← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

عليهم وأنتم لا تعلمون، وفيه حصر على أن علم الغيب خاص للَّه تعالى دون غيره. ١٩ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي أصبح من الكافرين. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨١) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: فذكره. ٢٠ - باب قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ • عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئًا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدأ له بعد فليقتله، فإنه شيطان". صحيح: رواه مسلم في السلام (١٤١: ٢٢٣٦) عن زهير بن حرب، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني صيفي، عن أبي السائب، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. ٢١ - باب قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ • عن أسامة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه". متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٦٧) ومسلم في الزهد والرقائق (٢٩٨٩) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي وائل شقيق، عن أسامة بن زيد، قال: فذكره، واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء من أهل الدنيا ممن

стр. 6757

كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهو يتلون الكتاب أفلا يعقلون". صحيح: رواه أبو يعلى (٤٠٦٩)، والبيهقي في الشعب (٤٩٦٥)، كلاهما من طريق معتمر بن سليمان - وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧٢) من طريق ابن المبارك - كلاهما عن سليمان التيمي، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح. ٢٢ - باب قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ • عن سعيد بن زيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الكمأة من المن الذي أنزل اللَّه على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٧٨)، ومسلم في الأشربة (٢٠٤٩: ١٦٠) كلاهما من حديث سفيان، عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت عمرو بن حريث يقول: سمعت سعيد بن زيد يقول: فذكره. واللفظ لمسلم. قال مجاهد: المنّ: صمغة، والسلوى: طير. وفي هذا المعنى أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الطب. ٢٣ - باب قول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية هي الأرض المقدسة أي بيت المقدس كما جاء في سورة المائدة: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢١ - ٢٤]. وقوله: ﴿سُجَّدًا﴾: أي خاضعا وراكعا لتعذر حمله على حقيقته. وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: أي مغفرة، روي ذلك عن ابن عباس. أخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٢) وقال: "صحيح على شرط الشيخين". • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فبدلوا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعرة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤١) ومسلم في التفسير (٣٠١٥) كلاهما من حديث

стр. 6758

عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة فذكره. • عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : "قال اللَّه لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ". صحيح: رواه أبو داود (٤٠٥٦) عن أحمد بن صالح وسليمان بن داود، حدّثنا عبد اللَّه بن وهب، حدّثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: فذكر هكذا. قال أبو داود: وحدثنا جعفر بن مسافر، حدّثنا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد بإسناده مثله، هكذا مجملا ومختصرًا. ورواه البزّار -كشف الأستار (١٨١٢) - مفصلا عن إسحاق بن بهلول، ثنا محمد بن إسماعيل ابن أبي فديك، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد أنه قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "إنّ عيون المشركين الآن على ضجنان، فأيكم يعرف طريق ذأت الحنظل؟ " فقال رسول اللَّه ﷺ حين أمسى: "هل من رجل ينزل فيسعى بين يدي الركاب؟ " فقال رجل: أنا يا رسول اللَّه، فنزل، فجعلت الحجارة تنكبه والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اركب" ثم نزل آخر، فجعلت الحجارة تنكبه، والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اركب" ثم وقعنا على الطريق، حتى سرنا في ثنية يقال لها الحنظل، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل، قيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، لا يجوز أحد الليلة هذه الثنية إلا غفر له"، فجعل الناس يسرعون ويجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم، قال: فجعل الناس يركب بعضهم بعضًا حتى تلاحقنا، قال: فنزل رسول اللَّه ﷺ ونزلنا. قال البزار: لا نعلم أحد رواه هكذا إلا محمد بن إسماعيل. وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٤٤): رواه البزار ورجاله ثقات. قلت. إسناده حسن من أجل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك فإنه حسن الحديث. أي أنهم خالفوا ما أمروا به من الفعل والقول فإنهم أمروا بالسجود -يعني الخضوع- فبدّلوا السجود بالزحف على أستاههم، وأمروا بقولهم: حطة أي مغفرة فبدّلوا بالحنطة استهزاء واستكبارا. ٢٤ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ

стр. 6759

لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ في هذه الآيات إشارة واضحة إلى قصة وقعت في بني إسرائيل في عهد موسى ﵇، وقد روي عن بعض الصحابة والتابعين ما سمعوا من اليهود، ومن أصحها إسنادا ما روي عن عبيدة ابن عمرو السلماني المخضرم المتوفى سنة (٧٠ هـ) قال: كان رجل في بني إسرائيل عقيم لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلًا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم، حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذوو الرأي والنُّهى: علام يقتل بعضكم بعضًا، وهذا رسول اللَّه ﷺ فيكم؟ فأتوا موسى فذكروا ذلك له فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فقالوا: أتتخذونا هزوا؟ قال: أعوذ باللَّه أن أكون من الجاهلين. قال: فلو لم يعترضوا البقرة، لأجزت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شدّدوا فشدّد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: واللَّه لا أنقصها من ملء جلدها ذهبًا، فأخذوها بملء جلدها ذهبًا فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا، لابن أخيه، ثم مال ميتًا، فلم يعط من ماله شيء، ولم يورث قاتل بعده. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٣٦) عن الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا يزيد بن هارون، أنبا هشام بن حسان، عن محمد بن زيد، عن عبيدة، فذكره. ٢٥ - باب قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾ • عن حذيفة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٤٤) عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا أبو خالد -يعني

стр. 6760

سليمان بن حيان- عن سعد بن طارق، عن ربعي، عن حذيفة، قال: فذكره. • عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ الحلال بيّنٌ، وإن الحرام بيّنٌ، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى اللَّه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٢) ومسلم في المساقاة (١٥٩٩) كلاهما من طريق زكريا، عن عامر الشعبي، قال: سمعت النعمان بن بشير، يقول: فذكره، واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه. ٢٦ - باب قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ قوله: ﴿أُمِّيُّونَ﴾ جمع أمي وهو الذي لم يتعلم القراءة والكتابة وقد جاء في الحديث. • عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا". يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩١٣) ومسلم في الصيام (١٥: ١٠٨٠) كلاهما من طريق شعبة، حدّثنا الأسود بن قيس، حدّثنا سعيد بن عمرو بن سعيد، أنه سمع ابن عمر، يحدث: فذكره، واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. ٢٧ - باب قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ قوله تعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ أي اليهود والنصارى الذين كتبوا كتبهم بأيديهم ونسبوها إلى اللَّه تعالى. ٢٨ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ المخاطبون هم اليهود. • عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة، أتيته حتى أطأ على عنقه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو فعل أخذته الملائكة عيانا، وإن اليهود

стр. 6761

لو تمنوا الموت، لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول اللَّه ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا". صحيح: رواه أحمد (٢٢٢٦) والبزار (٤٨١٤) والنسائي في الكبرى (١٠٩٩٥) واللفظ له، وأبو يعلى (٢٦٠٤) كلهم من طرق عن عبيد اللَّه بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. ٢٩ - باب قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ • عن أنس قال: سمع عبد اللَّه بن سلام بقدوم رسول اللَّه ﷺ وهو في أرض يخترف، فأتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهن جبريل آنفًا" قال: جبريل؟ قال: "نعم" قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت "قال: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، وأشهد أنك رسول اللَّه، يا رسول اللَّه، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال النبي ﷺ : "أي رجل عبد اللَّه فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: "أرأيتم إن أسلم عبد اللَّه بن سلام؟ " فقالوا: أعاذه اللَّه من ذلك، فخرج عبد اللَّه فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول اللَّه. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٨٠) عن عبد اللَّه بن منير، سمع عبد اللَّه بن بكر، حدّثنا حميد، عن أنس فذكره. • عن عبد اللَّه بن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي اللَّه ﷺ يومًا فقالوا: . . . وأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك؟ قال: "فإن وليي جبريل ﵇ ولم يبعث اللَّه نبيًا قطّ إلا وهو وليه"، قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة لتابعناك وصدّقناك، قال: "فما يمنعكم من أن

