Полный текст (8 687 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.
стр. 6686
له شداد بن معقل: أتركَ النبي ﷺ من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين. قال: ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين.
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠١٩) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رُفيع، فذكره.
يعني أن القرآن الموجود الآن هو الذي تركه النبي ﷺ مكتوبا في الألواح وغيرها، ومن زعم أن هناك قرآنا آخر لم يضمه المصحف الموجود فقد افترى على اللَّه تعالى إذ يقول : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
١٣ - باب كان النبي ﷺ يدارس القرآن مع جبريل مرتبا كما هو الآن
• عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول اللَّه ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٩٧) ومسلم في الفضائل (٢٣٠٨: ٥٠) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبِض، وكان يعتكف كل عام عشرا، فاعتكف عشرين في العام الذي قُبِض.
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٩٨) عن خالد بن يزيد، حدّثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عائشة قالت -في قصة بكاء فاطمة وضحكها- قالت -أي: فاطمة-: أما حين سارَّني في الأمر الأول فإنه -يعني رسول اللَّه ﷺ أخبرني "أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي اللَّه واصبري، فإني نعم السلف أنا لكِ" الحديث بطوله.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاستئذان (٦٢٨٥ - ٦٢٨٦) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٥٠: ٩٨) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن فراس، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته.
• عن سمرة قال: عُرِضَ القرآن على رسول اللَّه ﷺ عرضات. فيقولون: إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة.
стр. 6687
صحيح: رواه البزار (٤٥٦٤) والحاكم (٢/ ٢٣٠) كلاهما من طريق حجاج بن المنهال، حدّثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، فذكره.
وإسناده صحيح. واللفظ للحاكم. وعند البزار: "ثلاث عرضات" وهو خطأ، والثابت في الصحيح أنه عُرِضَ مرتين في العام الذي قُبِضَ، وكان يعرض كل عام مرةً.
وقوله: "فيقولون" يعني به الصحابة.
١٤ - باب جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق
• عن زيد بن ثابت الأنصاري -وكان ممن يكتب الوحي- قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال عمر: هو واللَّه خير فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح اللَّه لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول اللَّه ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه، فواللَّه لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله النبي ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو واللَّه خير فلم أزل أراجعه حتى شرح اللَّه صدري للذي شرح اللَّه له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخرهما، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه اللَّه، ثم عند عمر حتى توفاه اللَّه، ثم عند حفصة بنت عمر.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٧٩) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني ابن السباق، أن زيد بن ثابت الأنصاري فذكره.
قال البخاري: تابعه عثمان بن عمر والليث، عن يونس، عن ابن شهاب. وقال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب وقال: "مع أبي خزيمة الأنصاري"، وقال موسى عن إبراهيم (هو ابن سعد الزهري) حدّثنا ابن شهاب "مع أبي خزيمة" وتابعه يعقوب بن إبراهيم عن
стр. 6688
أبيه، وقال أبو ثابت: حدّثنا إبراهيم وقال: "مع خزيمة أو أبي خزيمة".
وأخرج البخاري في فضائل القرآن (٤٩٨٩) رواية الليث، عن يونس، عن ابن شهاب وقال فيه: "مع أبي خزيمة الأنصاري". وكذلك أخرج في كتاب التوحيد (٧٤٢٥) حديث إبراهيم، عن ابن شهاب، وفيه "مع أبي خزيمة الأنصاري"، وكذلك رواه بالشك في الأحكام (٧١٩١) من رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب وفيه: "مع خزيمة أو أبي خزيمة".
هكذا ساق البخاري هذه الروايات والذي يظهر من ذلك أن الصحيح منها من قال: خزيمة الأنصاري الملقب بذي الشهادتين -وهو خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الخطمي الأنصاري- من بني خطمة من الأوس، وهو الذي يُعرف: بذي الشهادتين، جعل رسول اللَّه ﷺ شهادته كشهادة رجلين، وقصته مذكورة في موضعها.
وأما أبو خزيمة الأنصاري فقيل: هو ابن أوس بن يزيد مشهور بكنيته، وقيل: هو الحارث بن خزيمة وهو لم يكن ذا الشهادتين حتى يقبل منه زيد بن ثابت، وما قيل إن عمر بن الخطاب شهد له بذلك ففيه محمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن، واللَّه أعلم.
• عن زيد بن ثابت قال لما نسخنا الصحف في المصاحف، فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيرا أسمع رسول اللَّه ﷺ يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول اللَّه ﷺ شهادته شهادة رجلين: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٨٤) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت قال: فذكره.
كان زيد بن ثابت حافظا لكتاب اللَّه، فيسّر عليه حفظه في جمع القرآن إلا أنه لم يعتمدْ على حفظه فقط، بل جمع القرآن مما كان مكتوبا في الألواح والعسب، كما أنه لم يُثْبِتْ شيئًا إلا بشهادة رجلين.
١٥ - باب ما جاء في مصاحف بعض الصحابة
• عن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂ إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك، وما يضرك. قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك. قالت: لِمَ؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل، أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء، لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ
стр. 6689
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. قال: فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آي السورة.
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٩٣) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، قال: وأخبرني يوسف بن ماهك، قال: فذكره.
• عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس قال: سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٩٤) عن آدم، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: فذكره.
قوله: "العتاق الأول": أراد بالعتاق الأول السور التي أنزلت أولا بمكة، وأنها من أول ما تعلمه من القرآن، والعتيق معناه: قديم.
• عن شقيق قال: قال عبد اللَّه (هو ابن مسعود): قد علمت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة.
فقام عبد اللَّه، ودخل معه علقمة، وخرج علقمة، فسألناه، فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود، آخرهن الحواميم حم الدخان وعم يتساءلون.
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٩٦) عن عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن شقيق فذكره.
ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٢٢: ٢٧٦) من وجه آخر نحوه.
وكذلك كان لعلي بن أبي طالب صحيفة، ولأبي بن كعب صحيفة، ولعبد اللَّه بن عباس صحيفة، ولأبي موسى الأشعري صحيفة، وللمقداد بن الأسود صحيفة، ولسالم مولى أبي حذيفة صحيفة، وغيرهم.
وفي هذه الصحف اختلاف ترتيب السور، وهو يدل على أنهم كتبوا هذه المصاحف حسب ما تيسر لهم، ولم يكن من غرضهم جمع القرآن كله في صحيفة واحدة كما فعل أبو بكر حين أمر زيد ابن ثابت أن يجمع القرآن.
١٦ - باب جمعُ عثمان الناسَ على مصحف واحد
• عن أنس بن مالك، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام، في فتح أرمينية وأذربيجان، مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا
стр. 6690
بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة، أو مصحف أن يحرق.
قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، سمع زيد بن ثابت، قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول اللَّه ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فألحقناها في سورتها في المصحف.
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨٧ - ٤٩٨٨) عن موسى، حدّثنا إبراهيم (هو ابن سعد الزهري)، حدّثنا ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه، فذكره.
قوله: قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت. . . الخ، هو عطف على الإسناد الأول فكأن إبراهيم بن سعد جمع بين الحديثين في سياق واحد، في أحدهما حديث أنس بن مالك في جمع القرآن في عهد عثمان ﵁، وفي الثاني: فقدُ زيد بن ثابت آية من سورة الأحزاب في عهد أبي بكر ﵁.
فيرى الخطيب أن ذلك وهمٌ منه، وأنه أدرج بعض الأسانيد على بعض. ذكره الحافظ في الفتح (٩/ ١٢).
ولكن لو حمل على أن إبراهيم روى حديث أنس مع عثمان كما روى فقد زيد بن ثابت آية من سورة الأحزاب، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، لاستقام الإسناد. وهذا الذي أراده البخاريّ عندما جمع القصتين في سياق واحد.
وزيد بن ثابت ذكر حديثين في أحدهما: آيتان من سورة التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
وفي الثاني: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]
ثم زيد بن ثابت لم يعتمد على حفظه فقط، بل توقف حتى شهد له غيره، وأما شهادة خزيمة بن ثابت فكانت من أجل المكتوب، وان كان المحفوظ عنده وعند غيره مثله.
• عن أنس أن عثمان دعا زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن الزبير، وسعيد بن العاص،
стр. 6691
وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا ذلك.
صحيح: رواه البخاريّ في المناقب (٣٥٠٦) عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أنس، فذكره.
ورواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨٤) من طريق آخر عن أنس، وفيه: "قال لهم عثمان: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش".
وكان سعيد بن العاص بن أمية الأموي أعرب الناس وأشبههم بلهجة رسول اللَّه ﷺ ، فأمر عثمان زيد بن ثابت أن يستعين به في الإملاء، ولم يختلف زيد وسعيد في شيء إلا في حرف واحد في سورة البقرة فقال أحدهما: "التابوت" وقال الآخر: "التابوة"، فاختير قراءة زيد لأنه كان كاتب الوحي.
خلاصة القول: إن تدوين القرآن مرَّ بثلاث مراحل:
الأوّلى: لقد تمت كتابة القرآن الكريم في حياة النبي ﷺ في أجزاء متفرقة وفق القراءة العامة التي كان يعلّمها النبي ﷺ أصحابه دون الأحرف الأخرى التي رخّص اللَّه فيها قراءة القرآن تيسيرا على الناس؛ فإن من البدهي أن النبي ﷺ كان يملي على كُتّاب الوحي ما نزل عليه من القرآن على حرف واحد معروف لدى أصحابه الذين كانوا قريبين منه، بخلاف التعليم، فإنه ﷺ كان يُعلّم من جاء إلى المدينة من قبائل مختلفة بحرف معروف عندهم من الأحرف السبعة (اللهجات السبع) المعروفة بجزيرة العرب، وقد يحضر هذا المجلس من هو من أهل المدينة، فيكون عنده أيضًا حرف آخر، ومن ثم كتب بعض الصحابة ما كان عنده من القرآن على أحرف أخرى، ولم يفارق النبي ﷺ دنياه إلا بعد ما اطمأنّ على أن ما في صدور الناس هو مثل ما في صدره وما في الألواح المكتوبة.
• عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ نؤلّف القرآن من الرقاع.
صحيح: رواه الترمذيّ (٣٩٥٤) -واللفظ له-، وأحمد (٢١٦٠٦، ٢١٦٠٧)، وصحّحه ابن حبان (٧٣٠٤)، والحاكم (٢/ ٢٢٩)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٤٧) كلهم من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن زيد بن ثابت فذكره. وإسناده صحيح.
قال البيهقي: "وهذا يُشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب: الآيات المتفرقة في سورها، وجمعِها فيها بإشارة النبي ﷺ ثم كانت مثبتة في الصدور".
الثانية: ثم جاء أبو بكر ﵁، فأمر زيد بن ثابت ﵁ أن يجمع القرآن في مصحفٍ واحدٍ على حرفٍ واحدٍ، حرف قريش، اعتمادًا على ما كُتب في عهد النبي ﷺ في الرقاع والأكتاف والعسب، -وكان في بيته ﷺ محفوظا-، وما وجده في صدور الناس وهو موافق لما في هذه الرقاع فجمعها
стр. 6692
ليجعلها في مصحف واحد بعد وقعة اليمامة للسبب الذي ذُكِرَ.
