← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة". صحيح: رواه أحمد (٢٣٠٤٦)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٩)، والبيهقي (٥/ ٣٥٧) كلهم من حديث عبد الوارث، حدّثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه فذكره. وإسناده صحيح، وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين، والصواب أنه على شرط مسلم وحده، فإن البخاري لم يخرج لسليمان بن بريدة. ٩٧ - باب قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ • عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. حسن: رواه النسائي في الكبرى (١٠/ ٣٩ - ٤٠) عن الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل الحسين بن واقد. • عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٤٤) عن قبيصة بن عقبة، حدّثنا سفيان، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس فذكره. وقوله: "آية الربا": أي آيات الربا من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١]. وبهذا يستقيم قول ابن عباس، وقول غيره يحمل على هذا. وأبواب الربا كثيرة حاولت جمعها في كتاب البيوع المنهي عنها. • عن ابن عمر قال: خطب عمر على منبر رسول اللَّه ﷺ فقال: وجاء فيه: "وثلاثة وددت أن رسول اللَّه ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدًا: الجد والكلالة، وأبواب من أبواب الربا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأشربة (٥٥٨٨)، ومسلم في التفسير (٣٠٣٢) كلاهما من حديث أبي حيان التيمي، عن الشعبي، عن ابن عمر، قال: خطب عمر على منبر رسول اللَّه ﷺ فذكره في حديث أطول منه. ٩٨ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ

стр. 6827

وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ • عن أبي سعيد الخدري أنه تلا: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال: هذه نسخت ما قبلها. حسن: رواه ابن ماجه (٢٣٦٥)، وابن المنذر في تفسيره (٧٤)، والبيهقي (١٠/ ١٤٥) كلهم من حديث محمد بن مروان، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي نضرة، عن أبيه، عن أبي سعيد فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن مروان وهو العقيلي أبو بكر البصري، ويقال: العجلي، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ. وشيخه عبد الملك بن أبي نضرة العبدي البصري. قال الدراقطني: لا بأس به. ٩٩ - باب قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ قوله: أي مسافرين، والسفر ليس بشرط في الرهن، وإنما خرج الكلام في الآية مخرج الغالب، لعدم وجود المكاتب وأدوات الكتابة، وإلا فإن الرهن يجوز أيضًا في الحضر، كما ثبت في الصحيح. قال ابن عباس: أو وجدوه، ولم يجدوا قرطاسًا أو دواه أو قلمًا فرهن مقبوضة. وقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي إن الرهن لا يلزم إلا بالقبض وهو رأي جمهور أهل العلم. • عن عائشة قالت: اشترى رسول اللَّه ﷺ من يهودي طعامًا بنسيئة ورهنه درعه. متفق عليه: رواه البخاري في البيوع (٢٠٩٦)، ومسلم في المساقاة (١٦٠٣) كلاهما من طريق أبي معاوية، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ١٠٠ - باب قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ

стр. 6828

وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ كما جاء في الحديث الآتي: • عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول اللَّه ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فأتوا رسول اللَّه ﷺ ، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول اللَّه! كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، قال رسول اللَّه ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل اللَّه في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها اللَّه تعالى، فأنزل اللَّه : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٥) من طرق عن يزيد بن زريع، حدّثنا روح -وهو ابن القاسم- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. • عن رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال: أحسبه ابن عمر- ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٥٤٦) عن إسحاق، أخبرنا روح، أخبرنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: أحسبه ابن عمر فذكره.

стр. 6829

وقوله: أي عمدا كما قال ابن عباس. • عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : "قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا" قال: فألقى اللَّه الإيمان في قلوبهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٦) من طرق عن وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس فذكره. • عن سعيد بن مرجانة يحدث أنه بينا هو جالس مع عبد اللَّه بن عمر تلا هذه الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. فقال: واللَّه لئن أخذنا اللَّه بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، فقال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد اللَّه بن عباس: يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد اللَّه بن عمر، فأنزل اللَّه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة، قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى اللَّه أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل. صحيح: رواه ابن جرير الطبري (٥/ ١٣٢) عن يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة فذكره. وإسناده صحيح. وسعيد بن مرجانة هو: ابن عبد اللَّه على الصحيح، وهو ثقة من رجال الصحيح، ومرجانة أمه. • عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر، فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أية آية؟ قلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين أنزلت، غمت أصحاب رسول اللَّه ﷺ غما شديدا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني، وقالوا: يا رسول اللَّه، هلكنا، إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا، وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول اللَّه

