Полный текст (8 687 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
فإذا صحّ تكرار الزواج صحَّ عدد الخصال وهو تسع.
ولعلّ ممّا اضطرب فيه إسماعيل بن عياش أنه جعل هذا الحديث مرة من مسند معد يكرب، كما جعل أخرى من مسند عبادة بن الصّامت.
رواه الآجريّ في الشّريعة (٨١٢) من طريقه عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير ابن مرة، عن عبادة بن الصّامت، فذكره.
ولكن هذا لا يعلّل ما ثبت، أو أنّ هذا الحديث رُوي عن صحابين وكلاهما صحيح.
• عن أبي الدّرداء قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: "يُشفَّع الشّهيد في سبعين من أهل بيته".
حسن: رواه أبو داود (٢٥٢٢) ومن طريقه البيهقيّ (٩/ ١٦٤) عن أحمد بن صالح، حدّثنا يحيى ابن حسان، حدّثنا الوليد بن رباح الذَّماريّ، حدّثني عمي نمران بن عتبة الذَّماريّ، قال: دخلنا على أمّ الدّرداء ونحن أيتام، فقالت: أبشروا فإنّي سمعتُ أبا الدّرداء يقول: قال رسول اللَّه ﷺ (فذكره).
وإسناده حسن من أجل نمران بن عتبة روى عنه حريز بن عثمان، وشيوخ حريز كلّهم ثقات، ولم يوثقه أحدٌ وإنّما ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٧/ ٥٤٤) وروى من طريقه في صحيحه (٤٦٦٠)، ومن طريقه رواه أيضًا الآجريّ في الشّريعة (٨١٤).
أمّا الوليد بن رباح الذّماريّ فقال أبو داود: "صوابه: رباح بن الوليد". وهو: رباح بن الوليد بن يزيد بن نمران الذَّماريّ فانقلب على بعض الرّواة فقالوا: الوليد بن رباح الذّماريّ وهو "صدوق".
وفي الباب عن عثمان بن عفّان مرفوعًا: "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشّهداء".
رواه ابن ماجه (٤٣١٣) عن سعيد بن مروان قال: حدّثنا أحمد بن يونس، قال: حدّثنا عنبسة ابن عبد الرحمن، عن عِلاق بن أبي مسلم، عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفّان، فذكره.
وفيه عنبسة بن عبد الرحمن الأمويّ جمهور أهل العلم متفقون على تضعيفه، وقد رماه أبو حاتم بالوضع، وشيخه علاق بن مسلم أو ابن أبي مسلم "مجهول".
٢٠ - باب ما جاء في شفاعة القرآن لأهله
• عن أبي أمامة الباهليّ، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اقرأوا القرآن، فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرأوا الزّهراوين البقرة وسورة آل عمران، فإنّهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامنان، أو كأنهما غياتيان، أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تُحاجّان عن أصحابهما. اقرأوا سورة البقرة، فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة".
стр. 667
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٠٤) عن الحسن بن علي الحلوانيّ، حدّثنا أبو توبة (وهو الربيع بن نافع)، حدّثنا معاوية (يعني ابن سلّام)، عن زيد، أنه سمع أبا سلّام يقول: حدّثني أبو أمامة، فذكره.
وزيد هو أخو معاوية بن سلّام بن أبي سلّام، فيكون أبو سلّام هو جدّ زيدٍ.
• عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنّ سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له هي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ".
حسن: رواه أبو داود (١٤٠٠)، والترمذيّ (٢٨٩١)، وابن ماجه (٣٧٨٦)، وصحّحه ابن حبان (٧٨٧)، والحاكم (١/ ٥٦٥) كلّهم من طريق شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشميّ، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عباس الجشمي واسم أبيه عبد اللَّه، ذكره ابن حبان في ثقاته، وأخرج حديثه في صحيحه، وصحّحه أيضًا الحاكم، وحسّنه الترمذيّ، وهو من التابعين، وروى عنه جمعٌ، فلا بأس من تحسين حديثه وخاصة في الفضائل والأحكام.
وأمّا ما نقل عن البخاريّ أن الجشمي لم يذكر سماعا فلم أجده في التاريخ (٧/ ٤)، وإنْ وجد في بعض النسخ فذلك راجع إلى مذهبه، والجشمي لم يتهم بالتدليس، فعنعنته تحمل على الاتصال كما هو رأي الجمهور.
وفي الباب ما رُوي عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: "من قرأ القرآن واستظهره، فأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه، أدخله اللَّه به الجنّة، وشفَّعه في عشرة من أهل بيته كلّهم وجبت له النّار".
رواه الترمذيّ (٢٩٠٥) واللّفظ له، وابن ماجه (٢١٦) كلاهما من طريق حفص بن سليمان أبي عمرو، عن كثير بن زاذان، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب، فذكره. واختصره ابن ماجه.
ومن هذا الطّريق رواه أيضًا عبد اللَّه بن أحمد في مسند أبيه (١٢٦٨)، والآجريّ في الشّريعة (٨١٦).
وحفص بن سليمان الأسديّ أبو عمرو مع إمامته في القراءة كان ضعيفًا في الحديث. قال البخاريّ: "تركوه". وقال مسلم: "متروك". وتكلَّم فيه ابنُ معين، وابن المدينيّ، والنسائيّ، والحاكم، وابن عدي وغيرهم. وكان الإمام أحمد حسن الرّأي فيه فقال: "صالح" ولعله يقصد به صلاحه في الدّين، ولجلالته في القراءات، وشيخه كثير بن زاذان مجهول.
قال الذّهبيّ في "الميزان": "كثير بن زاذان عن عاصم بن ضمرة له حديث منكر".
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إِلَّا من هذا الوجه، وليس إسناده صحيح، وحفص ابن سليمان يُضعَّف في الحديث" انتهى.
• * *
стр. 668
جموع أبواب الإيمان باليوم الآخر
١ - باب ما جاء في النَّفخ في الصُّور
قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: ٧٣].
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [سورة الكهف: ٩٩].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [سورة طه: ١٠٢].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠١].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [سورة النمل: ٨٧].
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [سورة يس: ٥١].
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٨].
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [سورة ق: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [سورة الحاقة: ١٣].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [سورة النبأ: ١٨].
قال مجاهد: الصُّور كهيئة البوق.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [سورة المدثر: ٨].
قال ابن عباس: الصُّور.
وقوله تعالى: النَّفخة الأوّلى و ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ النَّفخة الثّانية ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [سورة النازعات: ٦ - ٧]. قاله ابن عباس.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تفضّلوا بين أنبياء اللَّه، فإنّه
стр. 669
يُنفخ في الصُّور، فيصعق مَنْ في السّماوات وَمَنْ في الأرض إِلَّا مَنْ شاء اللَّه، ثم يُنفخ فيه أخرى، فأكون أوَّلَ من بُعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحُوسب بصعقته يوم الطّور، أم بُعث قبلي".
متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤١٤)، ومسلم في كتاب الفضائل (٢٣٧٣) كلاهما عن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن الفضل الهاشميّ، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي الحديث قصة وسيأتي الحديث بطوله في كتاب الفضائل. فضائل موسى ﵇.
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ فذكر خروج الدّجال- ثم قال: "فيبقى شرار النّاس في خفّة الطّير وأحلام السِّباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. فيتمثَّل لهم الشّيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارّةٌ أرزاقهم، وحسنٌ عيشُهم، ثم ينفخ في الصُّور، فلا يسمعه أحدٌ إِلَّا أضغى لِيتًا، ورفع لِيتًا. قال: وأوّلُ من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق النّاس، ثم يرسل اللَّه -أو قال: ينزل اللَّه- مطرًا كأنّه الطّلُّ أو الظّلُّ -نعمان الشّاك- فتنبتُ منه أجسادُ النّاس. ثم يُنفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. . . ".
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٤٠) عن عبد اللَّه بن معاذ العنبريّ، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثّقفيّ. يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو، فذكر الحديث بطوله في قصة خروج الدّجال.
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أُنعم وصاحبُ الصّور قد الْتقم، وحنا جبهته ينتظر متى يُؤمر أن ينفخ". قيل: قلنا يا رسول اللَّه، ما نقول يومئذ؟ قال: "قولوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل على اللَّه توكّلنا".
صحيح: رواه أبو يعلى (١٠٨٤ - تحقيق حسين أسد) عن عثمان، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. وإسناده صحيح. وصحّحه ابن حبّان (٨٢٣).
وأخرجه الحاكم (٤/ ٥٥٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم أبي يحيى التّيميّ، عن الأعمش إِلَّا أنّ إسماعيل ضعيف.
وأمّا ما رواه الترمذيّ (٢٤٣١)، وابن ماجه (٤٢٧٣)، والإمام أحمد (١١٠٣٩) وغيرهم من طريق عطية العوفيّ، عن أبي سعيد ففيه اضطراب فإنّ عطية العوفي ضعيف، وقد اضطرب فيه فمرة يرويه عن أبي سعيد، وأخرى عن ابن عباس، وثالثه عن زيد بن أسلم، وقد أورد هذا الحديث ابنُ
стр. 670
عدي في "الكامل" (٣/ ٨٩١) وذكر فيه هذا الاختلاف.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن طَرْف صاحب الصّور مذ وكِّل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتدّ إليه طرْفه، كأنّ عينيه كوكبان درّيان".
حسن: رواه الحاكم (٤/ ٥٥٨ - ٥٥٩) من طريق محمد بن هشام بن ملاس النّمريّ، عن مروان ابن معاوية الفزاريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ، ثنا يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وقال الذّهبيّ: "صحيح على شرط مسلم".
وإسناده حسن؛ فإنّ محمد بن هشام بن ملاس النّمري الدّمشقيّ ليس من رجال مسلم، بل ليس من رجال التهذيب غير أنّه صدوق كما قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ١١٦) ولذا حسَّنه الحافظ في "الفتح" (١١/ ٣٦٨).
وأمّا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ فهو من رجال مسلم وقال فيه ابن حجر: "مقبول" لأنه لم يوثقه غير ابن حبان فأورده في الثقات (٧/ ١٤٢) وقال: "روى عنه مروان بن معاوية الفزاريّ". وزاد ابن أبي حاتم (٥/ ٣٢١) "عبد الواحد بن زياد". وزاد الذّهبيّ في "الكاشف" ابن عيينة وغيرها. ولكن لمن يذكر أحد توثيقه من أحد الأئمة فهو في عداد المجهولين إِلَّا أن رواية مسلم له اكتسبته قوّة، ولم يأتِ في حديثه ما ينكر عليه، فلا بأس من قبول حديثه في الشّواهد.
تنبيه: إنه وقع تحريف في نسخة الحاكم فقال: "عمرو بن عبد اللَّه بن الأصمّ". والصَّحيح أنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصم؛ لأنه لا يوجد في كتب الرّجال مَنْ اسمه "عمرو بن عبد اللَّه بن الأصمّ".
وفي الباب عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنعم وصاحب الصّور قد التقم القرن، وحنا ظهره ينظر تجاه العرش كأن عينيه كوكبان دُريَّان، لم يَطْرِفْ قطّ مخافة أن يؤمر قبل ذلك".
رواه الخطيب في "تاريخه" (٥/ ١٥٣) والضياء في المختارة (٢٥٦٧) كلاهما من حديث إسماعيل بن علي بن إسماعيل الخطبيّ، قال: حدّثنا أحمد بن منصور بن حبيب أبو بكر المروزيّ الخطيب، قال: حدّثنا عفّان بن مسلم، قال: حدّثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره.
أخرجه الخطيب في ترجمة أحمد بن منصور بن حبيب وقال: حدّث عن عفّان بن مسلم وعمرو ابن عبيد المكتِب. روى عنه الحسن بن محمد بن شعبة الأنصاريّ وإسماعيل الخطبيّ، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا فهو في عداد المجهولين.
٢ - باب ما روي أنّ الذي ينفخ في الصّور هو إسرافيل ﵇
لقد ادّعى الحليمي الإجماع على أنّ الذي ينفخ في الصّور هو إسرافيل كما ذكره
стр. 671
الحافظ في "فتحه" (١١/ ٣٦٨)، ولكن لم يرد فيه حديث صحيح بأنَّ إسرافيل هو الذي ينفخ في الصّور.
وأمّا الحديث المشهور بين النّاس الذي يسمى بحديث الصّور، وإنَّ إسرافيل قد التقم الصّور، وهو شاخص بصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر، فهو حديث ضعيف وإن كان أورده كثير من أهل العلم في كتبهم.