وقد رُويَ عن علي بن أبي طالب قال: رحم اللَّه أبا بكر هو أول من جمع بين اللوحين. رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف (ص ١٦٥) عن يعقوب بن سفيان، قال: حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن السدي، عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب قال: فذكره. ورجاله ثقات.
وقد استغرق إنجاز هذا العمل ما يقرب من سنة، إذْ بين غزوة اليمامة -التي كانت في السنة الحادية عشرة، وأوائل السنة الثانية عشرة- وبين وفاة الصديق -التي كانت سنة ثلاث عشرة- سنة واحدة تقريبا، ثم انتقلت هذه النسخة إلى الخليفة الذي بعده، وهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ثم بقيت هذه النسخة عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂.
ومن المؤكد أن هذه النسخة كانت مرتبة الآيات والسور، كما كان النبي ﷺ يقرأها في الصلوات، فقد تبين من الأحاديث الواردة في قراءة النبي ﷺ في الصلوات -وهي مذكورة في مواضعها من كتاب الجامع الكامل- أن قراءته كانت مثل ما هو في المصحف الموجود بأيدينا اليوم، وإن اختلف الترتيب أحيانًا فنص الصحابة على ذلك. ولذا أجاز جمهور العلماء قراءة القرآن سواء في الصلاة، أو في خارجها خلاف ترتيب السور من تقديم أو تأخير إلا أنهم قالوا: إنه خلاف الأولى، وكذلك عرضها النبي ﷺ مرتبا على جبريل ﵇ في العام الذي توفي فيه مرتين كما جاء في حديث فاطمة المتفق عليه أن النبي أسرَّ إليها فقال: "إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضَرَ أجلي. . . " وأخذ عنه الصحابة الكرام على هذا الترتيب.
وأما قول من قال: إن ترتيب السور في المصحف اجتهاد من الصحابة فمَحَلُّ نظر؛ فإن السؤال يطرح نفسه: كيف كانت عرضة النبي ﷺ الأخيرة مرتين على جبريل ﵇؟ ألم تكن مرتبة الآيات والسور؟ ثم كيف كان جمع أبي بكر؟ أما كان مرتب الآيات والسور؟ فالأمر بدهي أن يكون المصحف مرتبا، وعنه أخذ عثمان بن عفان ﵁ كما كان، وهو الموجود بين أيدينا الآن.
وقد ثبت عن سمرة أنه قال: عرض القرآن على رسول اللَّه ﷺ عرضات، فيقولون: قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة. رواه البزّار والحاكم بإسناد صحيح كما مضى.
وقوله: "يقولون": يعني الصحابة.
وقال عَبيدة السلماني: القراءة التي عرضت على النبي ﷺ في العام الذي قُبضَ فيه هي القراءة التي يقرؤها الناس اليوم".
رواه ابن أبي شيبة (٣٠٩٢٢) من طريق ابن سيرين عنه.
وقال ابن سيرين: كان جبريل يعارض النبي ﷺ في كل شهر رمضان، فلما كان العام الذي قُبضَ فيه عارضه مرتين، قال: فيُرجى أن تكون قراءتُنا هذه على العرضة الأخيرة. (سنن سعيد بن
стр. 6693
منصور -كتاب التفسير- (١/ ٢٣٩ رقم ٥٧).
وقال البغوي في شرح السنة (٤/ ٥٢٦): "إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بُيّن فيها ما نُسخَ، وما بقيَ، وكتبها لرسول اللَّه ﷺ ، وقرأها عليه، وكان يُقرئ الناسَ بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولّاه عثمان نسخَ المصاحف.
إذا صحّ ما قلنا، فالنقول التي في كتب علوم القرآن بأن عثمان هو الذي رتّب السور غير صحيحة لأنها نقول متأخرة، لا مستند لها من الصحابة والتابعين.
وكونُ مصحف أُبيّ بن كعب وابن مسعود وغيرهما مخالفًا لترتيب مصحف عثمان لا يدلّ على أن ترتيب السور من اجتهاد عثمان؛ لأن هؤلاء كتبوا مصاحفهم كما تيسّر لهم، -فمثلًا كتب علي بن أبي طالب مصحفه على ترتيب النزول، فكان أوله "اقرأ" ثم "المدثر" ثم "ن" هكذا إلى آخر المكي ثم المدني- لأنه كله قرآن سواء سورة النساء قبل آل عمران أو بعدها، كما حذف بعضُهم بعضَ السور ظنًّا منهم أنه ليس من القرآن، وقد كان في مصاحفهم تفسير لبعض الآيات أيضًا، ومن الممكن أيضًا أنهم لم يطّلعوا على نسخة زيد بن ثابت التي كتبها لأبي بكر على العرضة الأخيرة؛ لأن أبي بن كعب وعبد اللَّه بن مسعود لم يكونا من اللجنة التي شكّلها عثمان ﵁ لنسخ المصحف.
الثالثة: وكثرت المصاحف في عهد عمر بن الخطاب ﵁، فكان لعبد اللَّه بن مسعود مصحف يملي منه على أهل الكوفة، وكان لأبي بن كعب مصحف، ولعلي بن أبي طالب مصحف، ولعائشة مصحف، ولغيرهم من الصحابة مصاحف، يملون منها على أصحابهم.
وكان في هذه المصاحف اختلاف في بعض الأحرف لنزول القرآن على سبعة أحرف تيسيرا على المسلمين، فكان ذلك من دواعي أن يُؤحّد المصحف على حرف واحد لإزالة هذا الخلاف الواقع بين المسلمين.
فلما اشتدَّ هذا الخلاف، وخطّأ بعضُهم بعضًا، وتفاقم الأمر، وخُشيت الفتنة، جمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ المسلمين للتشاور في الأمر. وكان ذلك في حدود سنة خمس وعشرين.
قال ابن عبد البر في ترجمة زيد بن ثابت من الاستيعاب: "فلما اختلف الناس في القراءة زمن عثمان، واتفق رأيه ورأي الصحابة على أن يُرَدَّ القرآنُ إلى حرفٍ واحدٍ، وقع اختياره على حرف زيد (أي على النسخة التي كتبها زيدٌ لأبي بكر التي كانت عند حفصة)، فأمره أن يملي المصحف على قوم من قريش جمعهم إليه، فكتبوه على ما هو عليه اليوم بأيدي الناس، والأخبار بذلك متواترة المعنى، وإن اختلفت ألفاظها". انتهى.
ونُسِخَ في عهد عثمان عدةُ نسخ، اختلفت الروايات في تعيين عددها، أصح الروايات أنها خمسة، وأكثرها أنها كانت سبعة، وأرسلها عثمان ﵁ إلى ست مدن: مكة، والشام،
стр. 6694
والبحرين، واليمن، والكوفة، والبصرة. وأبقى واحدًا منها بالمدينة، وأمر بحرق كل جزء، أو كل مصحف كان لدى بعض الصحابة، فسارع الناسُ إلى تنفيذ أمره كما روا ابن أبي داود في كتاب المصاحف (١/ ١٨٧) عن مصعب بن سعد قال: أدركت الناس متوافرون حين حرّق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منهم أحد" إلا ما يُروى عن ابن مسعود أنه لم ينفذ أمره، بل أمر أصحابه أن يحافظوا على المصحف الذي عندهم. ثم ألْهمه اللَّه أن يرجعَ إلى رأي عثمان الذي كان في الحقيقة رأي الأمة كلها، ولكن انتشرت عنه القراءات الأخرى من طريق تلاميذه بالرواية، فتداولتْها كتب التفسير والحديث.
ومن هذه المصاحف العثمانية نُسِخت المصاحف الأخرى كلما اتسعت رقعة الدولة الاسلامية، وهكذا اتفق المسلمون على المصحف الموجود الآن المنسوخ من المصاحف العثمانية على حرف واحد، وصار المصحف العثماني هو العمدة لدى جميع المسلمين.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: "جميع القرآن الذي أنزله اللَّه تعالى، وأمر بإثباته، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته وهو الذي بين اللوحتين الذي حواه مصحف عثمان ﵁، لم يُنقص منه شيء، ولا زِيدَ فيه شيءٌ، نقله الخلف عن السلف، وهو معجزة الرسول ﵇". انتهى (نكت الانتصار ص ٥٩).
وبهذا ظهر مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
رسم المصحف: الرسم الذي استعمل في كتابة المصحف هو الرسم الذي كان معروفا عند العرب، في كتاباتهم، ثم وضعت قواعد الإملاء، إلا أن علماء السلف حرّموا كتابة المصحف على الإملاء الجديد. سئل الإمام مالك، فقيل له: "أرأيتَ من استكتب مصحفا اليوم أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء (أي الإملاء) اليوم؟ ". فقال: "لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى".
قال أبو عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ) بعد أن ذكر رأي مالك السابق: "ولا مخالفَ له في ذلك من علماء الأمة". المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار للداني (٩ - ١٠).
وحكي أن الإمام أحمد بن حنبل قال: "تحرم مخالفة مصحف الإمام في واو، أو ياء، أو ألف، أو غير ذلك".
وقال البيهقي في الشعب (٤/ ٢١٩): "من كتب مصحفا، فينبغي أن يحافظ على الهجاء (أي الإملاء) التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئًا، فإنهم كانوا أكثر علما، وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم، ولا تسقُّطا لهم".
وقال الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ): وقع في الرسم: لام الجرّ مفصولة في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ
стр. 6695
هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [سورة الفرقان: ٧]، هكذا وقعت خارجةً عن أوضاع الخط العربي، وخط المصحف سنّةٌ لا تغير".
وعليه جرى عمل المسلمين إلى يومنا هذا. ومن خالف ذلك فلا عبرة له بمخالفتهم.
وأما تنقيط القرآن فلم ينقل عن أحد من السلف ما يخالف ذلك، وقد سئل الحسن وابن سيرين وغيرهما عن هذا فقالا: لا بأس به.
ونقل البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٢١٩) عن الحليمي قال: "ولأن النقطة ليست بمقروءة، فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء، فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها".
القراءات:
من الخطأ أن يظن: إن القراءات السبع المشهورة الآن هي المرادة بالأحرف السبعة المذكورة في الحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" لأن المصحف العثماني كُتبَ على حرف واحد وهو لغة قريش.
وأما القراءات فهي ليست محصورة على السبع، بل وصلت القراءات المتواترة إلى عشر، ويذكر أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو حاتم السجستاني، وأبو جعفر الطبري أكثر من ذلك.
وتعدّد القراءات كان معروفا في حياة النبي ﷺ ، تلقّاه من ربه بواسطة جبريل ﵇، وكان نسخ المصاحف العثمانية تتضمن هذه القراءات. فكان أهل كل مصر يقرأه على ما تلقاه من قراءات الصحابة والتابعين مما يوافق رسم المصحف. وبقي بعض القراءات خارجةً عن هذا الرسم. ولما أجمع الصحابة على المصحف العثماني اعتبرت هذه القراءات شاذّة.
ومن الخطأ أن يقال عن هذه القراءات المتواترة أن منشؤها الرسم العثماني؛ فإن الرسم العثماني لا يُنشيء القراءة، ولكنه يحكم عليها.
