Полный текст (8 687 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
٢٥ - باب دعاء النبي ﷺ لجعفر بن أبي طالب
• عن عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقُثَم وعبيد الله ابني عباس ونحن صبيان نلعب، إذ مر النبي ﷺ على دابة، فقال: "ارفعوا هذا إليَّ" قال: فحملني أمامه، وقال لقثم: "ارفعوا هذا إليَّ" فجعله وراءه، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم، فما استحى من عمه أن حمل قثم وتركه، قال: ثم مسح على رأسي ثلاثا، وقال كلما مسح: "اللهم اخلُفْ جعفرا في ولده". قال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم؟ قال: استُشْهِدَ. قال: قلت: الله أعلم بالخير ورسوله بالخير. قال: أجل.
حسن: رواه أحمد (١٧٦٠)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٣٨، ١٠٨٤٥)، وصحّحه الحاكم (١/ ٣٧٢) كلهم من طريق ابن جريج، أخبرني جعفر بن خالد ابن سارة، أن أباه أخبره أن عبد الله بن جعفر قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل خالد ابن سارة، فإنه حسن الحديث.
٢٦ - باب أن جعفر بن أبي طالب ذو الجناحين
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة".
حسن: رواه الترمذي في المناقب (٣٧٦٣)، وأبو يعلى (٦٤٦٤)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٠٩) كلهم من طرق عن عبد الله بن جعفر المديني، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: فذكره. وهذا لفظ الترمذي.
ولفظ الآخرين بنحوه: "رأيت جعفر بن أبي طالب ملكا يطير مع الملائكة بجناحين في الجنة".
وقال الترمذي عقبه: "هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن جعفر، وقد ضعَّفه يحيى بن معين وغيره".
وصحّحه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: "المديني واه".
والحديث رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢١٢) من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: قال رسول الله ﷺ : "مَرَّ بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم أبيض الفؤاد".
رواه عنه محمد بن صالح بن هانئ، ثنا الحسن بن الفضل، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن المختار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.
وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه".
قلت: رجاله ثقات سوى عبد الله بن المختار، وقد وثّقه ابن معين والنسائي وابن حبان وغيرهم، وقال أبو حاتم: لا بأس به.
стр. 5987
وبهذين الطريقين يرتقي الحديث إلى درجة الحسن.
• عن الشعبي أن ابن عمر كان إذا سلَّم على ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٠٩) عن عمرو بن علي، ثنا يزيد بن هارون، أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي فذكره.
٢٧ - باب أن جعفر بن أبي طالب من أرحم الناس على المساكين
• عن أبي هريرة قال: إن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني، حين لا آكل الخمير، ولا ألبس الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية، هي معي، كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء، فنشقها فنلعق ما فيها.
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٠٨) عن أحمد بن أبي بكر، ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
ومن أخباره ما قاله أبو هريرة: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا، ولا لبس الكور من رجل بعد رسول الله ﷺ ، أفضل من جعفر بن أبي طالب، يعني في الجود والكرم.
رواه الترمذي (٣٧٦٤)، والنسائي في فضائل الصحابة (٥٤)، وأحمد (٩٣٥٣)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٤١، ٢٠٩) كلهم من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي هريرة فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
وقد صحّحه ابن حجر في الإصابة في ترجمة جعفر.
٢٨ - باب ما جاء في فضائل جُليبيب
• عن أبي برزة أن النبي ﷺ كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: "هل تفقدون من أحد؟ ". قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟ ". قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال: "هل تفقدون من أحد؟ ". قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبا، فاطلبوه". فطُلِبَ في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتى النبي ﷺ فوقف عليه فقال: "قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه". قال: فوضعه على ساعديه، ليس له إلا ساعدا النبي
стр. 5988
- ﷺ . قال: فحُفِرَ له ووُضِعَ في قبره. ولم يذكر غسلا.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٧٢) عن إسحاق بن عمر بن سليط، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن كنانة بن نعيم، عن أبي برزة فذكره.
• عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبا كان امرأ يدخل على النساء، يمر بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا يُدْخِلْنَ عليكم جليبيب، فإنه إن دخل عليكم لأفعلن ولأفعلن. قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيِّمٌ لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا، فقال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار: "زوِّجْني ابنتك" فقال: نعم وكرامة يا رسول الله، ونُعْمَ عيني. فقال. "إني لست أريدها لنفسي" قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: "لجليبيب" قال: فقال: يا رسول الله، أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسولُ الله ﷺ يخطب ابنتك. فقالت: نعم ونُعْمَة عيني. فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب. فقالت: أجليبيب إنيه؟ أجليبيب إنيه؟ أجليبيب إنيه؟ لا لعمر الله، لا نزوجه. فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله ﷺ ليخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ ادفعوني، فإنه لم يضيِّعْني. فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره، قال: شأنك بها، فزوجها جليبيبا.
قال: فخرج رسول الله ﷺ في غزوة له، قال: فلما أفاء الله عليه، قال لأصحابه: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نفقد فلانا، ونفقد فلانا. قال: "انظروا هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبا" قال: "فاطلبوه في القتل" قال: فطلبوه، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله، ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتاه النبي ﷺ ، فقام عليه، فقال: "قتل سبعة وقتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه" مرتين أو ثلاثا، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه، وحَفَر له، ما له سرير إلا ساعدا رسول الله ﷺ ، ثم وضعه في قبره، ولم يذكر أنه غسَّله.
قال ثابت: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. وحدَّث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتا، قال: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ قال: "اللهم! صب عليها الخير صبا، ولا تجعل عيشها كدّا كدّا" قال: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها.
صحيح: رواه أحمد في مسنده (١٩٧٨٤) عن عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن كنانة
стр. 5989
ابن نعيم العدوي، عن أبي برزة الأسلمي فذكره.
وفي هذه القصة من الفضيلة غير ما في صحيح مسلم دعاء النبي لجليبيب وزوجته بالخير.
• عن أنس قال: كان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له جُليبيب في وجهه دمامة، فعرض عليه رسول الله ﷺ التزويج فقال: إذا تجدني كاسدا. فقال: "غير أنك عند الله لست بكاسد".
حسن: رواه أبو يعلى (٣٣٤٣) عن محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا ديلم بن غزوان، حدثنا ثابت، عن أنس فذكره.
وإسناده حسن من أجل ديلم بن غزوان العبدي فإنه حسن الحديث.
وقوله: "كاسدا" أي غير مرغوب فيه.
• عن أنس قال: خطب النبي ﷺ على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها. فقال النبي ﷺ : "فنعم إذا" قال: فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: لا ها اللهِ إذا، أما وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيبا، وقد منعناها من فلان وفلان، قال: والجارية في سترها تستمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي ﷺ بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردوا على رسول الله ﷺ أمره؟ ! إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه، قال: فكأنها جلت عن أبويها، وقالا: صدقتِ. فذهب أبوها إلى النبي ﷺ ، فقال: إن كنت قد رضيته فقد رضيناه. قال: "فإني قد رضيته" فزوَّجَها.
ثم فَزعَ أهل المدينة، فركب جليبيب، فوجدوه قد قُتِلَ وحوله ناسٌ من المشركين قد قتلهم. قال أنس: فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق ثَيِّبٍ في المدينة.
صحيح: رواه أحمد (١٢٣٩٣)، عن عبد الرزاق - وهو في مصنفه (١٠٣٣٣) - حدثنا معمر، عن ثابت البناني، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح.
وصحّحه أيضا ابن حبان من هذا الوجه (٤٠٥٩).
٢٩ - فضل الحارث بن ربعي أبي قتادة الأنصاري
• عن أبي قتادة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء الله غدا". فانطلق الناس لا يلوى أحد على أحد. قال أبو قتادة: فبينما رسول الله ﷺ يسير حتى ابهارَّ الليل وأنا إلى جنبه. قال: فنعس رسول الله ﷺ ، فمال عن راحلته، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته. قال: ثم سار حتى تهوَّر الليل مال عن راحلته. قال: فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على
стр. 5990
راحلته. قال: ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأوليين حتى كاد ينجفل، فأتيته فدعمته، فرفع رأسه، فقال: "من هذا؟ ". قلت: أبو قتادة. قال: "متى كان هذا مسيرك مني؟ ". قلت: ما زال هذا مسيرى منذ الليلة. قال: "حفظك الله بما حفظت به نبيه". الحديث.
صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٨١ - ٣١١) عن شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان (يعني ابن المغيرة)، حدثنا ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة فذكره. والحديث بطوله مذكور في كتاب الأذان.
٣٠ - باب أن حارثة بن سراقة بن الحارث الأنصاري في جنة الفردوس
• عن حميد قال: سمعت أنسا يقول: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى ترى ما أصنع، فقال: "ويحك، أوهبلت، أوجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٨٢) عن عبد الله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق (هو إبراهيم بن محمد الفزاري)، عن حميد (هو الطويل)، عن أنس قال: فذكره.
قوله: "أصيب حارثة يوم بدر" هو ابن سراقة بن الحارث بن عدي الأنصاري، وأبوه سراقة له صحبة واستشهد يوم حنين، وأمه هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك.
٣١ - باب فضل حارثة بن النعمان
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "نمت، فرأيتني في الجنة، فسمعت صوت قارئ يقرأ، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا حارثة بن النعمان" فقال رسول الله ﷺ : "كذلك البر، كذلك البر"، وكان أبر الناس بأمه.