وهو ما روي عن أبي هريرة، أنه قال: حدّثنا رسول اللَّه ﷺ وهو في طائفة من أصحابه- فقال: "إنّ اللَّه ﵎ لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصّور، فأعطاه إسرافيل ﵇ فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر". فقال أبو هريرة ﵁: يا رسول اللَّه، وما الصُّور؟ قال: "القرن". قلت: كيف هو؟ قال: "عظيم! والذي نفسي بيده إنّ عظم دارة فيه كعرض السَّماوات -وقال غيره: إنه قال: والأرض- ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصَّعق، والثّالثة: نفخة القيام لربّ العالمين، يأمر اللَّه إسرافيل بالنفخة الأوّلى، فيقولُ له: انفخ نفخة الفزع، فيفزع له من في السماوات والأرض إِلَّا مَنْ شاء اللَّه، ويأمره فيديمها ويطيلها ولا يفتر وهي التي يقول اللَّه ﵎: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [سورة ص: ١٥]، فيسير اللَّه الجبال فتمر مرّ السَّحاب ثم تكون ترابا ثم ترتج الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول اللَّه ﵎: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ [سورة النازعات: ٦ - ٨]، فتكون الأرض كالسّفينة المرتفعة في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها، وكالقنديل المعلّق بالعرش ترجحه الأرواح، فيبيد النّاس عن ظهرها فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها وترجع ويولي النّاس مدبرين فبينا هم على ذلك إذ تصدَّعت الأرض فانصدعت من قطر إلى قطر فرأوا أمرًا عظيمًا، فأخذهم لذلك من الكرب ما اللَّه به عليم، ثم نظروا إلى السّماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقَّت من قطر إلى قطر، ثم انخسفت شمسها وقمرها قال رسول اللَّه ﷺ : "والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك". قال أبو هريرة ﵁: يا رسول اللَّه؟ فمن استثنى اللَّه حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة النمل: ٨٧]؟ قال: "أولئك الشّهداء وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء فوقاهم اللَّه فزع ذلك اليوم وأمّنهم منه، وهو عذاب اللَّه يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [سورة الحج: ١ - ٢]. فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء اللَّه إِلَّا أنّه يطول، ثم يأمر اللَّه إسرافيل بنفخة الصَّعْق فينفخ نفخة الصَّعق، فيصعق أهل السماوات والأرض إِلَّا من شاء اللَّه، فإذا هم خمدوا جاء ملك الموت ﵇ إلى
стр. 672
الجبّار ﵎، فيقول: يا ربّ، قد مات أهل السماوات والأرض إِلَّا مَنْ شئتَ، فيقول اللَّه -وهو أعلم-: فمن بقي؟ فيقول: يا ربّ بقيتَ أنت الحي الذي لا يموت، وبقي حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل وأنا. فيقول اللَّه : ليمت جبريل وميكائيل. فيتكلّم العرش فيقول: يا ربّ، تميتُ جبريل وميكائيل؟ فيقول اللَّه : اسكت فإنِّي كتبتُ على كل مَنْ تحت عرشي الموت، فيموتان، ويأتي ملك الموت ﵇ إلى الجبَّار ﵎، فيقول: قد مات جبريل وميكائيل، فيقول اللَّه -واللَّه أعلم- فمن بقي؟ فيقول: يا ربّ بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقي حملةُ عرشك، وبقيتُ أنا. فيقول اللَّه : ليمتْ حملة عرشيّ، فيموتون، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبَّار ﵎، فيقول: يا ربّ، قد مات حملةُ عرشك، فيقول اللَّه -وهو أعلم-: فمن بقي؟ فيقول: يا ربّ، بقيتَ أنت الحي الذي لا يموت، وبقيتُ أنا، فيقول اللَّه له: أنت من خلقيّ، خلقتُك لما رأيتُ، فَمُتْ فيموتُ، فإذا لم يبق إِلَّا اللَّه الواحد الأحد الصمد ليس بوالد ولا ولد، كان آخرًا كما كان أوَّلًا قال: لا موت على أهل الجنّة، ولا موت لأهل النّار، ثم يطوي اللَّه ﵎ السماوات والأرض كطيّ السّجل، ثم دحاها ثم يلففها، ثم قال: أنا الجبَّار، ثم هتف بصوته ﵎ وتقدَّس، فقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثم قال: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة غافر: ١٦]. . . ". الحديث بطوله.
رواه أبو الشّيخ في "العظمة" (٣٨٦) -واللّفظ له-، وأبو القاسم الطبرانيّ في "الأحاديث الطوال" (٣٦)، والبيهقي في "البعث" (٦٠٩) كلّهم من طريق إسماعيل بن رافع، عن محمد بن يزيد، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الأنعام (آية: ٧٣): "هذا حديث غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرّد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثّقه، ومنهم من ضعّفه. ونصَّ على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرّازيّ، وعمرو بن علي الفلاس. ومنهم من قال فيه: هو متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلّها فيها نظر، إِلَّا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء".
وقال ابن كثير أيضًا: "وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأمّا سياقه فغريب جدًّا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقًا واحدًا، فأنكر عليه بسبب ذلك" انتهى.
ونقل أيضًا ابنُ عديّ عن البخاريّ أنّه قال: وروى إسماعيل بن رافع، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن رجل، عن محمد بن كعب "حديث الصُّور" مرسل لا يصح. انتهى انظر: الكامل (١/ ٢٧٨).
وقال الحافظ: "اضطرب في سنده مع ضعفه، فرواه عن محمد بن كعب القرظيّ تارة بلا واسطة، وتارة بواسطة رجل مبهم ومحمد، عن أبي هريرة، تارة بلا واسطة، وتارة بواسطة رجل
стр. 673
من الأنصار مبهم أيضًا. وأخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشّاميّ أحد الضّعفاء أيضًا في "تفسيره" عن محمد بن عجلان، عن محمد بن كعب القرظيّ، واعترض مغلطاي على عبد الحقّ في تضعيفه الحديث بإسماعيل بن رافع، وخفي عليه أنَّ الشّاميّ أضعف منه، ولعلّه سرقه منه، فألصقه بابن "عجلان". الفتح (١١/ ٣٦٨).
وكذلك ذكر أبو الشّيخ آثارًا عن التابعين وأتباعهم في كون إسرافيل هو الذي ينفخ في الصّور ومع كونها. موقوفة عليهم فإن في أسانيدهم ضعفًا شديدًا.
٣ - باب ما جاء أنّ الصّور هو القَرْن
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ ﷺ فقال: ما الصُّور؟ قال: "قرنٌ يُنفخُ فيه".
صحيح: رواه أبو داود (٤٧٤٢)، والترمذيّ (٢٤٣٠، ٣٢٤٤) كلاهما من طريق سليمان التيميّ، عن أسلم العجليّ، عن بشر بن شفاف، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكر الحديث، واللّفظ للترمذيّ.
ولفظ أبي داود: "الصور قرنٌ ينفخ فيه".
قال الترمذيّ في الموضع الأوّل: "حسن لا نعرفه إِلَّا من حديث سليمان التيمي". وفي الموضع الثاني: "حسن صحيح، إنّما نعرفه من حديث سليمان التيمي". وفي بعض النسخ عكس ما ذكرته.
والصّواب أنه صحيح فإنّ رجاله ثقات، والتيميّ هو ابن طرخان.
وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٣١٢)، والحاكم (٢/ ٤٣٦).
٤ - باب كيف يحشرُ النّاسُ يوم القيامة
• عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّكم تحشرون حفاةً عراة غُرلًا ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ١٠٤]، وأوَّل من يُكسى يوم القيامة إبراهيم، وإنَّ ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشّمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنّهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصَّالح: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة المائدة: ١١٧ - ١١٨] ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٩)، ومسلم في كتاب الجنة (٢٨٦٠) كلاهما من حديث المغيرة بن النّعمان، قال: حدّثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر
стр. 674
الحديث، واللّفظ للبخاريّ.
وفي بعض الرّوايات: قال: "قام فينا رسول اللَّه ﷺ خطيبًا بموعظة".
وأمّا رُوي عن علي بن أبي طالب: "أوّل من يُكسى إبراهيم قبطيتين، ثم يكسى النبيّ ﷺ حُلّة حبرة، وهو عن يمين العرش". فهو موقوف.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن مسعود: أول ما يُكسى إبراهيم، يقول اللَّه تعالى: اكسُوا خليلي، فيؤتَى برَيْطتين بيضاوين فيلبسهما، ثم يقعد فيتقبل العرش، ثم أُوتى بكسوتي فألبسها، فأقوم عن يمينه مقامًا لا يقومُه أحدٌ غيريّ، يغبطني به الأوّلون والآخرون".
رواه الإمام أحمد (٣٧٨٧) حدّثنا سعيد بن زيد، حدّثنا علي بن الحكم البنانيّ، عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود، في حديث طويل.
عثمان هو ابن عمير البجليّ أبو اليقظان الكوفي الأعميّ، قال الحافظ: "ضعيف واختلط، وكان يدلس، ويغلو في التّشيّع".
وسعيد بن زيد هو أخو حمّاد بن زيد "صدوق له أوهام" كما في التقريب. قال الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٦١ - ٣٦٢): "رواه أحمد والبزّار والطَّبرانيّ، وفي أسانيدهم كلّهم عثمان بن عمير وهو ضعيف".
وصحّحه الحاكم (٢/ ٣٦٤)، فقال الذّهبيّ: "لا واللَّه، فعثمان ضعّفه الدّارقطنيّ".
• عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "تُحشرون حُفاة عُراة غُرْلًا". قالت عائشة: فقلت: يا رسولَ اللَّه، الرّجال والنّساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ ! فقال: "الأمر أشدّ من أن يهمّهم ذاك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٢٧)، ومسلم في كتاب الجنّة (٢٨٥٩) كلاهما من طريق حاتم بن أبي صغيرة، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة، قال: حدّثني القاسم بن محمد بن أبي بكر، أنّ عائشة، فذكرت الحديث.
• وعن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "يُحشر النَّاسُ على ثلاث طرائق: راغبين راهين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويَحْشرُ بقيتهم النّارُ، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتُمسي معهم حيث أمسوا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٥٢٣)، ومسلم في صفة الجنّة (٢٨٦١) كلاهما من حديث وُهيب، عن ابن طاوُس، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الخطّابي: "الحشْر المذكور في هذا الحديث إنّما يكون قبل قيام السّاعة، يحشر النّاس
стр. 675
أحياء إلى الشّام، فأمّا الحشر الذي يكون بعد البعث من القبور، فإنّه على خلاف هذه الصُّورة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها، إنّما هو ما ورد في الخبر أنهم يبعثون يوم القيامة حفاة عُراة بهما غرلًا، وقد قيل: إنّ هذا البعث دون الحشر، فليس بين الحديثين تدافع ولا تضاد". أعلام الحديث (٣/ ٢٢٦٩).
وذكره البغويُّ في "شرح السنة" (١٥/ ١٢٥) دون أن يعزوه إليه.
• عن عبد اللَّه بن أُنيس، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُحشر النَّاسُ يوم القيامة -أو قال: العباد- عُراةً غرلًا بُهْمًا". قال: قلنا: وما بُهْمًا؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه مَنْ بَعُد كما يسمعه مَنْ قَرُب، أنا الملك، أنا الدَّيَّان، ولا ينبغي لأحد من أهل النّار أن يدخل النّار، وله عند أحد من أهل الجنّة حقٌّ حتّى أُقِصَّهُ منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنّة أن يدخل الجنّة ولأحد من أهل النّار عنده حقٌّ حتى أُقِصَّه منه حتّى اللَّطْمةَ". قال: قلنا: كيف وإنَّا إنّما نأتي اللَّه عُراةً غرلًا بُهْمًا؟ قال: "بالحسنات والسَّيِّئات".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٤٠٢) واللّفظ له، والحارث بن أبي أسامة (٤٥) زوائده، والبخاريّ في الأدب المفرد (٩٧٠)، وخلق أفعال العباد (ص ٩٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٥١٤)، والحاكم (٢/ ٤٣٧) -وصحّحه- كلّهم من طرق عن همّام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكيّ، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: بلغني حديثٌ عن رجل سمعه من رسول اللَّه ﷺ ، فاشتريتُ بعيرًا، ثم شددتُ عليه رحليّ، فسرتُ إليه شهرًا حتى قدمتُ عليه الشام، فإذا عبد اللَّه بن أنيس، فقال للبوَّاب: قل له جابر على الباب. قال: ابن عبد اللَّه؟ قلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته. فقلتُ: حديثًا بلغني عنك أنَّك سمعتَه من رسول اللَّه ﷺ في القصاص، فخشيتُ أن تموتَ أو أموتَ قبل أن أسمعه. قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر الحديث).
وإسناده حسن من أجل القاسم بن عبد الواحد المكيّ، وشيخه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، فإنّهما لم يبلغا درجة "الثقات" وحسَّنه أيضًا المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٢٠٢) وإن كان الهيثميّ ﵀ ضعّفه في "المجمع" (١/ ١٣٣) من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، ولكن الصواب أنه حسن الحديث إِلَّا إذا خالف فلا يقبل كما قال الذّهبيّ في ترجمته في "الميزان"، وقد وافق على تصحيح الحاكم له في تلخيص المستدرك.
وعلقه البخاريّ بصيغة الجزم (١/ ١٧٣) وقال: "رحل جابر بن عبد اللَّه مسيرة شهر إلى عبد اللَّه ابن أنيس في حديث واحد".
قال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٧٤)، "وله طريق أخرى أخرجها الطّبرانيّ في مسند الشّاميين،
стр. 676
وتمّام في فوائده من طريق الحجاج بن دينار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، وذكر نحوه. وقال: وإسناده صالح، وله طريق ثالثة أخرجها الخطيب في "الرحلة" من طريق أبي الجارود العنْسيّ -وهو بالنون الساكنة- عن جابر، فذكر نحوه، وفي إسناده ضعف" انتهى.
٥ - باب أنّ الكافر يحشر على وجهه
قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [سورة الإسراء: ٩٧].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [سورة الفرقان: ٣٤].