стр. 6762

تصدقوه؟ " قالوا: إنه عدونا، قال: فعند ذلك قال اللَّه : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى قوله : ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ فعند ذلك ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. حسن: رواه أحمد (٢٥١٤) عن هاشم بن القاسم، حدّثنا عبد الحميد، حدّثنا شهر، قال ابن عباس: فذكره. عبد الحميد هو ابن بهرام الفزاري، صاحب شهر بن حوشب، وهو صدوق. وشهر هو ابن حوشب مختلف فيه. وقد توبع بالجملة في رواية رواها الإمام أحمد (٢٤٨٣) من وجه آخر عن عبد اللَّه بن الوليد، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وفيه بكير بن شهاب الكوفي وثّقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: "شيخ"، وقال الذهبي: "صدوق". وسبق الحديث بطوله في كتاب الإيمان باب ما جاء أن جبريل كان وليا للنبي ﷺ وولي جميع الأنبياء. ٣٠ - باب قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ قوله: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: هما ملكان في رأي جمهور أهل العلم، وكانا يعلّمان الناسَ السحرَ امتحانًا لهم مع بيان قبحه، بأنه يفرّق بين المرء وزوجته، فوجدا أن كثيرًا من الناس مقبلين على تعليم السحر، ولم يكن من قصدهما تعليم السحر وممارسته، فإن ذلك من عمل الشيطان، وقد أخبرا نحن فتنة، ولكن الناس لم ينتهوا، فبدؤوا يتعلمون منهما ما يفرّقون به. وقد رويت أحاديث كثيرة في قصة هاروت وماروت ولا يصح منها شيء. ومن أشهرها ما رواه الإمام أحمد (٦١٧٨)، والبزار -كشف الأستار- (٢٩٣٨) وابن حبان (٦١٨٦) والبيهقي (١٠/ ٤ - ٥) كلهم من حديث يحيى بن أبي بكير، عن زهير بن محمد، عن موسى ابن جبير، عن نافع، عن ابن عمر أنه سمع نبي اللَّه ﷺ يقول: "إن آدم لما أهبطه اللَّه تعالى إلى الأرض، قالت الملائكة: أي رب، أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون، قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال اللَّه تعالى

стр. 6763

للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة، حتى يهبط بهما إلى الأرض، فننظر كيف قالوا: ربنا، هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاه نفسها، فقالت: لا واللَّه، حتى تكلما بهذه الكلمة من الاشراك، فقالا: واللَّه لا نشرك باللَّه أبدًا، فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا واللَّه حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: واللَّه لا نقتله أبدًا، فذهبت، ثم رجعت بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا واللَّه حتى تشربا هذا الخمر، فشربا، فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا، قالت المرأة: واللَّه ما تركتما شيئًا مما أبيتماه علي إلا قد فعلتما حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وموسى بن جبير هو الأنصاري ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ١٣٩) ولم يقل فيه شيئًا، فهو في عداد المجاهيل، وذكره ابن حبان في ثقاته (٧/ ٤٥١) وقال: "يخطئ ويخالف". وقال البزار: "رواه بعضهم عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، وإنما أتى رفع هذا الحديث عندي من زهير لأنه لم يكن بالحافظ". قلت: وهو كذلك؛ فإن الثقات لم يرفعوه، وقد جاء موقوفًا أيضًا عن كعب الأحبار، وهو ما رواه عبد الرزاق في تفسيره (٩٧) عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار نحوه. والخلاصة فيه كما قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد، والسدّي، والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم". وقصّها خلقٌ من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذْ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياف القرآن إجمال القصة من غير بسط، ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده اللَّه تعالى، واللَّه أعلم بحقيقة الحال" اهـ. وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي لم يتعلم السحر ولم يعلمه الناس. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ أي بتعليمهم السحر لاضلالهم وإغوائهم. وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ أي وكذلك أخذ اليهود السحر من الملكين هاروت وماروت مع أنهما قالا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي أن اللَّه جعلَنا لكم فتنة فلا تأخذوا منا السحر، ولكن لم يسمعوا، بل أخذوا منهم ما يفرّقون به بين المرء وزوجه. وبهذا ظهر أن اليهود كانوا قد أخذوا السحر من الشياطين الذين همّهم الإضلال والإفساد كما أخذوا السحر من الملكين الكريمين امتحانا لتوافقه بأهوائهم وتركوا تعاليم الأنبياء والرسل.

стр. 6764

ولذا قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾. وقد أكثر المفسرون من ذكر الإسرائيليات في هذا المقام وفي أكثرها غرابة ونكارة كما بيّنها أهل العلم، وليس فيها شيء ثابت عن النبي ﷺ ، ولذا أعرضتُ عن ذكرها. ٣١ - باب قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ • عن عمر قال: أَقْرؤُنا أُبَيّ، وأقضانا عليٌّ، وإنا لندعُ من قول أبيّ، وذاك أن أُبَيًّا يقول: لا أدعُ شيئًا سمعتُه من رسول اللَّه ﷺ وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٨١) عن عمرو بن علي، حدّثنا يحيى، حدّثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر فذكره. وقول أُبي: لا أدع شيئًا -أي لا أترك شيئًا- سمعتُه من رسول اللَّه ﷺ ، أي أنه ما كان يرى نسخ شيء من القرآن، فردّ عمر عليه محتجا بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ فإنه يدل على ثبوت النسخ. وأما ﴿ننساها﴾ فهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ومعناها نؤخّرها. وأما ﴿نُنْسِهَا﴾ فقراءة الباقين من النسيان، أي أن اللَّه يُثْبِت في قلب النبي ﷺ ما يشاء لقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ويُنسي نبيَّه ما يشاء ويَنْسخه. وفيه ردٌّ على اليهود الذين يدّعون امتناع النسخ في أحكام اللَّه تعالى مع أنه وقع النسخ في كتبه المتقدمة، وشرائعه الماضية مثل جواز آدم تزويج بناته من بنيه، ثم حُرّم ذلك، كما أباح اللَّه لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حلّ بعضها، وكذلك فعل عيسى ﵇ فنسخ بعض أحكام التوراة مثل ترك العمل يوم السبت، فكذلك نسخ القرآن بعض الأحكام التي أحدثها علماء النصارى في دينهم مثل إباحة أكل الخنزير، وتعظيم الصّليب، فللَّه الحكم المطلق يُثبتُ ما يشاء، وينسخ ما يشاء إن اللَّه على كل شيء قدير. ٣٢ - باب قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ نهى اللَّه في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل وقوعها كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. • عن سعد بن أبي وقاص ان النبي ﷺ قال: "إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته".