وأما السبب في الاقتصار على السبعة فإن الرواة عن هؤلاء الأئمة القُرّاء كانوا كثيرين، فلما تقاصرت الهممُ، اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظُه، وتنضبط القراءةُ به.
قال السيوطي نقلا عن مكي بن أبي طالب القيسي: "وقد صنف ابن جبير المكي قبل ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) كتابا في القراءات فاقتصر على خمسة، اختار من كل مصر إماما، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار، ويقال: إنه وجّه بسبعة: هذه الخمسة، ومصحفا إلى اليمن ومصحفا إلى البحرين، لكن لما لم يُسمع لهذين المصحفين خبر، وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارئَين كمل بهما العدد، فصادف ذلك موافقة العدد الذي ورد الخبر به، فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة، ولم تكن له فطنة، فظن أن المراد بالأحرف السبعة، القراءات السبع.
стр. 6696
والأصل المعتمد عليه صحة السند في السماع، واستقامة الوجه في العربية، وموافقة الرسم" انتهى. نقلا من الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٥٢٧).
واشتهار القُرّاء السبع يعود إلى كتاب ابن مجاهد (السبعة).
ولذا لما ذكر البغوي في مقدمة تفسيره "معالم التنزيل" قراءة أبي جعفر، وقراءة نافع، وقراءة ابن كثير، وقراءة أبي عمرو، وقراءة عبد اللَّه بن عامر، وقراءة عاصم بن أبي النجود، وقراءة حمزة ابن حبيب الزيات، وقراءة أبي الحسن الكسائي، وقراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري (وهم تسعة) قال: ذكرت قراءة هؤلاء للاتفاف على جواز القراءة بها" اهـ.
وللمحدثين دور بارز في حفظ القراءات المشهورة بالأسانيد المتصلة الصحيحة إلى النبي ﷺ ، لأن اللَّه تعالى وصفه بقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وبقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]، فجعلوا من شروط قبولها صحة إسنادها، ومن ثَمَّ منعوا القراءة بالقياس والاجتهاد.
وفي كتاب "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٤٦): "القراءات السبع التي اقتصر عليه الشاطبي، والثلاثة التي هي قراءة أبي جعفر، ويعقوب، وخلف، متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزّل على رسول اللَّه ﷺ ، لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل".
ومن القُرّاء الذين تدور عليهم القراءات بعد الصحابة بالمدينة: سعيد بن المسيب، ومعاذ بن الحارث، وابن شهاب الزهري، وبمكة: عطاء، وطاوس، وعكرمة، وبالكوفة: علقمة، والشعبي، وسعيد بن جبير، وبالبصرة: الحسن البصري، وابن سيرين، وقتادة، وبالشام: المغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب عثمان بن عفان.
ومن هؤلاء انتشرت هذه القراءات حتى وصلت إلى القرّاء بالأسانيد المتصلة، واشتهر من هؤلاء القراء العشرة وهم: نافع وأبو جعفر بالمدينة، وأبو عمرو ويعقوب بالبصرة، وعبد اللَّه بن كثير بمكة، وعبد اللَّه بن عامر بالشام، وعاصم وحمزة والكسائي بالكوفة، وخلف بن هشام ببغداد. وإليكم ترجمتهم باختصار حسب سني وفياتهم:
١ - ابن عامر الشامي - هو عبد اللَّه بن عامر بن يزيد بن تميم يكنى بأبي عمرو، قرأ على جماعة من الصحابة، منهم: معاوية، وفضالة بن عبيد، وواثلة بن الأسقع، وعن عثمان بواسطة المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وقرأ عثمان بن عفان، وبعض هؤلاء على رسول اللَّه ﷺ ، وتوفي ابن عامر عام ١١٨ هـ. وقرأ عليه كثيرون.
٢ - ابن كثير المكي - هو عبد اللَّه بن كثير بن عبد اللَّه بن زاذان بن فيروز بن هرمز الفارسي المكي، وُلد بمكة عام ٤٥ هـ، ولقي من الصحابة أنس بن مالك، وعبد اللَّه بن الزبير، وأبا أيوب
стр. 6697
الأنصاري، وقرأ على مجاهد، وسعيد بن جبير، وهما قرآ على ابن عباس، وابن عباس قرأ على أبي بن كعب وزيد بن ثابت كلاهما عن رسول اللَّه ﷺ ، وتوفي عام ١٢٠ هـ.
٣ - عاصم - هو ابن بهدلة أبي النجود الخياط الأسدي الكوفي، قرأ على أبي عبد الرحمن السُّلمي، وزِرّ بن حبيش، وهما قرآ على عبد اللَّه بن مسعود، وعلى علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وهم جميعًا قرأوا على رسول اللَّه ﷺ ، وصار شيخ القُرّاء في الكوفة، توفي عام ١٢٨ هـ.
وأشهر من أخذ عنه:
- شعبة بن عياش الأسدي النهشلي الكوفي ولد عام ٩٥ هـ، وصار إماما وحجة في القراءة، توفي سنة ١٩٢ هـ. .
- وحفص بن سليمان بن المغيرة بن أبي داود الأسدي الكوفي وُلد سنة ٩٠ هـ، وكان من أعلم أصحاب عاصم، توفي سنة ١٨٠ هـ.
٤ - أبو عمرو بن العلاء البصري - هو زبّان بن العلاء بن عمار بن العريان المازني التميمي، وُلد سنة ٦٨ هـ، وقرأ على جماعة من التابعين، منهم: مجاهد بن جبر، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وقرأ هؤلاء على عبد اللَّه بن عباس، وهو قرأ على أبي بن كعب وهو قرأ على رسول اللَّه ﷺ ، وكان إمام أهل البصرة ومقرئهم، توفي عام ١٥٤ هـ.
٥ - حمزة الكوفي - هو حمزة بن حبيب بن عمارة الزيّات مولى عكرمة بن ربيع التيمي، إمام أهل الكوفة بعد عاصم، قرأ على سليمان بن مهران الأعمش، على يحيى بن وثاب، على زِرّ بن حبيش، على عثمان وعلي وابن مسعود، وقرأ هؤلاء على رسول اللَّه ﷺ ، وقرأ عليه كبار أهل الكوفة، منهم: سفيان الثوري، ووكيع وغيرهما، توفي عام ١٨٨ هـ.
٦ - نافع المدني - هو ابن أبي نعيم مولى جعونة، وأصله من أصفهان، وكان أسود، وعُمِّرَ طويلًا، قرأ على سبعين من التابعين وهم قرؤوا على أبي هريرة، وابن عباس، وعبد اللَّه بن عيّاش ابن أبي ربيعة كلّهم على أبي بن كعب، وهو قرأ على رسول اللَّه ﷺ ، وكان إماما في القراءة بالمدينة، وُلد سنة ٧٠ هـ وقرأ عليه مالك وغيره، توفي عام ١٦٩ هـ. ومن أشهر تلاميذه:
- قالون: وهو عيسى بن مينا بن وردان، مقرئ المدينة، وقالون لقبٌ له، لقّبَ به نافع لجودة قراءته، وُلدَ سنة ١٢٠ هـ، وتوفي سنة ٢٢٠ هـ.
- ورش: وهو عثمان بن سعيد المصري، وورش لقب له، لُقِّبَ به لشدة بياضه، انتهت إليه الرئاسة بالديار المصرية، وُلدَ سنة ١٢٠ هـ، وتوفي سنة ١٩٧ هـ.
٧ - الكسائي الكوفي - هو علي بن حمزة النحوي، فارسي الأصل، وُلد سنة ١١٩ هـ، وتوفي عام ١٨٩ هـ. لُقّبَ بالكسائي لأنه أحرم في "كساء" وهو أحد القراء، وإمام النحاة في الكوفة، وهو
стр. 6698
قرأ على أبي عمارة حمزة بن حبيب الزيات، وهو قرأ على سليمان بن مهران، وهو قرأ على يحيى ابن وثاب، وهو قرأ على زر بن حبيش، وهو قرأ على عثمان بن عفان وعبد اللَّه بن مسعود، وهما قرأ على رسول اللَّه ﷺ .
وأشهر من أخذ عنه:
- الليث بن خالد المروزي البغدادي توفي سنة ٢٤٠ هـ.
- حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري البغدادي شيخ المقرئين، تلا على الكسائي بحرفه، وعلى يحيى اليزيدي بحرف أبي عمرو (ابن العلاء البصري المقرئ الإمام) عاش دهرا، وصنّف في القراءات، وُلد سنة بضع وخمسين ومائة، وتوفي سنة ٢٤٦ هـ.
وهناك ثلاثة آخرون اعتبرت قراءتهم أيضًا من القراءات المتواترة، فصاروا عشرة. وألّف ابن الجزري المتوفى سنة ٨٣٣ هـ "النشر في القراءات العشر"، وهم:
٨ - أبو جعفر - يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، أحد القُرّاء العشرة، أخذ عن عبد اللَّه بن عباس وأبي هريرة، عن أبي بن كعب، عن رسول اللَّه ﷺ ، توفى سنة ١٣٠ هـ. وأشهر من أخذ عنه:
- ابن وردان - عيسى بن وردان المدني، وهو من أجل أصحاب نافع وقدمائهم، توفي سنة ١٦٠ هـ.
- ابن جماز - سليمان بن محمد بن مسلم الزهري المدني توفي سنة ١٧٠ هـ.
٩ - يعقوب البصري - وهو ابن إسحاق بن يزيد الحضرمي البصري، أحد القراء العشرة، وُلد سنة ١١٧ هـ، وتوفى سنة ٢٠٥ هـ. قرأ على أبي عمرو البصري، وهو قرأ على مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير، وهما قرآ على عبد اللَّه بن عباس، وهو قرأ على أبي بن كعب، وهو قرأ على النبي ﷺ ، وأشهر من أخذ عنه:
- رويس - هو محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصري توفي سنة ٢٣٨ هـ.
- روح - هو ابن عبد المؤمن الهذلي البصري النحوي توفي سنة ٢٣٥ هـ.
١٠ - خلف - هو ابن هشام البزّار البغدادي أحد القرّاء العشرة، ولد سنة ١٥٠ هـ، وتوفي سنة ٢٢٩ هـ. وقرأ على يحيى بن سليم وهو قرأ على حمزة بن عمارة بن إسماعيل، وهو قرأ على عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو قرأ على المنهال بن عمرو، وهو قرأ على سعيد بن جبير، وهو قرأ على عبد اللَّه بن عباس، وهو قرأ على أبي بن كعب، وهو قرأ على رسول اللَّه ﷺ ، وأشهر من أخذ عنه:
- إسحاق بن إبراهيم بن عثمان المروزي البغدادي الورّاق توفي سنة ٢٨٦ هـ.
- إدريس بن عبد الكريم الحداد البغدادي، وُلد سنة ١٨٩ هـ، وتوفي سنة ٢٩٢ هـ.
وألّف في ذلك ابن مجاهد - هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي. (٢٤٥ هـ - ٣٢٤ هـ) كتابه الشهير "السبعة" إلا أنه ذكر علي بن حمزة الكسائي مكان يعقوب
стр. 6699
البصري. فاشتهر أمرهم في الآفاق، وألحق بعض أهل العلم الثلاثة الآخرين فصاروا عشرةً.