стр. 6830

- ﷺ : "قولوا: سمعنا وأطعنا" قالوا: سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس، وأخذوا بالأعمال. حسن: رواه أحمد (٣٠٧٠) وابن جرير (٥/ ١٣٣) كلاهما من حديث عبد الرزاق، -هو في تفسيره (١/ ١١٣ - ١١٤) - أخبرنا معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد فذكره. وإسناده حسن من أجل حميد وهو ابن قيس المكي القاري. وقد تواتر النقل عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم بأن قوله تعالى: نسختها الآية التي بعدها، لأن اللَّه تجاوز عن حديث النفس ما لم يتكلم أو يعمل كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الطلاق (٥٢٦٩) ومسلم في الإيمان (٣٣٣: ١٢٧) كلاهما من حديث هشام، حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة فذكره. وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ أي فوق طاقته، وهي ناسخة لقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فإن العبد لا يملك وساوس نفسه، فكيف يؤاخذ عليه. وروي عن ابن عباس وغيره بأن الآية محكمة غير منسوخة قال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فإنها لم تنسخ، ولكن اللَّه إذا جمع بين الخلائق يوم القيامة، يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] من الشك والنفاق. رواه ابن جرير الطبري (٥/ ١٣٩) عن المثنى، ثنا عبد اللَّه بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. وعبد اللَّه بن صالح هو الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث لا يقبل تفرده لغفلته، وكتابه صحيح. وروي نحوه عن جماعة من التابعين. قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ أي ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا. وقوله: ﴿مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ كان معاذ إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال: آمين.

стр. 6831

٣ - تفسير سورة آل عمران وهي مدنية، وعدد آياتها ٢٠٠ ١ - باب قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ قوله: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال ابن عباس: "المحكمات: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمر به، ويعمل به". وقوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ هو الأصل الذي يرجع إليه عند الاشتباه. وقوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ تحتمل دلالتها من حيث اللفظ والتركيب. • عن عائشة قالت: تلا رسول اللَّه ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى اللَّه، فاحذروهم". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٤٧) ومسلم في العلم (٢٦٦٥) كلاهما عن عبد اللَّه ابن مسلمة بن قعنب، حدّثنا يزيد بن إبراهيم التستري، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: فذكرته، ولفظهما سواء. ورواه ابن ماجه (٤٧) وأحمد (٢٤٢١٠) وصحّحه ابن حبان (٧٦) كلهم من حديث أيوب السختياني، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة، عن عائشة، فذكرته نحوه. وسماع عبد اللَّه بن أبي مليكة عن عائشة ثابت. قال الترمذيّ (٢٩٩٤) بعد أن رواه من حديث يزيد بن إبراهيم: "هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن أيوب، عن ابن أبي ملكية، عن عائشة هذا الحديث، وهكذا روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. ولم يذكروا فيه: عن القاسم بن محمد. وإنما ذكر يزيد بن إبراهيم عن القاسم في هذا الحديث، وابن أبي مليكة هو: عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة، وقد

стр. 6832

سمع من عائشة أيضًا" انتهى. وقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى الوقف على لفظ الجلالة في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ جملة استئنافية. ولكن كان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون: آمنا به. وأما ما روي عن أبي أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: "هم الخوارج". وفي قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال: "هم الخوارج"، فهو منكر. رواه أحمد (٢٢٢٥٩) عن أبي كامل، حدّثنا حماد، عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أمامة، يحدث عن النبي ﷺ ، فذكره. أبو غالب هو بصري، نزيل أصبهان، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه، وهنا أتى بمنكر، وهو قوله: "هم الخوارج"، رفعه إلى النبي ﷺ ، ولم يكن وجود للخوارج في عهد النبي ﷺ ، وقد روي موقوفا. ٢ - باب قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ • عن النوَّاس بن سَمْعان الكلابي يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين، إن شاء أن يُقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه، وكان يقول: يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن يَخْفِضه ويَرْفعه". صحيح: رواه أحمد (١٧٦٣٠)، وابن ماجه (١٩٩)، وصحّحه ابن حبان (٩٤٣)، والحاكم (١/ ٥٢٥) كلهم من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد اللَّه الحضرمي، أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول سمعت النوّاس بن سَمعان الكلابي يقول: فذكره. وإسناده صحيح. • عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لقلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانًا. صحيح. رواه ابن أبي عاصم في السنة (٢٢٦)، والحاكم (٢/ ٢٨٩) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن المقداد بن الأسود فذكره. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري".

