Полный текст (8 687 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
• عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "مُلِئَ عمار إيمانا إلى مشاشه".
صحيح: رواه النسائيّ (٥٠٠٧)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣) كلاهما من طرق، عن عبد الرحمن (هو ابن مهدي)، عن سفيان (هو الثوري)، عن الأعمش، عن أبي عمار (واسمه: عَريب بن حُميد الهمداني)، عن عمرو بن شرحبيل، عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ فذكره. وإسناده صحيح.
وقد صحّحه أيضًا ابن حجر في الفتح (٧/ ٩٢).
ورواه ابن أبي شيبة (٣٠٩٨٦)، وأحمد في الفضائل (١٦٠٠) كلاهما عن وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، بهذا الإسناد مرسلًا.
وهذا لا يضر لأن عبد الرحمن بن مهدي ووكيعا كلاهما من أثبت الناس في الثوري، فلعل الثوري حدّث بهذا الحديث على الوجهين.
وبمعناه رُوي عن عائشة قالت: ما أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إِلَّا لو شئت لقلت فيه ما خلا عمارا فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ملئ إيمانا إلى مشاشه".
رواه البزّار - كشف الأستار - (٢٦٨٥) عن محمد بن يزيد أبو هشام، ثنا يحيى بن اليمان، ثنا سفيان (هو الثوري)، عن سلمة بن كهيل، عن ذرّ (هو ابن عبد الله)، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عائشة فذكرته.
ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي ضعيف باتفاق أهل العلم ضعّفه أبو حاتم والنسائي والحاكم أبو أحمد.
وقال الحافظ في التقريب: "ليس بالقوي، وذكره ابن عدي في شيوخ البخاري، وجزم الخطيب بأن البخاريّ روى عنه، لكن قد قال البخاريّ: "رأيتهم مجمعين على ضعفه" انتهى. ومع ذلك صحّح الحافظ إسناده في الفتح (٧/ ٩٢).
• عن بلال بن يحيى العبسي قال: لما حضر حذيفة الموت، وإنما عاش بعد قتل عثمان أربعين ليلة، فقيل له: يا أبا عبد الله! إن هذا الرّجل قد قتل - يعني عثمان - فما ترى؟ قال: أما إذا أبيتم فأجلسوني، فأسندوه إلى صدر رجل ثمّ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أبو اليقظان على الفطرة، أبو اليقظان على الفطرة لن يدعها حتَّى يموت أو ينسيه الهرم".
حسن: رواه ابن سعد (٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، والبزّار (٢٩٤٥) كلاهما عن عبد الله بن موسى، أخبرنا سعيد بن أوس العبسي، عن بلال بن يحيى العبسي قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل بلال بن يحيى فإنه حسن الحديث.
стр. 6057
والسياق لابن سعد وسياق البزّار مختصر. وأبو اليقظان كنية عمار بن ياسر.
• عن عطاء بن يسار قال: جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمار ﵄ عند عائشة، فقالت: أما عليّ فلست قائلة لك فيه شيئًا، وأمّا عمار فإني سمعتُ رسول الله يقول: "لا يخير بين أمرين إِلَّا اختار أرشدهما".
صحيح: رواه الترمذيّ (٣٧٩٩)، وابن ماجة (١٤٨)، وأحمد (٢٤٨٢٠)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٣٨٨) كلّهم من طرق، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن يسار قال: فذكره. وإسناده صحيح. والسياق لأحمد.
وأمّا ما رُوي عن الأشتر قال: كان بين عمار وبين خالد بن الوليد كلام، فشكاه عمار إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّه من يعاد عمارا يعاده الله ، ومن يبغضه يبغضه الله ، ومن يسبه يسبه الله ". فقال سلمة: هذا أو نحوه.
فمع جودة إسناده في متنه نكارة، فإن السب لا ينسب إلى الله فإن فيه ناقصا والله منزه من النقص.
رواه أحمد (١٦٨٢١)، وأبو داود الطيالسي (١٢٥٢) كلاهما من طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، سمعت محمد بن عبد الرحمن يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأشتر قال: فذكره.
وصورة الإسناد مرسل إِلَّا أنه قد ورد من طريق شعبة موصولًا.
فقد رواه النسائيّ (٨٢١٢)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٣٩٠، ٣٨٩) كلاهما من طرق، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، سمعت محمد بن عبد الرحمن بن يزيد يحدث عن أبيه، عن الأشتر، عن خالد بن الوليد قال: قال رسول الله ﷺ : "من يعاد عمارا يعاده الله، ومن يسب عمارًا يسبه الله".
والأشتر اسمه: مالك بن الحارث النخعي.
وأمّا ما رواه أحمد (١٦٨١٤)، والنسائي في الكبرى (٨٢١١)، وابن حبَّان (٧٠٨١)، والحاكم (٣/ ٣٩٠) كلّهم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة، عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام، فأغلظت له في القول، فانطلق عمار يشكوني إلى النَّبِيّ ﷺ ، فجاء خالد وهو يشكوه إلى النَّبِيّ ﷺ ، قال: فجعل يغلظ له ولا يزيده إِلَّا غلظة، والنبي ﷺ ساكت لا يتكلم، فبكى عمار وقال: يا رسول الله، ألا تراه؟ فرفع رسول الله ﷺ رأسه وقال: "من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله". قال خالد: فخرجت، فما كان شيء أحب إلي من رضا عمار، فلقيته فرضي. فهو معلول.
فقد سئل أبو حاتم وأبو زرعة عن حديث العوام هذا فقالا: "أسقط العوام من هذا الإسناد عدة ورواه شعبة، عن سلمة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن الأشتر" انظر: علل الحديث (٢٥٨٨).
• عن عكرمة أن ابن عباس قال له ولعلي بن عبد الله: ائتيا أبا سعيد فاسمعا من
стр. 6058
حديثه، فأتيا وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه، فلمّا رآنا جاء فاحتبى وجلس فقال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فمر به النَّبِيّ ﷺ ومسح عن رأسه الغبار وقال: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النّار".
صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨١٢) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا عبد الوهّاب، حَدَّثَنَا خالد، عن عكرمة فذكره.
• عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية".
ﷺ : رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩١٦) من طرق، عن شعبة قال: سمعت خالدا يحدث عن سعيد بن أبي الحسن، عن أمه، عن أم سلمة فذكرته.
• عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق، وجعل يمسح رأسه ويقول: "بؤس ابن سمية، تقتلك فئة باغية".
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩١٥) من طرق، عن محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي مسلمة قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدريّ قال: أخبرني من هو خير مني أبو قتادة فذكره.
وبقية الأحاديث في هذا المعنى مذكورة في كتاب الفتن.
ومن أخباره ما رواه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت عمار بن ياسر بصفين في اليوم الذي قتل فيه وهو ينادي: أزلفت الجنّة وزوجت الحور العين، اليوم نلقى حبيبنا محمدًا ﷺ ، عهد إلي أن آخر زادك من الدُّنيا ضيح من لبن.
رواه الحاكم (٣/ ٣٨٩) - ومن طريقه البيهقيّ في الدلائل (٢/ ٥٥٢) - من طريق الحسن بن سفيان (هو الفسوي الشيباني)، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني إبراهيم بن سعد (وهو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني)، عن أبيه، عن جده إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فذكره.
وإسناده حسن من أجل حرملة بن يحيى فإنه حسن الحديث.
٨٣ - فضائل عمرو بن ثابت بن وقش
• عن أبي هريرة قال: كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنّة لم يصل قطّ، فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من هو؟ فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش.
قال الحصين: فقلت لمحمود بن لبيد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى
стр. 6059
الإسلام على قومه، فلمّا كان يوم أحد وخرج رسول الله ﷺ إلى أحد، بدا له الإسلام فأسلم، فأخذ سيفه فغدا حتَّى أتى القوم فدخل في عرض الناس، فقاتل حتَّى أثبتته الجراحة، قال: فبينما رجال بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: إنه للأصيرم، وما جاء؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فاسألوه ما جاء به؟ قالوا: ما جاء بك يا عمرو، أحدبا على قومك أو رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله وأسلمت، ثمّ أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله ﷺ فقاتل حتَّى أصابني ما أصابني، قال: ثمّ لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: "إنَّه لمن أهل الجنّة".
حسن: رواه أحمد (٢٣٦٣٤) عن يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبي، عن ابن إسحاق، حَدَّثَنِي الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق وحصين بن عبد الرحمن فإنهما حسنا الحديث. وقد حسّنه ابن حجر في الإصابة (٥٨١١).
قوله: "أَحدبًا على قومك" الحدب: العطف والحنو.
٨٤ - باب ما جاء في عمرو بن حريث الذي دعا له النَّبِيّ ﷺ بالرزق
• عن عمرو بن حريث قال: صليت مع النَّبِيّ ﷺ الفجر فقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، كأني أسمع صوته يقول: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥، ١٦].
وقال: ذهبت بي أمي أو أبي إليه، فدعا لي بالرزق.
صحيح: رواه أبو يعلى (١٤٦٩) عن زهير، حَدَّثَنَا محمد بن يزيد الواسطي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن مولى عمرو بن حريث (واسمه: أصبغ)، عن عمرو بن حريث فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه أبو داود (٨١٧)، وابن ماجة (٨١٧) من طريق مولى عمرو بن حريث عنه به وليس عندهما هذه الزيادة أعني الجملة الأخيرة.
٨٥ - باب فضائل عمرو بن العاص وأخباره
• عن ابن شماسه المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه! أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إِلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، إني قد كنت على أطباق ثلاث لقد
стр. 6060
رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو متّ على تلك الحال لكنت من أهل النّار، فلمّا جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النَّبِيّ ﷺ ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: "ما لك يا عمرو؟ ". قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: "تشترط بماذا؟ ". قلت: أن يغفر لي، قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحجّ يهدم ما كان قبله؟ ". وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنّة، ثمّ ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا عليّ التراب شنا، ثمّ أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتَّى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢١) من طرق، عن أبي عاصم الضَّحَّاك قال: أخبرنا حيوة بن شريح قال: حَدَّثَنِي يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة فذكره.
• عن عمرو بن العاص قال: بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: "خذ عليك ثيابك وسلاحك، ثمّ ائتني". فأتيته وهو يتوضأ، فصعد في النظر ثمّ طأطأه فقال: "إنِّي أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأزعب لك من المال زعبة صالحة". قال: فقلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "يا عمرو! نعما بالمال الصالح للرجل الصالح".
صحيح: رواه أحمد (١٧٧٦٣)، والطَّبرانيّ في الأوسط (٣٢١٣)، وصحّحه ابن حبَّان (٣٢١٠)، والحاكم (٢/ ٦٣٢) كلّهم من طريق موسى بن علي، عن أبيه قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: فذكره.
