← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

٦١ - باب قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوق﴾. • عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ في قول اللَّه : ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: الرفث الإعرابة والتعرض للنساء بالجماع، والفسوق المعاصي كلها، والجدال جدال الرجل صاحبه. حسن: رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٢) عن يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا سوار بن محمد ابن قريش العنبري البصري، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل شيخ الطبراني وهو يحيى بن عثمان وشيخه سوار بن محمد فإنهما حسنا الحديث، وقد تكلم في يحيى بن عثمان بما لا يوجب ردّ حديثه، ولذا قال الذهبي: "صدوق إن شاء اللَّه "، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣١٨): "فيهما لين وقد وُثّقا، وبقية رجاله رجال الصحيح". قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. • عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. صحيح: رواه البخاريّ في الحج (١٥٢٣) عن يحيى بن بشر، حدّثنا شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: فذكره. ٦٢ - باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ • عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥١٩) عن محمد، قال: أخبرني ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس فذكره.

стр. 6792

ومحمد هو ابن سلام بن الفرج البيكندي. • عن أبي أمامة التميمي قال: كنت رجلًا أكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون لي: إنه ليس لك حج! فلقيت ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إني رجل أكري في هذا الوجه، وإن ناسًا يقولون لي: إنه أجس لك حج، فقال -يعني قال ابن عمر-: أليس تحرم وتلبي، وتطوف البيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجًا، جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن مثل ما سألتني عنه فسكت عنه رسول اللَّه ﷺ فلم يجبه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. . فأرسل إليه رسول اللَّه ﷺ وقرأ عليه هذه الآية وقال: "لك حج". حسن: رواه أبو داود (١٧٣٣) وأحمد (٦٤٣٤) وصحّحه ابن خزيمة (٣٠٥٢، ٣٠٥١) والحاكم (١/ ٤٤٩) كلهم من حديث أبي أمامة به، واللفظ لأبي داود. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: وهو كما قال، إلا أن أبا أمامة، ويقال: أبو أميمة التميمي الكوفي لم يبلغ درجة الثقات الضابطين، فنقل إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، لا يعرف اسمه، وقال أبو زرعة: لا بأس به، هكذا في التهذيب. ولكن قال الحافظ في التقريب: "مقبول" فالظاهر أنه سهو منه فإن مثله يكون "صدوق" عنده. ٦٣ - باب قوله: ﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ • عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يأتي بعرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢٠) ومسلم في الحج (١٢١٩) كلاهما من حديث محمد بن خازم أبي معاوية، حدّثنا هشام، عن أبيه عن عائشة فذكرته. والحمس: هم قريش ومن ولدتهم قريش، سموا حمسًا لأنه تحمسوا في دينهم أي تشددوا. • عن عروة قال: كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس -والحمس: قريش وما ولدت- وكانت الحمس يحتسبون على الناس، يعطي الرجلُ الرجلَ الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأةُ المرأةَ الثياب تطوف فيها، فمن لم يعطه الحمس طاف

стр. 6793

بالبيت عريانا، وكان يفيض جماعة الناس من عرفات، ويفيض الحمس من جمع، قال هشام: وأخبرني أبي، عن عائشة أن هذه الآية نزلت في الحمس: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قال: كانوا يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحج (١٦٦٥) ومسلم في الحج (١٥٢: ١٢١٩) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن عروة فذكره. واللفظ للبخاري. ٦٤ - باب قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ • عن أنس قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢٢) عن أبي معمر، حدّثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس قال: فذكره. ورواه في الدعوات (٦٣٨٩) عن مسدد، حدّثنا عبد الوارث بإسناده قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ : "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". ورواه مسلم في الذكر (٢٦٩٠) عن زهير بن حرب، حدّثنا إسماعيل -يعني ابن علية- عن عبد العزيز -وهو ابن صهيب- قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان يدعو بها النبي ﷺ أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". ٦٥ - باب قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ • عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي يقول: شهدت رسول اللَّه ﷺ وهو واقف بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول اللَّه: كيف الحج؟ فقال: "الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه، أيام منى ثلاثة أيام، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ثم أردف رجلا خلفه، فجعل ينادي بهن. صحيح: رواه أبو داود (١٩٤٩) والترمذي (٨٨٩) وأحمد (١٨٧٧٤) وصحّحه ابن حبان (٣٨٩٢) والحاكم (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤) كلهم من طريق سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر فذكره. وإسناده صحيح. ورواه الترمذيّ أيضًا عن ابن أبي عمر قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري، عن

стр. 6794

بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي ﷺ نحوه بمعناه. وقال ابن أبي عمر: قال سفيان بن عيينة: "وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري". وقال: وقد روى شعبة، عن بكير بن عطاء نحو حديث الثوري قال: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا أنه ذكر هذا الحديث فقال: هذا الحديث أم المناسك. انتهى. ٦٦ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ • عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أبغض الرجال إلى اللَّه الألد الخصم". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢٣) ومسلم في العلم (٢٦٦٨) كلاهما من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة فذكرته. قوله: "الألدّ": شديد الخصومة. وقوله: "الخصم": الحاذق في الخصومة. والمذموم هو الخصومة بالباطل، في دفع حق، أو إثبات باطل. ٦٧ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ • عن أنس قال: نزلت على النبي ﷺ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ فلما رآه (أي صهيبا) النبيُّ ﷺ قال: "أبا يحيى ربحَ البيع" قال: وتلا عليه الآية. صحيح: رواه الحاكم (٣/ ٣٩٨) عن أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الزاهد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكره. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". وفيه قصة ذكرها الحاكم (٣/ ٣٩٨) من طريق سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: لما خرج صهيب مهاجرًا تبعه أهل مكة، فنثل كنانته، فأخرج منها أربعين سهما، فقال: لا تصلون إليَّ حتى أضع في كل رجل منكم سهما، ثم أصير بعد إلى السيف، فتعلمون أني رجل وقد خلفت بمكة قينتين فهما لكم. ٦٨ - باب قوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ • عن أسامة، عن النبي ﷺ قال: "قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها

стр. 6795

المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أُمِر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء". متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥١٩٦) ومسلم في الرقاق (٢٧٣٦) كلاهما من طريق سليمان التميمي، عن أبي عثمان، عن أسامة قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: مرّ رجلٌ على رسول اللَّه ﷺ فقال لرجل عنده جالس: "ما رأيك في هذا؟ " قال: رجل من أشراف الناس، هذا واللَّه حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول اللَّه ﷺ ثم مر رجل، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ما رأيك في هذا؟ " فقال: يا رسول اللَّه، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٧) عن إسماعيل، قال: حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد الساعدي، فذكره. • عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: "اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٩) عن أبي الوليد، حدّثنا سلم بن زرير، حدّثنا أبو رجاء، عن عمران بن حصين، فذكره. ٦٩ - باب قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ • عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول اللَّه أنبي كان آدم؟ قال: "نعم مكلم" قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون". صحيح: رواه ابن حبان (٦١٩٠) عن محمد بن يوسف حدّثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدّثنا أبو توبة، حدّثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، قال: سمعت أبا سلام قال: سمعت أبا أمامة فذكره، وسبق تخريجه في كتاب الإيمان. وروي بإسناد صحيح عن ابن عباس بنحوه موقوفا رواه الطبري في تاريخه (١/ ١٧٨) عن محمد ابن بشار، حدّثنا أبو داود، حدّثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان بين