صحيح: رواه أحمد (٢٤٠٨٠، ٢٥١٨٢)، وصحّحه ابن حبان (٧٠١٤، ٧٠١٥)، والحاكم (٣/ ٢٠٨) كلهم من طرق عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح. وقد صحّحه ابن حجر في الإصابة (١٥٤٢) ترجمة حارثة بن النعمان.
٣٢ - باب ما جاء في أخبار حارثة بن النعمان
• عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن الرجل الذي مرَّ برسول الله ﷺ وهو يناجي جبريل ﵇، فزعم أبو سلمة أنه تجنب أن يدنو من رسول الله ﷺ تخوفا أن يسمع حديثه، فلما أصبح قال له رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تسلم إذ مررت بي
стр. 5991
البارحة؟ " قال: رأيتك تناجي رجلا، فخشيت أن تكره أن أدنو منكما. قال: "وهل تدري مَن الرجل؟ " قال: لا. قال: "فذلك جبريل - عيله السلام -، ولو سلمت لرد السلام".
وقد سمعت من غير أبي سلمة أنه حارثة بن النعمان.
صحيح: رواه أحمد (١٦١٢٩) عن عفان، حدثنا وهيب (هو ابن خالد)، حدثنا موسى بن عقبة، حدثني أبو سلمة فذكره. وإسناده صحيح.
روي عن حارثة بن النعمان قال: مررت على رسول الله ﷺ ، ومعه جبريل - عيله السلام - جالس في المقاعد، فسلمت عليه، ثم أجزت، فلما رجعت وانصرف النبي ﷺ ، قال: "هل رأيت الذي كان معي؟ " قلت: نعم. قال: "فإنه جبريل، وقد رد عليك السلام".
رواه أحمد (٢٣٦٧٧) عن عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٢٠٥٤٥) - أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرنا عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن حارثة بن النعمان فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣١٣): "رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح".
وقد صحَّح إسناده ابن حجر في الإصابة (١٥٤٢) ولكن قال ابن أبي حاتم في العلل (٢٦٠٩) سألت أبي عن حديث رواه معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عامر، عن جابر، عن النبي ﷺ أن حارثة بن النعمان مرَّ بالنبي ﷺ وهو يناجي جبريل ... فذكر الحديث.
قال أبي: وروى الزبيدي، فقال: عن الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أن حارثة مر برسول الله ﷺ ... مرسل، وهو الصحيح، الزبيدي أحفظ من معمر.
فقيل لأبي: الزبيدي أحفظ من معمر؟ !
قال: أتقن من معمر في الزهري وحده، فإنه سمع من الزهري إملاء، ثم خرج على الرصافة، فسمع أيضا منه.
قوله: "عن جابر" كذا في النسخ المطبوعة، ولعل الصواب "حارثة".
٣٣ - باب فضل حاطب بن أبي بلتعة
• عن عبيد الله بن أبي رافع - هو كاتب علي - قال: سمعت عليا ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها". قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة - إلى ناس بمكة من المشركين - يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "يا حاطب! ما هذا؟ ". قال: يا
стр. 5992
رسول الله، لا تعجل عليَّ، إني كنت امرءا ملصقا في قريش، يقول: كنت حليفا ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه قد صدقكم". فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم". فأنزل الله سورة الممتحنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٢٧٤)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٩٤ - ١٦١) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني الحسن بن محمد، أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يقول: سمعت عليا يقول: فذكره.
قوله: "الظعينة": المرأة.
وقوله: "بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد" وفي رواية عند البخاري ومسلم "ومرثد الغنوي" بدل "المقداد".
قال الحافظ: "فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه فذكر أحد الراويين عن علي ما لم يذكر الآخر" أهـ، الفتح (٧/ ٥٢٠).
• عن جابر أن عبدا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ : "كذبت، لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية".
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢١٩٥) من طرق، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
٣٤ - باب ما جاء في فضائل حذيفة بن اليمان
• عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هُزِمَ المشركون هزيمة بيِّنة، فصاح إبليس: أي عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم على أخراهم، فاجتلدت أخراهم، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه، فنادى: أي عباد الله أبي أبي، فقالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه. فقال: حذيفة غفر الله لكم. قال أبي (يعني به هشام أباه عروة): فوالله! ما زالت في
стр. 5993
حذيفة منها بقية خير حتى لقي الله .
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٢٤) عن إسماعيل بن خليل، أنا سلمة بن رجاء، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته.
وفي لفظ: "فقال حذيفة: غفر الله لكم، قال عروة: فما زالت في حذيفة ... ".
رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٩٠) من وجه آخر عن هشام به.
قوله: "فوالله ما زالت في حذيفة منها" أي: من أجل هذه الكلمة وسببها وهي قول حذيفة: "غفر الله لكم" بالإضافة إلى تصدقه دية أبيه على المسلمين.
وقوله: "أخراكم" أي: احترزوا أخراكم وانصروهم، وعلى هذا يكون الخطاب للمسلمين، أو أن المعنى: اقتلوا أخراكم، فإنهم المشركون الذين هجموا عليكم ولحقوا بكم، وهذا كله من باب التلبيس والتغليط، وقد وقعوا في ذلك، فاختلطت السيوف فقتل بعضهم بعضا، وممن قُتِل في ذلك: اليمان والد أبي حذيفة.
• عن يزيد بن شريك التميمي قال: كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ ". فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، ثم قال: "ألا برجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ ". فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، ثم قال: "ألا برجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ ". فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، فقال: "قم يا حذيفة! فأتنا بخبر القوم". فلم أجد بدا، إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال: "اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ". فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ﷺ : "ولا تذعرهم علي". ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفرغت قررت، فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: "قم يا نومان".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٨٨: ٩٩) عن زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم جميعا عن جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التميمي، عن أبيه (يزيد بن شريك) قال: فذكره.
روي عن حذيفة قال: قالوا: يا رسول الله، لو استخلفت. قال: "إن استخلف عليكم فعصيتموه عذبتم، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه، وما أقرأكم عبد الله فاقرؤوه" قال عبد الله:
стр. 5994
فقلت لإسحق بن عيسى: يقولون هذا عن أبي وائل. قال: لا، عن زاذان إن شاء الله.
رواه الترمذي (٣٨١٢) عن عبد الله بن عبد الرحمن (هو الدارمي)، أخبرنا إسحاق بن عيسى، عن شريك، عن أبي اليقظان (هو عثمان بن عمير)، عن زاذان، عن حذيفة فذكره. وقال: "هذا حديث حسن، وهو حديث شريك".
وأبو اليقظان عثمان بن عمير ضعيف باتفاق أهل العلم، وشريك سيء الحفظ وقد تفرد.
• عن حذيفة قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فصليتُ معه المغرب، فصلى حتى صلّى العشاء ثم انتقل فتتبعتُه، فسمع صوتي فقال: "من هذا؟ حذيفة؟ ". قلت: نعم، قال: "ما حاجتُك غفر الله لك ولأمِّك". قال: "إن هذا ملك لم ينزل الأرض قطّ قبل هذه اللّيلة، استأذن ربّه أن يُسلم عليَّ ويُبشرني بأنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأنّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٧٨١) عن عبد الله بن عبد الرحمن، وإسحاق بن منصور، قالا: أخبرنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زرّ بن حبيش، عن حذيفة في حديث أطول منه، وهو مذكور في أبواب النوافل.
قال الترمذيّ: "حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل".
قلت: وهو كذلك فإن ميسرة بن حبيب، وشيخه المنهال بن عمرو "صدوقان".
٣٥ - باب فضائل حرملة بن زيد
• عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ إذ جاءه حرملة بن زيد فجلس بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، الإيمان ههنا، وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق ههنا، وأشار بيده إلى صدره، ولا يذكر الله إلا قليلا، فسكت عنه النبي ﷺ ، فردد ذلك عليه وسكت حرملة، فأخذ النبي ﷺ بطرف لسان حرملة فقال: "اللهم اجعل له لسانا صادقا، وقلبا شاكرا، وارزقه حبي وحب من يحبني، وصير أمره إلى الخير" فقال حرملة: يا رسول الله، إن لي إخوانا منافقين، كنت فيهم رأسا، أفلا أدلك عليهم؟ فقال النبي ﷺ : "لا من جاءنا كما جئتنا استغفرنا له كما استغفرنا لك، ومن أصر على ذنبه فالله أولى به، ولا تخرق على أحد سترا".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٤/ ٥ - ٦)، وابن مندة في معرفة الصحابة (١/ ٣٨٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٨٦٤) كلهم من طريق الهيثم بن خارجة، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي ذبحة، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر فذكره.
стр. 5995
و"أبو ذبحة" ورد عند ابن مندة "أبو دلجة" وورد عند ابن كثير في جامع المسانيد (٢١١٠) "أبو ذبيحة" فلعله حصل تحريف فيه.
ولم أقف على ترجمته في المصادر إلا أن الهيثمي قال في المجمع (٩/ ٤١٠): "رجاله رجال الصحيح" ولم ينسبه إلى أحد.
وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (١٦٧٤) بعد أن نسبه إلى الطبراني: "وإسناده لا بأس به، وأخرجه ابن مندة أيضا".
وإسناده حسن لقول الهيثمي وابن حجر، وإن لم أقف على ترجمة أبي دلجة.
٣٦ - باب ما جاء في فضائل حسان بن ثابت
• عن أبي هريرة، أن عمر مرَّ بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللهم! أيده بروح القدس". قال: اللهم! نعم.
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢١٢)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٥ - ١٥١) كلاهما من طرق عن سفيان بن عيينة، ثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: فذكره.