وإسناده صحيح، وصحّحه الحاكم.
وموسى بن عُليّ - بالتصغير - هو ابن رباح اللخمي من رجال مسلم وثَّقه ابن معين وأحمد والنسائي وابن سعد وجماعة.
قال ابن حبَّان: "سمع هذا الخبر عليّ بن رباح عن عمرو بن العاص، وسمعه من أبي القيس بدل عمرو، عن عمرو، والطريقان جميعًا محفوظان".
وقوله: "أزعب زعبة" بالزاي والعين - بمعنى الدفع، يقال: زعب له من ماله زعبة - أي دفع له
стр. 6061
منه دفعة، والزعب قطعة من المال.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ابنا العاص مؤمنان: عمرو وهشام".
حسن: رواه أحمد (٨٠٤٢)، والنسائي في فضائل الصّحابة (١٩٥)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٤٥٢) كلّهم من طريق حمّاد بن سلمة، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة فإنه حسن الحديث.
• عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: جزع عمرو بن العاص عند الموت جزعا شديدًا، فلمّا رأى ذلك ابنه عبد الله بن عمرو قال: يا أبا عبد الله، ما هذا الجزع وقد كان رسول الله ﷺ يدنيك ويستعملك؟ قال: أي بني، قد كان ذلك، وسأخبرك عن ذلك: إني والله! ما أدري أحبا كان ذلك أم تألفا يتألفني، ولكني أشهد على رجلين أنه قد فارق الدُّنيا وهو يحبهما: ابن سمية، وابن أم عبد، فلمّا حدَّثه وضع يده موضع الغلال من ذقنه، وقال: اللهم! أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إِلَّا مغفرتك، وكانت تلك هجيراه حتَّى مات.
صحيح: رواه أحمد (١٧٧٨١) عن عفّان، حَدَّثَنَا الأسود بن شيبان، حَدَّثَنَا أبو نوفل بن أبي عقرب فذكره. وإسناده صحيح.
وقوله: "هجيراه" أي دأبه وشأنه.
وفي الباب ما رُوي عن طلحة بن عبيد الله قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن عمرو بن العاص من صالحي قريش". إِلَّا أنه منقطع.
رواه الترمذيّ (٣٨٤٥)، وأحمد (١٣٨٢) كلاهما من طرق، عن ابن أبي مليكة (وهو عبد الله بن عبد الله بن أبي مليكة) قال: قال: طلحة بن عبيد الله فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث إنّما نعرفه من حديث نافع بن عمر الجمحي، ونافع ثقة وليس إسناده بمتصل، ابن أبي مليكة لم يدرك طلحة".
وبه أعلّه ابن حجر في الإصابة.
وفي الباب عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص". رواه الترمذيّ (٣٨٤٤)، وأحمد (١٧٤١٣) كلاهما من طريق ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر قال: فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إِلَّا من حديث ابن لهيعة عن مشرح وليس إسناده بالقوي".
وهو كما قال: فإن مشرح بن هاعان يُروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها قاله ابن حبَّان.
стр. 6062
٨٦ - باب تسليم الملائكة على عمران بن حصين
• عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به: إن رسول الله ﷺ جمع بين حجّة وعمرة، ثمّ لم يَنْهَ عنه حتَّى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وقد كان يسلم عليّ حتَّى اكتويت فتركت، ثمّ تركت الكيّ فعاد.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢٢٦: ١٦٧) عن عبيد الله بن معاذ، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف قال: فذكره.
ورواه الدَّارميّ (١٨٥٤) من وجه آخر عن مطرف قال: قال عمران بن حصين: إني محدثك بحديث: إنه كان يسلم علي، وإن ابن زياد أمرني فاكتويت فاحتبس عني حتَّى ذهب أثر المكاوي. أي الكيّ.
ورواه مسلم (١٢٢٦: ١٦٨) من وجه آخر عن شعبة، عن قتادة، عن مطرف قال: بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إني كنت محدثك بأحاديث، لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت: إنه قد سلّم عليّ .. الحديث.
ويقال: كانت به بواسير فكان يصبر على ألمها، وكانت الملائكة تسلم عليه فاكتوى فانقطع سلامهم عليه، ثمّ ترك الكي فعاد سلامهم عليه. ذكره النوويّ.
وكان ﵁ مجاب الدعوة، ويقال: إنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حتَّى اكتوى، فلمّا اكتوى فقده ثمّ عاد إليه، وكان ذلك قبل وفاته بسنتين. كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب. وكان عمر ﵁ بعثه إلى أهل البصرة ليفقههم.
قال ابن سيرين: لم يكن يقدم على عمران أحد من الصّحابة ممن نزل البصرة.
وقال أيضًا: أفضل من نزل البصرة من الصّحابة عمران وأبو بكرة.
وكان الحسن يحلف أنه ما قدم البصرة خير لهم من عمران.
ومات سنة اثنين وخمسين. وقيل: سنة ثلاث وخمسين.
وهذا كان خاصّا به ولا يقاس عليه، فيستحبّ لمن أصيب بمرض البواسير أن يعالجه لعموم قول النبي ﷺ : تداووا يا عباد الله، فإن الله لم ينزل داء إِلَّا أنزل له شفاء كما هو مخرج في كتاب الطب.
٨٧ - باب فضائل عمير بن حمام الأنصاري
• عن أنس بن مالك قال: بعث رسول الله ﷺ بُسَيْسَة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله ﷺ ، قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه، قال: فحدثه الحديث، قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلم، فقال: "إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا". فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في
стр. 6063
علو المدينة، فقال: "لا إِلَّا من كان ظهره حاضرا". فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتَّى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال: رسول الله ﷺ : "لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتَّى أكون أنا دونه". فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض". قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم". قال: بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ : "ما يحملك على قولك بخ بخ؟ ". قال: لا والله يا رسول الله! إِلَّا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها". فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثمّ قال: لئن أنا حييت حتَّى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثمّ قاتلهم حتَّى قتل.
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩٠١) من طريق هاشم بن القاسم، حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك فذكره.
قوله: "طلبة" أي شيئًا نطلبه.
وقوله: "ظهره" الظهر الدواب التي تركب.
٨٨ - باب أخبار قرة بن إياس
• عن قرة بن إياس قال: أتيت رسول الله ﷺ فاستأذنته أن أدخل يدي في جربانه، وإنه ليدعو لي فما منعه أن ألمسه أن دعا لي قال: فوجدت على نغض كتفه مثل السلعة.
صحيح: رواه أحمد (١٥٥٨٢)، والطيالسي (١١٦٧)، والطَّبرانيّ في الكبير (١٩/ ٢٥) كلّهم من طريق قرة بن خالد قال: سمعت معاوية بن قرة يحدث عن أبيه - قرة بن إياس - فذكره. وإسناده صحيح.
قوله: "الجربان" جيب القميص.
قوله: "النغض" أعلى الكتف. وقيل: عظم رقيق على طرفه.
وورد في مسند الطيالسي "مثل البيضة" بدل "مثل السلعة".
ورواه أحمد (١٥٥٨٣) عن وهب بن جرير، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي إياس (هو معاوية بن قرة بن إياس المزني)، عن أبيه: أنه أتى النَّبِيّ ﷺ فدعا له ومسح رأسه.
وإسناده صحيح.
٨٩ - باب ما جاء في أخبار قيس بن سعد بن عبادة فإنه كان كالحارس عند النَّبِيّ ﷺ -
• عن أنس أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي النَّبِيّ ﷺ بمنزلة صاحب الشُّرط للأمير.
стр. 6064
صحيح: رواه البخاريّ (٧١٥٥) عن محمد بن خالد الذهلي، حَدَّثَنَا محمد الأنصاري، حَدَّثَنَا أبي، عن ثمامة، عن أنس فذكره.
٩٠ - باب إن قيس بن عاصم سيد أهل الوبر
• عن خليفة بن حصين أن جده قيسا لما أسلم، أمره النَّبِيّ ﷺ أن يغتسل بماء وسدر، وقال النَّبِيّ ﷺ لقيس: "هذا سيد أهل الوبر".
صحيح: رواه العجلي في الثّقات (١٣٩٧) عن أبي داود الحفري (هو: عمر بن سعد)، عن سفيان (هو الثوري)، عن الأغر (هو ابن الصباح)، عن خليفة بن حصين فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه أبو داود (٣٥٥)، والتِّرمذيّ (٦٠٥)، والنسائي (١٨٨) كلّهم من طريق الثوري بهذا الإسناد وإلَّا أنهم لم يذكروا: "هذا سيد أهل الوبر".
٩١ - باب ما ورد في فضل كعب بن مالك
• عن كعب بن مالك قال: - في قصة تخلفه عن غزوة تبوك وتوبة الله عليه - قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مر عليك يوم ولدتك أمك" قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا، بل من عند الله". قال: وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
قال: فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطّ بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، الحديث.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٤١٨)، ومسلم في التوبة (٥٣: ٢٧٦٩) كلاهما من طريق ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول: فذكره.
٩٢ - باب ما جاء في ماعز الأسلمي
• عن بريدة بن الحصيب قال: قال النَّبِيّ ﷺ بعد ما رجم ماعز بن مالك: "استغفروا لماعز بن مالك". قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله ﷺ : "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم".
صحيح: رواه مسلم في الحدود (٢٢: ١٦٩٥) عن محمد بن العلاء الهمداني، حَدَّثَنَا يحيى بن يعلى - وهو ابن الحارث المحاربي، عن أبيه، عن غيلان - هو ابن جامع المحاربي، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: فذكره في حديث طويل في قصة الرجم. والحديث
стр. 6065
بطوله مذكور في الحدود.
تنبيه: سقط في مطبوعة صحيح مسلم "عن أبيه" يعني يحيى بن يعلى عن أبيه، عن غيلان والصواب ما أثبتناه من تحفة الأشراف والنكت الظراف وهو الذي صوّبه أيضًا القاضي عياض.
٩٣ - باب في فضل محمد بن مسلمة الأنصاري
• عن حذيفة بن اليمان قال: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إِلَّا أنا أخاف عليه إِلَّا محمد بن مسلمة فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تضرّك الفتنة".
حسن: رواه أبو داود (٤٦٦٣)، وابن أبي شيبة (٣٨٣٩٣) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا هشام، عن محمد - هو ابن سيرين - قال: قال حذيفة فذكره.
وابن سيرين لم يدرك حذيفة بن اليمان، قاله المزي كما في تحفة التحصيل.