стр. 6796

نوح وآدم ﵉ عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث اللَّه النبيين مبشرين ومنذرين". والقرن المراد به مائة سنة وهو المتبادر، وقيل: الجيل من الناس، وكان الجيل قبل نوح يعمرون عمرا طويلا، كما عُمّر نوح ﵇ ألف سنة إلا خمسين عاما، فيكون المراد بعشرة قرون عشرة أجيال وهي تستغرق آلاف السنين. ٧٠ - باب قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ هذه حكاية عن الأمم السابقة. والبأساء: الفقر، والضراء: السقم. • عن خباب بن الأرت يقول: أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة -وقد لقينا من المشركين شدة- فقلت: ألا تدعو اللَّه؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرف ذلك عن دينه، ويوضح المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرف ذلك عن دينه، وليتمن اللَّه هذا الأمر حتى يسير الركب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا اللَّه". زاد بيان: "والذئب على غنمه". صحيح: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٨٥٢) عن الحميدي، حدّثنا سفيان، حدّثنا بيان وإسماعيل قالا: سمعنا قبيسا يقول: سمعت خبّابا يقول: فذكره. ولم يثبت ما قيل إنها نزلت في غزوة الأحزاب وهو ما ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص ٦٠) عن قتادة والسدي قال: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والحر والخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى، وكان كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. وأخرج عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٣٣٢) عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾. قال: نزلت في يوم الأحزاب فذكر نحوه. وهو قول أكثر المفسرين، وإن لم يصح فيه شيء متصل. ٧١ - باب قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ

стр. 6797

سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ • عن جندب بن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ أنه بعث رهطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح أو عبيدة، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول اللَّه ﷺ فجلس، فبعث عليهم عبد اللَّه بن جحش مكانه، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك". فلما قرأ الكتاب استرجع، ثم قال: سمع وطاعة للَّه ولرسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي، فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل اللَّه : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ الآية، فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرا، فليس لهم أجر، فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾. حسن: رواه أبو يعلى (١٥٣٤)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٧٤)، والبيهقي (٩/ ١١ - ١٢) كلهم من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد اللَّه فذكره. وإسناده حسن من أجل الحضرمي وهو ابن لاحق التميمي اليمامي القاص فإنه حسن الحديث. انظر للمزيد كتاب المغازي. ٧٢ - باب قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ ليس في الآية تحريم صريح للخمر والميسر، ثم جاء التحريم بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. • عن عبد العزيز بن صهيب قال: سألوا أنس بن مالك عن الفضيخ، فقال: ما

стр. 6798

كانت لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ، إني لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ في بيتنا، إذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ قلنا: لا، قال: فإن الخمر قد حرّمت، فقال: يا أنس، أرق هذه القلال، قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٧) ومسلم في الأشربة (٤: ١٩٨٠) كلاهما من طريق ابن علية، حدّثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: فذكره، واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. • عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: سئل رسول اللَّه ﷺ عن البتع؟ فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام". متفق عليه: رواه مالك في الأشربة (١٥٩٥) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: فذكرته. ورواه البخاريّ في الأشربة (٥٥٨٥) ومسلم في الأشربة (٢٠٠١) كلاهما من طريق مالك به. • عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة". صحيح: رواه مسلم في الأشربة (٢٠٠٣) من طرق عن حماد بن زيد، حدّثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فذكره. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾. ومعنى العفو هنا ما كان زائدا على حاجته. • عن حكيم بن حزام، عن النبي ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفّه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٢٧) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا وهيب، حدّثنا هشام، عن أبيه، عن حكيم بن حزام، فذكره. ورواه مسلم في الزكاة (١٠٣٤) من وجه آخر عن حكيم بن حزام مختصرا. • عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا ابن آدم، إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٣٦) من طرق عن عمر بن يونس، حدّثنا عكرمة بن عمار، حدّثنا شدّاد قال: سمعت أبا أمامة قال: فذكره.

стр. 6799

وقوله: "وأن تمسكه شر لك" أي: إذا أدى ما عليه من الحقوق مثل الزكاة وغيرها، وأمسك الباقي فهو شر له في الآخرة لنقص أجره، وأما في الدنيا فهو مباح له، والمباح ليس بشر. وقوله: "ولا تلام على كفاف" أي: إن أبقى بعد الزكاة ما يكفيه فلا يلام، وكذلك إن نقص بعد أداء الزكاة فله أن يأخذ الزكاة والصدقات من الآخرين للكفاف وسداد حاجته. ٧٣ - باب قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ قوله: ﴿أَذًى﴾ هو قذر. وقوله: ﴿أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي من الجماع دون إخراجهن من البيوت. وقوله: ﴿حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني الفرج دون الدبر. ويقال: إن السائل الذي سأل رسول اللَّه ﷺ عن ذلك كان ثابت بن الدحداح الأنصاري. • عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول اللَّه! إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول اللَّه ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٠٢) عن زهير بن حرب، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا حماد بن سلمة، حدّثنا ثابت، عن أنس فذكره. وقوله: "ولم يجامعوهن في البيوت" أي لم يخالطوهن في البيوت، بل أخرجوهن إلى غرفة منعزلة. وقوله: "المحيض" الأول: دم الحيض، والثاني: زمن الحيض. وقوله: "إلا النكاح" أي الجماع. وقوله: "قد وجد عليهما" أي غضبا عليهما. وقوله: "لم يجد عليهما" أي لم يغضب عليهما. وروي عن عكرمة قال: كان أهل الجاهلية يصنعون في الحائض نحوا من صنيع المجوس،

стр. 6800

فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ فلم يزد الأمر فيهن إلا شدة. رواه الدارمي (١١٦٧) بإسناده عن عكرمة، وهو مرسل. وروي أيضًا عن مجاهد أنه قال: كانوا يجتنبون النساء في المحيض، ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ وقال: في الفرج ولا تعدوه. رواه الدارمي (١١٨٤) بإسناده عنه. انظر بقية الأحاديث في الطهارة والنكاح. ٧٤ - باب قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ قوله: ﴿حَرْثٌ﴾ أي موضع الولد. وقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة إذا كان في صمام واحد. وفيه رد على اليهود كما جاء في حديث جابر الآتي: • عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢٨) ومسلم في النكاح (١١٧: ١٤٣٥) كلاهما من حديث سفيان، عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابرًا يقول فذكره، واللفظ للبخاري. وفي لفظ مسلم: "إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول". ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٠٤) من وجه آخر عن ابن جريج وسفيان بن سعيد الثوري أن محمد بن المنكدر حدثهم عن جابر بن عبد اللَّه فذكره نحوه. قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول اللَّه ﷺ : "مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج". • عن عبد الرحمن بن سابط، قال: دخلت على حفصة ابنة عبد الرحمن، فقلت: إني سائلك عن أمر، وأنا أستحيي أن أسألك عنه، فقالت: لا تستحي يا ابن أخي، قال: عن إتيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا لا يجبون النساء، وكانت اليهود تقول: إنه من جبّى امرأته، كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة، نكحوا في نساء الأنصار، فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها، فقالت لزوجها: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول اللَّه ﷺ ، فدخلت على أم سلمة، فذكرت ذلك لها، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول اللَّه ﷺ ، فلما جاء رسول اللَّه ﷺ -

стр. 6801

استحيت الأنصارية أن تسأله، فخرجت، فحدثت أم سلمة رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ادعي الأنصارية" فدعيت، فتلا عليها هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ صمامًا واحدًا. حسن: رواه أحمد (٢٦٦٠١) عن عفان، حدّثنا وهيب، حدّثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط فذكره. ورواه الترمذيّ (٢٩٧٩) من وجه آخر عن سفيان، عن ابن خثيم به مختصرا، وقال: حسن، وفي نسخة: حسن صحيح. قلت: هو حسن فقط، فإن ابن خثيم مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وجبّى يجبّي من التجبية بأن تكون المراة على هيئة سجود. وجاء سبب آخر في نزول هذه الآية عن ابن عباس وهو ما يأتي: • عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! هلكت، قال: "وما أهلكك؟ " قال: حولت رحلي الليلة، قال: فلم يرد عليه رسول اللَّه ﷺ شيئًا، قال: فأنزلت على رسول اللَّه ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة. حسن: رواه الترمذيّ (٢٩٨٠) والنسائي في الكبرى (١٠٩٧٣) وأحمد (٢٧٠٣) والطحاوي في المشكل (٦١٢٧) وصحّحه ابن حبان (٤٢٠٢) كلهم من طريق يعقوب بن عبد اللَّه القمّي، قال: حدّثنا جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. قال الترمذيّ: حسن غريب، وفي نسخة: حسن صحيح. قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في يعقوب بن عبد اللَّه القمي وشيخه جعفر بن المغيرة غير أنهما حسنا الحديث. وجاء عن ابن عباس سبب آخر في نزول هذه الآية، وهو الآتي: • عن ابن عباس قال: أتى ناس من حمير إلى رسول اللَّه ﷺ فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أحب النساء فكيف ترى؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٠٤) عن يونس بن عبد الأعلى قراءة، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عباس فذكره. وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكن روى عنه عبد اللَّه بن وهب وهو أحد العبادلة، وروايتهم عنه أعدل من غيرهم، فيحسن حديثه. وذكر عنه سبب آخر في نزول هذه الآية وهو ما رواه الإمام أحمد (٢٤١٤) من وجه آخر عن

