Полный текст (8 687 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الحكم في سنة ثمانين، وصلبه بدمشق.
٦ - باب النّهي عن الكلام والمخاصمة والخوض في القدر
• عن أبي هريرة، قال: جاء مشركوقريش يخاصمون رسول اللَّه ﷺ في القَدَر، فنزلتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر: ٤٨ - ٤٩].
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٦) من طرق عن وكيع، عن سفيان، عن زياد بن إسماعيل، عن محمد بن عبَّاد بن جعفر المخزوميّ، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنّما يُفقأ في وجهه حُب الرّمان من الغضب، فقال: "بهذا أُمرتم؟ ! أو لهذا خُلقتُم؟ ! تضربون القرآن بعضَه ببعض، بهذا هلكتِ الأممُ قبلكم".
قال: فقال عبد اللَّه بن عمرو: "ما غَبَطْتُ نفسي بمجلسٍ تخلفتُ فيه عن رسول اللَّه ﷺ ما غَبَطْتُ نفسي بذلك المجلس، وتخلُّفي عنه".
حسن: رواه ابن ماجه (٨٥) عن علي بن محمد، قال: حدّثنا أبو معاوية، قال: حدّثنا داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
قال البوصيريّ في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الإمام أحمد في مسنده من هذا الوجه بزيادة في آخره".
قلت: وهو كما قال، فقد رواه الإمام أحمد (٦٦٦٨) عن أبي معاوية بإسناده، مثله، وقال فيه: "غبطت نفسي بمجلس فيه رسول اللَّه ﷺ لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس أنّي لم أشهده".
ورواه البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٦٠٨) من وجه آخر عن حميد الطّويل، عن مطر الورّاق وداود ابن أبي هند بإسناده نحوه، وزاد في آخره: "انظروا ما أمرتُم به فاتبعوه، وما نُهيتُم عنه فاجتنبوه".
وله أسانيد أخرى غير أنّ ما ذكرته هو أصحّها.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُخِّر الكلام في القدر لشرار هذه الأمّة".
حسن: رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٥٠) عن الحسن بن علي، ثنا أبو عاصم، عن عنبة، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي الإسناد عنبسة وهو ابن عمرو، وقيل هو ابن مهران الحداد ترجمه العقيليّ في "الضعفاء" (١٤٠٣)، ونقل عن البخاريّ أنه لا يتابع على حديثه.
стр. 702
وعن العقيليّ نقل الحافظ ابن حجر في اللّسان (٤/ ٣٨٤).
ومن طريقه رواه البزار -كشف الأستار (٢١٧٨) -، والطبرانيّ في الأوسط (٥٩٠٩)، والحاكم (٢/ ٤٧٣)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٧١٦).
قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاريّ ولم يخرجاه".
وتعقبه الذهبي فقال: "عنبسة ثقة، ولكن لم يرويا له".
قلت: عنبسة ليس من رجال البخاريّ، كما أنّه ليس بثقة، بل قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث، وقال العقيليّ: عن الزهريّ يهم في حديثه. وقال البزّار: "لا نعلم رواه عن الزّهريّ إلّا عنبسة وهو لين الحديث، وقد تفرّد به عن الزّهريّ".
ولكن له طريق آخر رواه البزّار -الكشف (٢١٧٩) -، والعقيليّ في الضعفاء (١١٤٣)، والطبراني في الأوسط (٦٢٣٣) كلّهم من طريق عمر بن أبي خليفة، ثنا هشام -يعني ابن حسان-, عن محمد - يعني ابن سيرين، عن أبي هريرة، نحوه.
قال البزّار: "لا نعلم له طريقًا من جهة صحيحة غير هذا الطّريق، ولا رواه عن هشام إلّا عمرو".
وقال العقيليّ: "وهذا الحديث منكر"، وقال: "له رواية من غير هذا الوجه أيضًا ليّنة".
قلت: مداره على عمر بن أبي خليفة قال فيه أبو حاتم: صالح الحديث. "الجرح والتعديل" (٦/ ١٠٦).
وقال عمرو بن علي: حدّثنا عمر بن أبي خليفة من الثقات، ذكره المزيّ في "تهذيبه".
وقول الحافظ في التقريب: "مقبول". بل الصّواب أن يقول "صدوق".
وقد قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٠٢): "رجال البزّار في أحد الإسنادين رجال الصّحيح غير عمر بن أبي خليفة وهو ثقة".
وله طريق آخر: أخرجه العقيليّ في الضعفاء (١٤٠٣) عن إبراهيم بن يوسف، قال: حدّثنا سويد ابن سعيد، قال: حدّثنا الأغلب بن تميم، عن أبي خالد الخزاعيّ، عن الزّهريّ، قال: قال لي عمر ابن عبد العزيز: ردَّ على حديث النبيّ ﷺ في القدر، فقال: سمعتُ فلانًا الأنصاريّ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أُخِّر الكلامُ في القدر لشرار هذه الأمّة في آخر الزّمان".
قال العقيليّ: "هذا أولى". وأورده الذّهبي في "الميزان" (٣/ ٣٠٢) من طريق سويد بن سعيد، به، مثله وقال: "فهذا أشبه".
قلت: إذا ضُمّ هذا إلى ما قبله كان للحديث قوة وأصل، وإن كان الأغلب بن تميم قد تكلَّم فيه غيرُ واحد من أهل العلم.
وأمّا ما رُوي عن أبي هريرة، قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتّى احمرَّ وجهه حتّى كأنّما فُقئَ في وَجْنتيه الرّمانُ، فقال: "أبهذا أُمرتُم؟ ! أبهذا أُرسلتُ إليكم؟ ! ،
стр. 703
إنّما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمتُ عليكم ألّا تنازعوا فيه". فهو ضعيف.
رواه التّرمذيّ (٢١٣٣) عن عبد اللَّه بن معاوية الجمحيّ البصريّ، حدّثنا صالح المرّي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه من حديث صالح المريّ، وصالح المريّ له غرائب ينفرد بها، لا يتابع عليها".
قلت: وهو كما قال، فإنّ صالحًا المريّ هو ابن بشير بن وادع أبو بشر البصريّ القاضي الزّاهد، قال ابن معين: ضعيف، أو قال: ليس بشيء، وقال أحمد: صاحب قصص يقص على النّاس، ليس هو صاحب حديث ولا إسناد، ولا يعرف الحديث. وقال البخاريّ: منكر الحديث، وقال النسائيّ: متروك.
وقال ابن عدي في "الكامل": "صالح لا يقبل في هشام بن حسان؛ لأنّه يروي عنه بأحاديث بواطيل".
وأدخله ابن حبان في المجروحين (٤٨٨)، وأخرج الحديث المذكور من طريقه. وقال: "كان من عُبّاد أهل البصرة وقرّائهم، وهو الذي يقال له: "صالح القاصّ، وكان من أحزن أهل البصرة صوتًا، وأرقهم قراءة، غلب عليه الخير والصلاح حتى غفل عن الإتقان في الحفظ، فكان يروي الشيء الذي سمعه من ثابت والحسن وهؤلاء على التوهم، فيجعله عن أنس، عن رسول اللَّه ﷺ . فظهر في روايته الموضوعات التي يرويها عن الأثبات، واستحقّ التّرك عند الاحتجاج، وإن كان في الدّين مائلًا عن طريق الاعوجاج، وكان يحيى بن معين شديد الحمل عليه". انتهى.
قلت: فمثله لا يكون شاهدًا الحديث عمرو بن شعيب.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي ذر قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ على أصحابه وهم يتذاكرون شيئًا من القدر، فخرج مُغضبًا كأنّما فُقئ في وجهه حبّ الرمان، فقال: "أبهذا أُمرْتم؟ ، أو ما نُهيتُم عن هذا؟ ، إنّما هلكت الأمم قبلكم في هذا، إذا ذُكر القدر فأمْسكوا، وإذا ذُكر أصحابي فأمْسكوا، وإذا ذكرت النّجوم فأمْسكوا".
رواه ابن بطّة في الإبانة (١٢٧٥) عن أبي عبيد المحامليّ، قال: حدّثنا أبو غسان مالك بن خالد ابن أسد الواسطيّ، حدّثنا عثمان بن سعيد الخياط الواسطيّ، قال: حدّثنا الحكيم بن سنان، عن داود بن أبي هند، عن الحسن، عن أبي ذر، فذكره.
والحسن هو البصريّ مدلّس وقد عنعن. وفيه رجال لا أعرفهم.
وقد رُوي مثل هذا من حديث ابن مسعود، وثوبان، وابن عمر، وطاوس مرسلًا، وكلّها ضعيفة الأسانيد، قال ابن رجب: "رُوي من وجوه في أسانيدها كلّها مقال".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة قالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من تكلَّم في شيء من القدر سُئل عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلّم فيه لم يُسأل عنه".
стр. 704
رواه ابن ماجه (٨٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا مالك بن إسماعيل، قال: حدّثنا يحيى بن عثمان مولى أبي بكر، قال: حدّثنا يحيى بن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن أبيه، أنّه دخل على عائشة فذكر لها شيئًا من القدر، فقالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، فذكرت الحديث.
قال البوصيريّ في الزّوائد: "هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عثمان، قال فيه ابن معين والبخاري وابن حبان: منكر الحديث، زاد ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. ويحيى بن أبي مليكة قال فيه ابن حبان: يعتبر حديثه إذا روى عنه غير يحيى بن عثمان". انتهى.
قلت: من هذا الوجه رواه أيضًا البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٧١٦) وقال: "هذا إسناد فيه ضعف".
٧ - باب ما جاء في ذمّ القدريّة
• عن نافع أنّ رجلًا أتى ابن عمر فقال: "إنّ فلانًا يقرؤُك السّلام، قال: إنّه بلغني أنّه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تقرئْهُ منّي السّلام. فإنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: يكون في أمّتي -أو في هذه الأمّة- مَسْخٌ وخَسْف وقَذْف، وذلك في أهل القدر".
حسن: رواه الترمذيّ (٢١٥٢)، وابن ماجه (٤٠٦١) كلاهما عن محمد بن بشار، حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا حيوة بن شريح، أخبرني أبو صخر، حدّثني نافع، فذكره.
ورواه أبو داود (٤٦١٣) عن الإمام أحمد -وهو في مسنده (٥٦٣٩) - قال: حدّثنا عبد اللَّه بن يزيد، قال: ثنا سعيد - يعني ابن أبي أيوب، قال: أخبرني أبو صخر، عن نافع، قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشّام يكاتبه، فكتب إليه عبد اللَّه بن عمر: إنّه بلغني أنّك تكلمت في شيء من القدر، فإيّاك أن تكتب إليَّ، فإنّي سمعت رسول اللَّه يقول: "إنّه سيكون في أمّتي أقوام يكذبون بالقدر".
قال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب، وأبو صخر اسمه حميد بن زياد".
وأخرجه الحاكم (١/ ٨٤) من طريق الإمام أحمد وقال: "صحيح على شرط مسلم، فقد احتجّ بأبي صخر حميد بن زياد ولم يخرجاه".
وأخرجه الفريابي في القدر (٣١٧) من وجه آخر عن حميد بن زياد المدني، بإسناده، ولفظه: "إنّه سيكون في أمّتي خسف ومسخ وذلك في القدريّة والزّندقيّة".
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في أبي صخر حميد بن زياد بن أبي المخارق، فقال النسائيّ: ضعيف، ووثّقه الدّارقطني، وقال أحمد: لا بأس به، وكذلك قال ابن معين، فهو حسن الحديث.
وفي الباب عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صنفان من أمّتي لا يردان عليَّ الحوض ولا يدخلان الجنّة: القدرية والمرجئة".
رواه الطبرانيّ في "المعجم الأوسط" (مجمع البحرين - ٣٢٨٠) عن علي بن عبد اللَّه الفرعاني،
стр. 705
ثنا هارون بن موسى الفرويّ، ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، عن حميد، عن أنس، فذكره.
قال الطبرانيّ: تفرّد به هارون بن موسى.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٠٧): "رواه الطبرانيّ في "الأوسط" ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفرويّ وهو ثقة".
قلت: هارون بن موسى وهو ابن أبي علقمة الفروي المدنيّ، قال فيه أبو حاتم: "شيخ". وقال النسائيّ: "لا بأس به". وقال الدّارقطنيّ: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثّقات.
وأمّا شيخ الطّبرانيّ علي بن عبد اللَّه الفرغانيّ فهو الورّاق ترجمه الخطيب في تاريخه (١٢/ ٤) وقال: "ثقة، مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة".
والحاصل أنّ رجاله رجال الصّحيح غير هارون بن موسى فهو حسن الحديث غير أنّ في إسناده حميد الطّويل وهو مدلّس، ولم يسمع من أنس إلا أحاديث يسيرة، وفي المتن نكارة فإنّ الإرجاء لم يحدث إلّا بعد زمن الصّحابة كما قال أهل العلم، منهم الحافظ ابن القيم ﵀ حيث فنَّد في "تهذيب السنن" (٦/ ٦٠ - ٦١) الأحاديث الواردة في هذا الباب عن ابن عمر، وحذيفة، وابن عباس، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمر، ورافع بن خديج، وغيره ثم قال: "وأجود ما في الباب حديث حيوة بن شريح، أخبرني أبو صخر، حدّثني نافع، فذكر مثله. وقال: والذي صحّ عن النّبيّ ﷺ ذمّهم من طوائف أهل البدع: هم الخوارج، فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلّها صحاح؛ لأنّ مقالتهم حدثتْ في زمن النبيّ ﷺ ، وكلَّمه رئيسُهم. وأمّا الإرجاء، والرَّفض، والقدر، والتجهّم والحلول وغيرها من البدع فإنّها حدثتْ بعد انقراض عصر الصّحابة، وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصّحابة، فأنكرها مَنْ كان منهم حيًّا كعبد اللَّه بن عمر، وابن عباس، وأمثالهما، وأكثر ما يجيء من ذمّهم، فإنّما هو موقوف على الصّحابة من قولهم". انتهى.
وقال شارحُ العقيدة الطّحاويّة (٥٩٣): "رُوي في ذمّ القدريّة أحاديث كثيرة، تكلَّم أهل الحديث في صحة رفعها، والصّحيح أنّها موقوفة".