стр. 6833

٣ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾ قتل الأنبياء من الكبائر. وأما ما روي عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول اللَّه، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبيا، أو رجل أمر بالمنكر، ونهى عن المعروف"، ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾ ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا عبيدة! قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر اللَّه " فهو ضعيف. رواه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٢٩١)، والبزار (١٢٨٥)، وابن أبي حاتم (٢/ ٦٢٠) كلهم من طريق محمد بن حمير، حدثني أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح، فذكره. وقال البزار: "لا نعلم له عن أبي عبيدة غيرِ هذه الطريق، ولم نسمع أحدا سمى أبا الحسن هذا الذي روى عنه محمد بن حمير" يعني: أبو الحسن مجهول. تنبيه: تحرف "محمد بن حمير" في تفسير ابن أبي حاتم إلى "محمد بن حمزة". ٤ - باب قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه، كما حكاه البخاري في الأدب باب المداراة مع الناس، عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم. وقال ابن عباس: ليس التقية بالعمل، وإنما التقية باللسان. وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة. • عن عائشة قالت: استأذن على النبي ﷺ رجل فقال: "ائذنوا له، بئس ابن العشيرة، أو بئس أخو العشيرة" فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له: يا رسول اللَّه، قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول؟ فقال: "أي عائشة! إن شر الناس منزلة عند اللَّه من تركه -أو ودعه- الناس اتقاء فحشه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦١٣١) ومسلم في البر والصلة (٢٥٩١) كلاهما عن قتيبة

стр. 6834

ابن سعيد، حدّثنا سفيان، عن ابن المنكدر، حدثه عن عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته فقالت: فذكرته، ولفظهما سواء. ٥ - باب قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ عمران: هو والد مريم، وكان اسم والد موسى وهارون أيضًا عمران، فلعله سمى به تيمّنا، كما أن امرأة عمران سمّت المولودة باسم مريم تيمّنا بتسمية أخت موسى وهارون. قوله: ﴿مُحَرَّرًا﴾ أي: مخلصا ومفرغا للعبادة، ولخدمة بيت المقدس. وقوله: إخبارا عن أم مريم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ فاستجاب اللَّه دعاءها كما جاء في الحديث الصحيح: • عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود إلا والشيطان يمسُّه حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها" ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٤٨) ومسلم في الفضائل (٢٣٦٦) كلاهما من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ هذه الجملة معترضة، أخبر اللَّه فيها بأنه لا يحتاج إلى إعلامها ولا إعلام أحد، بل هو سبحانه يعلم بأن المولودة تكون أنثى قبل أن تعلمها أمها وقبل أن تضعها، ويعلم أن هذه الأنثى أحسن من الذكر الذي كانت ترغب فيه امرأة عمران لكونه أقوى وأقدر وأنسب لخدمة بيت المقدس، وقد كانتْ نذرتْ للَّه أن ما في بطنها يكون محرّرا لذلك. فهذه المولودة أفضل من ذلك الذكر لأنها ستكون أُمًّا لنبيٍّ عظيم، وتكون من سيدات نساء الجنة، فهذا الكلام من اللَّه ، وليس من امرأة عمران تحسُّرا على وضعها الأنثى. ٦ - باب قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ قوله: ﴿نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي: في بدنها وخلقها. وقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ لا لفقرها كما يقال، بل لأن زكريا ﵇ كان إمام بيت المقدس، فصار كفيلا لها ومسئولا عنها، ثم هو زوج خالتها.