ثم أكثر القراء الآخذون عن هؤلاء في الديار الاسلامية لا يُحصى عددهم، وتسلسلت أسانيدهم إلى يومنا هذا، وهي ميزة للقرآن الكريم، ولم يحصل ذلك لأي كتاب من الكتب السماوية، والحكمة في ذلك إن اللَّه جعل هذا الكتاب منارا للهدى إلى يوم القيامة، وتكفل بحفظه من التحريف والتبديل.
وعلماء القراءة ألّفوا في القراءات كتبا نفيسة ومن أهمها: كتاب التذكرة لابن أبي غلبون الحلبي (ت ٣٩٩ هـ)، وكتاب التبصرة للقيرواني (ت ٤٣٧ هـ)، وكتاب التيسير لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (٤٤٤ هـ) وغيرهم. واشترطوا لقبول القراءات ثلاثة شروط وهي:
١ - أن يَصحَّ إسنادها إلى النبي ﷺ .
٢ - أن يستقيم وجهُها في اللغة العربية.
٣ - أن يوافق رسم مصحف الإمام؛ لأن المصحف العثماني كُتبَ على الوجه الذي يحتمل القراءات العامة، فالقراءات العشر المعروفة اليوم كلها يحتملُها الرسم العثماني.
فمتى فُقِدَ شرطٌ من هذه الثلاثة فهو شاذّ وإنْ صحَّ إسناده، مثل ما رواه البخاريّ في التفسير (٤٩٤٣)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨٢٤: ٢٨٢) عن علقمة قال: دخلتُ في نفر من أصحاب عبد اللَّه الشأم فسمع بنا أبو الدّرداء فأتانا فقال: أفيكم من يقرأ؟ فقلنا: نعم قال: فأيكم أقرأ؟ فأشاروا إليّ فقال: اقرأ فقرأتُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ والذكر والأنثى قال: أنتَ سمعتَها مِنْ في صاحبك؟ قلتُ: نعم قال: وأنا سمعتُها من في النبي ﷺ وهؤلاء يأبون علينا.
وفي لفظ: قال أبو الدّرداء: أشهد أني سمعتُ النبي ﷺ يقرأ هكذا وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ واللَّه لا أتابعهم.
ومثل حديث ابن مسعود قال: أقرأني رسول اللَّه ﷺ إني أنا الرزاق ذو القوة المتين. في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
رواه أبو داود (٣٩٩٣)، والترمذي (٢٩٤٠)، وأحمد (٣٧٤١). وإسناده صحيح. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
فهذه القراءات -وإنْ صحَّ إسنادُها- شاذّة؛ لأنها تُخالِفُ القراءة العامّة المتداولة عند الصحابة الآخرين، كما أنه لم يحتملْها الرسمُ العثماني.
فلا يجوز لأحد أن يقرأ في صلاته نافلة أو مكتوبة بغير ما في المصحف "المجمع" عليه، بل قال مالك ﵀ فيمن قرأ في صلاة بقراءة ابن مسعود وغيره من الصحابة مما يخالف المصحف: لم يُصلَّ وراءه، ونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا يجوز القراءة بالشاذة، ولا يُصلّى خلف من يقرأ بها. البرهان في علوم القرآن (١/ ٣٣٣).
стр. 6700
وقال ابن حزم في جوامع السيرة (ص ٢٧١) بعد أن سرد أسماء القرّاء المعروفين الذين سبق ذكرُهم: "وههنا قراءة غير هذه أيضًا عن الأئمة المشهورين مما لم يشتهر عنهم، فلا يحلّ أن يُقرأ بها بمعنى: أن تُعلّم، ولا يُصلّى بها، ولا تُكتب في المصاحف أصلًا".
قلت: لقد كان خلاف في هذه المسألة، ثم انتهى هذا الخلاف بهذا الإجماع، وكان النووي وغيره أيضًا ادعى الاجماع على ذلك.
كما لا يجوز أن يشهد على اللَّه غير ما في المصحف "المجمع" عليه، ولكن لا مانع من نقل الروايات الأخرى المنسوبة إلى ابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما المخالفة للمصحف العثماني في كتب التفسير والحديث، للاستشهاد به على معنى القرآن، ولكن حكمها حكم الشاذ، ولذلك لا يستشهد بها على اللَّه ، فإن ذلك خاصة بالمصحف العثماني.
وبقي الخط العربي من عصر كتابة الوحي إلى أيام عبد الملك بن مروان بدون نقط وشكل، فلما خرج الإسلام من جزيرة العرب إلى بلاد العجم، وشقَّ على الأعاجم قراءة القرآن قراءة صحيحة، جاء دور التنقيط والتشكيل، فأسند الحجاج بنُ يوسف في عهد عبد الملك بن مروان تنقيطَ المصحف وتشكيلَه إلى بعض أهل العلم، فنقّطوه وشكّلوه، فاتفق المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها على قراءة القرآن على نمط واحد.
١٧ - باب في كم يُقرأ القرآن
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ القرآن في كل شهر" قال: قلت: إني أجد قوة، قال: "فاقرأه في عشرين ليلة" قال: قلت: إني أجد قوة، قال: "فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٥٤) ومسلم في الصيام (١١٥٩: ١٨٤) كلاهما من طريق شيبان، عن يحيى (هو ابن أبي كثير)، عن محمد بن عبد الرحمن مولى بني زهرة، عن أبي سلمة -قال: (القائل: هو يحيى بن أبي كثير)، وأحسبني قال: سمعت أنا من أبي سلمة- عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "صُمْ من الشهر ثلاثة أيام" قال: أطيق أكثر من ذلك، فما زال حتى قال: "صُمْ يومًا وأَفْطرْ يومًا" فقال: "اقرأ القرآن في كل شهر" قال: إني أطيق أكثر، فما زال حتى قال: "في ثلاث".
صحيح: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٧٨) عن محمد بن بشار، حدّثنا غندر، حدّثنا شعبة، عن مغيرة، قال: سمعت مجاهدًا، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
وقوله: "في سبع" ثم "في ثلاث" يحمل على وقتين مختلفين، ثم استقر الأمر على ثلاث لأن
стр. 6701
من قرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام لم يفقه كما في الحديث الآتي.
• عن عبد اللَّه بن عمرو أنه قال: يا رسول اللَّه، في كم أقرأ القرآن؟ قال: "في شهر" قال: إني أقوى من ذلك -ردَّد الكلام أبو موسى وتناقصه، حتى- قال: "اقرأه في سبع" قال: إني أقوى من ذلك، قال: "لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث".
صحيح: رواه أبو داود (١٣٩٠)، والترمذي (٢٩٤٩)، وابن ماجه (١٣٤٧)، وصحّحه ابن حبان (٧٥٨) كلهم من طرق عن قتادة، عن يزيد بن عبد اللَّه بن الشخِّير، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكره، واللفظ لأبي داود.
وإسناده صحيح.
قوله: "ردَّدَ الكلام أبو موسى" أبو موسى هو: محمد بن المثنى شيخ أبي داود، وترديد الكلام ومراجعته كان بين رسول اللَّه ﷺ وبين عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه حدّث بحديث عبد اللَّه بن عمرو قال: أمره النبي ﷺ أن يقرأ في أربعين، ثم في شهر، ثم في عشرين، ثم في خمسة عشر، وفي عشر، ثم في سبع قال: انتهى إلى سبع.
حسن: رواه النسائيّ في الكبرى (٨٠١٥) عن زكريا بن يحيى، قال: حدّثنا محمد بن عبيد بن حساب قال: حدّثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبه، عن عمرو ابن شعيب فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
ورواه أيضًا أبو داود (١٣٩٥)، والترمذي (٢٩٤٧) كلاهما من طريق معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبه، عن عبد اللَّه بن عمرو فذكر نحوه. إلا أن الترمذيّ اقتصر على قوله: "اقرأ القرآن في أربعين". وقال: هذا حديث حسن غريب، وروى بعضهم عن معمر، عن سماك ابن الفضل، عن وهب بن منبه: أن النبي ﷺ أمر عبد اللَّه بن عمرو أن يقرأ القرآن في أربعين.
قلت: هذا الإسناد فيه انقطاع؛ فإن وهب بن منبه لم يسمعه من عبد اللَّه بن عمرو كما قال النسائيّ في الكبرى، ثم رواه بواسطة عمرو بن شعيب فاتصل إسناده وهو حسن كما قلت.
ذهب كثير من السلف إلى كراهة ختم القرآن في أقل من ثلاث، وفي سنن سعيد بن منصور (٢/ ٤٤٢) عن ابن مسعود موقوفًا: لا تقرؤوا القرآن في أقل من ثلاث، وكان عبد اللَّه بن مسعود يختم القرآن في كل ثلاث، وقلَّ ما يستعين بالنهار، وكان أبي بن كعب يختم القرآن في ثمان، وكان معاذ يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، وكذلك قال به كثير من التابعين وهو اختيار أحمد وإسحاق وغيرهما، وقد ذمّتْ عائشة من قرأ القرآن في الليلة مرة أو مرتين كما في الحديث الآتي:
стр. 6702
• عن مسلم بن مخراق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين إن ناسا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين، أو ثلاثًا، فقالت: أولئك قرءوا، ولم يقرءوا، كان رسول اللَّه ﷺ ، يقوم الليلة التمام، فيقرأ سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، ثم لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا اللَّه ورَغِبَ، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا اللَّه واستعاذ.
حسن: رواه أحمد (٢٤٨٧٥) عن علي بن إسحاق، قال: أخبرنا عبد اللَّه، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن مسلم بن مخراق فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن لهيعة لرواية عبد اللَّه بن المبارك عنه، ومن أجل مسلم بن مخراق وهو مولى عائشة وإن لم يوثقه غير ابن حبان، ثم لحديثه شواهد صحيحة في تطويل القراءة في صلاة الليل وهي مخرجة في مواضعها، إلا أن بعض أهل العلم رخّصوا ختم القرآن في ليلة، وقراءته في ركعة واحدة كما رُوي ذلك عن عثمان بن عفان. رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨٦٧٨) عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عثمان، قال: قمت خلف المقام أصلي وأنا أريد أن لا يغلبني عليه أحد تلك الليلة، فإذا رجل من خلفي يغمزني فلم ألتفت إليه، ثم غمزني فالتفت، فإذا هو عثمان بن عفان فتنحيت وتقدم فقرأ القرآن كله في ركعة، ثم انصرف. وإسناده حسن.
وروي أيضًا عن تميم الداري مثله كما عند ابن أبي شيبة (٨٦٧٧) وفي إسناده انقطاع.
ولعل عثمان بن عفان ﵁ فعل ذلك مرة أو مرتين لأن الأصل أنه لا يجوز ختم القرآن في أقل من ثلاث.
وأما أقصى مدة لختم القرآن فذهب أبو حنيفة إلى أن من قرأ القرآن في كل سنة مرتين فقد أدّى حقّه؛ لأن النبي ﷺ عرض على جبريل في السنة التي توفي فيها مرتين.
وقال أحمد: أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين لأن تأخيره أكثر من ذلك يُفضي إلى نسيان القرآن، والتهاون به فكان ما ذكرنا أولى، وهذا إذا لم يكن عذر، فأما مع العذر فواسع له. المغني (٢/ ٦١١ - ٦١٢). يعني المشغول في الحكم والقضاء والعلم وغيرها. فله أن يُقلّل هذه المدة أو يكثرها وكلها صحيح.