قلت: ومن هذه الأحاديث ما رُوي عن ابن عمر: "القدرية مجوس هذه الأمّة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم".
رُوي هذا الحديث عن ابن عمر من طرق:
منها: ما رواه أبو داود (٤٦٩١) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدّثني بمنى عن أبيه، عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ ، فذكره.
وأخرجه الحاكم (١/ ٨٥) وقال: "صحيح على شرط الشيخين إن صحَّ سماع أبي حازم من ابن عمر".
قلت: الصّحيح أنّ أبا حازم - سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر، قال المزيّ في "تهذيبه": "روى عن عبد اللَّه بن عمر ولم يسمع منه".
стр. 706
وفي "جامع التحصيل" للعلائيّ: قال يحيى الوحاظيّ: سألت ابن أبي حازم سمع أبوك من أبي هريرة؟ فقال: من حدَّثك أنّ أبي سمع واحدًا من أصحاب النبيّ ﷺ غير سهل بن سعد فلا تصدقه".
ومنها ما رواه الآجريّ في "الشّريعة" (٣٨١)، والفريابيّ في القدر (٢١٦)، والطبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين - ٣٢٦٩)، واللالكائيّ (١١٥٠) كلّهم من طرق عن زكريا بن منظور، عن أبي حازم، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر مثله.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٠٥): "وفيه زكريا بن منظور وثّقه أحمد بن صالح وغيره، وضعّفه جماعة".
قلت: نقل المزيّ في "تهذيبه" قول أحمد بن صالح المصريّ أنه قال: ليس به بأس، ونقل عن جمهور أهل العلم الإمام أحمد، والبخاريّ، ويحيى، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدّارقطنيّ، ويعقوب بن سفيان كلّهم ضعّفوه بصيغ مختلفة، حتّى قال فيه ابن حبان في "المجروحين" (٣٧٥): "يروى عن أبي حازم ما لا أصل له من حديثه". وقال عباس الدّوريّ: سمعت يحيى بن معين يقول: زكريا بن منظور ليس بشيء، فراجعته مرارًا، فزعم أنّه ليس بشيء، قال: وكان طفيليًّا".
ومنها: ما رواه الإمام أحمد (٥٥٨٤) عن أنس بن عياض، حدّثنا عمر بن عبد اللَّه مولى غُفرة، عن عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا، ولفظه: "لكلّ أمّة مجوس، ومجوس أمّتي الذين يقولون: لا قدر، إن مَرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتو فلا تشهدوهم".
ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٣٩)، والفريابيّ في القدر (٢٣٧)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١١٥٣) كلّهم من حديث عمر بن عبد اللَّه مولى غُفرة، عن ابن عمر، فذكر مثله إلّا أنّ اللالكائيّ جعل بين عمر مولى غُفرة، وبين ابن عمر واسطتين "عمر بن محمد بن زيد، عن نافع"، عن ابن عمر.
وهذا يدل على تخليط عمر بن عبد اللَّه مولى غُفرة. قال ابن حبان: "كان ممن يقلب الأخبار، ويروي عن الثقات ما لا يُشبه حديث الأثبات، لا يحتج به".
وقد ضعّفه ابنُ معين وغيره، وقال: لم يسمع من أحدٍ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ . وقال أحمد: أكثر أحاديثه مراسيل.
وعلاوة على ذلك فإنه اضطرب في هذا الإسناد، فمرّة رواه كما سبق، وأخرى جعل الحديث من مسند حذيفة كما سيأتي، ومنها ما رواه ابن أبي عاصم في السنة (٣٤٠)، والفريابي في القدر (٢٢٠)، وعنه الآجري في الشريعة (٣٨٢)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٦٢٥) كلّهم من طرق عن الحكم بن سعيد السعيدي -من ولد سعيد بن العاص- عن الجعيد بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر، أو عن أبيه، عن النّبيّ ﷺ -كذا عند ابن أبي عاصم، ولفظه: "يخرج في آخر الزّمان قوم يكذبون بالقدر، أولئك مجوس هذه الأمّة إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم".
стр. 707
وفيه الحكم بن سعيد المديني الأموي، قال فيه البخاريّ: "منكر الحديث". وأخرجه العقيليّ في "الضعفاء" (١/ ٢٦٠) من طريقه وقال: "وهذا المتن له طريق بغير هذا الإسناد عن جماعة متقاربة في الضّعف".
وزاد الذّهبيّ في الميزان فقال: وقال الأزديّ وغيره: "ضعيف". ثم قال: "ومن مناكيره: عن الجعيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ أو قال: عن أبيه، عن النّبيّ ﷺ : "القدريّة مجوس أمّتي".
ومنها: ما رواه ابن أبي عاصم في السنة (٣٤١) عن يعقوب بن حميد، حدّثنا إسماعيل بن داود، عن سليمان بن بلال، عن أبي حسين، عن نافع، عن ابن عمر، أنه ذكر لابن عمر قومًا يتنازعون في القدر، ويكذِّبون به، فقال: قد فعلوا؟ ! فقالوا: نعم. قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يكون في أمّتي أو في آخر الزّمان رجال يكذبون بمقادير الرحمن، يكونون كذّابين، ثم يعودون، مجوس هذه الأمّة، وهم كلاب أهل النّار".
فيه: إسماعيل بن داود هو ابن مخراق، قال البخاريّ: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في "المجروحين" (٤٩) وقال: "من أهل المدينة، وهو الذي يقال له: سليمان بن داود بن مخراق، يروي عن مالك بن أنس وأهل المدينة، يسرق الحديث ويسوِّيه".
وترجمه الذهبيّ في الميزان وقال: "ضعّفه أبو حاتم وغيره". ثم ذكر قول ابن حبان بأنّه يسرق الحديث وقال: "وساق له ابن حبان حديثين مقلوبين".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن حذيفة مرفوعًا: "لكلّ أمّة مجوس، ومجوس هذه الأمّة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرِض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدّجال، وحقٌّ على اللَّه أن يلحقهم بالدّجّال".
رواه أبو داود (٤٦٩٢) عن محمد بن أبي كثير، أخبرنا سفيان، عن عمر بن محمد، عن عمر مولى غفرة، عن رجل من الأنصار، عن حذيفة، فذكره.
وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٣٢٩) من طريق سفيان، بإسناده.
قال المنذريّ: "عمر مولى غفرة لا يحتجّ بحديثه، ورجل من الأنصار مجهول".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عمر بن الخطّاب، عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تجالسوا أهل القدر، ولا تفاتحوهم".
رواه أبو داود (٤٧١٠) عن الإمام أحمد -وهو في مسنده (٢٠٦) - عن أبي عبد الرحمن (عبد اللَّه بن يزيد المقرئ)، قال: حدّثني سعيد بن أبي أيوب، حدّثني عطاء بن دينار، عن حكيم بن شريك الهذليّ، عن يحيى بن ميمون الحضرميّ، عن ربيعة الجرشيّ، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطّاب، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الفريابي في القدر (٢٢٧، ٢٢٨)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٧٠٦).
стр. 708
وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٧٩)، والحاكم (١/ ٨٥) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن يزيد المقرئ إلّا أنّ الحاكم لم يحكم عليه، وإنّما قال: "شاهد". لما سبق من حديث ابن عمر: "القدرية مجوس هذه الأمّة". وهو حديث منقطع كما سيأتي.
وأما حديث عمر بن الخطّاب ﵁، ففيه حكيم بن شريك مجهول كما قال أبو حاتم "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٠٥)، ونقله عنه الذهبي في الميزان (١/ ٥٨٦).
واعتمده الحافظ في التقريب إلّا أنه لم يعزه إلى أبي حاتم. وأما ابن حبان فذكره في الثقات (٦/ ٢١٥)، وفيه دليل على توثيقه للمجاهيل وإخراج أحاديثهم في صحيحه، فيجب الاحتياط في تصحيح الحديث بناءً على إخراجه في "صحيحه".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "صنفان من أمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدريّة".
رواه الترمذيّ (٢١٤٩) عن واصل بن عبد الأعلى، حدّثنا محمد بن فضيل، عن القاسم بن حبيب، وعلي بن نزار، عن نزار، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
قال الترمذيّ: "حديث حسن صحيح".
وقال: حدّثنا محمد بن رافع، حدّثنا محمد بن بشر، حدّثنا سلّام بن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النّبيّ ﷺ ، نحوه.
قلت: قول الترمذيّ: "حسن صحيح" ليس بصحيح فإنّ في الإسناد الأوّل علي بن نزّار ضعيف، وإن كان تابعه القاسم بن حبيب وهو التمار الكوفي إلّا أنّه ضعيف أيضًا. قال فيه ابن معين: لا شيء. وقال الحافظ في "التقريب": "لين".
وشيخهما نزار -وهو ابن حيَّان- ضعيف أيضًا. قال فيه ابن حبان في المجروحين (١١١٨): "قليل الرّواية، منكر الحديث جدًّا، يأتي عن عكرمة ما ليس من حديثه، حتّى يسبق إلى القلب أنّه كان المتعمّد لذلك، لا يجوز الاحتجاج به بحال".
وقال: "روى عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النّبيّ ﷺ ، قال: "اتقوا القدر، فإنّه شعبة من النّصرانيّة". قال ابن عباس: "اتقوا هذا الإرجاء فإنّه شعبة من النّصرانيّة". انتهى.
قلت: أخرجه اللالكائيّ في "اعتقاد أهل السنة" (٤/ ٦٩٧) من طريق القاسم بن حبيب، عن نزار، وفي الإسناد الثاني سلّام بن أبي عمرة الخراساني قال فيه ابن حبان في "المجروحين" (٤٢٦): يروي عن عكرمة، روى عنه محمد بن بشر، يروي عن الثقات المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره. ثم قال: وهو الذي روى عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صنفان من أمّتي. . . ". فذكر الحديث.
стр. 709
قال: حدّثناه محمد بن عبد الرحمن الشّاميّ، قال: حدّثنا سلمة بن شبيب، قال: حدّثنا محمد بن بشر العبديّ، بإسناده.
فأخشى أن يكون قول الترمذيّ: "حسن صحيح". خطأ من النّسّاخ، وقد جاء في بعض النّسخ: "غريب". فقط، وقد أشار إلى ذلك الشيخ الألباني ﵀ في تعليقه على "المشكاة" (١٠٥) فقال: "حسن صحيح" لم ترد هذه الزيادة في شيء من نسخ الكتاب التي وقفنا عليها". ولذا اكتفى الشيخ في ضعيف الترمذيّ بقوله: "هذا حديث حسن غريب".
وكذلك لا يصح عنه: "هلاك أُمّتي في العصبيّة والقدريّة، والرّواية من غير ثبت". رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٢٦) عن محمد بن مرزوق، ثنا عمر بن يونس، عن سعيد الحمصيّ، عن هارون بن هارون، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكر مثله مرفوعًا.
وهارون بن هارون هو ابن عبد اللَّه بن محرَّز بن الهدير التّيميّ القرشيّ من أهل المدينة، قال ابن حبان: "كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرّواية عنه إلّا على سبيل الاعتبار لأهل الصّناعة فقط". المجروحين (١١٦٢).
وهذا الحديث عدّه ابن الجوزيّ من الموضوعات (٥٣٩) فرواه من وجه آخر عن هارون بن هارون بإسناده وفيه: "هلاك أمّتي في ثلاث". فذكر بقية الحديث مثله.
قال ابن الجوزيّ: "هذا حديث موضوع على رسول اللَّه ﷺ ، وقد أرسله هارون في هذه الرواية عن مجاهد، وإنّما هو عن ابن سمعان، عن مجاهد. فترك ابن سمعان لأنّه كذاب". انتهى وللحديث طرق أخرى كلّها ضعيفة.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنّ لكلّ أمّة مجوسًا، وإنّ مجوس هذه الأمّة القدريّة، فلا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلّوا على جنائزهم إذا ماتوا".
رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٤٢)، والفريابي في "القدر" (٢٣٥)، وعنه الآجريّ في "الشريعة" (٣٨٥) عن عبد الأعلى بن حماد، حدّثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعتُ زيادًا أبا الحسن، حدّثني جعفر بن الحارث، عن يزيد بن ميسرة، عن عطاء الخراساني، عن مكحول، عن أبي هريرة، فذكره.
وفيه انقطاع، فإنّ مكحولًا لم يلقَ أبا هريرة كما قال أبو زرعة، كما ذكره ابن أبي حاتم في "مراسيله"، والدارقطني في "العلل" (٨/ ٢٨٩).
وجعفر بن الحارث هو الواسطيّ أبو الأشهب، ضعّفه النسائيّ، وقال العقيليّ: "منكر الحديث، في حفظه شيء يكتب حديثه". وأمّا أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان فمشّوه. وفي التقريب: "صدوق كثير الخطأ".
وللفريابي أسانيد أخرى كلّها تدور على مكحول وهو الشّاميّ.
стр. 710
أما ما رواه (٢٣١) عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة ومحمد بن بشر، قالا: حدّثنا ابن نزار -علي أو محمد- عن أبيه، عن عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "صنفان من أمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدريّة".
وهكذا رواه عنه الآجريّ في الشريعة (٣٠٩، ٣٩٢) فاللَّه أعلم هذا الإسناد معروف عن ابن عباس كما مضى، وفيه نزار وأبوه ضعيفان.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا: "إنّ مجوس هذه الأمّة المكذّبون بأقدار اللَّه، إنْ مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلِّموا عليهم".
رواه ابن ماجه (٩٢) عن محمد بن المصفّى الحمصيّ، قال: حدّثنا بقية بن الوليد، عن الأوزاعيّ، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٢٨)، والفريابي في "القدر" (٢١٩) وعنه الآجري في "الشريعة" (٣٨٤) كلّهم عن محمد بن المصفّى أبي عبد اللَّه بإسناده، مثله. إلّا أنّهم جميعًا قالوا: حدّثنا بقية بن الوليد، عن الأوزاعيّ كما عند ابن ماجه غير أنّ ابن أبي عاصم فإنّه صرّح بالتّحديث.
فلا أدري هل هذا الاختلاف وقع في الإسناد لأجل عدم اهتمامهم بصيغة التحديث ظنًّا منهم بأن كليهما من صيغ الأداء، أم حفظ ابن أبي عاصم عن شيخه محمد بن المصفّى التحديث، ولم يحفظه الفريابي.