стр. 6835

وقوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ أي: بدون اكتساب وسعى منها. وقوله: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: كرامة ومعجزة. ٧ - باب قوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يصلي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ أي لما رأى زكريا أن اللَّه يرزق مريم بدون سعي منها طمع في الولد، وكان شيخا كبيرا، فدعا ربه. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي: ولدا صالحا، له ذرية ونسل وعقب. وقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ سيدا أي: متقدما في العبادة والصلاح. وقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ أي: مشغولا بالعبادة، ولم يجد فرصة للزواج ليكون له نسل وعقب. وأما تفسير أنه لا يشتهي النساء، أو أنه غير قادر على النكاح، أو أنه لا ذكر له، أو كان ذكره مقطوعا، أو كان مثل التراب، أو مثل هدبة الثوب، أو مثل الأنملة، فهذا كله عيب، وإنما يكون الفضل إذا كان قادرا عليه، ثم اختار لنفسه الاشتغال بالعبادة ومجاهدة النفس. فلم يجد فرصة للزواج إلى أن استشهد، لأن اللَّه وصفه بهذين الوصفين في مقام المدح، لا مقام النقص والذم. قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٤٣٦) ومسلم في البر (٢٥٥٠) كلاهما من حديث جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره في حديث طويل، ذكر في موضعه. ٨ - باب قوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ أي كان عيسى ﵇ دعا إلى التوراة التي أنزلها اللَّه تعالى على موسى ﵇، وإلى الإنجيل الذي أنزله اللَّه تعالى على عيسى ﵇، فكانت دعوته خالصة لبني إسرائيل دون غيرهم، خلافا لما يدعيه

стр. 6836

النصارى بأن دعوته كانت عامة للناس جميعا. ٩ - باب قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: أوفى أجلك في الدنيا. وقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ أي: رافعك بعد استيفاء أجلك في الدنيا إليَّ حيا، وهو ثلاث وثلاثون سنة. هذا رأي جمهور أهل العلم بأن اللَّه تعالى رفع عيسى ﵇ حيا إلى السماء قبل أن يصل إليه قومُه، وشُبّه لهم الاسخريوطي فصلبوه. لأن اللَّه تعالى قال في سورة النساء: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] أي: رفعه حيّا. وقال ابن عباس: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: مميتك. وقال غيره من أهل العلم: إنه توفاه اللَّه بعد ثلاث ساعات، أو ثلاثة أيام، أو سبع ساعات، ثم أحياه اللَّه تعالى، ورفعه إليه حيا. وهذه الأقوال فيه محاكاة للنصارى الذين يزعمون أنه بعد الصلب دفن، ثم قام من قبره بعد ثلاثة أيام، وبقي يلتقي بتلاميذه أربعين يوما، ثم رفع إلى السماء. ونقل ابن كثير عن الأكثر: أن المراد بالوفاة هاهنا النوم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢]. وقوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: رفعي إياك إلى السماء من اليهود الذين أرادوا إذلالك وإهانتك. ١٠ - باب قوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ • عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دعا رسول اللَّه ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي". صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٤: ٣٢) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: فذكره. والحديث بطوله مذكور

стр. 6837

في فضائل الصحابة. ١١ - باب قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ • عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان من فيه إلى فيَّ قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول اللَّه ﷺ ، قال: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من النبي ﷺ إلى هرقل، وكان دحية الكلبي جاء به. . . فذكر القصة بالتفصيل، وجاء في كتاب رسول اللَّه ﷺ : "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم لسلم، وأسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيّين، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وإلى قوله: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٥٣) ومسلم في الجهاد والسير (١٧٧٣) كلاهما من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: حدثني ابن عباس، قال: فذكره. وفي هذا الحديث دليل على أن سورة آل عمران نزلت بعد الحديبية وقبل الفتح، وأخص منه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾. وأن النبي ﷺ قرأها أيضًا على وفد نجران الذين وفدوا على رسول اللَّه ﷺ بعد الفتح. وفيه رد على قول محمد بن إسحاق وغيره بأن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران. وإن صح قوله فالآية الكريمة التي كتبها رسول اللَّه ﷺ إلى هرقل نزلت قبل وفد نجران بيقين. ١٢ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حلف على يمينَ صَبْرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللَّه وهو عليه غضبان" فأنزل اللَّه تصديق ذلك: ﴿إِنَّ

