр. 5891
وأيضا فإن هذه القصة وقعت بخيبر، كما في بعض الروايات، والمسلمون كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وهي حادثة عظيمة لو وقعت لاشتهرت وتوفرت الهمم والدواعي على نقلها، ويمتنع أن ينفرد بنقله واحد واثنان، ولو نقله الصحابة لنقله منهم أهل العلم كما نقلوا أمثاله، ولم ينفرد به المجهولون الذين لا يعرف ضبطهم وعدالتهم، وليس في جميع أسانيد هذا الحديث إسناد واحد يثبت، تعلم عدالة ناقليه وضبطهم، ولا يعلم اتصال إسناده. هذا ملخص كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الذهبي. انظر: منهاج السنة (٤/ ١٨٤) وترتيب الموضوعات للذهبي.
وروي عن قيس بن عباد قال: قلت لعلي: أخبرْنا عن مسيرك هذا، أعهدٌ عهده إليك رسول الله ﷺ أم رأيٌ رأيتَه؟ فقال: ما عهِدَ إليّ رسول الله ﷺ بشيءٍ، ولكنه رأي رأيته. رواه أبو داود (٤٦٦٦)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١٢٧١) كلاهما من حديث إسماعيل بن إبراهيم الهذلي، حدثنا ابن علية، عن يونس (هو ابن عبيد)، عن الحسن، عن قيس بن عباد فذكره. وإسناده صحيح.
والحسن البصري وإن كان مدلّسا إلا أن شيخه قيس بن عباد تابعي، وكلاهما بصريان معاصران، فيستبعد أن يكون بينهما أحدٌ.
ورواه أحمد (١٢٠٧) عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن قيس ابن عباد، أطول من هذا، وفيه: "والله ما عهدَ إليّ رسول الله ﷺ عهدا إلا شيئا عهده إلى الناس، ولكن الناس وقعوا على عثمان فقتلوه، فكان غيري فيه أسوأ حالا وفعلا مني، ثم رأيتُ أني أحقهم بهذا الأمر، فوثبتُ عليه، والله أعلم أصبْنا أم أخطأنا. وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف.
وفي الباب أحاديث أخرى ضعيفة وموضوعة.
١١ - باب ما جاء في أخبار علي بن أبي طالب
• عن علي قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي.
فكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروى عن علي الكذب.
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٠٧) عن علي بن الجعد، أنا شعبة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي قال: فذكره.
• عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك. ثم سأله عن علي، فذكر محاسن عمله، قال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي ﷺ ، ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد علي جهدك.
стр. 5892
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٠٤) عن محمد بن رافع، ثنا حسين، عن زائدة، عن أبي حصين، عن سعد بن عبيدة قال: فذكره.
• عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري قال: جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة، ونحن عندها جلوس، مرجعه من العراق ليالي قتل علي، فقالت له: يا عبد الله بن شداد! هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي. قال: وما لي لا أصدقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم.
قال فإن عليا لما كاتب معاوية، وحكم الحكمين، خرج عليه ثمانية آلاف من قُرّاء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها: حَروراء من جانب الكوفة، وإنهم عَتِبوا عليه فقالوا: انسلختَ من قميص ألبسكه الله تعالى، واسم سماك الله تعالى به، ثم انطلقتَ، فحكّمتَ في دين الله، فلا حكم إلا لله تعالى.
فلما أن بلغ عليًّا ما عتبوا عليه، وفارقوه عليه، فأمر مؤذنا فأذّن: أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن، فلما أن امتلأت الدار من قُرَّاء الناس دعا بمصحف إمام عظيم، فوضعه بين يديه، فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف حدِّث الناسَ، فناداه الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين! ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما رُوينا منه، فماذا تريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا، بيني وبينهم كتاب الله يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. فأمة محمد ﷺ أعظم دمًا وحرمةً من امرأة ورجل.
ونقموا عليَّ أن كاتبت معاوية: كتب علي بن أبي طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو، ونحن مع رسول الله ﷺ بالحديبية، حين صالح قومه قريشا، فكتب رسول الله ﷺ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فقال سهيل: لا تكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال: كيف نكتب؟ فقال: اكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ : "فاكتبْ محمد رسول الله"، فقال لو أعلم أنك رسول الله، لم أُخالفْك، فكتب: هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشا. يقول الله تعالى في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].
فبعث إليهم عليٌّ عبدَ الله بن عباس فخرجتُ معه، حتى إذا توسطنا عسكرهم قام ابن الكوّاء يخطب الناس فقال: يا حملة القرآن! إن هذا عبد الله بن عباس، فمن لم يكن
стр. 5893
يعرفه فأنا أعرفه من كتاب الله ما يعرفه به هذا ممن نزل فيه وفي قومه ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
فردُّوه إلى صاحبه، ولا تواضعوه كتاب الله، فقام خطباؤهم فقالوا: والله! لنواضعنه كتاب الله، فإن جاء بحق نعرفه لنتبعنّه، وإن جاء بباطل لنُبكتنَّه بباطله، فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب، فيهم ابن الكوّاء، حتى أدخلهم على عليٍّ الكوفة، فبعث علي إلى بقيتهم، فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فقفوا حيث شئتم، حتى تجتمع أمة محمد ﷺ ، بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمًا حرامًا، أو تقطعوا سبيلًا، أو تظلموا ذمةً، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحربَ على سواء، إن الله لا يحب الخائنين.
فقالت له عائشة: يا ابن شداد، فقد قتلهم! فقال: والله! ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدم، واستحلوا أهل الذمة، فقالت: آلله؟ قال: آلله الذي لا إله إلا هو لقد كان. قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدثونه؟ يقولون: ذو الثدي، وذو الثدي. قال: قد رأيته، وقمت مع علي عليه في القتلى، فدعا الناس فقال: أتعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: قد رأيته في مسجد بني فلان يصلي، ورأيته في مسجد بني فلان يصلي، ولم يأتوا فيه بثبتٍ يُعرف إلا ذلك، قالت: فما قول علي حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: هل سمعت منه أنه قال غير ذلك؟ قال: اللهم لا. قالت: أجل، صدق الله ورسوله، يرحم الله عليا إنه كان من كلامه لا يرى شيئا يعجبه إلا قال: صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه، ويزيدون عليه في الحديث.
حسن: رواه أحمد (٦٥٦)، وأبو يعلى (٤٧٤) كلاهما من طريق يحيى بن سُليم، عن عبد الله ابن عثمان بن خُثيم، عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل يحيى بن سليم الطائفي وعبد الله بن عثمان بن خثيم فإنهما حسنا الحديث.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٣٥): "رجاله ثقات".