وهو كما قال فإن محمد بن سيرين ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ومات حذيفة في أول خلافة عليّ ﵁ سنة ٣٦ هـ فعلى هذا يكون عمر ابن سيرين عند موت حذيفة ثلاث أو أربع سنوات، ولكن يقوّيه ما روي موقوفًا:
عن ثعلبة بن ضبيعة قال: دخلنا على حذيفة، فقال: إني لأعرف رجلًا لا تضره الفتن شيئًا، قال: فخرجنا فإذا فسطاط مضروب، فدخلنا، فإذا فيه محمد بن مسلمة، فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريد أن يشتمل عليّ شيء من أمصارهم حتَّى تنجلي عما انجلت.
رواه أبو داود (٤٦٦٤)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤) كلاهما من طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن أبي بردة، عن ثعلبة بن ضبيعة قال: فذكره.
وثعلبة بن ضبيعة ويقال: ضبيعة بن حصين لم يرو عنه غير أبي بردة، ولم يوثّقه إِلَّا ابن حبَّان، لذا قال عنه الحافظ في التقريب: "مقبول" يعني عند المتابعة.
ولم أجد له متابعًا ولكن يقوّيه ما قبله.
ومحمد بن مسلمة بن سلمة الأوسي الأنصاري هو أبو عبد الرحمن المدني حليف بني عبد الأشهل ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة، وهو ممن سمي في الجاهلية "محمدًا".
أسلم قديمًا على يدي مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة وشهد المشاهد بدرًا وما بعدها إِلَّا غزوة تبوك فإنه تخلف بإذن النَّبِيّ ﷺ له أن يقيم بالمدينة وكان ممن ذهب إلى قتل كعب بن الأشرف وإلى ابن أبي الحقيق وقال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصّحابة واستخلفه النَّبِيّ ﷺ على المدينة في بعض غزواته وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولا صفين.
مات بالمدينة في صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة وقيل: مات سنة ثلاث وأربعين.
стр. 6066
٩٤ - باب ما جاء في أخبار محمود بن الربيع
• عن محمود بن الربيع قال: إني لأعقل مجّةً مجّها رسول الله ﷺ من دلوٍ في دارنا. وزاد في رواية: وأنا ابن خمس سنين.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٢٢)، ومسلم في المساجد (٣٣: ٢٦٥) كلاهما من طرق عن الزّهري، عن محمود بن الربيع قال: فذكره.
والرّواية الأخرى: رواها البخاريّ في العلم (٧٧) من طريق الزبيدي، عن الزهري به.
٩٥ - باب ما جاء في أخبار معاوية بن أبي سفيان
• عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأني حطأة، وقال: "اذهب وادع لي معاوية" قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثمّ قال لي: "اذهب وادع لي معاوية" قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: "لا أشبع الله بطنه".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٩٦: ٢٦٠٤) من طرق عن أمية بن خالد، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي حمزة القصاب، عن ابن عباس فذكره.
ورواه أحمد (٢٦٥١) من طرق آخر عن ابن عباس مختصرًا، وفيه قال ابن عباس "وكان كاتبه" يعني معاوية.
وقوله: "فحطأني حطأة" الحطء: الدفع بالكف.
قوله: "لا أشبع الله بطنه" إن هذا الدعاء عليه سيجعله يوم القيامة صلاة وزكاة وقربة كما جاء في الصحيحين وغيرهما منها حديث أنس بن مالك مرفوعًا: "يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي فقلت: إنّما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورًا وزكاة وقربة، يقربه بها منه يوم القيامة".
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بعث رسول ﷺ إلى معاوية، وكان كاتبه.
حسن: رواه البزّار (٢٤٩١) - واللّفظ له - والطَّبرانيّ في الكبير (١٤/ ٥٥٤) كلاهما من طريق سليمان الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مالك الزبيدي، عن عبد الله بن عمرو فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن مالك الزبيدي فإنه حسن الحديث، وهو أبو كثير الزبيدي، واختلف في اسمه فقيل عبد الله بن مالك كما عند البزّار، وقيل: زهير بن الأقمر كما عند الطبراني، وثّقه النسائيّ والعجلي وابن حبَّان.
стр. 6067
وحسّنه الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣٥٧) فقال: "رواه الطبرانيّ وإسناده حسن".
وأمّا ما رُوي عن عبد الرحمن بن أبي عميرة وكان من أصحاب رسول الله ﷺ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هاديًا مهديًا واهد به". فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (٣٨٤٢)، وأحمد (١٧٨٩٥) كلاهما من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة قال: فذكره.
وسعيد بن عبد العزيز هو التنوخي الدّمشقيّ اختلط في آخر عمره، ولم يدر كل من روى عنه هذا الحديث متى سمع منه قبل الاختلاط أو بعده.
ولذا وقع في هذا الحديث اضطراب شديد في الإسناد واللّفظ، وقد أشار إليه ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن حجر في الإصابة.
وقال في الفتح (٧/ ١١٤): "وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه، والنسائي وغيرهما".
وأمّا الاختلاف في صحبة عبد الرحمن بن أبي عميرة فالصحيح أنه له صحبة.
• عن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه فإنه صحب رسول الله ﷺ .
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل الصّحابة (٣٧٦٤) عن الحسن بن بشر المعافى عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة قال: فذكره.
وفي لفظ: "قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إِلَّا بواحدة، قال: إنه فقيه". رواه البخاريّ في فضائل الصّحابة (٣٧٦٥) من وجه آخر عن ابن أبي مليكة به.
٩٦ - باب ما جاء في المغيرة بن شعبة وأن الدَّجال لن يضره
• عن المغيرة بن شعبة قال: ما سأل رسول الله ﷺ أحد عن الدَّجال أكثر مما سألته عنه، فقال لي: "أي بني، وما ينصبك منه، إنه لن يضرّك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧١٢٢)، ومسلم في الآداب (٣٢: ٢١٥٢) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة قال: فذكره. واللّفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه.
٩٧ - باب فضائل المقداد بن الأسود الكندي وأخباره
• عن عبد الله بن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به: أتى النَّبِيّ ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول
стр. 6068
كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النَّبِيّ ﷺ أشرق وجهه وسره، يعني قوله.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٣٩٥٢) عن أبي نعيم، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: فذكره.
وقوله: "وهو يدعو على المشركين" يعني يوم بدر على كفار مكة كما ورد في أحاديث أخرى.
• عن المقداد قال: أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ ، فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النَّبِيّ ﷺ فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز، فقال النَّبِيّ ﷺ : "احتلبوا هذا اللبن بيننا". قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي ﷺ نصيبه، قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما، ويسمع اليقظان، قال: ثمّ يأتي المسجد فيصلي، ثمّ يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشّيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها، فلمّا أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل، قال: ندمني الشّيطان، فقال: ويحك ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك؟ وعليّ شملة، إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأمّا صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت، قال: فجاء النَّبِيّ ﷺ فسلم كما كان يسلم، ثمّ أتى المسجد فصلى، ثمّ أتى شرابه، فكشف عنه فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك، فقال: "اللهم! أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني". قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي، وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ ، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد ﷺ ما كانوا يطعمون أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتَّى علته رغوة، فجئت إلى رسول الله ﷺ فقال: "أشربتم شرابكم الليلة؟ ". قال: قلت: يا رسول الله! اشرب، فشرِب، ثمّ ناولني فقلت: يا رسول الله! اشرب، فشرِب، ثمّ ناولني، فلمّا عرفت أن النَّبِيّ ﷺ قد روى، وأصبت في عوته، ضَحِكْتُ حتَّى ألقيت إلى الأرض، قال: فقال النَّبِيّ ﷺ : "إحدى سوآتك يا مقداد! ". فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا، فقال النَّبِيّ ﷺ : "ما هذه إِلَّا رحمة
стр. 6069
من الله، أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها؟ ". قال: فقل: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس.
صحيح: رواه مسلم في الأشربة (١٧٤: ٢٠٥٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا شبابة بن سوّار، حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد قال: فذكره.
٩٨ - باب أخبار المقدام بن معد يكرب
• عن خالد بن معدان قال: وفد المقدام بن معد يكرب، وعمرو بن الأسود، ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلى معاوية بن أبي سفيان. فقال معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن عليّ توفي؟ فرجع المقدام. فقال له رجل: أتراها مصيبة؟ قال له: ولم لا أراها مصيبة، وقد وضعه رسول الله ﷺ ، في حجره فقال: "هذا مني، وحسين من عليّ! " فقال الأسدي: جمرة أطفأها الله ، قال: فقال المقدام: أما أنا فلا أبرح اليوم حتَّى أغيظك، وأسمعك ما تكره، ثمّ قال: يا معاوية! إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت فكذبني، قال: أفعل، قال: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله ﷺ ، نهى عن لبس الذهب؟ قال: نعم، قال: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله ﷺ ، نهى عن لبس الحرير؟ قال: نعم، قال: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله ﷺ ، نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم، قال: فوالله! لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية، فقال معاوية: قد علمت أني لن أنجو منك يا مقدام، قال خالد: فأمر له معاوية، بما لم يأمر لصاحبيه، وفرض لابنه في المائتين، ففرقها المقدام في أصحابه، قال: ولم يعط الأسدي أحدًا شيئًا مما أخذ، فبلغ ذلك معاوية فقال: أما المقدام فرجل كريم بسط يده، وأمّا الأسدي فرجل حسن الإمساك لشيئه.
حسن: رواه أبو داود (٤١٣١)، وأحمد (١٧١٨٩)، والطَّبرانيّ في الكبير (٢٠/ ٢٦٩) كلّهم من طرق، عن بقية بن الوليد، حَدَّثَنَا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل بقية بن الوليد، وقد تقبل عنعنته مطلقًا، إذا روى عن بحير بن سعد قاله ابن عبد الهادي في تعليقه على علل ابن أبي حاتم.
وهنا روى عن بحير بن سعد مصرحا بالتحديث، والجمهور على أن تصريح بقية عن شيخه ينفي عنه التدليس.
وذكره الذّهبيّ في السير (٣/ ٢٥٨) وقال: "وإسناده قوي".
стр. 6070
٩٩ - باب فضائل أشج عبد القيس وهو المنذر بن عائذ
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: - في قصة وفد عبد القيس - قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس: "إنَّ فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨: ٢٦) عن يحيى بن أيوب، حَدَّثَنَا ابن علية، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عروة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ قال: فذكره. والحديث بطوله مذكور في الإيمان وسيرة الرسول.
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ للأشج - أشج عبد القيس: "إنَّ فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧: ٢٥) من طرق، عن قرة بن خالد، عن أبي جمرة، عن ابن عباس قال: فذكره.
• عن أشج بني عصر: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ فيك لخلقين يحبهما الله". قال: قلت: ما هما؟ قال: "الحلم والحياء". قال: قلت: أقديما كانا أو حديثًا؟ قال: "لا، بل قديمًا". قلت: الحمد الله جبلني على خُلُقين يحبهما الله.