وأما الاجتماع والدعاء عند ختم القرآن فأجازه بعض السلف: أخرج الطبرانيّ في الكبير (١/ ٢٤٢) بإسناده عن أنس أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا.
قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٧٢): "رجاله ثقات".
قلت: وروي عن قتادة عن أنس مرفوعًا وهو وهمٌ، وفي إسناده مجاهيل كما قال البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٤٢٢).
стр. 6703
وعن مجاهد قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن، ويقولون: عنده تنزل الرحمة.
١٨ - باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما أذِن اللَّه لشيء ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن".
وفي لفظ: "ما أذِن اللَّه لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٢٤) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٢: ٢٣٢) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
والرّواية الأخرى رواها مسلم في الموضع السابق من طريق آخر عن أبي هريرة به.
• عن البراء بن عازب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "زيِّنوا القرآن بأصواتكم".
صحيح: رواه أبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (١٠١٥)، وابن ماجه (١٣٤٢)، وأحمد (١٨٤٩٤)، والدارمي (٣٥٤٣)، وصحَّحه ابن حبان (٤٧٩)، والحاكم (١/ ٥٧١) كلهم من طرق عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب، فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه الدارميّ (٣٥٤٤) بإسناد آخر صحيح وزاد فيه: فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنا.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن".
صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٢٧) عن إسحاق، حدّثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
قوله: "يتغنّ بالقرآن" يعنى تحسين الصوت به وتزيينه.
• عن سعد بن أبي وقاص عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن".
حسن: رواه أبو داود (١٤٦٩) وأحمد (١٥١٢) وصحّحه ابن حبان (١٢٠) والحاكم (١/ ٥٦٩) كلهم من طريق الليث بن سعد، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن عبد اللَّه بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن أبي نهيك، ويقال: عبيد اللَّه بن أبي نهيك، فإنه حسن الحديث، وثّقه النسائيّ.
واختلف على ابن أبي مليكة، فمرة روي عنه من مسند ابن عباس، ومرة من مسند عائشة، ومرة من مسند أبي لبابة، ومرة عن ابن أبي مليكة، عن عبيد اللَّه بن أبي نهيك، عن سعيد بن أبي سعيد مرسلًا.
والصواب أنه من مسند سعد بن أبي وقاص، وبه قال البخاريّ كما في علل الترمذيّ الكبير (٢/ ٨٨٠ - ٨٨١) والحاكم والطحاوي والمزي والذهبيّ وابن حجر وغيرهم.
• عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال له: "يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود".
стр. 6704
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٤٨) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٣: ٢٣٦) كلاهما من طرق عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره.
واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم أنه ﷺ قال: "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود".
وفيه إقرار النبي ﷺ لقراءة أبي موسى وحسن صوته.
وأما الألحان في القرآن فهي محدثة كما قال ابن سيرين. ذكره الدارميّ (٣٥٤٦) بإسناده، وممن كره الألحان الشافعي في قول، وأجازه في قول إذا لم يخرج إلى حدّ التمطيط.
١٩ - باب البكاء عند قراءة القرآن
قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [سورة الإسراء: ١٠٩]
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ عليَّ القرآن" قال: فقلت: أقرأ عليك وعليك أُنْزِلَ؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري"، فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] رفعت رأسي، أو غمزني رجل إلى جنجي فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل.
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٥٥) ومسلم في صلاة المسافرين (٨٠٠: ٢٤٧) كلاهما من طريق سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: فذكره.
وفي معناه عن عمرو بن حريث قال: قال النبي ﷺ لعبد اللَّه بن مسعود: "اقرأ" قال: أقرأ وعليك أنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري" قال: فافتتح سورة النساء حتى بلغ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فاستعبر رسول اللَّه ﷺ ، وكَفَّ عبد اللَّه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "تكلَّمْ" فحمد اللَّه في أول كلامه، وأثنى على اللَّه، وصلى على النبي ﷺ ، وشهد شهادة الحق، وقال: رضينا باللَّه ربا، وبالإسلام دينا، ورضيت لكم ما رضي اللَّه ورسوله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "رضيت لكم ما رضي لكم ابن أم عبد".
رواه الحاكم (٣/ ٣١٩) عن أبي الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف العدل، ثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أنا جعفر بن عون، أنا المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، أبيه، قال: فذكره.
وجعفر بن عمرو بن حريث مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان، ذكره في ثقاته، ولم أجد له متابعا، وقد زاد في آخر الحديث: "رضينا باللَّه ربا. . . ".
ويحصل البكاء عند التأمل ما يقرأ من التهديد والوعيد الشديد وتفكيره في التقصير، وأن القرآن يخاطبه قبل غيره.
стр. 6705
٢٠ - باب يُسنّ الترتيل في قراءة القرآن
قال اللَّه تعالى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [سورة المزمل: ٤].
وقال: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ١٠٦].
• عن قتادة قال: سئل أنس كيف كانت قراءة النبي ﷺ فقال: كانت مدّا ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد ببسم اللَّه، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم.
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٤٦) عن عمرو بن عاصم حدّثنا همام عن قتادة قال: فذكره.
• عن أم سلمة أنها ذكرت قراءة رسول اللَّه ﷺ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقطع قراءته آيةً آيةً.
صحيح: رواه أبو داود (٤٠٠١)، والترمذي (٢٩٢٧)، وأحمد (٢٦٥٨٣)، والدارقطني في السنن (١/ ٣١٢)، والحاكم (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢) كلهم من حديث يحيى بن سعيد الأموي، قال: حدّثنا ابن جريج، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن أم سلمة فذكرته.
قال الدارقطني: "إسناده صحيح، وكلهم ثقات".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: وللحديث أسانيد أخرى وهذا أصحها.
• عن أبي وائل قال: غدونا على عبد اللَّه بن مسعود يومًا بعد ما صلينا الغداة، فسلمنا بالباب، فأذن لنا، قال: فمكثنا بالباب هُنَيَّةً، قال: فخرجت الجارية فقالت: ألا تدخلون؟ فدخلنا، فإذا هو جالس يسبح، فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أذن لكم؟ فقلنا: لا، إلا أنا ظننا أن بعض أهل البيت نائم. قال: ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة؟ قال: ثم أقبل يسبح حتى ظن أن الشّمس قد طلعت، فقال: يا جارية! انظري، هل طلعت؟ قال: فنظرت فإذا هي لم تطلع، فأقبل يسبح حتى إذا ظن أن الشمس قد طلعت قال: يا جارية، انظري هل طلعت؟ فنظرت فإذا هي قد طلعت. فقال: الحمد للَّه الذي أقالنا يومنا هذا. -فقال: مهدي وأحسبه قال: ولم يهلكنا بذنوبنا- قال: فقال رجل من القوم: قرأت المفصَّل البارحة كله، قال: فقال عبد اللَّه: هَذًّا كَهَذِّ الشعر؟ إنا لقد سمعنا القرائن، وإني لأحفظ القرائن التي كان يقرؤهن رسول اللَّه ﷺ ، ثمانية عشر من المفصل، وسورتين من آل حم.
стр. 6706
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٤٣) ومسلم في صلاة المسافرين (٨٢٢: ٢٧٨) كلاهما من طريق مهدي بن ميمون، حدّثنا واصل الأحدب، عن أبي وائل، فذكره، والسياق لمسلم، وسياق البخاريّ مختصر.
• عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له: نُهَيك بن سِنان إلى عبد اللَّه، فقال: يا أبا عبد الرحمن! كيف تقرأ هذا الحرف، ألفا تجده أم ياء: من ماء غير آسن أو من ماء غير ياسن؟ قال: فقال عبد اللَّه: وكلٍ القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد اللَّه: هَذًّا كهَذِّ الشعر؟ إن أقواما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول اللَّه ﷺ يقرُنُ بينهن، سورتين في كل ركعة. ثم قام عبد اللَّه فدخل علقمة في إثره، ثم خرج فقال: قد أخبرني بها.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٢٢: ٢٧٥) من طرق عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، فذكره.
اتفق أهل العلم على كراهة الإفراط في الإسراع، ولكن اختلفوا هل الأفضل الترتيل، أو عدم الترتيل مع مخارج الحروف الصحيحة، فمن ذهب إلى أفضلية الترتيل فقال: للتدبر الذي أمر اللَّه به ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ومن ذهب إلى عدم الترتيل قال: لكل حرفٍ عشرُ حسنات.
قلت: ولكلٍّ حالاتٌ تؤثِّرُ لحى القلب، فمن كان تأثيره أكثر فهو الأفضل.
٢١ - باب نزول القرآن وتربية النفوس
• عن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂ إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك، وما يضرك. قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك. قالت: لِمَ؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]. وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. قال: فأخرجت له المصحف، فأملت عليه آي السورة.
стр. 6707
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٩٣) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، قال: وأخبرني يوسف بن ماهك، قال: فذكره.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: أُنْزِلَ القرآن المفصل بمكة، فمكثنا حجا نقرؤه، لا ينزل غيره.
حسن: رواه سعيد بن منصور في سننه (١٢٦ - قسم التفسير-) ومن طريقه الطبرانيّ في الأوسط (٦٣٤٠) عن حُديج بن معاوية، حدّثنا أبو إسحاق، عن عبد اللَّه بن حبيب (هو السلمي)، عن ابن مسعود، فذكره.
وإسناده حسن من أجل حُديج بن معاوية، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه.
٢٢ - باب كراهية قول: نَسِيتُ آية كذا، وجواز قول: أُنْسِيتُها
• عن عائشة قالت: سمع رسول اللَّه ﷺ رجلًا يقرأ في سورة بالليل فقال: "يرحمه اللَّه لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٣٨) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٨٨) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: "كنت أُسقطتها من سورة كذا وكذا"، وفي رواية عبدة وأبي معاوية عن هشام: "كنت أُنسيتها" وسبق تخريجه بالتفصيل في صلاة الليل باب رفع الصوت في صلاة الليل.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : "بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيتَ وكيتَ، بل نُسِّيَ، واستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٣٢) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٠) كلاهما من حديث منصور، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم مثله، وزاد بعد قوله: "من النعم": "بعقلها".
وفي رواية عند مسلم من حديث الأعمش، عن شقيق (وهو أبو وائل) قال عبد اللَّه: تعاهدوا هذه المصاحف، وربما قال: القرآن، فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقله، وقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يقل أحدكم: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّيَ".
وقوله: "تفصيا" أي تفلّتا. والتفصي هو الانفصال.
٢٣ - باب الترجيع
• عن عبد اللَّه بن مغفل قال: رأيت النبي ﷺ يقرأ وهو على ناقته -أو على جمله-
стр. 6708
وهي تسيرُ به، وهو يقرأ سورة الفتح -أو من سورة الفتح- قراءة لينة، يقرأ وهو يرجِّع.
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٤٧) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٤: ٢٣٧) كلاهما من طريق شعبة، عن معاوية بن قرة أبي إياس، قال: سمعت عبد اللَّه بن مغفل، قال: فذكره.
• عن أبي ذرّ يقول: قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح يردّدُها ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]
حسن: رواه ابن ماجه (١٣٥٠)، وأحمد (٢١٣٨٨) كلاهما من حديث قدامة العامري، عن جسرة بنت دجاجة، عن أبي ذر فذكره.
