Полный текст (8 687 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.
стр. 6721
متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٦١٤) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٥: ٢٤١) كلاهما عن محمد بن بثار، حدّثنا غندر محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، يقول: فذكره. واللفظ لمسلم.
وورد في بعض طرق الحديث أن هذا الرجل هو: أسيد بن حضير.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من نفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّسَ اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهَّل اللَّه له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه، يتلون كتاب اللَّه، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بَطَّأَ به عمله لم يسرع به نسبه".
صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٦٩٩: ٣٨) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون اللَّه إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده".
صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٥: ٣٩) من طرق عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق، يحدث عن الأغر أبي مسلم، أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، فذكراه.
• عن كعب بن مالك قال: كان أسيد بن حضير حسن الصوت بالقرآن، وأنه أتى النبي ﷺ ، فقال: بينا أنا أقرأ على ظهر بيتي والمرأة في الحجرة، والفرس مربوط بباب الحجرة إذ غشيتني مثل السحابة، فخشيت أن يبقر الفرس، فتفزع المرأة فتسقط، فانصرفت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ يا أسيد، ذلك ملك استمع القرآن".
صحيح: رواه البزّار في مسنده (٣٢٠٩) والفريابي في فضائل القرآن (٩٦) كلاهما من طرق عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح.
١١ - باب ما جاء في شفاعة القرآن لأهله
• عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "اقرؤوا القرآن، فإنه
стр. 6722
يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صوافَّ تحاجان عن أصحابهما، أقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٠٤) عن الحسن بن علي الحلواني، حدّثنا أبو توبة (وهو الربيع بن نافع)، حدّثنا معاوية (يعني ابن سلام)، عن زيد، أنه سمع أبا سلَّام يقول: حدثني أبو أمامة، فذكره.
• عن جابر بن عبد اللَّه عن النبي ﷺ قال: "القرآن مشفَّع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار".
حسن: رواه البزّار -كشف الأستار- (١٢٢) وصحّحه ابن حبان (١٢٤) كلاهما من طريق أبي كريب محمد بن العلاء بن كريب، حدّثنا عبد اللَّه بن الأجلح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن الأجلح وأبي سفيان طلحة بن نافع فإنهما حسنا الحديث.
وقيل: إن طلحة بن نافع أبا سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث، وأخذ صحيفة جابر عن سليمان اليشكري.
قلت: سليمان هو ابن قيس اليشكري ثقة، وثَّقه أبو زرعة والنسائي وغيرهما. ولذا اعتمد الشيخان رواية أبي سفيان عن جابر، وأخرجا حديثه فى صحيحيهما.
وقوله: "ماحل" أي: خصم مجادل.
وبمعناه ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "إن القرآن شافع ومشفّع، وماحل مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار".
رواه عبد الرزاق (٦٠١٠) عن الثوري، عن أبي إسحاق وغيره، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد اللَّه، فذكره. وإسناده صحيح إلا أنه موقوف.
وعبد الرحمن بن يزيد هو النخعي أبو بكر الكوفي.
وقد روي مرفوعًا ولا يصحّ، رواه الطبرانيّ في الكبير (١٠/ ٢٤٤) من طريق الربيع بن بدر، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ مثله مرفوعًا.
والربيع بن بدر متروك، وبه أعلّه الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٦٤).
ولا يصح ما روي عن علي بن أبيِ طالب مرفوعًا: "من قرأ القرآن واستظهره، فأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه، أدخله اللَّه به الجنة، وشفَّعه في عشرة من أهل بيته كلهم وجبت له النار".
стр. 6723
رواه الترمذيّ (٢٩٠٥) -واللفظ له-، وابن ماجه (٢١٦) كلاهما من طريق حفص بن سليمان أبي عمرو، عن كثير بن زاذان، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب، فذكره. واختصره ابن ماجه.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بصحيح، وحفص ابن سليمان يضعَّف في الحديث" انتهى.
وهو كما قال، وقد بسطنا القول فيه في كتاب الإيمان.
١٢ - باب ما جاء في فضيلة حفظ القرآن وتتويج والد حفظة القرآن يوم القيامة
• عن بريدة بن حصيب قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: "تعلموا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة". قال: ثم سكت ساعة، ثم قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران؛ فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب. فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ، هَذًّا كان، أو ترتيلا".
حسن: رواه ابن ماجه (٣٧٨١)، وأحمد (٢٢٩٥٠) والسياق له، والبزّار -كشف الأستار- (٢٣٠٢)، والدارمي (٣٤٣٥)، والحاكم (١/ ٥٦٠، ٥٦٦) كلهم من حديث بشير بن المهاجر، حدثني عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
ولفظ ابن ماجه مختصر جدًّا.
وإسناده حسن من أجل بشير بن المهاجر فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه.
وقد حسَّنه أيضًا ابن حجر في المطالب (٣٤٧٨).
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وأما العقيلي فقد ذكر هذا الحديث في ترجمة بشير بن المهاجر، وقال: "لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ حديث، أسانيدها متقاربة".
وأما ما روي عن معاذ بن أنس الجهني أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه
стр. 6724
أُلْبِسَ والداه تاجا يوم القيامة، ضؤوه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟ ". فلا يصح إسناده.
رواه أبو داود (١٤٥٣) وأحمد (١٥٦٤٥) والحاكم (١/ ٥٦٧) كلهم من طرق عن زبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، فذكره.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وتعقَّبه الذهبي بقوله: "زبَّان ليس بالقوي".
وهو كما قال، فإن زبَّان بن فائد ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما.
وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، ينفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنّها موضوعة، لا يحتج به.
وكذلك لا يصح ما روي عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: "ما من رجل يعلِّم ولده القرآن في الدنيا إلا تُوِّجَ أبوه يوم القيامة بتاج في الجنة يعرفه أهل الجنة بتعليمه ولده القرآن في الدنيا".
رواه الطبرانيّ في الأوسط (٣٤٧١ - مجمع البحرين-) عن أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان، ثنا موسى ابن ناصح، ثنا جابر بن سليم الزرقي، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وعباد بن أبي صالح هو عبد اللَّه بن أبي صالح السمان لين الحديث.
وأحمد بن يحيى بن خالد وموسى بن ناصح لم أجد فيهما جرحا ولا تعديلًا، وموسى قد ذكره ابن حبان في ثقاته.
وكذلك لا يصح ما روي عن ابن عباس أنه قال: بينما هو جالس عند رسول اللَّه ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، تفلت هذا القرآن من صدري، فما أجدني أقدر عليه. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا الحسن أفلا أعلمك كلمات ينفعك اللَّه بهن، وينفع بهن من علَّمته، ويثبت ما علمته في صدرك؟ " قال: أجل يا رسول اللَّه فعلمني قال: "إذا كانت ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة، والدعاء فيها مستجاب، وهي قول أخي يعقوب لبنيه: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] حتى تأتي ليلة الجمعة، فإن لم تستطع فقم في وسطها، فإن لم تستطع فقم في أولها، فصل أربع ركعات تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب والم تنزيل السجدة، وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وحم الدخان، وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التّشهد، فاحمد اللَّه وأحسن الثناء على اللَّه، وصلِّ عليَّ وعلى سائر النبيين، وأحسن واستغفر لاخوانك الذين سبقوك بالايمان، واستغفر للمؤمنين وللمؤمنات ثم قل آخر ذلك: اللَّهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللَّهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا اللَّه، يا رحمن، بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما
стр. 6725
علمتني، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني، اللَّهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والاكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا اللَّه، يا رحمن، بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصري، وأن تطلق به لساني، وأن تفرج به عن قلبي، وأن تشرح به صدري، وأن تشغل به بدني؛ فإنه لا يعينني على الحق غيرك، ولا يؤتيه إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، أبا الحسن تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا أو سبعا يجاب بإذن اللَّه، فوالذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمنًا قط".
قال عبد اللَّه بن عباس: فواللَّه ما لبث علي إلا خمسًا أو سبعا حتى جاء رسول اللَّه ﷺ في مثل ذلك المجلس فقال: يا رسول اللَّه، إني كنت فيما خلا لا أتعلم أربع آيات أو نحوهن فإذا قرأتهن على نفسي يتفلتن، فأما اليوم فأتعلم الأربعين آية ونحوها فإذا قرأتهن على نفسي فكما كتاب اللَّه نصب عيني، ولقد كنت أسمع الحديث فإذا أردته تفلت، وأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا حدثت بها لم أخرم منها حرفا، فقال له رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: "مؤمن ورب الكعبة أبا الحسن".
رواه الترمذيّ (٣٥٧٠) والحاكم (١/ ٣١٦ - ٣١٧) -والسياق له- وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٣٤٨) مختصرًا كلهم من طرق عن أبي أيوب سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وتعقبه الذهبي بقوله: "هذا حديث منكر شاذ أخاف لا يكون موضوعا، وقد حيرني واللَّه جودة إسناده. . . والوليد بن مسلم ذكر مصرحا بقوله: ثنا ابن جريج، فقد حدَّث به سليمان قطعا وهو ثبت".