стр. 6765

متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٨٩)، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٨: ١٣٢) كلاهما من حديث ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: فذكره. • عن المغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه ﷺ كان ينهانا عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٧٧) ومسلم في الأقضية (١٣: ٥٩٣) كلاهما من حديث إسماعيل ابن علية، عن خالد الحذاء، عن ابن أشوع، عن الشعبي، حدثني كاتب المغيرة ابن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب بشيء سمعته من النبي ﷺ فكتب إليه، فذكر الحديث. وقوله تعالى: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ فيه إشارة إلى أن لا تسألوا رسولكم عن شيء على وجه التعنت، كما كانت بنو إسرائيل تسأل موسى ﵇ على وجه التعنت والتكذيب. وأما إن كان السؤال عن شيء على وجه التعلم فممدوح، وقد حث النبي ﷺ على التعليم والتعلم في أحاديث كثيرة. ٣٣ - باب قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ • عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٣٤: ٧٠٠) عن عبيد اللَّه بن عمر القواريري، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: حدّثنا سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: فذكره. وفي معناه ما روي عن عامر بن ربيعة، عن أبيه، وفيه عاصم بن عبيد اللَّه ضعيف، انظر تخريجه في الصلاة باب وجوب استقبال القبلة. وروي عن قتادة أنه قال في هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ هي منسوخة نسخها قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٥٠] أي تلقاءه. ٣٤ - باب قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ • عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "قال اللَّه: كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبًا أو ولدًا".

стр. 6766

صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٤٨١) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد اللَّه بن أبي حسين، حدّثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس فذكره. والشتم هو: توصيف الشخص بما هو أرزأ وأنقص، وإثبات الولد للَّه تعالى يستلزم الأمور المترتبة عليه وهي لا تليق بجلاله وعظمته. ٣٥ - باب قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قوله: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أي يثوبون، روى ابن أبي حاتم (١١٩١) بإسناده عن ابن عباس قال: يثوبون إليه، ثم يرجعون. قلت: هو من ثاب يثوب ثوبا وثوبانا، رجع بعد ذهابه. ومثابة - يعني مرجعا، فإن الحجاج والمعتمرين يتفرقون عنه، ثم يثوبون إليه. وقوله: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الحجر الذي عليه أثر قدميه. • عن عمر قال: وافقت اللَّه في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول اللَّه، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول اللَّه، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل اللَّه آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن اللَّه رسوله ﷺ خيرًا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في رسول اللَّه ﷺ ما يعظ نساءه، حتى تعظهن أنت؟ فأنزل اللَّه: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ [التحريم: ٥]. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٨٣) عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: فذكره. • عن جابر أنه يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: لما طاف النبي ﷺ ، قال له عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم، قال: نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١١٩٦) عن الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا عبد الوهاب ابن عطاء، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدث فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الوهاب بن عطاء وهو الخفاف فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت بما ينكر عليه وله ما يشهده.

стр. 6767

وهو ما رواه مسلم في باب حجّة النبي ﷺ (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه ﵇ بعد أن استلم الركن ورمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فيقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا﴾ [الكافرون: ١]. فالظاهر أن قول عمر سبق عن فعل النبي ﷺ ، وجابر بن عبد اللَّه اختصره أحيانًا وفصله أخرى. ولذا صحّحه الحافظ ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨) وقال بعد أن أخرجه من طريق ابن أبي حاتم: "سنده صحيح، وأصله في صحيح مسلم، وأخرج النسائيّ وابن مردويه من حديث جابر نحوه". وفي الباب ما روي عن ابن عمر قال: يا رسول اللَّه لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ رواه الطبرانيّ في الكبير (١٢/ ٣٠٥) وفيه جعفر بن محمد بن جعفر المدائني قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٣١٦): "لم أعرفه وبقية رجاله ثقات". • عن ابن عباس قال في حديث طويل عن بناء الكعبة: ثم لبث عنهم ما شاء اللَّه، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن اللَّه أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن اللَّه أمرني أن أبني ها هنا بيتًا -وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها- قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. صحيح: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٣٦٤) عن عبد اللَّه بن محمد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: فذكره. ٣٦ - باب قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ ﴿الْقَوَاعِدَ﴾ جمع قاعدة وهي الأساس. • عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ألم تري أن قومك بنوا الكعبة واقتصروا على قواعد إبراهيم؟ " قلت: يا رسول اللَّه، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: "لولا حدثان قومك بالكفر".

стр. 6768

فقال عبد اللَّه بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ ما أرى رسول اللَّه ﷺ ترك استلام الركنين الذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمّ على قواعد إبراهيم. متفق عليه: رواه مالك في الحج (١٠٩) عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه، أن عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر الصديق، أخبر عبد اللَّه بن عمر، عن عائشة قالت فذكرته. ورواه البخاريّ في التفسير (٤٤٨٤) ومسلم في الجج (١٣٣٣: ٣٩٩) كلاهما من حديث مالك به. وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن القواعد كانت قبل إبراهيم ﵇، ولكن لم يثبت في الأخبار أول من بنى الكعبة المشرفة، فإن الأخبار الواردة في هذا كلها ضعيفة، والغريب في الأمر من يقول: إنها من الإسرائيليات وهو لا يعلم بأن الإسرائيليين لا يعترفون بمهاجرة إبراهيم ﵇ مع زوجته هاجر إلى مكة، وقد أثبتُّ في كتابي "اليهودية والمسيحية" بنصوص التوراة بأن إبراهيم ﵇ هاجر إلى مكة، وإن قصة ذبح ابنه إسماعيل وقعت في منى فراجعه. ٣٧ - باب قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ أي من بني إسماعيل، وهو نبينا محمد ﷺ فإنه لم يبعث من بني إسماعيل غيره، كما لن يُبعث بعده أحد إلى يوم القيامة. • عن العرباض بن سارية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني عبد اللَّه خاتم النبيين وإن آدم ﵇ لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين ترين". وفي رواية: "ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصر الشام". حسن: رواه أحمد (١٧١٥٠) والطبراني في الكبير (١٨/ ٦٢٩) والبزار - كشف الأستار (٢٣٦٥) والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٣٠) وصحّحه ابن حبان (٦٤٠٤) والحاكم (٢/ ٦٠٠) كلهم من طرق عن سعيد بن سويد، عن عبد الأعلى بن هلال، عن العرباض بن سارية فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد شاهد للحديث الأول" وهو حديث خالد بن معدان الآتي ذكره. وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ٤٢): "إسناده حسن إن شاء اللَّه". قلت: وهو كما قال، وإن كان فيه سعيد بن سويد الكلبي لم يوثقه غير ابن حبان فإنه لا بأس به كما قال البزار. • عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ أنهم قالوا: يا رسول اللَّه! أخبرني عن نفسك، قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأتْ أمي حين

стр. 6769

حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى، وبصرى من أرض الشام". حسن: رواه الحاكم (٢/ ٦٠٠) من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان فذكره. وهو في سيرة ابن إسحاق الفقرة (٣٣) من هذا الوجه. قال الحاكم: خالد بن معدان من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل فمن بعده من الصحابة، فإذا أسند الحديث إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٧٥): "هذا إسناد جيد قوي". ٣٨ - باب قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وإسماعيل ﵇ كان عما ليعقوب وقد تسمي العرب العم أبًا، لأنه بمنزلة الأب، وصحّ ذلك في الحديث الآتي: • عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللَّه ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عم رسول اللَّه ﷺ فذكر الحديث، وفيه: ثم قال: "يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٦٨) ومسلم في الزكاة (٩٨٣) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره، والسياق لمسلم، وليس عند البخاريّ: "يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟ ". قوله: "صنو أبيه" الصنو: المثل وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، ومعنى الحديث: أن العم مثل الأب في التعظيم والاحترام. ٣٩ - باب قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ • عن أبي هريرة قال: كان أهل الجاهلية يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ". صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٨٥) عن محمد بن بشار، حدّثنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره.