ولكن بقي فيه تدليس ابن جريج، وشيخه أبي الزبير، فمن نظر إلى كثرة شواهده مشّاه، وإليه: يشير قول البوصيريّ في "الزوائد": "هذا إسناد ضعيف، فيه بقية بن الوليد وهو يدلس، وقد عنعنه". ثم قال: "لكن لم ينفرد ابن ماجه بإخراج هذا المتن. . . ". فذكر من شواهده حديث عمر ابن الخطّاب، وحديث حذيفة، وحديث ابن عمر وغيرهم.
قلت: وهي كلّها معلولة كما سبق.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن سهل بن سعد السّاعديّ مرفوعًا: "لكلّ أمّة مجوس، ولكلّ أمّة نصارى، ولكلّ أمّة يهود، وإنّ مجوس أمّتي القدريّة، ونصاراهم الخشبيّة، ويهودهم المرجئة".
رواه الطبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين - ٣٢٨٢) عن نصر بن حكم المروزيّ، ثنا علي بن حجر، ثنا يحيى بن سابق، ثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
ورواه اللالكائيّ في "أصول الاعتقاد" (١١٥٢) من وجه آخر عن يحيى بن سابق المدني، عن أبي حازم بإسناده، ولفظه: "لكلّ أمّة مجوس، ومجوس أمّتي القدرية، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم".
قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢٠٧): وفيه يحيى بن سابق - وهو ضعيف.
قلت: وهو كما قال، قال أبو حاتم: "ليس بقوي"، وقال ابن حبان:
стр. 711
"يروي الموضوعات عن الثّقات". كذا ذكره الذهبي في "الميزان" (٤/ ٣٧٧) ولم أجد ترجمته في "المجروحين".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "ما هلكت أمّة قطّ إلّا بالشِّرك باللَّه، وما كان بدؤ شركها إلّا بالتكذيب بالقدر".
رواه الطبراني في الصغير (٢/ ١٠٤) عن محمد بن زكريا البعلبكيّ أبي عبد اللَّه، حدّثنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتيّ، حدّثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن عمر بن يزيد النّصريّ، عن عمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز، عن يحيى بن القاسم بن عبد اللَّه بن عمرو، عن أبيه، عن جدّه، فذكره.
ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٢٢)، واللالكائيّ في "أصول الاعتقاد" (١١١٣، ١١١٤)، والفريابي في "القدر" (٢٤١) وعنه الآجري في الشريعة (٣٨٧) كلّهم عن محمد بن شعيب بن شابور، بإسناده، مثله. إلّا الفريابي فإنه رواه عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجر، بإسناده، مثله. ولكن روى عنه الآجري من وجه آخر عن محمد بن شعيب، قال: أخبرنا عمر بن يزيد الدّمشقيّ، مثل غيره، فلا أدري مَن الذي أخطأ في إسناد هذا الحديث عنده.
قال الطبرانيّ: "لم يروه عن عمر بن عبد العزيز إلّا عمرو بن المهاجر، ولا عن عمرو إلّا عمر ابن يزيد، تفرّد به محمد بن شعيب". انتهى.
وعلى هذا فالظّاهر أنّه وقع خطأ في كتاب الفريابيّ، لأنّ الطبرانيّ يقول: "تفرّد محمد بن شعيب بن شابور، عن عمر بن يزيد النّصريّ".
وإسناده ضعيف فإنّ يحيى بن القاسم وأبوه لا يعرفان، وإن كان أوردهما ابن حبان في "الثقات".
وفي الإسناد أيضًا عمر بن يزيد النّصريّ من أهل الشّام، قال ابن حبان في "المجروحين" (٦٤٤): "كان ممن يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به على الإطلاق، وإن اعتبر بما وافق الثقات فلا ضير". انتهى.
والحديث ذكره الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٠٤) وقال: "رواه الطّبراني في الكبير والصغير، وفيه عمر بن يزيد النّصريّ -من بني نصر- ضعّفه ابن حبان، وقال: "يعتبر به".
وقال الحافظ ابن القيم ﵀ في "تهذيب سنن أبي داود" (٧/ ٦١): "هذا الإسناد لا يحتجّ به".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "لعن اللَّه أهل القدر الذين يؤمنون بقدر، ويكذّبون بقدر".
رواه الفريابيّ في القدر (٢٥٧) عن إسحاق بن راهويه، حدّثنا بشير بن عمر الزّهرانيّ، حدّثنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، أنّه سمع أبا هريرة، فذكره.
стр. 712
ومن هذا الطريق رواه الآجريّ في الشريعة (٣٨٤).
ورواه الطبراني في "الأوسط" (مجمع البحرين - ٣٢٧٠) من وجه آخر عن ابن لهيعة، بإسناده، مثله.
قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٠٥): "وفيه ابن لهيعة، وهو ليّن الحديث".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عائشة مرفوعًا: "ستة لَعَنْتُهُم، لعنهم اللَّه وكلُّ نبيٍّ كان: الزّائد في كتاب اللَّه، والمكذِّب بقدر اللَّه، والمتسلِّط بالجبروت، ليعزّ بذلك من أذلَّ اللَّه، ويُذلّ من أعزَّ اللَّه، والمستحلّ لحرم اللَّه، والمستحلّ من عِتْرتي ما حرَّم اللَّه، والتّارك لسُنّتي".
رواه الترمذيّ (٢١٥٤) عن قتيبة، حدّثنا عبد الرحمن بن زيد بن أبي الموالي المزني، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمرة، عن عائشة، فذكرته.
اختلف على عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن موهب، هكذا رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٥٧٤٩)، عن قتيبة بن سعيد، والحاكم (١/ ٣٦) إلّا أنّه أدخل بين عبيد اللَّه بن موهب وبين عمرة "أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم".
وقال: "وقد احتجّ البخاريّ بعبد الرحمن بن أبي الموالي، وهذا حديث صحيح الإسناد، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه".
ثم رواه الحاكم (٤/ ٩٠) من وجه آخر عن إسحاق بن محمد الفرويّ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن عبيد اللَّه بن موهب، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، فذكرت مثله.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط البخاريّ".
وتعقبه الذّهبي فقال: "إسحاق وإن كان من شيوخ البخاري فإنه يأتي بطامّات. قال فيه النسائيّ: ليس بثقة، وقال أبو داود: واه، وتركه الدارقطني، وأما أبو حاتم فقال: صدوق، وعبد اللَّه لم يحتج به أحد، والحديث منكر بمرّة".
قلت: عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن موهب التيمي قال فيه النسائي: ليس بقوي، واعتمده الحافظ في التقريب، ثم اختلف عليه، فرواه سفيان، وحفص بن غياث، وغير واحد عنه، عن علي بن حسين، عن النّبيّ ﷺ مرسلًا. قاله الترمذيّ وقال: "وهذا أصح". يعني المرسل.
ومن طريق سفيان رواه الحاكم (٢/ ٥٢٥)، ولكنه زاد في الإسناد بعد علي بن حسين فقال: يحدّث عن أبيه، عن جده، عن رسول اللَّه ﷺ .
ثم ساقه من طريق إسحاق بن محمد الفرويّ، ثنا عبد الرحمن بن أبي موالي، عن عبيد اللَّه بن موهب، عن عمرة، عن عائشة، وقال: "هذا أولى بالصّواب من الإسناد الأوّل".
والحاصل أنّ هذا الحديث لا يصح مرفوعًا، وإنّما الصّحيح أنه مرسل، ومن صحَّح المرفوع لم
стр. 713
يتفطّن إلى العلّة الخفيّة، واللَّه أعلم.
والخلاصة أنّ الحديث رُوي بأسانيد كثيرة بعضها حسن بذاته، والبعض الآخر يتقوّى بكثرة شواهده، كما قال الشيخ الملا علي القاري في كتابه "الموضوعات الكبرى" (ص ٢١٣): "الحديث ضعيف غير أنّه بتعدّد طرقه يرقى إلى الحسن".
وأمّا معنى الحديث، فكما قال أبو سليمان الخطّابيّ: "إنّما جعلهم مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذاهب المجوس في قولهم بالأصلين، وهما: النور، والظّلمة. ويزعمون أنّ الخبر من فعل النّور، وأنّ الشرّ من فعل الظّلمة، فأقرّوا ثنويّة. وكذلك أهل القدر يضيفون الخير إلى اللَّه، والشّر إلى غيره، واللَّه خالق الخير والشّر". انتهى باختصار. انظر: "القضاء والقدر" للبيهقيّ (٢/ ٦ ٨١).
٨ - باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمّه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته
• عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: حدّثنا رسول اللَّه ﷺ -وهو الصّادق المصدوق قال: "إنّ أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مُضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عملَه، ورزقَه، وأجلَه، وشقي، أو سعيد، ثم ينفخُ فيه الرُّوح، فإنّ الرّجل منكم ليعمل حتّى ما يكون بينه وبين الجنّة إلّا ذراع فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النّار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النّار إلّا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في القدر (٦٥٩٤)، ومسلم في كتاب القدر (٢٦٤٣) كلاهما من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، قال عبد اللَّه، فذكره. واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه.
• عن عامر بن واثلة أنه سمع عبد اللَّه بن مسعود يقول: "الشّقيُّ مَنْ شَقِي في بطن أمِّه والسَّعيدُ مَن وُعِظ بغيره. فأتى رجلًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يقال له: حذيفةُ ابنُ أَسِيدٍ الغفاريُّ. فحدَّثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجلٌ بغير عمل؟ ! فقال له الرّجلُ: أتعجب من ذلك؟ فإنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا مرَّ بالنُّطْفة اثنتان وأربعون ليلة بعث اللَّه إليها ملكًا فصوَّرَهَا، وخَلَقَ سمعها وبصرها وجِلْدَها ولَحْمها وعِظامَها، ثم قال: يا ربّ أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربُّك ما شاء، ويكتبُ الملك. ثم يقول: يا ربِّ أجله؟ فيقول ربُّك ما شاء، ويكتب الملك. ثم يقول: يا ربِّ رزْقُه؟ فَيَقْضي ربُّك ما شاء، ويكتبُ الملكُ. ثم يخرج الملك بالصَّحيفة في يده فلا يزيدُ على ما أُمِر ولا يَنْقُص".
стр. 714
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٤٥) من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث وابن جريج، كلاهما عن أبي الزّبير، به، مثله.
وهو في "كتاب القدر" لابن وهب (٣١) من هذا الوجه، وعنده طرق أخرى.
• عن أنس، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه وكَّل بالرَّحم ملكًا يقول: يا ربّ نطفة، يا ربّ علقة، يا ربّ مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرّزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمِّه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في القدر (٦٥٩٥)، ومسلم في القدر (٢٦٤٦) كلاهما من حديث حمّاد بن زيد، حدّثنا عبيد اللَّه بن أبي بكر، عن أنس بن مالك، فذكره، ولفظهما سواء.
• عن حذيفة بن أسيد، يبلغ به النّبيَّ ﷺ قال: "يدخل الملك على النّطفة بعدما تستقر في الرَّحم بأربعين، أو خمسة وأربعين ليلة، فيقول: يا ربّ أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي ربّ! أذكر أو أنثى؟ فيكتبان. ويُكتب عملُه وأثرُه وأجلُه ورزقُه، ثم تُطْوى الصُّحُف، فلا يزاد فيها ولا ينقص".
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٤٤) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطّفيل، عن حذيفة بن أسيد، فذكره.
• عن عكرمة بن خالد، أنّ أبا الطّفيل حدّثه قال: دخلتُ على أبي سريحة حذيفة ابن أَسيد الغفاريّ فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ بأذنيَّ هاتين يقول: "إنّ النُّطفة تقع في الرَّحم أربعين ليلة، ثم يتصوّر عليها الملك". قال زهير: حسبتُه قال الذي يخلقها: "فيقول: يا ربّ أذكر أو أنثى؟ فجعله اللَّه ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا ربّ أسويٌّ أو غير سويٍّ؟ فيجعله اللَّه سويًّا أو غير سويٍّ. ثم يقول: يا ربّ ما رزقه؟ ما أجلُه؟ ما خلُقُه؟ ثم يجعله اللَّه شقيًّا أو سعيدًا".
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٤٥: ٤) عن محمد بن أحمد بن أبي خلف، حدّثنا يحيى بن أبي بكير، حدّثنا زهير أبو خيثمة، حدّثني عبد اللَّه بن عطاء، أنّ عكرمة بن خالد حدّثه، فذكره.
• عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أراد اللَّه أن يخلق النّسمة، قال ملك الأرحام فيها: يا ربّ أذكر أم أنثى؟ فيقضي اللَّه إليه أمره، ثم يقول: يا ربّ أشقي أم سعيد؟ ، فيقضي اللَّه إليه أمره، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النّكبة يُنكبها".
صحيح: رواه عبد اللَّه بن وهب في "كتاب القدر" (٣٠) ومن طريقه الفريابي في "القدر" (١٤٢)،
стр. 715
وابن حبان في "صحيحه" (٦١٧٨)، واللالكائي في "الاعتقاد" (١٠٥١) كلّهم من حديث يونس، عن الزّهريّ، أنّ عبد الرحمن بن هنيدة حدّثه، أن عبد اللَّه بن عمر قال (فذكره). وإسناده صحيح.
وأما قول البزّار -كشف الأستار (٢١٤٩) -: "لا نعلم رواه عن الزّهريّ، عن سالم، عن أبيه، إلّا صالح (ابن أبي الأخضر) ".
فمتعقّب برواية يونس عن الزّهريّ، كما رواه أيضًا جمعٌ من الرّواة، أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٨٢، ١٨٣، ١٨٤)، وغيره وقفه، فإن الذين رفعوه كثيرون وهم ثقات.
قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٩٣): "رواه أبو يعلى، والبزّار، ورجال أبي يعلى رجال الصّحيح".