قلت: الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية، واشترط بعض أهل العلم أن يصرح في جميع الطبقات، وإن كان الجمهور يكتفون بتصريحه من شيخه، فعلى رأي بعض أهل العلم لعله حذف شيخ ابن جريج، كما أن ابن جريج مدلس، ولم يصرح بالسماع من شيخيه عطاء وعكرمة. هذا من حيث الإسناد، وأما من حيث المتن ففيه نكارة واضحة. قال الذهبي في ترجمة الوليد بن مسلم من الميزان (٤/ ٢٤٧): "قلت: ومن أنكر ما أتى حديث حفظ القرآن".
وروي عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب".
رواه الترمذي (٢٩١٣) وأحمد (١٩٤٧) والحاكم (١/ ٥٥٤) كلهم من طريق جرير بن عبد الحميد، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". فتعقبه الذهبي بقوله: "قابوس لين".
وقال ابن حبان: "قابوس كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له".
стр. 6726
وهذا من روايته عن أبيه.
١٣ - باب الحثّ على تعاهد القرآن واستذكاره
• عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلُّتا من الإبل في عقلها".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٣٣) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩١: ٢٣١) كلاهما من طريق أبي أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره. وفي البخاريّ: "لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها".
• عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقَّلَة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت".
متفق عليه: رواه مالك في القرآن (٦) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره.
ورواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٣١) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٨٩: ٢٢٦) كلاهما من طريق مالك به.
وقوله: "المعقّلة" هي المشدودة بالعقال.
• عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تعلَّموا كتاب اللَّه، وتعاهدوه وتغنَّوا به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلُّتا من المخاض في العقل".
صحيح: رواه أحمد (١٧٣١٧) وابن أبي شيبة (٨٦٦٠)، وصحّحه ابن حبان (١١٩) والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٩٠) كلهم من طريق موسى بن عُلَيّ بن رباح، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٦٩): "رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح".
قوله: "تعاهدوا" أي: حافظوا عليه بالمداومة على تلاوته.
وقوله: "تغنّوا به" أي: اقرؤوه بالصوت الحسن.
وقوله: "تفلُّتا" أي: فرارا من الصدور.
وقوله: "المخاض" هي الحوامل من النوق.
وفي معناه عن أنس بن مالك، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده فهو أشد تفصيا من صدور الرجال من الإبل المعقَّلَة إلى أعطانها".
رواه الطبرانيّ في الأوسط (٣٤٧٥ - مجمع البحرين-) عن أحمد (هو ابن يحيى بن زهير التستري)، ثنا إسحاق بن شاهين الواسطي، ثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، عن أنس بن مالك، فذكره.
стр. 6727
والحسن هو ابن أبي الحسن البصري مدلِّس وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث.
وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٦٩): "رواه الطبرانيّ في الأوسط ورجاله ثقات إلا أحمد شيخ الطبرانيّ لم ينسبه، فإن كان هو ابن الخليل فهو ضعيف، وإن كان غيره فلم أعرفه".
قلت: قد نسب الطبرانيّ شيخه أحمد هذا قبل ستة أحاديث، فقال: حدّثنا أحمد بن زهير، ثم ذكر له عدة أحاديث، وهو ثقة حافظ.
ورُوِيَ عن سعد بن عبادة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي اللَّه يوم القيامة أجذم".
رواه أبو داود (١٤٧٤) عن محمد بن العلاء، حدّثنا ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة، فذكره.
ويزيد بن أبي زياد هو الهاشمي مولاهم الكوفي ضعيف باتفاق أهل العلم.
وعيسى بن فائد قال عنه ابن المديني: مجهول.
واضطرب في إسناده فمرة رواه هكذا، ومرة رواه عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة، فزاد رجلًا بين عيسى وسعد بن عبادة.
ومرة رواه عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصّامت، فجعله من مسند عبادة بن الصّامت، كما في مسند أحمد (٢٢٧٨١)، وبه أعلَّه غير واحد من أهل العلم.
ورُوِيَ عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عرضت عليَّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليَّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها".
رواه أبو داود (٤٦١) والترمذي (٢٩١٦) كلاهما عن عبد الوهاب بن عبد الحكم الخزاز، أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب، عن أنس بن مالك، فذكره.
وإسناده منقطع، فإن ابن جريج لم يسمع من المطلب، كان يأخذ أحاديثه عن ابن أبي يحيى عنه، قاله علي بن المديني، كما في الكفاية للخطيب (ص: ٣٥٨)، وتحفة التحصيل (ص: ٢١٢).
وكذلك لم يسمع المطلب بن عبد اللَّه من أنس بن مالك.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه واستغربه، قال محمد: ولا أعرف للمطلب بن عبد اللَّه بن حنطب سماعا من أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي ﷺ . وسمعت عبد اللَّه بن عبد الرحمن يقول: لا نعرف للمطلب سماعا من أحد من أصحاب النبي ﷺ ، قال عبد اللَّه: وأنكر علي بن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس" انتهى.
стр. 6728
١٤ - باب تعليم الصبيان القرآن
• عن ابن عباس قال: جمعت المحكم في عهد رسول اللَّه ﷺ فقلت له: وما المحكم؟ قال: المفصل.
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٣٦) عن يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا هُشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وقد حفظ ابن عباس المفصل وعمره عشر سنين، كما رواها البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٣٥) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم، قال: قال ابن عباس: توفي رسول اللَّه ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم.
١٥ - باب من لم يستطع أن يقرأ القرآن فليذكر اللَّه بالتكبير والتسبيح والتحميد والتهليل
• عن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعَلِّمني ما يجزئني منه، قال: "قل: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قُوة إلا باللَّه العلي العظيم" قال: يا رسول اللَّه! هذا للَّه ، فما لي؟ قال: "قل: اللَّهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني". فلما قام قال هكذا بيده، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما هذا فقد ملأ يده من الخير".
حسن: رواه أبو داود (٨٣٢)، والنسائي (٩٢٤) كلاهما من طريق إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، فذكر الحديث.
إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي فيه مقال لكنه توبع.
رواه ابن حبان (١٨١٠) من طريق الفضل بن موفق، حدّثنا مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن ابن أبي أوفى به مثله.
والفضل بن موفق هو الثقفي أبو الهيثم الكوفي، قال أبو حاتم: كان شيخا صالحًا ضعيف الحديث. وبهذا يرتقي الحديث إلى درجة الحسن.
وتقدم الكلام عليه مفصلا في كتاب الصلاة.
١٦ - باب ترهيب من قرأ القرآن ليقال له: قارئ
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال:
стр. 6729
قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء. فقد قيل. ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلَّمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ. فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسَّع اللَّه عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد. فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه ثم ألقي في النار".
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩٠٥: ١٥٢) عن يحيى بن حبيب الحارثي، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا ابن جريج، حدثني يونس بن يوسف، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي الحديث حثٌّ على وجوب الإخلاص في الأعمال الصالحة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، والثناء الوارد على العلماء يحمل على هذا.
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أكثر منافقي أمتي قرّاؤها".
حسن: رواه أحمد (٦٦٣٧) والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٥٧) والبغوي في شرح السنة (٣٩) كلهم من طريق عبد اللَّه بن المبارك، عن عبد الرحمن بن شريح المعافري، قال: حدثني شراحيل بن يزيد، عن محمد بن هديَّة، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكره.
ورواه البخاريّ في أفعال العباد (٦١٣) من وجه آخر عن المعافري، بإسناده، مثله.
وإسناده حسن من أجل شراحيل بن يزيد فإنه حسن الحديث.
• عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "أكثر منافقي هذه الأمة قرّاؤها".
حسن: رواه أحمد (١٧٤١٠) عن أبي عبد الرحمن، حدّثنا ابن لهيعة، حدثني أبو المصعب، قال: سمعت عقبة، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل ابن لهيعة فإن فيه كلاما معروفا إلا أن راويه هنا أبو عبد الرحمن هو عبد اللَّه بن يزيد المقرئ وهو من الذين سمعوا ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، وقد تابعه على ذلك عدد لا بأس بهم، فقد رواه الفريابي في "صفة المنافقين" (٣٣) والخطيب في تاريخه (١/ ٣٥٧) والطبراني في الكبير ١٧/ (٨٤١)، وأحمد (١٧٣٦٦) كلهم من أوجه عن ابن لهيعة بإسناده، كما أن ابن لهيعة أيضًا لم ينفرد به؛ فقد تابعه الوليد بن المغيرة، عن أبي المصعب (وهو مشرح بن هاعان)، عن عقبة ابن عامر، فذكر الحديث.
стр. 6730
رواه البخاريّ في خلق أفعال العباد (٦١٤) بإسناده عن الوليد بن المغيرة.
ومشرح بن عاهان فيه كلام إلا أنه يقبل حديثه في الشواهد والمتابعات.