стр. 6770

هذا الحديث أصل في وجوب التوقف عما يشكل من الأمور والعلوم، فلا يقضى عليه بجواز أو بطلان، ولا بتحليل ولا تحريم، وقد أمرنا أن نؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء، إلا أن قراء الكتب من اليهود والنصارى قد حرّفوا وبدّلوا، ولا سبيل لنا إلى العلم بما هو صحيح منه، وأن ما يحكونه عن تلك الكتب هل هو مستقيم؟ فأمرنا بالتوقف فيه، فلا نُصدّقهم لئلا نكون شركاء معهم فيما حرّفوه وبدّلوه منه، ولا نكذب به؛ فلعله يكون صحيحًا فنكون منكرين لما أمرنا أن نؤمن، ونقول: آمنا بما أنزل اللَّه من كتاب. أفاده الخطابي في أعلام الحديث (٣/ ١٨٠١). ٤٠ - باب قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ • عن البراء أن رسول اللَّه ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أو صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد باللَّه لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٨٦) ومسلم في المساجد (٥٢٥) كلاهما من حديث أبي إسحاق، عن البراء بن عازب فذكره واللفظ للبخاري. وقوله: ﴿إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم. • عن ابن عباس قال: لما وجه النبي ﷺ إلى الكعبة قالوا: يا رسول اللَّه! كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. حسن: رواه أبو داود (٤٦٨٠) والترمذي (٢٩٦٤) وأحمد (٢٦٩١) وصحّحه ابن حبان (١٧١٧)

стр. 6771

والحاكم (٢/ ٢٦٩) كلهم من طرق عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. ومن هذه الطرق طريقُ سفيان الثوري، عن سماك. قال الترمذيّ: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: إسناده حسن من أجل رواية سفيان الثوري عن سماك، فإنه روى عنه قديمًا، ورواية من روى عنه قديمًا مستقيمة. • عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباءإذ جاء جاءٍ فقال: أنزل اللَّه على النبي ﷺ قرآنا أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها فتوجهوا إلى الكعبة. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٨٨) ومسلم في المساجد (٥٢٥) كلاهما من حديث عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر فذكره واللفظ للبخاري. • عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ فمرّ رجل من بني سلمة، وهم ركوع في صلاه الفجر، وقد صلّوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد حوّلت، فمالوا كما هو نحو القبلة. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٢٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عفان، حدّثنا حماد ابن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره. ورواه البخاريّ (٤٤٨٩) بإسناده عن أنس قال: لم يبق ممن صلى القبلتين غيري. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا ربّ، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلّغ، ويكون الرسول عليكم شهيدا، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. الوسط العدل". صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٨٧) عن يوسف بن راشد، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد فذكره. ورواه أيضًا في الاعتصام (٧٣٤٩) عن إسحاق بن منصور، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا الأعمش، حدّثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري مختصرًا. وفي رواية أبي أسامة التصريح بالتحديث من الأعمش والبخاري رحمه اللَّه تعالى أحيانًا يأتي

стр. 6772

بمثل هذه الفوائد وإن كانتْ عنعنة الأعمش غير قادحة. قوله: "الوسط العدل" مرفوع من نفس الخبر. وكذلك رواه أحمد (١١٠٦٨)، والترمذي (٢٩٦١) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ في قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلا. إلا أن بعض الرواة جعلوه مدرجًا من كلام أبي سعيد، والصواب هو الأول. ٤١ - باب قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يقول: "يقول اللَّه تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليَّ بشبر تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٠٥) ومسلم في الذكر والدعاء (٢٦٧٥) كلاهما من حديث الأعمش، سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة، فذكره. ٤٢ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ • عن أم سلمة قالت: أنها سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره اللَّه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف اللَّه له خيرًا منها". قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول اللَّه ﷺ ، ثم إني قلتها، فأخلف اللَّه لي رسول اللَّه ﷺ قالت: أرسل إليّ رسول اللَّه ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور، فقال: "أما ابنتها فندعو اللَّه أن يغنيها عنها، وأدعو اللَّه أن يذهب بالغيرة". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩١٨) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن سعيد بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن ابن سفينة، عن أم سلمة فذكرته. ورواه مسلم من وجه آخر عن أبي أسامة، عن سعد بن سعيد بإسناده وجاء فيه: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها". قالت أم سلمة: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول اللَّه ﷺ ، فأخلف اللَّه لي خيرًا منه

стр. 6773

رسول اللَّه ﷺ . • عن أبي هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "من يرد اللَّه به خيرًا يصب منه". صحيح: رواه مالك في العين (١٧٥٢) عن محمد بن عبد اللَّه بن أبي صعصعة، أنه قال: سمعت أبا الحباب سعيد بن يسار، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره. ورواه البخاريّ في المرضى (٥٦٤٥) من طريق مالك به. وقوله: "يصب منه" قال أبو عبيد الهروي: معناه يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها. وقال غيره: معناه يوجه إليه البلاء فيصيبه. • عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أنهما سمعا رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر اللَّه بها من خطاياه". متفق عليه: رواه البخاريّ في المرضى (٥٦٤١ - ٥٦٤٢) ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٧٣) كلاهما من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، فذكراه. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٤٣ - باب قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ • عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة فقال: أرأيت قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فواللَّه ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يا ابن اختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطوّف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، قالوا يا رسول اللَّه، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل اللَّه تعالى: الآية. قالت عائشة ﵂: وقد سن رسول اللَّه ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم، يذكرون أن الناس -إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل بمناة- كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر اللَّه تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا: يا رسول اللَّه كنا

стр. 6774

نطوف بالصفا والمروة، وإن اللَّه أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن اللَّه تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٤٣) ومسلم في الحج (٢٦١: ١٢٧٧) كلاهما من حديث ابن شهاب الزهري، يحدث عن عروة بن الزبير، يقول: سألت عائشة فقلت لها فذكرته. • عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٩٦) ومسلم في الحج (١٢٧٨) كلاهما من حديث عاصم بن سليمان، عن أنس فذكره. • عن جابر بن عبد اللَّه قال في حجّة النبي ﷺ في حديث طويل: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ "أبدأ بما بدأ اللَّه به" فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحّد اللَّه، وكبره وقال: "لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلّا اللَّه وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا. . . الحديث. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه. . . فذكر الحديث بطوله. ٤٤ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾

стр. 6775

قوله: ﴿أَنْدَادًا﴾: واحدها ندّ أي: شركاء. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال النبي ﷺ كلمة، وقلت أخرى، قال النبي ﷺ : "من مات وهو يدعو من دون اللَّه ندا دخل النار" وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو اللَّه ندا دخل الجنة. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٩٧) ومسلم في الإيمان (١٥٠: ٩٢) كلاهما من حديث الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكره. هذا الذي قاله عبد اللَّه بن مسعود فإن من المعروف أنه كان يحتاط في رفع الحديث إلى النبي ﷺ ، ولذا قيل: إنه سمع الحديثين جميعًا من النبي ﷺ فرفع منهما ما كان حافظا له، ووقّف الذي شك فيه، لأن اللفظين ثابتان عن النبي ﷺ في حديث جابر الآتي: • عن جابر قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول اللَّه، ما الموجبتان؟ فقال: "من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك باللَّه شيئًا دخل النار". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٥١: ٩٣) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر فذكره. ٤٥ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيها الناس إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر: الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ ". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠١٥) عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا فضيل بن مرزوق، حدثني عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: فذكره. ٤٦ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ قوله: ﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾: عام يشمل كل ميتة ودم، ولكن استثني من الميتة: السمك والجراد، ومن الدم: الكبد والطحال، فإنها حلال.