• عن أبي ذرّ، أنّ النبيّ ﷺ قال: "إذا دخلتْ - يعني النّطفةُ في الرَّحِم أربعين ليلة، أتى ملكُ النّفس، فعرج إلى الرّب، فقال: يا ربّ عبدك أذكر أم أنثى؟ فيقضي اللَّه ما هو قاضٍ. ثم يقول: أي ربّ أشقي أم سعيد؟ فيكتب بين عينيه ما هو لاقٍ". قال: وتلا أبو ذرّ من فاتحة التّغابن خمس آيات.
حسن: رواه عبد اللَّه بن وهب في "القدر" (٣٦) قال: أخبرني عبد اللَّه بن لهيعة، عن بكر بن سوادة الجذاميّ، عن أبي تميم الجيشانيّ، عن أبي ذر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في ابن لهيعة غير أنه حسن الحديث إذا روى عنه أحد العبادلة منهم ابن وهب.
ورواه أيضًا الدّارميّ في الرّد على الجهميّة (٩٤) عن عمرو بن خالد الحرّانيّ، ثنا ابن لهيعة، بإسناده، مثله.
ولكن رواه ابن بطّة في "الإبانة" (١٤١٧) من طريق ابن وهب.
والفريابي في "القدر" (١٢٣) عن قتيبة بن سعيد - كلاهما عن ابن لهيعة بإسناده موقوفًا على أبي ذرّ.
فهل هذا الخلاف يعود إلى ابن لهيعة لأنه اختلط بعد احتراق كتبه أم وقع خطأ في رواية ابن بطّة، فإنّ كلَّ مَنْ رواه من طريق ابن وهب رفعه.
وقد أورده أيضًا الحافظ ابن القيم في "شفاء العليل" (١/ ١٠١) عن ابن وهب مرفوعًا، وهو المعتمد.
وفي الباب ما رُوي عن عائشة مرفوعًا: "إنّ اللَّه ﵎ حين يريد أن يخلق الخلق، يبعث ملكًا، فيدخل الرَّحم، فيقول: يا ربّ ماذا؟ فيقول: غلام أو جارية، أو ما شاء اللَّه أن يخلق في الرّحم. فيقول: أي ربّ أشقي أم سعيد؟ فيقول: شقي أو سعيد، فيقول: يا ربّ، ما أجله ما خلائقُه؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: يا ربّ ما رزقه؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: ما خُلُقه ما خلائقُه؟ فما من شيء إلّا وهو يخلق معه في الرّحم".
стр. 716
رواه البزّار -كشف الأستار (٢١٥١) - عن محمد بن المثنى، ثنا أبو عامر، ثنا الزبير بن عبد اللَّه، حدّثني جعفر بن مصعب، قال: سمعت عروة بن الزبير، يحدّث عن عائشة، فذكرتْ مثله.
ورواه اللالكائيّ في "أصول الاعتقاد" (١٠٥٣) من وجه آخر عن أبي عامر بإسناده، مثله.
وفيه جعفر بن مصعب وهو ابن الزبير بن العوّام لم يرو عنه إلّا الزّبير بن عبد اللَّه كما ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ١٣٣) فهو "مجهول". ولذا قال فيه الذهبي في الميزان (١/ ٤١٧): "لا يُدرى من هو؟ " أي لا يدرى حاله، وتساهل فيه الحافظ الهيثمي فقال في "المجمع" (٧/ ١٩٣): "رواه البزّار، ورجاله ثقات". اعتمادًا على توثيق ابن حبان له.
الرّاوي عنه الزبير بن عبد اللَّه هو ابن رهيمة الأمويّ، روى عنه العقديّ وابن المبارك. وقال فيه أبو حاتم: صالح الحديث. وأدخله ابن حبان في "ثقاته" (٦/ ٣٣٢) فهو صالح الحديث، ويُقبل في المتابعات، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول".
وفي الباب أيضًا عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، رواه ابن وهب في القدر (٤٥)، وعنه ابن بطّة في الإبانة (١٤١٨).
ورواه الفريابي في القدر (١٤٦) عن سعيد بن أبي مريم - كلاهما (أعني ابن وهب وابن أبي مريم) عن ابن لهيعة، عن كعب بن علقمة، عن عيسى بن هلال، عن عبد اللَّه بن عمرو، موقوفًا عليه. وإسناده حسن غير أنه موقوف.
ورُوي أيضًا عن جابر مرفوعًا. رواه أحمد (١٥٢٦٩) عن أحمد بن عبد الملك، حدّثنا الخطّاب ابن القاسم، عن خُصيف، عن أبي الزّبير، عن جابر، فذكره.
ورواه الفريابي في القدر (١٤٣)، وابن بطّة في الإبانة (١٤٠٥) كلاهما من طريق خصيف، عن أبي الزبير به.
وخُصيف -بالتّصغير- وهو ابن عبد الرحمن الجزريّ، أبو عون أكثر أهل العلم على تضعيفه. قال ابن حبان: كان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا إلّا أنّه كان يخطئ كثيرًا فيما يروي، فيتفرّد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في روايته".
٩ - باب ما جاء في قول النبيّ ﷺ : "الشّقي من شقي في بطن أمِّه، والسّعيد من سعد في بطن أمِّه "
• عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "الشّقي من شقي في بطن أمِّه، والسّعيد من سَعِد في بطنها".
صحيح: رواه البزّار -كشف الأستار (٢١٥٠) - واللالكائيّ في "الاعتقاد" (١٠٥٤ - ١٠٥٧)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٣١٢) كلّهم من طرق عن عبد الرحمن بن المبارك
стр. 717
البصريّ، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح.
وعزاه الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٩٣) إلى البزّار، والطّبرانيّ في "الصّغير" وقال: "رجال البزّار رجال الصّحيح".
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الشّقي من شقي في بطن أمِّه".
حسن: رواه ابن أبي عاصم في السنة (١٨٨) عن المسيب بن واضح، ثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن الأوزاعيّ، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد اللَّه بن الديلميّ، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في المسيب بن واضح، فقد ضعّفه الدّارقطنيّ. وقال أبو حاتم: صدوق يخطئ كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل.
ولكن كان النّسائيّ حسن الرّأي فيه ويقول: "النّاس يؤذوننا فيه".
وترجمه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٣٨٣)، وذكر له عدّة أحاديث أخطأ فيها المسيب بن واضح، ولم يذكر حديث الباب وقال: "له حديث كثير عن شيوخه، وعامّة ما خالف فيه النّاس هو ما ذكرنه لا يتعمّده، بل كان يشبّه عليه، وهو لا بأس به".
قلت: وبناء على قول ابن عدي فلا بأس من قبول حديث الباب؛ لأنّ له شواهد باللّفظ والمعنى، وإلّا فهو ضعيف لسوء حفظه كما مضى في مواضع، وكما سيأتي في مواضع أيضًا.
وقد جاء هذا الحديث عن ابن مسعود موقوفًا، رواه شعبة عن أبي إسحاق الهمداني وسلمة بن كهيل، أنّهما سمعا أبا الأحوص الجشميّ يقول: كان عبد اللَّه بن مسعود يقول: الشّقي من شقي في بطن أمِّه، وإنّ السّعيد من وُعظ بغيره.
رواه الفريابي في "القدر" (١٣٠)، وابن بطّة في الإبانة (١٤٢٠) كلاهما من حديث المعتمر بن سليمان، عن شعبة، بإسناده، مثله.
وإسناده صحيح، فإنّ شعبة كفانا تدليس أبي إسحاق. وتابعه معمر عن أبي إسحاق في حديث طويل، وفيه هذا الجزء الموقوف على عبد اللَّه بن مسعود. رواه عبد الرزاق (٢٠٠٧٦) عن معمر بإسناده.
ولكن رواه موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، بإسناده فرفعه.
رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٧٨)، وأظنه هذا ممّا أخطأ فيه أبو إسحاق، فرواه مرّة موقوفًا، وأخرى مرفوعًا، والمحفوظ هو الموقوف على ابن مسعود.
ورواه مسلم في "القدر" (٢٦٤٥) من وجه آخر عن واثلة بن الأسقع، أنّه سمع عبد اللَّه بن مسعود يقول (فذكر الحديث).
هكذا موقوفًا عليه، ثم ذكر بقية الحديث مرفوعًا إلى رسول اللَّه ﷺ .
стр. 718
فالذي يظهر أن عبد اللَّه بن مسعود كان يروي هذا الجزء من الحديث موقوفًا، ولكن له حكم الرفع؛ لأنه يذكر بعده كيفية خلق الآدمي في بطن أمّه كما في صحيح مسلم، ومنهم من اقتصر على هذا الجزء.
وفي الباب أيضًا عن عقبة بن عامر الجهنيّ، قال: كنّا مع النبيّ ﷺ في غزوة تبوك، فنام عن الصّح حتّ طلعت الشّمس، فقام رسول اللَّه ﷺ فصلّاها، ثم مضى بقية يومه وليلته، فأصبح بتبوك فخطبنا فكان في خطبته: "الشّقيُّ من شقي في بطن أمّه، والسّعيد من وُعظ بغيره".
رواه اللالكائيّ في "أصول الاعتقاد" (١٠٥٨) من طريق عبد العزيز بن عمران، قال: عبد اللَّه بن مصعب بن جميل بن منظور، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، فذكره.
وعبد العزيز بن عمران تكلم فيه أهل العلم منهم: ابن معين، والبخاريّ، والنسائيّ، وابن حبان، وأبو حاتم، والدّارقطنيّ وغيرهم. وفي التقريب: "متروك، احترقتْ كتبه، فحدَّث من حفظه، فاشتدَّ غلطه، وكان عارفًا بالأنساب".
وعن ابن عمر مرفوعًا: "الشّقي من شقي في بطْن أمِّه".
رواه الخطيب في تاريخه (٥/ ٣٥٠) من طريق محمد بن شجاع الثّلجيّ أبي عبد اللَّه، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا شريك، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ومحمّد بن شجاع البغداديّ القاضي الثَّلْجيّ رُمي بالوضع، قال ابن عدي: "كان يضع الحديث في التشبيه، وينسبه إلى أصحاب الحديث ليثَلِّبهم به. . .، فلا يجب أن يشتغل به، لأنّه ليس من أهل الرّواية، حمله التّعصب على أن يضع أحاديث يُثلب أهل الأثر بذلك". "الكامل" (٦/ ٢٢٩٢ - ٢٢٩٣)، ونقل الخطيب في تاريخه عن أحمد والسّاجي وأبي الفتح تضعيفهم له.
١٠ - باب ما جاء في كتابة مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما قضى اللَّه الخلق، كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش، إنّ رحمتي غلبتْ غضبي".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣١٩٤)، ومسلم في التوبة (٢٧٥١) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا المغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عمران بن حصين، قال: دخلتُ على رسول اللَّه ﷺ (فذكر الحديث) وقال فيه: قالوا: إنّا جئناك نسألك عن هذا الأمر؟ قال: "كان اللَّه ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذِّكر كلّ شيء، وخلق السماوات والأرض".
صحيح: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣١٩١) عن عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا جامع بن شدّاد، عن صفوان بن محرز، أنّه حدّثه عن عمران بن حُصين،
стр. 719
فذكر الحديث.
وذُكر الحديث كاملًا في الإيمان باللَّه "كان اللَّه ولم يكن قبله شيء، وكان عرشه على الماء".
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "كتب اللَّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء".
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٣) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن سرْح، حدّثنا ابن وهب، أخبرني أبو هانئ الخولانيّ، عن أبي عبد الرحمن الحبُليّ، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكره.
• عن النّعمان بن بشير، عن النّبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه كتب كتابًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليالٍ فيقربها شيطان".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٨٨٢) عن محمد بن بشّار، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الجرمي، عن النّعمان بن بشير، عن النّبيّ ﷺ ، فذكره.
وصحّحه ابن حبان (٧٨٢)، والحاكم (١/ ٥٦٢، ٢/ ٢٦٠) كلاهما من طريق حماد بن سلمة، بإسناده، مثله، إلا أنّ ابن حبان لم يذكر كتابة المقادير قبل خلق السماوات والأرض بألفي عام.
قال الحاكم في الموضع الأوّل: "صحيح الإسناد".
وقال في الموضع الثاني: "صحيح على شرط مسلم".
وفي الموضع الثاني وقع الوهم منه ﵀، فإنّ أشعث بن عبد الرحمن الجرمي ليس من رجال مسلم، وإنّما روى له أبو داود، والترمذيّ، والنّسائيّ، وهو "صدوق". كما قال الحافظ في التقريب.
وقال الترمذيّ: "حسن غريب".
قلت: وهو كما قال، فإنّ إسناده حسن من أجل أشعث بن عبد الرحمن الجرميّ.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٨٤١٤)، والفريابيّ في القدر (٨٨)، والدّارميّ في السنن (٣٤٣٠) وغيرهم.
ولكن رواه الطبرانيّ في الكبير (٧١٤٦) من هذا الطريق وجعله من رواية أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن شدّاد بن أوس، عن رسول اللَّه ﷺ ، فذكر مثله.
وهذا الحديث يخالف ما ثبت في صحيح مسلم: "بخمسين ألف سنة". ولا يمكن الجمع بينهما إلّا بتكلّف؛ ولذا قال البغويّ في "شرحه" (١٢٠١): "غريب".
стр. 720
وهو كما قال؛ فإن الذي في الصحيح هو الأصح.
١١ - باب ما جاء في أمر قد فُرغ منه، وكلٌّ مُيسَّر لما خُلق له
• عن علي قال: كنّا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النّبيُّ ﷺ فقعد، وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكّس فجعل ينكتُ بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلّا كُتب مكانُها من الجنّة والنّار، وإلّا قد كُتبتْ شقية أو سعيدة". فقال رجل: يا رسول اللَّه أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فَمَنْ كان منّا من أهل السّعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأمّا مَنْ كان مِنّا من أهل الشّقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشّقاوة؟ قال: "أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل السّعادة، وأمّا أهلُ الشّقاوة فيُيَسَّرون لعمل الشّقاوة". ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآية [سورة الليل: ٥].
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٦٢)، ومسلم في القدر (٢٦٤٧) كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ، فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه.
وفي رواية عندهما: "اعملوا كلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلق له".
وقوله: "مِخْصرة" أي عصا خفيفة.
وقوله: "نفس منفوسة" أي مولودة.