ومعنى هذا الحديث كما قال البغوي في شرح السنة (١/ ٧٧): ""أكثر منافقي هذه الأمة قرّاؤها" هو أن يعتاد ترك الاخلاص في العمل كما جاء: "التاجر فاجر"، وأراد إذا اعتاد التاجر الكذب في البيع والشراء، لا أن نفس التجارة فجور، بل هي أمر مأذون فيه، مباح في الشرع" انتهى.
وأما ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تعوَّذوا باللَّه من جُبِّ الْحَزْن" قالوا: يا رسول اللَّه، وما جُبُّ الحزن؟ قال: "واد في جهنّم تتعوذ منه جهنّم كل يوم مئة مرة" قلنا: يا رسول اللَّه، ومن يدخله؟ قال: "القراؤون المراؤون بأعمالهم" فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (٢٣٨٣)، وابن ماجه (٢٥٦) كلاهما من طرق عن عمار بن سيف، عن أبي معان البصري، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره.
وزاد ابن ماجه في آخره: "وإن من أبغض القراء إلى اللَّه الذين يزدرون الأمراء".
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب".
وهو كما قال، فإن عمار بن سيف الضبي ضعيف عند أهل العلم، وأبو معان، -وقيل: أبو معاذ-، مجهول، كما في التقريب.
١٧ - باب القراءة على المركب
• عن عبد اللَّه بن مغفل قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح، قال: فقرأ ابن مغفل ورجَّع، فقال معاوية: لولا الناس لأخذت لكم بذلك الذي ذكره ابن مغفل عن النبي ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٣٤) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٤: ٢٣٨) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إياس معاوية بن قرة، قال: سمعت عبد اللَّه بن مغفل قال: فذكره.
• * *
стр. 6731
٦٠ - كتاب تفسير القرآن العظيم
١ - تفسير سورة الفاتحة وهي مكية، وعدد آياتها ٧
١ - باب أسماء سورة الفاتحة
لها ثلاثة أسماء معروفة وهي: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني.
وتسمى أيضًا بأم الكتاب.
قال البخاريّ رحمه اللَّه تعالى في تفسير سورة الفاتحة: "وسميت أم الكتاب، لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة".
وقد كره بعض السلف تسميتها بأم الكتاب وقالوا: أم الكتاب هو اللوح المحفوظ، جمع أنه جاء ذكرها بأم الكتاب في الأحاديث الصحيحة.
وتسمى أيضًا كما جاء في الآثار: الكنز، والوافية، والشافية، والكافية، والحمد، والحمد للَّه، والصلاة، والشفاء، والأساس، والشكر، والدعاء.
ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٠٦) وقال: "جمعتُها من الآثار".
٢ - باب ما ورد في فضل سورة الفاتحة
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم".
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٠٤) عن آدم، حدّثنا ابن أبي ذئب، حدّثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه الترمذيّ (٣١٢٤) من وجه آخر عن أبي علي الحنفي، عن ابن أبي ذئب بإسناده وجاء فيه: "الحمد للَّه أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني".
وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
• عن أبي سعيد بن المعلّى قال: كنت أصلي، فدعاني النبي ﷺ فلم أجبه، قلت: يا رسول اللَّه إني كنت أصلي، قال: ألم يقل اللَّه ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
стр. 6732
يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٢٤] ثم قال: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ " فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول اللَّه، إنك قلت: لأعلمنّك أعظم سورة من القرآن، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته".
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٠٦) عن علي بن عبد اللَّه، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا شعبة قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلّى فذكره.
وأما ما رواه مالك في الصلاة (٤٠) عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبره أن رسول اللَّه ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته لحقه، فوضع رسول اللَّه ﷺ يده على يده، وهو يريد أن يخرج من باب المسجد فقال: "إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة، ما أنزل اللَّه في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها" قال أبي: فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك، ثم قلت: يا رسول اللَّه! السورة التي وعدتني، قال: "كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ " قال: فقرأت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى أتيت على آخرها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هي هذه السورة، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت" فهذا منقطع، فإن أبا سعيد مولى عامر بن كريز تابعي من موالي خزاعة، وليس هو أبو سعيد بن المعلى الراوي في الحديث الذي قبله فإنه صحابي أنصاري.
وأما قصة أبي بن كعب فقد جاء من وجه آخر صحيح وهو الآتي، نبّه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الفاتحة.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ خرج على أبي بن كعب، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبي" وهو يصلي فالتفت أبي ولم يجبه، وصلى أبي فخفف، ثم انصرف إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "وعليك السلام، ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك". فقال: يا رسول اللَّه إني كنت في الصلاة، قال: "أفلم تجد فيما أوحي إلي أن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٢٤] قال: بلى، ولا أعود إن شاء اللَّه قال: "أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ " قال: نعم يا رسول اللَّه، قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف تقرأ في الصلاة؟ " قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته".
стр. 6733
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٨٧٥)، والنسائي (٩١٤)، وأحمد (٩٣٤٥) وصحّحه ابن خزيمة (٨٦١)، وابن حبان (٧٧٥)، والحاكم (١/ ٥٥٧، و ٢/ ٣٥٤) كلهم من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره، واللفظ للترمذي، وا ختصره البعض.
وقال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم".
• عن أبي سعيد الخدري قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غيب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي -أو نسأل- النبي ﷺ فلما قدّمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ فقال: "وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٠٧) ومسلم في السلام (٦٦: ٢٢٠١) كلاهما من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أخيه معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ في مسير فنزل فمشى رجل من أصحابه إلى جانبه، فالتفت إليه فقال: "ألا أخبرك بأفضل القرآن؟ ". قال: فتلا عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
صحيح: رواه النسائيّ في اليوم والليلة (٧٢٣) وصحّحه ابن حبان (٧٧٤) والحاكم (١/ ٥٦٠) كلهم من حديث علي بن عبد الحميد المعني، حدّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
• عن عبد اللَّه بن جابر قال: انتهيت إلى رسول اللَّه ﷺ وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلم يرد علي، فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلم يرد علي، فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلم يرد علي، فانطلق رسول اللَّه ﷺ يمشي وأنا خلفه، حتى دخل على رحله ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيبا حزينا، فخرج علي رسول اللَّه ﷺ وقد تطهر فقال: "عليك السلام ورحمة اللَّه، وعليك السلام ورحمة اللَّه، وعليك السلام ورحمة اللَّه" ثم قال: "ألا أخبرك يا عبد اللَّه بن جابر بخير سورة في القرآن؟ " قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "اقرأ حتى تختمها".
стр. 6734
حسن: رواه أحمد (١٧٥٩٧) عن محمد بن عبيد، حدّثنا هاشم -يعني ابن البريد-، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن ابن جابر قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وعبد اللَّه بن جابر هو الأنصاري البياضي، ووقع في مجمع الزوائد (٦/ ٣١٠): جابر، والصواب: ابن جابر.
• عن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال: "هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قطّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قطّ إلا اليوم فسلَّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأها بحرف منها إلا أعطيته".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٠٦) من طرق عن أبي الأحوص، عن عمار بن رزيق، عن عبد اللَّه بن عيسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
٣ - باب تفسير سورة الفاتحة
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾
• عن أبي هريرة يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، هي خداج، هي خداج، غير تمام" قال: فقلت يا أبا هريرة! إني أحيانًا أكون وراء الإمام، قال: فغمز ذراعي، ثم قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّه ﵎: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل" قال رسول اللَّه ﷺ : "اقرؤوا! يقول العبد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول اللَّه ﵎: حمدني عبدي، ويقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول اللَّه: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول اللَّه: مجدني عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل.
стр. 6735
صحيح: رواه مالك في الصلاة (٤٢) عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره.
ورواه مسلم في الصلاة (٣٩: ٣٩٥) من طريق مالك ولم يسق لفظه، وإنما أحال على لفظ حديث سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن وهو مثله.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّه : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وله ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي، قال: هذا لي، وله ما بقي".
حسن: رواه الطبريّ في تفسيره (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣) عن صالح بن مسمار المروزي، قال: حدّثنا زيد بن الحباب، قال: حدّثنا عنبسة بن سعيد، عن مطرف بن طريف، عن سعد بن إسحاق بن كعب ابن عجرة، عن جابر فذكره.
وإسناده حسن من أجل صالح بن مسمار وشيخه زيد بن الحباب فإنهما حسنا الحديث.
قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (٤٩) عن سُمَيّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه البخاريّ في التفسير (٤٤٧٥) ومسلم في الصلاة (٧١: ٤٠٩) كلاهما من حديث مالك به مثله.
• عن عبد اللَّه بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي ﷺ وهو بوادي القرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بلقين، فقال: يا رسول اللَّه، من هؤلاء؟ قال: "هؤلاء المغضوب عليهم" وأشار إلى اليهود، قال: فمن هؤلاء؟ قال: "هؤلاء الضالون" يعني النصارى.
صحيح: رواه أحمد (٢٠٣٥١) وابن جرير في تفسيره (١/ ١٨٧) كلاهما من حديث بديل العقيلي، قال: أخبرنا عبد اللَّه بن شقيق فذكره.