وجسرة بنت دجاجة روى عنها جمعٌ، وقال العجلي: تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: يعتبر حديثها إلا إذا روى عنها من يترك.
قلت: فإذا كان حديثها ليس فيه ما ينكر عليه فهو حسن وإلا فعندها عجائب كما قال البخاري.
وفي معناها أحاديث أخرى ذكرت في صلاة الليل.
والمراد بقوله: "بآية حتى أصبح" يعني مدة قيام الليل.
٢٤ - باب تحزيب القرآن وتجزئته
• عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتِبَ له كأنما قرأه".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٧) من طرق عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه أخبراه، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ، قال: سمعت عمر بن الخطاب، فذكره.
قوله: "عن حزبه" الحزب ما يجعل الرجل على نفسه من قراءة كالورد، وتحزيب القرآن تجزئته.
• عن يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد قال: سألني نافع بن جبير بن مطعم، فقال لي: في كم تقرأ القرآن؟ فقلت: ما أُحَزِّبه، فقال لي نافع: لا تقل: ما أُحَزِّبه، فإن رسول اللَّه ﷺ قال: "قرأت جزءا من القرآن" قال: حسب أنه ذكره عن المغيرة بن شعبة.
حسن: رواه أبو داود (١٣٩٢) عن محمد بن يحيى بن فارس، أخبرنا ابن أبي مريم (هو سعيد ابن الحكم)، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل يحيى بن أيوب الغافقي المصري فإنه حسن الحديث.
٢٥ - باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود
• عن ابن عباس قال: كشف رسول اللَّه ﷺ الستارة، والناس صفوف خلف أبي
стр. 6709
بكر، فقال: "أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له؛ ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ أن يستجاب لكم".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٧٩) من أوجه عن سفيان بن عيينة، قال: أخبرني سليمان بن سُحيم، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
قوله: "نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا" المراد به تلاوة القرآن وقراءته، وأما قراءة الآيات المشتملة على الأدعية فلا بأس بقراءتها من أجل الدعاء وطلب المغفرة.
٢٦ - باب جواز قراءة القرآن على غير الترتيب أحيانًا
• عن حذيفة قال: صلّيت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها. . . الحديث.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٧٢: ٢٠٣) من طرق عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صِلة بن زفر، عن حذيفة فذكره.
٢٧ - باب أن العربي والعجمي سواء في قراءة القرآن
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا العجمي والأعرابي، قال: فاستمع فقال: "اقرؤوا فكلٌّ حسن، وسيأتي قوم يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه".
صحيح: رواه أبو داود (٨٣٠) من طريق حميد الأعرج - وأحمد (١٤٨٥٥) من طريق أسامة بن زيد الليثي - كلاهما (حميد وأسامة) عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٦٠٣٤) عن ابن عيينة - وابن أبي شيبة في مصنفه (٣٠٦٢٦) من طريق الثوري - كلاهما عن محمد بن المنكدر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ مرسلًا، والموصول فيه زيادة ثقة، إلا أن الدارقطني قال في العلل (٣٢٠٩): "والمرسل أشبه"، واللَّه أعلم بالصواب.
قوله: "القِدح" هو السهم الذي يرمى به.
وقوله: "يتعجلونه" أي: يطلبون بقراءته العاجلة من عرض الدنيا والرفعة فيها.
وقوله: "ولا يتأجلونه" أي: لا يريدون به الآجلة وهو جزاء الآخرة.
• عن سهل بن سعد الساعدي قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ يومًا ونحن نقترئُ، فقال: "الحمد للَّه، كتاب اللَّه واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود،
стр. 6710
اقرؤوا قبل أن يقرأه أقوام يُقِيمونه كما يُقَوَّمُ السهم، يتعجل أجره ولا يتأجَّله".
حسن: رواه أبو داود (٨٣١) وأحمد (٢٢٨٦٥) وابن حبان (٧٦٠) كلهم من طرق عن بكر بن سوادة، عن وفاء بن شريح الصدفي الحميري، عن سهل بن سعد، فذكره.
ووفاء بن شريح روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، ولذا قال ابن حجر في التقريب: "مقبول" يعني إذا توبع، وهو كذلك.
رواه ابن أبي شيبة في مسنده (٩٨) وعبد بن حميد (٤٦٦) كلاهما عن عبيد اللَّه بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد اللَّه بن عبيدة، عن سهل بن سعد، فذكر مثله.
وموسى بن عبيدة هو الربذي ضعيف.
والحديث بالإسنادين يرتقي إلى درجة الحسن.
٢٨ - باب ما يقول في سجود القرآن
• عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: "سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره وبحوله وقوته".
وزاد في رواية: "فتبارك اللَّه أحسن الخالقين".
صحيح: رواه الترمذيّ (٥٨٠)، والنسائي (١١٢٩)، والحاكم (١/ ٢٢٠) كلهم من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي العالية، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده صحيح، قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
والزيادة عند الحاكم: وقال: "صحيح على شرط الشّيخين".
يُسنّ السجود عند قراءة آية السجدة وهي خمسة عشر موضعا:
١ - الأعراف [٢٠٦].
٢ - الرعد [١٥].
٣ - النحل [٤٩].
٤ - الإسراء [١٠٩].
٥ - مريم [٥٨].
٦ - ٧ - الحج وفيه موضعان [١٨، ٧٧].
٨ - الفرقان [٦٠].
٩ - النمل [٢٦].
١٠ - السجدة [١٥].
١١ - ص [٢٤].
١٢ - فصلت [٣٨].
١٣ - النجم [٦٢].
١٤ - الانشقاق [٢١].
١٥ - العلق [١٩].
стр. 6711
جموع ما جاء في فضائل القرآن
١ - باب فضل القرآن
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه اللَّه إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨٠) ومسلم في الإيمان (١٥٢: ٢٣٩) كلاهما من طريق الليث (هو ابن سعد)، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عقبة بن عامر قال: خرج رسول اللَّه ﷺ ونحن في الصفة، فقال: "أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين، في غير إثم ولا قطع رحم؟ " فقلنا: يا رسول اللَّه نحب ذلك. قال: "أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب اللَّه خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٠٣: ٢٥١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا الفضل بن دكين، عن موسى بن علي، قال: سمعت أبي يحدث عن عقبة بن عامر، فذكره.
• عن زيد بن أرقم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أما بعد! ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللَّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللَّه واستمسكوا به" الحديث.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٨: ٣٦) من طرق عن إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، حدثني أبو حيَّان، حدثني يزيد بن حيَّان، عن زيد بن أرقم، قال: فذكر الحديث بطوله في فضل أهل بيت النبي ﷺ .
ورواه أيضًا من طريق جرير، عن أبي حيَّان بهذا الإسناد، وزاد فيه: "كتاب اللَّه فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلَّ".
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت وأدَّيت ونصحتَ.
стр. 6712
صحيح: رواه مسلم في كتاب الحج (١٢١٨: ١٤٧) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره بطوله في قصة حجّة النبي ﷺ .
• عن واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال: "أعطيت مكان التوراة السبع، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضِّلت بالمفصل".
حسن: رواه أحمد (١٦٩٨٢) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٧٥) كلاهما من حديث عمران القطان، عن قتادة، عن أبي المليح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع، فذكره.
وفيه عمران القطان وهو ابن داور -بفتح الواو وبعدها راء- أبو العوام مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت في حديثه ما ينكر عليه.
وتابعه سعيد بن بشير، وهو الأزدي مولاهم عند الطبرانيّ في الكبحر (٢٢/ ٧٦) بلفظ: "أُعْطِيتُ مكان التوراة السبع الطُّوَل" وهو ضعيف عند جمهور أهل العلم، ولكن قال ابن عدي: "لا أرى بما يرويه بأسا".
وأخطأ فيه ليث بن أبي سليم فرواه عن أبي بردة، عن أبي مليح، عن أبي أمامة نحوه.
رواه الطبرانيّ في الكبير (٨/ ٣٠٨ - ٣٠٩) من طرق عن ليث بن أبي سليم به.
وليث اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد، وهذا منه.
قوله: "السبع الطُّوَل" هي البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، واختُلِفَ في السابعة فقيل: سورة الأنفال مع البراءة، وقيل: سورة يونس، وقيل: سورة الكهف، وإنما سميت هذه السور السبع الطول، لطولها على سائر سور القرآن.
وأما المئون: فهي ما كان من سور القرآن عدد آيِهِ مائة آية، أو تزيد عليها شيئًا أو تنقص منها شيئًا يسيرا.
وأما المثاني: فإنها ما ثنَّى المئين، فتلاها، وكان المئون لها أوائل، وكان المثاني لها ثواني، وقد قيل: إن المثاني سميت مثاني لتثنية اللَّه جل ذكره فيها الأمثال والخبر والعبر.
وأما المفصَّل: فإنها سميت مفصَّلا لكثرة الفصول التي بين سورها بـ "بسم اللَّه الرحمن الرحيم". انظر: تفسير الطبريّ (١/ ٩٨ - ١٠١).
والمفصَّل ثلاثة أقسام:
أ - طوال المفصَّل من أول سورة ق إلى آخر المرسلات.
٢ - أوساط المفصَّل من أول سورة النبأ إلى آخر الليل.
٣ - قصار المفصَّل من أول سورة الضحى إلى آخر الناس.
وأما ما رُوي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول الرب : من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام اللَّه على سائر الكلام
стр. 6713
كفضل اللَّه على خلقه". فلا يصح.
رواه الترمذيّ (٢٩٢٦)، والدارمي (٣٣٩٩) كلاهما من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد، فذكره. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب".
كذا قال، ومحمد بن الحسن بن أبي يزيد وعطية بن سعد العوفي من الضعفاء.
لذا تعقبه الذهبي في الميزان (٣/ ٥١٥) بقوله: "حَسَّنَه الترمذي، فلم يُحْسِنْ".
وسئل أبو حاتم فقال: "هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن ليس بالقوي". العلل (١٧٣٨).
وكذلك لا يصح ما رُوِيَ عن الحارث، قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على عليٍّ، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث، قال: أوَ قد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني قد سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ألا إنها ستكون فتنة". فقلت: ما المخرج منها يا رسول اللَّه؟ قال: "كتاب اللَّه، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه اللَّه، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله اللَّه، وهو حبل اللَّه المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [سورة الجن: ١ - ٢] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم" خذها إليك يا أعور.
رواه الترمذيّ (٢٩٠٦) عن عبد بن حميد، حدّثنا حسين بن علي الجعفي، قال: سمعت حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، فذكره.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال".
وهو كما قال، فإن ابن أخي الحارث الأعور، وأبا المختار الطائي كلاهما مجهولان. والحارث الأعور متكلم فيه.