стр. 6802

عامر بن يحيى المعافري بإسناده بلفظ: أنزلت هذه الآية في أناس من الأنصار أتوا النبي ﷺ فسألوه فقال رسول اللَّه ﷺ : "ائتها على كل حال، إذا كان في الفرج". وفي إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف. فهل يقال: إن في نزول هذه الآية عدة أسباب؟ أو أنها نزلت لسبب واحد، وبقية الأسباب ذكرها ابن عباس استنباطا واجتهادًا منه، وهذا أقرب إلى الصواب. وعن سعيد بن جبير أنه قال: بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس، أتاه رجل فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس -أو يا أبا الفضل- ألا تشفيني عن آية المحيض؟ فقال: بلى، فقرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ حتى بلغ إلى آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، من ثم أمرت أن تأتي. فقال له الرجل: يا أبا الفضل، كيف بالآية التي تتبعها ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال: إي ويحك! وفي الدبر من حرث؟ لو كان ما تقول حقا لكان المحيض منسوخا، إذا اشتغل من هاهنا جئت من هاهنا، ولكن ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ من الليل والنهار. رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٧٥٠) وابن أبي حاتم في التفسير (٢/ ٤٠٢) بإسنادهما، واللفظ لابن جرير، وفيه عمار الدهني حسن الحديث. ففي هذه الأحاديث: المنع من إتيان النساء فيما سوى فروجهن، وهو أمر جاء النقل فيه عن رسول اللَّه ﷺ من أوجه كثيرة. • عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده قال: قلت: يا رسول اللَّه، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "ائت حرثك أنى شئت". حسن: رواه أبو داود (٢١٤٣) وأحمد (٢٠٠٣٠) كلاهما من طريق بهز بن حكيم بإسناده أطول منه. وإسناده حسن من أجل بهز بن حكيم فإنه حسن الحديث. وقوله: "أنى شئت": أي من أي وجه كان، على أن يكون ذلك في الفرج. انظر بقية الأحاديث في هذا المعنى في كتاب النكاح. وقيل معناه: أين شئتم، وحيث شئتم، أي في القبل والدبر. روي ذلك عن ابن عمر كما في الحديث الآتي: • عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم قال: فقرأت ذات يوم هذه الآية: فقال: أتدري فيمن نزلتْ هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. صحيح: رواه ابن جرير (٣/ ٧٥١) عن يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا ابن عون، عن نافع فذكره.

стр. 6803

ورواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢٦) عن إسحاق، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا ثم مضى، انتهى. ورواه أيضًا من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: يأتيها في" انتهى. ورواه أيضًا من طريق عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر" انتهى. هكذا ساق البخاري حديث ابن عمر من ثلاثة طرق وأبهم معنى الآية، إما أنه أراد التأكد من قول ابن عمر فتركُ الفراغ لأجله، ولما لم يتأكد ذلك ترك الفراغ باقيا، أو نسيه. وإلا فالرواية الصحيحة من طريق ابن عون كما ذكره ابن جرير صريح في إتيان النساء في أدبارهن. فترك الفراغ من البخاري يؤكد أنه لا يرى إباحة ذلك، كما لا يرى نسبته إلى ابن عمر لورود أحاديث النهي عن ذلك، ولذا ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين (١٤٤٠): يأتيها فيه: يعني الفرج، فزاد من فهمه بأن هذا من مذهب البخاري، وبهذا صار قول البخاري مثل قول جمهور أهل العلم: أبو حنيفة والشافعي في الجديد وأحمد وغيرهم إلا مالكا فقد قال معن: وسمعت مالكا يقول: ما علمت حرامًا، ذكره النسائي في الكبرى (٨/ ١٩١). وأما ابن عمر فقد روي عنه خلاف هذا. • عن أبي النضر أنه قال لنافع: إنه قد أكثر عليك القول: إنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن تُؤتى النساء في أدبارهن، قال: نافع، كذبوا علي، ولكني سأخبرك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يومًا، وأنا عنده حتى بلغ قوله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قال: قلت: لا، قال: إنا كنا معشر قريش نجبّي النساء، فلما دخلنا المدينة، ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهن مثل الذي نريد، فإذا هن قد كرهن وأعظمن ذلك، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. حسن: رواه الطحاوي في مشكله (١٥/ ٤٢٤) من حديث المفضل بن فضالة، عن عبد اللَّه، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر أنه قال: فذكره. ورواه النسائي في الكبرى (٨٩٢٩) من حديث المفضل إلا أنه قال: حدثني عبد اللَّه بن سليمان، عن كعب بإسناده نحوه.

стр. 6804

وعبد اللَّه هو ابن عياش بن عباس أبو حفص المصري مختلف فيه ولكن تابعه عبد اللَّه بن سليمان وهو ابن زرعة الحميري الطويل، وهو أيضًا مختلف فيه ولكن يقوي أحدهما الآخر ورسم الحديث الحسن. ولكن يرى مالك أن القول الصحيح عن ابن عمر جواز إتيان الرجل امرأته في دبرها، فقد روى ابن جرير في تفسيره (٣/ ٧٥٢) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد اللَّه، إن الناس يروون عن سالم: "كذب العبد، أو: العلجُ، على أبي"! فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد اللَّه، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإنّ الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنا نشتري الجواري فنُحمِّض لهن؟ فقال: وما التحميض؟ قال: الدُّبُر. فقال ابن عمر: أفْ! أفْ! يفعل ذلك مؤمن؟ ! -أو قال: مسلم! - فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع وكان ميمون بن مهران يقول عندما ذكر له عن نافع ما حكي عنه من إباحة النساء في أدبارهن فقال: إنما قال ذلك نافع بعد ما كبر، وذهب عقله، رواه الطحاوي في مشكله (١٥/ ٤٢٦). وقال الطحاوي: وقد روي عن سالم نفي ذلك عن ابن عمر كما حدّثنا ابن أبي داود، حدّثنا ابن أبي مريم، أخبرنا عطاف بن خالد، عن موسى بن عبد اللَّه بن الحسن، أن أباه سأل سالم بن عبد اللَّه أن يحدثه بحديث نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يرى بأسًا في إتيان النساء في أدبارهن، فقال سالم: كذب العبد، أو قال: أخطأ، إنما قال: لا بأس أن يؤتين في فروجهن من أدبارهن. وبناء على هذه الآثار ذهب بعض أهل العلم إلى أن القول الصحيح عن ابن عمر المنع، ولعله كان يقول بجوازه قبل هذا اجتهادًا منه، فلما بلغه النهي رجع إلى تحريمه. وأما ما روي عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك فأنزل اللَّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فهو ضعيف. رواه الطحاوي في مشكله (٦١١٨) عن أحمد بن داود بن موسى، حدّثنا يعقوب بن كاسب، حدّثنا عبد اللَّه بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكره. يعقوب بن كاسب هو يعقوب بن حميد بن كاسب المدني قد ينسب إلى جده ضعفه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم. ولا تنفع متابعة الحارث بن سريج له فإنه ضعيف جدا، بل كذبه بعض العلماء، ومن طريقه رواه أبو يعلى (١١٠٣) بإسناده عن أبي سعيد قال: أبعر رجل امرأته على عهد رسول اللَّه ﷺ فقالوا: أبعر فلان امرأته فأنزل اللَّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وقوله: "أبعر رجل امرأته" أي أتى مكان خروج البعر من الأمعاء وهو الدبر.