стр. 6776

• عن عبد اللَّه بن عمر قال: أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحيتان، والكبد والطحال. صحيح: رواه البيهقي (١/ ٢٥٤) من حديث ابن وهب، ثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عبد اللَّه بن عمر فذكره. قال البيهقي: "هذا إسناد صحيح وهو في معنى المسند". وكذا قال أيضًا ابن عبد الهادي في التنقيح (٤/ ٦٤٣): "والصحيح في هذا الحديث ما رواه سليمان بن بلال -الثقة الثبت- عن زيد بن أسلم، عن عبد اللَّه بن عمر، أنه قال: "أحلت لنا ميتتان" وهو موقوف في حكم المرفوع. اهـ قلت بل هو مرفوع لفظا ومعنا؛ فإن التحليل والتحريم من الشارع. قال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٩٢): "هذا حديث حسن، وهذا الموقوف في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي: "أُحِلَّ لنا كذا، وحُرِّمَ علينا" ينصرف إلى إحلال النبي ﷺ وتحريمه". اهـ. ٤٧ - باب قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ • عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أي الصّدقة أعظم أجرًا؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلذت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٩) ومسلم في الزكاة (١٠٣٢) كلاهما من طريق عبد الواحد، حدّثنا عمارة بن القعقاع، حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا أبو هريرة قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على لفظ حديث قبله. وقوله: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ فيه ترغيب، أي لا ترده صفر اليدين، وقد جاء في الحديث: • عن عبد الرحمن بن بجيد، عن جدته أم بجيد -وكانت ممن بايع رسول اللَّه ﷺ أنها قالت: يا رسول اللَّه، إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد شيئًا أعطيه إياه، فقال

стр. 6777

لها رسول اللَّه ﷺ : "إن لم تجدي شيئًا تعطينه إياه، إلا ظلفا محرّقا فادفعيه إليه في يده". حسن: رواه أبو داود (١٦٦٦) والترمذي (٦٦٥) والنسائي (٢٥٧٤) وابن خزيمة (٢٤٧٣) كلهم من طريق الليث، عن سعد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن بجيد، عن جدته أم بجيد، فذكرته. وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن بجيد -بضم الباء وفتح الجيم- مصغرًا، روى له الجماعة، وذكره ابن حبان في ثقاته (٣/ ٢٥٥) وهو حسن الحديث. وقيل: له رؤية، وذكره بعضهم في الصحابة. وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. • عن البراء قال: كنا واللَّه إذا احمرّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ . صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٧٩: ١٧٧٦) عن أحمد بن جناب المصيصي، حدّثنا عيسى بن يونس، عن زكريا، عن أبي إسحاق، قال: جاء رجل إلى البراء، فذكره في حديث طويل. ٤٨ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ • عن أنس أن الربيع -وهي ابنة النضر- كسرت ثنية جارية، فطلبوا الأرش وطلبوا العفو، فأبوا، فأتوا النبي ﷺ فأمرهم بالقصاص، فقال أنس بن النضر، أتكسر ثنية الربيع يا رسول اللَّه؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال: "يا أنس، كتاب اللَّه القصاص" فرضي القوم وعفوا، فقال النبي ﷺ : "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره". صحيح: رواه البخاريّ في الصلح (٢٧٠٣) عن محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، قال: حدثني حميد، أن أنسًا حدثهم، فذكره. • عن أبي هريرة أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلًا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول اللَّه ﷺ فقال: "إن اللَّه حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما يودى وإما يقاد". . . الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في الديات (٦٨٨٠) ومسلم في الحج (١٣٥٥) كلاهما من طريق شيبان،

стр. 6778

عن يحيى، أخبرني أبو سلمة، أنه سمع أبا هريرة، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال اللَّه تعالى لهذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قتل بعد قبول الدية. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٩٨) عن الحميدي، حدّثنا سفيان، حدّثنا عمرو قال: سمعت مجاهدًا قال: سمعت ابن عباس يقول: فذكره. ٤٩ - باب قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ • عن عبد اللَّه بن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة". متفق عليه: رواه مالك في الوصية (١) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره. ورواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٣٨) من طريق مالك به. ورواه مسلم في الوصية (١٦٢٧) من طرق عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد اللَّه أخبرني نافع به. • عن سعد بن أبي وقاص قال: جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: "يرحم اللَّه ابن عفراء" قلت: يا رسول اللَّه، أوصي بمالي كله؟ قال: "لا" قلت: فالشطر؟ قال: "لا" قلت: الثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك، وعسى اللَّه أن يرفعك فينفع بك ناس ويضر بك آخرون" ولم يكن له يومئذ إلا ابنة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٤٢) ومسلم في الوصية (١٦٢٨) كلاهما من طريق سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: فذكره، واللفظ للبخاري ولم يسق مسلم لفظه، وإنما أحال على لفظ حديث قبله. ٥٠ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ • عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض

стр. 6779

رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (٢٠٠١) ومسلم في الصيام (١١٥: ١١٢٥) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٥١ - باب قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ • عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٠٧) ومسلم في الصيام (١٤٩: ١١٤٥) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد اللَّه، عن يزيد مولى سلمة، عن سلمة بن الأكوع فذكره. ومعنى الحديث أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا، ثم إن اللَّه أنزل الآية الأخرى وهي قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأثبت اللَّه صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الاطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام. • عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينا. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٠٥) عن إسحاق، أخبرنا روح، حدّثنا زكريا بن إسحاق، حدّثنا عمرو بن دينار، عن عطاء قال فذكره. فالنسخ الثابت هو في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصوم عليه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وأما الشّيخ الفاني الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر، ولا قضاء عليه. وقوله: "فليطعمان مكان كل يوم مسكينا"، هذا رأي ابن عباس، وبه قال أكثر العلماء، وكان أنس بعد أن كبر كان أطعم كل يوم مسكينا خبزًا ولحمًا، وأفطر. والقول الآخر وهو أحد قولي الشافعي: لا يجب عليه إطعام كما لا يجب على الصبي الذي لم يبلغ، لأن اللَّه لا يكلف نفسًا إلا وسعها. انظر مزيدًا من التفصيل في كتاب الصيام.

стр. 6780

٥٢ - باب قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ • عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد اللَّه قالا: سافرنا مع رسول اللَّه ﷺ فيصوم الصّائم ويفطر المفطر، فلا يعيب بعضهم على بعض. صحيح: رواه مسلم في الصيام (١١١٧) من طرق عن مروان بن معاوية، عن عاصم، قال: سمعت أبا نضرة يحدث، عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد اللَّه، قالا: فذكراه. وقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾. • عن عبد اللَّه بن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ ذكر رمضان، فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له". متفق عليه: رواه مالك في الصيام (٦٣٣) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره. ورواه البخاريّ في الصوم (١٩٠٦) ومسلم في الصيام (١٠٨٠) كلاهما من طريق مالك به. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّي عليكم الشهر فعدّوا ثلاثين". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٠٩) ومسلم في الصيام (١٩: ١٠٨١) كلاهما من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه. وأما ما روي عن واثلة بن الأسقع أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أنزلت صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان" فهو ضعيف. رواه أحمد (١٦٩٨٤) والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٨٥) وفي الأوسط (٣٧٥٢) والبيهقي في السنن (١٨٨١٩) وشعب الإيمان (٢٢٤٨) والأسماء والصفات (ص ٢٣٣ - ٢٣٤) والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٨١٨) كلهم من حديث عمران القطان، عن قتادة، عن أبي ألمليح، عن واثلة ابن الأسقع فذكره. قال الطبرانيّ في الأوسط: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا عمران القطان، ولا يروى عن رسول اللَّه ﷺ إلا بهذا الإسناد.