٢ - باب فضل قراءة القرآن
يستحبّ الإكثار من قراءة القرآن وتلاوته، قال اللَّه تعالى مُثْنيا على القُرّاء: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] أي: في الصلوات.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفاتٍ عظامٍ سمانٍ؟ " قلنا: نعم. قال: "فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم
стр. 6714
في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٠٢: ٢٥٠) من طرق عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ حرفا من كتاب اللَّه فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٩١٠) عن محمد بن بشار، حدّثنا أبو بكر الحنفي (واسمه: عبد الكبير ابن عبد المجيد)، حدّثنا الضّحّاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى (هو الأموي)، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، يقول: سمعت عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الضّحّاك بن عثمان فإنه حسن الحديث.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه" وقال: "ويُرْوى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن مسعود، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود، رفعه بعضهم، ووقفه بعضهم عن ابن مسعود".
وبمعناه ما رُوي عن عوف بن مالك الأشجعيِ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ حرفا من القرآن كتبت له حسنة، ولا أقول: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، ولكن الألف حرف، واللام حرف، والميم حرف، والذال حرف، واللام حرف، والكاف حرف".
رواه البزّار (٢٧٦١) والطبراني في الكبير (١/ ٧٦) والأوسط (٣١٦) كلهم من طرق عن موسى ابن عبيدة الربذي، عن عوف بن مالك الأشجعي، فذكره.
وموسى بن عبيدة الربذي ضعيف باتفاق أهل العلم. وقد زاد في الحديث: "والذال حرف، واللام حرف، والكاف حرف".
وأما ما رُوي عن أبي ذر مرفوعًا: "عليك بتلاوة القرآن وذكر اللَّه، فإنه فور لك في الأرض، وزخر لك في السماء". فهو ضعيف.
رواه ابن حبان (٣٦١) في حديث طويل، وفي إسناده إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني. قال الذهبي في "الميزان" هو صاحب حديث أبي ذر الطويل، انفرد به عن أبيه، عن جده، ونقل عن أبي حاتم: هو كذّاب، ونقل عن ابن الجوزي قال أبو زرعة: كذاب.
قلت: هذا الجزء من الحديث له شواهد كثيرة، ولكنه لم يصح عن أبي ذر.
٣ - باب يستحب التعوذ قبل قراءة القرآن
قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سورة النحل: ٩٨] أي إذا أردتَّ
стр. 6715
قراءته كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
والاستعاذة الاحتراز من معارضة الشيطان قارئ القرآن في حال قراءته، ولذا الإتيان بها قبل القراءة أولى من الاستعاذة بعدها.
وأما صيغ التعوذ فيكفي أن تقول: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، وله صيغ أخرى ولكن في أسانيدها مقال.
٤ - باب الحثّ على تعلّم القرآن وتعليمه
• عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلَّمَ القرآن وعلَّمه". وفي لفظ: "إن أفضلكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه".
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٢٧) عن حجاج بن منهال، حدّثنا شعبة، قال: أخبرني علقمة بن مرثد، سمعت سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، فذكره.
والرّواية الأخرى رواها البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٢٨) عن أبي نعيم، حدّثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، فذكره.
ورواه الطبرانيّ في الكبير (١٠/ ٢٠٠) من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكر مثله مرفوعًا.
وقوله: "عبد اللَّه بن مسعود" خطأ، والصواب أنه من مسند "عثمان بن عفان" كما قال الدارقطني في العلل (٣/ ٥٩).
• عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خياركم من تعلَّمَ القرآن وعلَّمه".
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٨/ ٣٠٣) عن محمد بن محمد التمار البصري، ثنا علي بن أبي طالب البزاز، ثنا موسى بن عمير، عن الشعبي، عن أبي أمامة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل علي بن أبي طالب البزاز، قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ١٨٤): "علي بن حماد البزاز: هو علي بن أبي طالب البزاز البصري أبو الحسن، سئل أبي عنه فقال: "بصري صدوق".
وأما الهيثمي فقال في "المجمع" (١/ ١٦٧): "فيه علي بن أبي طالب البزاز، ضعَّفه يحيى بن معين وابن عدي".
قلت: اعتمد الهيثمي على "الميزان" تضعيف ابن معين له مع أن فيه: "ليس بشيء" وللعلماء في قول ابن معين: ليس بشيء معنيان:
أحدهما: ضعيف. والثاني: أحاديثه قليلة كما بيّنتُ ذلك في كتابي "دراسات في الجرح والتعديل".
فقول ابن معين هنا يُحمل على المعنى الثاني ليتفق قوله مع قول أبي حاتم.
стр. 6716
وأما ابن عدي فلم يقل فيه شيء، وإنما ذكر له حديثين منكرين وليس هذا منها.
• عن أبي أمامة أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، اشتريت مقسم بني فلان، فربحت فيه كذا وكذا، قال: "ألا أنبئك بما هو أكثر منه ربحا؟ " قال: وهل يوجد؟ قال: "رجل تحلَّم عشر آيات" فذهب الرجل، فتعلَّم عشمر آيات، فأتى النبي ﷺ فأخبره.
صحيح: رواه الطبرانيّ في الكبير (٨/ ٣١١) والأوسط (٢٨٩٣) والحاكم (١/ ٥٥٦) كلاهما من طرق عن معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدث عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٦٥): "رواه الطبرانيّ في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح".
وفي معناه ما روي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه".
رواه الترمذيّ (٢٩٠٩) وعبد اللَّه بن أحمد في زوائده على المسند (١٣١٨) كلاهما من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي بن أبي طالب، فذكره.
وعبد الرحمن بن إسحاق هو ابن الحارث الواسطي، ضعَّفه ابن معين، وقال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث.
والنعمان بن سعد مجهول، لم يرو عنه غير عبد الرحمن بن إسحاق، ولم يوثّقه إلا ابن حبان، فقد ذكره فى ثقاته.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن للَّه أهلين من الناس" قالوا: يا رسول اللَّه من هم؟ قال: "هم أهل القرآن، أهل اللَّه وخاصَّته".
حسن: رواه ابن ماجه (٢١٥) وأحمد (١٢٢٧٩) وصحَّحه الحاكم (١/ ٥٥٦) كلهم من طرق عن عبد الرحمن بن بُديل (هو: ابن ميسرة العقيلي البصري)، عن أبيه، عن أنس بن مالك، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن بُديل فإنه حسن الحديث.
قال البوصيري: "إسناده صحيح".
٥ - باب منزلة صاحب القرآن
• عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "يقال لصاحب القرآن: اقْرَأْ وَارْقَ، ورتِّل كما كنت ترتِّلُ في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها".
حسن: رواه أبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٣١٤١)، وأحمد (٦٧٩٩)، وصحَّحه ابن حبان (٧٦٦)، والحاكم (١/ ٥٥٢) كلهم من طرق عن سفيان (هو الثوري)، حدثني عاصم بن بهدلة، عن
стр. 6717
زِرّ، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
• عن أبي هريرة عن النبي قال: "يجيء القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب حلّه فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقْرَأْ وَارْقَ، ويزاد بكل آية حسنة".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٩١٥)، وصحّحه الحاكم (١/ ٥٥٢) كلاهما من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، أخبرنا شعبة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم وهو ابن أبي النجود فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن".
ورواه الترمذيّ أيضًا (٢٩١٥) عن محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة نحوه، ولم يرفعه.
وقال: "وهذا أصح عندنا من حديث عبد الصمد، عن شعبة".
قلت: هو كما قال، فإن محمد بن جعفر من أثبت الناس في شعبة، وتابع شعبة على الوقف زائدة بن قدامة عند ابن أبي شيبة (٣٠٦٧٠)، وزيد بن أبي أنيسة عند الدارميّ (٣٣٥٤).
ولكن مثل هذا مما لا يقال بالرأي، فلعل الصحابي نفسه حدَّث في المجلسين مرة موقوفًا ومرة مرفوعًا؛ لأن عبد الصمد بن عبد الوارث لم ينفرد عن شعبة على الرفع، بل تابعه أبو قتيبة سلم بن قتيبة عند أبي نعيم في الحلية (٧/ ٢٠٦)، وسلم بن قتيبة هو الشعيري، وثّقه أبو زرعة وأبو داود، وقال ابن معين وأبو حاتم: ليس به بأس.
وهذه المتابعة تقوي ما قلت بأن الصحابي حدَّث بهذا الحديث في مجلسين، فذكر في أحدهما موقوفًا، وفي الآخر مرفوعًا، وهذا أولى من تخطئة أحد الطريقين.
وفي معناه أيضًا ما رُوي عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد قال: "يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقره وارقه، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها".
رواه أحمد (١٠٠٨٧) عن وكيع، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، فذكره موقوفًا.
ورواه ابن ماجه (٣٧٨٠) من طريق عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره بنحوه، وعطية العوفي ضعفه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم.
стр. 6718
٦ - باب فضيلة قارئ القرآن
• عن أبى موسى، عن النبي قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها".
وفي لفظ مسلم: "مثل المنافق" بدل "مثل الفاجر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٢) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٧: ٢٤٣) كلاهما عن هدبة -أو هداب- بن خالد، حدّثنا همَّام، حدّثنا قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، عن أبي موسى فذكره.
ورواه أبو داود (٤٨٢٩) عن مسلم بن إبراهيم، حدّثنا أبان (هو ابن يزيد العطار)، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر، ولا ريح لها، ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك، إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه، ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكير، إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه".
والحديث حديث أبي موسى الأشعري، فلعل أحد الرواة نسي ذكر أبي موسى الأشعري في الإسناد، وقد قال المزي في التحفة (١/ ٢٩٩): "حديث أنس عن أبي موسى هو المحفوظ".
٧ - باب فضل من يقوم بالقرآن
• عن عبد اللَّه بن عمر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه اللَّه الكتاب فقام به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه مالا فتصدق به آناء الليل وآناء النهار".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٢٥) ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٥: ٢٦٧) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، قال: فذكره.
• عن أبى هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه اللَّه القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثل ما
стр. 6719
أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه اللَّه مالا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتى فلان فعملت مثل ما يعمل".
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٢٦) عن علي بن إبراهيم، حدّثنا روح، حدّثنا شعبة، عن سليمان (هو الأعمش)، سمعت ذكوان، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطِرين".
حسن: رواه أبو داود (١٣٩٨) وصحَّحه ابن خزيمة (١١٤٤) وابن حبان (٢٥٧٢) كلهم من طريق ابن وهب، أخبرنا عمرو، أن أبا سَويَّة حدَّثه أنه سمع ابن حُجيرة يخبر عن عبد اللَّه بن عمرو ابن العاص فذكر الحديث.
قال أبو داود: "ابن حجيرة الأصغر: عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن حُجيرة".
وإسناده حسن من أجلِ أبي سويَّه واسمه: عبيد بن سوَيَّة بن أبي سوية، والكلام عليه مبسوط في قيام الليل.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ في ليلة مائة آية لم يكتب من الغافلين وكتب من القانتين".
صحيح: رواه ابن خزيمة (١١٤٢)، والحاكم (١/ ٣٠٨) كلاهما من طريق أبي حمزة السكري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة واللفظ لابن خزيمة.
وأما الحاكم فرواه بدون شك، وهو قوله: "ومن قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين". وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
وتقدم الكلام على هذا الحديث في صلاة الليل مفصَّلا.
٨ - باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه
• عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩٣٧) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٨: ٢٤٤) كلاهما من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، فذكرته، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
стр. 6720
٩ - باب إن اللَّه يرفع بالقرآن أقواما ويضع به آخرين
• عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابنَ أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب اللَّه ، وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: "إن اللَّه يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨١٦: ٢٦٩) عن زهير بن حرب، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي، عن ابن شهاب، عن عامر بن واثلة، فذكره.