стр. 6805

٧٥ - باب قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ هذا أمر من اللَّه للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، وبعد ثلاثة قروء إن شاءت تتزوج ولا حرج عليها وهي للحرة بخلاف الأمة فإن عدتها قُرْءان على أصح أقوال أهل العلم، وشذَّ بعضهم فقالوا: حكمها حكم الحرة لعموم الآية. ووقع الخلاف في المراد بالأقراء. فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه الحيض، وروي فيه عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها سألتْ رسول اللَّه ﷺ ، فشكتْ إليه الدمَ فقال لها رسول اللَّه ﷺ : إنما ذلك عرق فانظري إذا أتى قُرْؤُكِ فلا تصلّي، فإذا مرَّ قُرْؤُكِ فتطهري، ثم صلّي ما بين القُرْء إلى القُرْءِ. رواه أبو داود (٢٨٠) وفيه المنذر بن المغيرة مجهول ليس بمشهور كما قال أبو حاتم، وهذا وإنْ لم يصح ولكن يُستأنس به. وذهب مالك وأكثر أهل المدينة أن المراد به الأطهار. وقال أهل اللغة: القُرْء هو الوقت، فهو شامل للاثنين الحيض والطهر، وإنما الخلاف في المراد من الآية ما هو على القولين، ولكلٍّ أدلة وموضعه كتب الفقه. قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي لكل واحد من الرجل والنساء حقوق وواجبات وإليه أشار النبي ﷺ في خطبة الحج. • عن جابر بن عبد اللَّه -وهو يحدّث عن حجة رسول اللَّه ﷺ ، فسرد القصة إلى أن ذكر خطبة النبي ﷺ يوم عرفة، وأنه ﷺ ذكر النساء فقال: "فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. . " الحديث. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه فذكره. ٧٦ - باب قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾

стр. 6806

• عن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إليّ، فأتاني ابن عم لي، فأنكحتها إياه، ثم طلّقها طلاقًا له رجعة ثم تركها، حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إليّ أتاني يخطبها فقلت: واللَّه لا أنكحها أبدًا، قال: ففيّ نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ قال: فكفرت عن يميني فأنكحتها إياه. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٢٩) وأبو داود (٢٠٨٧) واللفظ له، كلاهما من حديث أبي عامر العقدي، حدّثنا عباد بن راشد، حدّثنا الحسن، قال: حدثني معقل بن يسار فذكره. قال البخاري: وقال إبراهيم، عن يونس، عن الحسن، حدثني معقل بن يسار، وحدثنا أبو معمر، حدّثنا عبد الوارث، حدئنا يونس، عن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ أخرج البخاري من ثلاثة طرق، ولم يسق لفظ الحديث إلا في الطريق الثالث، وفيه إرسال، فإن الحسن لم يحضر القصة ولكن في الطرق الأخرى التصريح بالسماع من معقل بن يسار. وقول البخاري: "وقال إبراهيم" موصول في كتاب النكاح (٥١٣٠) وساقه هنا لبيان سماع الحسن من معقل بن يسار، وساق ابن جرير الطبري في تفسيره عدة روايات بأنها نزلت في معقل بن يسار المدني وأخته. وأخرجه الترمذيّ (٢٩٨١) من وجه آخر عن الحسن، عن معقل بن يسار فذكر نحوه، وقال: "هذا حديث صحيح، وقد روي من غير وجه عن الحسن". واستنبط من الحديث فقال: "وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي، لأن أخت معقل بن يسار كانت ثيبًا، فلو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل بن يسار، وإنما خاطب اللَّه في الآية الأولياء فقال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ففي هذه الآية دلالة على أن الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهن". وقيل: إن الآية نزلت في جابر بن عبد اللَّه الأنصاري كانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها، فأما جابر فقال: طلقت ابنة عمنا، ثم تريد أن تنكحها الثانية؟ وكانت المرأة تريد زوجها الأول، فنزلت هذه الآية إلا أنها لا تصح. وأما ظاهر الآية فيدل على مضمون ما ذكر وهو أن يطلق الرجل زوجته تطليقة أو تطليقتين، ثم تنقضي عدتها فيريد أن يتزوجها، والمرأة راضية أن ترجع إلى زوجها فيمنع أولياؤها حمية فقال اللَّه مخاطبا هؤلاء الأولياء: أي: لا تمنعونهن أن يرجعن إلى أزواجهن بنكاح جديد. ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي إذا رضيت المرأة أن ترجع إلى زوجها الأول، فيحرم على أوليائها مضارتها بعضهن بمنعها عمن أراد نكاحها من أزواج كانوا لهن.

стр. 6807

وأصل العضل: الضيق. ٧٧ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ لا خلاف بين أهل العلم أن المرأة المتوفى عنها زوجها سواء كانت مدخولة أو غير مدخولة عدتها أربعة أشهر وعشرًا. أما المدخول بها فهي المقصود من الآية، ويلحق بها غير المدخول بها لعمومها. • عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة، زوج النبي ﷺ ، حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية، ثم مسحت بعارضيها، ثم قالت: واللَّه، ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا". قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: واللَّه ما لي بالطيب حاجة غير أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا". قالت زينب: وسمعت أمي أم سلمة، زوج النبي ﷺ تقول: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينيها أفتكحلهما؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا" مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: "لا". ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشرا، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول". قال حميد بن نافع: فقلت لزينب: وما لرمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشا ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة -حمار أو شاة أو طير- فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. قال مالك: والحفش: البيت الرديء، وتفتض: تمسح به جلدها كالنشرة. متفق عليه: رواه مالك في الطلاق (١٢٦٦ - ١٢٧٠) عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو

стр. 6808

ابن حزم، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة، قالت زينب: فذكرتها. ورواه البخاريّ في الطلاق (٥٣٣٤ - ٥٣٣٦) ومسلم في الطلاق (١٤٨٦ - ١٤٨٨) كلاهما من طريق مالك به. • عن عبد اللَّه بن مسعود في رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصداق، فقال: لها الصداق كاملا، وعليها العدة، ولها الميراث. قال معقل بن سنان: سمعت رسول اللَّه ﷺ قضى في بروع بنت واشق. صحيح: رواه أبو داود (٢١١٤)، والنسائي (٣٣٥٦)، وابن ماجه (١٨٩١) وصحّحه ابن حبان (٤٠٩٨)، والحاكم (٢/ ١٨٠ - ١٨١) كلهم من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد اللَّه فذكره. ورواه أيضًا الترمذيّ (١١٤٥) من وجه آخر، عن ابن مسعود وقال: "حسن صحيح". قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أي: عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت غير حامل أربعة أشهر وعشرا، ويستثنى من هذا الأمةُ، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، وهي شهران وخمس ليال على قول جمهور أهل العلم، وخالفهم بعضهم فقالوا: لا فرق بين الحرة والأمة في العدة، لأن المقصود من العدة التأكد من خلو الرحم من الحمل، فيشترك فيه الحرة والأمة على حد سواء. ومن أحكامها: ١ - أن تلتزم بيتها الذي مات فيه زوجها وهي ساكنة فيه، إلا أن يكون البيت مستأجرا أو ملكا لغير الزوج، فلها أن تخرج إلى بيت أهلها. ٢ - ولا تخرج من بيتها إلا لحاجة أو ضرورة لمراجعة المستشفى أو أداء العمل الوظيفي، فإذا انتهت من حاجتها ترجع إلى بيتها، والليل والنهار فيه سواء. ٣ - تجتنب أنواع الطيب ونحوها إلا إذا طهرت من حيضها، فلا بأس أن تتبخر بالبخور أو بغيره من الطيب، ولا مانع من تقديمها الطيب لأهلها أو ضيوفها من غير أن تشاركهم في ذلك. ٤ - تجتنب الحلي من الذهب والفضة والألماس وغيرها، سواء كان ذلك قلائد أو أسورة حتى الخاتم أو غير ذلك. ٥ - تجتنب استعمال الحناء والكحل وما أشبه الكحل من الأشياء، وكذلك تجتنب كل أنواع الزينة. ٦ - تجتنب الملابس الجميلة، وتلبس ما سواه. وأما الحامل المتوفى عنها زوجها ففي أصح أقوال أهل العلم مدتها وضع الحمل. • عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية نُفِست بعد وفاة زوجها بليال، فقال