وهذا لفظ مسلم، وسياق البخاري نحوه، إلا أن البخاري لم يذكر في سنده أبا هريرة ولكن ورود ذكر أبي هريرة في المتن يدل على أن سعيدا سمعه منه.
• عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة: أنشدك الله، هل سمعت النبي ﷺ يقول: "يا حسان، أجب عن رسول الله ﷺ , اللهم! أيده بروح القدس" قال أبو هريرة: نعم.
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٥٣) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٥ - ١٥٢) كلاهما من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة فذكره.
• عن عائشة قالت: استأذن حسان النبي ﷺ في هجاء المشركين، قال: "كيف بنسبي؟ " فقال حسان: لأسُلَّنَّك منهم كما تُسَلُّ الشعرةُ من العجين.
وعن أبيه قال: ذهبت أسُبُّ حسان عند عائشة، فقالت: لا تَسُبَّه، فإنه كان ينافح عن النبي ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٥٣١) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٩) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته.
وفي لفظ قال حسان: يا رسول الله، ائذن لي في أبي سفيان، قال: "كيف بقرابتي منه؟ " قال: والذي أكرمك لأسُلَّنَّك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من الخمير، فقال حسّان:
стр. 5996
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم، ووالدك العبد
قصيدته هذه.
رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٩) عن يحيى بن يحيى، أنا يحيى بن زكريا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال حسان فذكره.
قال النووي في شرحه (١٦/ ٤٧ - ٤٨): "وبعد هذا بيت لم يذكره مسلم، وبذكره تتم الفائدة والمراد، وهو:
ومن ولدت أبناء زهرة منهمو ... كرام ولم يقرب عجائزك المجد
المراد ببنت مخزوم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أم عبد الله والزبير وأبي طالب، ومراده بأبي سفيان هذا المذكور المهجو: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي ﷺ ، وكان يؤذي النبي ﷺ والمسلمين في ذلك الوقت، ثم أسلم وحسن إسلامه، وقوله: ولدت أبناء زهرة منهم مراده: هالة بنت وهب بن عد مناف أم حمزة وصفية، وأما قوله: ووالدك العبد فهو سبٌّ لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه أن أم الحارث بن عبد المطلب والدة أبي سفيان هذا هي: سمية بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث كانت كذلك، وهو مراده بقوله: ولم يقرب عجائزك المجد" أهـ.
وفي لفظ عن عروة: "أن حسَّان بن ثابت كان ممن كثَّر على عائشة، فسببتُه، فقالت: يا ابن أختي، دَعْه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ ".
رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٧) من طرق، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، أن حسان فذكره.
• عن مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرا، يشبب بأبيات له، فقال:
حصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ ... وتُصبح غَرْثىَ من لحوم الغوافل
فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك. قال مسروق: فقلت لها: لِمَ تأذنين له يدخل عليك؟ وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] فقالت: وأي عذاب أشد من العمي؟ إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٤٦) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٨) كلاهما عن بشر بن خالد، أنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: فذكره. وهذا لفظ مسلم ولفظ البخاري نحوه.
стр. 5997
• عن البراء قال: قال النبي ﷺ لحسان: "اهجهم أو هاجهم، وجبريل معك".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢١٣) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٦) كلاهما من طريق شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء قال: فذكره.
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "اهجوا قريشا، فإنه أشد عليها من رشق بالنبل" فأرسل إلى ابن رواحة فقال: "اهجهم" فهجاهم فلم يُرْضِ، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم. فقال رسول الله ﷺ : "لا تعجل" فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا، حتى يلخص لك نسبي". فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق، لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.
قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله".
وقالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هجاهم حسان فشفى واشتفى".
قال حسان:
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمدا برا تقيا ... رسول الله شيمته الوفاء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
ثكلت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كنفي كداء
يبارين الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتمو عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لضراب يوم ... يعز الله فيه من يشاء
وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ليس به خفاء
стр. 5998
وقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٩٠) عن عبد الملك بن شعيب بن الليث، ثني أبي، عن جدي، ثني خالد بن يزيد، ثني سعيد بن أبي هلال، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة فذكرته.
٣٧ - باب ما جاء في فضل الحسن بن علي، وأنه سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين
هو الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، سبط رسول الله ﷺ ، ولد في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة.
قال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عون بن موسى، سمعت هلال بن خبّاب قال: جمع الحسن رؤوس أهل العراق في هذا القصر، قصر المدائن فقال: "إنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا وأطيعوا".
ومات سنة تسع وأربعين على الصحيح، وقيل: غير ذلك، ودفن بالبقيع.
ويقال: إنه مات مسموما ... الإصابة (٢/ ٥٤٣).
• عن الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية: - وكان والله خير الرجلين - أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم، فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما، وقالا له، فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول
стр. 5999
الله ﷺ على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، ويقول: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" قال أبو عبد الله: قال لي علي بن عبد الله: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث.
صحيح: رواه البخاري في الصلح (٢٧٠٤) عن عبد الله بن محمد، ثنا سفيان، عن أبي موسى قال: سمعت الحسن يقول: فذكره.
وفي لفظ: "لما سار الحسن بن علي ﵄ إلى معاوية بالكتائب، قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كتيبة لا تولي حتى تدبر أخراها. قال معاوية: من لذراري المسلمين؟ فقال: أنا. فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: نلقاه فنقول له الصلح ... " ثم ذكر حديث أبي بكرة.
رواه البخاري في الفتن (٧١٠٩) عن علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا إسرائيل أبو موسى به.
• عن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب، والحسن بن علي على فخذه ويقول: "إني لأرجو أن يكون ابني هذا سيدا، وإني لأرجو أن يصلح الله به بين فئتين من أمتي".
حسن: رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢٥٣)، والبزار في مسنده (٦٦٦٤) كلاهما من طريق عن خالد بن الحارث، حدثنا أشعث، عن الحسن (هو البصري)، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، يعني أنسا قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل أشعث (هو ابن عبد الله بن جابر) فإنه حسن الحديث.
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٧٨): "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح".
• عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: كنا مع أبي هريرة، فجاء الحسن بن علي فسلَّم عليه، فرد عليه القوم ومضى، وأبو هريرة لا يعلم، فقيل له: هذا حسن بن علي يسلم، فلحقه فقال: وعليك يا سيدي، فقيل له: تقول: يا سيدي؟ فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قال: "إنه سيد".
حسن: رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢٥٠)، وأبو يعلى (٦٥٦١)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٤) كلهم من طريق زيد بن الحباب، ثنا محمد بن صالح التمار المدني، حدثنا مسلم بن أبي مريم، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن صالح التمار، فإنه حسن الحديث.
وقوله: "أبو هريرة لا يعلم" أي: لم يعلم بسلامه.
стр. 6000
٣٨ - باب ما جاء في محبة النبي ﷺ للحسن بن علي وأخباره
• عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي ﷺ والحسن على عاتقه يقول: "اللهم! إني أُحِبُه فأَحِبَّه".
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٤٩)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٢٢ - ٥٨) كلاهما من طريق شعبة، عن عدي - هو ابن ثابت -، ثنا البراء بن عازب قال: فذكره.
• عن أبي هريرة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار، لا يكلمني ولا أكلمه، حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف، حتى أتى خباء فاطمة فقال: "أثم لكع، أثم لكع؟ ". يعني حسنا، فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا، فلم يلبث أن جاء يسعى، حتى اعتنق كل واحد منها صاحبه، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم! إني أُحِبَّه فَأَحِبَّه، وأَحْبِبْ من يحبُّه".
متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢١٢٢)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٢١ - ٥٧) كلاهما من طريق سفيان (هو ابن عيينة)، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي هريرة قال: فذكره، والسياق لمسلم.
• عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسنَ، فيقول: "اللهم! أَحِبَّهما فإني أُحبُّهما".
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٣٥) عن موسى بن إسماعيل، ثنا معتمر، قال: سمعت أبي، ثنا أبو عثمان، عن أسامة بن زيد فذكره.
• عن زهير بن الأقمر قال: بينما الحسن بن علي يخطب بعد ما قتل عليٌّ، إذ قام رجل من الأزد آدم طوال، فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ واضعه في حبوته، يقول: "من أحبَّني فليحبّه، فليبلِّغ الشاهد الغائب "ولولا عزمة رسول الله ﷺ ما حدَّثْتُكم.
حسن: رواه أحمد (٢٣١٠٦) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة (هو الجملي)، عن عبد الله بن الحارث (هو الزبيدي)، عن زهير بن الأقمر قال: فذكره. ومن هذا الوجه صحّحه الحاكم (٣/ ١٧٣ - ١٧٤).
وإسناده حسن من أجل زهير بن الأقمر فإنه حسن الحديث، فقد وثّقه النسائي وابن حبان والعجلي.
وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ١٧٦) وقال: "رواه أحمد وفيه من لم أعرفه".
ورجال الإسناد كلهم معروفون غير الصحابي، فلعله يريد به الصحابي، وجهالة الصحابة لا تضر.
• عن معاوية قال: رأيت رسول الله ﷺ يَمَصُّ لسانه - أو قال: شفته، يعني الحسن
стр. 6001
ابن علي صلوات الله عليه - وإنه لن يُعذَّب لسان أو شفتان مصَّهما رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه أحمد (١٦٨٤٨) عن هاشم بن القاسم، حدثنا حريز (هو ابن عثمان الرحبي)، عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي، عن معاوية فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٧٧): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن أبي عوف وهو ثقة".
• عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن ىلي.
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٥٢) عن إبراهيم بن موسى، أنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن الزهري، أخبرني أنس قال: فذكره.