فضائل بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم:
١ - طلحة بن عبيد الله
٢ - الزبير بن العوام
٣ - سعد بن أبي وقاص
стр. 5894
٤ - عبد الرحمن بن عوف
٥ - أبو عبيدة بن الجراح
٦ - سعيد بن زيد
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "عشرة من قريش في الجنة، أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٣٨٢٣) وفي الأوسط (٢٢٢٢) وفي الصغير (٦٢) من طرق عن حامد بن يحيى البلخي، عن سعير بن الخِمس، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (١٤٨٧٧): "رواه الطبراني في الثلاثة، ورجاله رجال الصحيح غير حامد بن يحيى البلخي وهو ثقة".
وإسناده حسن من أجل سعير بن الخِمس، فإنه حسن الحديث.
• * *
стр. 5895
جموع مناقب طلحة بن عبيد الله وأخباره
١ - باب فضل طلحة بن عبيد الله
• عن الزبير بن العوام قال: كان على النبي ﷺ درعان يوم أحد، فنهض إلى الصخرة، فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، فصعد النبي ﷺ عليه حتى استوى على الصخرة، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أوجب طلحة".
حسن: رواه الترمذي (١٦٩٢، ٣٧٣٨)، وأحمد (١٤١٧)، وصحّحه ابن حبان (٦٩٧٩)، والحاكم (٣/ ٣٧٤)، والبيهقي (٦/ ٣٧٠ و ٩/ ٤٦) كلهم من طرق عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام فذكره. وسقط ذكر "أبيه" من ابن حبان. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق" وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
وقوله: "أوجب طلحة" أي عمل عملا أوجب له الجنة.
• عن عبد الله بن الزبير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أوجب طلحة". حين صنع ما صنع برسول الله ﷺ ، وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله ﷺ حتى انتهى بعضهم إلى المنقا دون الأعوص، وفرَّ عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان رجلان من الأنصار، ثم من بني زريق حتى بلغوا الجلعب - جبلا بناحية المدينة، فأقاموا به ثلاثا، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "لقد ذهبتم فيها عريضة".
حسن: رواه محمد بن إسحاق في سيرته (٥١٤) قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
• عن أنس عن أبي طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٨) عن خليفة، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن
стр. 5896
قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال: فذكره.
• عن طلحة أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سَلْه عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألته، يوقّرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد، وعليّ ثياب خضر، فلما رآني رسول الله ﷺ قال: "أين السائل عمن قضى نحبه". قال الأعرابي أنا يا رسول الله. قال: "هذا ممن قضى نحبه".
حسن: رواه الترمذي (٣٢٠٣، ٣٧٤٢)، والبزار (٩٤٣)، وأبو يعلى (٦٦٣) كلهم من طريق يونس بن بكير، حدثنا طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابنى طلحة، عن أبيهما طلحة فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي كريب عن يونس بن بكير. وقد رواه غير واحد من كبار أهل الحديث عن أبي كريب بهذا الحديث.
وسمعت محمد بن إسماعيل يحدث بهذا عن أبي كريب ووضعه في كتاب "الفوائد".
وهو كما قال؛ فإن طلحة بن يحيى مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وقد توبع.
رواه الطبراني في الكبير (١/ ٧٦) عن يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا سليمان بن أيوب، حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: لما رجع النبي ﷺ من أحد صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ هذه الآية ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية كلها، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ فأقبلت وعلي ثوبان أخضران فقال: "أيها السائل هذا منهم".
وسليمان بن أيوب هو ابن سليمان بن عيسى بن موسى الطلحي قال فيه ابن عدي: عامة أحاديثه لا يُتابع عليها، ووثّقه يعقوب بن شيبة، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأبوه وجده مجهولان لا يوجد فيهما توثيق لمعتبر، ولكنه لا بأس بهما في المتابعة.
وروي عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من سرّه أن ينظر إلى شهيد على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله".
رواه الترمذي (٣٧٣٩)، وابن ماجه (١٢٥) كلاهما من طريق الصلت بن دينار الأزدي، عن أبي نضرة (وهو المنذر بن مالك)، عن جابر فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الصلت، وقد تكلم بعض أهل العلم في الصلت بن دينار، وضعّفه، وتكلّموا في صالح بن موسى".
قلت: وهو كما قال؛ فإن الصلت بن دينار متروك، قال ابن حبان: كان ممن يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ، ويبغض علي بن أبي طالب وينال منه ومن أهل بيته على كثرة المناكير في روايته.
стр. 5897
٢ - باب ثبات طلحة مع النبي ﷺ يوم أحد
• عن السائب بن يزيد قال: صحبتُ عبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والمقداد، وسعدا ﵃، فما سمعت أحدا منهم يحدث عن النبي ﷺ إلا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٢) عن عبد الله بن أبي الأسود، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن يوسف قال: سمعت السائب فذكره.
• عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلَّاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٦٣) عن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس فذكره.
• عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم أحد وولى الناس، كان رسول الله ﷺ في ناحية في اثنى عشر رجلا من الأنصار، وفيهم طلحة بن عبيد الله، فأدركهم المشركون فالتفت رسول الله ﷺ ، وقال: "من للقوم؟ " فقال طلحة: أنا. قال رسول الله ﷺ : "كما أنت". فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله! فقال: "أنت" فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: "من للقوم؟ " فقال طلحة: أنا. قال: "كما أنت" فقال رجل من الأنصار: أنا. فقال: "أنت" فقاتل حتى قتل، ثم لم يزل يقول ذلك، ويخرج إليهم رجل من الأنصار فيقاتل قتال من قبله حتى يقتل، حتى بقي رسول الله ﷺ وطلحة بن عبيد الله، فقال رسول الله ﷺ : "من للقوم؟ " فقال طلحة: أنا. فقاتل طلحة قتال الأحد عشر، حتى ضربت يده، فقطعت أصابعه، فقال: حس. فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون". ثم رد الله المشركين.
حسن: رواه النسائي (٣١٤٩)، -وعنه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٧٠) - عن عمرو بن سوَّاد قال: أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، وذكر آخر قبله، عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمارة بن غزية ويحيى بن أيوب، فإنهما حسنا الحديث.
• عن أبي عثمان قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد عن حديثهما.
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٢٢، ٣٧٢٣)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٤) كلاهما عن محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا معتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان فذكره.
стр. 5898
ومعنى قوله: "عن حديثهما" أي هما حدثاني بذلك.
٣ - باب ما روي أن طلحة والزبير جارا النبي ﷺ في الجنة
روي عن علي بن أبي طالب قال: سمعت أذني من في رسول الله ﷺ وهو يقول: "طلحة والزبير جاراي في الجنة".