стр. 6809

لها رسول اللَّه ﷺ : "قد حللت، فانكحي من شئت". صحيح: رواه مالك في الطلاق (٥٨) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، فذكره. ورواه البخاريّ في الطلاق (٥٣٢٠) من طريق مالك به. والمسألة مبسوطة في المنة الكبرى (٦/ ٤٥٥ - ٤٥ ٧). ٧٨ - باب قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ هي صلاة العصر. • عن علي أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: "حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ اللَّه قبورهم وبيوتهم -أو أجوافهم- نارا". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٥٣٣)، ومسلم في المساجد (٢٠٢: ٦٢٧) كلاهما من حديث هشام (بن حسان القردوسي)، عن محمد (بن سيرين)، عن عبيدة (السلماني)، عن علي فذكره، واللفظ للبخاري. وليس في لفظ مسلم: "أو أجوافهم". • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: حبس المشركون رسول اللَّه ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس، أو اصفرت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ اللَّه أجوافهم وقبورهم نارا" أو قال: "حشا اللَّه أجوافهم وقبورهم نارا". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٢٨) عن عون بن سلام الكوفي، نا محمد بن طلحة اليامي، عن زبيد، عن مرة، عن عبد اللَّه فذكر الحديث. • عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ قال يوم الخندق: "ملأ اللَّه بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس". حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٣٩٠) من طرق عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عبد الرحمن الطفاوي فإنه حسن الحديث. وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس معروف بالتدليس، لكن لم يتحقق لي تدليسه في هذا الحديث، لأنه ليس فيه مخالفة ولا نكارة، بل له عدة شواهد صحيحة. • عن كهيل بن حرملة النميري، عن أبي هريرة أقبل حتى نزل على أبي كلثوم الدوسي، فتذاكروا الصلاة الوسطى، فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم بفناء بيت

стр. 6810

رسول اللَّه ﷺ وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فأتى رسول اللَّه ﷺ وكان جريئا عليه فاستأذن فدخل عليه، ثم خرج إلينا فأخبرنا أنها العصر. حسن: رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥٥٧)، والبزار - كشف الأستار (٣٩١)، والطبراني في الكبير (٧/ ٣٦١) كلهم من طريق صدقة بن خالد، ثنا خالد بن دهقان، حدثني خالد سبلان، عن كهيل بن حرملة فذكره. وإسناده حسن من أجل خالد بن دهقان فإنه حسن الحديث كما سبق في كتاب الصلاة. وأبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس القرشي يكنى أبا سفيان العبشي أسلم يوم الفتح، ونزل الشام إلى أن مات في خلافة عثمان. وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الصلاة. • عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية ﴿حافظوا على الصلوات وصلاة العصر﴾ فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نسخها اللَّه فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال رجل: كان جالسا عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر، فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها اللَّه، واللَّه أعلم. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٣٠) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا يحيى بن آدم، حدّثنا الفضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب فذكره. قال مسلم: ورواه الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب قال: قرأناها مع النبي ﷺ زمانا بمثل حديث فضيل بن مرزوق. انتهى. يعني: ﴿وصلاة العصر﴾ كان زمنا من القرآن يقرأ، ثم نسخها اللَّه تعالى، فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. ويدل على ذلك قول عائشة وحفصة، فإنهما سمعتا رسول اللَّه ﷺ كان يقرأ بها ولم تدريا أنها نسخت. • عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ قالت عائشة: سمعتها من رسول اللَّه ﷺ . صحيح: رواه مالك في صلاة الجماعة (٢٦) عن زيد بن أسلم، عن قعقاع بن حكيم، عن أبي يونس فذكره. ورواه مسلم في المساجد (٦٢٩) من طريق مالك. وفي معناه ما روي عن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب أنه كان يكتب المصاحف في عهد

стр. 6811

أزواج النبي ﷺ قال: فاستكتبتني حفصة مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني بها، فأملها عليك كما حفظتها من رسول اللَّه ﷺ ، قال: فلما بلغتها جئتها بالورقة التي أكتبها، فقالت: أكتب: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾. رواه ابن حبان (٦٣٢٣)، والطحاوي في مشكله (٢٠٦٨) كلاهما من حديث يعقوب بن إبراهيم ابن سعد، عن أبيه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق قال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى عبد اللَّه بن عمر أن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب حدثهما أنه كان يكتب فذكره. وعمرو بن رافع لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، ولم أجد له متابعا، ورواه مالك عن زيد بن أسلم عنه أنه قال: كنت أكتب مصحفا لحفصة أم المؤمنين فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾. هكذا رواه موقوفا فإن حفصة لم ترفع ذلك إلى النبي ﷺ ، وقد اختلف في رفعه ووقفه ومداره على عمرو بن رافع، فمثل هذه الروايات لا تؤخذ في قراءة القرآن. ولذا جرّد أمير المؤمنين عثمان بن عفان المصحف من القراءات المنسوخة، كما جرده من تفاسير الصحابة وفهومهم، فإنهم كانوا أحيانا يكتبون مع المصحف تفسيره الذي سمعوه من النبي ﷺ أو فهموه من الآية الكريمة، هكذا حفظ اللَّه كتابه الكريم من الزيادة والنقصان. وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ أي مطيعين. • عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٣٤)، ومسلم في المساجد (٣٥: ٥٣٩) كلاهما من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقف فذكره. ولفظهما سواء إلا أن البخاري لم يذكر: "ونهينا عن الكلام". القنوت: معناه العبادة والطاعة. وروي عن أبي سعيد مرفوعا: "كل حرف من القرآن يذكر فيه الكنوت فهو الطاعة". رواه أحمد (١١٧١١) وفيه ابن لهيعة وفيه كلام معروف، وشيخه دراج روى عن أبي الهيثم وفيه ضعف. وفي معناه أحاديث أخرى، انظر كتاب الصلاة. • عن جابر قال: سئل رسول اللَّه ﷺ : أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت".

стр. 6812

صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٦: ١٦٥) من طرق عن أبي معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: فذكره. قوله: "طول القنوت": أي إطالة الصلاة - قيامها وركوعها وسجودها مع الخشوع وعدم الالتفات. ٧٩ - باب قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أفى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. • عن نافع أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: فذكر صفة صلاة الخوف ثم قال: فإن كان خوف هو أشدّ من ذلك صلوا رجالًا قياما على أقدامكم، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. متفق عليه: رواه مالك في صلاة الخوف (٣) عن نافع، فذكره. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد اللَّه بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول اللَّه ﷺ . ورواه البخاري في التفسير (٤٥٣٥) من طريق مالك به. ورواه مسلم في صلاة الخوف (٣٠٦: ٨٣٩) من حديث موسى بن عقبة، عن نافع. وجاء فيه: وقال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكبًا، أو قائما تومئ إيماءًا. وقوله: ﴿فَرِجَالًا﴾ أي فصلوا را جلين، وهو جمع راجل، كقائم وقيام. وقوله: ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي أو فصلوا ركبانا جمع راكب. ٨٠ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ قال أكثر المفسرين إن هذه الآية منسوخة نسختها الآية ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ المتقدمة في ترتيب المصحف، فلماذا كتبت الآية المنسوخة؟ قد أشكل ذلك على بعض أهل العلم. • قال ابن الزبير: قلت لعثمان: هذه الآية التي في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلى قوله. ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قد نسختها الأخرى فلم تكتبها؟ قال: دعها يا ابن أخي، لا أغير شيئًا من مكانه. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٣٦) عن عبد اللَّه بن أبي الأسود، حدّثنا حميد بن الأسود،