• عن أنس بن مالك، أنّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه، كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: "أليس الذي أمشاه على الرِّجْلين في الدّنيا قادرًا على أن يُمْشيه على وجهه يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٦٠)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨٠٦) كلاهما من حديث يونس بن محمد البغداديّ، حدّثنا شيبان، عن قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، فذكره. قال قتادة: "بلي وعِزَّة ربِّنا".
٦ - باب وصف الأرض التي يحشر النّاس عليها
• عن سهل بن سعد، قال: سمعتُ النّبيَّ ﷺ يقول: "يُحشر النّاس يوم القيامة على أرض بيضاء عَفْراء كقُرصة نقي".
قال سُهيل أو غيره: "ليس فيها معلم لأحد".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٥٢١)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٩٠) كلاهما من حديث محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدّثني أبو حازم بن دينار، عن سهل بن سعد، فذكره.
وقوله: "قال سهيل أو غيره". هو عند البخاريّ وحده، وأمّا مسلم فساق الحديث بكامله مساقًا واحدًا.
قال الخطّابي: "العَفْرة: بياضٌ ليس بالنَّاصع، والنَّقيُّ: الحوَّار، نُقِّي من القشر والنُّخالة. وقوله: "ليس فيها معْلَم لأحد" يريد أن تلك الأرض مستوية ليس فيها حدب يرد البصر، ولا بناء يستر ما وراءه. والمعْلَم: واحدُ معالم الأرض، أي: أعلامها التي يُهتدى بها في الطُّرق". أعلام الحديث (٣/ ٢٢٦٨).
стр. 677
٧ - باب أوّل من يُدعى يوم القيامة آدم ﵇
• عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "أوّل من يُدعى يوم القيامة آدم، فتراءى ذريتُه، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: أخرج بعث جهنّم من ذريَّتك. فيقول: يا ربّ، كم أُخرج؟ فيقول: أخرج من كلّ مائة تسعة وتسعين". فقالوا: يا رسول اللَّه، إذا أُخذ منا من كلِّ مائةٍ تسعةٌ وتسعون، فماذا يبقى منا؟ قال: "إنّ أمّتي في الأمم كالشّعرة البيضاء في الثور الأسود".
صحيح: رواه البخاريّ في الرّقاق (١٥) عن إسماعيل، حدّثني أخي، عن سليمان، عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، فذكره.
٨ - باب ما جاء في العرْض والحساب
• عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ كانتْ لا تسمعُ شيئًا لا تعرفه راجعتْ فيه حتّى تعرفَه، وأنّ النبيَّ ﷺ قال: "من حُوسب عُذِّب". قالت عائشةُ: فقلتُ: أو ليس يقول اللَّه تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [سورة الانشقاق: ٨]؟ قالتْ: فقال: "إنّما ذلك العرْض، ولكنْ مَنْ نُوقش الحساب يهلك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (١٠٣) عن سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن عمر، قال: حدّثني ابن أبي مليكة، أنّ عائشة زوج النبيّ ﷺ ، فذكره.
ورواه مسلم في الجنّة (٢٨٧٦) من طريق أيوب، عن ابن أبي مليكة، نحوه.
ورواه الشّيخان - البخاريّ (٤٩٣٩، ٦٥٣٧)، ومسلم من وجه آخر عن أبي يونس القشيريّ، عن ابن أبي مليكة إِلَّا أنه أدخل بين ابن أبي مليكة وبين عائشة "القاسم بن محمد".
• عن عبد اللَّه بن الزبير، أنّ النبيّ ﷺ قال: "مَنْ نُوقش الحساب بعمله هلك".
حسن: رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٨٨٦) عن محمد بن مهديّ، ثنا أبو عامر عبد الملك ابن عمرو، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن ابن الزبير، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في محمد بن مسلم وهو الطائفيّ، قال فيه الإمام أحمد: ما أضعف حديثه، ووثقه ابن معين وأبو داود والعجليّ، وذكره ابن حبان في الثقات فهو حسن الحديث، ولذا قال فيه الحافظ في التقريب: "صدوق يخطئ" والظّاهر أنه لم يخطئ في هذا؛ فإنّ له شواهد تقويّه.
٩ - باب الصّراط جسر جهنّم
• عن أبي هريرة، أنّ ناسًا قالوا لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه، هل نرى ربَّنا
стр. 678
يوم القيامة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ ". قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: "هل تضارُّون في الشّمس ليس دونها سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: "فإنّكم ترونه كذلك. يجمعُ اللُه النَّاسَ يوم القيامة، فيقول: مَنْ كان يعبد شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ فَيَتَّبِعُ مَنْ كان يعبد الشّمسَ الشّمسَ، ويَتَّبعُ من كان يعبد القمرَ القمرَ، ويَتَّبِعُ من كان يعبد الطَّواغيتَ الطَّواغيتَ، وتبقى هذه الأمّةُ فيها منافقوها، فيأتيهم اللَّهُ ﵎ في صورةٍ غير صورته التي يعرفونَ. فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك! هذا مكانُنَا حتّى يأتينا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه تعالى في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربُّكم. فيقولون: أنت ربُّنا، فَيَتَّبِعُونه، ويُضْرَبُ الصِّراطُ بين ظَهْرَي جَهَنَّمَ. فأكونُ أنا وأمَّتي أوَّلُ مَنْ يُجيزُ، ولا يتكلَّمُ يومئذ إِلَّا الرُّسُل، ودَعْوَى الرُّسُل يومئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّم. وفي جهنّمَ كلاليبُ مثلُ شَوْك السَّعْدان، هل رأيتم السَّعْدان؟ ". قالوا: نعم، يا رسول اللَّه. قال: "فإنَّها مثلُ شَوْك السَّعْدان، غير أنّه لا يعلمُ ما قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّه، تَخْطَفُ النّاس بأعمالهم. فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهمُ المجازَى حتَّى يُنَجَّي حتَّى إذا فَرَغَ اللَّهُ من القضاء بين العبادِ، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النّار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النّار من كان لا يشرك باللَّه شيئًا ممن أراد اللَّه تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إِلَّا اللَّه، فيعرفونَهم في النّار، يعرفونهم بأثر السُّجود تأكل النّارُ من ابن آدم إِلَّا أثر السُّجود، حرَّم اللَّهُ على النّار أن تأكل أثر السُّجود، فيُخْرجُون من النّار وقد امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عليهم ماءُ الحياةِ فَيَنْبُتُون منه كما تَنْبُتُ الحبَّةُ في حَمِيل السَّيْل. ثم يفرُغُ اللَّه تعالى من القضاء بين العباد، ويبقى رَجُلٌ مقبل بوجهه على النّار -وهو آخر أهل الجنّة دخولًا الجنّة- فيقول: أي ربِّ اصْرِفْ وجهي عن النّار، فإنه قد قَشَبَنِي ريحُها وأحرقني ذَكاؤُها. فيدْعُو اللَّهَ ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوهُ، ثم يقول اللَّه ﵎: هل عسيتَ إنْ فعلتُ ذلك بك أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَه؟ فيقول: لا أسألك غيره، ويُعطي ربَّه من عهودٍ ومواثيقَ ما شاء اللَّه، فيصرفُ اللَّهُ وَجْهَه عن النَّار، فإذا أقبل على الجنَّة ورآها سكت ما شاء اللَّه أَنْ يَسْكُتَ. ثم يقول: أيْ ربِّ قَدِّمْني إلى باب الجنّة. فيقول اللَّه له: أليسَ قد أعطيتَ عهودَك ومواثيقَك لا تسألني غير الذي أعطيتُك، ويَلْك يا ابن آدم ما أغْدَرَكَ! فيقول: أيْ ربِّ ويدعو اللَّه حتّى يقول له: فَهلْ عسيتَ إنْ أعطيتُك ذلك أن تسأل غيَرَه؟ فيقول: لا وعِزَّتِك فيعطي ربَّه ما شاء
стр. 679
اللَّه من عهودٍ ومواثيقَ فيقدِّمُه إلى باب الجنّة فإذا قام على باب الجنَّة انْفَهَقَتْ له الجنَّةُ فرأى ما فيها من الخير والسُّرور. فيسكتُ ما شاء اللَّهُ أن يسكتَ. ثم يقول: أَيْ ربِّ أَدْخِلني الجنَّةَ. فيقول اللَّه ﵎ له: أليس قد أعطيتَ عهودَك ومواثيقَك أن لا تسأل غير ما أعطيت؟ ! ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! فيقول: أيْ ربّ لا أكون أشقى خَلْقِك، فلا يزال يدعو اللَّه حتّى يَضْحَكَ اللَّهُ ﵎ منه فإذا ضَحِكَ اللَّه منه. قال: أُدْخُل الجنّة، فإذا دخلها قال اللَّه له: تَمَنَّهُ فيسأل ربَّه ويتمَنَّى، حتّى إنّ اللَّه ليُذَكِّرُه من كذا وكذا، حتّى إذا انقطعت به الأمانيُّ. قال اللَّه تعالى: ذلك لك ومثلُه معه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٧)، ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد اللّيثيّ، أنّ أبا هريرة أخبره أنّ ناسًا قالوا (فذكر الحديث)، ولفظهما سواء.
قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدريّ مع أبي هريرة لا يردّ عليه من حديثه شيئًا حتّى إذا حدّث أبو هريرة: "إنّ اللَّه قال لذلك الرجل: ومثلُه معه". قال أبو سعيد: "وعشرة أمثاله معه" يا أبا هريرة. قال أبو هريرة: ما حفظت إِلَّا قوله ذلك: "لك ومثله معه". قال أبو سعيد: أشهدُ أنِّي حفظتُ من رسول اللَّه ﷺ قوله ذلك: "لك وعشرة أمثاله". قال أبو هريرة: وذلك الرَّجُل آخر أهل الجنّة دخولا الجنّة".
قوله: "وفي جهنّم كلاليب" الكلاليب جمع كلوب وهي حديدة معطوفة الرّأس يعلق فيها اللّحم وترسل في التّنور.
وقوله: "مثل شَوْك السَّعْدان" السّعدان نبت له شوكة عظيمة مثل الحسك.
وقوله: "امْتَحشُوا" أي احترقوا.
وقوله: "انفهقت" أي انفتحت واتّسعت.
• عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ ناسًا في زمن رسول اللَّه ﷺ قالوا: يا رسول اللَّه، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "نعم". قال: "هل تُضارُّونَ في رؤية الشّمس بالظّهيرة صَحْوًا ليس معها سحابٌ؟ وهل تُضارُّونَ في رؤية القمر ليلة البدر صَحْوًا ليس فيها سحابٌ؟ ". قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: "ما تُضَارُّون في رؤية اللَّه ﵎ يوم القيامة إِلَّا كما تُضَارُّون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعْ كلُّ أُمَّةٍ ما كانت تعبُدُ، فلا يبقى أحدٌ كان يعبد غيرَ اللَّه سبحانه من الأصنامِ والأنصاب إِلَّا يتساقطون في النّار، حتّى إذا لم يبق إِلَّا من كان يعبد اللَّه من
стр. 680
بِر وفاجر وغُبَّر أهل الكتاب، فيُدْعى اليهودُ فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنّا نعبد عزيزَ ابن اللَّه! فيقال: كذّبتم ما اتّخذ اللَّه من صاحبةٍ ولا وَلَدٍ. فماذا تَبْغُون؟ قالوا: عَطشنا يا ربَّنا فاسْقِنا. فيُشار إليهم: ألا تَرِدُون؟ ! فيحشرون إلى النّار كأنّها سرابٌ يَحْطِمُ بعضُها بعضًا، فيتساقطون في النّار، ثم يُدْعَى النَّصَارى. فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كُنّا نعبد المسيحَ ابن اللَّه! فيقال لهم: كذبتُم ما اتّخذ اللَّهُ من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم ماذا تَبْغُون؟ فيقولون: عَطِشْنا يا ربَّنا فاسْقِنا. قال: فيشار إليهم: ألا تَرِدُون؟ ! فيحشرون إلى جهنم كأنّها سرابٌ يحطم بعضُها بعضًا فيتساقطون في النّار. حتى إذا لم يبقَ إلَّا مَنْ كان يعبد اللَّه تعالى من برٍّ وفاجرٍ، أتاهم ربُّ العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها. قال فما تَنْتَظِرون؟ تَتْبَعُ كلُّ أُمَّةٍ ما كانت تعبدُ. قالوا: يا ربَّنا فارقنا النّاسَ في الدُّنيا أَفْقرَ ما كُنّا إليهم ولم نُصَاحِبْهمْ. فيقول: أنا ربُّكم. فيقولون: نعوذ باللَّه منك لا نشرك باللَّه شيئًا -مرتين أو ثلاثا- حتّى إنّ بعضهم ليكاد أن ينقلبَ. فيقولُ: هل بينكم وبينه آيةٌ فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فَيُكشفُ عن ساقٍ، فلا يبقى من كان يسجدُ للَّه من تلقاء نفسِه إلا أَذِنَ اللَّه له بالسُّجود، ولا يبقى من كان يسجد اتّقاءً ورياءً إلّا جعل اللَّهُ ظهرَه طبقةً واحدةً كلّما أراد أن يسجد خَرَّ على قفاهُ، ثم يَرفَعون رؤوسهم، وقد تَحَوَّل في صورته التي رأوه فيها أَوَّل مرّة، فقال: أنا ربُّكم. فيقولون: أنت ربُّنا، ثم يُضْربُ الجسْرُ على جَهَنَّمَ وتَحِلُّ الشَّفاعةُ. ويقولون: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ". قيل: يا رسول اللَّه، وما الجسر؟ قال: "دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، فيه خَطَاطِيُف وكلالِيبُ وَحَسَكٌ، تكونُ بنجدٍ فيها شُوَيْكةٌ يقال: لها السَّعْدانُ، فيمر المؤمنون كطَرْف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مُسَلَّمٌ ومَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ ومَكْدُوسٌ في نار جَهَنَّم. حتى إذا خَلَصَ المؤمنون من النّار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدَّ مُناشَدةً للَّه في استقصاءِ الحقِّ من المؤمنين اللَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النّار. يقولون: ربَّنا كانوا يصومون معنا ويُصلُّون ويَحُجُّون! فيقال لهم: أخرجوا مَنْ عرفتم فتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ على النَّار. فيُخْرِجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النَّارُ إلى نصف ساقية، وإلى ركبتيه. ثم يقولون ربَّنا ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرتنا به. فيقول: ارْجعوا فمن وجدتُم في قلبه مثقالَ دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها أحدًا ممن أمرتنا. ثم يقول:
стр. 681
ارْجعوا فمن وجدتُم في قلبه مثقالَ نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا. ثم يقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها مِمّن أمرتنا أحدًا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقالَ ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها خيرًا".