رواه الترمذي (٣٧٤١)، والبزار (٨١٨) كلاهما من طريق أبي عبد الرحمن النضر بن منصور العنزي، عن أبي الجنوب عقبة بن علقمة اليشكري قال: سمعت عليا فذكره.
وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه" أي ضعيف.
فإن النضر بن منصور وشيخه عقبة بن علقمة ضعيفان عند الجمهور.
• * *
стр. 5899
جموع مناقب الزبير بن العوام وأخباره
هو الزبير بن العوام حواري رسول الله ﷺ ، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة من أهل الشورى، وأول من سلَّ سيفه في سبيل الله، أسلم وهو حدث، له ست عشرة سنة.
وقد ورد أن الزبير كان رجلا طويلا إذا ركب خطَّت رجلاه الأرض.
١ - باب ما جاء في شجاعة الزبير يوم الخندق وجمع النبي ﷺ له أبويه
• عن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء، فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا، فلما رجعت قلت: يا أبت، رأيتك تختلف، قال أوهل رأيتني يا بُنَيَّ؟ قلت: نعم. قال: كان رسول الله ﷺ قال: "من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم" فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه، فقال: "فداك أبي وأمي".
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٢٠)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٦) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: فذكره.
وهذا لفظ البخاري. وفي لفظ مسلم: "مع النسوة في أطم حسان" وفي لفظ آخر له: "في الأطم الذي فيه النسوة يعني نسوة النبي ﷺ ".
• عن جابر قال: قال النبي ﷺ : "من يأتيني بخبر القوم يوم الأحزاب؟ " قال الزبير: أنا. ثم قال: "من يأتيني بخبر القوم؟ " قال الزبير: أنا. فقال النبي ﷺ : "إن لكل نبي حواريا، وحواري الزبير".
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (٢٨٤٦) وفي المغازي (٤١١٣)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٥ - ٤٨) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
قوله: "من يأتيني بخبر القوم" أي: خبر بني قريظة في نقض العهد، وأما قصة حذيفة ﵁ فكانت لخبر قريش، وكانت في ليلة شديدة البرد.
• عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبى حواريا، وإن حواريّ الزبير بن العوام".
стр. 5900
حسن: رواه الترمذي (٣٧٤٤)، وأحمد (٦٨٠) كلاهما من طريق عاصم (هو ابن أبي النجود)، عن زر، عن علي فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، ويقال الحواري هو الناصر".
قلت: إسناده حسن من أجل عاصم فإنه حسن الحديث.
• عن عبد الله بن عمر أنه سمع رجلا يقول: يا ابن حواري رسول الله ﷺ قال: إن كنت من آل الزبير وإلا فلا.
صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٢٥٩٤)، والطبراني في الكبير (١/ ٧٨) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع قال: سمع ابن عمر رجلا يقول: فذكره. وإسناده صحيح. سعيد بن أبي عروبة اختلط لكن رواية يزيد بن هارون كانت قبل اختلاطه.
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٥١): "رواه البزار ورجاله ثقات".
٢ - باب ما جاء في أخبار الزبير بن العوام
• عن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة: أبواك والله! من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٨ - ٥١) من طرق، عن هشام، عن أبيه قال: قالت لي عائشة فذكرته. وزاد في لفظ: "تعني أبا بكر والزبير".
• عن مروان بن الحكم قال: أصاب عثمان بن عفان رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج، وأوصى فدخل عليه رجل من قريش، قال: استخلف، قال: وقالوه؟ قال: نعم. قال: ومَنْ؟ فسكت، فدخل عليه رجل آخر، -أحسبه الحارث- فقال: استخلف. فقال عثمان: وقالوا؟ فقال: نعم، قال: ومن هو؟ فسكت، قال: فلعلهم قالوا: الزبير، قال: نعم. قال: أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، وإن كان لأحبهم إلى رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧١٧) عن خالد بن مخلد، ثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أخبرني مروان بن الحكم فذكره.
• عن عبد الله بن الزبير قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني، فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني! إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما، وإن من أكبر همي لدَيني، أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا؟ فقال: يا بُني بع مالنا، فاقض ديني، وأوصى بالثلث، وثلثِه لبنيه -يعني عبد الله بن الزبير- يقول: ثلث
стр. 5901
الثلث، فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدين شيء، فثلثه لولدك، قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خبيب وعباد، وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه، ويقول: يا بني، إن عجزت عنه في شيء فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله! ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله. قال: فوالله! ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه، فقتل الزبير ﵁، ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر.
قال: إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا ولكنه سلف فإني أخشى عليه الضيعة، وما ولي إمارة قط، ولا جباية خراج، ولا شيئا إلا أن يكون في غزوة مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃.
قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين، فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف. قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير، فقال: يا ابن أخي، كم على أخي من الدين؟ فكتمه، فقال: مائة ألف. فقال حكيم: والله! ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا. فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي.
قال: وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام، فقال: من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة، فأتاه عبد الله بن جعفر وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم. فقال عبد الله: لا. قال: قال: فاقطعوا لي قطعة. فقال عبد الله: لك من ها هنا إلى ها هنا. قال: فباع منها، فقضى دينه، فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية، وعنده عمرو بن عثمان، والمنذر بن الزبير، وابن زمعة. فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم مائة ألف. قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. قال المنذر بن الزبير: قد أخذت سهما بمائة ألف. قال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية: كم بقي؟ فقال: سهم ونصف. قال أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف.
стр. 5902
فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا، والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا، فلنقضه، قال: فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم. قال: فكان للزبير أربع نسوة، ورفع الثلث، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف.
صحيح: رواه البخاري في فرض الخمس (٣١٢٩) عن إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير فذكره.
٣ - أخبار الزبير بن العوام في قتاله وشجاعته
• عن عروة قال: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف، إحداهن في عاتقه، قال: إن كنت لأدخل أصابعي فيها. قال: ضُرِبَ ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك. قال عروة: وقال لي عبد الملك بن مروان حين قتل عبد الله بن الزبير: يا عروة هل تعرف سيف الزبير؟ قلت: نعم. قال: فما فيه؟ قلت: فيه فلة فلها يوم بدر. قال: صدقت بهن فلول من قراع الكتائب. ثم رده على عروة. قال هشام: فأقمناه بيننا ثلاثة آلاف، وأخذه بعضنا، ولوددت أنى كنت أخذته.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٣) عن إبراهيم بن موسى، ثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن هشام، عن عروة قال: فذكره.
• عن عروة بن الزبير أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فقال: إني إن شددت كذبتم. فقالوا: لا نفعل. فحمل عليهم حتى شق صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلا، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضُرِبها يوم بدر، قال عروة: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير. قال عروة: وكان معه عبد الله بن الزبير يومئذ وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس ووكَّل به رجلا.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٥) عن أحمد بن محمد، ثنا عبد الله -هو ابن المبارك-، أنا هشام بن عروة، عن أبيه فذكره.