صحيح: رواه ابن أبي شيبة (٢٥٨٥١)، وأحمد (١٧٨٢٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٨٤)، والنسائي في فضائل الصّحابة (٢٠١) كلّهم من طريق يونس (هو ابن عبيد)، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: قال أشج بني عصر فذكره. وإسناده صحيح.
وأشج بني عصر اسمه: المنذر بن عائذ بن العصري المعروف بأشج عبد القيس، وأمّا الهيثميّ فزعم في "المجمع" (٩/ ٣٨٨): "أن عبد الرحمن بن أبي بكرة لم يدرك أشج عبد القيس".
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس: "إنَّ فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (١٤/ ٢٤٧) وفي الأوسط (٥٧٢٣) من طرق، عن نعيم بن يعقوب ويحيى بن طلحة اليربوعي قالا: حَدَّثَنَا فضيل بن عياض، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عمر قال: فذكره.
نعيم بن يعقوب: هو ابن أخت سفيان بن عيينة ذكره ابن حبَّان في الثّقات، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. لكنه توبع في هذا الحديث، تابعه يحيى بن طلحة اليربوعي قال فيه الحافظ: لين الحديث.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣٨٨): "رواه الطبرانيّ من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصَّحيح غير نعيم بن يعقوب وهو ثقة، ورواه في الأوسط من طريق حسنة الإسناد".
وفي معناه عن الوازع بن زارع يقول: أتيت رسول الله ﷺ والأشج المنذر بن عامر أو عائذ بن
стр. 6071
المنذر، ومعهم رجل مصاب، فانتهوا إلى رسول الله ﷺ فلمّا رأوا النَّبِيّ ﷺ وثبوا عن رواحلهم، فقبلوا يده، ثمّ نزل الأشجّ، فعقل راحلته، وأخرج عيبته ففتحها، فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثمّ أتى رواحلهم فعقلها، فأتى النَّبِيّ ﷺ ، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "يا أشج! إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة". فقال: يا رسول الله! أنا تخلقتهما، أو جبلني الله عليهما؟ قال: "بل الله جبلك عليهما". قال: الحمد لله الذي جبلني على خُلُقين يحبهما الله ورسوله.
فقال الوازع: يا رسول الله، إن معي خالًا لي مصابًا فادع الله له، فقال: "أين هو؟ ائتني به". قال: فصنعت مثل ما صنع الأشجّ، ألبسته ثوبيه فأتيته، فأخذ من ردائه يرفعها حتَّى رأينا بياض إبطه، ثم ضرب بظهره فقال: "اخرج عدو الله". فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح.
رواه أحمد (٣٩/ ٤٩٠) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، ثنا مطر بن عبد الرحمن، سمعت هند بنت الوازع أنها سمعت الوازع يقول: فذكره.
وهند بنت الوازع: تكنى بأم أبان لم يرو عنها غير مطر بن عبد الرحمن، ولم أجد بينهما جرحا ولا تعديلًا. وذكرها الذّهبيّ في المجهولات، وقال: تفرّد عنهما مطر الأعنق" الميزان (١١٠٠٤).
وأمّا الحافظ ابن حجر فقال: "مقبولة" أي عند المتابعة ولم أجد لها متابعًا.
ومع ذلك فقد اختلف عليها. فمرة رُوي عنها عن أبيها الوازع كما هنا، ومرة رُوي عنها عن جدها زارع كما عند أبي داود (٥٢٢٥)، ومرة رُوي عنها عن أبيها، عن جدها كما عند الطبرانيّ في الكبير (٥/ ٣ ١٧).
١٠٠ - باب ما جاء في أخبار نبيشة الهذلي الذي سماه النَّبِيّ ﷺ "نبيشة الخير "
هو ابن عمرو بن عوف، وهو ابن عمّ سلمة بن المحبّق، سكن البصرة وهو المعروف بنبيشة الخير. كذا ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب (٤٦٥٨)، وأبو نعيم في معرفة الصّحابة (٢٩٢٣)، وابن حجر في الإصابة (٨٧١٨). وسبب ذلك كما في الحديث الآتي:
• عن أم عاصم، وهي أم ولد سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي قالت: دخل علينا نبيشة، وكان رسول الله ﷺ سماه نبيشة الخير، دخل على رسول الله ﷺ وعنده أسارى، يا رسول الله، إما أن تمنّ عليهم وإما أن تفاديهم، فقال رسول الله ﷺ : "أمرتَ بخير، أنت نبيشة الخير بعد ذلك".
حسن: رواه الحاكم (٣/ ٤٦٣) عن عبد الله بن محمد بن موسى العدل، ثنا محمد بن أيوب، ثنا عيسى بن إبراهيم البَركي، ثنا المعلى بن راشد النبال أبو اليمان، حدثتني أم عاصم فذكرته. وإسناده حسن لأن غالب رجال الإسناد صدوق.
وأم عاصم جدة المعلي بن راشد تابعية روت عن عدد من الصّحابة كما روى عنها عدد من
стр. 6072
الرواة، ومدار هذا الخبر عليها، وشهرة نبيشة الخير تُغني عن جهالة حال أم عاصم. وبالله التوفيق.
١٠١ - باب ما روي في أخبار نقادة الأسدي
رُوي عن نقادة الأسدي: أن رسول الله ﷺ كان بعث نقادة الأسدي إلى رجل يستمنحه ناقة له، وإن الرّجل رده، فأرسل به إلى رجل آخر سواه، فبعث إليه بناقة، فلمّا أبصرها رسول الله ﷺ قد جاء بها نقادة يقودها قال: "اللهم! بارك فيها وفيمن أرسل بها". قال نقادة: يا رسول الله، وفيمن جاء بها؟ قال: "وفيمن جاء بها". فأمر بها رسول الله ﷺ فحُلِبت فدرت، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم! أكثر مال فلان وولده - يعني المانع الأوّل - اللهم! اجعل رزق فلان يومًا بيوم". يعني صاحب الناقة الذي أرسل بها.
رواه ابن ماجة (٤١٣٤) وأحمد (٢٠٧٣٥) كلاهما من طريق غسان بن برزين، حَدَّثَنَا سيار بن سلامة الرياحي، عن البراء السليطي، عن نقادة الأسدي فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل جهالة البراء السليطي؛ فإنه لم يوثّقه غير ابن حبَّان.
١٠٢ - باب فضل عبد الله بن هشام القرشي
• عن أبي عقيل أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام من السوق أو إلى السوق، فيشتري الطعام، فيلقاه ابن الزُّبير وابن عمر فيقولان: أشركنا، فإن النَّبِيّ ﷺ قد دعا لك بالبركة، فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي، فيبعث بها إلى المنزل.
صحيح: رواه البخاريّ في الدعوات (٦٣٥٣) عن عبد الله بن يوسف حَدَّثَنَا ابن وهب حَدَّثَنَا سعيد بن أبي أيوب عن أبي عقيل فذكره.
ذهبتْ به أمه زينب بنت حُميد إلى النَّبِيّ ﷺ ، وهو صغير، فمسح رأسه، ودعا له بالبركة.
١٠٣ - باب ما جاء في ورقة بن نوفل وأخباره
• عن عائشة في قصة أول ما بدئ به الوحي قالت: فانطلقت به خديجة حتَّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرءا تنصر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : "أو مخرجي هم؟ ". قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إِلَّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا،
стр. 6073
ثمّ لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٣)، ومسلم في الإيمان (١٦٠) كلاهما من حديث اللّيث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة يقول: سمعت عائشة فذكرت الحديث، واللّفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
ففيه أن ورقة أقرّ بنبوته ومات قبل أن يدعو الرسول ﷺ الناس إلى الإسلام.
• عن عائشة أن خديجة سألت رسول الله ﷺ عن ورقة بن نوفل، فقال: "قد رأيته في المنام، فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النّار لم يكن عليه بياض".
حسن: رواه أحمد (٢٤٣٦٧) عن حسن بن موسى، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حَدَّثَنَا أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة فذكرته، وصورة الإسناد المرسل إِلَّا أن مراسيل الصّحابة مقبولة عند الجمهور. وابن لهيعة فيه كلام معروف.
ورواه عبد الرزّاق (٥/ ٣٢٤) عن معمر، عن الزهري قال: وسئل رسول الله ﷺ عن ورقة بن نوفل - كما بلغنا - فقال فذكره نحوه.
وبهذا المرسل يتقوى الإسناد الأوّل.
وقد روي موصولًا ولا يصح، رواه الترمذيّ (٢٢٨٨)، والحاكم (٤/ ٣٩٣) كلاهما من طريق يونس بن بكير، حَدَّثَنِي عثمان بن عبد الرحمن، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث غريب، وعثمان بن عبد الرحمن ليس عند أهل الحديث بالقوي".
وأمّا الحاكم فقال: "هذا حديث صحيح الإسناد".
قلت: ليس كما قال، فإن عثمان بن عبد الرحمن هو الوقاصي - نسبة إلى جده الأعلى أبي وقَّاص، ضعيف باتفاق أهل العلم، بل كذّبه ابن معين وقال ابن حبَّان: يروي عن الثّقات الموضوعات لا يجوز الاحتجاج به، وبه أعلّه الذّهبيّ في تلخيص المستدرك فقال: "متروك".
أما ما رُوي عن أسماء بنت أبي بكر أن النَّبِيّ ﷺ سئل عن ورقة بن نوفل فقال: "يبعث يوم القيامة أمة واحدة". فهو منكر.
رواه الطبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٨٢) عن محمد بن عبوس بن كامل السراج، ثنا عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر فذكرته.
وهذا الحديث مما تفرّد به عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان وهو ممن لا يقبل تفرده في مثل هذا الحديث.
١٠٤ - باب أخبار أبي أمامة صدي بن عجلان
• عن أبي أمامة قال: أنشأ رسول الله ﷺ غزوة، فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادع
стр. 6074
الله لي بالشهادة، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم! سلمهم وغنمهم". قال: فسلمنا وغنمنا.
قال: ثمّ أنشأ رسول الله ﷺ غزوا ثانيا، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة، فقال: "اللهم سلمهم وغنمهم". قال: فسلمنا وغنمنا.
قال: ثمّ أنشأ غزوا ثالثا، فأتيته فقلت: يا رسول الله، إني أتيتك مرتين قبل مرتي هذه، فسألتك أن تدعو الله لي بالشهادة، فدعوت الله أن يسلمنا ويغنمنا، فسلمنا وغنمنا، يا رسول الله، فادع الله لي بالشهادة، فقال: "اللهم! سلمهم وغنمهم". قال: فسلمنا وغنمنا.