وإسناده صحيح. وقد صحّحه المنذري في الترغيب والترهيب (٢١١٧).
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٣٨): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وجهالة الصحابي لا تضر، والغالب أنه أبو ذر كما جاء في تفسير ابن مردويه من طريق إبراهيم ابن طهمان عن بديل، ذكره ابن كثير في تفسيره.
• عن عدي بن حاتم، عن النبي ﷺ قال: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضلّال".
стр. 6736
حسن: رواه الترمذيّ (٢٩٥٤) عن محمد بن المثنى وبندار، قالا: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عبّاد بن حبيش، عن عدي بن حاتم فذكره.
ورواه الترمذي، وأحمد (١٩٣٨١)، وابن حبان (٧٢٠٦)، وابن جرير (١/ ١٨٦) كلهم من حديث سماك بن حرب بإسناده مطولّا وهذا لفظه: قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم، وجئت بغير أمان ولا كتاب فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان قال قبل ذلك: "إني لأرجو أن يجعل اللَّه يده في يدي"، قال: فقام، فلقيه امرأة وصبي معها، فقالا: إن لنا إليك حاجة، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها، وجلست بين يديه، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "ما يفرك أن تقول: لا إله إلّا اللَّه؟ فهل تعلم من إله سوى اللَّه؟ " قال: قلت: لا، قال: ثم تكلم ساعة، ثم قال: "إن ما تفر أن تقول اللَّه أكبر، وتعلم أن شيئًا أكبر من اللَّه؟ " قال: قلت: لا. قال: "فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضلال" قال: قلت: فإني جئت مسلما، قال: فرأيت وجهه تبسط فرحًا، قال: ثم أمر بي فأنزلت عند رجل من الأنصار جعلت أغشاه آتيه طرفي النهار، قال: فبينا أنا عنده عشية إذ جاءه قوم في ثياب من الصوف من هذه النمار، قال: فصلى وقام فحث عليهم، ثم قال: "ولو صاع ولو بنصف صاع، ولو قبضة ولو ببعض قبضة، يقي أحدكم وجهه حر جهنّم أو النار ولو بتمرة ولو بشق تمرة، فإن أحدكم لاقي اللَّه وقائل له ما أقول لكم: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أجعل لك مالًا وولدًا؟ فيقول: بلى، فيقول: أين ما قدمت لنفسك؟ ! فينظر قدامه وبعده، وعن يمينه وعن شماله، ثم لا يجد شيئًا يقي به وجهه حر جهنّم، ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيجة، فإني لا أخاف عليكم الفاقة، فإن اللَّه ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أو أكثر ما يخاف على مطيتها السرق"، قال: فجعلت أقول في نفسي: فأين لصوص طي.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب".
قلت: في إسناده عبَّاد بن حُبَيش، لم يرو عنه غير سماك بن حرب، ولم يوثقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي: عند المتابعة.
وقد تابعه مُرّي بن قطري، عن عدي بن حاتم، قال: سألت النبي ﷺ عن قول اللَّه : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: "هم اليهود".
رواه ابن جرير من طريق محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مُرّي بن قطري.
ومرّي بن قطري وثقه ابن معين كما في رواية الدارميّ عنه. وللحديث أسانيد أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها.
стр. 6737
ولذا قال الحافظ ابن كثير: "روي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها".
وِقد روي نحو هذا عن جماعة من الصحابة والتابعين بأن ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود، و ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هم النصارى.
قال ابن أبي حاتم في تفسيره: "ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا".
لأن اللَّه تعالى حكم على اليهود بالغضب في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾.
وحكم على النصارى بالضلال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾.
٢ - سورة البقرة وهي مدنية، وعدد آياتها ٢٨٦
لا خلاف بين أهل العلم بأن سورة البقرة مدنية وهي من أوائل ما نزل بالمدينة إلا قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ يقال: إنها آخر ما نزل من القرآن، وكذلك آيات الربا من آخر ما نزل.
وقد روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقولوا سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذا القرآن كله، ولكن قولوا: السورة التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران، وكذلك القرآن كله".
رواه الطبرانيّ في الأوسط مجمع البحرين (٣٤٥٠) والبيهقي في شعب الإيمان (٢٥٨٢) كلاهما من حديث عبيس بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه فذكره.
قال البيهقي: عبيس بن ميمون منكر الحديث، وهذا لا يصح، وإنما رُوِيَ عن ابن عمر من قوله، وبه أعله أيضًا الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٥٧).
• * *
стр. 6738
جموع ما جاء في فضائل سورة البقرة
١ - باب نزول الملائكة عند قراءة سورة البقرة
• عن أبي سعيد الخدري أن أسيد بن حضير، بينما هو ليلة يقرأ في مربده، إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا، قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى، فقصت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي، فيها أمثال السرج، عرجت في الجوّ حتى ما أراها، قال: فغدوت على رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه، بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ، ابن حضير" قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ، ابن حضير". قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ، ابن حضير". قال: فانصرفت وكان يحيى قريبًا منها، خشيت أن تطأه فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج، عرجت في الجو حتى ما أراها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس، ما تستتر منهم".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٩٦) عن حسن بن علي الحلواني وحجاج بن الشاعر -وتقاربا في اللفظ- قالا: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، حدّثنا يزيد بن الهاد، أن عبد اللَّه بن خبّاب حدثه أن أبا سعيد الخدري حدثه فذكر الحديث.
وقد جاء التصريح عند البخاريّ (٥٠١٨) بأنه كان يقرأ سورة البقرة إلا أنه ذكره معلقًا فقال: قال الليث، حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حضير، قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكتت، فقرأ فجالت الفرس فسكت وسكتت، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منه، فأشفق أن تصيبه، فلما اجترّه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدّث النبي ﷺ فقال: "اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير" قال: فأشفقت يا رسول اللَّه أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: "وتدري ما ذاك؟ " قال: لا، قال: "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم".
ومع التعليق فيه انقطاع، فإن محمد بن إبراهيم وهو ابن الحارث التميمي المدني تابعي صغير
стр. 6739
أرسل عن أسيد بن حضير لأنه مات سنة عشرين، فلم يدركه.
ثم قال البخاريّ: قال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد اللَّه بن خبّاب، عن أبي سعيد، عن أسيد بن حضير.
قلت: وهو الذي وصله مسلم كما سبق، ولم يذكر فيه سورة البقرة.
ولكن رواه النسائيّ في الكبرى (٨٠٢٠، ٧٩٦٢) من وجه آخر عن الليث، قال: أخبرنا خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة، عن عبد اللَّه بن خبّاب، عن أبي سعيد الخدري، عن أسيد بن حضير -وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن- قال: قرأت الليلة بسورة البقرة فذكر نحوه.
وهذا إسناد حسن فإن ابن أبي هلال وهو سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم حسن الحديث.
٢ - باب أن سورة البقرة طاردة للشيطان
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٨٠) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب -وهو ابن عبد الرحمن القاري- عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
• عن النعمان بن بشير أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين فختم بهما سورة البقرة، فلا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها الشّيطان".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٨٨٢) وأحمد (١٨٤١٤) وابن الضريس (١٦٧) وصحّحه ابن حبان (٧٨٢) والحاكم (١/ ٥٦٢) كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير فذكره. واللفظ لأحمد.
قال الترمذيّ: "حسن غريب".
قلت: وهو كذلك فإن فيه الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي حسن الحديث. انظر للمزيد: كتاب القدر.
ولكن رواه المستغفري في فضائل القرآن (٧٣٤) بإسناد آخر وفيه: "فمن قرأهما في بيته لم يدخل الشّيطان بيته ثلاثة أيام". وفيه أبو قحذم النضر بن معبد ضعيف.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا ألفيّن أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى يتغنّى، ويدع سورة البقرة يقرؤها، فإن الشيطان ينفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت الجوف الصِّفْر من كتاب اللَّه ".
стр. 6740
حسن: رواه النسائيّ في الكبرى (١٠٧٣٣) عن محمد بن نصر قال: حدّثنا أيوب -وهو ابن سليمان بن بلال-، قال: حدثني أبو بكر، عن سليمان، عن محمد بن عجلان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان فإنه حسن الحديث.
وأبو بكر هو ابن أبي أويس، مشهور بكنيته من رجال الصحيح.
ورواه الدارميّ (٣٤٢٠) والطبراني في الكبير (٢/ ١٣٨) والحاكم (١/ ٥٦١) كلهم من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود موقوفًا بلفظ:
"لكل شيء سنام، وسنام القرآن البقرة، وإن لكل شيء لبابا، ولباب القرآن المفصل، وإن الشياطين لتخرج من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت للجوف الذي ليس فيه من كتاب اللَّه شيء".
وقد رُوِيَ مرفوعًا إلا أن الصواب هو الموقوف.
قوله: "أصفر البيوت" أي البيت الخالي الذي لا يُقرأ فيه كتاب اللَّه، وهو مأخوذ من الصِّفْر.
وقوله: "الجوف الصِّفْر" أي القلب الخالي الذي لا يحفظ من كتاب اللَّه شيئًا.