• عن عروة قال: كان سيف الزبير محلى بفضة، قال هشام: وكان سيف عروة محلى بفضة.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٤) عن فروة، عن علي، عن هشام، عن أبيه فذكره.
стр. 5903
جموع مناقب سعد بن أبي وقاص وأخباره
هو: سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف يجمع مع النبي ﷺ في كلاب بن مرة، وكنية أبيه "أبو وقاص"، وأن الله فتح العراق على يد سعد بن أبي وقاص، وكان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية، ونصر الله به دينه، ونزل سعد بالمدائن، ثم كان أمير الناس يوم جلولاء، فكان النصر على يده، واستأصل الله الأكاسرة، وأمه حمنة بنت سفيان بن أبي أمية، لم تُسلم وسيأتي ذكرُها في الباب الثالث.
١ - باب أن سعد بن أبي وقاص رجل صالح
• عن عائشة قالت: أرق النبي ﷺ ذات ليلة، فقال: "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة"، إذ سمعنا صوت السلاح. قال: "من هذا؟ " قال سعد: يا رسول الله، جئت أحرسك. فنام النبي ﷺ حتى سمعنا غطيطه.
متفق عليه: رواه البخاري في التمني (٧٢٣١)، ومسلم في فضائل الصّحابة (٢٤١٠ - ٣٩) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، ثني يحيى بن سعيد، سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قالت عائشة فذكرته.
وفي لفظ: "سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة، وفيه: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: "من هذا؟ " قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ : "ما جاء بك؟ " قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام.
رواه مسلم (٢٤١٠ - ٤٠) من وجه آخر عن يحيى بن سعيد به.
٢ - باب أن النبي ﷺ جمع أبويه لسعد بن أبي وقاص
• عن علي يقول: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم أحد: "ارم فداك أبي وأمي".
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (٢٩٠٥) وفي المغازي (٤٠٥٩)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤١١ - ٤١) كلاهما من طرق عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن شداد، سمعت عليا يقول: فذكره. واللفظ لمسلم، وساقه البخاري نحوه.
قوله: "سعد بن مالك" هو سعد بن أبي وقاص.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم أحد.
стр. 5904
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٢٥)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٢) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب قال: سمعت سعدا فذكره، واللفظ لمسلم.
وفي لفظ: "نثل لي النبي ﷺ كنانته يوم أحد، فقال: "ارم فداك أبي وأمي".
رواه البخاري في المغازي (٤٠٥٥) عن عبد الله بن محمد، ثنا مروان بن معاوية، ثنا هاشم بن هاشم السعدي قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: فذكره.
وفي لفظ: "لقد جمع لي رسول الله ﷺ يوم أحد أبويه كليهما، يريد حين قال: "فداك أبي وأمي" وهو يقاتل". رواه البخاري في المغازي (٤٠٥٧)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٢ - ٤٢) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب أنه قال: قال سعد بن أبي وقاص: فذكره، وهذا لفظ البخاري، ولم يسق مسلم لفظه.
وفي لفظ زاد مسلم بعد قوله: "جمع له أبويه يوم أحد"، قال: "كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين، فقال له النبي ﷺ : "ارم فداك أبي وأمي"، قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل، فأصبت جَنْبه فسقط، فانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرت إلى نواجذه. رواه في فضائل الصحابة (٢٤١٢ - ٤٢) عن محمد بن عباد، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أن النبي ﷺ جمع له أبويه فذكره.
٣ - باب أن سعدا نزلت فيه آيات من القرآن الكريم
• عن مصعب بن سعد، عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: فحلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل، ولا تشرب. قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثا حتى غُشِيَ عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له: عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ [لقمان: ١٥] وفيها ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
قال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذته فأتيت به الرسول ﷺ فقلت: نفِّلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله. فقال: "رده من حيث أخذته". فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه. قال: فشدَّ لي صوته: "رده من حيث أخذته". قال: فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١].
قال: ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ ، فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال:
стр. 5905
فأبى. قلت: فالنصف. قال: فأبى. قلت: فالثلث. قال: فسكت، فكان بعد الثلث جائزا.
قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا. وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش -والحش البستان- فإذا رأس جزور مشويّ عندهم، وزق من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم. قال: فذكرت الأنصار والمهاجرون عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال: فأخذ رجل أحد لحيى الرأس فضربني به فجرح بأنفى. فأتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فأنزل الله فيَّ -يعنى نفسه- شأن الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠].
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (١٧٤٨ - ٤٣) من طرق عن الحسن بن موسى، ثنا زهير، ثنا سماك بن حرب، ننا مصعب بن سعد، عن أبيه فذكره.
وفي لفظ: "نزلت فيَّ أربع آيات: فذكر قصة السيف، وفيه أنه كرر طلبه أربع مرات، ويقول له النبي ﷺ في كل مرة: "ضعه من حيث أخذته".
رواه مسلم في الجهاد (١٧٤٨ - ٣٤) وفي فضائل الصحابة (١٧٤٨ - ٤٤) من طرق عن محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: فذكره.
وزاد في فضائل الصحابة: "زاد في حديث شعبة: قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطْعِموها شجروا فاها بعصا، ثم أوجروها، وفي حديثه أيضا: فضرب به أنف سعد ففزره، وكان أنف سعد مفزورا". أي مشقوقا.
قلت: تبين مما سبق أن سعدا نزلت فيه أربع آيات، ولكن ورد في هذه الطرق ذكر ثلاث آيات فقط، وسيأتي ذكر الآية الرابعة إن شاء الله.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي ﷺ في ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما. فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدَّث نفسه، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢].
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٣ - ٤٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد فذكره.
٤ - باب أن سعدا أسلم يوم أسلم وهو ثلث الإسلام
• عن سعد بن أبي وقاص يقول: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام.
стр. 5906
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٢٧) عن إبراهيم بن موسى، أنا ابن أبي زائدة، ثنا هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: فذكره.
قوله: "ثلث الإسلام" أي خديجة وأبو بكر وهو الثالث، وذلك حسب علمه، وقد أسلم قبله أناس آخرون، ولكنهم أخفوا إسلامَهم.
٥ - باب أن سعد بن أبي وقاص أول العرب رمى في سبيل الله
• عن سعد بن أبي وقاص قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ورأيتنا نغزو وما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، خبت إذًا وضلَّ سعيي.
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٥٣)، ومسلم في الزهد (٢٩٦٦ - ١٢) كلاهما من طريق إسماعيل، ثنا قيس، سمعت سعدا يقول: فذكره.