ثمّ أتيته، فقلت: يا رسول الله، مرني بعمل، قال: "عليك بالصوم فإنه لا مثل له". قال: فما رئي أبو أمامة ولا امرأته ولا خادمه إِلَّا صياما، قال: فكان إذا رئي في دارهم دخان بالنهار، قيل: اعتراهم ضيف، نزل بهم نازل.
قال: فلبثت بذلك ما شاء الله، ثمّ أليته فقلت: يا رسول الله، أمرتنا بالصيام، فأرجو أن يكون قد بارك الله لنا فيه، يا رسول الله، فمرني بعمل آخر، قال: "اعلم أنك لن تسجد لله سجدة إِلَّا رفع الله لك بها درجة وحط عنك بها خطيئة".
صحيح: رواه أحمد (٢٢١٤٠) عن روح، عن هشام، عن واصل مولى أبي عيينة، عن محمد بن أبي يعقوب، عن رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة فذكره.
والكلام على إسناده مبسوط في كتاب الصيام.
١٠٥ - باب فضل أبي بكرة نفيع بن الحارث وأخباره
• عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسول الله ﷺ ثلاثًا فلم يرخص لنا، فقلنا: إن أرضنا أرض باردة، فسألناه أن يرخص لنا في الطهور، فلم يرخص لنا، وسألناه أن يرخص لنا في الدباء، فلم يرخص لنا فيه ساعة، وسألناه أن يرد إلينا أبا بكرة فأبى، وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله". وكان أبو بكرة خرج إلى النَّبِيّ ﷺ حين حاصر الطائف فأسلم.
صحيح: رواه أحمد (١٧٥٣٠) عن يحيى بن آدم، حَدَّثَنَا مفضل بن مهلهل، عن مغيرة، عن شباك، عن الشعبي، عن رجل من ثقيف فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة".
стр. 6075
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٤٢٥) عن عثمان بن الهيثم، حَدَّثَنَا عوف (هو الأعرابي)، عن الحسن (هو البصري)، عن أبي بكرة قال: فذكره.
وسبب هذا الحديث أن كسرى الذي مزّق كتاب النَّبِيّ ﷺ ، سلط الله عليه ابنه فقتله، ثمّ قتل إخوته حتَّى أفضى الأمر بهم إلى تأمير المرأة، فجرّ ذلك إلى ذهاب ملكهم، ومزّقوا كما دعا به النَّبِيّ ﷺ .
١٠٦ - باب في أخبار أبي ثعلبة الخشني
• عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بما يحل لي مما يحرم علي، قال: فصعد في النظر وصوّب، ثمّ قال: "نويبتة". قال: قلت: يا رسول الله، نويبتة خير، أم نويبتة شر؟ قال: "بل نويبتة خير، لا تأكل لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع".
صحيح: رواه أحمد (١٧٧٤٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢١٨) كلاهما من طريق أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، حَدَّثَنَا عبد الله بن العلاء بن زبر، حَدَّثَنِي مسلم بن مشكم، قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣٩٤): "رواه أحمد والطَّبرانيّ في الكبير والأوسط بأسانيد، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصَّحيح".
قوله: "نويبتة": تصغير نابتة أي: نشأ فيهم صغار لحقوا الكبار، وصاروا زيادة في العدد.
تنبيه: ورد في مطبوعة المسند: "حَدَّثَنَا أبو العلاء بن زبر".
والصواب: "عبد الله بن العلاء" كما في إتحاف المهرة (١٧٤٢٦) وكما في الطبرانيّ: "عبد الله بن العلاء بن زبر" لأنه لم يذكر أحد ممن ترجم لعبد الله أنه يكنى أبا العلاء وإنما يكنى أبا زبر، أو أبا عبد الرحمن.
١٠٧ - باب في فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة
• عن أنس أن رسول الله ﷺ أخذ سيفا يوم أحد، فقال: "من يأخذ مني هذا؟ " فبسطوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا، قال: "فمن يأخذه بحقه؟ " قال: فأحجم القوم، قال سماك بن خرشة أبو دجانة: أنا آخذه بحقه. قال: فأخذه، ففلق به هام المشركين.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٤٧٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا عفّان، ثنا حمّاد بن سلمة، ثنا ثابت، عن أنس فذكره.
стр. 6076
١٠٨ - باب فضائل أبي الدحداح الأنصاري
• عن جابر بن سمرة قال: صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح، ثمّ أتي بفرس عري، فعلقه رجل فركبه، فجعل يتوقّص به، ونحن نتّبعه نسعى خلفه قال: فقال رجل من القوم: إن النَّبِيّ ﷺ قال: "كم من عذق معلّق - أو مدلّى - في الجنه لابن الدحداح". أو قال شعبة: "لأبي الدحداح".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٦٥) من طرق عن محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: فذكره.
قوله: "بفرس عري" أي لا سرج عليه.
وقوله: "عذق" بكسر العين هو: الغصن من النخلة.
• عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فأمُرْه أن يعطيني حتَّى أُقيم حائطي بها، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "أعطها إياه بنخلة في الجنّة". فأبى، فأتاه أبو الدحداح فقال: بِعْنِي نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى النَّبِيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إني قد ابتعت النخلة بحائطي قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها، فقال رسول الله ﷺ : "كم مِن عِذق راح لأبي الدحداح في الجنّة". - قالها مرارا - قال: فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح أخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنّة، قالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها.
صحيح: رواه أحمد (١٢٤٨٢)، والطَّبرانيّ في الكبير (٢٢/ ٣٠٠ - ٣٠١)، وصحّحه ابن حبَّان (٧١٥٩) والحاكم (٢/ ٢٠) كلّهم من طرق عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.
وإسناده صحيح.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣٢٤): "رواه أحمد والطَّبرانيّ ورجالهما رجال الصَّحيح".
١٠٩ - باب فضل أبي الدّرداء عويمر بن عجلان
• عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ألفين ما نوزعت أحدًا منكم على الحوض، فأقول: هذا من أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". قال أبو الدّرداء: يا نبي الله، ادع الله أن لا يجعلني منهم، قال: "لست منهم".
حسن: رواه البزّار (٤١١٢)، والطَّبرانيّ في الأوسط (٣٩٩) كلاهما من طريق أبي توبة الربيع بن نافع، حَدَّثَنَا محمد بن هاجر، عن يزيد بن أبي مريم، عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم، عن أبي الدّرداء فذكره.
стр. 6077
وإسناده حسن من أجل يزيد بن أبي مريم فإنه حسن الحديث.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣٦٧): "رواه الطبرانيّ في الأوسط والبزّار بنحوه ورجالهما ثقات" وحسّن إسناده ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٨٥).
تنبيه: ورد في مسند البزّار "يزيد بن أبي مالك" بدل "يزيد بن أبي مريم" ويزيد بن أبي مالك هو: ابن عبد الرحمن بن أبي مالك وهو أيضًا حسن الحديث.
• عن أبي الدّرداء قال: قلت: يا رسول الله بلغني أنك قلت: سيكفر قوم بعد إيمانهم، قال: "أجل، ولست منهم". فمات أبو الدّرداء قبل قتل عثمان ﵄.
صحيح: رواه ابن أبي عاصم في الديات (٨١)، والطَّبرانيّ في الكبير (١/ ٤٥ - ٤٦) كلاهما من طريق يعقوب بن كعب الحلبي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعبد الغفار بن إسماعيل بن عبيد الله، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي عبد الله الأشعري، عن أبي الدّرداء فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣٦٧): "رواه الطبرانيّ ورجاله رجال الصَّحيح غير أبي عبد الله الأشعري وهو ثقة".
١١٠ - باب ما جاء في إسلام أبي ذرّ الغفاري
• عن عبد الله بن الصَّامت قال: قال أبو ذرّ: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأُمُّنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا، وأحسن إلينا، فحسدنا قومه، فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس، فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له، فقلت: أما ما مضى من معروفك فقد كدَّرته، ولا جماع لك فيما بعد، فقرَّبنا صرمتَنا، فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا ثوبه، فجعل يبكي، فانطلقنا حتَّى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتيا الكاهن، فخيَّر أنيسا، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها.
قال: وقد صلَّيتُ يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين، قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي. أصلي عشاء حتَّى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء، حتَّى تعلوني الشّمس.
فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني، فانطلق أنيس حتَّى أتى مكة، فراث عليَّ، ثمّ جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلًا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر كاهن ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء.
стр. 6078
قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله! إنه لصادق، وإنهم لكاذبون.
قال: قلت: فاكفني حتَّى أذهب، فأنظر. قال: فأتيت مكة، فتضعَّفْتُ رجلًا منهم، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إليَّ، فقال: الصابئَ فمال عليّ أهل الوادي بكل مَدْرة وعظم، حتَّى خررت مغشيا عليَّ، قال: فارتفدت حين ارتفعت كأنه نصب أحمر. قال: فأتيت زمزم، فغسلت عني الدماء، وشربت من مائها، ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إِلَّا ماء زمزم، فسمنت حتَّى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع.
قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضُرِبَ على أسمختهم، فما يطوف بالبيت أحد، وامرأتين منهم تدعوان إسافا ونائلة. قال: فأتتا عليَّ في طوافهما، فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى، قال: فما تناهتا عن قولهما. قال: فأتتا عليَّ، فقلت: هن مثل الخشبة، غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان ههنا أحد من أنفارنا. قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ أبو بكر، وهما هابطان، قال: "ما لكما؟ " قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: "ما قال لكما؟ " قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم، وجاء رسول الله ﷺ حتَّى استلم الحجر، وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثمّ صلّى فلمّا قضى صلاله، (قال أبو ذرّ: ) فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام، قال: فقلت: السّلام عليك يا رسول الله. فقال: "وعليك ورحمة الله". ثمّ قال: "من أنت؟ " قال: قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده، فوضع أصابعه على جبهته، فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار. فذهبت آخذ بيده، فقدعني صاحبه، وكان أعلم به مني، ثمّ رفع رأسه، ثمّ قال: "متى كنت ههنا؟ " قال: قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: "فمن كان يطعمك؟ قال: قلت: ما كان لي طعام إِلَّا ماء زمزم، فسمنت حتَّى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع، قال: "إنَّها مباركة، إنها طعام طُعْم".
فقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة، فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته بها، ثمّ غبرت ما غبرت، ثمّ أتيت رسول الله ﷺ فقال: "إنَّه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إِلَّا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله
стр. 6079
أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم" فأتيت أنيسا، فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدَّقتُ. قال: ما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدَّقْتُ، فأتينا أُمّنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدَّقْتُ، فاحتملنا حتَّى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري، وكان سيدهم.
وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله! إخوتنا، نسلم على الذي أسلموا عليه فأسلموا، فقال رسول الله ﷺ : "غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله".