وكان أبو سعيد الخدري يقول: إِنْ لم تُصَدِّقُوني بهذا الحديث فاقرءوا إنْ شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٤٠]. فيقول اللَّه : "شفعت الملائكةُ، وشفع النّبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الرّاحمين فيقبض قبضةً من النّار، فيُخرجُ منها قومًا لم يعملوا خيرًا قطّ قد عادوا حُمَمًا، فيُلْقيهم في نَهر في أفواه الجنّة يقال له: نهر الحياة، فيخرُجُون كما تَخْرُجُ الْحِبَّة في حَمِيل السَّيْل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشّمس أُصَيْفِرُ وأُخَيْضِرُ، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ ". فقالوا: يا رسول اللَّه، كأنّك كنت ترعى بالبادية! قال: "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفُهم أهلُ الجنّة هؤلاء عتقاء اللَّه الذين أدخلهم اللَّه الجنّة بغير عمل عملوه ولا خير قدّموه. ثم يقول: ادْخلُوا الجنّة فما رأيتموه فهو لكم! فيقولون: ربَّنا أعطيتنا ما لم تعطِ أحدًا من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضل من هذا؟ فيقولون: يا ربَّنا، أيُّ شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رِضايَ فلا أسخطُ عليكم بعده أبدًا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨١)، ومسلم في الإيمان (١٨٣) كلاهما من حديث حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكر الحديث، واللّفظ لمسلم.
وقال مسلم: قرأت على عيسى بن حمّاد زُغْبَة المصريّ هذا الحديث في الشَّفاعةِ وقلتُ له: أُحَدِّثُ بهذا الحديث عنك أنَّك سمعت من الليث بن سعد؟ فقال: نعم. قلت: لعيسى بن حماد أخبرَكُم اللَّيثُ بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ أنه قال: قلنا يا رسول اللَّه، أنري ربَّنا؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "هل تضارُّون في رؤية الشّمس إذا كان يومٌ صَحْوٌ؟ ". قلنا: لا. وسُقْتُ الحديثَ حتّى انقضَى آخرُه، وهو نحو حديث حفص بن ميسرة. وزاد بعد قوله: "بغير عمل عملوه ولا قَدَمٍ قَدَّمُوه" "فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه".
قال أبو سعيد: "بلغني أنّ الجسرَ أَدقُّ من الشَّعْرةِ وأَحَدُّ من السَّيْفِ".
стр. 682
وليس في حديث اللّيث: "فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين وما بعده". فأقر به عيسى بن حمّاد.
• عن ابن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ قال: "آخرُ من يدخل الجنّة رجلٌ، فهو يمشي مرّة ويكبو مرّة، وتَسْفَعُه النّار مرّة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجّاني منكِ، لقد أعطاني اللَّه شيئًا ما أعطاهُ أحدًا من الأوّلين والآخرين. فَتُرْفَعُ له شَجَرةٌ، فيقول: أيْ ربِّ أَدْنِني من هذه الشّجرة فلأستظل بظلِّها، وأشرب من مائها. فيقول اللَّه : يا ابن آدم لعلِّي إنْ أُعطيتُكَها سألتني غيرَها؟ فيقول: لا يا ربّ. ويعاهده أن لا يسأله غيرَها، وربُّه يُعذِرُه لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلِّها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقولُ: أيْ ربِّ أدْنِني من هذه لأشرب من مائها وأستظلّ بظلِّها لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابنَ آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقولُ: لعلّي إن أدنيتُك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربُّه يَعْذِره لأنّه يرى ما لا صبرَ له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي عند باب الجنّة هي أحسن من الأولَيَيْن. فيقول: أيْ ربِّ، أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا ربّ، هذه لا أسألك غيرها وربُّه يَعْذِره لأنّه يرى ما لا صبرَ له عليه. فيدنيه منها، فإذا أدناه منها فيسمع أصواتَ أهل الجنّة، فيقول: أيْ ربِّ أدخلنيها. فيقول: يا ابن آدم ما يَصْرِيني منك؟ أيُرْضِيكَ أن أعطيك الدُّنيا ومثْلَها معها؟ قال: يا رب أتستهزئ مني وأنتَ ربُّ العالمين".
فضحك ابنُ مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مِمّ تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: مِمّ تضحك يا رسول اللَّه؟ قال: "من ضحك ربّ العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت ربُّ العالمين. فيقول: إنّي لا أستهزئُ منك، ولكنّي على ما أشاء قدير، فيدخله الجنّة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عفّان بن مسلم، حدّثنا حمّاد بن سلمة، حدّثنا ثابت، عن أنس بن مالك، عن ابن مسعود، فذكره. إلّا أنّ مسلمًا لم يذكر لفظ "الصّراط" وهو ثابت عند غيره، وإنّما اكتفى بقوله: "يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسعفه النّار مرة".
стр. 683
• عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "يجمعُ اللَّه ﵎ النّاسَ، فيقوم المؤمنون حتّى تُزْلَفُ لهم الجنّة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنّة فيقول: وهل أَخْرجَكُم من الجنّة إلّا خطيئة أبيكم آدم؟ ! لستُ بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل اللَّه، قال: فيقول إبراهيم: لستُ بصاحب ذلك، إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعْمِدُوا إلى موسى ﷺ الذي كلّمه اللَّه تكليمًا، فيأتون موسى ﷺ فيقول: لستُ بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كَلِمةِ اللَّه وروحه، فيقول عيسى ﷺ : لستُ بصاحب ذلك. فيأتون محمّدًا ﷺ فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانةُ والرَّحم، فتقومان جَنَبَتَيْ الصِّراط يمينًا وشمالًا فيمرُّ أوّلكم كالبرق". قال: قلتُ: بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال: "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمرّ الرّيح، ثم كمرّ الطّير وشدّ الرّجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيُّكم قائمٌ على الصِّراط يقول: ربِّ سَلِّم سَلِّم، حتّى تَعْجِز أعمالُ العباد حتى يجيء الرَّجُل فلا يستطيعُ السَّيْر إلّا زَحْفًا. قال: وفي حافتي الصِّراط كلاليب مُعَلَّقة مأمورةٌ بأخذ مَنْ أُمِرتْ به، فمخدوشٌ ناجٍ، ومكدوسٌ في النّار". والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنّم لسبعون خريفًا.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٥) عن محمد بن خليفة البجليّ، حدّثنا محمد بن فضيل، حدّثنا أبو مالك الأشجعيّ، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
وأبو مالك، عن ربعيّ، عن حذيفة، قالا (فذكرا الحديث).
• عن جابر بن عبد اللَّه، أنّه سئلُ عن الورود، فقال: "نحن يوم القيامة على كذا وكذا -انظر، أي: ذلك فوق النّاس- قال: فتُدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأوّل فالأوّل، ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك، فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربَّنا. فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلّى لهم يَضْحَك".
قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ قال: "فينطلقُ بهم ويتَّبعونه، ويُعطى كلُّ إنسان منافق أو مؤمن نورًا، ثم يتّبعونه، وعلى جسر جهنّم كلاليب وحَسَك تأخذ من شاء اللَّه، ثم يُطْفأ نورُ المنافق، ينجو المؤمنون، فتنجو أوّل زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدْر سبعون ألفًا لا يُحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوإ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تَحِلُّ الشَّفاعةُ حتى يخرج من النّار مَنَ قال: لا إله إلّا اللَّه، وكان في قلبه من الخير ما يزنُ شعيرةً، فيجعلون بفناء أهل الجنّة، ويجعلُ أهل الجنّة يرُشّون عليهم الماء، حتّى ينْبُتُوا
стр. 684
نباتَ الشَّيء في السَّيل، ثم يسألُ حتّى يُجعلَ له الدّنيا وعشرةُ أمثالها معها".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩١) من طرق عن روح بن عبادة، حدّثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يسأل عن الورود، فذكره.
ومن هذا الوجه رواه الإمام أحمد (١٥١١٥) واللّفظ له.
قوله: "كذا وكذا - انظر" هكذا في جميع نسخ مسلم، وهو محرّف يقينًا.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: "هكذا وقع هذا اللّفظ في جميع الأصول من صحيح مسلم. واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنّه تصحيف وتغيير واختلاط في اللفظ. قال الحافظ عبد الحق في كتابه "الجمع بين الصحيحين" هذا الذي وقع في كتاب مسلم تخليط من أحد النّاسخين أو كيف كان. وقال القاضي عياض: هذه صورة الحديث. وفي كتاب ابن أبي خيثمة من طريق كعب بن مالك: "يحشر النّاس يوم القيامة على تل، وأمتي على تل". وذكر الطبريّ في التفسير من حديث ابن عمر: "فيرقي هو -يعني محمدًا- وأمته على كوم فوق النّاس". وذكر من حديث كعب بن مالك: "يحشر النّاس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل". قال القاضيّ: فهذا كلّه يبين ما تغيّر من الحديث، وأنّه كان أظلم هذا الحرف على الرّاوي، أو امّحي فعبّر عنه: "بكذا وكذا"، وفسّره بقوله: أي "فوق النّاس"، وكتب عليه: "انظر" تنبيهًا، فجمع النقلةُ الكلَّ ونسقوه على أنّه من متن الحديث كما تراه". انتهى.
• عن عائشة، قالت: سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن قول اللَّه : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [سورة إبراهيم: ٤٨] فأين يكون النّاس يومئذ يا رسول اللَّه؟ فقال: "على الصراط".
صحيح: رواه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٩١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا علي بن مسهر، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته.
• عن أبي سعيد يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ : يقول: "يُوضَعُ الصِّراط بين ظَهْرَي جَهَنَّمَ، عليه حَسَكٌ كحَسَكِ السَّعْدان، ثم يَسْتجيزُ النّاسُ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومجروحٌ به، ثم ناجِ ومُحْتَبس به منكوس فيها، فإذا فرغ اللَّه من القضاء بين العباد يفقدُ المؤمنون رجالًا كانوا معهم في الدُّنيا يُصَلُّون بصلاتهم، ويُزَكُّون بزكاتهم، ويَصُومُون صيامهم، ويَحُجُّون حَجَّهم، ويَغْزُون غَزْوَهم، فيقولون: أيْ ربَّنا عبادٌ من عبادك كانوا معنا في الدّنيا يصلون صلاتنا، ويزكون زكاتنا، ويصومون صيامنا، ويحجّون حجّنا، ويغزون غزونا، لا نراهم؟ ! فيقول: اذهبوا إلى النّار فمن وجدتم فيها منهم فأخرجوه. قال: فيجدونهم قد أخذتهم النّار على قدر أعمالهم،
стр. 685
فمنهم من أخذتْه إلى قَدميه، ومنهم مَنْ أخذَتْه إلى نصف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى ركبتيه، ومنهم من أَزَّرَتْه، ومنهم من أخذتْه إلى ثدييه، ومنهم من أخذته إلى عنقه، ولم تغشَ الوجُوه، فيستخرجونهم منها، فَيُطرحون في ماء الحياة". قيل: يا رسول اللَّه، وما الحياة؟ قال: "غُسْلُ أهل الجنّة، فينبتون نبات الزّرعة". وقال مرة فيه: "كما تنبت الزرعة في غثاء السّيل". "ثم يشفع الأنبياء في كلِّ من كان يشهد أن لا إله إلّا اللَّه مخلصًا، فيخرجونهم منها"، قال: "ثم يَتَحَنَّنُ اللَّه برحمته على مَنْ فيها، فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقالُ حَبَّةٍ من إيمان إلا أخرجه منها".
حسن: رواه الإمام أحمد (١١٠٨١) واللّفظ له، وابن خزيمة في التوحيد (٦٤٨)، وابن ماجه (٤٢٨٠) مختصرًا، والحاكم (٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦) -وصحّحه- كلّهم من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عبيد اللَّه بن المغيرة بن مُعيقيب، عن سليمان بن عمرو بن عبد العُتْواريّ -أحد بني ليث- وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد، قال: سمعت أبا سعيد يقول (فذكره).