وزاد في لفظ بعد قوله: "خِبتُ إذا ... ": "وكانوا وشوا به إلى عمر، قالوا: لا يحسن يصلي". رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٢٨) من وجه آخر عن إسماعيل به.
وفي لفظ: "حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع العنز، ما يخلطه بشيء". رواه مسلم في الزهد (٢٩٦٦ - ١٣) عن يحيى بن يحيى، أنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد به.
٦ - باب في انعزال سعد بن أبي وقاص عن الفتنة
• عن عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فنزل، فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره، فقال: اسكت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي".
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٦٥) من طرق، عن أبي بكر الحنفي، ثنا بكير بن مسمار، ثني عامر بن سعد قال: فذكره.
قال الحافظ في الإصابة (٣٢٠٨): "ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة ولزم بيته".
٧ - باب دعاء النبي ﷺ لسعد بالشفاء في مرضه عام حجة الوداع بمكة
• عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ دخل على سعد يعوده بمكة، فبكى، قال: "ما يبكيك؟ ". فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة. فقال النبي ﷺ : "اللهم! اشف سعدا، اللهم! اشف سعدا". ثلاث
стр. 5907
مرار. قال: يا رسول الله، إن لي مالا كثيرا، وإنما يرثني ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: "لا". قال: فبالثلثين؟ قال: "لا". قال: فالنصف؟ قال: "لا". قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة، وإنك أن تدع أهلك بخير -أو قال بعيش- خير من أن تدعهم يتكففون الناس". وقال: بيده.
صحيح: رواه مسلم في الوصية (١٦٢٨ - ٨) عن محمد بن أبي عمر المكي، ثنا الثقفي، عن أيوب السختياني، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن، عن ثلاثة من ولد سعد، كلهم يحدثه عن أبيه فذكره.
٨ - باب قوله ﷺ لسعد: "يُنْفَع بك أقوام ويُضَرُّ بك آخرون "
• عن سعد بن أبي وقاص قال: عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله! بلغني ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: "لا، الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك". قال: قلت: يا رسول الله، أُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ . قال: "إنك لن تُخَلَّف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تُخَلَّف حتى يُنْفَع بك أقوام، ويُضَرَّ بك آخرون. اللهم! أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم. لكن البائس سعد بن خولة".
قال: رثى له رسول الله ﷺ من أن توفي بمكة.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٣٦)، ومسلم في الوصية (١٦٢٨ - ٥) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص فذكره.
قوله: "لعلك تُخَلَّف حتى يُنْفَع بك أقوام ... " أي: أنك لا تموت في هذا المرض بل تبقى، فعاش ﵁ بعده حتى فتح العراق وغيره، فانتفع به المسلمون وتضرر به الكفار حيث فتح القادسية في خلافة عمر بن الخطاب.
• عن أبي موسى قال: مرض سعد بمكة، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال له: يا رسول الله، أليس تكره أن يموت الرجل في الأرض التي هاجر منها؟ قال: "بلى، ولعل الله ﵎ يرفعك فيضر بك قوما وينفع آخرين بك".
стр. 5908
حسن: رواه البزار (٣١٣٩) عن محمد بن عمر بن هياج، أخبرنا الفضل بن دكين أبو نعيم، أخبرنا محمد بن قيس، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٥٣): "رواه البزار والطّبراني ورجال البزار رجال الصحيح خلا محمد بن عمر بن هياج وهو ثقة".
قلت: إسناده حسن، فإن محمد بن عمر بن هياج، هو الهمداني الكوفي حسن الحديث.
٩ - باب ما جاء في أخبار سعد بن أبي وقاص
• عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: الحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٦٦) عن يحيى بن يحيى، أنا عبد الله بن جعفر السوري، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن أبي وقاص قال: فذكره.
١٠ - باب أن سعد بن أبي وقاص مجاب الدعاء
• عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ﵁، فعزله واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي؟ قال أبو إسحق: أما أنا والله! فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء فأركد في الأولين، وأحذف في الأخريين. قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحق. فأرسل معه رجلا أو رجالا إلى الكوفة، فسأل عنه أهلَ الكوفة، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله! لأدعون بثلاث: اللهم! إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعَرِّضْه بالفتن. وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٥٥) عن موسى، ثنا أبو عوانة، ثنا عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: فذكره. وهذا لفظه.
ورواه مسلم في الصلاة (٤٥٣) من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير، فذكره مقتصرا على أمر الصلاة فقط.
стр. 5909
روي عن سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك". رواه الترمذي (٣٧٥١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤٤٤)، والبزّار - كشف الأستار (٢٥٧٩)، وصحّحه ابن حبان (٦٩٩٠)، والحاكم (٣/ ٤٩٩) كلهم من طريق جعفر بن عون، حدثنا إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد فذكره.
قال البزار: "تفرد بهذا الإسناد جعفر بن عون".
قلت: تابعه موسى بن عقبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اللهم! سدِّدْ رميته، وأجب دعوته".
رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٩٣)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٠٠) كلاهما من طريق إبراهيم ابن يحيى الشجري، عن أبيه (هو يحيى بن محمد بن عباد)، حدثني موسى بن عقبة به.
وإبراهيم بن يحيى الشجري وأبوه ضعيفان. واختلف على إبراهيم فمرة رواه هكذا، ومرة رواه بدون ذكر موسى بن عقبة، كما في شرح السنة (٣٩٢٢).
قال الترمذي: "وقد روي هذا الحديث عن إسماعيل، عن قيس أن النبي ﷺ قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك" وهذا أصح".
والمرسل الذي أشار إليه الترمذي رواه ابن سعد في الطبقات (٣/ ١٤٢) عن يزيد بن هارون - وأحمد في فضائل الصحابة (١٣٠٨) عن يحيى (هو القطان) كلاهما عن إسماعيل بن خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: نُبِّئْتُ أن رسول الله ﷺ قال لسعد فذكره.
وسئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: "أسند جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن سعد.
وخالفه زائدة وسفيان بن عيينة وهشيم وأبو أسامة والحكم فرووه عن إسماعيل، عن قيس مرسلا عن النبي ﷺ وهو المحفوظ".
١١ - باب قصة سعد مع شخص قطع شجرا في حدود الحرم
• عن عامر بن سعد أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد، فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله ﷺ ، وأبى أن يرد عليهم.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٦٤) من طرق عن العقدي، أنا عبد الملك بن عمرو، ثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، أن سعدا ركب فذكره.
١٢ - باب قول النبي ﷺ : "هذا خالي "
• عن جابر قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فأقبل سعد بن أبي وقاص، فقال النبي
стр. 5910
- ﷺ : "هذا خالي، فليرني امرؤ خاله".