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٤٧٣: ١٣٢) عن هداب بن خالد الأزدي، ثنا سليمان بن المغيرة، أنا حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصَّامت قال: قال أبو ذرّ: خرجنا من قومنا غفار فذكره.
• عن ابن عباس قال: لما بلغ أبا ذرّ مبعث النَّبِيّ ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرّجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثمّ ائتني، فانطلق الأخ حتَّى قدِمَه، وسمع من قوله، ثمّ رجع إلى أبي ذرّ، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتَّى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النَّبِيّ ﷺ ، ولا يعرفه وكره أن يسأل عنه حتَّى أدركه بعض الليل، فرآه علي، فعرف أنه غريب، فلمّا رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتَّى أصبح، ثمّ احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يراه النَّبِيّ ﷺ حتَّى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به عليٌّ، فقال: أما نال للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتَّى إذا كان يوم الثالث، فعاد عليٌّ مثل ذلك، فأقام معه، ثمّ قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنِّي فعلت، ففعل فأخبره، قال: فإنه حق وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتَّى تدخل مدخلي ففعل، فانطلق يقفوه حتَّى دخل على النَّبِيّ ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له النَّبِيّ ﷺ : "ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتَّى يأتيك أمري" قال: والذي نفسي بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتَّى أتى
стр. 6080
المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله. ثمّ قام القوم فضربوه حتَّى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام فأنقذه منهم، ثمّ عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٨٦١)، ومسلم في فضائل الصّحابة (٢٤٧٤) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ثنا المثنى بن سعيد، عن أبي جمرة، عن ابن عباس قال: فذكره.
١١١ - باب ما روي في صدق لهجة أبي ذر ّ
رُوي عن أبي ذرّ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذرّ شبه عيسى ابن مريم" فقال عمر بن الخطّاب كالحاسد: يا رسول الله، أفتعرف ذلك له؟ قال: "نعم فاعرفوه".
رواه الترمذيّ (٣٨٠٢)، وصحّحه ابن حبَّان (٧١٣٢)، والحاكم (٣/ ٣٤٢) كلّهم من طريق العباس بن عبد العظيم العنبري، حَدَّثَنَا النضر بن محمد اليمامي، حَدَّثَنَا عكرمة بن عمار، حَدَّثَنَا أبو زُميل (هو سماك بن الوليد الحنفي)، عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذرّ فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روى بعضهم هذا الحديث، فقال: "أبو ذرّ يمشي في الأرض بزهد عيسى ابن مريم".
ومالك بن مرثد: هو ابن عبد الله الزِّمَّاني لم يوثّقه غير ابن حبَّان والعجلي على قاعدتهما. وأبوه مرثد بن عبد الله لم يرو عنه غير ابنه مالك، ولا يوجد فيه توثيق لمعتبر، ولذا قال فيه الذّهبيّ: فيه جهالة ليس بمعروف.
وبمعناه رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما أقلَّت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذرّ".
رواه الترمذيّ (٣٨٠١)، وابن ماجة (١٥٦)، وأحمد (٦٥١٩)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٣٤٢) كلّهم من طريق الأعمش، عن عثمان بن عمير (ويقال: ابن قيس) أبي اليقظان البجلي، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن عبد الله بن عمرو فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن".
قلت: ليس كما قال، فإن عثمان بن عُمير البجلي أبو اليقظان الكوفي الأعمى ضعيف باتفاق أهل العلم، وكان غاليا في التشيع، وقد اختلط وكان يدلّس.
وبمعناه رُوي عن أبي الدّرداء أيضًا، رواه أحمد (٢١٧٢٤) عن أبي النضر، حَدَّثَنَا عبد الحميد بن بهرام، حَدَّثَنَا شهر بن حوشب، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن غنم، أنه زار أبا الدّرداء بحمص،
стр. 6081
فمكث عنده ليالي، فأمر بحماره فأُوْكِفَ، فقال أبو الدّرداء: ما أراني إِلَّا متبعك. فأمر بحماره فأسرج، فسارا جميعًا على حماريهما، فلقيا رجلًا شهد الجمعة بالأمس عند معاوية بالجابية، فعرفهما الرّجل ولم يعرفاه، فأخبرهما خبر الناس، ثمّ إن الرّجل قال: وخبر آخر كرهت أن أخبركما، أراكما تكرهانه، فقال أبو الدّرداء: فلعل أبا ذرّ نُفِي. قال: نعم والله. فاسترجع أبو الدّرداء وصاحبه قريبًا من عشر مرات، ثمّ قال أبو الدّرداء: ارتقبهم واصطبر، كما قيل لأصحاب الناقة، اللهم! إن كذبوا أبا ذرّ فإني لا أكذبه، اللهم! وإن اتهموه فإني لا أتهمه، اللهم! وإن استغشوه فإني لا أستغشه، فإن رسول الله ﷺ كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدًا، ويُسِرُّ إليه حين لا يُسِرُّ إلى أحد، أما والذي نفس أبي الدّرداء بيده، لو أن أبا ذرّ قطع يميني ما أبغضته بعد الذي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ" وشهر بن حوشب مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم ينفرد ولم يأت بما ينكر عليه، ولم أجد له متابعا على هذا السياق.
ورواه أحمد أيضًا: (٢٧٤٩٣) عن حسن بن موسى وسليمان بن حرب، قالا: حَدَّثَنَا حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن بلال بن أبي الدّرداء، عن أبي الدّرداء أن رسول الله ﷺ قال: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ".
وعلي بن زيد بن جُدعان ضعيف عند أكثر أهل العلم.
ومن أخباره ما رُوي عن أبي ذرٍّ قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو عليّ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، حتَّى فرغ من الآية ثمّ قال: "يا أبا ذرٍّ، لو أن الناس كلّهم أخذوا بها لَكَفَتْهُمْ". قال: فجعل يتلوها ويرددها حتَّى نَعَسْتُ، ثمّ قال: "يا أبا ذرّ، كيف تصنع إن أُخرِجْتَ من المدينة؟ ". قال: قلت: إلى السَّعَة والدَّعة، أنطلق حتَّى أكون حمامة من حمام مكة، قال: "كيف تصنع إن أُخرِجْتَ من مكة؟ ". قال: قلت: إلى السَّعَة والدَّعة، إلى الشام والأرض المقدسة، قال: "كيف تصنع إن أُخرِجْتَ من الشَّام؟ ". قال: قلت: إذا والذي بعثك بالحق! أضع سيفي على عاتقي، قال: "أو خَيرٌ من ذلك؟ ". قال: قلت: أو خَيرٌ من ذلك؟ ، قال: "تَسمع وتُطيع وإن كان عبدًا حَبَشِيًّا".
رواه ابن ماجة (٤٢٢٠)، وأحمد (٢١٥٥١) - والسياق له -، وصحّحه ابن حبَّان (٦٦٦٩)، والحاكم (٢/ ٤٩٢) كلّهم من طرق، عن كهمس بن الحسن، حَدَّثَنَا أبو السّليل، عن أبي ذرّ فذكره.
وإسناده منقطع فإن أبا السَّليل واسمه: ضريب بن نُقير لم يدرك أبا ذرٍّ.
١١٢ - فضل أبي سفيان صخر بن حرب الأموي
• عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان - في قصة فتح مكة في حديث طويل وفيه: قال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن".
стр. 6082
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٨٠ - ٨٦) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حَدَّثَنَا يحيى بن حسان، حَدَّثَنَا حمّاد بن سلمة، أخبرنا ثابت، عن عبد الله بن رباح قال: فذكره.
• عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب، فأسلم بمر الظهران، فقال له العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فلو جعلت له شيئًا. قال: "نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن".
حسن: رواه أبو داود (٣٠٢١)، والطَّبرانيّ في الكبير (٨/ ١٠)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣١) كلّهم من حديث محمد بن إسحاق، حَدَّثَنِي الزّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه إمام في المغازي، وقد صرَّح بالتحديث عند الطبرانيّ.
وأبو سفيان مات سنة ٣٢ هـ وقيل: بعدها.
١١٣ - باب دعاء النَّبِيّ ﷺ لأبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد وكان أخا النَّبِيّ ﷺ من الرضاعة
هو أخو رسول الله ﷺ من الرضاعة، وابن عمته برة بنت عبد المطلب، وأحد السابقين الأوّلين هاجر إلى الحبشة، ثمّ إلى المدينة، وشهد بدرًا وما بعدها بأشهر. وله أولاد: سلمة، وعمرو، ودُرة، وزينب.
• عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثمّ قال: "إنَّ الروح إذا قبض تبعه البصر". فضج ناس من أهله، فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إِلَّا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون". ثمّ قال: "اللهم! اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه".
صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٧: ٩٢٠) عن زهير بن حرب، حَدَّثَنَا معاوية بن عمرو، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الفزاري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أم سلمة فذكرته.
١١٤ - باب أخبار أبي الطفيل عامر بن واثلة
• عن أبي الطفيل قال: أدركت ثمان سنين من حياة رسول الله ﷺ وولدت عام أحد.
حسن: رواه أحمد (٢١٧٩٩) ومن طريقه الطبرانيّ في الأوسط (٤٣٠٢) ثنا ثابت بن الوليد بن عبد الله بن جميع، حَدَّثَنِي أبي قال: قال لي أبو الطفيل فذكر الحديث. واللّفظ للطبراني، ولفظ
стр. 6083
أحمد مختصر: "ولدت عام أحد".
وإسناده حسن من أجل ثابت وأبيه الوليد فهما صدوقان.
وأبو الطفيل اسمه: عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي الكناني، وهو آخر من مات من الصّحابة على الإطلاق سنة ١١٠ هـ.
قال وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه: كنت بمكة سنة عشر ومائة فرأيت جنازة فسألت عنها، فقيل لي أبو الطفيل. انظر: الإصابة (١٠١٩٦).
١١٥ - باب ما جاء في فضائل أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري
• عن أنس بن مالك، قال: لما كان يوم أحد انهزم ناس من الناس عن النبي ﷺ ، وأبو طلحة بين يدي النَّبِيّ ﷺ مجوَّب عليه بحجفة. قال: وكان أبو طلحة رجلًا راميا شديد النزع، وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثًا، قال: فكان الرّجل يمر معه الجعبة من النبل، فيقول: "انثرها لأبي طلحة". قال: ويشرف نبي الله ﷺ ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، لا تشرف، لا يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمِّرَتان، أرى خدم سوقهما، تنقلان القرب على متونهما، ثمّ تفرغانه في أفواههم، ثمّ ترجعان فتملآنها، ثمّ تجيئان تفرغانه في أفواه القوم. ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثًا من النعاس.