وقوله: "لكل شيء سنام. . . وإن لكل شيء لبابا" روي في معناه أحاديث لكن لم يصح منها شيء، كما سيأتي في الباب الذي يليه.
٣ - باب ما قيل إن البقرة سنام القرآن
رُوِيَ عن معقل بن يسار أن رسول اللَّه ﷺ قال: "البقرة سنام القرآن، وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا، واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] من تحت العرش، فوصلت بها، أو فوصلت بسورة البقرة، وياسين قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد اللَّه والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم".
رواه أحمد (٢٠٣٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٥١١)، والنسائي في اليوم والليلة (١٠٧٥) كلهم من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار فذكره.
وفيه رجل وأبوه مبهمان.
ولا ينفع التصريح بهما في الرواية الثانية عند أحمد (٢٠٣٠١) عن عارم حدّثنا عبد اللَّه بن المبارك، حدّثنا سليمان التميمي، عن أبي عثمان -وليس بالنهدي- عن أبيه، عن معقل بن يسار قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اقرؤوا على موتاكم" يعني ياسين.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا أبو داود (٣١٢١) وابن ماجه (١٤٤٨).
وفيه أبو عثمان وأبوه مجهولان وسبق تخريجه مفصلا.
стр. 6741
ورُوِيَ أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن، هي آية الكرسي".
رواه الترمذيّ (٢٨٧٨) والحاكم (٢/ ٢٥٩) كلاهما من حديث زائدة، عن حكيم بن جبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره واللفظ للترمذي.
قال الترمذيّ: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعفه.
قلت: وهو كما قال، فقد تكلم فيه أيضًا أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم.
وأما الحاكم فقال: "هذا حديث صحيح الإسناد"، وهو ذهول منه أو تساهل.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن سورة البقرة، من قرأها في بيته ليلًا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال، ومن قرأها نهارًا، لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام".
رواه ابن حبان (٧٨٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٦٣) كلاهما من حديث الأزرق بن علي بن جهم، حدّثنا حسان بن إبراهيم، حدّثنا خالد بن سعيد المدني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد فذكره.
وخالد بن سعيد المدني ضعيف لا يتابع على حديثه كما قال العقيلي. وقال ابن المديني: "لا يعرف".
تنبيه: "خالد بن سعيد" تحرف في معجم الطبرانيّ إلى "سعيد بن خالد".
ومجموع هذه الأحاديث تدل على أن لها أصلًا، ولكن لما لم يكن فيه أصل ثابت، لم أخرجه في الجامع الكامل.
٤ - باب فضل الآيتين من آخر سورة البقرة
• عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٠٨) ومسلم في صلاة المسافرين (٢٥٦: ٨٠٨) كلاهما من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة، عن أبي مسعود البدري، فذكره.
قال عبد الرحمن: فلقيت أبا مسعود، وهو يطوف بالبيت فسألته فحدثنيه عن رسول اللَّه ﷺ .
وكذا رواه منصور، عن إبراهيم ولم يذكر "علقمة" بين عبد الرحمن بن يزيد وأبي مسعود كما عند البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٠٩)، ومسلم في صلاة المسافرين (٢٥٥: ٨٠٧).
стр. 6742
وقوله: "كفتاه": أي تكفيانه الشر، وتقيانه المكروه.
وقيل: معناه: أغنتاه عن قيام الليل.
وقيل: أغنتاه عن قراءة القرآن كله.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: لما أسري برسول اللَّه ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى. . . قال: فأعطي رسول اللَّه ﷺ ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفِر -لمن لم يشرك باللَّه من أمته شيئًا- المقحماتُ.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٧٩: ١٧٣) من طرق عن مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن طلحه، عن مرة، عن عبد اللَّه فذكره.
• عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي". حسن: رواه أحمد (٢١٣٤٥) عن حسين، حدّثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحر، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر فذكره.
وإسناده حسن. انظر: تخريجه في كتاب الإيمان.
• عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ قال: "إنّ اللَّه كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٨٨٢) عن محمد بن بشَّار، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا حماد ابن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الجرمي، عن النعمان بن بشير، فذكره.
وصحّحه ابن حبان (٧٨٢) والحاكم (١/ ٥٦٢، ٢/ ٢٦٠) كلاهما من طريق حماد بن سلمة، بإسناده، مثله، إلا أن ابن حبان لم يذكر كتابة المقادير قبل خلق السموات والأرض بألفي عام. وقال الحاكم في الموضع الأول: "صحيح الإسناد".
وقال الترمذيّ: "حسن غريب".
قلت: وهو كما قال، فإن إسناده حسن من أجل أشعث بن عبد الرحمن الجرمي، فإنه حسن الحديث. وفي الحديث كلام سبق ذكره في القدر.
٥ - باب فضل آية الكرسي
• عن أبي هريرة -في قصة حفظ زكاة رمضان- قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "ما
стр. 6743
فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول اللَّه زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني اللَّه بها فخليت سبيله قال: "ما هي؟ " قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لن يزال عليك من اللَّه حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي ﷺ : "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ " قال: لا، قال: "ذاك شيطان".
صحيح: رواه البخاريّ في الوكالة (٢٣١١) قال: وقال عثمان بن الهيثم أبو عمرو، حدّثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكره.
وعثمان بن الهيثم من شيوخ البخاريّ فهو محمول على الاتصال.
• عن أبي بن كعب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب اللَّه معك أعظم؟ ". قال: قلت: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب اللَّه معك أعظم؟ " قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فضرب صدري وقال: "واللَّه ليهنك العلم أبا المنذر".
صحيح: رواه مسلم في فضائل القرآن (٢٥٨: ٨١٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن الجريري، عن أبي السليل، عن عبد اللَّه بن رباح الأنصاري، عن أبي ابن كعب فذكره.
• عن ابن الأسقع أنه سمعه يقول: إن النبي ﷺ جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ قال النبي ﷺ : " ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ".
حسن: رواه أبو داود (٤٠٠٣) عن محمد بن عيسى، حدّثنا حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني عمر بن عطاء أن مولى لابن الأسقع -رجل صدق- أخبره عن ابن الأسقع فذكره.
وابن الأسقع هو واثلة، ومولاه لم يُسمَّ، ولكنه وُصِفَ بأنه رجل صدق.
• عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت".
حسن: رواه النسائيّ في اليوم والليلة (١٠٠) عن الحسين بن بشر قال: حدّثنا محمد بن حِمْيَر، قال: حدّثنا محمد بن زياد، عن أبي أمامة فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل محمد بن حمير فإنه حسن الحديث، وتقدم في كتاب الأذكار.
وأما ما روي عن أنس مرفوعًا: "آية الكرسي ربع القرآن" فهو ضعيف. رواه أحمد (١٣٣٠٩) عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: حدثني سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك فذكره.
стр. 6744
ورواه الترمذيّ (٢٨٩٥) من وجه آخر عن سلمة بن وردان، ولكنه لم يذكر آية الكرسي، وفي الحديث قصة.
وإسناده ضعيف من أجل سلمة بن وردان الليثي المدني ضعيف باتفاق أهل العلم، وقد قال ابن حبان: يرُوي عن أنس أشياء لا تُشبه حديثه.
٦ - باب فضل سورة البقرة مع سورة آل عمران
• عن النواس بن سمعان الكلابي يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة، وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران"، وضرب لهما رسول اللَّه ﷺ ثلاثة أمثال، ما نسيتهن بعد، قال: "كأنهما غمامتان، أو ظلّتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٠٥) عن إسحاق بن منصور، أخبرنا يزيد بن عبد ربه، حدّثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير ابن نفير، قال: سمعت النواس بن سمعان يقول: فذكره.
قوله: "الظّلة"، هي السحابة.
وقوله: "شرق"، أي: ضياء.
وقوله: "حزقان"، أي: جماعات.
• عن أبي أمامة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صوّاف، تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سوره البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٠٤) عن الحسن بن علي الحلواني، حدّثنا أبو توبة -وهو الربيع بن نافع- حدّثنا معاوية -يعني ابن سلّام- عن زيد أنه سمع أبا سلّام يقول: حدثني أبو أمامة الباهلي فذكره.
قال معاوية: بلغني أن البطلة: السحرة.
قلت: معاوية بن سلّام بن أبي سلّام، روى عن أخيه زيد وهو ابن سلّام بن أبي سلّام، وهو عن جده أبي سلّام.
وقوله: "الزهراوان"، أي: النيران، فإن فيهما نورًا وهداية.
وقوله: "غيايتان"، الغياية كل شيء أظل الانسان فوق رأسه من سحابة وغيرها.
стр. 6745
وقوله: "البطلة"، أي: السحرة كما قال معاوية، وسموا بطلة لأن ما يأتون به باطل.
• عن بريدة بن حصيب قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: "تعلّموا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة". قال: ثم سكت ساعة، ثم قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران، فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال له: اقرأ، واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ، هذًّا كان، أو ترتيلا".