• عن عمران بن حُصين، قال: قال رجلٌ: يا رسول اللَّه: أيُعرف أهل الجنّة من أهل النّار؟ قال: "نعم". قال: فلِمَ يعمل العاملون؟ قال: "كلٌّ يعمل لما خُلق له، أو لما يُيَسَّرُ له".
متفق عليه: رواه البخاريّ في القدر (٦٥٩٦)، ومسلم في القدر (٢٦٤٩)، كلاهما من حديث شعبة، عن يزيد الرِّشك، قال: سمعت مطرّف بن عبد اللَّه بن الشّخِّير يحدِّثُ عن عمران بن حصين، فذكره، ولفظهما سواء.
وأمّا ما رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٢٢٦) من طريق مؤمّل بن إسماعيل، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طلق بن حبيب، عن بشير بن كعب العدويّ، عن عمران بن حصين، قال: قام شابّان إلى رسول اللَّه ﷺ فقالا: يا رسول اللَّه، أرأيتَ ما يعمل النّاسُ فيه، فيكدحون فيه في أمر قد جرتْ به المقادير، وجفّتْ به الأقلام، أم أمر يستأنفونه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "في أمر جرتْ به المقادير، وجفّتْ به الأقلام" فقالا: يا رسول اللَّه، ففيمَ العمل؟ فقال: "اعملوا فكلٌّ مُيسَّر لما خُلق له". فقالا: الآن نجدُّ العمل.
فالصّواب أنّه مرسل؛ لأنّ مؤمّل بن إسماعيل صدوق سيء الحفظ، وقد خالفه قتيبة بن سعيد
стр. 721
وهو إمام حافظ، فرواه من طريق بشير بن كعب العدويّ مرسلًا.
رواه الفريابي في "القدر" (١٠١)، وابن بطّة في الإبانة (١٣٥٨) من طريق قتيبة بن سعيد، عن سفيان، بإسناده.
• عن جابر بن عبد اللَّه، قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، قال: يا رسول اللَّه، بيّن لنا ديننا كأنّا خُلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جفَّتْ به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: "لا، بل فيما جفَّتْ به الأقلام، وجرتْ به المقادير". قال: ففيمَ العمل؟ - قال زهير: ثم تكلَّم أبو الزّبير بشيءٍ لم أفهمه، فسألتُ ما قال؟ فقال: "اعملوا فكلٌّ مُيسَّر".
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٤٨) من طرق عن زهير أبي خيثمة، عن أبي الزّبير، عن جابر، فذكره.
وفي رواية عنه: "كلّ عامل مُيسَّر لعمله".
والذي رواه ابن ماجه (٩١) عن هشام بن عمّار، قال: حدّثنا عطاء بن مسلم الخفّاف، قال: حدّثنا الأعمش، عن مجاهد، عن سراقة بن جُعشم، قال: قلت: يا رسول اللَّه، العمل فيما جفَّ به القلم، وجرتْ به المقادير، أم في أمر مستقبل؟ قال: بل فيما جفَّ به القلم، وجرتْ به المقادير، وكلٌّ ميسَّر لما خلق له". ففيه عطاء بن مسلم الخفاف ضعّفه غير واحد من أهل العلم، ومجاهد لم يسمع من سراقة، قاله البوصيريّ في "الزّوائد".
• عن أبي الأسود الدّيليّ، قال: قال لي عِمران بن الحصين: أرأيتَ ما يعمل النّاسُ اليوم ويكدحون فيه أشيء فضي عليهم ومضى عليهم منْ قَدَرِ ما سَبَقَ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيُّهم وثَبتَتِ الحُجَّةُ عليهم؟ فقلت: بلْ شيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظُلْمًا؟ قال: ففزعتُ من ذلك فزعًا شديدًا، وقلتُ: كلّ شيءٍ خَلْقُ اللَّهِ ومِلْكُ يده فلا يُسألُ عمَّا يفعل وهم يُسْألون. فقال لي: يرحمك اللَّه، إنّي لَمْ أُرِدْ بما سألتك إلّا لأَحْزِر عَقْلَكَ. إنّ رجلين من مُزينة أتيا رسول اللَّه ﷺ فقالا: يا رسول اللَّه، أرأيت ما يعمل النّاس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: "لا بلْ شيء قُضي عليهم ومضى فيهم"، وتصديق ذلك في كتاب اللَّه : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس: ٧ - ٨].
صحيح: رواه مسلمٌ في القدر (٢٦٥٠) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، حدّثنا عثمان بن عمر،
стр. 722
حدّثنا عزْرة بن ثابت، عن يحيى بن عُقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدِّيليّ، قال (فذكره).
• وعن أبي الدّرداء، قال: قالوا: يا رسول اللَّه، أرأيتَ ما نعملُ، أمرٌ قد فُرغ منه، أم شيءٌ نسْتأنفه؟ قال: "بل أمر قد فُرِغ منه". قالوا: فكيف بالعمل يا رسول اللَّه؟ قال: "كلُّ امرئ مهيَّأٌ لما خُلق له".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٤٨٧) عن هيثم، -قال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: وسمعته أنا من هيثم-، قال: أخبرنا أبو الرّبيع، عن يونس، عن أبي إدريس، عن أبي الدّرداء، فذكره.
وهيثم هو ابن خارجة صدوق، وقد تُوبع أيضًا.
وأبو الرّبيع هو سليمان بن عتبة الدّمشقيّ، مختلف فيه، فقال الإمام أحمد: لا أعرفه، وقال يحيى بن معين: لا شيء.
ووثّقه دُحيم، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وهو محمود عند الدّمشقيين. وكان الهيثم بن خارجة، وهشام بن عمّار يوثقانه، وذكره ابن حبان في "الثقات" فهو لا ينزل عن درجة "صدوق"، وكذا قال فيه الحافظ أيضًا وزاد: "له غرائب".
وأخرجه الفريابيّ في القدر (٣٨)، والبزّار -كشف الأستار (٢١٣٨) -، والحاكم (٢/ ٤٦٢)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٢٣١) كلّهم من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدّمشقيّ، عن أبي الرّبيع، به، وهذا لفظ الفريابيّ:
عن أبي الدّرداء، عن رسول اللَّه ﷺ أنّه قيل له: أرأيتَ ما نعملُ أشيءٌ قد فُرغ منه، أم شيء نستأنفه، قال: "كلُّ امرئٍ مهيَّأ لما خلقَ له". ثم أقبل يونس علي سعيد بن عبد العزيز، فقال له: إنّ تصديق هذا الحديث في كتاب اللَّه ، فقال له سعيد: أَبِنْ لي يا حلبس، قال: أما تسمع اللَّه يقول في كتابه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً. . .﴾ [سورة الحجرات: ٧ - ٨] أرأيتَ يا سعيد، لو أنّ هؤلاء أهملوا كما يقول الأخابث، أين كانوا يذهبون حيث حبّب إليهم وزيّن لهم، أم حيث كُرِّه إليهم وبُغض إليهم". ولفظهما مختصر.
قال البزّار: "إسناده حسن". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذّهبيّ فقال: "بل قال ابن معين: سليمان بن عتبة لا شيء". قلت: وقد وثّقه غيره.
ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٢٤٦) عن هشام بن عمّار، ثنا سليمان بن عنبة، بإسناده، ولفظه: "إنّ العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه".
ورواه أيضًا أحمد (٢٧٤٩٠) عن هيثم، قال: حدّثنا أبو الربيع بإسناده، مثله.
• عن عمر أنّه سأل رسول اللَّه ﷺ مرجعه من بدر، فقال: "أنعمل لأمر قد فُرغ منه أم لأمر نأتنفُه؟ فقال: "لأمر قد فُرغ منه". قال: ففيمَ العمل إذا؟ فقال رسول اللَّه
стр. 723
- ﷺ : "كلٌّ مُيسَّرٌ لما كُتب له وعليه".
حسن: رواه ابن وهب في القدر (١٩)، وعنه ابنُ بطّة في الإبانة (١٣٥٣) عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أنّ عمر بن الخطّاب سأل رسول اللَّه ﷺ ، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد -وهو الليثيّ- مختلف فيه غير أنّه حسن الحديث، وقد أخرج له مسلم.
وللحديث طرق غير أنّ ما ذكرته هو أصحُّها، وقد يأتي بعض طرقه مع بيان تعليلها. ومن هذه الطّرق ما رواه الترمذيّ من وجهين - الوجه الأوّل (٢١٣٥): من طريق شعبة، عن عاصم بن عبيد اللَّه، عن سالم بن عبد اللَّه، يحدِّث عن أبيه، قال: قال عمر: يا رسول اللَّه، أرأيتَ ما نعمل فيه أمر مبتدع أو مبتدأ، أو فيما قد فُرغ منه؟ فقال: "فيما قد فُرغ منه يا ابن الخطّاب، وكلٌّ ميَسَّر، أمّا من كان من أهل السّعادة فإنّه يعمل للسّعادة، وأمّا من كان من أهل الشّقاء فإنّه يعمل للشّقاء".
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (١٩٦)، والبزّار (١٢١).
وعاصم بن عبد اللَّه أهل العلم مطبقون على تضعيفه.
وأما قول الترمذيّ: "حسن صحيح" فهو تساهل منه، أو لعلّه يقصد به الحديث لا الإسناد.
والوجه الثاني هو ما رواه أيضًا الترمذيّ (٣١١١) من طريق سليمان بن سفيان، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطّاب، قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [سورة هود: ١٠٥] سألتُ رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا نبي اللَّه، فعلى ما نعمل؟ على شيء قد فُرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: "بل على شيء قد فُرغ منه، وجرتْ به الأقلام يا عمر، ولكن كلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلق له".
ومن هذا الطّريق رواه أيضًا ابن أبي عاصم في السنة (١٧٠).
وسليمان بن سفيان هو التيميّ مولاهم أبو سفيان المدني "ضعيف".
• عن ذي اللّحية الكلابيّ أنّه قال: يا رسول اللَّه، أنعملُ في أمرٍ مستأنف، أو أمر قد فُرغ منه؟ قال: "لا بل في أمر قد فُرغ منه". قال: ففيمَ نعمل؟ قال: "اعملوا فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلق له".
حسن: رواه عبد اللَّه بن أحمد في مسند أبيه (١٦٦٣٠) عن يحيى بن معين، قال: حدّثنا أبو عبيدة -يعني الحداد-، قال: حدّثنا عبد العزيز بن مسلم، عن يزيد بن أبي منصور، عن ذي اللّحية الكلابي، فذكره.
ومن هذا الطّريق رواه الطّبرانيّ في "الكبير" (٤٢٣٦).
قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٩٤): "رواه ابن أحمد، والطبرانيّ، ورجاله ثقات".
стр. 724
قلت: وهو كما قال، غير أن يزيد بن أبي منصور ليس في مرتبة الثقة، وإنّما هو صدوق، قال فيه أبو حاتم: ليس به بأس، وقال الذّهبيّ: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٤٨)، واعتمد الحافظ قول أبي حاتم فقال: "لا بأس به".
وللحديث إسناد آخر يدور عليه.
رواه عبد اللَّه بن أحمد في مسند أبيه (١٦٦٣١) من وجه آخر قال: حدّثنا أبو عبد اللَّه البصريّ، حدّثنا سهل بن أسلم العدويّ، قال: حدّثنا يزيد بن أبي منصور، بإسناده، مثله.
إلّا أنّ شيخه ابا عبد اللَّه البصريّ مولى ابن سمرة واسمه: ميمون، وقيل اسم أبيه: أستاذ، ضعّفه أهلُ العلم، وأطلق عليه الحافظ لفظ "ضعيف". ولكنّه توبع في الإسناد الأوّل.
وفي الباب عن أبي بكر الصّديق، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أنعملُ على ما قد فُرغ منه، أم على أمر مؤتنف؟ قال: "بل على أمر قد فُرغ منه". قلت: ففيمَ العمل يا رسول اللَّه؟ قال: "كلٌّ مُيسَّرٌ لما خلق له".
رواه الإمام أحمد (١٩)، والبزّار -كشف الأستار (٢١٣٦) -، والطبرانيّ في "الكبير" (٤٧)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٧٢٧) كلّهم من طريق العُطّاف بن خالد، عن طلحة بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، عن جدّه، أنّه سمع أبا بكر الصّدِّيق يقول (فذكر الحديث).
إلّا أنّ أحمد جعل بين العُطّاف بن خالد وبين طلحة بن عبد اللَّه "رجلًا من أهل البصرة".
والعُطّاف بن خالد مختلف فيه، فضعّفه النسائيُّ وابنُ حبان، ومشَّاه الآخرون، منهم: أحمد، وابنه عبد اللَّه، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو داود، وغيرهم، فهو حسن الحديث.
ولكن شيخه طلحة بن عبد اللَّه لم يوثقه أحد، وإنّما ذكره ابنُ حبان في "الثقات" (٤/ ٣٩٢) وقال: "روى عنه عثمان بن أبي سليمان، وابنه محمد بن طلحة. ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول". أي إذا توبع وإلّا فليّن الحديث.
وأمّا الهيثميّ فاعتمد على توثيق ابن حبان، فقال في "مجمعه" (٧/ ١٩٤): "رواه أحمد، والبزّار، والطّبرانيّ وقال: عن عُطّاف بن خالد، حدّثني طلحة بن عبد اللَّه. وعُطّاف وثّقه ابن معين وجماعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات إلّا أنّ في رجال أحمد رجلًا مبهمًا لم يُسمَّ" انتهى.
وقال البيهقيّ: "ورُوي عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي بكر الصّديق من قوله في معناه".
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس، قال: قال رجل: يا رسول اللَّه، أنعمل فيما جرتْ به المقادير، وجفَّ القلم، أو شيء نأتنفه؟ قال: "بل لما جرتْ به المقادير وجفّ به القلم". قال: ففيمَ العمل؟ قال: "اعمل، فكلٌّ مُيَسَّرٌ".
رواه الطّبرانيّ في "الكبير" (١٠٨٩) عن عبدان بن أحمد، ثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبيد بن عقيل، ثنا إبراهيم بن سليمان الدبَّاس، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عمرو بن دينار، عن
стр. 725
طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل إبراهيم بن سليمان الدّبّاس وهو بصريٌّ، ذكره ابنُ حبان في الثقات (٨/ ٦٩).