متفق عليه: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٨١١) وفي المغازي (٤٠٦٤)، ومسلم في الجهاد (١٣٦: ١٨١١) كلاهما من طريق أبي معمر عبد الله بن عمرو المنقري، ثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز - هو ابن صُهَيب -، عن أنس بن مالك قال: فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
• عن أنس قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتَّى أكون أنا أحدثه. قال: فجاء، فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، فقال: ثمّ تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلمّا رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، وقال: تركتني حتَّى تلطخت، ثمّ أخبرتني بابني، فانطلق حتَّى أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ : "بارك الله لكما في غابر ليلتكما" قال: فحملت. قال: فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه، وكان رسول الله ﷺ إذا أتى
стр. 6084
المدينة من سفر لا يطرقها طروقا. فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله ﷺ . قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا ربّ! إنه يعجبني أن أخرج مع نبيك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتُبِسْتُ بما ترى. قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة! ما أجد الذي كنت أجد. انطلق. فانطلقنا. قال: وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلامًا، فقالت لي أمي: يا أنس! لا يرضعه أحد حتَّى تغدو به على رسول الله ﷺ ، فلمّا أصبح احتملته، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ . قال: فصادفته ومعه ميسم. فلمّا رآني قال: "لعل أم سليم ولدت؟ " قلت: نعم. فوضع الميسم. قال: وجئت به، فوضعته في حجره، ودعا رسول الله ﷺ بعجوة من عجوة المدينة، فلاكها في فيه، حتَّى ذابت ثمّ قذفها في في الصبي، فجعل الصبي يتلمظها، قال: فقال رسول الله ﷺ : "انظروا إلى حب الأنصار للتمر" قال: فمسح وجهه، وسماه عبد الله.
متفق عليه: رواه البخاريّ في العقيقة (٥٤٧٠)، ومسلم في فضائل الصّحابة (٢١٤٤ - ١٠٧) كلاهما من حديث أنس، وهذا لفظ مسلم ولفظ البخاريّ نحوه، ولمسلم ألفاظ مثل سياق البخاري، وقد تقدمت في العقيقة.
• عن أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيرُحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإن أحب أموالي إلي بَيرُحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : "بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين". فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
متفق عليه: رواه مالك في الصّدقة (٢) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول فذكره.
ورواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٦١)، ومسلم في الزّكاة (٢٤: ٩٩٨) كلاهما من طريق مالك به.
• عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أصابني
стр. 6085
الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يضيِّفه هذه الليلة، يرحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ ، لا تدخريه شيئًا. قالت: والله! ما عندي إِلَّا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي، فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثمّ غدا الرّجل على رسول الله ﷺ ، فقال: "لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة" فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٨٩)، ومسلم في الأشربة (٢٠٥٤) كلاهما من طريق فضيل بن غزوان، حَدَّثَنَا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة قال: فذكره. واللّفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
وفي رواية عند مسلم: "فقام رجل من الأنصار، يقال له: أبو طلحة".
وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل، مات سنة ٣٤ هـ.
١١٦ - باب أخبار أبي طلحة
• عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] فقال: ألا أرى ربي يستنفرني شابا وشيخا، جهِّزوني، فقال له بنوه: قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتَّى قبض، وغزوت مع أبي بكر حتَّى مات، وغزوت مع عمر، فنحن نغزو عنك، فقال: جهّزوني، فجهّزوه وركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إِلَّا بعد سبعة أيام، فلم يتغير.
صحيح: رواه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٥٠٧)، وأبو يعلى (٣٤١٣)، وابن حبَّان (٧١٨٤)، والحاكم (٣/ ٣٥٣) كلّهم من حديث حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وصحّحه أيضًا الحافظ ابن حجر في ترجمة زيد بن سهل من الإصابة.
• عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة".
صحيح: رواه أحمد (١٣١٠٥) عن يزيد بن هارون، أخبرنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.
ورواه ابن أبي شيبة (٣٤١٠٧)، وأحمد (١٣٦٠٤)، وأبو يعلى (٣٩٨٣)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣) كلّهم من طرق، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن أنس، عن النبي ﷺ قال:
стр. 6086
"لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة".
وعلي بن زيد بن جدعان هو التيمي البصري ضعيف عند جمهور أهل العلم لكنه لا بأس به عند المتابعة، فقد تابعه ثابت كما تقدّم.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣١٢): "رواه أحمد وأبو يعلى ورجال الرواية الأولى رجال الصَّحيح". قلت: يعني بالرواية الأولى رواية ثابت.
١١٧ - باب مما جماء في أخبار أبي مسعود البدري
• عن شقيق بن سلمة قال: كنت جالسًا مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار فقال أبو مسعود: ما من أصحابك أحد إِلَّا لو شئت لقلت فيه غيرك، وما رأيت منك شيئًا منذ صحبت النَّبِيّ ﷺ أعيب عندي من استسراعك في هذا الأمر، قال عمار: يا أبا مسعود وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئًا منذ صحبتما النَّبِيّ ﷺ أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر، فقال أبو مسعود: - وكان موسرا - يا غلام، هات حلتين، فأعطى إحداهما أبا موسى، والأخرى عمارا، وقال: روحا فيه إلى الجمعة.
صحيح: رواه البخاريّ في الفتن (٧١٠٥، ٧١٠٦، ٧١٠٧) من طريق عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة فذكره.
١١٨ - باب فضائل أبي موسى الأشعري
• عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك. ثمّ سأله عن علي، فذكر محاسن عمله، قال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النَّبِيّ ﷺ ، ثمّ قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد عليّ جهدك. أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ لأبي موسى: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٤٨)، ومسلم في صلاة المسافرين (٢٣٦: ٧٩٣) كلاهما من طرق، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره، واللّفظ لمسلم. وقد جاء في كتاب الله: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧ - ١٩].
والمراد بقوله: مزامير آل داود - أي داود وأولاده.
والمزمار - نوع من العود يضرب به عند التغني، وقد يطلق على حسن الصوت وحده، فإن أبا موسى
стр. 6087
الأشعري ما كان يضرب على العود كما يفعل داود ﵇، وهو كان جائزا في شريعته.
• عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عبد الله بن قيس - أو الأشعري - أعطي مزمارا من مزامير آل داود".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٩٣: ٢٣٥) من طرق عن عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا مالك - وهو ابن مغول -، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه فذكره.
• عن أبي هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد فسمع قراءة رجل فقال: "من هذا؟ ". قيل: عبد الله بن قيس، فقال: "لقد أوتي هذا من مزامير آل داود".
صحيح: رواه النسائيّ (١٠١٩)، وابن ماجة (١٣٤١)، وأحمد (٩٨٠٦، ٨٨٢٠) وصحّحه ابن حبَّان (٧١٩٦) كلّهم من طرق، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح.
• عن عائشة قالت: سمع النَّبِيّ ﷺ قراءة أبي موسى فقال: "لقد أوتي هذا من مزامير آل داود".
صحيح: رواه النسائيّ (١٠٢١، ١٠٢٠)، وأحمد (٢٤٠٩٧) كلاهما من طرق عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح.
• عن البراء بن عازب قال: سمع النَّبِيّ ﷺ أبا موسى يقرأ فقال: "كأن صوت هذا من مزامير آل داود ﵇".
حسن: رواه أبو يعلى (١٦٧٠) عن عبد الرحمن بن صالح، حَدَّثَنَا عبد الرحيم بن سليمان، عن قنان بن عبد الله النهمي، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء فذكره. وإسناده حسن من أجل شيخ أبي يعلى عبد الرحمن بن صالح، وقنان بن عبد الله النهمي فإنهما حسنا الحديث.
وأمّا قول الحافظ في قنان بن عبد الله "مقبول" فالصواب أنه صدوق وثّقه ابن معين وابن حبَّان.
وبمعناه ما رُوي عن سلمة بن قيس أن النَّبِيّ ﷺ مر على أبي موسى وهو يقرأ فقال: "لقد أوتي هذا من مزامير آل داود".
رواه الطبرانيّ في الكبير (٧/ ٤٤) عن عليّ بن عبد العزيز (هو البغوي)، ثنا ابن الأصبهاني (هو: محمد بن سعيد بن سليمان)، ثنا شريك، عن أبي إسحاق رفعه إلى سلمة بن قيس فذكره. وشريك: هو سيء الحفظ.
١١٩ - باب ما جاء في فضائل أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر وأخباره
• عن أبي كثير يزيد بن عبد الرحمن، حَدَّثَنِي أبو هريرة قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت
стр. 6088
رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم! اهد أمّ أبي هريرة". فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله ﷺ ، فلمّا جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثمّ قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله، أبشر قد استجاب الله دعوتك وهَدَى أمّ أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا.
قال: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم! حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين". فما خلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني إِلَّا أحبني.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٤٩١) عن عمرو الناقد، ثنا عمر بن يونس اليمامي، ثنا عكرمة بن عمار، عن أبي كثير، حَدَّثَنِي أبو هريرة فذكره.
وقول أبي هريرة: "فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إِلَّا أحبني" يعني ما يبغضني من أجل دعاء النَّبِيّ ﷺ ، وأمّا المسائل العلمية التي وقعت بين أبي هريرة وبين غيره من كبار الصّحابة فهو لا ينفي وجود الحب بينه وبين الصّحابة والتابعين إلى يومنا هذا إِلَّا من شذّ فافترى عليه فلا عبرة بهم.
• عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إِلَّا الله خالصًا من قبل نفسه".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٧٠) عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنه قال فذكره.
• عن أبي هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث على رسول الله ﷺ ، والله الموعد، إني كنت امرءًا مسكينًا ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم،
стр. 6089
فشهدت من رسول الله ﷺ ذات يوم، وقال: "من يبسط رداءه حتَّى أقضي مقالتي، ثمّ يقبضه، فلن ينسى شيئًا سمعه مني، فبسطت بردة كانت علي، فوالذي بعثه بالحق، ما نسيت شيئًا سمعته منه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٣٥٤)، ومسلم في فضائل الصّحابة (١٥٩ - ٢٤٩٢) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، حَدَّثَنِي الزّهري، أنه سمعه من الأعرج يقول: أخبرني أبو هريرة قال: فذكره.
وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه، وفيه: "من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئًا سمعه مني، فبسطت ثوبي حتَّى قضى حديثه، ثمّ ضممته إلي، فما نسيت شيئًا سمعته منه".
• عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال: "ابسط رداءك". فبسطته، قال: فغرف بيديه، ثمّ قال: ضمّه، فضممته، فما نسيت شيئًا بعده.
صحيح: رواه البخاريّ في العلم (١١٩) عن أحمد بن أبي بكر أبي مصعب، قال: ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال، فذكره.
• عن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة، وعليه ثوبان ممشّقان من كتّان، فتمخّط فقال: بخ بخ أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخرّ فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشيّا عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إِلَّا الجوع.