стр. 6781

قلت: وعمران القطان هو ابن داور -بفتح الواو وبعدها راء- أبو العوام مختلف فيه فضعّفه ابن معين وأبو داود والنسائي. وقال الدارقطني: "كان كثير المخالفة"، ومشّاه الآخرون غير أن الضابط في مثل هؤلاء: لا يقبل حديثهم إذا انفردوا عن شيخ كثير الرواية مثل قتادة وغيره. وخالفه في إسناده عبيد اللَّه بن أبي حميد. رواه أبو يعلى (٢١٩٥) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن عبيد اللَّه، عن أبي المليح، عن جابر بن عبد اللَّه موقوفًا. وعبيد اللَّه هو: ابن حميد الهذلي أبو الخطاب البصري ضعيف باتفاق أهل العلم. قال الحاكم وأبو نعيم: "يروي عن أبي المليح وعطاء مناكير". ورواه إبراهيم بن طهمان، عن قتادة من قوله، ولم يجاوز به. قاله البيهقي في الأسماء والصفات. وإبراهيم لم يلقَ قتادة. وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعًا: "أنزلت الصحف على إبراهيم في ليلتين من شهر رمضان وأنزل الزبور على داود في ست من رمضان، وأنزلت التوراة على موسى لثمان عشرة من رمضان، وأنزل القرآن على محمد ﷺ لأربع وعشرين من رمضان". رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦/ ٢٠٢) من طريق تمام بن محمد، عن أبي عمر محمد بن موسى بن فضالة القرشي، نا أبو قصي، نا أبي، عن علي هو ابن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. وأبو قصي هو إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن إسماعيل العذري. يقول الذهبي في السير (٤/ ١٨٥): "المحدث العالم، روى عن أبيه، وروى عنه الطبرانيّ والحافظ أبو علي النيسابوري وغيرهما". وأما أبوه فترجمه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٢/ ٢٠) ولم يذكر من روى عنه غير ابنه، ولم يتكلم فيه بجرح وتعديل فهو "مجهول العين". وله شاهد آخر عن عائشة إلا أنه موقوف عليها. رواه الخلال في أماليه (٣٢) حدّثنا القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الجراحي، حدّثنا محمد ابن حيوية المروزي، حدّثنا عبد اللَّه بن حماد الآملي، حدّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا عبد الرحمن ابن يحيى الصدفي أبو شيبة قال: حدثني حبان بن أبي جبلة، عن عائشة قالت: أنزلت الصحف الأولى أول يوم من رمضان، وأنزلت التوراة في ستة من رمضان، وأنزل الإنجيل في اثني عشر من رمضان، وأنزل الزبور في ثمانية عشر من رمضان، وأنزل القرآن في أربعة وعشرين من رمضان. وفيه محمد بن حيوية المروزي إنْ كان هو الكرخي فهو متهم، وإن كان غير ذلك فلا أعرفه، وبقية الرجال بين صدوق وثقة.

стр. 6782

والخلاصة فيه أنه لم يسلم طريق من هذه الطرق من ضعيف أو متروك أو انقطاع مع المخالفة في الإسناد والمتن. ٥٣ - باب قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ • عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي ﷺ : "أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبًا وهو معكم" .. . . الحديث. صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا محمد بن فضيل وأبو معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى الأشعري قال: فذكره. ٥٤ - باب قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ فيه رخصة للمسلمين ورفع الحرج الذي كان في ابتداء الإسلام فإنه إذا كان أحدهم أفطر يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة فوجدوا في ذلك مشقة كبيرة فرفع اللَّه هذه المشقة. • عن البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل اللَّه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٠٨) من طريق أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول فذكره. • عن البراء قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الافطار أتى أهله فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءت امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحا شديدًا، ونزلت: ﴿وَكُلُوا

стр. 6783

وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾. صحيح: رواه البخاريّ في الصوم (١٩١٥) عن عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء فذكره. • عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فكان الناس على عهد رسول اللَّه ﷺ إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى القابلة فاختان رجل نفسه، فجامع امرأته وقد صلى العشاء، ولم يفطر فأراد اللَّه أن يجعل ذلك يسرًا لمن بقي، ورخصة ومنفعة، فقال سبحانه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وكان هذا مما نفع اللَّه به الناس، ورخّص لهم ويسّر. حسن: رواه أبو داود (٢٣١٣) عن أحمد بن محمد بن شبوية، حدثني علي بن حسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن حسين بن واقد وأبيه فإنهما حسنا الحديث. • عن ابن عباس قال: إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل يأكلون ويشربون، ويحل لهم إتيان النساء، فإذا نام أحدهم لم يطعم، ولم يشرب، ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما نام، ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشكو إلى اللَّه وإليك الذي صنعت، قال: "وماذا صنعت؟ " قال: سوّلت لي نفسي فوقعت على أهلي بعد ما نمت، وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي ﷺ قال: "ما كنت خليقًا أن تفعل" فنزل الكتاب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. صحيح: رواه موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره. وإسناده صحيح إلا قوله: "ما كنت خليفا أن تفعل" ففيه غرابة. لأنه جاء في قصة أخرى إن امرأة عمر هي التي نامت. • عن موسى بن جبير مولى بني سلمة، أنه سمع عبد اللَّه بن كعب بن مالك، يحدث عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى، فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي

стр. 6784

- ﷺ ذات ليلة وقد سهر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت: إني قد نمت، قال: ما نمت، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر إلى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. حسن: رواه أحمد (١٥٧٩٥) عن عتاب بن زياد قال: أخبرنا عبد اللَّه، قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدثني موسى بن جبير فذكره. وإسناده حسن من أجل موسى بن جبير؛ فإنه روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في الثقات، وابن لهيعة فيه كلام معروف، ورواية عبد اللَّه بن المبارك أحد العبادلة أعدل وأصح من غيرهم. ويؤيده ما رواه ابن مردويه من طريق هُشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول اللَّه إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله، فقالت: إنها قد نامت، فظننتُها تعتلّ، فواقعتُها فنزل في عمر ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. ذكره ابن كثير وقال: هكذا رواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى. واختلف في سماع ابن أبي ليلى من عمر بن الخطاب، والصحيح أنه لم يسمع منه. • عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسًا من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ فأنزل اللَّه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني: أنكحوهن ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. حسن: رواه ابن جرير الطبري (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦) عن المثنى قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية ابن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل معاوية بن صالع فإنه حسن الحديث. • عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتها تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول اللَّه ﷺ فذكرت له ذلك فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩١٦) ومسلم في الصيام (١٠٩٠) كلاهما من حديث حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم فذكره. واللفظ للبخاري.