حسن: رواه أحمد (٢٢٩٥٠) والبزار -كشف الأستار- (٢٣٠٢)، والدارمي (٣٤٣٥) والحاكم (١/ ٥٦٠) كلهم من حديث بشير بن المهاجر، حدثني عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه فذكره. واللفظ لأحمد، وهو عند ابن ماجه (٣٧٨١) بلفظ مختصر جدًّا.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: وهو كذلك إلا أن بشير بن المهاجر مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه.
وهذا الحديث ليس فيه ما ينكر عليه لوجود شواهد له، وقد حسّنه ابن حجر في المطالب (٣٤٧٨).
قال البزّار: معناه: يجيء ثوابها كما ورد أن اللقمة لتجيء مثل أحد، وقال: ظل المؤمن صدقته، هذا كله على ثوابه.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اقرؤوا الزهراوين، اقرؤوا البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو فرقان من طير صواف".
حسن: رواه البزّار -كشف الأستار- (٢٣٠٣) عن أحمد بن منصور، حدّثنا عبد اللَّه بن صالح أبو صالح، أخبرنا الليث، عن سعيد، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن صالح؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في الشواهد.
стр. 6746
٧ - ما جاء في السبع المثاني وهو الطوال
• عن عائشة قالت: إن النبي ﷺ قال: "من أخذ السبعَ الأُوَل فهو حَبْرٌ".
حسن: رواه أحمد (٢٤٤٤٣) وابن الضريس في فضائل القرآن (٧٢) والبزّار -كشف الأستار- (٢٣٢٧) وصحّحه الحاكم (١/ ٥٦٤) كلهم من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن حبيب بن هند الأسلمي، عن عروة، عن عائشة فذكرته، واللفظ لأحمد.
وفي بعض الروايات: "من أخذ السبع الطوال".
وإسناده حسن من أجل حبيب بن هند وهو ابن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي وهو من رجال التعجيل (١٨٠) روى عنه عمرو بن أبي عمرو وعبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال البخاريّ: هو حجازي (يعني كان البخاريّ يعرفه)، وصحّحه الحاكم.
وقوله: "السبع الأُول"، يعني البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، واختلف في السابعة فقيل: يونس، وقيل: الكهف، وقيل: البراءة مع الأنفال.
• عن ابن عباس قال: أوتي رسول اللَّه ﷺ سبعا من المثاني الطُّول، وأوتي موسى ﵇ ستا، فلما ألقى الألواح رفعت ثنتان، وبقي أربع.
صحيح: رواه أبو داود (١٤٥٩) والحاكم (٢/ ٣٣٥٤ - ٣٣٥٥) كلاهما من حديث جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره، واللفظ لأبي داود. ولفظ الحاكم: "سبعا من المثاني والطول" وقال: "صحيح على شرط الشّيخين".
ورواه الحاكم من وجه آخر عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، وسورة الكهف. وقال: "صحيح على شرط الشّيخين".
• عن واثلة بن الأسقع أن النبي ﷺ قال: "أعطيت مكان التوراة السبع، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضّلت بالمفصل".
حسن: رواه أحمد (١٦٩٨٢) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٧٥) كلاهما من حديث عمران القطان، عن قتادة، عن أبي المليح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع فذكره.
وفيه عمران القطان وهو ابن داور -بفتح الواو وبعدها راء- أبو العوام مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت في حديث ما ينكر عليه.
وتابعه سعيد بن بشير، وهو الأزدي مولاهم عند الطبرانيّ وهو ضعيف عند جمهور أهل العلم، ولكن قال ابن عدي: "لا أرى بما يرويه بأسا".
قلت: تنفع هذه المتابعة.
стр. 6747
تفسير سورة البقرة
١ - باب قوله: ﴿الم﴾
﴿الم﴾: القول الصحيح في الحروف المقطعات هي أسماء السور، والأسماء لا تعلل ولا تفسر، وعليه أكثر أهل العلم.
وقيل: لها معنى ولكن اللَّه ﵎ استأثر بعلمه.
وقيل: لها معنى عرف بالتتبع وإمعان النظر، ثم اختلف القائلون بهذا القول مما يطول ذكره. وأحسن ما قيل فيه: إن القرآن مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها وتحداهم القرآن أن يأتوا بمثله ولو آية، ومن أسرار هذه الحروف أنها جاءت بحرف واحد مثل: ﴿ص﴾ ﴿ن﴾ ﴿ق﴾ وبحرفين مثل: ﴿حم﴾ وبثلاثة حروف مثل: ﴿الم﴾ وبأربعة مثل: ﴿المر﴾ ﴿المص﴾ وبخمسة مثل: ﴿كهيعص﴾.
وكلامهم كان من حرف إلى خمسة أحرف لا أكثر من ذلك ومثال حرف كقول الشاعر:
قلنا لها قفي لنا قالت قاف ... لا تحتسبي أنا فينا الإيجاف
قال قاف - أي وقفت.
وذكر ابن جرير وغيره أمثلة أخرى.
٢ - باب قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾
الكتاب هو: القرآن الكريم.
وقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي التفاصيل الواردة في القرآن من الأوامر والنواهي لا يستفيد منها إلا المتقون مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].
وأما غير المتقين من الكفار والمشركين فلهم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
وقال اللَّه تعالى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].
وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١].
٣ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الغيب: يعني كل ما غاب عن الناس، ولا يمكن إدراكه بالحواس مثل وجود اللَّه تعالى، والملائكة واليوم الآخر، وصفة الجنة والنار، وما أعده اللَّه تعالى من الحياة بعد
стр. 6748
الموت إلى غير ذلك مما ذكر في القرآن والسنة الصحيحة.
وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ إقامة الصلاة هي أداء الصلاة كاملة ابتداء من إسباغ الوضوء، وقراءة القرآن، وإتمام الركوع والسجود، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ مع المحافظة على مواقيتها.
٤ - باب قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وذلك جزاء منه على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق، لا أنه تعالى ختم على قلوبهم ابتداء، بل خلقهم كغيرهم على الفطرة، وهدا هم النجدين، فلما اختاروا الباطل بمحض إرادتهم ختم اللَّه على قلوبهم جزاء وفاقا. كما قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وقال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر اللَّه صقل قلبه، فإن زاد زادت، فذلك الران الذي ذكره اللَّه في كتابه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] ".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٣٣٤) وابن ماجه (٤٢٤٤) وأحمد (٧٩٥٢) وصححه ابن حبان (٩٣٠) والحاكم (٢/ ٥١٧) كلهم من حديث محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان فإنه حسن الحديث.
٥ - باب قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ أي يظنون أنهم بإظهار الإيمان وإبطان الكفر يخدعون اللَّه، فأخبرهم بأنه يعلم ما يظهرون وما يبطنون.
ولذا رد اللَّه عليهم بقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
٦ - باب قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ المرض: هو الشك، وقيل: هو النفاق، يعني: مرض في الدين، لا في الأجساد.
وقوله: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أي كلما ازدادوا في شكهم ونفاقهم ازدادوا في مرضهم.
٧ - باب قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾
وقوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الفساد في الأرض: هو الكفر، والعمل بالمعصية، قال به جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود وابن عباس، لأن عمارة الأرض لا تكون إلا بالطاعة.
стр. 6749
وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أي: نحن على الهدى والرشاد، فقال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: أنهم على الكفر والضلال والنفاق فهم مفسدون حقا وإن كانوا يدّعون أنهم يحسنون صنعًا.
﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ من جهلهم وبغضهم للَّه ولرسوله ولكتابه.
٨ - باب قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: للمنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر فإنهم كانوا يقولون فيما بينهم هل نحن نؤمن كما آمن هؤلاء السفهاء -يعني أصحاب محمد-؟ فرد اللَّه عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾.
والسفيه: هو الذي يجهل مصالح نفسه، فيضرها وهذه الصفة منطبقة عليهم.
٩ - باب قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
قوله: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: أي رؤسائهم وكبرائهم، وهم أحبار اليهود والكفار والمشركين.
والمراد بالشياطين هنا شياطين الانس، لأن الشياطين يكونون من الانس كما يكونون من الجن لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، وشياطين الانس هم من يظهر أمام الناس بأنه مخلص له في عمله وقوله، وهو من أفسق الناس وأفسدهم.
وقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: أي نسخر بأصحاب محمد فنقول لهم: نحن مؤمنون كما أنتم مؤمنون.
وردّ اللَّه عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾: أي على وجه المقابلة لا على وجه الاطلاق، لأنه في حال المقابلة، يدل على القوة والكمال والعدل، دون حال الابتداء فإنه يدل على الذم، ولذا روي عن ابن عباس: "يسخر بهم للنقمة منهم".
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وكذلك قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وأشباه ذلك كثير في كتاب اللَّه. وقوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: أي يملي لهم، ويمهلهم.