стр. 6813

ويزيد بن زريع قالا: حدّثنا حبيب بن الشهيد، عن ابن أبي مليكة قال: قال ابن الزبير فذكره. وروي نحوه عن مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والربغ بن أنس ومقاتل بن حيان فقالوا: نسختها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٥٢). انظر للمزيد: كتاب النكاح. ٨١ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ في الآية الكريمة إشارة إلى قصة وقعت في بني إسرائيل حيث وقع فيهم وباء شديد، قيل: إنه الطاعون، فخرجوا فرارا من الموت إلى مكان ظنوا أنهم آمنون فيه، فأماتهم اللَّه جميعا، فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعا في آن واحد ولم ينفعهم الفرار من الموت، ومن هذا القبيل ما جاء في الحديث الصحيح الآتي: • عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، فلما جاء سرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" فرجع عمر من سرغ. متفق عليه: رواه مالك في كتاب الجامع (٢٤) عن ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة فذكره. ورواه البخاريّ في الطب (٥٧٣٠)، ومسلم في السلام (١٠٠: ٢٢١٩) كلاهما من طريق مالك به. ٨٢ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ طالوت: هو رجل من جنود ملك من ملوك بني إسرائيل، ولم يكن سبط يهوذا الذي كان فيهم الملك، وكان عدد جنوده الذي جاوزوا معه النهر على عدد أصحاب بدر كما جاء في الصحيح: • عن البراء قالت: كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن، بضعة عشر

стр. 6814

وثلاث مئة. صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٣٩٥٨) عن عبد اللَّه بن رجاء، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: فذكره. ٨٣ - باب قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى اللَّه إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨١)، ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من طريق الليث، حدّثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٢٣) من طرق عن إسماعيل -وهو ابن جعفر-، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. ٨٤ - باب قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ ومعنى السنة: النعاس، وهو أول النوم. • عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ بأربع: "إن اللَّه لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، ويُرفع إليه عمل النهار بالليل، وعمل الليل بالنهار".

стр. 6815

صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٩٥: ١٧٩) من طرق عن محمد بن جعفر قال: حدثني شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: فذكره. ٨٥ - باب قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ • عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكاد يعيش لها ولد، فتحلف: لئن عاش لها ولد لتهودنه، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: يا رسول اللَّه، أبناؤنا، فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال سعيد بن جبير: فمن شاء لحق بهم، ومن شاء دخل الإسلام. صحيح: رواه ابن حبان (١٤٠) عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ببُست قال: حدّثنا حسن ابن علي الحلواني قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية كان من أثبت الناس في سعيد بن جبير. ورواه أبو داود (٢٦٨٢) عن الحسن بن علي الحلواني بإسناده مثله، وفيه: "كانت المرأة تكون مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده" إلا أنه لم يرفعه، وحكمه الرفع. وقوله: "مقلاتا" المقلات قال أبو داود: التي لا يعيش لها ولد. ٨٦ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٣٧)، ومسلم في الإيمان (١٥١) كلاهما من حديث ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة فذكره. ليس في الحديث اعتراف الشك على نفسه ولا على إبراهيم، بل فيه نفي الشك عنهما، يقول: إذا لم أشك في قدرة اللَّه على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بألا يشك، قال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، أفاده الخطابي.

стр. 6816

ومما يقال فيه أيضًا: إن إبراهيم ﵇ لم يسأل عن نفس الإحياء، لأنه كان يعلم علما يقينا بأن اللَّه قادر على ذلك، ولكنه سأل عن هيئة الإحياء، وهو من قبيل زيادة العلم بالعيان. وقوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: اقطعهن واذبحهن. روي عن ابن عباس: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ قال: هي بالنبطية: يعني: شققهن. وقوله: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ أي بعد الذبح اخلط أجزاء بعضهم ببعض، ثم اجعل جزءا من هذا الخليط على كل جبل. وقوله: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ لم يحد عدد الجبال، بل ترك الأمر إلى إبراهيم بأن يقسم أجزاء هذه الطيور على عدد من الجبال. وقوله: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ أي يرجع كل جزء إلى جزئه ثم يأتين إبراهيم كامل الجسم، وقيل: كان رأس كل طير عند إبراهيم، فجاء كل جزء من الأجزاء الباقية إلى إبراهيم ويلحق برأسه فعادت كما كانت، فلما رأى إبراهيم ذلك قال: أعلم أن اللَّه عزيز حكيم. ٨٧ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ • عن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتِلُ أهل الشام: أيها الشيخ حدّثنا حديثا سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، قال: نعم سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن، ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع اللَّه عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٥٢: ١٩٠٥) عن يحيى بن حبيب الحارثي، حدّثنا خالد بن

стр. 6817

الحارث، حدّثنا ابن جريج، حدثني يونس بن يوسف، عن سليمان بن يسار فذكره. وقوله: "ناتل أهل الشام" وهو ناتل بن قيس الخزاعي، وكان كبير قومه. • عن محمود بن لبيد قال: خرج النبي ﷺ فقال: "أيها الناس إياكم وشرك السرائر" قالوا: يا رسول اللَّه، وما شرك السرائر؟ قال: "يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر". وفي رواية: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا: يا رسول اللَّه، وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء، يقول اللَّه لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءًا". صحيح: رواه ابن خزيمة (٩٣٧)، وابن أبي شيبة (٨٤٨٩)، وأحمد (٢٣٦٣١)، والبغوي في شرح السنة (٤١٣٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٣١) كلهم من طرق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد فذكره. وإسناده صحيح. واللفظ الأول لابن خزيمة وابن أبي شيبة، واللفظ الثاني للبغوي والبيهقي، والإمام أحمد لم يسق لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على لفظ حديث قبله. ٨٨ - باب قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ • عن عبيد بن عمير قال: قال عمر يوما لأصحاب النبي ﷺ فيم ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؟ قالوا: اللَّه أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة اللَّه ، ثم بعث اللَّه له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨٣) عن إبراهيم (بن موسى)، أخبرنا هشام (بن يوسف)، عن ابن جريج، سمعت عبد اللَّه بن أبي مليكة يحدث عن ابن عباس قال: وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير قال: فذكره. وقوله: ﴿جَنَّةٌ﴾ أي بستان.

стр. 6818

وقوله: ﴿إِعْصَارٌ﴾ أي ريح. وقوله: ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ أي ريح فيها سموم شديدة. وقوله: ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ أي الثمرات التي كان يحتاج إليها عند الكبر، وفيه ضرب مثل لرجل كبير السن، ضيّع عمله بالشرك والبدعة في آخر حياته، وهو في حاجة إلى الإيمان باللَّه والعمل الصالح ليوصله الجنة. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي لعلكم لا ترجعون إلى الشرك والكفر والضلال، فإنكم في آخر العمر أحوج الناس إلى الإيمان والعمل الصالح. ٨٩ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ • عن البراء قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل اللَّه تعالى: قالوا: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطي، لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء، قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. حسن: رواه الترمذيّ (٢٩٨٧)، وابن ماجه (١٨٢٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢٨٠٣)، والحاكم (٢/ ٢٨٥)، والواحدي في أسباب النزول (ص ٨٢) كلهم من حديث السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب فذكره. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث غريب صحيح على شرط مسلم. قلت: وإسناده حسن من أجل السدي وهو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير فإنه حسن الحديث. وقوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ أي لا تعمدوا. وقوله: قال ابن عباس: لو كان لكم على أحد حق، فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال: فذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بإسناد صحيح.