стр. 6785

وفي رواية عندهما قال له رسول اللَّه ﷺ : "إن وسادتك إذا لعريض، أن كان الخيط الأبيض تحت وسادتك" البخاري (٤٥٠٩) ومسلم (١٠٩٠). وفي لفظ عند البخاريّ (٤٥١٠): "إنّك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين" ثم قال: "لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار". • عن سهل بن سعد قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل اللَّه بعد: ﴿مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩١٧) ومسلم في الصيام (٣٥: ١٠١٩) كلاهما من حديث سعيد بن أبي مريم، أخبرنا أبو غسان، حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: فذكره ولفظهما سواء. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. • عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصّائم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٥٤) ومسلم في الصيام (١١٠٠) كلاهما من طريق هشام بن عروة قال: سمعت أبي يقول: سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. • عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: إن كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارَّة، وإن كان رسول اللَّه ﷺ ليدخل علي رأسه وهو في المسجد، فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتكاف (٢٠٢٩) ومسلم في الحيض (٧: ٢٩٧) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرته، واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ مختصر. ٥٥ - باب قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ • عن أم سلمة، عن النبي ﷺ قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون، ولعل

стр. 6786

بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار". متفق عليه: رواه البخاريّ في الحيل (٦٩٦٧) ومسلم في الأقضية (١٧١٣) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٥٦ - باب قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ • عن البراء بن عازب يقول: نزلت هذه الآية فينا كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، فكأنه عيّر بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في العمرة (١٨٠٣) ومسلم في التفسير (٣٠٢٦) كلاهما من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: فذكره. وفي لفظ عند البخاريّ (٤٥١٢): كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل اللَّه، فذكر الآية. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: كانت قريش يدعون الحمس وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من الأبواب في الإحرام، فبينما رسول اللَّه ﷺ في بستان فخرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري فقالوا: يا رسول اللَّه، إن قطبة بن عامر رجل فاجر، إنه خرج معك من الباب، فقال: "ما حملك على ذلك؟ " قال: رأيتك فعلت ففعلت، فقال: "إني أحمسي" فقال: إن ديني دينك، فأنزل اللَّه : ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. صحيح: رواه الحاكم (٤٨٣/ ١) والواحدي في أسباب النزول (ص ٤٨) كلاهما من حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه الزيادة". وهو كما قال، إلا أنه اختلف على الأعمش في وصله وإرساله، والوصل هو الصحيح لما فيه

стр. 6787

من زيادة علم ويشهد له حديث البراء، ثم قال الواحدي: "وقال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة، لم يدخل حائطًا ولا بيتًا ولا دارا من بابه، فإن كان من أهل المدينة نقب نقبًا في ظهر بيته، منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل من الباب حتى يحل من إحرامه، ويرون ذلك دينا، إلا أن يكون من الحمس وهم قريش، وكنانة وخزاعة، وثقيف، وخثعم، وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النضر بن معاوية، سموا حمسا لشدتهم في دينهم قالوا: فدخل رسول اللَّه ﷺ ذات يوم بيتًا لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار على أثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لم دخلت من الباب وأنت محرم؟ " فقال: رأيتك دخلت من الباب فدخلت على أثرك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إني أحمسي" قال الرجل: إن كنت أحمسيا فإني أحمسي، ديننا واحد، رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل اللَّه هذه الآية" انتهى. ٥٧ - باب قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ • عن بريدة قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمّر أميرًا على جيش، أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم اللَّه في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا، ولا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا. . . ". صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٣: ١٧٣١) من طرق عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه فذكره في حديث طويل. والاعتداء هو المناهي الواردة في السنن والآثار مثل المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان، وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير المصلحة، روي ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. ٥٨ - باب قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ • عن نافع، عن ابن عمر، قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ ، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن اللَّه حرم دم أخي، قالا: ألم يقل اللَّه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين للَّه، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير اللَّه.

стр. 6788

صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥١٣) عن محمد بن بشار، حدّثنا عبد الوهاب، حدّثنا عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. قال البخاريّ (٤٥١٤): وزاد عثمان بن صالح، عن وهب قال: أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو المعافري: أن بكير بن عبد اللَّه حدثه، عن نافع: أن رجلًا أتى ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد في سبيل اللَّه، وقد علمت ما رغب اللَّه فيه؟ فقال: يا ابن أخي، بني الإسلام على خمس: الإيمان باللَّه ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت، قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمعِ ما ذكر اللَّه في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال: فعلنا على عهد النبي ﷺ وكان الإسلام قليلًا، وكان الرجل يفتن في دينه: إما قتلوه أو عذبوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة. قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان اللَّه عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه، وأما علي فابن عم رسول اللَّه ﷺ وختنه، وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون. انتهى. ٥٩ - باب قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ • عن حذيفة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ قال: نزلت في النفقة. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥١٦) عن إسحاق، أخبرنا النضر، حدّثنا شعبة، عن سليمان قال: سمعت أبا وائل، عن حذيفة فذكره. • عن أسلم أبي عمران التجيبي، قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيمًا من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان اللَّه يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز اللَّه الإسلام وكثر ناصِروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول اللَّه ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن اللَّه قد أعز الإسلام وكثر ناصِروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل اللَّه على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة

стр. 6789

على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل اللَّه حتى دفن بأرض الروم. صحيح: رواه أبو داود (٢٥١٢) والترمذي (٢٩٧٢) وابن أبي حاتم (١/ ٣٣٠ - ٣٣١) وصحّحه ابن حبان (٤٧١١) والحاكم (٢/ ٨٤) كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم بن أبي عمران فذكره واللفظ للترمذي. قال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". قلت: هذا وهم منه ﵀؛ فإن الشيخين لم يخرجا لأسلم أبي عمران وهو أسلم بن يزيد إلا أنه ثقة، وثّقه النسائيّ وغيره. • عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: كانت الأنصار يتصدقون يعطون ما شاء اللَّه، فأصابتهم سنة فأمسكوا، فأنزل اللَّه : . حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٣٢) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩٠) والواحدي في أسباب النزول (ص ٥٠ - ٥١) وصحّحه ابن حبان (٥٧٠٩) كلهم من حديث هدبة بن خالد، حدّثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي جبيرة بن الضحاك فذكره. وإسناده حسن من أجل هدبة بن خالد فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقد انقلب في بعض المصادر "أبو جبيرة بن الضحاك" إلى "الضحاك بن أبي جبيرة"، والصواب هو: "أبو جبيرة بن الضحاك" وكذا أكّده أيضًا الحافظ ابن حجر في "الإصابة" ثم هو مختلف في صحبته، والصواب أن له صحبة، ولذا وهم من جعله مرسلًا، وفي بعض المصادر أن الحديث يشتمل على جزءين، والجزء الثاني في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]، وهو سيأتي في موضعه. وقد فسر جمهور أهل العلم التهلكة هنا - في ترك النفقة في سبيل اللَّه. نقل ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس وعكرمة والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن أبي جبير وأبي صالح والضحاك والسدي مقاتل بن حيان وقتادة. والمعنى الثاني للتهلكة هو: ظن المذنب بأنه لا توبة له، وفي ذلك أحاديث. • عن البراء بن عازب في قوله: قال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ هو الرجل يصيب الذنوب فيلقي بيده إلى التهلكة يقول: لا توبة لي. صحيح: رواه ابن جرير الطبريّ (٣/ ٣١٩) عن محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء فذكره. وإسناده صحيح.

стр. 6790

• عن النعمان بن بشير قال كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر اللَّه لي، فأنزل اللَّه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. حسن: رواه الواحدي في أسباب النزول (ص ٥١) والبيهقي في السنن (٤٥١٩) والطبراني في الأوسط (٥٦٧٢) كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير فذكره. وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث في غير عكرمة. وهذا الوجه الثاني في نزول هذه الآية. وفسّر بعض أهل العلم التهلكة: كل هلاك بأي وجه يكون لعموم اللفظ، وهو الوجه الثالث. ٦٠ - باب قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ • عن عبد اللَّه معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة- فسألته عن فدية من صيام فقال: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: "ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ " قلت: لا، قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك" فنزلت في خاصة وهي لكم عامة. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥١٧) ومسلم في الحج (٨٥: ١٢٠١) كلاهما من حديث شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، قال: سمعت عبد اللَّه بن معقل قال: فذكره. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. • عن عمران بن حصين قال: أنزلت آية المتعة في كتاب اللَّه، ففعلناها مع رسول اللَّه ﷺ ، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥١٨) ومسلم في الحج (١٧٢: ١٢٢٦) كلاهما من حديث عمران بن مسلم، عن أبي رجاء قال: قال عمران بن حصين فذكره واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. وقوله: "قال رجل برأيه ما شاء": قيل أراد به عمر بن الخطاب الذي كان ينهى عن التمتع، ليكون قصد الناس إلى البيت حاجين ومعتمرين.