• عن أبي جحيفة قال: رأيت النبي ﷺ وكان الحسن يشبهه.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٥٤٣) عن أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا إسماعيل - هو ابن أبي خالد -، عن أبي جحيفة قال: فذكره.
• عن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر ﵁ وحمل الحسن وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي، ليس شبيها بعلي، وعلي يضحك.
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٥٠) عن عبدان، أنا عبد الله، أني عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث فذكره.
وفي لفظ: "صلَّى أبو بكر العصر، ثم خرج يمشي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه وقال: فذكره. رواه البخاري في المناقب (٣٥٤٢) عن أبي عاصم، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين به.
• عن علي بن أبي طالب قال: خطبت إلى النبي ﷺ ابنته فاطمة، قال: فباع علي درعا له، وبعض ما باع من متاعه، فبلغ أربع مائة وثمانين درهما، قال: وأمر النبي ﷺ أن يجعل ثلثيه في الطيب، وثلثا في الثياب، ومجَّ في جرة من ماء، فأمرهم أن يغتسلوا به، قال: وأمرها أن لا تسبقه برضاع ولدها، قال: فسبقته برضاع الحسين وأما الحسن فإن النبي ﷺ صنع في فيه شيئا لا ندري ما هو. فكان أعلم الرجلين.
صحيح: رواه أبو يعلى (٣٥٣) - ومن طريقه الضياء في المختارة (٦٨٤) - وابن سعد في الطبقات (٨/ ٢١) كلاهما من طريق المنذر بن ثعلبة، عن علباء بن أحمر، عن علي قال: فذكره. وإسناده صحيح.
وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ١٧٥) وقال: "رواه أبو يعلى ورجاله ثقات".
стр. 6002
تنبيه: ورد في طبقات ابن سعد أنه "باع بعيرا" والبعير من جملة المتاع فلا إشكال فيه.
• عن عبد الله بن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر يخطب الناس، فخرج الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه في عنقه خرقة يجرها، فعثر فيها فسقط على وجهه، فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر يريده، فلما رآه الناس أخذوا الصبي فأتوه به، فحمله، فقال: "قاتل الله الشيطان، إن الولد فتنة، والله ما علمت أني نزلت عن المنبر حتى أوتيت به".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٣/ ٣٣ - ٣٤) عن عبد الله بن علي الجارودي النيسابوري، ثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن زيد بن أبي العتاب، عن عبيد بن جريج، عن عبد الله بن عمر فذكره.
وإسناده حسن من أجل أحمد بن حفص (هو ابن عبد الله بن راشد السلمي)، وأبيه، وعباد بن إسحاق (واسمه: عبد الرحمن، وعباد لقب له)، فإن هؤلاء كلهم حسن الحديث.
روي عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ حامل الحسن بن علي على عاتقه، فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي ﷺ : "ونعم الراكب هو".
رواه الترمذي (٣٧٨٤) عن محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وزمعة بن صالح قد ضعَّفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه".
وهو كما قال، فإن زمعة بن صالح ضعيف باتفاق أهل العلم.
وأما الحاكم فقد صحّحه من هذا الوجه (٣/ ١٧٠) فتعقبه الذهبي بقوله: "لا". يعني لا يصح.
٣٩ - باب ما جاء في فضل الحسين بن علي
• عن جابر بن عبد الله قال: "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي" فإني سمعت رسول الله ﷺ يقوله.
حسن: رواه أحمد في فضائل الصحابة (١٣٧٢)، وأبو يعلى (١٨٧٤)، وصحّحه ابن حبان (٦٩٦٦) كلهم من طريق الربيع بن سعد الجعفي، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله فذكره.
ولفظ أحمد: "من أحب أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة"
وإسناده حسن من أجل الربيع بن سعد - ويقال: سعيد - الجعفي فإنه حسن الحديث.
إلا أن ابن معين أعله بالإرسال، فقال عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من جابر، كما ذكره ابن أبي حاتم في مراسيله (ص: ١٢٨).
стр. 6003
لكن قال البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣٠١ - ٣٠٢): إنه سمع جابرا.
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٢٤٠): "حديثه عن جابر بن عبد الله متصل".
وقال ابن حجر في الإصابة (٦٧١٨): إنه أدرك جابرا.
وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ١٨٧) وقال: "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعد وقيل ابن سعيد وهو ثقة".
ورواه الطبراني في الكبير (٣/ ٣٩) والبزار - كشف الأستار - (٢٦٣٦) كلاهما من طريق جابر (هو ابن يزيد الجعفي)، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة".
واقتصر البزار على ذكر الحسن ولم يذكر الحسين.
وجابر الجعفي ضعيف باتفاق أهل العلم.
وبه أعله الهيثمي في المجمع (٩/ ١٧٨).
• عن يعلى بن مُرَّة أنهم خرجوا مع النبي ﷺ إلى طعام دُعوا له. فإذا حسين يلعب في السكة. قال: فتقدم النبي ﷺ أمام القوم وبسط يديه. فجعل الغلام يفر ههنا وههنا. ويضاحكه النبي ﷺ حتى أخذه. فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى في فأس رأسه فقبَّله. وقال: "حسين مني وأنا من حسين. أحبَّ الله من أحبَّ حسينا. حسين سبط من الأسباط".
حسن: رواه الترمذي (٣٧٧٥)، وابن ماجه (١٤٤) - والسياق له -، وأحمد (١٧٥٦١)، وصحّحه ابن حبان (٦٩٧١)، والحاكم (٣/ ١٧٧) كلهم من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مرة فذكره.
وسعيد بن أبي راشد لم يرو عنه غير عبد الله بن عثمان بن خُثيم، ولم يوثّقه غير ابن حبان، ولذا قال فيه ابن حجر: "مقبول" يعني حيث يتابع، وقد توبع.
رواه البخاري في الأدب المفرد (٣٦٤)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٠٨)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٠) كلهم من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن يعلى بن مرة قال: كنا مع رسول الله ﷺ فدعينا إلى طعام، فإذا الحسين يلعب في الطريق، فأسرع النبي ﷺ أمام القوم، ثم بسط يديه، فجعل الحسين يمر مرة هاهنا ومرة هاهنا، يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه، والأخرى بين رأسه وأذنيه، ثم اعتنقه فقبَّله، ثم قال رسول الله ﷺ : "حسين مني وأنا منه، أحبَّ الله من أحبَّه، الحسن والحسين سبطان من الأسباط".
وعبد الله بن صالح هو أبو صالح المصري كاتب الليث مختلف فيه إلا أنه حسن الحديث عند المتابعة، وكذا شيخه معاوية بن صالح (هو ابن حدير الحمصي).
стр. 6004
وبهذه المتابعة يرتقي الحديث إلى درجة الحسن إن شاء الله.
وقد حسَّنه الترمذي فقال: "هذا حديث حسن".
• عن أنس بن مالك قال: أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين ﵇، فجعل في طست، فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ ، وكان مخضوبا بالوسمة.
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٤٨) عن محمد بن الحسين بن إبراهيم، ثني حسين بن محمد، ثنا جرير، عن محمد، عن أنس بن مالك فذكره.
٤٠ - باب ما جاء في فضل حمزة بن عبد المطلب
• عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الشهداء عند الله حمزة بن عبد المطلب".
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٩٢٢) عن أحمد (يعني ابن يحيى الحلواني)، حدثنا عمار بن نصر، حدثنا حكيم بن زيد، عن إبراهيم الصائغ، عن عكرمة، عن جابر بن عبد الله فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمار بن نصر وشيخه حكيم بن زيد، وشيخه إبراهيم بن ميمون بن الصائغ، فإن كل هؤلاء حسن الحديث.
وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن حكيم بن زيد المروزي فقال: صالح وهو شيخ. الجرح والتعديل (٣/ ٢٠٥).
وأما الأزدي فأفرط فيه، فقال: فيه نظر، كما نقله الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٦٨).
وبمعناه روي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب". رواه الطبراني في الكبير (٣/ ١٦٥) من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن علي بن الحزوَّر، حدثنا الأصبغ بن نباتة قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: فذكره. وإسناده واه جدا.
فإن علي بن الحزوّر وأصبغ بن نباتة متروكان، وبالأول أعله الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٦٨)، ولكن اشتهر حمزة بن عبد المطلب بهذا اللقب، كما هو مذكور في كتب السير والتراجم، وهو به جدير.
٤١ - باب في فضل خالد بن الوليد وأخباره
• عن أنس أن النبي ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، - وعيناه تذرفان - حتى أخذها سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم".
صحيح: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٥٧) وفي المغازي (٤٢٦٢) عن أحمد بن
стр. 6005
واقد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس فذكره.
وقوله: "حتى فتح الله عليهم" المراد بالفتح هنا هو انحياز خالد بن الوليد بعسكر المسلمين بحكمته السياسية عن موقع القتال بحيث لم يشعر الكفار بضعف المسلمين، ووصولهم سالمين المدينة النبوية، من أجل ذلك عبَّر بالفتح، والله أعلم.
• عن أبي قتادة فارس رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال - في قصة غزوة مؤتة -: "ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء هو أمَّر نفسه" فرفع رسول الله ﷺ أصبعيه وقال: "اللهم هو سيف من سيوفك فانصره".
حسن: رواه النسائي (٨١٥٩)، وأحمد (٢٢٥٥١)، وصحّحه ابن حبان (٧٠٤٨) كلهم من طرق عن الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح، فوجدته قد اجتمع إليه ناس من الناس، قال: حدثنا أبو قتادة فذكره. وإسناده حسن من أجل خالد بن سمير، فإنه حسن الحديث.