صحيح: رواه البخاريّ في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٣٢٤) عن سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا حمّاد، عن أيوب عن محمد (هو ابن سيرين) قال: فذكره.
ورواه الترمذيّ في الشمائل (١٣٠) في عيش رسول الله ﷺ لبيان ضيق عيشه ﷺ لأنه لو كان لديه ما ترك أصحابه هكذا.
• عن أبي هريرة قال: لما قدمت على النَّبِيّ ﷺ قلت في الطريق: يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجّت وأبق غلام لي في الطريق، فلمّا قدمت النَّبِيّ ﷺ فبايعته، فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال لي النَّبِيّ ﷺ : "يا أبا هريرة، هذا غلامك". فقلت: هو لوجه الله، فأعتقته.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٩٣) عن محمد بن العلاء، حَدَّثَنَا أبو أسامة، حَدَّثَنَا إسماعيل (هو ابن أبي خالد) عن قيس (هو ابن أبي حازم) عن أبي هريرة قال: فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال النَّبِيّ ﷺ : "ممن أنت؟ " قال: قلت: من دوس قال:
стр. 6090
"ما كنت أرى أن في دوس أحدا فيه خير".
حسن: رواه الترمذي (٣٨٣٨)، والبزار (٩٥٢١) كلاهما عن بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا أبو خلدة (وهو خالد بن دينار)، حدثنا أبو العالية (اسمه: رفيع بن مهران)، عن أبي هريرة قال: فذكره.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وإسناده حسن من أجل بشر بن آدم، وعبد الصمد بن عبد الوارث فإنهما حسنا الحديث.
وقد اختلف على أبي خلدة خالد بن دينار في وصله وإرساله فرجح أبو حاتم الإرسال (٢٥٩٢) والوصل فيه زيادة.
ومعنى الحديث: ليس في الدوس أحد فيه خير إلا من آمن واتبع رسول الله ﷺ مثل أبي هريرة وأبي الطفيل وغيرهما.
١٢٠ - باب ما جاء في توثيق الصديقة بنت الصديق عائشة مرويات أبي هريرة
• عن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة: ألا يعجبك أبو هريرة جاء؟ فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن النبي ﷺ يسمعني ذلك، وكنت أسبّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٩٣) عن حرملة بن يحيى التجيبي أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عائشة قالت، فذكرته.
ورواه البخاري في المناقب (٣٥٦٨) معلقا فقال: "وقال الليث: ثني يونس عن ابن شهاب به، نحوه، وفيه: ألا يعجبك أبو فلان، مكان أبي هريرة.
١٢١ - باب ما جاء في فضائل خال أبي السوّار
• عن أبي السوّار عن خاله قال: رأيت رسول الله ﷺ وأناس يتبعونه فاتبعته معهم، قال: ففجئني القوم يسعون، قال: وأبقى القوم، فأتى علي رسول الله ﷺ ، فضربي ضربة، إما بعسيب أو قضيب أو سواك، أو شيء كان معه، قال: فوالله ما أوجعني، قال: فبت بليلة، قال: وقلت: ما ضربني رسول الله ﷺ إلا لشيء علمه الله في، قال: وحدثتْني نفسي أن آتي رسول الله ﷺ إذا أصبحت، قال: فنزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ فقال: "إنك راع، فلا تكسر قرون رعيتك". قال: فلما صلينا الغداة - أو قال أصبحنا - قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم! إن أناسًا يتبعوني، وإني لا يعجبني أن يتبعوني، اللهم فمن ضربت أو سببت، فاجعلها له كفارة وأجرًا". أو قال:
стр. 6091
"مغفرة ورحمة". أو كما قال.
حسن: رواه أحمد (٢٢٥١٠)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٠٧٦) كلاهما من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثنا السّميط، عن أبي السوّار، حدّثه أبو السوّار، عن خاله قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل السميط السدوسي البصري فإنه حسن الحديث.
قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٤٠٧): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
وأبو السوّار هو العدوي البصري قيل اسمه: حسان بن حريث، وقيل: بالعكس، وقيل: غير ذلك. خال أبي السوّار راوي الحديث صحابي، وجهالة الصحابة لا تضر.
قوله: "العسيب" جريدة من النخل.
١٢٢ - باب فضل رجل أنصاري من بني النبيت
• عن البراء قال: جاء رجل من بني النبيت - قبيلة من الأنصار - فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ثم تقدم فقاتل حتى قتل، فقال النبي ﷺ : "عمل هذا يسيرًا، وأجر كثيرًا".
وفي لفظ: أتى النبي ﷺ رجل مقنّع بالحديد فقال: يا رسول الله! أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله ﷺ : "عمل قليلًا وأجر كثيرًا".
متفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (٢٨٠٨)، ومسلم في الإمارة (١٤٤: ١٩٠٠) كلاهما من طرق عن أبي إسحاق، عن البراء قال: فذكره.
واللفظ الأول لمسلم، واللفظ الثاني للبخاري.
١٢٣ - باب فضل الراعي الذي بشّره النبي ﷺ بأنه خرج من النار
• عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يُغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : "على الفطرة". ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "خرجت من النار". فنظروا فإذا هو راعي معزى.
متفق عليه: رواه مسلم في الصلاة (٣٨٢) من طريق حماد بن سلمة، ثنا ثابت، عن أنس فذكره. ورواه البخاري في الجهاد (٢٩٤٣) من وجه آخر عن أنس به مختصرًا.
• عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره سمعنا مناديا ينادي: الله أكبر، الله أكبر، فقال نبي الله ﷺ : "على الفطرة"، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال نبي الله ﷺ : "خرج من النار"، قال: فابتدرناه، فإذا هو صاحب
стр. 6092
ماشية، أدركته الصلاة، فنادى بها.
صحيح: رواه أحمد (٣٨٦١)، وأبو يعلى (٥٤٠٠)، كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي جحيفة أن رسول الله ﷺ كان في مسير له فسمع مؤذنا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "خلع الأنداد". فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: "خرج من النار". ثم قال رسول الله ﷺ : "تجدونه صاحب معزى معزبة أو صاحب كلاب".
حسن: رواه البزار (٤٢٢٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠٩) كلاهما من طريق أبي قتيبة سلم بن قتيبة، حدثنا عبد الجبار بن العباس، عن عدن بن أبي جحيفة، عن أبيه أبي جحيفة فذكره.
وإسناده حسن من أجل سلم بن قتيبة وعبد الجبار بن العباس فإنهما حسنا الحديث.
قال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٣٥): "رواه البزار ورجاله ثقات".
стр. 6093
جموع فضائل النساء الصحابيات
فضل سيدات بيت النبوة
١ - باب ما جاء في فضائل خديجة وفاطمة
• عن عائشة قالت لفاطمة بنت رسول الله: ﷺ ألا أبشرك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وخديجة بنت خويلد، وآسية امرأه فرعون".
صحيح: رواه أحمد في فضائل الصحابة (١٣٣٦) ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٨٥) عن سعد بن إبراهيم ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدثنا أبي، عن صالح (هو: ابن كيسان)، عن ابن شهاب، عن عروة قال: قالت عائشة: فذكرته.
وإسناده صحيح. وسكت عليه الحاكم.
• عن أنس أن النبي ﷺ قال: "حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وآسية امرأة فرعون".
صحيح: رواه عبد الرزاق (٢٠٩١٩) - ومن طريقه الترمذي (٣٨٧٨) - وأحمد (١٢٣٩١) والبزار في مسنده (٧٢٥٦) وابن حبان (٧٠٠٣) كلهم من طرق، عن عبد الرزاق، عن قتادة، عن أنس فذكره.
وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح".
• عن ابن عباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، قال: "تدرون ما هذا؟ ". فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران".
صحيح: رواه أحمد (٢٦٦٨)، وعبد بن حميد (٥٩٧)، والطحاوي في شرح المشكل (١٤٨)، وابن حبان (٧٠١٠) كلهم من طرق، عن داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
وعلباء: هو ابن أحمر اليشكري، من رجال مسلم وثّقه يحيى بن معين، وأبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات.
стр. 6094
وفي رواية: "نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة، وخديجة، وآسية امرأة فرعون".
رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٤١٥)، والأوسط (٢/ ٦٦) من طرق عن أبي جعفر عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد العزيز بن محمد الدراوردي فإنه حسن الحديث.
٢ - باب في فضائل خديجة بنت خويلد أم المؤمنين
• عن علي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة بنت خويلد".
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٥) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٠) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه قال: سمعت عليا يقول: فذكره.
قوله: "خير نسائها" ورد في صحيح مسلم قال أبو كريب، وأشار وكيع إلى السماء والأرض يعني: كل من بين السماء والأرض من نسائها، فبيّن وكيع مراد الضمير في نسائها.
٣ - باب ما جاء في سلام الله وجبريل على خديجة وبشارتها ببيت في الجنة
• عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام، أو طعام، أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها، ومني، وبشرها ببيتٍ في الجنة لا صخب فيه ولا نصب.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٢٠)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٢) كلاهما من طرق، عن محمد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن إسماعيل قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أكان رسول الله ﷺ بشر خديجة ببيت في الجنة؟ قال: نعم، بشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٩)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٣ - ٧٢) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى، فذكره.
• عن عائشة قالت: بشر رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٤) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته.
• عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أبشر خديجة ببيتٍ في الجنة من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب".
стр. 6095
حسن: رواه أحمد (١٧٥٨)، وأبو يعلى (٦٧٩٧)، وصحّحه ابن حبان (٧٠٠٥)، والحاكم (٣/ ١٨٥، ١٨٤) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرح.
قوله: "من قصب" القصب: لؤلؤ مجوف واسع يعني بيت من لؤلؤة مجوفة.
قوله: "الصخب": اختلاط الأصوات.
وقوله: "النصب": التعب.
٤ - باب في حب النبي ﷺ لخديجة وصديقاتها
• عن عائشة قالت: ما غرت على امرأة للنبي ﷺ ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيتٍ من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائها منها ما يسعهن.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٦) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٥) كلاهما من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: فذكره.
وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه، وزاد - بعد قوله: أن يتزوجني -: "بثلاث سنين" كما زاد - بعد قوله: من قصب -: "في الجنة".
وفي لفظ: "قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه أو جبريل ﵇ أن يبشّرها ببيتٍ في الجنة من قصب".
رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٧)، عن قتيبة بن سعيد حدثنا: حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته.
• عن عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطّعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٨)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٥ - ٧٥) كلاهما من طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكره.
وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه، وفيه زيادة قوله: قالت: فأغضبته يوما فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله ﷺ : "إني قد رزقت حبها".
• عن عائشة قالت: ما غرت للنبي ﷺ على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة،
следующие страницы →