١٠ - باب قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾
стр. 6750
ضرب اللَّه مثل المنافقين بأنهم لو كانوا مؤمنين حقا لكان مثلهم مثل الذي استوقد نارًا فأضاءت ما حوله، ولكنهم لم يؤمنوا، وإنما كفروا ونافقوا فصاروا كالذي ذهب اللَّه بنوره فصار كل شيء له ظلمات، وفي هذه الظلمات هو مثل الصم الذي لا يسمع الخير، والبكم الذي لا ينطق بالحق، والأعمى الذي لا يبصر الحق فمهما أفهمتهم فهم لا يرجعون إليه.
١١ - باب قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾
الصيب: هو المطر كما جاء في الصحيح.
• عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا رأى المطر قال: "صيّبًا نافعًا".
صحيح: رواه البخاريّ في الاستسقاء (١٠٣٢) عن محمد -هو ابن مقاتل- أبو الحسن المروزي، قال: أخبرنا عبد اللَّه، قال: أخبرنا عبيد اللَّه، عن نافع، عن القاسم بن محمد، عن عائشة فذكرته.
قال البخاريّ: وتابعه القاسم بن يحيى، عن عبيد اللَّه.
ورواه الأوزاعي وعقيل، عن نافع (يعني عن القاسم بن محمد، عن عائشة).
في هذه الآية الكريمة ضرب اللَّه مثلا آخر للمنافقين بأنهم مثل المطر الذي ينزل في الظلمات فهم في نفاقهم وسلوكهم مثل الذي في الظلمات.
وقوله: ﴿وَرَعْدٌ﴾: وهو الصيحة التي تزعج القلوب، والمنافق يعيش في خوف مستمر.
وقوله: ﴿وَبَرْقٌ﴾ الضوء شديد اللمع يظهر مع السحاب.
وقوله: ﴿الصَّوَاعِقِ﴾: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد.
وقوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾: لشدة ضوئه لا يقدر أحد أن ينظر إليه، والخطف: ذهاب البصر.
هذه حال المنافقين فإنهم يواجهون الرعد الذي يخوف القلوب، والبرق الذي يبهر الأعين فيجعلون أصابعهم في آذانهم من الخوف والفزع، ولكن لا ينفع حذرهم شيئًا من قدرة اللَّه الذي محيط بهم.
وروي عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإن أصاب الإسلام نكبة ما قاموا يرجعون إلى الكفر كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]، أخرجه ابن جرير الطبري.
وروي عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: فمثله
стр. 6751
كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة لها مطر ورعد وبرق على جادة، كلما أبرقت أبصروا الجادة فمضوا فيها، فإذا ذهب البرق تحيروا، فكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الاخلاص أضاء له، وكلما شك تحير ووقع في الظلمة". رواه ابن أبي حاتم في تفسيره.
وقوله: أي وإذا تعرض لهم شكوك عادوا إلى نفا قهم، وعاشوا خائبين وخاسرين.
وقوله: أي لو أراد اللَّه منهم سلب إيمانهم لفعل لتركهم الحق، فعاشوا في الأرض مثل الكفار الذين لا يسمعون الحق ولا يبصرونه.
وفيه تحذير للمنافقين الذين يسمعون كلام اللَّه ولا يعتبرون به، بل يجعلون أصابعهم في آذانهم ويعرضون عن أوامره ونواهيه من أجل نفاقهم، واللَّه قادر على كشف ما يبطنون.
١٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾
قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أي وحدوا ربكم لأنه هو الخالق، فهو المستحق للعبادة وحده.
وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ السماء هو كل ما علا فوقك. والمراد به هنا: السحاب. وقوله: ﴿أَنْدَادًا﴾ جمع ند، وهو نظير وشبيه.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند اللَّه؟ قال: "أن تجعل للَّه ندًا وهو خلقك" قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: "وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٧٦) ومسلم في الإيمان (٨٦) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
• عن معاذ بن جبل قال: قال النبي ﷺ : "يا معاذ، أتدري ما حق اللَّه على العباد؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حقهم عليه؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "أن لا يعذبهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٧٣) ومسلم في الإيمان (٥٠: ٣٠) كلاهما من حديث محمد بن جعفر غندر، حدّثنا شعبة، عن أبي حصين والأشعث بن سليم، سمعا الأسود بن هلال، عن معاذ بن جبل، فذكره.
• عن قتيلة امرأة من جهينة أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تندّدون، وإنكم تشركون تقولون: ما شاء اللَّه وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا
стр. 6752
أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة" ويقولوا: "ما شاء اللَّه ثم شئت".
صحيح: رواه النسائيّ (٣٧٧٣) عن يوسف بن عيسى، قال: حدّثنا الفضل بن موسى، قال: حدّثنا مسعر، عن معبد بن خالد، عن عبد اللَّه بن يسار، عن قتيلة فذكرته.
وإسناده صحيح.
• عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "وإذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء اللَّه وشئت، ولكن ليقل: ما شاء اللَّه ثم شئت".
حسن: رواه ابن ماجه (٢١١٧) عن هشام بن عمار، قال: حدّثنا عيسى بن يونس، قال: حدّثنا الأجلح الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل هشام بن عمار، والأجلح وهو ابن عبد اللَّه بن حجية الكندي فإنهما مختلف فيهما غير أنهما حسنا الحديث.
انظر أحاديث هذا الباب في كتاب الإيمان.
في هذه الآيات دلالة على وجود الصانع الحكيم، فإن هذا العالم المحكم لا بد له من صانع، وقد سئل أعرابي: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: البعرة تدل على البعير، والروث على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج أما تدل على الصانع الحليم العليم القدير؟ ذكره الرازي في تفسيره (٢/ ٩٩ - ١٠٠).
١٣ - باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾
تحدى اللَّه في مكة والمدينة في غير موضع من القرآن أن يأتوا بمثل القرآن فقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩].
وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣].
وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] وكل هذه الآيات مكية.
وتحداهم في المدينة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾.
وبقي هذا التحدي قائمًا إلى يومنا هذا، وسيستمر إلى يوم القيامة فليس لمخلوق أن يأتي بمثل
стр. 6753
كلام الخالق؛ لأن النبي ﷺ خص بهذا القرآن، وهو من أكبر الآيات البينات لنبوة محمد ﷺ كما جاء في الصحيح:
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨١) ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من حديث الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره، ولفظهما سواء.
قوله: "أعطي من الآيات ما مثله": أي أعطي من المعجزات الخوارق مثلها، يعني أنه أعطي أكثر من معجزة.
وقوله: "إنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه اللَّه إلي": أي القرآن وهو من أكبر معجزات النبي ﷺ مع معجزاته الكثيرة، ولكنه خص بالقرآن كما كل نبي خص بمعجزة مثل موسى ﵇ خص بالعصا، وعيسى ﵇ خص بإحياء الموتى وهكذا.
١٤ - باب قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾
قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي في الدنيا كما قال به ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من السلف، وقول من قال: إنه في الجنة قول مرجوح.
قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: أي في الاسم، مع اختلاف الطعام كما جاء عن ابن عباس قال: ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا.
رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٦٦) وابن جرير في تفسيره كلاهما من حديث الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح.
وأبو ظبيان هو حصين بن جندب.
وقيل: التشابه في ثمار الدنيا في اللون، وليس في الاسم والطعام. وقيل غير ذلك: وكله صحيح لا يعارض بعضه بعضًا فإن الآية تشمل كل هذه الوجوه.
وقوله: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾: أي من الحيض، أما في بقية الأذى من البول والبراز وغيرها فهنّ مثل الرجال كما جاء في الصحيح:
• عن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنّ أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون"، قالوا: فما بال الطعام؟ قال:
стр. 6754
"جُشاء ورشح كرشح المِسْك يُلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس".
صحيح: رواه مسلم (٢٨٣٥) من طريق جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: فذكره.
والجُشاء هو: تنفس المعدة من الامتلاء.
١٥ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾
اعترض الكفار على ضرب اللَّه المثل في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وفي قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فرد اللَّه عليهم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ لأن ضرب الأمثال من أفصح الكلام ولذا قال اللَّه تعالى في موضع آخر: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ يعني يصح ضرب المثل بالصغير كما يصح بالكبحر، لأن المقصود من ضرب المثل تقريب المعاني وإفهامه بغض النظر عن كونه حقيرًا أو عظيمًا، ولذا إذا ضرب اللَّه مثلا يزداد المؤمن إيمانا، والكافر كفرًا، والمنافق نفاقا.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ أي هم المنافقون الذين أعلنوا بإسلامهم، فلما ضرب اللَّه مثلا ارتابوا فيه، فنقضوا عهد اللَّه وهو الإيمان باللَّه، وتركوا أوامره، وأفسدوا في الأرض، فهم الخاسرون في الدنيا والآخرة.
١٦ - باب قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾
ثم أقام اللَّه الحجة عليهم بأنهم كانوا في أصلاب آبائهم ميتين، ثم أخرجهم أحياء، ثم يميتهم موت الدنيا، ثم يحييهم حياة الآخرة، فيعترفون يوم القيامة بحياتتين وميتتين كما في سورة غافر: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١].
١٧ - باب قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾
هذا دليل آخر لعظمة اللَّه وقدرته.