• عن عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله ﷺ جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة، "فإن قُتل زيد - أو استشهد - فأميركم جعفر، فإن قُتل - أو استشهد - فأميركم عبد الله بن رواحة" فلقوا العدو، فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قُتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قُتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قُتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، ففتح الله عليه، وأتى خبرهم النبي ﷺ ، فخرج إلى الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قُتل - أو استشهد -، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قُتل - أو استشهد -، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قُتِل - أو استشهد -، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد، ففتح الله عليه" الحديث.
صحيح: رواه أحمد (١٧٥٠)، والنسائي في الكبرى (٨٥٥٠) كلاهما من طريق وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر فذكره. وإسناده صحيح.
وبقية الحديث مذكور في كتاب الجنائز في التعزية.
• عن أبي العجفاء قال: قيل لعمر بن الخطاب: لو عهدت يا أمير المؤمنين؟ قال: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح ثم وليته، ثم قدمت على ربي، فقال لي: لِمَ استخلفته على أمة محمد؟ قلت: سمعت عبدك وخليلك يقول: "لكل أمة أمين، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح"، ولو أدركت خالد بن الوليد ثم وليته، ثم قدمت على ربي، فقال لي: من استخلفت على أمة محمد؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول
стр. 6006
لخالد: "سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين".
حسن: رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦٩٧) والشاشي في مسنده (٦١٧) - والسياق له - كلاهما من طريق ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن أبي العجفاء فذكره.
أبو العجفاء هو السلمي البصري، قيل: اسمه هرِم بن نسيب، وقيل: بالعكس. وهو مختلف فيه، فوثّقه ابن معين والدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال البخاري: "في حديثه نظر"، وقال أبو أحمد الحاكم: "حديثه ليس بالقائم". وقال يعقوب الفسوي: "أبو العجفاء مجهول لا يُدرى من هو"وحكم على هذا الحديث بأنه باطل. المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨).
كذا قال: ولم أعرف وجه بطلان هذا الحديث، وأما أبو العجفاء فقد عرفت أنه مختلف فيه، فلو ذهب ذاهب إلى تحسينه لم يجنب الصواب.
• عن أبي هريرة قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ منزلا، فجعل الناس يمرون، فيقول رسول الله ﷺ : "من هذا يا أبا هريرة؟ " فأقول: فلان. فيقول: "نعم عبد الله هذا" ويقول: "من هذا؟ " فأقول: فلان. فيقول: "بئس عبد الله هذا"، حتى مر خالد بن الوليد فقال: "من هذا؟ " فقلت: هذا خالد بن الوليد، فقال: "نعم عبد الله خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله".
حسن: رواه الترمذي (٣٨٤٦) عن قتيبة، حدثنا الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة فذكره.
وقال: "هذا حديث غريب، ولا نعرف لزيد بن أسلم سماعا من أبي هريرة، وهو عندي حديث مرسل".
وكذلك قال أيضا ابن معين: "لم يسمع زيد من أبي هريرة". انظر: جامع التحصيل (٢١١).
ورواه ابن أبي شيبة (٣٢٩٢٩) عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: هبطت مع رسول الله ﷺ من ثنية هرشى فانقطع شسعه فناولته نعلي فأبى أن يقبلها، وجلس في ظل شجرة ليصلح نعله، فقال لي: "انظر من ترى؟ " قلت: هذا فلان بن فلان، قال: "بئس عبد الله فلان"، ثم قال لي: "انظر من ترى؟ " قلت: هذا فلان، قال: "نعم عبد الله فلان" والذي قال له: "نعم عبد الله فلان". خالد بن الوليد.
وأبو معشر هو: نجيح بن عبد الرحمن السندي ضعيف الحديث.
والحديث بهذين الإسنادين يرتقي إلى درجة الحسن إن شاء الله.
وبمعناه رواه أحمد (٤٣) عن علي بن عياش، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جده وحشي بن حرب أن أبا بكر ﵁ عقد لخالد بن الوليد على
стр. 6007
قتال أهل الردة، وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، وسيف من سيوف الله، سلَّه الله على الكفار والمنافقين". ورواه البزار في مسنده (٨٣) عن وحشي بن حرب بن وحشي بإسناده مختصرا.
وحرب بن وحشي لم يرو عنه إلا ابنه، ولم يوثّقه غير ابن حبان، فذكره في ثقاته على قاعدته.
وقال البزار: "عنده أحاديث مناكير لم يروها غيره، وهو مجهول في الرواية، وإن كان معروفا في النسب".
وأما وحشي بن حرب ابنه فهو مستور كما في التقريب، وذكره ابن حبان والعجلي في ثقاتهما على قاعدتهما في توثيق المجاهيل.
وبمعناه روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: شكى عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد لِمَ تؤذي رجلا من أهل بدر؟ لو أنفقت مثل أحد ذهبا لم تدرك عمله" فقال: يا رسول الله، يقعون فيَّ فأرد عليهم، فقال رسول الله ﷺ : "لا تؤذوا خالدا؟ فإنه سيف من سيوف الله، صبَّه الله على الكفار". إلا أنه مرسل.
رواه عبد الله بن أحمد في زوائد الفضائل (١٣)، وصحّحه ابن حبان (٧٠٩١)، والحاكم (٣/ ٢٩٨) كلهم من طريق أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم بن سليمان بن رزين، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن أبي أوفى فذكره.
وخالفه عبد الله بن إدريس فرواه عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي مرسلا، وهو الذي رجحه أبو زرعة، كما في العلل (٢٥٨٥)، وتعقب الذهبي في تلخيص المستدرك على الحاكم فقال: "رواه ابن إدريس عن ابن أبي خالد، عن الشعبي مرسلا، وهو أشبه".
قلت: وهو كما قال، فإن عبد الله بن إدريس ثقة فقيه، ولا يقبل مخالفة إبراهيم بن سليمان له، وإن كان وثّقه جماعة من أهل العلم، فقد رواه أيضا محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن خالد مرسلا، كما في فضائل الصحابة (١٢، ١٤٨٤).
ومن أخبار خالد بن الوليد ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد، عن حماد بن زيد، حدثنا عبد الله بن المختار، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، ثم شك حماد في أبي وائل قال: لما حضرت خالدا الوفاة قال: لقد طلبت القتل مظانّه، فلم يقدّر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتّها وأنا متتَرِّس، والسماء تَهُلُّنِي ننتظر الصبح حتى نُغير على الكفار، ثم قال: إذا أنا متّ فانظروا في سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله، فلما توفي خرج عمر على جنازته فقال: ما على نساء آل الوليد أن يسفحن على خالد دموعهن، ما لم يكن نقعا أو لقلقة.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن أبي بهدلة فإنه حسن الحديث.
стр. 6008
وفي الحديث دليل على أن موته كان بالمدينة، ولكن المشهور أنه مات بحمص ودفن بقرية على ميل من حمص، كما قال ابن عبد البر في الاستيعاب.
فإذا صحّ هذا فقوله: "خرج عمر على جنازته". وهم من الراوي، والصحيح: فلما توفي خالد، خرج عمر على الناس فقال. والله تعالى أعلم.
٤٢ - باب ما جاء في خريم بن فاتك الأسدي
• عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره". فبلغ ذلك خريما، فجعل يأخذ شفرة، فيقطع بها شعره إلى أنصاف أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه.
قال - يعني الراوي -: فأخبرني أبي قال: دخلت بعد ذلك على معاوية، فإذا عنده شيخ جمته فوق أذنيه، ورداؤه إلى ساقيه، فسألت عنه فقالوا: هذا خريم الأسدي. الحديث.
حسنْ رواه أبو داود (٤٠٨٩)، وأحمد (١٧٦٢٢) كلاهما من حديث عبد الملك بن عمرو أبي عامر، قال: حدثنا هشام بن سعد، قال: حدثنا قيس بن بشر التغلبي، قال: أخبرني أبي - وكان جليسا لأبي الدرداء - قال أبو الدرداء فذكره في حديث طويل مذكور في كتاب اللباس.
وإسناده حسن من أجل بشر التغلبي والد قيس، وهو بشر بن قيس التغلبي وهو صدوق كما قال الحافظ، ولم يظهر من ترجمته في التهذيب أي جرح فيه، ومن أجل ابنه قيس وهو من رجال الصحيح، قال فيه أبو حاتم: "ما أرى بحديثه بأسا".
٤٣ - باب في فضل خزيمة بن ثابت الأنصاري وأخباره
• عن زيد بن ثابت قال: نسخت الصحف في المصاحف، ففقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين، وهو قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
صحيح: رواه البخاري في الجهاد والسير (٢٨٠٧) من طرق عن الزهري، عن خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت قال: فذكره.
والسبب الذي من أجله جعل شهادته شهادة رجلين في الحديث الآتي:
• عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدَّثه، وهو من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، وأسرع النبي ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا
стр. 6009
يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله ﷺ فقال: إن كت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته. فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي فقال: "أوليس قد ابتعته منك؟ ". فقال الأعرابي: لا والله ما بعتك. فقال النبي ﷺ : "بلى قد ابتعته منك". فطفق الأعرابي يقول: هلمَّ شهيدا. فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي ﷺ على خزيمة، فقال: "بِمَ تشهد؟ ". فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
صحيح: رواه أبو داود (٣٦٠٧)، والنسائي (٤٦٤٨)، وأحمد (٢١٨٨٣)، والحاكم (٢/ ١٧ - ١٨) والبيهقي (١٠/ ١٤٥ - ١٤٦) كلهم من طرق عن الزهري، أخبره عن عمارة بن خزيمة فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ورجاله باتفاق الشيخين ثقات، وعمارة بن خزيمة سمع هذا الحديث عن أبيه أيضا".