حسن: رواه الترمذي (٣٧٥٢) عن أبي كريب وأبي سعيد الأشج قالا: حدثنا أبو أسامة، عن مجالد (هو ابن سعيد)، عن عامر الشعبي، عن جابر بن عبد الله فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مجالد".
وهو ليس كما قال؛ فإن مجالد بن سعيد وإن كان ضعيفا لكنه توبع.
فقد رواه الحاكم (٣/ ٤٩٨) عن أبي علي الحسن بن علي الحافظ، أنا عبد الله بن محمد بن ناجية، ثنا علي بن سعيد الكندي، ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن جابر به مثله.
وعلي بن سعيد الكندي حسن الحديث.
قال الترمذي: "وكان سعد بن أبي وقاص من بني زهرة، وكانت أم النبي ﷺ من بني زهرة، فلذلك قال النبي ﷺ : "هذا خالي" أهـ.
• * *
стр. 5911
جموع فضائل عبد الرحمن بن عوف وأخباره
هو عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد السابقين البدريين، وأحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام. وكان من أغنياء الصحابة، وبعثه النبي ﷺ إلى دومة الجندل، وأذن له أن يتزوج بنت ملكهم الأصبغ بن ثعلبة الكلبي، ففتح عليه فتزوجها وهي تماضر أم ابنه أبي سلمة. الإصابة (٦/ ٥٤٤).
وذكر خليفة بسند له قوي عن ابن عمر قال: استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف على الحج سنة ولي الخلافة، ثم حج عمر في بقية عمره.
وقال ابن عبد البر: "كان مجدودا في التجارة .. ". السير (١/ ٩٢).
مات سنة إحدى وثلاثين، ودفن بالبقيع.
١ - باب ما جاء في تغيير اسمه
• عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان اسمي عبد عمرو، فسماني رسول الله ﷺ عبد الرحمن.
صحيح: رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٥٦)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٣٠٦) كلاهما من طرق، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف فذكره. وإسناده صحيح.
٢ - باب ما جاء في مؤاخاته
• عن أنس أنه قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وكان كثير المال، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حلت تزوجتها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك، فلم يرجع يومئذ حتى أفضل شيئا من سمن وأقط، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء رسول الله ﷺ وعليه وضر من صفرة، فقال له رسول الله ﷺ : "مهيم؟ " قال: تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: "ما سقت فيها" قال: وزن نواة من ذهب أو نواة من ذهب، فقال: "أولم ولو بشاة".
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٧٨١) عن قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر،
стр. 5912
عن حميد، عن أنس فذكره. ورواه مسلم في النكاح (٨١: ١٤٢٧) من طريق آخر عن قتادة وحميد، عن أنس به مختصرا.
٣ - باب أن النبي ﷺ صلى خلف عبد الرحمن بن عوف
• عن المغيرة بن شعبة قال في قصة: فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة، يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي ﷺ ، ذهب يتأخر، فأومأ إليه، فلما سلَّم قام النبي ﷺ ، وقمت فركعنا الركعة التي سبقتنا.
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٧٤ - ٨١) عن محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد (يعني ابن زريع)، حدثنا حميد الطويل، حدثنا بكر بن عبد الله المزني، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه فذكره.
• عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ انتهى إليه وهو يصلي بالناس فأراد أن يتأخر فأومأ إليه أن مكانك، فصلى رسول الله ﷺ بصلاة عبد الرحمن بن عوف.
صحيح: رواه الطيالسي (٢٢٣)، والبزار في مسنده (١٠١٤)، وأبو يعلى (٨٥٣)، والشاشي في مسنده (٢٤٦) كلهم من طريق إبراهيم بن سعد (هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف)، عن أبيه (سعد)، عن جده (إبراهيم)، عن عبد الرحمن بن عوف فذكره. وإسناده صحيح.
٤ - باب ما جاء في كثرة أمواله
• عن أم سلمة قالت: دخل عليها عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمه، قد خفت أن يهلكني كثرة مالي، أنا أكثر قريش مالا. قالت: يا بُنيَّ، أنفق، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن من أصحابي من لم يرني بعد أن أفارقه" فخرج عبد الرحمن فلقي عمر فأخبره بالذي قالت أم سلمة، فجاء عمر فدخل عليها، فقال: بالله منهم أنا؟ قالت: لا، ولن أبرِّئ أحدا بعدك.
صحيح: رواه أحمد (٢٦٤٨٩)، والبزار -كشف الأستار- (٢٤٩٦)، وأبو يعلى (٧٠٠٣) كلهم من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن أم سلمة قالت: فذكرته. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٧٢): "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح".
قال البزار: "رواه الأعمش وغيره عن أبي وائل (هو شقيق بن سلمة)، عن أم سلمة، وأبو وائل روى عنها ثلاثة أحاديث، وأدخل بعض الناس بينه وبينها مسروقا".
ورواية مسروق عن أم سلمة التي أشار إليها البزار أخرجها أحمد (٢٦٥٤٩)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣١٨)
стр. 5913
كلاهما من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي وائل، عن مسروق، عن أم سلمة فذكرته.
فلعل أبا وائل شقيق بن سلمة سمع الحديث أولا بواسطة مسروق عن أم سلمة، ثم سمع الحديث من أم سلمة مباشرة بدون واسطة.
وأبو وائل شقيق بن سلمة من المخضرمين، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة.
٥ - باب قصة إنفاقه على أزواج النبي ﷺ -
• عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "إن أمركن لمما يهمني بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون". قال: ثم تقول عائشة: فسقى الله أباك من سلسبيل الجنة، تريد عبد الرحمن بن عوف، وقد كان وصل أزواج النبي ﷺ بمال، يقال: بيعت بأربعين ألفا.
حسن: رواه الترمذي (٣٧٤٩)، وأحمد (٢٤٤٨٥)، وصحّحه ابن حبان (٦٩٩٥)، والحاكم (٣/ ٣١٢) كلهم من طريق بكر بن مضر، حدثنا صخر بن عبد الله بن حرملة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وإسناده حسن من أجل صخر بن عبد الله بن حرمله المدلجي فإنه حسن الحديث. قال النسائي: "صالح ووثّقه ابن حبان والعجلي". وقال الذهبي في التلخيص: صدوق.
وقوله: "إن أمركن لمما يهمني بعدي" يعني أمر أزواجه ﷺ ، فقد دخل على إحدى عشرة امرأة ماتت منهن عنده ﷺ ، خديجة بنت خويلد، وزينب بنت خزيمة أم المساكين، ومات هو عن سائرهن.
وكان عبد الرحمن بن عوف ممن اهتم بأمور أمهات المؤمنين بعد النبي ﷺ فأوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعين ألفا أو أربع مائة ألف كما عند الترمذي (٣٧٥٠).