стр. 6819

• عن جابر قال: أمر النبي ﷺ بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء، فقال النبي ﷺ لعبد اللَّه بن رواحة: "لا تخرص هذا التمر"، فنزل القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، والواحدي في أسباب النزول (ص ٨١) كلاهما من حديث أحمد بن سهل بن حمدويه الفقيه، حدّثنا قيس بن أنيف، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا حاتم ابن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". • عن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون، فأنزل اللَّه على نبيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٧٩٠) عن أحمد بن القاسم بن عطية، ثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل الأشعث بن إسحاق وشيخه جعفر بن أبي المغيرة فإنهما حسنا الحديث. • عن المقدام بن معديكرب، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي اللَّه داود ﵇ كان يأكل من عمل يده". صحيح: رواه البخاريّ في البيوع (٢٠٧٢) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معديكرب فذكره. ٩٠ - باب قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ • عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "أنفقي ولا تحصي، فيحصي اللَّه عليك، ولا توعي فيوعي اللَّه عليك". متفق عليه: رواه البخاريّ في الهبة (٢٥٩١)، ومسلم في الزكاة (١٠٢٩) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قال اللَّه : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك، وقال: يد اللَّه ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار" وقال: "أرأيتم ما أنفق منذ

стр. 6820

خلق السماء والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٨٤)، ومسلم في الزكاة (٩٩٣) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم مختصر. ٩١ - باب قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "سبعة يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وذكر منهم: "ورجل تصدق، أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٦٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٣١) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد اللَّه، قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن الأنصاري، عن حفص ابن عاصم، عن أبي هريرة فذكره، واللفظ للبخاري. ورواه مالك في الشعر (١٧٧٧) عن خبيب بن عبد الرحمن الأنصاري به، وقال: "عن أبي سعيد الخدري أو عن أبي هريرة". ٩٢ - باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ • عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسبائهم من المشركين، فسألوا، فرضخ لهم، فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١٠٩٨٦)، وابن المنذر (١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢٨٥٢)، والحاكم (٢/ ٢٨٥)، والبيهقي (٤/ ١٩١) كلهم من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ورواه ابن جرير في تفسيره من وجه آخر عن سفيان بإسناده وجاء فيه كان أناس من الأنصار لهم أنساب وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، ويريدون أن يسلموا فنزلت هذه الآية.

стр. 6821

وأما ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢٨٥٣) من طريق الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه كان يأمر يصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية فهو منكر فإن أشعث بن إسحاق مجهول. ٩٣ - باب قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾ قوله ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ وهم المهاجرون. وقوله: ﴿ضَرْبًا﴾ أي سفرا لطلب الرزق، لأنهم هاجروا إلى اللَّه ورسوله إلى المدينة، ولا يرغبون أن يسافرون منها إلى بلد الكفر والشرك. وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ أي لحالهم وشؤونهم لعدم سؤالهم. • عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة، ولا اللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، واقرؤوا إن شئتم - يعني قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٣٩)، ومسلم في الزكاة (١٠٣٩) كلاهما من حديث محمد بن جعفر، قال: حدثني شريك بن أبي نمر أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: فذكره. واللفظ للبخاري، وأما مسلم فأحال على لفظ حديث إسماعيل بن جعفر أخي محمد بن جعفر، فإنه ساق الحديث بلفظه مثله من طريق إسماعيل ابن جعفر ثم قال في رواية محمد بن جعفر: بمثل حديث إسماعيل. يعني أن محمد بن جعفر وأخاه إسماعيل بن جعفر اكتفا على لفظ الحديث، غير أن إسماعيل ابن جعفر رواه عن شريك، عن عطاء بن يسار وحده. وقوله: ﴿إِلْحَافًا﴾ أي لا يلحون في المسألة، فإن من سأل، وله ما يغنيه عن السؤال فقد ألحف في المسألة وهو الكدّ. • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "من سأل وله أربعون درهما فهو ملحف، وهو مثل سف الملة" يعني الرمل. حسن: رواه النسائي في الكبرى (٢٣٧٥) عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان -وهو ابن عيينة-، عن داود بن شابور، عن عمرو بن شعيب فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في عمرو بن شعيب وأبيه غير أنهما حسنا الحديث. • عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول اللَّه ﷺ أسأله

стр. 6822

فيها فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها" قال: ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش (أو قال سدادا من عيش) ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش (أو قال سدادا من عيش) فما سواهن من المسألة، يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتا". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٤٤) من طرق عن حماد بن زيد، عن هارون بن رياب، حدثني كنانة بن نعيم العدوي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: فذكره. وانظر أحاديث أخرى في النهي عن المسألة في كتاب الزكاة. ٩٤ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ قوله: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا حال كونهم تتخبطهم الشياطبن من المس. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق. وقال أيضًا: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قال: وذلك حين يقوم من قبره. • عن عائشة قالت: لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا خرج النبي ﷺ إلى المسجد، فقرأهن على الناس، ثم حرّم تجارة الخمر. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٤٥٩)، ومسلم في المساقاة (٧٠: ١٥٨٠) كلاهما من طريق الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. • عن جابر قال: لعن رسول اللَّه ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: "هم سواء". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٩٨) من طرق عن هشيم، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر،

стр. 6823

قال: فذكره. • عن أبي جحيفة قال: نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلاب وثمن الدم، ونهى عن الواشمة والموشومة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصور. صحيح: رواه البخاريّ في البيوع (٢٠٨٦) عن أبي الوليد، حدّثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، قال: رأيت أبي اشترى عبدًا حجاما، فسألته، فقال: فذكره. • عن سمرة بن جندب قال: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا؟ " قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول: "ما شاء اللَّه" فسألنا يوما فقال: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟ " قلنا: لا، فقال: لكني رأيت الليلة. . . قص رؤياه وجاء فيها: "فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم على وسط النهر، ورجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان". قال جبريل: "والذي رأيته في النهر آكلوا الربا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٨٦) ومسلم في الفضائل (٢٢٧٥) كلاهما من حديث جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي، عن سمرة بن جندب فذكره، واللفظ للبخاري. وأما مسلم فلم يسق لفظ الرؤيا وإنما اكتفى بقوله: "هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا". وقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ يعني من بلغه نهي اللَّه تعالى عن أكل الربا فانتهى منها فله ما سلف، يعني ما سلف من أكل الربا فهو مما عفا اللَّه عنه. كما جاء في حديث عمرو بن الأحوص أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس" وهو مخرج في موضعه، فلم يأمر برد ما أخذه من الربا في الجاهلية. وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ أي يذهب نفعها أو بركة ماله، ثم الحسرة والخسارة في الدنيا والآخرة. • عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٢٧٩)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٧٥)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٣٧) كلهم من طريق إسرائيل بن يونس، عن ركين بن الربيع بن عميلة، عن أبيه، عن ابن مسعود فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وقوله: "إلى قلة" مثل ذلة، وفي رواية: "قلّ" مثل الذل. أي إنه وإن كان زيادة في المال

стр. 6824

عاجلًا، فإنه يؤول إلى نقص. وقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي يكثر وينميه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل اللَّه إلا الطيب- وإن اللَّه يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤١٠)، ومسلم في الزكاة (٦٤: ١٠١٤) كلاهما من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة فذكره. ولفظهما سواء وزاد مسلم: "أو قلوصه". قوله: "الفلو" بسكون اللام وضمها، المهر الصغير - سمي بذلك لأنه فلى عن أمه، أي فصل وعزل. وقوله: "القلوص" الناقة الفتية، ولا يطلق على الذكر. ٩٥ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ قوله: ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي مواجهة اللَّه ورسوله. وروي عن عبد اللَّه بن عباس قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب. وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ هذا أصل في البيوع الفاسدة فإن الضمان فيه هو أصل المال لا الربح، ولذا وضع النبي ﷺ ربا الجاهلية، وأمرهم بأخذ رأس المال كما جاء في حديث جابر عند مسلم وغيره. ٩٦ - باب قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ قوله: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي اليسر. فيه الترغيب في الصبر على المعسر الذي لا يجد وفاءً. • عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تلقّت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا، قالوا: تذكّر، قال: كنت أداين الناس فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، قال: قال اللَّه : تجوّزوا عنه". متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٠٧٧)، ومسلم في المساقاة (١٥٦٠) كلاهما عن أحمد