١٠ - باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن
• عن أسيد بن حضير قال: بينما هو ليلة يقرأ في مربده إذ جالت فرسه فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا. قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى، فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرُج، عرَجت في الجو حتى ما أراها، قال: فغدوت على رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه، بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ، ابن حضير" قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ، ابن حضير" قال: فقرأت ثم جالت أيضًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ، ابن حضير" قال: فانصرفت، وكان يحيى قريبًا منها خشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها. فقال رسول اللَّه ﷺ : "تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحتْ يراها الناس، ما تستتر منهم".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٩٦: ٢٤٢) من طرق عن يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، حدّثنا يزيد بن الهاد، أن عبد اللَّه بن خباب، حدَّثه أن أبا سعيد الخدري، حدَّثه، أن أسيد بن حضير، قال: فذكره.
وعلَّقه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠١٨) عن الليث، حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حضير، فذكره.
• عن البراء بن عازب قال: قرأ رجل الكهف وفي الدار دابَّة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، قال: فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزّلتْ عند القرآن أو تنزّلتْ للقرآن".
стр. 6721
متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٦١٤) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٥: ٢٤١) كلاهما عن محمد بن بثار، حدّثنا غندر محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، يقول: فذكره. واللفظ لمسلم.
وورد في بعض طرق الحديث أن هذا الرجل هو: أسيد بن حضير.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّسَ اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهَّل اللَّه له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه، يتلون كتاب اللَّه، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بَطَّأَ به عمله لم يسرع به نسبه".
صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٦٩٩: ٣٨) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون اللَّه إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده".
صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٥: ٣٩) من طرق عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق، يحدث عن الأغر أبي مسلم، أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، فذكراه.
• عن كعب بن مالك قال: كان أسيد بن حضير حسن الصوت بالقرآن، وأنه أتى النبي ﷺ ، فقال: بينا أنا أقرأ على ظهر بيتي والمرأة في الحجرة، والفرس مربوط بباب الحجرة إذ غشيتني مثل السحابة، فخشيت أن يبقر الفرس، فتفزع المرأة فتسقط، فانصرفت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ يا أسيد، ذلك ملك استمع القرآن".
صحيح: رواه البزّار في مسنده (٣٢٠٩) والفريابي في فضائل القرآن (٩٦) كلاهما من طرق عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح.
١١ - باب ما جاء في شفاعة القرآن لأهله
• عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "اقرؤوا القرآن، فإنه
стр. 6722
يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صوافَّ تحاجان عن أصحابهما، أقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٠٤) عن الحسن بن علي الحلواني، حدّثنا أبو توبة (وهو الربيع بن نافع)، حدّثنا معاوية (يعني ابن سلام)، عن زيد، أنه سمع أبا سلَّام يقول: حدثني أبو أمامة، فذكره.
• عن جابر بن عبد اللَّه عن النبي ﷺ قال: "القرآن مشفَّع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار".
حسن: رواه البزّار -كشف الأستار- (١٢٢) وصحّحه ابن حبان (١٢٤) كلاهما من طريق أبي كريب محمد بن العلاء بن كريب، حدّثنا عبد اللَّه بن الأجلح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن الأجلح وأبي سفيان طلحة بن نافع فإنهما حسنا الحديث.
وقيل: إن طلحة بن نافع أبا سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث، وأخذ صحيفة جابر عن سليمان اليشكري.
قلت: سليمان هو ابن قيس اليشكري ثقة، وثَّقه أبو زرعة والنسائي وغيرهما. ولذا اعتمد الشيخان رواية أبي سفيان عن جابر، وأخرجا حديثه فى صحيحيهما.
وقوله: "ماحل" أي: خصم مجادل.
وبمعناه ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "إن القرآن شافع ومشفّع، وماحل مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار".
رواه عبد الرزاق (٦٠١٠) عن الثوري، عن أبي إسحاق وغيره، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد اللَّه، فذكره. وإسناده صحيح إلا أنه موقوف.
وعبد الرحمن بن يزيد هو النخعي أبو بكر الكوفي.
وقد روي مرفوعًا ولا يصحّ، رواه الطبرانيّ في الكبير (١٠/ ٢٤٤) من طريق الربيع بن بدر، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ مثله مرفوعًا.
والربيع بن بدر متروك، وبه أعلّه الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٦٤).
ولا يصح ما روي عن علي بن أبيِ طالب مرفوعًا: "من قرأ القرآن واستظهره، فأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه، أدخله اللَّه به الجنة، وشفَّعه في عشرة من أهل بيته كلهم وجبت له النار".
стр. 6723
رواه الترمذيّ (٢٩٠٥) -واللفظ له-، وابن ماجه (٢١٦) كلاهما من طريق حفص بن سليمان أبي عمرو، عن كثير بن زاذان، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب، فذكره. واختصره ابن ماجه.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بصحيح، وحفص ابن سليمان يضعَّف في الحديث" انتهى.
وهو كما قال، وقد بسطنا القول فيه في كتاب الإيمان.
١٢ - باب ما جاء في فضيلة حفظ القرآن وتتويج والد حفظة القرآن يوم القيامة
• عن بريدة بن حصيب قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: "تعلموا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة". قال: ثم سكت ساعة، ثم قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران؛ فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب. فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ، هَذًّا كان، أو ترتيلا".
حسن: رواه ابن ماجه (٣٧٨١)، وأحمد (٢٢٩٥٠) والسياق له، والبزّار -كشف الأستار- (٢٣٠٢)، والدارمي (٣٤٣٥)، والحاكم (١/ ٥٦٠، ٥٦٦) كلهم من حديث بشير بن المهاجر، حدثني عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
ولفظ ابن ماجه مختصر جدًّا.
وإسناده حسن من أجل بشير بن المهاجر فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه.
وقد حسَّنه أيضًا ابن حجر في المطالب (٣٤٧٨).
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وأما العقيلي فقد ذكر هذا الحديث في ترجمة بشير بن المهاجر، وقال: "لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ حديث، أسانيدها متقاربة".
وأما ما روي عن معاذ بن أنس الجهني أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه
стр. 6724
أُلْبِسَ والداه تاجا يوم القيامة، ضؤوه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟ ". فلا يصح إسناده.
رواه أبو داود (١٤٥٣) وأحمد (١٥٦٤٥) والحاكم (١/ ٥٦٧) كلهم من طرق عن زبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، فذكره.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وتعقَّبه الذهبي بقوله: "زبَّان ليس بالقوي".
وهو كما قال، فإن زبَّان بن فائد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما.
وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، ينفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنّها موضوعة، لا يحتج به.
وكذلك لا يصح ما روي عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: "ما من رجل يعلِّم ولده القرآن في الدنيا إلا تُوِّجَ أبوه يوم القيامة بتاج في الجنة يعرفه أهل الجنة بتعليمه ولده القرآن في الدنيا".
رواه الطبرانيّ في الأوسط (٣٤٧١ - مجمع البحرين-) عن أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان، ثنا موسى ابن ناصح، ثنا جابر بن سليم الزرقي، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وعباد بن أبي صالح هو عبد اللَّه بن أبي صالح السمان لين الحديث.
وأحمد بن يحيى بن خالد وموسى بن ناصح لم أجد فيهما جرحا ولا تعديلًا، وموسى قد ذكره ابن حبان في ثقاته.
وكذلك لا يصح ما روي عن ابن عباس أنه قال: بينما هو جالس عند رسول اللَّه ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، تفلت هذا القرآن من صدري، فما أجدني أقدر عليه. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا الحسن أفلا أعلمك كلمات ينفعك اللَّه بهن، وينفع بهن من علَّمته، ويثبت ما علمته في صدرك؟ " قال: أجل يا رسول اللَّه فعلمني قال: "إذا كانت ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة، والدعاء فيها مستجاب، وهي قول أخي يعقوب لبنيه: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] حتى تأتي ليلة الجمعة، فإن لم تستطع فقم في وسطها، فإن لم تستطع فقم في أولها، فصل أربع ركعات تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب والم تنزيل السجدة، وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وحم الدخان، وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التّشهد، فاحمد اللَّه وأحسن الثناء على اللَّه، وصلِّ عليَّ وعلى سائر النبيين، وأحسن واستغفر لاخوانك الذين سبقوك بالايمان، واستغفر للمؤمنين وللمؤمنات ثم قل آخر ذلك: اللَّهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللَّهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا اللَّه، يا رحمن، بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما
стр. 6725
علمتني، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني، اللَّهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والاكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا اللَّه، يا رحمن، بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصري، وأن تطلق به لساني، وأن تفرج به عن قلبي، وأن تشرح به صدري، وأن تشغل به بدني؛ فإنه لا يعينني على الحق غيرك، ولا يؤتيه إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، أبا الحسن تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا أو سبعا يجاب بإذن اللَّه، فوالذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمنًا قط".
قال عبد اللَّه بن عباس: فواللَّه ما لبث علي إلا خمسًا أو سبعا حتى جاء رسول اللَّه ﷺ في مثل ذلك المجلس فقال: يا رسول اللَّه، إني كنت فيما خلا لا أتعلم أربع آيات أو نحوهن فإذا قرأتهن على نفسي يتفلتن، فأما اليوم فأتعلم الأربعين آية ونحوها فإذا قرأتهن على نفسي فكما كتاب اللَّه نصب عيني، ولقد كنت أسمع الحديث فإذا أردته تفلت، وأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا حدثت بها لم أخرم منها حرفا، فقال له رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: "مؤمن ورب الكعبة أبا الحسن".
رواه الترمذيّ (٣٥٧٠) والحاكم (١/ ٣١٦ - ٣١٧) -والسياق له- وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٣٤٨) مختصرًا كلهم من طرق عن أبي أيوب سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وتعقبه الذهبي بقوله: "هذا حديث منكر شاذ أخاف لا يكون موضوعا، وقد حيرني واللَّه جودة إسناده. . . والوليد بن مسلم ذكر مصرحا بقوله: ثنا ابن جريج، فقد حدَّث به سليمان قطعا وهو ثبت".
قلت: الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية، واشترط بعض أهل العلم أن يصرح في جميع الطبقات، وإن كان الجمهور يكتفون بتصريحه من شيخه، فعلى رأي بعض أهل العلم لعله حذف شيخ ابن جريج، كما أن ابن جريج مدلس، ولم يصرح بالسماع من شيخيه عطاء وعكرمة. هذا من حيث الإسناد، وأما من حيث المتن ففيه نكارة واضحة. قال الذهبي في ترجمة الوليد بن مسلم من الميزان (٤/ ٢٤٧): "قلت: ومن أنكر ما أتى حديث حفظ القرآن".
وروي عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب".
رواه الترمذي (٢٩١٣) وأحمد (١٩٤٧) والحاكم (١/ ٥٥٤) كلهم من طريق جرير بن عبد الحميد، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". فتعقبه الذهبي بقوله: "قابوس لين".
وقال ابن حبان: "قابوس كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له".
следующие страницы →