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
قلت: إسناده حسن؛ لأنّ فيه محمد بن إسحاق وقد صرَّح بالتحديث.
وأما قول الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". فهذا وهم منه؛ لأنّ عبيد اللَّه بن المغيرة بن مُعيقيب وشيخه سليمان بن عمرو بن عبد العُتواريّ لم يخرِّج له مسلم غير أنّهما ثقتان.
١٠ - باب أوّل من يتجاوز الصّراط هم فقراء المهاجرين
• وعن ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ قال: كنت قائما عند رسول اللَّه ﷺ فجاء حَبْرٌ من أحبار اليهود، فقال: السّلام عليك يا محمّد! فدفعتُه دفعةً كاد يُصْرعُ منها. فقال: لِمَ تدفعني؟ فقلتُ: ألا تقولُ: يا رسول اللَّه؟ فقال اليهوديُّ: إنّما ندعوه باسمه الذي سمّاه به أهلُه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اسمي محمّد الذي سمّاني به أهلي". فقال اليهوديُّ: جئتُ أسألُك. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أينفَعُك شيءٌ إن حدّثْتُك؟ ". قال: أسمع بأُذني، فَنَكَتَ رسولُ اللَّه ﷺ بعُودٍ معه فقال: "سَلْ". فقال اليهوديُّ: أين يكون النّاسُ يوم تُبدَّل الأرض غيرَ الأرض والسماواتُ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هم في الظُّلْمة دون الجسر". قال: فمن أوّل النّاس إجازةً؟ قال: "فقراء المهاجرين". قال اليهوديُّ: فما تحفتهم حين يدخلون الجنّة؟ قال: "زيادة كبدِ النُّون". قال: فما غذاؤهم على إثْرها؟ قال: "يُنحر لهم ثورُ الجنّة الذي كان يأكل من أطرافها". قال: فما شرابُهم عليه؟ قال: "من عين فيها تُسمّى سلسبيلًا". قال: صدقت".
стр. 686
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣١٥) من حديث أبي سلّام قال: حدّثني أبو أسماء الرّحبي، أنّ ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ قال (فذكر الحديث) في سياق أطول.
١١ - باب لا تقوم السّاعةُ إلّا على شرار النّاس وذهاب الإيمان قبل قيام السّاعة
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه يبعث ريحًا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدعُ أحدًا في قلبه مثقال حبّة -وفي رواية: مثقال ذرة- من إيمان إلّا قبضتْه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١١٧) من طرق عن صفوان بن سُليم، عن عبد اللَّه بن سلمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
قال القرطبيّ: "هذه الرّيح إنّما تُبعث بعد نزول عيسى ابن مريم، وقتله الدّجال كما في حديث عبد اللَّه بن عمرو إلا أن فيه تأتي قبل الشّام، فيجوز أن مبدؤها من قبل اليمن، ثم تمر بالشّام، فتهب منه على من يليه، وقبض الإيمان في هذا الحديث هو بقبض أهله كما جاء في حديث عبد اللَّه بن عمرو" وهو الآتي
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثم يُرسل اللَّه ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه، حتى تقبضه" قال: وسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "فيبقى شرار النّاس في خفّةِ الطير، وأحلام السباع. لا يعرفون معروفًا، ولا يُنكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون. فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان".
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٤٠) عن عبد اللَّه بن معاذ العنبري، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، يقول سمعت عبد اللَّه بن عمرو في حديث طويل سبق ذكر بعضه في باب النفخ في الصور.
• عن أنس بن مالك، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقومُ السّاعةُ حتّى لا يقال في الأرض: اللَّه، اللَّه".
وفي رواية: "لا تقوم الساعة على أحد يقول: اللَّه، اللَّه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٤٨) من طرق عن ثابت، عن أنس، فذكره.
ولا يعارض هذا قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ إلى يوم القيامة". كما رواه مسلم (١٥٦) من حديث جابر بن عبد اللَّه؛ لأنّ هذه الطّائفة يقاتلون الدّجال، ويجتمعون بعيسى ﵇، ثم لا يزالون على ذلك إلى أن يقبضهم اللَّه بالرّيح اليمانية التي لا تُبقي مؤمنًا
стр. 687
إلّا قبضته، فيبقى شرار الخلق بعدهم ليس فيهم من يقول: "اللَّه اللَّه، يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة". أفاده القرطبي في المفهم (١/ ٣٦٥).
١٢ - باب لا يعلم أحدٌ متى تقوم السّاعةُ إلّا اللَّه سبحانه وحده
• عن جابر بن عبد اللَّه، قال: سمعتُ النبيّ ﷺ يقول -قبل أن يموت بشهر-: "تسألوني عن السّاعة؟ وإنما علمها عند اللَّه. وأقسم باللَّه، ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٥٣٨) من طريق حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه، يقول (فذكره).
ورواه (٢٥٣٨) من وجه آخر عن سالم، عن جابر، قال: قال نبيُّ اللَّه ﷺ : "ما من نفسٍ منفوسةٍ تبلغ مائة سنة".
فقال سالم: "تذاكرنا ذلك عنده، إنّما هي كلُّ نفس مخلوقة يومئذ".
• عن أبي سعيد قال: لما رجع النبيّ ﷺ من تبوك سألوه عن السّاعة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تأتي مائةُ سنة، وعلى الأرض نفسٌ منفوسةٌ اليوم".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٥٣٩) من طريقين عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكر الحديث.
• دخل أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري على علي بن أبي طالب، فقال له على: أنت الذي تقول: لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف، إنّما قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يأتي على النّاس مائةُ سنة وعلى الأرض عينٌ تَطرف ممّن هو حيّ اليوم، واللَّهِ إنّ رخاء هذه الأمّة بعد مائة عام".
حسن: رواه الإمام أحمد (٧١٤) من طريق نُعيم بن دجاجة أنه قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل نعيم بن دجاجة روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الذهبي في الكاشف، وخرّج له النسائي في المجتبى، وقال الحافظ في التقريب: "مقبول".
قلت: وحديثه هذا ليس فيه ما يستنكر، بل له أصول صحيحة، واللَّه أعلم.
١٣ - باب أنّ العبد يُبعث على ما مات عليه
• عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أنزل اللَّه بقوم عذابًا، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بُعثوا على أعمالهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧١٠٨)، ومسلم في صفة الجنّة والنار (٢٨٧٩) كلاهما
стр. 688
من حديث يونس، عن الزهريّ، أخبرني حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، أنه سمع ابن عمر، فذكره، ولفظهما سواء.
• عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ قبل وفاته بثلاث يقول: "لا يموتنَّ أحدكم إلّا وهو يحسنُ باللَّه الظَّنَّ".
صحيح: رواه مسلم في كتاب صفة الجنّة والنار (٢٨٧٧) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا يحيى بن زكريا، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره.
• عن جابر، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُبعثُ كلُّ عبد على ما مات عليه".
صحيح: رواه مسلم في صفة الجنّة والنار (٢٨٧٨) من طرق عن جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره.
• عن فضالة بن عبيد، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "من مات على مرتبة من هذه المراتب بُعث عليها". قال حيوة: يقول: رباط، حج، أو نحو ذلك.
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٩٤١) عن إبراهيم بن إسحاق، حدّثنا ابن المبارك (والحديث في كتاب الجهاد له: ١٧٣) عن حيوة بن شريح، قال: أخبرني أبو هانئ الخولانيّ، أنّ عمرو بن مالك الجَنْبيّ (بفتح الجيم وسكون النون) أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يحدِّث عن رسول اللَّه ﷺ ، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٢٣٩٤٥)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٠٥) كلاهما من حديث أبي عبد الرحمن المقرئ، حدّثنا حيوة، وابن لهيعة، قالا: أنبأنا أبو هانئ، أنّ أبا على الجنْبيّ حدّثه أنه سمع فضالة بن عبيد، فذكر مثله.
وصحّحه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٤٤) بعد أن رواه من وجه آخر عن عبد اللَّه، قال: أخبرني حيوة بن شريح بإسناده مثله، وزاد فيه فضالة فقال: وسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "كلّ ميت يُختم على عمله إلّا الذي مات مرابطًا في سبيل اللَّه ينمو له عملُه إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر". وقال: "صحيح على شرط الشّيخين".
وأما الهيثمي فأورده في المجمع (١/ ١١٣) ولكنه قصّر في العزو، فلم يعزُ إلى أحمد، وإنما عزاه إلى الطبراني في الكبير فقط وقال: "ورجاله ثقات في أحد السّندين".
• عن جابر بن عبد اللَّه، قال: سمعُت الَّنبيَّ ﷺ يقول: "يُبعث كلُّ عبد على ما مات عليه، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه".
حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٧٣١٣) عن الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا الحسن بن الصباح البزّار، حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: أخبرني إبراهيم بن عقيل بن معقل، عن أبيه، عن وهب بن منبّه، عن جابر، فذكره.
стр. 689
وفي الإسناد الحسن بن الصبّاح البزار، وشيخه إسماعيل بن عبد الكريم، وشيخه إبراهيم بن عقيل بن معقل، وأبوه عقيل بن معقل كلّهم صدوق.
• * *
стр. 690
جموع أبواب الإيمان بالقضاء والقدر
١ - باب ما جاء في الإيمان بالقدر
قال اللَّه تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [سورة الحديد: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٨].
قال مالك بن أنس: "ما أضلّ من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجّة إلّا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [سورة التغابن: ٢] لكفى بها حجّة".
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سلوني". فهابوه أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول اللَّه، ما الإسلام؟ قال: "لا تشركْ باللَّه شيئًا، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان". قال: صدقتَ. قال: يا رسول اللَّه، ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن باللَّه وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كلّه". قال: صدقت". فذكر الحديث بطوله.
متفق عليه: رواه مسلم في الإيمان (١٠) عن زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن عمارة (وهو ابن القعقاع)، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
ورواه البخاريّ في الإيمان (٥٠) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، (وهو المعروف بابن علية)، وفي التفسير (٤٧٧٧) من طريق جرير بن عبد الحميد، كلاهما عن أبي حيان التيمي، عن أبي زرعة بإسناده ولفظه: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث" ولم يذكر فيه الكتب والقدر، فأما الإيمان بالكتب فهو في رواية الأصيلي كما أشار الحافظ في الفتح، وأما الإيمان بالقدر فزاده الإسماعيلي في مستخرجه.
ورواه أبو داود (٤٦٩٨)، والنسائيّ (٤٩٩١) كلاهما من طريق جرير، عن أبي فروة الهمداني، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي ذر وأبي هريرة، قالا: كان رسول اللَّه ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب، فلا يدري أيّهم هو حتّى يسأل، فطلبنا إلى رسول اللَّه ﷺ أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكَّانًا من طين كان يجلس عليه، وإنّا لجالسون ورسول اللَّه ﷺ في مجلسه إذ أقبل رجل أحسن النّاس وجهًا، وأطيب النّاس ريحًا، كأنّ ثيابه لم يمسّها دنسٌ
стр. 691
حتّى سلَّم في طرف البساط. فذكر الحديث بطوله، واختصره أبو داود.
• عن ابن الدّيلميّ قال: أتيتُ أُبيَّ بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيءٌ من القدر، فحدّثني بشيء لعلّ اللَّه أن يذهبه من قلبي، قال: لو أنّ اللَّه عذّب أهل سماواته، وأهل أرضه عذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقتَ مثل أُحد ذهبًا في سبيل اللَّه ما قبله اللَّه منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك لدخلتَ النّارَ. قال: ثم أتيتُ عبد اللَّه بن مسعود، فقال مثل ذلك، ثم أتيتُ حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيتُ زيد بن ثابت، فحدّثني عن النّبيّ ﷺ مثل ذلك.
حسن: رواه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧) كلاهما من طريق أبي سنان، عن وهب بن خالد الحمصيّ، عن ابن الدّيلميّ، فذكر مثله.
وصحّحه ابنُ حبان (٧٢٧) بعد أن رواه من هذا الوجه.
قلت: والحديث من أوله موقوف على أبي بن كعب، وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان. مرفوع من حديث زيد بن ثابت.
وإسناده حسن من أجل أبي سنان وهو سعيد بن سنان البرجميّ من رجال مسلم، تكلّم فيه الإمام أحمد وغيره. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
ولكن جاء الحديث من وجه آخر عن معاوية بن صالح، أنّ أبا الزّاهريّة حدّثه، عن كثير بن مرّة، عن ابن الدّيلميّ، أنّه لقي زيد بن ثابت فقال له: إنّي شككتُ في بعض القدر، فحدِّثْني لعلّ اللَّه يجعل لي عندك فرجًا. قال زيد: نعم يا ابن أخي إنّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر الحديث نحوه).
أخرجه الآجريّ في الشّريعة (٣٧٣) عن الفريابيّ، قال: حدّثني ميمون بن الأصبغ النّصيبي، حدّثنا أبو صالح عبد اللَّه بن صالح، قال: حدّثني معاوية بن صالح، بإسناده.
ومعاوية بن صالح حسن الحديث، وله متابعات أخرى انظر "السنة" لابن أبي عاصم (٢٤٥).
وأما ما رُوي عن أبي أيوب الأنصاريّ أنه قال: يا رسول اللَّه، أيقدرُ اللَّهُ عليَّ أمرًا ثم يُعذِّبني عليه؟ قال: "نعم، وهو غير ظالم لك يا أبا أيوب، فلو كان لك مثل أحد ذهبًا تنفقه في سبيل اللَّه، ولم تؤمن بالقدر خيره وشرّه لم ينفعك ذلك شيئًا".
رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٦١٤) وفي الإسناد أبو الحجاج وهو رشدين بن سعد المصريّ، ضعيف. قال النسائيّ: متروك الحديث.
стр. 692
• عن أبي الدّرداء، عن النّبيّ ﷺ قال: "ولا يدخل الجنّة عاق، ولا مُدمن خمر، ولا مُكذِّب بقدر".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٤٨٤)، والبزّار -كشف الأستار (٢١٨٢) - كلاهما من طريق سليمان بن عتبة أبي الرّبيع الدِّمشقيّ، قال: سمعتُ يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس عائذ اللَّه، عن أبي الدّرداء، فذكر مثله.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن أبي عاصم في السنة (٣٢١)، الفريابي في القدر (٢٠١)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٦٩٦)، وابن ماجه (٣٣٧٦) إلّا أنّ الأخير اقتصر على قوله: "لا يدخل الجنّةَ مُدمنُ خمر".
وإسناده حسن من أجل الكلام في سليمان بن عتبة غير أنّه حسن الحديث.
• عن عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يؤمنُ عبد حتّى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر".
صحيح: رواه الترمذيّ (٢١٤٥) عن محمود بن غيلان، حدّثنا أبو داود، أنبأنا شعبة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن علي، فذكر مثله.
وأبو داود هو الطّيالسيّ والحديث في مسنده (١٠٦).
ورواه ابن ماجه (٨١) من وجه آخر عن شريك، عن منصور، بإسناده مثله.
وشريك هو ابن عبد اللَّه النّخعيّ تُكُلِّم في حفظه إلّا أنّه توبع، تابعه شعبة كما مضى، ولكن أصحاب شعبة اختلفوا عليه، فرواه أبو داود الطيالسي عنه كما مضى. ورواه النّضر بن شُميل عنه نحوه إلّا أنه قال: ربعي، عن رجل، عن علي.
قال الترمذيّ: حديث أبي الدّرداء، عن شعبة عندي أصح من حديث النّضر هكذا روى غير واحد عن منصور، عن ربعي، عن علي. انتهى.
قلت: وهو كما قال، فقد رواه أيضًا سفيان، عن منصور، به، نحوه.
رواه ابن حبان في صحيحه (١٧٨)، والحاكم (١/ ٣٢ - ٣٣) كلاهما من طريق محمد بن كثير، عن سفيان، به.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، وقد قصر بروايته بعض أصحاب الثوريّ. وهذا عندنا مما لا يعبأ به".
وكذلك رواه أيضًا جرير، عن منصور، ومن طريقه رواه الحاكم وقال: "جرير من أعرف النّاس بحديث منصور".
стр. 693
وخالفهم أبو حذيفة، فرواه عن سفيان، وأدخل بين ربعي وبين عليٍّ رجلًا.
قال الحاكم: "أبو حذيفة موسى بن مسعود النّهدي، وإن كان البخاريّ يحتجّ به، فإنّه كثير الوهم، لا يحكم له على أبي عاصم النّبيل ومحمد بن كثير وأقرانهم، بل يلزم الخطأ إذا خالفهم، والدّليل على ما ذكرته متابعة جرير بن عبد الحميد الثوريّ في روايته عن منصور، عن ربعي، عن علي. وجرير من أعرف النّاس بحديث منصور".
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يؤمنُ المرأُ حتّى يؤمن بالقدر خيره وشرّه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٦٧٠٣) عن أنس بن عياض، حدّثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكر مثله.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٣٤) عن يعقوب بن حُميد، ثنا ابن أبي حازم وأنس بن عياض، عن أبي حازم، فذكر بإسناده، مثله.
ورواه الفريابي في القدر (٢٠٣، ٢٠٤)، والبيهقي في القضاء والقدر (٢/ ٤٢١) من طرق عن أبي حازم، بإسناده، مثله.
وللحديث طرق أخرى عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه غير أن ما ذكرته هو أصحها.
وفي الباب عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "ما هلكتْ أمَّةٌ قطّ إلّا بالشِّرك باللَّه، وما كان بدؤ شركها إلّا التكذيب بالقدر".
رواه ابنُ أبي عاصم في السنة (٣٢٢)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٦٨٣) كلاهما من حديث محمد بن شعيب بن شابور، قال: أخبرني عمر بن يزيد البصريّ، عن عمرو بن المهاجر، عن عمر بن عبد العزيز، عن يحيى بن القاسم بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص بن وائل السّهميّ، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول اللَّه ﷺ ، فذكر مثله.
ويحيى بن القاسم وأبوه لا يعرفان، وإن ذكرهما ابن حبان في الثقات على قاعدته في توثيق المجاهيل.
وعمر بن يزيد البصريّ أو النّصريّ قال فيه ابن حبان في المجروحين (٦٤٤): "كان ممن يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به على الإطلاق، وإن اعتُبر بما وافق الثقات فلا ضير".
قلت: ولم أجد فيما رواه موافقة الثّقات له.
ولا يصحُّ ما رُوي عن أبي أمامة مرفوعًا: "ثلاثة لا يقبل اللَّه لهم صرفًا ولا عدْلًا: عاق، منّان، ومُكذِّب بالقدر".
رواه ابن أبي عاصم في السنة (٣٢٣)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٦٩٩)، والطبراني في
стр. 694
الكبير (٨/ ١٤٠) كلّهم من طريق عمر بن يزيد البصريّ -أو النّصريّ-، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، فذكر مثله.
وفي رواية عند الطّبرانيّ في الكبير (٨/ ٢٨٧)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٦٩٧) من طريق بشر بن نمير، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة مرفوعًا: "أربعة لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: عاق، ومنّان، ومدمن خمر، ومكذِّب بقدر". وفيه بشر بن نمير متروك.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٠٦): "رواه الطّبراني بإسنادين في أحدهما بشر بن نمير وهو متروك، وفي الآخر عمر بن يزيد وهو ضعيف".
وكذلك ما رُوي عن أنس بن مالك مرفوعًا: "ثلاث من أصل الإيمان: الكفّ عمّن قال لا إله إلّا اللَّه، ولا نكفّره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني اللَّه إلى أن يقاتل آخرُ أمّتي الدّجال، لا يبطله جورُ جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار".
رواه أبو داود (٢٥٣٢) عن سعيد بن منصور، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي نُشبة، عن أنس بن مالك، فذكر مثله.
وعنه رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢).
وإسناده ضعيف من أجل يزيد بن أبي نُشْبة -بضم النّون، وسكون المعجمة- السُّلميّ فإنّه "مجهول" كما قال الحافظ في "التقريب".
٢ - باب ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه
• عن أبي الدّرداء، عن النّبيّ ﷺ قال: "لكلّ شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٤٩٠) عن هشيم، قال: حدّثنا أبو الرّبيع، عن يونس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، فذكر مثله.
ومن هذا الوجه رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٤٣٠).
ورواه ابن أبي عاصم في السنة (٢٤٦) عن هشام بن عمّار، ثنا سليمان بن عتبة أبو الرّبيع، بإسناده مثله.
وإسناده حسن من أجل أبي الرّبيع فإنّه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
انظر حديث أبي الدّرداء: "كلّ ميسّرٌ لما خُلق له".
وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩٧): "رواه أحمد والطبراني، ورجاله ثقات".
قلت: ورواه أيضًا البزّار -كشف الأستار (٣٣) - من وجه آخر عن يونس بن ميسرة بن حلبس، بإسناده مثله. ومن هذا الوجه أخرجه الفريابي في القدر (٢٠٠).
стр. 695
وقال البزّار: إسناده حسن
وفي الباب أيضًا عن خبّاب بن الأرتّ في حديث طويل، وفيه: "تعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وأنّ ما أخطأك لم يكن ليُصيبك".
رواه الطّبراني في "الكبير" (٤/ ٩٣)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٤٣١) كلاهما من حديث هشام بن عمّار، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا منير بن الزبير، أنه سمع عبادة بن نُسي، يحدّث ابن خبّاب بن الأرت، فذكر مثله.
وفي الإسناد منير بن الزبير الشّامي أبو ذر الأزديّ "ضعيف" كما في التّقريب.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: "لا يذوق عبد طعم الإيمان حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويؤمن بالقدر خيره وشره".
رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٤٣٣)، وفيه عبد الأعلى وهو ابن أبي المساور الزّهريّ مولاهم "متروك" كذّبه ابن معين.
وفي الباب أيضًا عن جابر مرفوعًا: "لا يؤمنُ عبد حتّى يؤمن بالقدر خيره وشرّه، حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وأنّ ما أخطأ لم يكن ليصيبه".
رواه التّرمذيّ (٢١٤٤) عن أبي الخطّاب زياد بن يحيى البصريّ، حدّثنا عبد اللَّه بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكر مثله.
قال الترمذيّ: هذا حديث غريب من حديث جابر، ولا نعرفه إلّا من حديث عبد اللَّه بن ميمون، وعبد اللَّه بن ميمون منكر الحديث".
قلت: وهو كما قال، فإنّ عبد اللَّه بن ميمون هو القدّاح المخزوميّ، قال فيه البخاريّ: "ذاهب الحديث". وقال أبو حاتم: "لا يجوز الاحتجاج به". وقال الحافظ في التقريب: "منكر الحديث، متروك".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عمر قال: قالت أمُّ سلمة: يا رسول اللَّه، لا يزال يُصيبُك في كلِّ عام وجعٌ من الشّاة المسمومة التي أكلتَ. قال: "ما أصابني شيء منها إلّا وهو مكتوب عليَّ وآدمُ في طينته".
رواه ابن ماجه (٣٥٤٦) عن يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصيّ، قال: حدّثنا بقية، قال: حدّثنا أبو بكر العنسيّ، عن يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن يزيد المصرييّن، قالا: حدّثنا نافع، عن ابن عمر، قال: فذكر مثله.
ورواه الفريابي في القدر (٤١٩)، واللالكائيّ في "أصول الاعتقاد" (١٠٩٨) من وجهين آخرين عن بقية بإسناده، مثله.
وإسناده ضعيف من أجل أبي بكر العنسيّ -بالنّون- فإنّه مجهول، وله أحاديث مناكير كما قال ابن عدي في "الكامل" ـ
стр. 696
ولكن قال الحافظ ابن حجر في "التقريب": "وأنا أحسب أنه ابن أبي مريم".
قلت: إن كان ابنُ أبي مريم وهو أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم الغسّانيّ الشّاميّ فهو أضعف منه؛ تكلّم فيه الإمام أحمد وأبو داود. وقال أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم: ضعيف الحديث.
قال ابن حبان: "كان من خيار أهل الشّام، لكن كان رديء الحفظ، يحدّث بالشّيء فيهم، فكثر ذلك منه حتّى استحقّ التّرك".
٣ - باب لا شيء يسبق القدر
• عن ابن عباس، عن النّبيّ ﷺ قال: "العين حقّ، ولو كان شيءٌ سابق القدر سبقتْه العين، وإذا استُغسلْتُم فأغسلوا".
صحيح: رواه مسلم في كتاب السلام (٢١٨٨) من طرق عن مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا وُهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكر مثله.
• عن أسماء بنت عُميس، قالت: يا رسول اللَّه، إنّ بني جعفر تُصيبُهم العين، فأسترقي لهم؟ قال: "نعم، فلو كان شيءٌ سابقَ القدر، سبقتْه العين".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٠٥٩)، وابن ماجه (٣٥١٠) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزُّرقيّ، قال: قالت أسماء، فذكرته.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٧٤٧٠).
قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
قلت: هو حسن فقط، فإنّ عروة بن عامر، وشيخه عبيد بن رفاعة "صدوقان" لا غير.
ثم إن قول عبيد بن رفاعة الزرقي قال: قالت أسماء، ظاهره الإرسال، ولكن قال الترمذيّ بعده: "وقد رُوي هذا عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة، عن أسماء بنت عُميس، عن النّبيّ ﷺ ، قال: حدّثنا بذلك الحسن بن علي الخلال، حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، بهذا".
قلت: وهذا إسناد متصل وهو الأصح كما قال الدّارقطني في "العلل" (١٥/ ٣٠٤).
وقوله: "ولو كان شيءٌ سابق القدر" أي أنّ الأشياء كلّها بقدر اللَّه تعالى، ولا تقع إلّا على حسب ما قدرها اللَّه تعالى، وسبق بها علمه، فلا يقع ضررُ العين ولا غيره من الخير والشر إلّا بقدر اللَّه تعالى.
٤ - باب أنّ أوّل ما خلق اللَّهُ القلم وأمره أن يكتب مقادير كلِّ شيء حتّى تقوم السّاعة
• عن عُبادة بن الصّامت أنّه قال لابنه: يا بني إنّك لن تجد طعم حقيقة الإيمان
стр. 697
حتى تعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ أول ما خلق اللَّه القلمَ، فقال له: اكتبْ. قال: ربِّ، ماذا أكتب؟ قال: اكتبْ مقادير كلِّ شيءٍ حتّى تقوم السّاعة". يا بني إنّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني".