стр. 6825

ابن عبد اللَّه بن يونس، حدّثنا زهير، حدّثنا منصور، أن ربعي بن حراش، حدثه، أن حذيفة، حدثه قال: فذكره، واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. • عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار، قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر، صاحب رسول اللَّه ﷺ ، ومعه غلام له، معه ضمامة من صحف، وعلى أبي أليسر بردة ومعافري، وعلى غلامه كذلك، فقال له أبي: يا عم إني أرى في وجهك سفعة من غضب، قال: أجل كان على فلان بن فلان الجذامي مال، فأتيت أهله فسلمت، فقلت: ثم هو؟ قالوا: لا، فخرج علي ابن له جفر، فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي، فقلت: اخرج إلي، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا، واللَّه أحدثك، ثم لا أكذبك، خشيت، واللَّه أن أحدثك فأكذبك، وأن أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول اللَّه ﷺ وكنت واللَّه معسرًا، قال: قلت: اللَّه، قال: اللَّه، قلت: اللَّه، قال: اللَّه، قلت: اللَّه، قال: اللَّه، قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده، فقال: إن وجدت قضاء فاقضني، وإلا أنت في حل، فأشهد بصر عيني هاتين (ووضع إصبعيه على عينيه) وسمع أذني هاتين، ووعاه قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه) رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: "من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظله اللَّه في ظله". . . الحديث. صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٣٠٠٦) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب ابن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: فذكره. • عن عبد اللَّه بن أبي قتادة أن أبا قتادة طلب غريمًا له، فتوارى عنه، ثم وجده فقال: إني معسر، فقال: آللَّه، قال: اللَّه، قال: فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من سره أن ينجيه اللَّه من كرب يوم القيامة فلينفّس عن معسر، أو يضح عنه". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٦٣) عن أبي الهيثم خالد بن خداش بن عجلان، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة قال: فذكره. • عن بريدة بن الحصيب قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة" قال: ثم سمعته يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثليه صدقة" قلت: سمعتك يا رسول اللَّه تقول: "من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة" ثم سمعتك تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثليه صدقة" فقال له: "بكل يوم صدقة

стр. 6826

قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة". صحيح: رواه أحمد (٢٣٠٤٦)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٩)، والبيهقي (٥/ ٣٥٧) كلهم من حديث عبد الوارث، حدّثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه فذكره. وإسناده صحيح، وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين، والصواب أنه على شرط مسلم وحده، فإن البخاري لم يخرج لسليمان بن بريدة. ٩٧ - باب قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ • عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. حسن: رواه النسائي في الكبرى (١٠/ ٣٩ - ٤٠) عن الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل الحسين بن واقد. • عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٤٤) عن قبيصة بن عقبة، حدّثنا سفيان، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس فذكره. وقوله: "آية الربا": أي آيات الربا من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١]. وبهذا يستقيم قول ابن عباس، وقول غيره يحمل على هذا. وأبواب الربا كثيرة حاولت جمعها في كتاب البيوع المنهي عنها. • عن ابن عمر قال: خطب عمر على منبر رسول اللَّه ﷺ فقال: وجاء فيه: "وثلاثة وددت أن رسول اللَّه ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدًا: الجد والكلالة، وأبواب من أبواب الربا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأشربة (٥٥٨٨)، ومسلم في التفسير (٣٠٣٢) كلاهما من حديث أبي حيان التيمي، عن الشعبي، عن ابن عمر، قال: خطب عمر على منبر رسول اللَّه ﷺ فذكره في حديث أطول منه. ٩٨ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ

стр. 6827

وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ • عن أبي سعيد الخدري أنه تلا: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال: هذه نسخت ما قبلها. حسن: رواه ابن ماجه (٢٣٦٥)، وابن المنذر في تفسيره (٧٤)، والبيهقي (١٠/ ١٤٥) كلهم من حديث محمد بن مروان، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي نضرة، عن أبيه، عن أبي سعيد فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن مروان وهو العقيلي أبو بكر البصري، ويقال: العجلي، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ. وشيخه عبد الملك بن أبي نضرة العبدي البصري. قال الدراقطني: لا بأس به. ٩٩ - باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ قوله: أي مسافرين، والسفر ليس بشرط في الرهن، وإنما خرج الكلام في الآية مخرج الغالب، لعدم وجود المكاتب وأدوات الكتابة، وإلا فإن الرهن يجوز أيضًا في الحضر، كما ثبت في الصحيح. قال ابن عباس: أو وجدوه، ولم يجدوا قرطاسًا أو دواه أو قلمًا فرهن مقبوضة. وقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي إن الرهن لا يلزم إلا بالقبض وهو رأي جمهور أهل العلم. • عن عائشة قالت: اشترى رسول اللَّه ﷺ من يهودي طعامًا بنسيئة ورهنه درعه. متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٠٩٦)، ومسلم في المساقاة (١٦٠٣) كلاهما من طريق أبي معاوية، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ١٠٠ - باب قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ

стр. 6828

وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ كما جاء في الحديث الآتي: • عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول اللَّه ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فأتوا رسول اللَّه ﷺ ، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول اللَّه! كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، قال رسول اللَّه ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل اللَّه في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها اللَّه تعالى، فأنزل اللَّه : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٥) من طرق عن يزيد بن زريع، حدّثنا روح -وهو ابن القاسم- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. • عن رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال: أحسبه ابن عمر- ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٥٤٦) عن إسحاق، أخبرنا روح، أخبرنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: أحسبه ابن عمر فذكره.

стр. 6829

وقوله: أي عمدا كما قال ابن عباس. • عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : "قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا" قال: فألقى اللَّه الإيمان في قلوبهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٦) من طرق عن وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس فذكره. • عن سعيد بن مرجانة يحدث أنه بينا هو جالس مع عبد اللَّه بن عمر تلا هذه الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. فقال: واللَّه لئن أخذنا اللَّه بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، فقال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد اللَّه بن عباس: يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد اللَّه بن عمر، فأنزل اللَّه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة، قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى اللَّه أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل. صحيح: رواه ابن جرير الطبري (٥/ ١٣٢) عن يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة فذكره. وإسناده صحيح. وسعيد بن مرجانة هو: ابن عبد اللَّه على الصحيح، وهو ثقة من رجال الصحيح، ومرجانة أمه. • عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر، فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أية آية؟ قلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين أنزلت، غمت أصحاب رسول اللَّه ﷺ غما شديدا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني، وقالوا: يا رسول اللَّه، هلكنا، إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا، وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول اللَّه

стр. 6830

- ﷺ : "قولوا: سمعنا وأطعنا" قالوا: سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس، وأخذوا بالأعمال. حسن: رواه أحمد (٣٠٧٠) وابن جرير (٥/ ١٣٣) كلاهما من حديث عبد الرزاق، -هو في تفسيره (١/ ١١٣ - ١١٤) - أخبرنا معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد فذكره. وإسناده حسن من أجل حميد وهو ابن قيس المكي القاري. وقد تواتر النقل عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم بأن قوله تعالى: نسختها الآية التي بعدها، لأن اللَّه تجاوز عن حديث النفس ما لم يتكلم أو يعمل كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الطلاق (٥٢٦٩) ومسلم في الإيمان (٣٣٣: ١٢٧) كلاهما من حديث هشام، حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة فذكره. وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ أي فوق طاقته، وهي ناسخة لقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فإن العبد لا يملك وساوس نفسه، فكيف يؤاخذ عليه. وروي عن ابن عباس وغيره بأن الآية محكمة غير منسوخة قال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فإنها لم تنسخ، ولكن اللَّه إذا جمع بين الخلائق يوم القيامة، يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] من الشك والنفاق. رواه ابن جرير الطبري (٥/ ١٣٩) عن المثنى، ثنا عبد اللَّه بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. وعبد اللَّه بن صالح هو الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث لا يقبل تفرده لغفلته، وكتابه صحيح. وروي نحوه عن جماعة من التابعين. قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ أي ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا. وقوله: ﴿مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ كان معاذ إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال: آمين.
следующие страницы →