стр. 6755
وقوله: ﴿لَكُمْ﴾: دليل على الانتفاع بما خلق اللَّه في السموات والأرض، واللَّه تعالى لا يمتن علينا بخلقه إلا أن يكون فيه نفع لنا، ففيه إشارة إلى الابتعاد عن كل ما فيه ضرر للإنسان سواء كان من الخبائث التي ورد تحريمها في النصوص، أو من الفساد الذي يدمر كوكب الأرض.
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي قصد وأقبل، لأن الاستواء إذا تعدى بـ "إلى" فمعناه قصد، وإذا تعدى بـ "على" فمعناه ارتفع كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وإذا ذكر بدون حرف يكون معناه الكمال والتمام كقوله تعالى عن موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤].
وهنا ذكر بحرف "إلى" فمعناه إن اللَّه بعد أن خلق لكم ما في الأرض جميعًا لتنتفعوا بها قصد إلى خلق السماوات السجع مع شموسها، وأقمارها، ونجومها، وفضائها، ومن فيهنّ لتنتفعوا بها.
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي أنه يعلم احتياجكم ولذا خلق لكم ما في الأرض وما في السموات.
وهنا لا يقصد اللَّه أن يبين أدوار خلق الأرض والسماوات، بل المقصود فيه امتنانه على عباده بأن هذه المخلوقات خلقها اللَّه تعالى لينتفع بها الانسان.
١٨ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾
هذا امتنان آخر على بني آدم بأن اللَّه جعل في الأرض خلقا يخلف بعضهم بعضًا، هذا الخلق قد يكون من جنس البشر وقد يكون من غيره كالجن والملائكة لتستمر عمارة الأرض إلى ما شاء اللَّه.
والخليفة: من يخلف، وليس المراد فيه آدم بعينه، ولو كان هو المراد لما نسب الملائكة الإفساد وسفك الدماء إليه.
وقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ التسبيح معروف، والتقديس هو التنزيه والتعظيم مثل قولهم: سبّوح قدوس، وهو شامل لجميع أنواع العبادة لله تعالى من خضوع وخشوع وصلاة وغيرها.
• عن أبي ذر أن رسول اللَّه ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى اللَّه لملائكته أو لعباده: سبحان اللَّه وبحمده".
صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٧٣١) عن زهير بن حرب، حدّثنا حبان بن هلال، حدّثنا وهيب، حدّثنا سعيد الجريري، عن أبي عبد اللَّه الجسري، عن عبد اللَّه بن الصّامت، عن أبي ذر فذكره.
وقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾: بأن يكون من هذا الخليفة الأنبياء والصالحون وأنابهم
стр. 6756
عليهم وأنتم لا تعلمون، وفيه حصر على أن علم الغيب خاص للَّه تعالى دون غيره.
١٩ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾
قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي أصبح من الكافرين.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨١) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
٢٠ - باب قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾
• عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئًا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدأ له بعد فليقتله، فإنه شيطان".
صحيح: رواه مسلم في السلام (١٤١: ٢٢٣٦) عن زهير بن حرب، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني صيفي، عن أبي السائب، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
٢١ - باب قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾
• عن أسامة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٦٧) ومسلم في الزهد والرقائق (٢٩٨٩) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي وائل شقيق، عن أسامة بن زيد، قال: فذكره، واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء من أهل الدنيا ممن
стр. 6757
كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهو يتلون الكتاب أفلا يعقلون".
صحيح: رواه أبو يعلى (٤٠٦٩)، والبيهقي في الشعب (٤٩٦٥)، كلاهما من طريق معتمر بن سليمان - وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧٢) من طريق ابن المبارك - كلاهما عن سليمان التيمي، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح.
٢٢ - باب قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾
• عن سعيد بن زيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الكمأة من المن الذي أنزل اللَّه على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٧٨)، ومسلم في الأشربة (٢٠٤٩: ١٦٠) كلاهما من حديث سفيان، عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت عمرو بن حريث يقول: سمعت سعيد بن زيد يقول: فذكره. واللفظ لمسلم.
قال مجاهد: المنّ: صمغة، والسلوى: طير.
وفي هذا المعنى أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الطب.
٢٣ - باب قول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾
قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية هي الأرض المقدسة أي بيت المقدس كما جاء في سورة المائدة: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢١ - ٢٤].
وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾: أي خاضعا وراكعا لتعذر حمله على حقيقته.
وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: أي مغفرة، روي ذلك عن ابن عباس.
أخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٢) وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فبدلوا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعرة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤١) ومسلم في التفسير (٣٠١٥) كلاهما من حديث
стр. 6758
عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة فذكره.
• عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : "قال اللَّه لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ".
صحيح: رواه أبو داود (٤٠٥٦) عن أحمد بن صالح وسليمان بن داود، حدّثنا عبد اللَّه بن وهب، حدّثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: فذكر هكذا.
قال أبو داود: وحدثنا جعفر بن مسافر، حدّثنا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد بإسناده مثله، هكذا مجملا ومختصرًا.
ورواه البزّار -كشف الأستار (١٨١٢) - مفصلا عن إسحاق بن بهلول، ثنا محمد بن إسماعيل ابن أبي فديك، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد أنه قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "إنّ عيون المشركين الآن على ضجنان، فأيكم يعرف طريق ذأت الحنظل؟ " فقال رسول اللَّه ﷺ حين أمسى: "هل من رجل ينزل فيسعى بين يدي الركاب؟ " فقال رجل: أنا يا رسول اللَّه، فنزل، فجعلت الحجارة تنكبه والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اركب" ثم نزل آخر، فجعلت الحجارة تنكبه، والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اركب" ثم وقعنا على الطريق، حتى سرنا في ثنية يقال لها الحنظل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل، قيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، لا يجوز أحد الليلة هذه الثنية إلا غفر له"، فجعل الناس يسرعون ويجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم، قال: فجعل الناس يركب بعضهم بعضًا حتى تلاحقنا، قال: فنزل رسول اللَّه ﷺ ونزلنا.
قال البزار: لا نعلم أحد رواه هكذا إلا محمد بن إسماعيل.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٤٤): رواه البزار ورجاله ثقات.
قلت. إسناده حسن من أجل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك فإنه حسن الحديث.
أي أنهم خالفوا ما أمروا به من الفعل والقول فإنهم أمروا بالسجود -يعني الخضوع- فبدّلوا السجود بالزحف على أستاههم، وأمروا بقولهم: حطة أي مغفرة فبدّلوا بالحنطة استهزاء واستكبارا.
٢٤ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ
стр. 6759
لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾
في هذه الآيات إشارة واضحة إلى قصة وقعت في بني إسرائيل في عهد موسى ﵇، وقد روي عن بعض الصحابة والتابعين ما سمعوا من اليهود، ومن أصحها إسنادا ما روي عن عبيدة ابن عمرو السلماني المخضرم المتوفى سنة (٧٠ هـ) قال: كان رجل في بني إسرائيل عقيم لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلًا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم، حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذوو الرأي والنُّهى: علام يقتل بعضكم بعضًا، وهذا رسول اللَّه ﷺ فيكم؟ فأتوا موسى فذكروا ذلك له فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فقالوا: أتتخذونا هزوا؟ قال: أعوذ باللَّه أن أكون من الجاهلين. قال: فلو لم يعترضوا البقرة، لأجزت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شدّدوا فشدّد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: واللَّه لا أنقصها من ملء جلدها ذهبًا، فأخذوها بملء جلدها ذهبًا فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا، لابن أخيه، ثم مال ميتًا، فلم يعط من ماله شيء، ولم يورث قاتل بعده.
رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٣٦) عن الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا يزيد بن هارون، أنبا هشام بن حسان، عن محمد بن زيد، عن عبيدة، فذكره.
٢٥ - باب قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾
• عن حذيفة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٤٤) عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا أبو خالد -يعني
стр. 6760
سليمان بن حيان- عن سعد بن طارق، عن ربعي، عن حذيفة، قال: فذكره.
• عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ الحلال بيّنٌ، وإن الحرام بيّنٌ، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى اللَّه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٢) ومسلم في المساقاة (١٥٩٩) كلاهما من طريق زكريا، عن عامر الشعبي، قال: سمعت النعمان بن بشير، يقول: فذكره، واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه.
٢٦ - باب قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾
قوله: ﴿أُمِّيُّونَ﴾ جمع أمي وهو الذي لم يتعلم القراءة والكتابة وقد جاء في الحديث.
• عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا". يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩١٣) ومسلم في الصيام (١٥: ١٠٨٠) كلاهما من طريق شعبة، حدّثنا الأسود بن قيس، حدّثنا سعيد بن عمرو بن سعيد، أنه سمع ابن عمر، يحدث: فذكره، واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه.
٢٧ - باب قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾
قوله تعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ أي اليهود والنصارى الذين كتبوا كتبهم بأيديهم ونسبوها إلى اللَّه تعالى.
٢٨ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾
المخاطبون هم اليهود.
• عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة، أتيته حتى أطأ على عنقه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو فعل أخذته الملائكة عيانا، وإن اليهود
следующие страницы →