стр. 6791

٦١ - باب قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوق﴾. • عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ في قول اللَّه : ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: الرفث الإعرابة والتعرض للنساء بالجماع، والفسوق المعاصي كلها، والجدال جدال الرجل صاحبه. حسن: رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٢) عن يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا سوار بن محمد ابن قريش العنبري البصري، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل شيخ الطبراني وهو يحيى بن عثمان وشيخه سوار بن محمد فإنهما حسنا الحديث، وقد تكلم في يحيى بن عثمان بما لا يوجب ردّ حديثه، ولذا قال الذهبي: "صدوق إن شاء اللَّه "، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣١٨): "فيهما لين وقد وُثّقا، وبقية رجاله رجال الصحيح". قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. • عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٢٣) عن يحيى بن بشر، حدّثنا شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: فذكره. ٦٢ - باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ • عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥١٩) عن محمد، قال: أخبرني ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس فذكره.

стр. 6792

ومحمد هو ابن سلام بن الفرج البيكندي. • عن أبي أمامة التميمي قال: كنت رجلًا أكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون لي: إنه ليس لك حج! فلقيت ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إني رجل أكري في هذا الوجه، وإن ناسًا يقولون لي: إنه أجس لك حج، فقال -يعني قال ابن عمر-: أليس تحرم وتلبي، وتطوف البيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجًا، جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن مثل ما سألتني عنه فسكت عنه رسول اللَّه ﷺ فلم يجبه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. . فأرسل إليه رسول اللَّه ﷺ وقرأ عليه هذه الآية وقال: "لك حج". حسن: رواه أبو داود (١٧٣٣) وأحمد (٦٤٣٤) وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٥٢، ٣٠٥١) والحاكم (١/ ٤٤٩) كلهم من حديث أبي أمامة به، واللفظ لأبي داود. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: وهو كما قال، إلا أن أبا أمامة، ويقال: أبو أميمة التميمي الكوفي لم يبلغ درجة الثقات الضابطين، فنقل إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، لا يعرف اسمه، وقال أبو زرعة: لا بأس به، هكذا في التهذيب. ولكن قال الحافظ في التقريب: "مقبول" فالظاهر أنه سهو منه فإن مثله يكون "صدوق" عنده. ٦٣ - باب قوله: ﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ • عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يأتي بعرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢٠) ومسلم في الحج (١٢١٩) كلاهما من حديث محمد بن خازم أبي معاوية، حدّثنا هشام، عن أبيه عن عائشة فذكرته. والحمس: هم قريش ومن ولدتهم قريش، سموا حمسًا لأنه تحمسوا في دينهم أي تشددوا. • عن عروة قال: كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس -والحمس: قريش وما ولدت- وكانت الحمس يحتسبون على الناس، يعطي الرجلُ الرجلَ الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأةُ المرأةَ الثياب تطوف فيها، فمن لم يعطه الحمس طاف

стр. 6793

بالبيت عريانا، وكان يفيض جماعة الناس من عرفات، ويفيض الحمس من جمع، قال هشام: وأخبرني أبي، عن عائشة أن هذه الآية نزلت في الحمس: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قال: كانوا يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٦٥) ومسلم في الحج (١٥٢: ١٢١٩) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن عروة فذكره. واللفظ للبخاري. ٦٤ - باب قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ • عن أنس قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢٢) عن أبي معمر، حدّثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس قال: فذكره. ورواه في الدعوات (٦٣٨٩) عن مسدد، حدّثنا عبد الوارث بإسناده قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ : "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". ورواه مسلم في الذكر (٢٦٩٠) عن زهير بن حرب، حدّثنا إسماعيل -يعني ابن علية- عن عبد العزيز -وهو ابن صهيب- قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان يدعو بها النبي ﷺ أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". ٦٥ - باب قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ • عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي يقول: شهدت رسول اللَّه ﷺ وهو واقف بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول اللَّه: كيف الحج؟ فقال: "الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه، أيام منى ثلاثة أيام، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ثم أردف رجلا خلفه، فجعل ينادي بهن. صحيح: رواه أبو داود (١٩٤٩) والترمذي (٨٨٩) وأحمد (١٨٧٧٤) وصحّحه ابن حبان (٣٨٩٢) والحاكم (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤) كلهم من طريق سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر فذكره. وإسناده صحيح. ورواه الترمذيّ أيضًا عن ابن أبي عمر قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري، عن

стр. 6794

بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي ﷺ نحوه بمعناه. وقال ابن أبي عمر: قال سفيان بن عيينة: "وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري". وقال: وقد روى شعبة، عن بكير بن عطاء نحو حديث الثوري قال: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا أنه ذكر هذا الحديث فقال: هذا الحديث أم المناسك. انتهى. ٦٦ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ • عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أبغض الرجال إلى اللَّه الألد الخصم". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢٣) ومسلم في العلم (٢٦٦٨) كلاهما من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة فذكرته. قوله: "الألدّ": شديد الخصومة. وقوله: "الخصم": الحاذق في الخصومة. والمذموم هو الخصومة بالباطل، في دفع حق، أو إثبات باطل. ٦٧ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ • عن أنس قال: نزلت على النبي ﷺ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ فلما رآه (أي صهيبا) النبيُّ ﷺ قال: "أبا يحيى ربحَ البيع" قال: وتلا عليه الآية. صحيح: رواه الحاكم (٣/ ٣٩٨) عن أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الزاهد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكره. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". وفيه قصة ذكرها الحاكم (٣/ ٣٩٨) من طريق سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: لما خرج صهيب مهاجرًا تبعه أهل مكة، فنثل كنانته، فأخرج منها أربعين سهما، فقال: لا تصلون إليَّ حتى أضع في كل رجل منكم سهما، ثم أصير بعد إلى السيف، فتعلمون أني رجل وقد خلفت بمكة قينتين فهما لكم. ٦٨ - باب قوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ • عن أسامة، عن النبي ﷺ قال: "قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها

стр. 6795

المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أُمِر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء". متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥١٩٦) ومسلم في الرقاق (٢٧٣٦) كلاهما من طريق سليمان التميمي، عن أبي عثمان، عن أسامة قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: مرّ رجلٌ على رسول اللَّه ﷺ فقال لرجل عنده جالس: "ما رأيك في هذا؟ " قال: رجل من أشراف الناس، هذا واللَّه حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول اللَّه ﷺ ثم مر رجل، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ما رأيك في هذا؟ " فقال: يا رسول اللَّه، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٧) عن إسماعيل، قال: حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد الساعدي، فذكره. • عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: "اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٩) عن أبي الوليد، حدّثنا سلم بن زرير، حدّثنا أبو رجاء، عن عمران بن حصين، فذكره. ٦٩ - باب قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ • عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول اللَّه أنبي كان آدم؟ قال: "نعم مكلم" قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون". صحيح: رواه ابن حبان (٦١٩٠) عن محمد بن يوسف حدّثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدّثنا أبو توبة، حدّثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، قال: سمعت أبا سلام قال: سمعت أبا أمامة فذكره، وسبق تخريجه في كتاب الإيمان. وروي بإسناد صحيح عن ابن عباس بنحوه موقوفا رواه الطبري في تاريخه (١/ ١٧٨) عن محمد ابن بشار، حدّثنا أبو داود، حدّثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان بين
следующие страницы →