ويقال له أيضًا إبراهيم بن سليمان الزيات، ذكره أيضًا ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٦٥) وقال: "من أهل الكوفة، سكن البصرة، روى عنه إبراهيم بن راشد الآدميّ، وأهل العراق". هكذا فرّق بينهما ابن حبان، فإن كان هو إبراهيم بن سليمان الزّيّات، فقد تكلّم فيه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٦٤) فقال: "ليس بالقوي". وترجمة الحافظ في اللسان (١/ ٦٥).
وفي الإسناد رجال لا أعرفهم.
ورواه البزّار -كشف الأستار (٢١٣٩) - من وجه آخر عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: كتب ليث إلى سليمان بن طرخان: حدّثني حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه. إلّا أنّه قال في آخره: "فقال القومُ بعضهم لبعض: فالجِدُّ إذًا".
قال البزّار: لا نعلم رواه عن حبيب إلّا ليث، ولا عنه إلّا سليمان. وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٩٥): "رواه الطبرانيّ، والبزّار بنحوه، إلّا أنّه قال في آخره: "فقال القوم بعضهم لبعض: فالجدّ إذا". ورجال الطّبرانيّ ثقات، تبعًا لابن حبان.
١٢ - باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عمّا سبق به القدر
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [سورة فاطر: ١١].
قال الزّهريّ: "فنرى أنّه إذا حضر أجلُه، فلا يؤخَّرُ ساعةً ولا يقدّم. وما لم يحضر أجلُه فإنّ اللَّه يؤخِّر ما شاء ويقدِّم ما شاء". انظر: "القدر" (٤٤٢) للفريابي.
• عن أمِّ حبيبة زوج النّبيّ ﷺ قالت: اللهمّ أمتعني بزوجي رسول اللَّه ﷺ ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية. فقال النبيُّ ﷺ : "قد سألتِ اللَّه لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة. لن يُعجّل شيئًا قبل حلِّه، أو يؤخّر شيئًا عن حِلّه. ولو كنتِ سألتِ اللَّه أن يُعيذكِ من عذاب النّار، أو عذاب القبر كان خيرًا وأفضل".
وفي رواية: "وآثار موطوءة" بدلًا من "أيام معدودة".
فقال رجل: يا رسول اللَّه، القردة والخنازير هي مما مُسِخ؟ فقال النّبيّ ﷺ : "إنّ اللَّه لم يُهلك قومًا أو يعذِّب قومًا، فيجعل لهم نسلًا، وإنّ القردة والخنازير كانوا قبل ذلك".
стр. 726
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٦٣) من طرق عن وكيع، عن مسعر، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد اللَّه اليشكريّ، عن المعرور بن سويد، عن عبد اللَّه، قال: قالت أمّ حبيبة، فذكرته.
والرّواية الثانية عنده أيضًا من وجه آخر عن الثوريّ، عن علقمة بن مرثد بإسناده مثله إلّا قوله: "وآثار موطوءة".
• عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيُّها النّاس اتّقوا اللَّه، وأجملوا في الطّلب، فإنّ نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها. فاتقوا اللَّه، وأجملوا في الطلب، خذوا ما حلّ، ودعوا ما حُرِّمَ".
حسن: رواه ابن ماجه (٢١٤٤) عن محمد بن المصفّي الحمصيّ، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
وفي الإسناد الوليد بن مسلم وشيخه ابن جريج، وشيخه أبو الزبير كلّهم مدلِّسون وقد عنعنوا.
ومن هذا الوجه رواه ابن أبي عاصم في السنة (٤٢٠)، ولكن باللّفظ الذي بعده.
وللحديث طريق آخر أجود منه، والعمدة عليه، وهو ما رواه ابن حبان (٣٢٣٩، ٣٢٤١)، والحاكم (٢/ ٤)، والبيهقيّ (٥/ ٢٦٤) كلّهم من وجه آخر عن عبد اللَّه بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا: "لا تستبطئوا الرِّزقَ، فإنّه لن يموت العبد حتى يبلغه آخر رزق هو له، فأجْملوا في الطّلب، أخذ الحلال، وترك الحرام".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: وهو كذلك مع اختلاف في سعيد بن أبي هلال غير أنه حسن الحديث، وثقه ابن سعد، والعجلي، وابن خزيمة، والدارقطني وغيرهم. إلّا أنه روي عن أحمد أنه اختلط.
وأمّا ما رُوي عن جابر مرفوعًا: "لو أنّ ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقُه كما يدركه الموت". فهو ضعيف.
رواه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٩٠) عن سليمان بن أحمد، ثنا يحيى بن عبد الباقي، ثنا المسيب بن واضح، ثنا يوسف بن أسباط، ثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، فذكر مثله.
قال أبو نعيم: "تفرّد به عن الثوريّ يوسفُ بنُ أسباط". انتهى.
قلت: يوسف بن أسباط هو ابن واصل أبو محمد الشّيبانيّ، قال البخاريّ: "دفن كتبه، وكان لا يجيء حديثه بعدُ كما ينبغي". وقال ابن عدي: "يوسف عندي من أهل الصّدق، إلّا أنه عدم كتبه كان يحمل على حفظه، فيغلط، ويشبَّه عليه لا أنّه يتعمّد الكذب".
والرّاوي عنه المسيب بن واضح السّلميّ الحمصيّ، قال فيه أبو حاتم: "صدوق يخطئ كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل". وقال الدارقطني: "ضعيف". وضعّفه في أماكن من سننه. انظر: "الميزان" (٤/ ١١٦).
стр. 727
• عن أبي حميد السّاعديّ، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أجملوا في طلب الدّنيا، فإنّ كلًّا مُيَسَّرٌ لما كُتب له منها".
صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٣) -وعنه البيهقيّ (٥/ ٢٦٤) - من حديث عبد اللَّه بن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، قال: حدّثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد، عن أبي حميد الساعديّ، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا البيهقيّ في كتاب القضاء والقدر (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١). وإسناده صحيح.
وصحّحه الحاكم وقال: "على شرط الشيخين".
وعبد الملك بن سعيد لم يخرِّج له البخاريّ، وإنّما أخرج له مسلم فقط، فهو على شرط مسلم.
ورواه ابن ماجه (٢١٤٢)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٤١٨) كلاهما عن هشام بن عمّار، قال: حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، بإسناده، مثله.
وإسماعيل بن عياش يضعّف في روايته عن غير الشّاميين، وهذا منها؛ لأنّ عمارة بن غزية مدني، فالظّاهر أنه لم يخطئُ في هذه الرّواية، ولمتابعته له في الإسناد الأوّل.
• وعن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يُعدي شيءٌ شيئًا، لا يعدي شيءٌ شيئًا" ثلاثًا. قال: فقام أعرابيٌّ فقال: يا رسول اللَّه، إنّ النُّقْبةَ تكون بمشْفر البعير، أو بعَجْبه فتشْتملُ الإبلَ جَرَبًا، قال: فسكتَ ساعةً، ثم قال: "ما أعدى الأوّلَ؟ لا عدْوى، ولا صَفَر، ولا هامَةَ. خلق اللَّه كلَّ نفس، فكتب حياتَها، وموتَها، ومُصيباتها، ورزْقها".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٨٣٤٣) عن هاشم، حدّثنا محمد بن طلحة، عن ابن شُبْرمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه أبو يعلى (٦١١٢)، والفريابي في القدر (٢١٤)، وصحّحه ابن حبان (٦١١٩) كلّهم من طريق عبد اللَّه بن شبرمة، بإسناده، نحوه.
وعبد اللَّه بن شبرمة أبو شبرمة الكوفيّ القاضيّ، فقيه أهل الكوفة، عداده في التابعين، ثقة من رجال مسلم وغيره، روي عن أبي زرعة بن عمرو وغيره، وعنه محمد بن طلحة بن مصرف وغيره.
والذي في "السنة" (٤١٩) لابن أبي عاصم من طريق الوليد بن مسلم، عن رجل من آل شبرمة، عن أبيه، عن أبي زرعة، بإسناده.
أخشى أن يكون فيه خطأ في قوله "عن أبيه" إن كان الرجل من آل شبرمة هو عبد اللَّه بن شبرمة فإنّ الحديث لعبد اللَّه بن شبرمة، وليس لولده.
стр. 728
وللحديث إسناد آخر رواه الترمذيّ (٢١٤٣) من طريق عمارة بن القعقاع، حدّثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، قال: حدّثنا صاحب لنا، عن ابن مسعود، قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ فقال. . . فذكره.
ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٤١٩٨) فالذي يظهر أن أبا زرعة كان يروي هذا الحديث من وجهين: مرّة عن أبي هريرة، وأخرى عن أبي هريرة، عن ابن مسعود؛ لأنّ المبهم في هذا الإسناد هو أبو هريرة بدون شكّ.
والحديث صحيح من كلا الوجهين.
قوله: "النُّقبة" هي أوّل شيء يظهر من الجرب.
وقوله: "بمِشْفر" المِشْفر: هو للبعير كالشّفة للإنسان.
وقوله: "بعَجْبه" العجب: أصلُ الذّنب.
• عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فرغ اللَّه إلى كلّ عبد من خمس: من رزقه، وأجله، وعمله، وأثره، ومضجعه".
حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٦١٥٠) عن الحسين بن عبد اللَّه القطّان بالرّقة، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، قال: حدّثنا الوزير بن صبيح، قال: حدّثنا يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أمّ الدّرداء، عن أبي الدّرداء، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الوزير بن صبيح فإنّه حسن الحديث قال أبو حاتم "صالح الحديث"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج حديثه في صحيحه، وقد تُوبع.
رواه الإمام أحمد (٢١٧٢٢)، والطّبراني في "الأوسط" (٣١٤٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٠٤ - ٣٠٦، ٣٠٨) كلّهم من طرق عن خالد بن يزيد، عن يونس بن ميسرة، به، مثله.
وخالد بن يزيد هو ابن صالح بن صبيح، ثقة، إلّا أنّ الرّاوي عنه عند الإمام أحمد الفرج بن فضالة وهو ضعيف، ولكنه توبع.
ورواه الإمام أحمد (٢١٧٢٣) من طريق آخر عن زيد بن يحيى الدّمشقيّ، حدّثنا خالد بن صبيح المريّ قاضي البلقاء، حدّثنا إسماعيل بن عبيد اللَّه، أنّه سمع أمّ الدّرداء تحدِّث عن أبي الدّرداء، فذكر الحديث مرفوعًا، ولفظه: "فرغ اللَّه إلى كلّ عبد من خمس: من أجله، ورزقه، وأثره، وشقي أم سعيد".
هذا إسناد صحيح، إسماعيل بن عبيد اللَّه هو ابن أبي المهاجر، واسمه أقرم القرشيّ المخزوميّ مولاهم، ثقة من رجال الشيخين.
ورواه البزار -كشف الأستار (٢١٥٢) - من وجه آخر عن عبد اللَّه بن أحمد، ثنا صفوان بن صالح، ثنا العوّام بن صبيح، ثنا يونس بن ميسرة، عن أمّ الدّرداء، عن أبي الدّرداء مرفوعًا، ولفظه: "فرغ اللَّه إلى كلّ عبد من اجله، ورزقه، ومضجعه، وأثره".
стр. 729
قال البزّار: "روي عن أبي الدرداء من غير وجه، وهذا أحسنها".
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٩٥): "رواه أحمد، والبزّار، والطّبرانيّ في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات".
• عن ابن عمر، قال: كنّا مع رسول اللَّه ﷺ فرأى تمرة عائرةً فأعطاها سائلًا، وقال: "لو لم تأتها لأتتك".
حسن: رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٢٦٥) عن شيبان بن فرّوخ، ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان، عن هُزيل بن شرحبيل، عن ابن عمر، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٤٧٠).
وصحّحه ابن حبان (٣٢٤٠).
وإسناده حسن من أجل شيبان بن فرّوخ فإنّه "صدوق". روى له مسلمٌ وأصحاب السنن.
وكذلك في الإسناد أبو قيس عبد الرحمن بن ثروان الأوديّ، تكلّم فيه أبو حاتم غير أنه حسن الحديث، روى له البخاري وغيره من أصحاب السنن.
وفي الباب عن عمر بن الخطّاب أنّه خطب بالشّام خطبة يأثرها عن رسول اللَّه ﷺ قال: "وأجملوا في طلب الدّنيا، فإنّ اللَّه قد تكفّل بأرزاقكم، وكلٌّ ميسَّر له عمله الذي كان عاملًا، استعينوا باللَّه على أعمالكم فإنّه ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد: ٣٩] ".
رواه البيهقيّ في "القضاء والقدر" (٢/ ٤٥٩) من حديث ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، عن السّائب بن مهجان -من أهل الشّام، وكان قد أدرك أصحاب رسول اللَّه ﷺ أنّ عمر بن الخطاب خطب، فذكره.
وسعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء لم يوثقه أحد، وإنّما ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٣٥٤) وقال: "روى عنه ابن وهب".
قلت: إذا هو "مجهول". وأمّا شيخه السّائب بن مهجان فلم أعرف من هو؟ ! .
وعن أبي سعيد مرفوعًا: "لو أنّ أحدكم فرَّ من رزقه لأدركهـ كما يدركه الموت".
رواه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٠٤٥) عن أحمد بن محمد بن عبد الخالق، ثنا الحسين بن علي الصُّدائيّ، قال: حدّثني أبي، ثنا فُضيل بن مرزوق، عن عطيّة، عن أبي سعيد، فذكره.
وفضيل بن مرزوق، وشيخه ضعيفان.
وعن ابن مسعود مرفوعًا: "ليس من عمل يقرّب إلى الجنّة إلّا قد أمرتكم به، ولا عمل يقرّب إلى النّار إلّا قد نهيتكم عنه، لا يَسْتَبْطِئَنَّ أحدٌ منكم رزقه، إنّ جبريل ﵇ أَلْقى في رَوعي: أنّ أحدًا منكم لن يخرج من الدّنيا حتى يستكمل رزقه، فاتّقوا اللَّه أيّها النّاس وأجملوا في الطّلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية اللَّه، فإنّ اللَّه لا ينال فضله بمعصيةٍ".