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده كما في المطالب العالية (٤٠١٩) عن زيد بن الحباب، حدثني محمد بن زرارة بن خزيمة، حدثنا عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ اشترى فرسا من سواء بن قيس المحاربي، فجحده، فشهد له خزيمة بن ثابت، فقال له رسول الله ﷺ : "ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضرا؟ " فقال ﵁: صدقتك بما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقا، فقال رسول الله ﷺ : "من شهد له خزيمة أو عليه فهو حسبه".
ومن هذا الوجه صحّحه الحاكم (٢/ ١٨).
ومحمد بن زرارة هو: ابن عبد الله بن خزيمة، لم يرو عنه غير زيد بن الحباب، وذكره ابن حبان في الثقات، وترجم له البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا.
وتفرد محمد بن زرارة بهذا اللفظ، وهو قوله: "من شهد له خزيمة أو عليه فهو حسبه".
• عن خزيمة بن ثابت قال: إنه مرَّ على النبي ﷺ وقد اشترى فرسا من أعرابي فجحده الأعرابي البيع، فقال: لم أبعك، فقال النبي ﷺ : "قد بعتني"، فمرَّ عليهم خزيمة بن ثابت ﵁ فسمع قولهما، فقال: أنا أشهد أنك بعت، فقال له النبي ﷺ : "وما علمك بذلك ولم تشهدنا؟ " فقال: قد شهدنا على ما هو أعظم من ذلك، فأجاز النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين حتى مات خزيمة.
حسن: رواه ابن أبي عمر في مسنده كما في المطالب العالية (٤٠١٩) عن حسين الجعفي (هو: ابن علي بن الوليد الكوفي)، عن زائدة، ثنا أبو فروة الجهني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن خزيمة بن ثابت قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي فروة الجهني (واسمه: مسلم بن سالم الكوفي) فإنه حسن الحديث.
стр. 6010
وجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين دون غيره من أجل السبب الذي ذكر، ولا يقاس عليه غيره.
٤٤ - باب في فضل دحية بن خليفة الكلبي وأخباره
• عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "عرض عليَّ الأنبياء، فإذا موسى ضربٌ من الرجال، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم - يعني نفسه -، ورأيت جبريل ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية".
وفي رواية ابن رمح: "دحية بن خليفة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٧ - ٢٧١) من طرق عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره.
• عن عبد الله بن عمر، قال: كان جبريل ﵇ يأتي النبي ﷺ في صورة دحية.
صحيح: رواه أحمد (٥٨٥٧) عن عفَّان، حدثنا حماد بن سلمة، عن إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، فذكر حديث جبريل المشهور، ثم قال قوله المذكور.
والحديث قد صحّحه ابن حجر في الإصابة (٢٣٩٩) وعزاه إلى النسائي، وهو موجود بهذا الإسناد في جزء إملاء النسائي (٣٧).
٤٥ - باب فضل رافع بن خديج
• عن امرأة رافع بن خديج أن رافعا رمي مع رسول الله ﷺ يوم أحد أو يوم خيبر بسهم في ثندوته، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، انزع السهم، قال: "يا رافع، إن شئت نزعت السهم والقطبة جميعا، وإن شئت نزعت السهم، وتركت القطبة، وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد" قال: يا رسول الله! بل انزع السهم، ودع القطبة واشهد لي يوم القيامة أني شهيد. قال: فنزع رسول الله ﷺ السهم، وترك القطبة.
وزاد في رواية: فعاش بها حتى كان في خلافة معاوية، فانتفض به الجرح فمات بعد العصر.
حسن: رواه أحمد (٢٧١٢٨)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٨٢) كلاهما من طريق عمرو بن مرزوق الواشحي، أخبرني يحيى بن عبد الحميد بن رافع بن خديج، قال: أخبرتي جدتني يعني امرأة رافع بن خديج فذكرته.
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٤٦): "رواه الطبراني وامرأة رافع إن كانت صحابية وإلا فإني لم أعرفها، وبقية رجاله ثقات".
стр. 6011
وإسناده حسن من أجل عمرو بن مرزوق الواشحي، فإنه حسن الحديث.
وامرأة رافع بن خديج هي أم عبد الحميد، ذكرها ابن حجر في الإصابة في القسم الأول من الصحابة.
قوله: "فعاش بها حتى كان في خلافة معاوية" أي مات في حدود ٧٣ هـ أو ٧٤ هـ.
٤٦ - باب فضل زاهر بن حرام الأشجعي
• عن أنس أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا، يهدي للنبي ﷺ الهدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله ﷺ : "إن زاهرا باديتنا، ونحن حاضروه" وكان النبي ﷺ يحبه، وكان رجلا دميما، فأتاه رسول الله ﷺ وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، ولا يبصره الرجل، فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل رسول الله ﷺ يقول: "من يشتري العبد؟ " فقال: يا رسول الله، إذن والله تجدني كاسدا، فقال رسول الله ﷺ : "لكن عند الله لست بكاسد" أو قال: "لكن عند الله أنت غال".
صحيح: رواه عبد الرزاق (١٩٦٨٨)، ومن طريقه أحمد (١٢٦٤٨)، والترمذي في الشمائل (٢٣٩) حدثنا معمر، عن ثابت البناني، عن أنس قال: فذكره. وإسناده صحيح.
• عن زاهر بن حرام أن رسول الله ﷺ رآه في سوق المدينة، يبيع سلعة له، ولم يكن أتاه - يعني في ذلك الوقت - فاحتضنه من وراء كتفه، فالتفت فأبصر رسول الله ﷺ فقبَّل كفَّه، فقال: "من يشتري العبد؟ " فقال: إذا تجدني يا رسول الله، كاسدا، قال: "لكنك عند الله ربيح" فقال رسول الله ﷺ : "لكل حاضر بادية، وبادية آل محمد زاهر بن حرام".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٢٧٣٤)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣١٥) كلاهما من طريق شاذ بن فياض، حدثنا رافع بن سلمة (هو ابن زياد الغطفاني) قال: سمعت أبي يحدث عن سالم (هو ابن أبي الجعد)، عن رجل من أشجع يقال له: زاهر بن حرام الأشجعي قال: وكان رجلا بدويا لا يأتي النبي ﷺ إذا أتاه إلا بطرفة أو هدية يهديها، فرآه رسول الله ﷺ فذكر الحديث.
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٦٩): "رواه البزار والطبراني ورجاله موثقون". وإسناده حسن من أجل شاذ بن فياض فإنه حسن الحديث.
٤٧ - باب فضل زيد بن أرقم وأخباره
• عن زيد بن أرقم قال: كنت في غزاة، فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز
стр. 6012
منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي - أو لعمر -، فذكره للنبي ﷺ ، فدعاني فحدَّثْته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذَّبني رسول الله ﷺ وصدَّقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذَّبك رسول الله ﷺ ومقَتَك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، فبعث إليَّ النبي ﷺ فقرأ فقال: "إن الله قد صدَّقَك يا زيد".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٠٠) عن آدم بن أبي إياس، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم فذكره.
ورواه مسلم في صفات المنافقين (١: ٢٧٧٢) من وجه آخر عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم نحوه.
• عن أنس بن مالك قال: حزنت على من أصيب بالحرة، فكتب إليَّ زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "اللهم! اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار" وشك ابن الفضل في: "أبناء أبناء الأنصار" فسأل أنسا بعضُ من كان عنده، فقال: هو الذي يقول رسول الله ﷺ : "هذا الذي أوفى الله له بأذنه".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٠٦) عن إسماعيل بن عبد الله قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة، قال: حدثني عبد الله بن الفضل، أنه سمع أنس بن مالك يقول: فذكره.
ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٥٠٦) من وجه آخر عن زيد بن أرقم مرفوعا، وذكر فيه: "أبناء أبناء الأنصار" من غير شك.
• عن زيد بن أرقم قال: أصابني رمد، فعادني النبي ﷺ ، قال: فلما برأت خرجت قال: فقال لي رسول الله ﷺ : "أرأيت لو كانت عيناك لما بهما ما كنت صانعا؟ " قال: قلت: "لو كانتا عيناي لما بهما صبرت واحتسبت قال: لو كانت عيناك لما بهما ثم صبرت واحتسبت للقيت الله ولا ذنب لك".
قال إسماعيل: "ثم صبرت واحتسبت لأوجب الله تعالى لك الجنة".
حسن: رواه أحمد (١٩٣٤٨) - واللفظ له -، وأبو داود (٣١٠٢)، وصحّحه الحاكم (١/ ٣٤٢) كلهم من طريق حجاج بن محمد، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم فذكره.
وإسناده حسن من أجل يونس بن أبي إسحاق؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وحسّنه أيضا المنذري في مختصر سنن أبي داود.
وتوفي زيد بن أرقم سنة ٦٦ أو ٦٨ هـ.
стр. 6013
٤٨ - باب ما جاء أن زيد بن حارثة من أحب الناس إلى النبي ﷺ -
• عن عبد الله بن عمر قال: بعث النبي ﷺ بعثا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال النبي ﷺ : "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده".
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٣٠) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٢٦ - ٦٣) كلاهما من طريق عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يقول: فذكره. وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم نحوه.
وفي لفظ: "إن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر: "إن تطعنوا في إمارته - يريد أسامة بن زيد - فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله! إن كان لخليقا لها، وأيم الله! إن كان لأحب الناس إلي، وأيم الله! إن هذا لها لخليق - يريد أسامة بن زيد -، وأيم الله! إن كان لأحبهم إلي من بعده، فأوصيكم به فإنه من صالحيكم".
رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٢٦ - ٦٤) عن أبي كريب محمد بن العلاء، ثنا أبو أسامة، عن عمر يعني ابن حمزة، عن سالم، عن أبيه فذكره.
• عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٨٢)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٢٥ - ٦٢) كلاهما من طريق موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه فذكره.
• عن جبلة بن حارثة أخي زيد، قال: قدمت على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ابعث معي أخي زيدا، قال: "هو ذا، فإن انطلق معك لم أمنعه". قال زيد: يا رسول الله، والله لا أختار عليك أحدا، قال: فرأيت رأي أخي أفضل من رأيي.
صحيح: رواه الترمذي (٣٨١٥)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٦١)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٢٢)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٢١٤) كلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي عمرو الشيباني (واسمه: سعد بن إياس)، أخبرني جبلة بن حارثة - أخو زيد بن حارثة - قال: فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن الرومي، عن علي بن مسهر". يعني عن إسماعيل بن أبي خالد.
قلت: إسناده صحيح. وقول الترمذي يحمل على الطريق الذي ساقه.
واستشهد زيد بن حارثة في حياة رسول الله ﷺ يوم مؤتة سنة ٨ هـ، وهو ابن خمس وخمسين عاما.
стр. 6014
٤٩ - باب فضل سالم مولى أبي حذيفة
• عن عائشة قالت: أبطأت على عهد رسول الله ﷺ ليلة بعد العشاء، ثم جئت فقال: "أين كنت؟ ". قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد. قالت: فقام وقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إليَّ فقال: "هذا سالم، مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا".
صحيح: رواه ابن ماجه (١٣٣٨)، وأحمد (٢٥٣٢٠)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٢٢٦) كلهم من طرق، عن حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرته.
وإسناده صحيح. وقد صحّحه البوصيري في مصباح الزجاجة.
ومن أخبار سالم مولى أبي حذيفة أنه كان أكثر الناس قرآنا:
• عن ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون العُصْبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله ﷺ ، كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا.
صحيح: رواه البخاري في الأذان (٦٩٢) عن إبراهيم بن المنذر، حدثنا أنس بن عياض، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ورواه البخاري أيضا في الأحكام (٧١٧٥) من طريق ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي ﷺ في مسجد قباء، فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة.
٥٠ - باب فضل السائب بن يزيد بن سعيد الكندي
• عن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم بين كتفيه مثل زر الحجلة.
متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٥٤١)، ومسلم في الفضائل (٢٣٤٥ - ١١١) كلاهما من طريق حاتم (هو ابن إسماعيل)، عن الجعد بن عبد الرحمن قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: فذكره.
وهو من صغار الصحابة، مات سنة ٩١ هـ، وهو آخر من مات منهم بالمدينة.
٥١ - باب ما جاء في فضائل سعد بن عبادة
هو سعد بن عبادة أبو قيس سيد الخزرج، كان يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصفة
стр. 6015
يُعشيهم. ومات سنة أربع عشر بحوران، قتله الجن عندما بال قائما في نفق فمات في حاله.
• عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني".
متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٤٦)، ومسلم في اللعان (١٧: ١٤٩٩) من طريق أبي عوانة، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن وراد كاتب المغيرة، عن المغيره بن شعبة فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة لثمهداء؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم". قال: كلا، والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك، قال رسول الله ﷺ : "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني".
صحيح: رواه مسلم في اللعان (١٤٩٨: ١٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، حدثني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
٥٢ - باب في فضائل سعد بن معاذ الأنصاري
وهو سيد الأوس، واستشهد من سهم أصابه بالخندق بعد غزوة بني قريظة سنة ٥ هـ.
• عن البراء يقول: أهديت للنبي ﷺ حلة حرير، فجعل أصحابه يمسحونها ويعجبون من لينها، فقال: "أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو ألين".
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٠٢)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٨) كلاهما عن محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: فذكره. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن أنس قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: "والذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا".
متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٦١٥)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٩) كلاهما من طريق يونس بن محمد، ثنا شيبان، عن قتادة، ثنا أنس قال: فذكره.
وفي لفظ: "إن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ حلة ... " فذكر نحوه.
رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٩) من وجه آخر عن قتادة به.
• عن عطارد بن حاجب أنه أُهْدِي إلى النبي ﷺ ثوب ديباج كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه فقالوا: أنزلت عليك من السماء؟ قال: "وما تعجبون من ذا؟ المنديل
стр. 6016
من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا" ثم قال: "يا غلام اذهب به إلى أبي جهم بن حذيفة، وقل له يبعث إلي بالخميصة".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٨/ ١٥ - ١٦) عن علي بن عبد العزيز (هو البغوي)، حدثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن عبد الرحمن بن عمرو بن معاذ (هو عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ)، عن عطارد بن حاجب فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٠٩ - ٣١٠): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وهو ثقة".
وإسناده حسن من أجل علي بن عبد العزيز بن المرزبان - شيخ الطبراني - فإنه حسن الحديث.
٥٣ - باب ما جاء في موافقة قضاء سعد بن معاذ حكم الله في بني قريظة
• عن أبي سعيد الخدري قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأتاه على حمار، فلما دنا قريبا من المسجد، قال رسول الله ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم - أو - خيركم" ثم قال: "إن هؤلاء نزلوا على حكمك" قال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذريتهم. قال: فقال النبي ﷺ : "قضيت بحكم الله" وربما قال: "قضيت بحكم الملك".
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٠٤)، ومسلم في الجهاد (١٧٦٨ - ٦٤) كلاهما من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري نحوه.
٥٤ - باب في اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ
• عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "اهتزَّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ".
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٠٣)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٦ - ١٢٤) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر سمعت النبي ﷺ يقول: فذكره.
وفي لفظ: "قال رسول الله ﷺ وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: "اهتزَّ لها عرش الرحمن"" رواه مسلم (٢٤٦٦ - ١٢٣) من وجه آخر عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: فذكره.
• عن أنس بن مالك أن نبي الله ﷺ قال - وجنازته موضوعة يعني سعدا -: "اهتزَّ لها عرش الرحمن".
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٧ - ١٢٥) عن محمد بن عبد الله الرّزّي، ثنا عبد
стр. 6017
الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك فذكره.
وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الإيمان، باب اهتزاز عرش الرحمن، فلينظر هناك.
٥٥ - باب مما جماء في أخبار موت سعد بن معاذ
• عن جابر قال: رُمِيَ سعد بن معاذ في أكحله، فحسمه النبي ﷺ بيده بمشقص، ثم ورِمت، فحسمه الثانية.
صحيح: رواه مسلم في السلام (٢٢٠٨ - ٧٥) من طرق، عن أبي خيثمة زهير بن حرب، حدثنا أبو الزبير، عن جابر فذكره.
وتفصيله في الحديث الآتي:
• عن جابر أنه قال: رُمِيَ يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطعوا أكحله - أو أبجله - فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده، فتركه فنزفه الدم، فحسمه أخرى فانتفخت يده، فلما رأى ذلك قال: اللهم! لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه، فحكم أن يقتل رجالهم وتستحيى نساؤهم، يستعين بهن المسلمون. فقال رسول الله ﷺ : "أصبت حكم الله فيهم"، وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات.
صحيح: رواه الترمذي (١٥٨٢)، وأحمد (١٤٧٧٣)، وابن حبان (٤٧٨٤) كلهم من طرق عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: فذكره.
وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح.
صحَّح إسناده أيضا الحافظ في الفتح (٧/ ٤١٤).
• عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له: حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح، والله! ما وضعته، اخرج إليهم. قال النبي ﷺ : "فأين؟ " فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد، قال: فإني أحكم فيهم: أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم.
قال هشام: فأخبرني أبي، عن عائشة، أن سعدا قال: اللهم! إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليَّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك ﷺ وأخرجوه، اللهم! فإني أظن أنك قد وضعت الحرب
стр. 6018
بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها، واجعل موتتي فيها. فانفجرت من لبته، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم. فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما، فمات منها ﵁.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٢٢) ومسلم في الجهاد (١٧٦٩ - ٦٥) كلاهما من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
٥٦ - باب فضل سلمان الفارسي وقومه وأخباره
هو سلمان الفارسي سابق الفرس إلى الإسلام، اشتراه رسول الله ﷺ من قوم من اليهود بكذا وكذا درهما، وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخيل، يعمل فيها سلمان حتى تدرك، فغرس رسول الله ﷺ النخل كله إلا نخلة واحدة غرسها عمر، فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة، فقال رسول الله ﷺ : "من غرسها" فقالوا: عمر، فقلعها رسول الله ﷺ ، وغرسها بيده.
ورواه مالك في الوصية (٧) عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الإنسان عمله.
ورواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٤٦) عن الحسن بن عمر بن شقيق، حدثنا معتمر، قال أبي: وحدثنا أبو عثمان، عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر من رب إلى رب.
ورواه أيضا في المناقب (٣٩٤٧) عن محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عوف، عن أبي عثمان قال: سمعت سلمان يقول: أنا من رامَ هُرْمُز.
ورواه أيضا (٣٩٤٨) عن الحسن بن مدرك، حدثنا يحيى بن حماد، أخبرنا أبو عوانة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: فترة بين عيسى ومحمد ﷺ ستمائة سنة.
• عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي ﷺ حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا. قال: وفينا سلمان الفارسي، قال: فوضع النبي ﷺ يده على سلمان، ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٩٨)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٤٦ - ٢٣١) كلاهما من طريق عبد العزيز بن محمد، أخبرني ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة قال: فذكره.
واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصر.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال: من أبناء فارس - حتى يتناوله".
стр. 6019
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٥٤٦) من طرق، عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن جعفر الجزري، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة فذكره.
• عن قيس بن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان الإيمان معلّقا بالثريا لنالَه رجال من أبناء فارس".
صحيح: رواه أبو يعلى (١٤٣٨) - واللفظ له -، والبزار (٣٧٤١)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٥٣) كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة، عن ابن نجيح (واسمه: عبد الله المكي) عن أبيه، عن قيس بن سعد بن عبادة قال: فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٦٤ - ٦٥): "رواه أبو يعلى والبزار ورجالهما رجال الصحيح".
٥٧ - باب قصة إسلام سلمان الفارسي
• عن عبد الله بن عباس قال: حدَّثني سلمان الفارسي حديثه من فيه، قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها: جَيُّ، وكان أبي دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قَطَنَ النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة، قال: فشُغِلَ في بنيان له يوما، فقال لي: يا بني! إني قد شغلت في بنيانٍ هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها، وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم انظر ما يصنعون. قال: فلما رأيتهم أعجبني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله! خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي، ولم آتها. فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلته عن عمله كله، قال: فلما جئته قال: أي بنيّ! أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله! ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بنيّ! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قال: قلت: كلا والله! إنه خير من ديننا. قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدا، ثم حبسني في بيته.
قال: وبعثت إلى النصارى، فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من
стр. 6020
النصارى فأخبِروني بهم. قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبَروني بهم. قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فاذنوني بهم. قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: مَنْ أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت ان أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك. قال: فادخل. فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئا. قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه. قالوا: فَدُلَّنا عليه. قال: فأريتهم موضعه. قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا. فصلبوه، ثم رجموه بالحجارة.
ثم جاؤوا برجل آخر، فجعلوه بمكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس، أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه، قال: فأحببته حبا لم أحبه من قبله، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إني كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به. قال: فلما مات وغُيِّبَ لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلانا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله ما ترى، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه الا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به. قال: فلما مات وغُيبَ
стр. 6021
لحقت بصاحب نصيبين، فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي. قال: فأقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت. فلما حُضِرَ قلت له: يا فلان، إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما نعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، قال: فإنه على أمرنا.
قال: فلما مات وغُيِّبَ لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حُضِر قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله، ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس امرك أن تأتيه ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجرا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات وغُيِّبَ، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مرَّ بي نفر من كلبٍ تجارا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهموها وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى، ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدا، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده، قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله، ما هو الا أن رأيتها، فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها وبعث الله رسوله، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق. ثم هاجر إلى المدينة، فوالله، إني لفي رأس عَذْقٍ لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال: فلان، قاتل الله بني قيلة، والله، إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء، حتى ظننت سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه
стр. 6022
ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة. ثم قال: ما لَك ولهذا! أقبل على عملك. قال: قلت: لا شيء، إنما أردت أن استثبته عما قال.
وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته، ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم. قال: فقرَّبْته إليه. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "كلوا" وأمسك يده فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جئته به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها. قال: فأكل رسول الله ﷺ منها، وأمر أصحابه، فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله ﷺ ، وهو ببقيع الغرقد. قال: وقد تبع جنازة من أصحابه، عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته عرف أني استثبت في شيء وُصِفَ لي، قال: فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبِّله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : "تحوَّل" فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، قال: فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه.
ثم شغَل سلمانَ الرِّقُّ حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد، قال: ثم قال لي رسول الله ﷺ : "كاتِبْ يا سلمان" فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفَقِير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أعينوا أخاكم" فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين وَدِيَّةً، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر - يعني: الرجل بقدر ما عنده - حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله ﷺ : "اذهب يا سلمان، ففَقِّرْ لها، فإذا فرغت فائتني، أكون أنا أضعها بيدي" ففقَّرْتُ لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته، فأخبرته، فخرج رسول الله ﷺ معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي ويضعه رسول الله ﷺ بيده، فوالذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها ودية واحدة، فأدَّيتُ النخل، وبقي عليَّ المال، فأُتِيَ رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: "ما فعل الفارسي المكاتب؟ "
стр. 6023
قال: فدُعِيْتُ له، فقال: "خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان" فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ؟ ! قال: "خذها، فإن الله سيؤدي بها عنك" قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم، وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد.
حسن: رواه أحمد (٢٣٧٣٧)، والبزار في مسنده (٢٤٩٩، ٢٥٠٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٧٦ - ٢٧٢)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٧٥ - ٨٠) كلهم من طرق، عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن عبد الله بن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
ومن أخباره:
• عن أنس بن مالك قال: اشتكى سلمان فعاده سعد، فرآه يبكي، فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت رسول الله ﷺ ، أليس؟ أليس؟ قال سلمان: ما أبكي واحدة من اثنتين، ما أبكي حبا للدنيا، ولا كراهية للآخرة، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا، فما أراني إلا قد تعديت، قال: وما عهد إليك؟ قال: عهد إلي: "أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب، ولا أُراني إلا قد تعديتُ، وأما أنت يا سعد فاتق الله عند حُكْمك إذا حكمت، وعند قَسْمك إذا قسمت، وعند هَمِّك إذا هممتَ" قال ثابت: "فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهما، من نُفَيْقةٍ كانت عنده".
حسن: رواه ابن ماجه (٤١٠٤)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩٧) كلهم من طريق الحسن بن أبي الربيع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس فذكره.
وإسناده حسن من أجل الحسن بن أبي الربيع - وهو الحسن بن يحيى بن الجعد العبدي الجرجاني -، وجعفر بن سليمان الضبعي فإنهما حسنا الحديث.
وتوفي سلمان سنة خمس وثلاثين، وقيل: سنة ست وثلاثين.
وأما عمره فقيل: إنه تجاوز المئتين وخمسين، وقيل: ثلاثمائة وخمسين، وهذه الأقوال ذكرت بدون مستند معتمد، ولم يذكره ابن قانع ولا ابن عبد البر، وإنما ذكره ابن مندة في "معرفة الصحابة" وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" بدون مستند بل وقد قالا: إنه أدرك وصي عيسى ﵇، هذا كله بعيد، فإنه لو قُدِّر أنه عاش ثلاثمائة وخمسين فبينه وبين وصي عيسى ﵇ ثلاثمائة. ولذا قال الذهبي: إنه ما زاد على الثمانين. ولو صح هذا القول لتواترت النقول من الصحابة والتابعين، وعد ذلك من خوارق العادات.
стр. 6024
ولذا قال الذهبي بعد أن نقل عن البحراني أنه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة: "وقد فتشت فما ظفرت في سنه بشيء سوى قول البحراني، وذلك منقطع لا إسناده له". ثم قال: "لعله عاش بضعا وسبعين سنة، وما أراه بلغ المائة". سير أعلام النبلاء (١/ ٥٥٥ - ٥٥٦).
٥٨ - باب فضل سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي
• عن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ ، فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٠٦) عن المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد فذكره. وتوفي سلمة بن عمرو بن الأكوع سنة ٧٤ هـ.
٥٩ - باب أخبار سنين أبي جميلة
• عن سُنين أبي جميلة قال: إنه أدرك النبي ﷺ وخرج معه عام الفتح.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٣٠١) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، عن سُنين أبي جميلة قال: فذكره.
٦٠ - باب إسلام ضماد بن ثعلبة الأزدي
• عن ابن عباس أن ضمادا قدم مكة، وكان من أزد شَنُوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمد! إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد". قال: فقال: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلمات هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر، قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول الله ﷺ : "وعلى قومك". قال: وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله ﷺ سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة، فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضماد.
стр. 6025
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٦٨) من طرق، عن عبد الأعلى، ثنا داود بن عمرو بن سعيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكر الحديث.
وضماد: هو ابن ثعلبة الأزدي، من أزد شنوءة.
وأخرج حديثه هذا الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣٦٣)، وأسمه فيه: "ضمام" بالميم في آخره، وهذا ليس تحريفا، فإنه يطلق عليه الاسمان "ضماد" و"ضمام" نبّه على ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة (٢/ ٢١٠).
وفي الصحابة أيضا "ضمام" غير هذا، وهو: ضمام بن ثعلبة السعدي، من بني سعد بن بكر، وهو أشهر وله أحاديث منها حديثه المشهور في محاورته النبي ﷺ وسؤاله إياه عن أمور الإسلام وهو في الصحيحين.
قوله: "من هذه الريح" المراد بالريح هنا الجنون ومسّ الجن.
وقوله: "فهل لك" أي هل لك رغبة في رقيتي.
وقوله: "ناعوس البحر" بالنون، وفي بعض الروايات "قاموس البحر" بالقاف أي وسطه، وقيل: قعره الأقصى.
٦١ - فضل عامر بن سنان بن الأكوع الأسلمي
• عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر، ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلا حدَّاء، فنزل يحدو بالقوم يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اتقينا ... وثَبِّت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا ... إنا إذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عولوا علينا
فقال رسول الله ﷺ : "من هذا السائق؟ " قالوا: عامر بن الأكوع. قال: "يرحمه الله" قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به؟ فذكر الحديث وفيه:
فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرا، فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذباب سيفه، فأصاب عين ركبة عامر، فمات منه. قال: فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي، قال: "ما لك؟ " قلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أن
следующие страницы →