حسن: رواه أبو داود (٤٧٠٠) عن جعفر بن مسافر الهذليّ، حدّثنا يحيى بن حسّان، حدّثنا الوليد بن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي حفصة، قال: قال عبادة بن الصّامت لابنه، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل الكلام في جعفر بن مسافر شيخ أبي داود غير أنّه حسن الحديث، وقد توبع، وأبو حفصة هو حبيش بن شريح الحبشي، ويقال: أبو حفص الشّاميّ.
قال عبد الرحمن بن إبراهيم: أدرك عبادة، وحفظ عنه.
ذكره البخاريّ، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وغيرهم من التابعين.
وذكره أبو نعيم من الصحابة وهو وهم منه، وثّقه ابن حبان، وروى عنه إبراهيم بن أبي عبلة، وعلي بن أبي حملة، قال فيه الحافظ في التقريب: "مقبول".
قلت: وهو كذلك لكنه توبع، رواه الترمذيّ (٢١٥٥، ٣٣١٩) عن يحيى بن موسى، حدّثنا أبو داود الطّيالسيّ (٥٧٧)، حدّثنا عبد الواحد بن سليم، قال: قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رباح، فقلت له: يا أبا محمد إنّ أهل البصرة يقولون في القدر، قال: يا بني أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فاقرأ الزخرف. قال: فقرأت: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الزخرف: ١ - ٤] فقال: أتدري ما أمُّ الكتاب؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: فإنّه كتاب كتبه اللَّه قبل أن يخلق السماوات، وقبل أن يخلق الأرض، فيه إنّ فرعون من أهل النّار، وفيه تبَّتْ يدا أبي لهب وتبّ.
قال عطاء: فلقيتُ الوليد بن عبادة بن الصّامت صاحب رسول اللَّه ﷺ ، فسألته ما كان وصية أبيك عند الموت؟ قال: دعاني أبي فقال لي: يا بني، اتقِ اللَّه، واعلمْ أنّك لن تتقي اللَّه حتى تؤمن باللَّه، ونؤمن بالقدر كلّه خيره وشرّه، فإن متَّ على غير ذلك دخلت النّار. إنّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ أوّل ما خلق اللَّه القلم. فقال: اكتب. فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد".
قال الترمذيّ في الموضع الأول: "حديث غريب من هذا الوجه".
وقال في الموضع الثاني بعد ذكره الجزء المرفوع بدون القصّة: "حسن غريب، وفيه عن ابن عباس".
قلت: فيه عبد الواحد بن سليم وهو ضعيف كما في التقريب، إلّا أنّ لهذا الحديث طرقًا أخرى منها ما رواه الإمام أحمد (٢٢٧٠٥) عن أبي العلاء الحسن بن سوّار، حدّثنا ليث، عن معاوية، عن
стр. 698
أيوب بن زياد، حدّثني عبادة بن الوليد بن عبادة، قال: حدّثني أبي، قال: دخلت على عبادة وهو مريض، فذكر الحديث مع القصّة.
واللّيث هو ابن سعد، وأيوب بن زياد هو أبو زيد الحمصيّ، وثقه ابن حبان، وروى له جماعة فيكون في مرتبة "مقبول" عند الحافظ، وهو من رجال التعجيل. وله أسانيد أخرى أخرج منها ابن أبي عاصم في كتاب السنة، فصحّ قول الترمذيّ بأنه حسن كما صحّ قوله أيضًا بأنه غريب، لأنّ جميع أسانيده تدور على الوليد بن عبادة بن الصّامت وهو ثقة.
• عن ابن عباس، أنه كان يحدّث أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ أوّل ما خلق اللَّهُ القلم، وأمره أن يكتبَ كلَّ شيء يكون".
صحيح: رواه أبو يعلى (٢٣٢٩) عن أحمد بن جميل المروزيّ، حدّثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب المكيّ، عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر مثله.
ومن هذا الوجه أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" (٨٥٤).
ورواه أيضّا البزّار - قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٩٠): "رجاله رجال ثقات".
وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٨) من طريق ابن المبارك.
قال البيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ١٩٢): قال أبو علي: لم يسنده عن القاسم غير عمر بن حبيب، وهو مكي يجمع حديثه".
قلت: عمر بن حبيب هو المكيّ ثقة فاضل، وثقه أهل العلم فلا يضر تفردّه، وبقية رجاله ثقات.
وقد روي عن ابن عباس موقوفًا بأسانيد ضعاف، وبعضها صالح، أخرجها الفريابي في "القدر" (٦٥، ٧٦، ٧٧، ٧٨) وعنه الآجري في الشّريعة (١٨٣) وعن غيره أيضًا. والحكم للرّفع لما فيه من زيادة العلم، ثم إنّ مثل هذا لا يقال بالرّأي فهو مرفوع حكمًا أيضًا.
• عن ابن عمر، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أوّل ما خلق اللَّهُ تعالى القلم، فأخذه بيمينه -وكلتا يديه يمين- قال: فكتب الدّنيا وما يكون فيها من عمل معمول بر أو فجور، رطب أو يابس، فأحصاه عنده في الذّكر، فقال: اقرأوا إن شئتم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الجاثية: ٢٩]، فهل تكون النّسخة إلّا من شيء قد فُرغ منه".
حسن: رواه ابنُ أبي عاصم في "السنة" (١٠٦) عن ابن المصفى، ثنا بقية، حدّثني أرطاة بن المنذر، عن مجاهد بن جبير، عن ابن عمر، فذكر مثله.
ورواه الفريابي في "القدر" (٤١٦)، وعنه الآجري في الشّريعة (٣٤٠)، وابن بطّة في "الإبانة" (١٣٦٥)
стр. 699
من طريقين آخرين عن بقية بن الوليد، بإسناده، فذكر مثله.
وإسناده حسن من أجل الكلام في بقية إلّا أنّه حسن الحديث إذا صرَّح.
وأمّا ما رُوي عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أوّل شيء خلقه اللَّهُ القلم، ثم خلق النّون -وهي الدّواة-، ثم قال له: أكتبْ، قال: وما أكتبُ. قال: اكتب ما يكون وما هو كائن من عمل، أو أثر، أو رزق، أو أجل. فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة. فذلك قوله ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [سورة القلم: ١] ثم ختم على فِيّ القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل فقال: وعزّتي لأكلمنَّك فيمن أحببت، ولأنقصنّك فيمن ابغضتُ" فهو ضعيف.
رواه الفريابيّ في القدر (١٨) عن أبي مروان هشام بن خالد الأزرق الدّمشقيّ، حدّثنا الحسن بن يحيى الخشنيّ، عن أبي عبد اللَّه مولى بني أميّة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه الآجري في الشريعة (١٧٩، ٣٤٥) عن الفريابي.
ورواه ابن بطّة في الإبانة (١٣٦٤) من وجه آخر عن هشام بن خالد، بإسناده مثله.
وفيه الحسن بن يحيى الخشنيّ، قال فيه النسائيّ: ليس بثقة.
واختلف فيه قول ابن معين، فروى عنه ابن أبي مريم، قال: ثقة خراسانيّ، وروى عنه العباس الدوري فقال: شاميّ ليس بشيء، وقال ابن الجنيد عن يحيى: الحسن بن يحيى الخشنيّ، ومسلمة ابن علي الخشني ضعيفان ليسا بشيء، والحسن بن يحيى أحبُّهما إليَّ. وقال الدّارقطني: متروك.
وذكره ابن حبان في "المجروحين" فقال: "منكر الحديث جدًا، يروي عن الثقات ما لا أصل له، وعن المتقنين ما لا يتابع عليه، وكان رجلًا صالحًا يحدِّث من حفظه، كثير الوهم فيما يرويه حتى فحثتِ المناكير في أخباره، حتى يسبق إلى القلب أنّه كان المتعمِّد لها، فلذلك استحقّ التَّرك، وقد سمعت ابنَ جوصي يوثّقه".
وقال ابن عدي: وللحسن بن يحيى من الحديث جزء، أو أقل، ثناه محمد بن القزاز، عن هشام ابن خالد، عن الحسن بذلك الجزء، وما أظن أنّ له غير هؤلاء إلّا الحديث بعد الحديث، وأنكر ما رأيت له هذه الأحاديث التي أمليتها، وهو ممن تُحتمل روايته". انتهى "الكامل" (٢/ ٧٣٦ - ٧٣٧).
قلت: ولم يورد ابنُ عدي حديث أبي هريرة المذكور، وراويه هشام بن خالد عن الحسن بن يحيى كان له جزء، والحديث المذكور من هذا الجزء، وأكّد ابنُ عدي أنه ليس من مناكيره، فاللَّه تعالى أعلم من صحة هذا الحديث وعدمه، ولكن لو ذكره ذاكرٌ في الشّواهد فلا يلام عليه.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "سبق العلم، وجفَّ القلم، ومضى القضاء، وتمَّ القدر".
رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ١٩٤) من طريق حسان بن حسان، حدّثنا إسماعيل بن
стр. 700
إبراهيم، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره.
قال البيهقيّ: "تفرّد به حسّان بن حسان، ومعناه موجود في الأحاديث الصّحيحة".
قلت: حسان بن حسان هو الواسطيّ، قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف".
٥ - باب أوّل مَنْ تَكَلَّم في القَدَر
• عن يحيى بن يعمر قال: كان أوّل من تكلّم في القدر بالبصرة معبد الجهنيّ، فانطلقتُ أنا وحُميد بن عبد الرحمن الحميريّ حاجَيْن أو مُعْتَمِرَيْن، فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فسألناه عمّا يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبد اللَّه بن عمر داخلًا المسجد، فاكتنفْتُه أنا وصاحبي أحدُنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننتُ أنّ صاحبي سيكل الكلامّ إليَّ. فقلتُ: أبا عبد الرحمن، إنّه قد ظهر قِبِلَنَا ناسٌ يقرؤون القرآن ويتفقرون العلم (أي يطلبونه)، وذكر من شأنهم يزعمون أن لا قَدَرَ، والأمر أُنُف (أي مستأنف، لم يسبق به قدر، ولا علم من اللَّه تعالى، وإنّما يعلمه بعد وقوعه)؟ قال: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أنّي بريءٌ منهم، وأنّهم براءُ منّي. والذي يحلف به عبد اللَّه بن عمر لو أنّ أحدهم مثل أُحد ذهبًا فأنْفَقَه ما قبل اللَّه منه، حتّى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدّثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول اللَّه ﷺ ذات يوم، إذْ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثّياب". فذكر الحديث بطوله، وفيه: "أن تؤمن بالقدر خيره وشرّه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨) من طرق عن كهمس، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن يحيى بن بعمر، فذكره.
ورواه أيضًا مسلم عن محمد بن حاتم، حدّثنا يحيى بن سعيد القطّان، حدّثنا عثمان بن غياث، حدّثنا عبد اللَّه بن بريدة، عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن، قالا: لقينا عبد اللَّه بن عمر، فذكرنا القدر وما يقولون فيه. فاقتصَّ الحديث كنحو حديثهم عن عمر، عن النّبيّ ﷺ ، وفيه شيء من زيادة، وقد نقص منه شيئًا". انتهى. قلت: الزّيادة التي أشار إليها مسلم ولم يسقها، ساقها أبو داود (٤٦٩٦) وهي قوله: "وسأله رجل من مزينة أو جهينة، فقال: يا رسول اللَّه فيما العمل؟ أفي شيء قد خلا أو مضى، أو في شيء يُستأنف الآن؟ قال: "في شيء قد خلا ومضى". فقال الرّجل أو بعض القوم: ففيمَ العمل؟ قال: "إنّ أهل الجنّة ييسيرون لعمل أهل الجنّة، وإنّ أهل النّار ييسيرون لعمل أهل النّار". رواه عن مسدّد، عن يحيى بإسناده.
ومعبد هو ابن خالد بن عُويمر الجهني البصري، قال أبو حاتم: "كان أول من تكلم في القدر بالبصرة، وكان رأسا في القدر، قدم المدينة فأفسد بها النّاس، قتله الخليفة عبد الملك بن مروان بن
стр. 701
الحكم في سنة ثمانين، وصلبه بدمشق.
٦ - باب النّهي عن الكلام والمخاصمة والخوض في القدر
• عن أبي هريرة، قال: جاء مشركوقريش يخاصمون رسول اللَّه ﷺ في القَدَر، فنزلتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر: ٤٨ - ٤٩].
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٦) من طرق عن وكيع، عن سفيان، عن زياد بن إسماعيل، عن محمد بن عبَّاد بن جعفر المخزوميّ، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنّما يُفقأ في وجهه حُب الرّمان من الغضب، فقال: "بهذا أُمرتم؟ ! أو لهذا خُلقتُم؟ ! تضربون القرآن بعضَه ببعض، بهذا هلكتِ الأممُ قبلكم".
قال: فقال عبد اللَّه بن عمرو: "ما غَبَطْتُ نفسي بمجلسٍ تخلفتُ فيه عن رسول اللَّه ﷺ ما غَبَطْتُ نفسي بذلك المجلس، وتخلُّفي عنه".
حسن: رواه ابن ماجه (٨٥) عن علي بن محمد، قال: حدّثنا أبو معاوية، قال: حدّثنا داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
قال البوصيريّ في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الإمام أحمد في مسنده من هذا الوجه بزيادة في آخره".
قلت: وهو كما قال، فقد رواه الإمام أحمد (٦٦٦٨) عن أبي معاوية بإسناده، مثله، وقال فيه: "غبطت نفسي بمجلس فيه رسول اللَّه ﷺ لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس أنّي لم أشهده".