стр. 730
رواه الحاكم (٢/ ٤) وعنه البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٤٦٣) عن أبي بكر بن إسحاق، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن ملحان، عن ابن بكير، حدّثني اللّيث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد ابن أبي هلال، عن سعيد بن أبي أمية الثّقفيّ، عن يونس بن بكير، عن ابن مسعود، فذكره.
وسعيد بن أبي أمية هذا لم أجد من ترجمه، وقد رُوي موقوفًا على ابن مسعود
١٣ - باب لا ترد الرقى ولا الدواء من قدر اللَّه شيئًا
• عن أبي خُزامة -أحد بني الحارث بن سعد بن هُزيم- حدّثه، أنّ أباه حدّثه أنّه قال لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه، أرأيتَ دواءً نتداوى به، ورُقي نسْترقيها، وتُقًى نتّقيها هل تردُّ ذلك من قدر اللَّه من شيء؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّه من قدر اللَّه".
حسن: رواه عبد اللَّه بن وهب في "الجامع" (٦٩٩) قال: أخبرني يونس بن يزيد وعمرو بن الحارث وابن سمعان، أنّ ابن شهاب أخبرهم أنّ أبا خُزامة، فذكره.
وأخرجه الإمام أحمد (١٥٤٧٤)، والحاكم (٤/ ١٩٩) من طريق ابن وهب، إلّا أن أحمد رواه عنه، عن عمرو بن الحارث وحده.
وهذا إسناد حسن؛ لأنّ أبا خُزامة لم يرو عنه إلّا الزّهريّ، وهو تابعي معروف، قد عرفه الزهريّ، ووهم من جعله من الصّحابة كالحافظ في التقريب فقال: "صحابي، له حديث في الرُّقي" وإنما الصحبة لأبيه.
وخالفهم جميعًا سفيان الثّوريّ، فروى عن الزهريّ، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه، وهو خطأ. بيّنه الإمام أحمد.
قال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي يقول: سمعت سفيان وحدّث بحديث أبي خزامة، فقال: عن ابن أبي خزامة عن أبيه. قال أبي: وقد حدّثنا يحيى بن أبي بكير وحسين بن محمد، عن سفيان، عن الزهريّ، عن أبي خزامة، عن أبيه، قال أبي: والحديث إنّما يُروى عن أبي خُزامة، عن أبيه. رواه يونس، والزبيديّ، وهو أصحها". أخرجه البيهقي في القضاء والقدر (٢/ ٤٥٤)، وانظر: المسند (١٥٤٧٥).
قلت: من طريق الثوريّ هذا رواه الترمذيّ (٢١٤٨)، وابن ماجه (٣٤٣٧).
ثم رواه الترمذيّ من وجه آخر (٢٠٦٥)، عن سفيان، عن الزّهريّ، عن أبي خزامة، عن أبيه، فذكر مثله، وقال: "حسن" وهذا هو الصحيح.
وقد أشار الترمذيّ إلى هذا الاختلاف بقوله: وقد رُوي عن ابن عيينة كلتا الرّوايتين. فقال بعضهم: عن أبي خُزامة، عن أبيه. وقال بعضهم: عن ابن أبي خزامة، عن أبيه".
ثم قال: "وقد روى غيرُ ابن عيينة هذا الحديث عن الزهريّ، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهذا
стр. 731
أصح، ولا نعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث" انتهى.
قلت: وهو كما قال، فقد روى يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، وابن سمعان كلّهم عن ابن شهاب، عن أبي خُزامة، عن أبيه، كما رواه ابن وهب.
وهذا إسناد حسن، ولا يُعَلُّ بحديث ابن عيينة مع أنه قد اختُلف عليه فيه، فمن روى عنه، عن ابن شهاب، عن أبي خزامة، عن أبيه فقد أصاب لموافقة الجماعة له.
وللزّهريّ طرق أخرى غير أنّ ما ذكرته هو أصحّها.
١٤ - باب أنّ النّذر لا يغيّر القدر
• عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يأتي ابنَ آدم النّذرُ بشيء لم يكن قد قُدِّر له، ولكن يُلقيه النَّذرُ إلى القدر، قد قُدِّر له، فيستخرج اللَّه به من البخيل، فيُؤتى عليه ما لم يكن يُؤتى عليه من قبل".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (١٦٩٤)، ومسلم في النذر (١٦٤٠: ٧) كلاهما من حديث الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
وفي رواية عند مسلم: "ولكن النذرُ يوافق القدر". والباقي مثله.
وفي رواية عند البخاريّ في القدر (٦٦٠٩) من وجه آخر: "لا يأتي ابن آدم النّذرُ بشيء لم يكن قد قدّرتُه، ولكن يلقيه القدر، وقد قدرتُه له، فأستخرج به من البخيل".
وفي رواية عند مسلم: "لا تنذروا، فإنّ النّذر لا يُغني من القدر شيئًا، وإنّما يستخرج به من البخيل".
• عن ابن عمر قال: نهى النّبيُّ ﷺ عن النّذر، قال: "إنّه لا يردُّ شيئًا، وإنّما يستخرجُ به من البخيل".
متفق عليه: رواه البخاريّ في القدر (٦٦٠٧)، ومسلم في النّذر (١٦٣٩) كلاهما من حديث سفيان، عن منصور، عن عبد اللَّه بن مرة، عن ابن عمر، فذكره. واللّفظ للبخاريّ، ومسلم أحال على من سبقه.
وفي رواية عنده: "أخذ رسول اللَّه ﷺ يومًا ينهانا عن النّذر ويقول: "إنّه لا يرد شيئًا، وإنّما يستخرج به من الشّحيح".
١٥ - باب الدّعاء يردّ القدر
• عن أنس، عن النّبيّ ﷺ قال: "ادعوا فإنّ الدّعاء يردُّ القدر".
حسن: رواه الطبرانيّ في كتاب "الدّعاء" (٢٩) عن عثمان بن عمر الضّبيّ، ثنا عبد اللَّه بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس بن مالك، فذكره.
стр. 732
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن رجاء هو ابن عمر الغداني -بضم الغين- قال ابن معين: كان شيخًا صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٤١)، وروى له البخاريّ. وبقية رجاله ثقات غير شيخ الطّبراني وهو عثمان بن عمر الضبيّ لا يعرف عنه شيء إلّا أنّ السجزي نقل عن الحاكم توثيقه، وذكره ابن حبان في الثقات، وجعل بعض أهل العلم شيوخ الطبراني من الثقات.
• عن سلمان، عن النبي ﷺ قال: "لا يردّ القضاء إلّا الدّعاء، ولا يزيد في العمر إلّا البرُّ".
حسن: رواه الترمذيّ (٢١٣٩) عن محمد بن حميد الرّازيّ، وسعيد بن يعقوب، قالا: حدّثنا يحيى ابن الضريس، عن أبي مودود، عن سليمان التّيمي، عن أبي عثمان النّهديّ، عن سلمان، فذكره.
وقال: "هذا حديث حسن غريب من حديث سلمان، لا نعرفه إلّا من حديث يحيى بن الضريس، وأبو مودود اثنان: أحدهما يقال له: فضّة، والآخر:
عبد العزيز بن أبي سليمان. أحدهما بصريّ، والآخر مدني. وكانا في عصر واحد. وأبو مودود الذي روى هذا الحديث اسمه فضّة، بصريّ". انتهى.
قلت: ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ٩٣) فقال: "روى عن الحسن، وسليمان التيمي، روى عنه يحيى بن الضريس، وعلي بن الحسن الواسطيّ، سمعت أبي يقول ذلك. ويقول: قدم الري كان خراسانيًّا، ونزل بها وهو ضعيف. وقال أبو زرعة: أبو مودود البصريّ اسمه فضّة روى عن الحسن، كان بالرّي".
قلت: إسناده حسن من أجل فضة البصري؛ فإنه لا بأس به في الشواهد، ولعل الترمذيّ حسّنه لذلك.
• عن ثوبان، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزيد في العمر إلّا البر، ولا يردّ القدر إلّا الدّعاء، وإنّ الرّجل ليُحرم الرِّزقَ بخطيئة يعملها".
حسن: رواه ابن ماجه (٩٠) عن علي بن محمد، قال: حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد اللَّه بن عيسى، عن عبد اللَّه بن أبي الجعد، عن ثوبان، فذكره.
وصحّحه ابن حبان (٨٧٢)، والحاكم (١/ ٤٩٣) فروياه من طريق عبد اللَّه بن عيسى، به، مثله.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
ورواه أيضًا أحمد (٢٢٣٨٦)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢٤٩).
عبد اللَّه بن أبي الجعد روى عنه اثنان وهما: عبد اللَّه بن عيسى، وابن ابن أخيه رافع بن سلمة بن زياد ابن أبي الجعد، ولم يعلم فيه جرح، ولذا حسّنه العراقي كما نقل البوصيري في الزوائد فقال: "سألت شيخنا أبا الفضل العراقيّ ﵀ عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث حسن". انتهى. ورواه أحمد ابن منيع في مسنده: ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان، فذكره بتمامه". انتهى كلام البوصيريّ.
стр. 733
وفي معناه ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: "من فُتِح له منكم باب الدُّعاء، فُتحتْ له أبواب الرّحمة، وما سُئل اللَّه شيئًا يعني أحبَّ إليه من أن يسأل العافية".
وقال أيضًا: "إنّ الدّعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم عبادَ اللَّه بالدّعاء".
رواه التّرمذيّ (٣٥٤٨) عن الحسن بن عرفة، حدّثنا يزيد بن هارون، عن عبد الرحمن بن أبي بكر القرشيّ، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وأخرجه أيضًا الحاكم (١/ ٤٩٣) من طريق يزيد بن هارون، ولم يتكلّم عليه بشيء. وقال الذهبي: "عبد الرحمن واهٍ".
وقال الترمذيّ: هذا حديث غريب -وفي نسخة: حسن غريب- لا نعرفه إلّا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشيّ، وهو المكيّ المليكي، وهو ضعيف الحديث. تكلّم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه، وقد روى إسرائيل هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن موسى ابن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ ، قال: "ما سئل اللَّه شيئًا أحبَّ إليه من العافية". قال: حدّثنا بذلك القاسم بن دينار الكوفي، حدّثنا إسحاق بن منصور الكوفي، عن إسرائيل بهذا". انتهى كلام الترمذيّ.
قلت: وهو كما قال، فإنّ عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد اللَّه القرشي، جمهور أهل العلم مطبقون على تضعيفه، فقال الإمام أحمد: "منكر الحديث". وقال النسائي: "متروك الحديث".
وفي معناه أيضًا ما روي عن عبادة بن الصّامت قال: أتي رسول اللَّه ﷺ وهو قاعد في ظلّ الحطيم بمكة، فقيل: يا رسول اللَّه، أُتي على مالِ أبي فلان بسيف البحر فذهب؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما تلف مالٌ في بر ولا بحر إلّا بمنع الزّكاة، فأحرزوا أموالكم بالزّكاة، وداووا مرضاكم بالصّدقة، وادفعوا عنكم طوارق البلاء بالدّعاء، فإنّ الدّعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، ما نزل يكشفه، وما لم ينزل يحبسه".
رواه الطبرانيّ في الدّعاء (٣٤) عن محمد بن أبي زرعة الدّمشقي، ثنا هشام بن عمّار، ثنا عراك بن خالد بن يزيد، حدّثني أبي، قال: سمعت إبراهيم بن أبي عبلة، يحدّث عن عبادة بن الصّامت، فذكره.
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١٤٠): "سألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمّار (فذكر الحديث بإسناده) قال: قال أبي: "حديث منكر؛ إبراهيم لم يدرك عبادة، وعراك منكر الحديث، وأبوه خالد بن يزيد أوثق منه، وهو صدوق". انتهى.
وفي معناه أحاديث أخرى معلولة، ومعنى الحديث أن الدعاء من أسباب دفع البلاء المقدر كما أن الدواء من أسباب دفع المرض المقدر، ولذا أمرنا بالدعاء والتداوي.
قال سماحة الشيخ ابن باز ﵀: "ومراده أن القدر المعلق بالدعاء يرده الدعاء". انظر: فتاواه (٦/ ٢٠٤).
стр. 734
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والدعاء يرد القضاء، قد يقضي اللَّه القضاء، ويجعل له سببا بمنع، ومنه الدعاء".
١٦ - باب ما جاء في استعمال الحَذَر، وإثبات القَدَر
• عن عبد اللَّه بن عباس: أنّ عمر بن الخطاب خرج إلى الشّام حتى إذا كان بِسَرْغٍ لقيه أهلُ الأجناد -أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه- فأخبروه أنّ الوباء قد وقع بالشام. قال ابن عباس: فقال عمرُ: ادعُ لي المهاجرين الأوّلين فدعوتُهم، فاستشارهم وأخبرهم أنّ الوباء قد وقع بالشّام فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقيةُ النّاس وأصحابُ رسول اللَّه ﷺ ولا نرى أن تُقْدِمَهُم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عنّي، ثم قال: ادعُ لي الأنصار فدعوتُهم له، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عنّي، ثم قال: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مُهاجِرَةِ الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالنّاس ولا تُقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في النّاس: إِنِّي مُصْبحٌ على ظَهْر فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجرَّاح: أفِرارًا من قدر اللَّه؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه- نعم، نَفرُّ من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، أرأيت لو كانتْ لك إبل فهبطت واديًا له عُدْوتان: إحداهما خصبة والأخرى جدية، أليس إن رَعَيْتَ الْخَصْبةَ رَعَيْتَها بقدر اللَّه، وإنْ رَعَيْتَ الْجَدْبةَ رَعَيْتَها بقدر اللَّه؟ قال: فجاء عبد الرحمن ابن عوف -وكان مُتَغَيَّبًا في بعض حاجته- فقال: إنّ عندي مِنْ هذا عِلْمًا سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه". قال: فحمد اللَّه عمر بن الخطاب، ثم انصرف".
متفق عليه: رواه مالك في كتاب الجامع (٢٢) عن ابن شهاب، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطّاب، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، عن عبد اللَّه بن عباس، فذكره.
ورواه البخاريّ في الطب (٥٧٢٩) عن عبد اللَّه بن يوسف، ومسلم في السّلام (٢٢١٩) عن يحيى بن يحيى التميميّ - كلاهما عن مالك، به.