• * *
стр. 5914
جموع مناقب أبي عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد
قال أبو بكر الصديق وقت وفاة رسول ﷺ بسقيفة بني ساعدة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمرو أبا عبيدة، وكان أبو بكر ولَّى أبا عبيدة بيت المال - يعني أموال المسلمين. توفي سنة ثمان عشرة، وله ثمان وخمسون سنة، وكان يخضب بالحناء والكتم.
١ - باب ما جاء أن أبا عبيدة أمين هذه الأمة
• عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل أمة أمينا، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح".
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٤٤) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٩ - ٥٣) كلاهما من طريق خالد، عن أبي قلابة قال: قال أنس فذكره.
وفي لفظ: "إن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة، فقال: "هذا أمين هذه الأمة".
رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٩ - ٥٤) عن عمرو الناقد، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.
وأما ما رواه الترمذي (٣٧٩١)، وابن ماجه (١٥٤)، وأحمد (١٢٩٠٤)، وصحّحه ابن حبان (٧١٣١)، والحاكم (٣/ ٤٢٢) كلهم من طرق، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وجاء: قال رسول الله ﷺ : "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
فالصحيح أنه مرسل سوى قوله: "ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
قال الخطيب: "أما حديث أبي قلابة فالصحيح منه المسند المتصل ذكر أبي عبيدة حسب، وما سوى ذلك مرسل غير متصل". انظر: الفصل للوصل المدرج (٢/ ٦٧٢) وكذا قال البيهقي (٦/ ٢١٠) وابن حجر في الفتح (٧/ ١١٧).
• عن حذيفة قال: جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث لنا رجلا أمينا، فقال: "لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين" فاستشرف له الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٨١)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٢٠ - ٥٥)
стр. 5915
كلاهما عن محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق عن صلة بن زفر، عن حذيفة فذكره.
وفي لفظ من وجه آخر عند البخاري (٤٣٨٠): "جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل؛ فوالله! إن كان نبيا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال: "لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين" فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح" فلما قام قال رسول الله ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة".
• عن ابن مسعود قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران، قال: وأرادا أن يلاعنا رسول الله ﷺ ، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيا فَلَعَنَّا، -قال خلف: فلاعَنَّا- لا نفلح نحن ولا عقبنا أبدا، قال: فأتياه، فقالا: لا نلاعنك، ولكنا نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا، فقال النبي ﷺ : "لأبعثن رجلا أمينا حق أمين، حق أمين" قال: فاستشرف لها أصحاب محمد، قال: فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح" قال: فلما قفّى، قال: "هذا أمين هذه الأمة".
صحيح: رواه ابن ماجه (١٣٦)، والنسائي في فضائل الصحابة (٩٣)، وأحمد (٣٩٣٠)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٢٦٧) كلهم من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة (هو ابن زفر العبسي)، عن ابن مسعود فذكره.
قال الحاكم: "قد اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث مختصرا في الصحيحين من حديث الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، وقد خالفهما إسرائيل، فقال: عن صلة بن زفر، عن عبد الله، وساق الحديث أتم مما عند الثوري وشعبة، فأخرجته لأنه على شرطهما" اهـ.
قلت: رواه البخاري في المغازي (٤٣٨٠) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صله بن زفر، عن حذيفة بهذا السياق، فجعل من مسند حذيفة.
ولعل أبا إسحاق روى الحديث من طريقين، فلا يعل أحدهما بالآخر، وقد ذكر الدارقطني أن الثوري تابع إسرائيل على ذكره "عبد الله بن مسعود" وصحّحه، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٩٢): إن الطريقين صحيحان.
والسيد كان اسمه الأيهم، وقيل: شرحبيل، وكان صاحب رحالهم، وأما العاقب فاسمه عبد المسيح، وكان صاحب مشورتهم.
• عن خالد بن الوليد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
стр. 5916
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٣٨٢٥) عن محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا مقدم بن محمد بن يحيى، ثنا عمي القاسم بن يحيى، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير (محمد ابن مسلم)، عن جابر، عن خالد بن الوليد فذكره.
إسناده حسن من أجل مقدم بن محمد بن يحيى، وعبد الله بن عثمان بن خثيم فإنهما حسنا الحديث.
وأما ما رواه أحمد (١٦٨٢٣) عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير قال: استعمل عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح على الشام، وعزل خالد بن الوليد، قال: فقال خالد بن الوليد: بعث عليكم أمين هذه الأمة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" قال أبو عبيدة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خالد سيف من سيوف الله ، ونعم فتى العشيرة". ففيه انقطاع. فإن عبد الملك بن عمير هو اللخمي لم يدرك أبا عبيدة، ولا عمر، ولا خالد بن الوليد.
وبه أعله الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٤٨ - ٣٤٩).
٢ - باب إسلام سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى العدوي (زوج أخت عمر بن الخطاب)
• عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يقول في مسجد الكوفة: والله! لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر، ولو أن أحدا ارفض للذي صنعتم بعثمان لكان.
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٦٢) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في مسجد الكوفة يقول: فذكره.
وفي لفظ: "لو رأيتني موثقي عمرُ على الإسلام أنا وأخته وما أسلم، ولو أن أحدا انقضَّ لما صنعتم بعثمان لكان محقوقا أن ينقضَّ"
رواه البخاري (٣٨٦٧) من وجه آخر عن إسماعيل بن قيس فذكره.
وسعيد بن زيد كان من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار أرقم، وكان إسلام عمر عنده في بيته، لأنه كان زوج أخته فاطمة.
وقال سعيد بن جبير: كان مقام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف مع النبي ﷺ واحدا، كانوا أمامه في القتال، وخلفه في الصلاة. ذكره ابن حجر في الإصابة.
قال الواقدي: توفي بالعقيق، فحمل إلى المدينة، وذلك سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين، وعاش بضعا وسبعين سنة.
стр. 5917
جموع ما جاء في فضل جماعات الصحابة
١ - باب ما جاء في فضل أهل البيت
قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٢ - ٣٤].
• عن أبي حميد الساعدي، أنهم قالوا: يا رسول الله! كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٩)، ومسلم في الصلاة (٤٠٧ - ٦٩) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن عمرو بن سليم الزرقي، أخبرني أبو حميد الساعدي قال: فذكره.
قلت: وقد ورد عند الشيخين وغيرهما -كما سبق في الصلاة في موضعه- "وعلى آل محمد". مكان "أزواجه، وذريته" فدل على أن الآل يشملهم.
• عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بماء يدعى خمًا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: "أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به". فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي". فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٨) من طرق عن إسماعيل بن إبراهيم، حدثني أبو حيان، حدثني يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد! خيرًا كثيرًا، رأيت رسول الله ﷺ ، وسمعت
стр. 5918
حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد! خيرًا كثيرًا، حدثنا يا زيد! ما سمعت من رسول الله ﷺ ، قال: يا ابن أخي، والله! لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ، فما حدثتكم فاقبلوا، ومالا فلا تكلِّفونيه، ثم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فذكره.
وليس في هذا الحديث الأمر بالتمسك بهدي أهل بيت النبي ﷺ وإنما فيه وجوب مراعاتهم ومحبتهم واجتناب ما يسوءهم إذا كانوا متمسكين بالكتاب والسنة، وهذا الذي فهمه الصحابة فقال أبو بكرالصديق ﵁: والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قربتى. رواه البخاري (٣٧١٢).
وأما الأخذ بأقوالهم والاعتصام بأعمالهم مع كتاب الله فلم يثبت فيه شيء.
• عن علي بن ربيعة الأسدي الوالبي قال: لقيت زيد بن أرقم -وهو يريد الدخول على المختار- فقلت له: بلغني عنك حديث. قال: ما هو؟ قلت: أسمعت النبى ﷺ يقول: "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله ، وعترتي". قال: نعم.
صحيح: رواه يعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٥٣٧) عن عبيد الله بن موسى، والطحاوي في شرح المشكل (٣٤٦٣)، والطّبراني في الكبير (٥/ ٢١٠) من طرق، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي - كلاهما عن إسرائيل بن يونس، عن عثمان بن المغيرة، عن علي بن ربيعة قال: فذكره.
والحديث رواه أسود بن عامر، عن إسرائيل به، فلم يذكر فيه: "كتاب الله وعترتي". أخرج حديثه أحمد في مسنده (١٩٣١٣)، والبزار (٤٣٢٦) عن الفضل بن سهل، عن أسود بن عامر فيه.
وأسود بن عامر ثقة، فما رواه صحيح، ولكن الذين زادوا تلك الزيادة هم أوثق منه، وهم: عبيد الله موسى العبسي ثقة، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم كما في التقريب.
ومنهم أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، ثقة متقن صحيح الكتاب.
كلاهما روياه عن إسرائيل بن يونس بتلك الزيادة وهي مقبولة.
وقوله: "عترتي" أي أهل بيتي.
• عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم قال: دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت خيرًا، لقد صاحبت رسول الله ﷺ وصليت خلفه، وساق الحديث بنحو حديث أبي حيان، غير أنه قال: "ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله ، هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة". وفيه فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر. ثم يطلِّقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعصبته الذين حُرموا الصدقة بعده.
стр. 5919
صحيح: رواه مسلم (٢٤٠٧): حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا حسان (يعني بن إبراهيم)، عن سعيد (وهو ابن مسروق)، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم قال: فذكر الحديث.
قوله: "هو حبل الله" أي السبب الموصل إلى رضاه ورحمته ... وقيل: هو نوره الذي يهدي به. وقيل: عهده.
وفي الباب أيضًا ما روي عن جابر قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: "يا أيها الناس! إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي".
رواه الترمذي (٣٧٨٦) عن نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله فذكره.
قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.
وزيد بن الحسن هو القرشي صاحب الأنماط قال أبو حاتم: منكر الحديث. وأطلق عليه الحافظ في التقريب بأنه "ضعيف".
وفي الباب أيضًا عن زيد بن ثابت، وحذيفة بن أسيد، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم، ولا يصح منه شيء. إنما الصحيح بدون لفظ التمسك بعترتي كما صحّ عن زيد بن أرقم.
• عن علي أن النبي ﷺ حضر الشجرة بخم، فخرج آخذًا بيد علي فقال: "يا أيها الناس! ألستم تشهدون أن الله ربكم؟ " قالوا: بلى، قال: "ألستم تشهدون أن الله ورسوله أولى بكم من أنفسكم، وأن الله ورسوله مولياكم؟ ". قالوا: بلى. قال: "فمن كنت مولاه، فإن هذا مولاه". أو قال: "فإن عليا مولاه -شك ابن مرزوق- إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به، لن تضلوا: كتاب الله سببه بأيديكم، وأهل بيتي".
حسن: رواه ابن أبي عاصم في السنة (١٦٠٢)، والطحاوي في شرح المشكل (١٧٦٠) كلاهما من طريق أبي عامر العقدي (وهو عبد الملك بن عمرو)، حدثنا كثير بن زيد، عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن علي قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل كثير بن زيد فإنه حسن الحديث.
وصحّح إسناده ابن حجر في المطالب العالية (٣٩٧٢).
وأما ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض. وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما". فضعيف.
стр. 5920
رواه الترمذي (٣٧٨٨)، وأحمد (١١١٣١)، وأبو يعلى (١٠٢١) كلهم من طرق عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد قال: فذكره.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
وفي سنده: عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف شيعي، والحديث في فضائل أهل البيت، ثم هو مدلس ولم يصرح بالسماع عن شيخه في شيء من طرقه.
وكذلك لا يصح ما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "ألا إن عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي، وإن كرشي الأنصار، فاعفوا عن مسيئتهم، واقبلوا من محسنهم". فضعيف.
رواه الترمذي (٣٩٠٤)، وأبو بكر بن أبي شيبة (٣٣٠٢٤)، وأحمد (١١٨٤٢) كلهم من طرق، عن عطية العوفي قال: قال أبو سعيد فذكره.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وفي سنده عطية العوفي ضعيف شيعي. وقد تفرد بذكر "أهل البيت" في هذا الحديث، ولم يتابعه أحد فهو منكر. والله أعلم.
وكذلك لا يصح ما روي عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي". فهو ضعيف.
رواه الترمذي (٣٧٨٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٨٣)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٥٠) من طريق هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب" إنما نعرفه من هذا الوجه.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
قلت: عبد الله بن سليمان النوفلي لم يرو عنه سوى هشام بن يوسف الصنعاني ولم يوثّقه أحد فهو مجهول. انظر: الميزان (٢/ ٤٣٢).
وكذلك لا يصح ما روي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "ألست مولاكم؟ ألست خيركم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "فإني فرط لكم على الحوض يوم القيامة، والله سائلكم عن اثنين، عن القرآن وعترتي".
رواه ابن أبي عاصم في السنة من وجهين (٧٤٠، ١٤٦٥) كلاهما عن إبراهيم بن محمد بن ثابت، حدثنا عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن جبير بن مطعم، فذكر الحديث. واللفظ للموضع الأول، وفي الموضع الثاني اختصره.
وفيه إبراهيم بن محمد بن ثابت الأنصاري ترجمه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٦٠/ ٢٦١) وقال: "مدني روى عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره مناكير، وذكر من طريق عمرو بن أبي سلمة أربعة
следующие страницы →