ورواه البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٦٠٨) من وجه آخر عن حميد الطّويل، عن مطر الورّاق وداود ابن أبي هند بإسناده نحوه، وزاد في آخره: "انظروا ما أمرتُم به فاتبعوه، وما نُهيتُم عنه فاجتنبوه".
وله أسانيد أخرى غير أنّ ما ذكرته هو أصحّها.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُخِّر الكلام في القدر لشرار هذه الأمّة".
حسن: رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٥٠) عن الحسن بن علي، ثنا أبو عاصم، عن عنبة، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي الإسناد عنبسة وهو ابن عمرو، وقيل هو ابن مهران الحداد ترجمه العقيليّ في "الضعفاء" (١٤٠٣)، ونقل عن البخاريّ أنه لا يتابع على حديثه.
стр. 702
وعن العقيليّ نقل الحافظ ابن حجر في اللّسان (٤/ ٣٨٤).
ومن طريقه رواه البزار -كشف الأستار (٢١٧٨) -، والطبرانيّ في الأوسط (٥٩٠٩)، والحاكم (٢/ ٤٧٣)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٧١٦).
قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاريّ ولم يخرجاه".
وتعقبه الذهبي فقال: "عنبسة ثقة، ولكن لم يرويا له".
قلت: عنبسة ليس من رجال البخاريّ، كما أنّه ليس بثقة، بل قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث، وقال العقيليّ: عن الزهريّ يهم في حديثه. وقال البزّار: "لا نعلم رواه عن الزّهريّ إلّا عنبسة وهو لين الحديث، وقد تفرّد به عن الزّهريّ".
ولكن له طريق آخر رواه البزّار -الكشف (٢١٧٩) -، والعقيليّ في الضعفاء (١١٤٣)، والطبراني في الأوسط (٦٢٣٣) كلّهم من طريق عمر بن أبي خليفة، ثنا هشام -يعني ابن حسان-, عن محمد - يعني ابن سيرين، عن أبي هريرة، نحوه.
قال البزّار: "لا نعلم له طريقًا من جهة صحيحة غير هذا الطّريق، ولا رواه عن هشام إلّا عمرو".
وقال العقيليّ: "وهذا الحديث منكر"، وقال: "له رواية من غير هذا الوجه أيضًا ليّنة".
قلت: مداره على عمر بن أبي خليفة قال فيه أبو حاتم: صالح الحديث. "الجرح والتعديل" (٦/ ١٠٦).
وقال عمرو بن علي: حدّثنا عمر بن أبي خليفة من الثقات، ذكره المزيّ في "تهذيبه".
وقول الحافظ في التقريب: "مقبول". بل الصّواب أن يقول "صدوق".
وقد قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٠٢): "رجال البزّار في أحد الإسنادين رجال الصّحيح غير عمر بن أبي خليفة وهو ثقة".
وله طريق آخر: أخرجه العقيليّ في الضعفاء (١٤٠٣) عن إبراهيم بن يوسف، قال: حدّثنا سويد ابن سعيد، قال: حدّثنا الأغلب بن تميم، عن أبي خالد الخزاعيّ، عن الزّهريّ، قال: قال لي عمر ابن عبد العزيز: ردَّ على حديث النبيّ ﷺ في القدر، فقال: سمعتُ فلانًا الأنصاريّ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أُخِّر الكلامُ في القدر لشرار هذه الأمّة في آخر الزّمان".
قال العقيليّ: "هذا أولى". وأورده الذّهبي في "الميزان" (٣/ ٣٠٢) من طريق سويد بن سعيد، به، مثله وقال: "فهذا أشبه".
قلت: إذا ضُمّ هذا إلى ما قبله كان للحديث قوة وأصل، وإن كان الأغلب بن تميم قد تكلَّم فيه غيرُ واحد من أهل العلم.
وأمّا ما رُوي عن أبي هريرة، قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتّى احمرَّ وجهه حتّى كأنّما فُقئَ في وَجْنتيه الرّمانُ، فقال: "أبهذا أُمرتُم؟ ! أبهذا أُرسلتُ إليكم؟ ! ،
стр. 703
إنّما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمتُ عليكم ألّا تنازعوا فيه". فهو ضعيف.
رواه التّرمذيّ (٢١٣٣) عن عبد اللَّه بن معاوية الجمحيّ البصريّ، حدّثنا صالح المرّي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه من حديث صالح المريّ، وصالح المريّ له غرائب ينفرد بها، لا يتابع عليها".
قلت: وهو كما قال، فإنّ صالحًا المريّ هو ابن بشير بن وادع أبو بشر البصريّ القاضي الزّاهد، قال ابن معين: ضعيف، أو قال: ليس بشيء، وقال أحمد: صاحب قصص يقص على النّاس، ليس هو صاحب حديث ولا إسناد، ولا يعرف الحديث. وقال البخاريّ: منكر الحديث، وقال النسائيّ: متروك.
وقال ابن عدي في "الكامل": "صالح لا يقبل في هشام بن حسان؛ لأنّه يروي عنه بأحاديث بواطيل".
وأدخله ابن حبان في المجروحين (٤٨٨)، وأخرج الحديث المذكور من طريقه. وقال: "كان من عُبّاد أهل البصرة وقرّائهم، وهو الذي يقال له: "صالح القاصّ، وكان من أحزن أهل البصرة صوتًا، وأرقهم قراءة، غلب عليه الخير والصلاح حتى غفل عن الإتقان في الحفظ، فكان يروي الشيء الذي سمعه من ثابت والحسن وهؤلاء على التوهم، فيجعله عن أنس، عن رسول اللَّه ﷺ . فظهر في روايته الموضوعات التي يرويها عن الأثبات، واستحقّ التّرك عند الاحتجاج، وإن كان في الدّين مائلًا عن طريق الاعوجاج، وكان يحيى بن معين شديد الحمل عليه". انتهى.
قلت: فمثله لا يكون شاهدًا الحديث عمرو بن شعيب.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي ذر قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ على أصحابه وهم يتذاكرون شيئًا من القدر، فخرج مُغضبًا كأنّما فُقئ في وجهه حبّ الرمان، فقال: "أبهذا أُمرْتم؟ ، أو ما نُهيتُم عن هذا؟ ، إنّما هلكت الأمم قبلكم في هذا، إذا ذُكر القدر فأمْسكوا، وإذا ذُكر أصحابي فأمْسكوا، وإذا ذكرت النّجوم فأمْسكوا".
رواه ابن بطّة في الإبانة (١٢٧٥) عن أبي عبيد المحامليّ، قال: حدّثنا أبو غسان مالك بن خالد ابن أسد الواسطيّ، حدّثنا عثمان بن سعيد الخياط الواسطيّ، قال: حدّثنا الحكيم بن سنان، عن داود بن أبي هند، عن الحسن، عن أبي ذر، فذكره.
والحسن هو البصريّ مدلّس وقد عنعن. وفيه رجال لا أعرفهم.
وقد رُوي مثل هذا من حديث ابن مسعود، وثوبان، وابن عمر، وطاوس مرسلًا، وكلّها ضعيفة الأسانيد، قال ابن رجب: "رُوي من وجوه في أسانيدها كلّها مقال".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة قالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من تكلَّم في شيء من القدر سُئل عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلّم فيه لم يُسأل عنه".
стр. 704
رواه ابن ماجه (٨٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدّثنا يحيى بن عثمان مولى أبي بكر، قال: حدّثنا يحيى بن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن أبيه، أنّه دخل على عائشة فذكر لها شيئًا من القدر، فقالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، فذكرت الحديث.
قال البوصيريّ في الزّوائد: "هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عثمان، قال فيه ابن معين والبخاري وابن حبان: منكر الحديث، زاد ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. ويحيى بن أبي مليكة قال فيه ابن حبان: يعتبر حديثه إذا روى عنه غير يحيى بن عثمان". انتهى.
قلت: من هذا الوجه رواه أيضًا البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٧١٦) وقال: "هذا إسناد فيه ضعف".
٧ - باب ما جاء في ذمّ القدريّة
• عن نافع أنّ رجلًا أتى ابن عمر فقال: "إنّ فلانًا يقرؤُك السّلام، قال: إنّه بلغني أنّه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تقرئْهُ منّي السّلام. فإنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: يكون في أمّتي -أو في هذه الأمّة- مَسْخٌ وخَسْف وقَذْف، وذلك في أهل القدر".
حسن: رواه الترمذيّ (٢١٥٢)، وابن ماجه (٤٠٦١) كلاهما عن محمد بن بشار، حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا حيوة بن شريح، أخبرني أبو صخر، حدّثني نافع، فذكره.
ورواه أبو داود (٤٦١٣) عن الإمام أحمد -وهو في مسنده (٥٦٣٩) - قال: حدّثنا عبد اللَّه بن يزيد، قال: ثنا سعيد - يعني ابن أبي أيوب، قال: أخبرني أبو صخر، عن نافع، قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشّام يكاتبه، فكتب إليه عبد اللَّه بن عمر: إنّه بلغني أنّك تكلمت في شيء من القدر، فإيّاك أن تكتب إليَّ، فإنّي سمعت رسول اللَّه يقول: "إنّه سيكون في أمّتي أقوام يكذبون بالقدر".
قال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب، وأبو صخر اسمه حميد بن زياد".
وأخرجه الحاكم (١/ ٨٤) من طريق الإمام أحمد وقال: "صحيح على شرط مسلم، فقد احتجّ بأبي صخر حميد بن زياد ولم يخرجاه".
وأخرجه الفريابي في القدر (٣١٧) من وجه آخر عن حميد بن زياد المدني، بإسناده، ولفظه: "إنّه سيكون في أمّتي خسف ومسخ وذلك في القدريّة والزّندقيّة".
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في أبي صخر حميد بن زياد بن أبي المخارق، فقال النسائيّ: ضعيف، ووثّقه الدّارقطني، وقال أحمد: لا بأس به، وكذلك قال ابن معين، فهو حسن الحديث.
وفي الباب عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صنفان من أمّتي لا يردان عليَّ الحوض ولا يدخلان الجنّة: القدرية والمرجئة".
رواه الطبرانيّ في "المعجم الأوسط" (مجمع البحرين - ٣٢٨٠) عن علي بن عبد اللَّه الفرعاني،
стр. 705
ثنا هارون بن موسى الفرويّ، ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، عن حميد، عن أنس، فذكره.
قال الطبرانيّ: تفرّد به هارون بن موسى.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٠٧): "رواه الطبرانيّ في "الأوسط" ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفرويّ وهو ثقة".
قلت: هارون بن موسى وهو ابن أبي علقمة الفروي المدنيّ، قال فيه أبو حاتم: "شيخ". وقال النسائيّ: "لا بأس به". وقال الدّارقطنيّ: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثّقات.
وأمّا شيخ الطّبرانيّ علي بن عبد اللَّه الفرغانيّ فهو الورّاق ترجمه الخطيب في تاريخه (١٢/ ٤) وقال: "ثقة، مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة".
والحاصل أنّ رجاله رجال الصّحيح غير هارون بن موسى فهو حسن الحديث غير أنّ في إسناده حميد الطّويل وهو مدلّس، ولم يسمع من أنس إلا أحاديث يسيرة، وفي المتن نكارة فإنّ الإرجاء لم يحدث إلّا بعد زمن الصّحابة كما قال أهل العلم، منهم الحافظ ابن القيم ﵀ حيث فنَّد في "تهذيب السنن" (٦/ ٦٠ - ٦١) الأحاديث الواردة في هذا الباب عن ابن عمر، وحذيفة، وابن عباس، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمر، ورافع بن خديج، وغيره ثم قال: "وأجود ما في الباب حديث حيوة بن شريح، أخبرني أبو صخر، حدّثني نافع، فذكر مثله. وقال: والذي صحّ عن النّبيّ ﷺ ذمّهم من طوائف أهل البدع: هم الخوارج، فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلّها صحاح؛ لأنّ مقالتهم حدثتْ في زمن النبيّ ﷺ ، وكلَّمه رئيسُهم. وأمّا الإرجاء، والرَّفض، والقدر، والتجهّم والحلول وغيرها من البدع فإنّها حدثتْ بعد انقراض عصر الصّحابة، وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصّحابة، فأنكرها مَنْ كان منهم حيًّا كعبد اللَّه بن عمر، وابن عباس، وأمثالهما، وأكثر ما يجيء من ذمّهم، فإنّما هو موقوف على الصّحابة من قولهم". انتهى.
وقال شارحُ العقيدة الطّحاويّة (٥٩٣): "رُوي في ذمّ القدريّة أحاديث كثيرة، تكلَّم أهل الحديث في صحة رفعها، والصّحيح أنّها موقوفة".
قلت: ومن هذه الأحاديث ما رُوي عن ابن عمر: "القدرية مجوس هذه الأمّة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم".
رُوي هذا الحديث عن ابن عمر من طرق:
منها: ما رواه أبو داود (٤٦٩١) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدّثني بمنى عن أبيه، عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ ، فذكره.
وأخرجه الحاكم (١/ ٨٥) وقال: "صحيح على شرط الشيخين إن صحَّ سماع أبي حازم من ابن عمر".
قلت: الصّحيح أنّ أبا حازم - سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر، قال المزيّ في "تهذيبه": "روى عن عبد اللَّه بن عمر ولم يسمع منه".
следующие страницы →