وقوله: "بسَرْغٍ" قرية بوادي تبوك، يجوز فيها الصّرف وعدمه. وقيل: هي مدينة افتتحها أبو عبيدة، وهي واليرموك والجابية متصلات.
"الأجناد" جمع جند، والمراد هنا مدن الشّام الخمس، وهي: فلسطين، والأردن، ودمشق،
стр. 735
وحمص، وقنسرين.
"وعدوتان" العدو -بضم العين وكسرها- هي جانب الوادي.
قال البيهقي في القضاء والقدر (٢/ ٥٠٠): "قال أصحابنا في هذا الخبر: إنّ أمير المؤمنين عمر ﵁ استعمل الحذر، وأثبت القدر معًا، وهو طريق السنة، ونهج السّلف الصّالح رحمة اللَّه عليهم".
١٧ - باب أن اللَّه خلق للجنة أهلا وخلق للنار أهلا
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة هود: ١١٨ - ١١٩].
• عن عائشة أم المؤمنين قالت: توفي صبي. فقلت: طوبي له، عصفور من عصافير الجنّة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أو لا تدرين أن اللَّه خلق الجنّة وخلق النّار. فخلق لهذه أهلا ولهذه أهلا".
وفي رواية: دُعي رسول اللَّه ﷺ إلى جنازة صبيّ من الأنصار، فقلت: يا رسول اللَّه! طوبى لهذا. عصفور من عصافير الجنّة. لم يعمل السُّوء ولم يدركهـ. قال: "أو غير ذلك يا عائشة! إن اللَّه خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصْلاب آبائهم. وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصْلاب آبائهم".
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٦٢) عن زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن العلاء بن المسبب، عن فُضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين فذكرت مثله.
والرواية الثانية عنده أيضًا من وجه آخر عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة بإسناده.
١٨ - باب ما جاء في امتحان أصحاب الأعذار ممن لم تبلغه الدّعوة، أو مات في فترة، أو غير ذلك
• عن أبي هريرة، أنّ النبيّ ﷺ قال: "أربعة يوم القيامة -يعني يدلون على اللَّه بحجّة-: رجل أصمّ لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة. فأمّا الأصمّ فيقول: ربّ قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأمّا الأحمق
стр. 736
فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام والصِّبيان يخذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأمّا الذي مات في فترة فيقول: ربّ ما أتاني الرّسول، فيأخذ مواثيقهم لَيُطيعُنَّه ويرسل إليهم أن ادخلوا النّار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها ما كانت عليهم إلّا بردًا وسلامًا".
حسن: رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (٣/ ٩١٠ - ٩١١) بإسناده عن علي بن عبد اللَّه، نا معاذ، نا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، فذكر نحوه.
ورواه الإمام أحمد (١٦٣٠٢) عن علي بن عبد اللَّه، بإسناده، وقال في آخره: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يُسحب إليها".
قال البيهقيّ: "هذا إسناد صحيح. ورُوي بإسناد آخر فيه ضعف".
قلت: الصّواب أنّ إسناده حسن من أجل الكلام في معاذ وهو ابن هشام الدّستوائيّ غير أنه حسن الحديث، وقد احتجّ به الشّيخان.
وقتادة وإن كان مدلِّسًا إلّا أنّ سماعه من الحسن ثابت.
وأمّا الحسن فعنعن عن أبي رافع وهو نُفيع الصّائغ من التابعين من أقرانه، وإنّما يُخشى من تدليسه -إذا عنعن- عن الصّحابة.
وأمّا قول البيهقيّ: "ورُوي بإسناد آخر فيه ضعف". فلعلّه يشير إلى ما رواه حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أربعة كلّهم يُدلي على اللَّه يوم القيامة بحجّة وعذر. رجل مات في الفترة، ورجل أدركه الإسلام هرمًا، ورجل أصمّ أبكم، ورجل معتوه، فيبعث اللَّه إليهم ملكًا رسولًا فيقول: اتبعوه، فيأتيهم الرسول فيؤجّج لهم نارًا، ثم يقول: اقتحموها، فمن اقتحمها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لا حقَّتْ عليه كلمةُ العذاب".
رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٤٠٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا الحسن بن موسى، حدّثنا حماد بن سلمة، بإسناده.
وفيه علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف.
ويشهد له حديث الأسود بن سريع نحوه.
رواه الإمام أحمد (١٦٣٠١) عن علي، حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع، فذكر نحوه.
قتادة مدلِّس وقد عنعن، فإن كان ولد في البصرة سنة (٦٠ هـ)، وتوفي الأحنف سنة (٦٧ هـ) فمن المستبعد سماعه منه.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢١٦) -بعد أن ذكر حديث الأسود بن سريع، وحديث أبي
стр. 737
هريرة-: "هذا لفظ أحمد، ورجاله في طريق الأسود بن سريع وأبي هريرة رجال الصّحيح، وكذلك رجال البزّار فيهما".
قلت: وهو كما قال لولا خشية الانقطاع بين قتادة والأحنف بن قيس لحكمتُ على حديث الأسود بن سريع بالحسن، كما حكمتُ على حديث أبي هريرة.
ويشهد له أيضًا حديث أنس مرفوعًا: "يؤتى بأربعةٍ يوم القيامة: بالمولود، وبالمعتوه، وبمن مات في الفترة، وبالشّيخ الفاني كلّهم يتكلّم بحجّته، فيقول الرّبُّ ﵎ لعُنُقٍ من النّار: ابرُزْ، فيقول لهم: إنّي كنتُ أبعثُ إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه، فيقول من كُتب عليه الشّقاء: يا ربّ، أين ندخلها ومنها كُنّا نفِرُّ! قال: ومَنْ كُتِب عليه السّعادةُ يَمْضي فيقتحمُ فيها مُسْرعًا. قال: فيقول ﵎: أنتم لرسلي أشدُّ تكذيبًا ومعصية، فيُدخل هؤلاء الجنّة، وهؤلاء النّار".
رواه أبو يعلى، والبزّار بنحوه. قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢١٦): "وفيه ليث بن أبي سُليم وهو مدلِّس، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصّحيح".
ومن طريقه رواه البيهقي في القضاء والقدر (٣/ ٩١١).
قلت: ليث بن أبي سليم هو ابن زُنيم لم أجد مَنْ وصفه بالتدليس إلّا أنّ أهل العلم مجمعون على تضعيفه. وليَّن فيه الحافظ القول فقال: "صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه فترك". فلعلّه وصفه بصدوق لصلاحه وعبادته، وإلّا فهو ضعيف الحديث مضطرب الحديث، وبعد اختلاطه يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثّقات بما ليس من حديثهم -أي من أجل الاختلاط- ولم يثبت أنه تعمّد ذلك.
ورُوي أيضًا عن أبي سعيد الخدريّ.
رواه البزّار، وفيه عطية، وهو ضعيف كما قال الهيثميّ.
ورُوي أيضًا عن معاذ بن جبل.
"رواه الطبراني في الأوسط، والكبير، وفيه عمرو بن واقد، وهو متروك عند البخاريّ وغيره، ورُمي بالكذب. وقال محمد بن المبارك الصّوريّ: كان يتبع السّلطان، وكان صدوقًا، وبقية رجال الكبير رجال الصّحيح". كذا قال الهيثميّ في "المجمع".
١٩ - باب أن اللَّه ألقى نورَه على خلقه فمن أصابه اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ
قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٢].
• عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه عزّ وجلّ
стр. 738
خلق خلقَه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النّور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ".
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٦٤٤) عن الحسن بن عرفة، حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو الشّيبانيّ، عن عبد اللَّه بن الدّيلميّ، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو، فذكر الحديث.
وهذا إسناد حسن؛ لأنّ إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذه منها. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن".
ورواه الإمام أحمد (٦٦٤٤)، وصحّحه ابن حبان (٦١٦٩)، والحاكم (١/ ٣٠)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٢٥٧) كلّهم من وجه آخر عن الأوزاعيّ، قال: حدّثني ربيعة بن يزيد، عن عبد اللَّه الدّيلميّ، فذكر أحاديث منها هذا الحديث.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، قد تداوله الأئمّة، وقد احتجّا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علّة".
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٦٨٥٤)، والبزّار -كشف الأستار (٢١٤٥) - بإسنادين مختلفين عن عبد اللَّه بن عمرو، ولعلّه إليه يشير الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤) بقوله: "رواه أحمد بإسنادين، والبزار والطبرانيّ، ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات".
قلت: إلّا أنّ الحديث ليس على شرطه.
٢٠ - باب إخبار النّبي ﷺ أنّ الغلام الذي قتله الخَضِر طُبع كافرًا
قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [سورة الكهف: ٨٠ - ٨١].
• عن أُبي بن كعب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طُغيانًا وكفرًا".
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٦١) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدّثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رقبة بن مسقلة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب، فذكره.
ورواه الشيخان -البخاريّ في التفسير (٤٧٢٧)، ومسلم في كتاب الفضائل (٢٣٨٠) - كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، بإسناده في سياق طويل، سيأتي في موضعه.
وجاء فيه: "فبينما هما يمشيان على السّاحل إذا غلام يلعبُ مع الغِلْمان، فأخذ الخضرُ برأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال موسى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [سورة الكهف: ٧٤] ".
стр. 739
٢١ - باب ذكر أحاديث القبضتين
• عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر، والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسّهل والحزن، والخبيث والطيّب".
صحيح: رواه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذيّ (٢٩٥٨) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن عوف ابن أبي جميلة الأعرابيّ، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعريّ، فذكره، ولفظهما سواء.
وصحّحه ابن خزيمة، وأخرجه في كتاب التوحيد (١٠١، ١٠٢) من هذا الوجه، كما أخرجه أيضًا الحاكم (٢/ ٢٦١) من وجه آخر عن عوف، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد".
وقال الترمذيّ: "حسن صحيح".
قلت: وهو كما قال، وقسامة بن زهير المازنيّ البصريّ وثّقه العجليّ، وابن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وبقية رجاله ثقات.
وقوله: "الحزن" أي الخشن والغليظ الطّبع.
• عن أبي الدّرداء، عن النّبيّ ﷺ قال: "خلق اللَّه آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمني، فأخرج ذريّة بيضاء كأنّهم الذّرُّ، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذريّةً سوداء كأنّهم الْحُمَم. فقال للذي في يمينه: إلى الجنّة ولا أُبالي، وقال للذي في كفِّه اليسرى: إلى النّار ولا أبالي".
حسن: رواه أحمد (٢٧٤٨٨) عن هيثم -وقال عبد اللَّه بن أحمد: وسمعتُه أنا منه- قال: حدّثنا أبو الرّبيع، عن يونس، عن أبي إدريس، عن أبي الدّرداء، فذكره.
وإسناده حسن للكلام الذي في أبي الرّبيع.
ورواه البزّار -كشف الأستار (٢١٤٤) - عن إبراهيم، ثنا الهيثم بن خارجة بإسناده، مثله. وقال: "لا نعلمه بروي بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، وإسناده حسن".
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٨٥): "رواه أحمد، والبزّار، والطّبرانيّ، ورجاله رجال الصّحيح".
• عن أبي نضْرة أنّ رجلًا من أصحاب النبيّ ﷺ يقال له: أبو عبد اللَّه دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له: ما يُبكيك؟ ألم يقلْ لك رسولُ اللَّه ﷺ : "خذْ من شارِبك، ثم أقرَّه حتّى تلقاني"؟ قال: بلى، ولكنّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه قبض بيمينه قبضةً، وأخرى باليد الأخرى، وقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أُبالي". فلا أدري في أيّ القبضتين أنا؟ ! .
стр. 740
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧٥٩٣، ١٧٥٩٤، ٢٠٦٦٨) من طرق عن حمّاد بن سلمة، قال: أخبرنا سعيد الجريريّ، عن أبي نَضرة، فذكر مثله.
وسعيد الجريريّ -بضم الجيم، وفتح الرّاء المهملة- هو ابن إياس أبو مسعود، ثقة احتجّ به الشيخان، واختلط قبل موته بثلاث سنين، إِلَّا أنّ اختلاطه لم يكن فاحشًا.
قال أبو حاتم: تغيَّر حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح، وهو حسن الحديث. "الجرح والتعديل" (٢/ ١ - ٢).
قلت: وممن روى عنه قبل اختلاطه حمّاد بن سلمة، روى له مسلم من رواية حمّاد بن سلمة عنه في كتاب فضائل الصّحابة - باب فضائل أويس القرني (٤/ ١٩٦٨).
وحديث الباب، ذكره الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٨٦ - ١٨٧) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصّحيح".
• عن ابن عمر، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه". قال: فتفرَّق النَّاسُ وهم لا يختلفون في القدر.
صحيح: رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦) عن الحافظ أبي عبد اللَّه، حدّثنا أبو النَّضر الفقيه، حدّثنا أبو جعفر محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، والحسن بن سفيان، قالا: حدّثنا إبراهيم بن سعيد، حدّثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن أيوب وإسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه أيضًا بإسناده السّابق عن النَّضر بن أحمد البغداديّ الحافظ، حدّثنا إبراهيم بن سعيد، فذكره بإسناده إِلَّا أنّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "هؤلاء اللجنّة ولا أُبالي، وهؤلاء للنَّار ولا أبالي".
وذكره الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٨٦)، وعزاه إلى البزّار والطّبراني في الصّغير وقال: "رجال البزّار رجال الصّحيح".
• عن هشام بن حكيم، أنّ رجلًا أتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أنبتدأ الأعمال أم قُضي القضاء؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه أخذ ذريّة آدم من ظهره، وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفّيه فقال: هؤلاء للجنّة، وهؤلاء للنَّار، فأهل الجنّة ميسّرون لعمل أهل الجنّة، وأهل النّار ميسّرون لعمل أهل النّار".
حسن: رواه الفريابيّ في القدر (٢٢)، وعنه الآجريّ في الشّريعة (٣٣٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٦٨) كلّهم من حديث عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصيّ، حدّثنا بقية بن الوليد، حدّثنا الزبيديّ، حدّثني راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة النّصيريّ، عن هشام بن حكيم، فذكره.
следующие страницы →