стр. 6838

الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية. قال: فدخل الأشعث بن قيس وقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، قال: فيَّ أنزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي، فَأتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "بينتك، أو يمينه" فقلت: إذًا يحلف عليها يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللَّه وهو عليه غضبان". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٧٦ - ٦٦٧٧) ومسلم في الإيمان (١٣٨) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره، واللفظ للبخاري. • عن عبد اللَّه بن أبي أوفى أن رجلا أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أَعْطى بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٥١) عن علي، هو ابن أبي هاشم، سمع هشيما، أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، قال: فذكره. • عن ابن أبي مليكة أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت -أو في الحجرة- فخرجت إحداهما وقد أُنْفِذَ بإشفى في كفها، فادعت على الأخرى، فرُفِعَ إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم" ذَكِّرُوها باللَّه، واقرؤوا عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ فذكَّروها فاعترفت، فقال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "اليمين على المدعى عليه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٥٢) عن نصر بن علي بن نصر، حدّثنا عبد اللَّه بن داود، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، فذكره. ورواه مسلم في الأقضية (١٧١١) من وجه آخر عن ابن جريج به، واقتصر على الجزء المرفوع فقط، ولم يذكر القصة. وفي معناه أحاديث أخرى سبق تخريجها في كتاب البيوع. ١٣ - باب قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾ • عن عبد اللَّه بن عباس أن رجلا من الأنصار ارتدّ عن الإسلام، ولحق بالمشركين، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ وإلى آخر الآية، فبعث بها قومه، فرجع تائبا، فقبلَ النبيُّ ﷺ ذلك منه، وخلَّى عنه.

стр. 6839

صحيح: رواه النسائي (٤٠٦٨)، وأحمد (٢٢١٨)، وصحّحه ابن حبان (٤٤٧٧)، والحاكم (٢/ ١٤٢) كلهم من حديث داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. وفي بعض الروايات: ثم ندم الرجل فأرسل إلى قومه: سلوا رسول اللَّه ﷺ : هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: إن فلانا ندم، وإنه قد أمرنا أن نسألك: هل من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ قال: فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك واللَّه ما علمت لصدوق، وإن رسول اللَّه ﷺ لأصدق منك، وإن اللَّه لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث، فأسلم، فحسن إسلامه. رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٣١) إلا أنه لم يثبت في الأخبار الصحيحة أن اسمه الحارث ابن سويد، لأن الحارث هذا مخزومي، وليس بأنصاري، فإن المشهور الذي جاء ذكره في الأخبار الصحيحة أنه أنصاري، وكذا قال أيضًا الحافظ ابن حجر في "الإصابة". ١٤ - باب قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ • عن أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول اللَّه ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إن اللَّه ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة للَّه أرجو برها وذخرها عند اللَّه، فضعها يا رسول اللَّه حيث شئت، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "بَخْ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت فيه، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين" فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول اللَّه، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. متفق عليه: رواه مالك في الصدقة (٢) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك، يقول: فذكره. ورواه البخاريّ في التفسير (٤٥٥٤) ومسلم في الزكاة (٩٩٨) كلاهما من طريق مالك به. وزاد البخاري في التفسير (٤٥٥٥) من وجه آخر عن أنس قال: فجعلها لحسَّان وأبي وأنا أقرب إليه، ولم يجعل لي منها شيئًا.

стр. 6840

١٥ - باب قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ • عن ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي اللَّه ﷺ يومًا، فقالوا: يا أبا القاسم! حدّثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، قال: "سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة اللَّه وما أخذ يعقوب ﵇ على بنيه لئن حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام" قالوا: فذلك لك. قال: "فسلوني عما شئتم" قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا أي الطعام حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة. . . فقال النبي ﷺ : "فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب ﵇ مرض مرضا شديدًا، وطال سقمه، فنذر للَّه نذرا لئن شفاه اللَّه تعالى من سقمه ليحرِّمَنَّ أحب الشراب إليه، وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الابل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟ "، قالوا: اللهمّ نعم. . . وذكر بقية الحديث. حسن: رواه أحمد (٢٥١٤، ٢٤٨٣) من وجهين، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧٠٤) كلاهما من حديث ابن عباس يقوي أحدهما الآخر. انظر تخريجه المفصل في الإيمان بخلق جبريل وصفاته. قلت: إسرائيل هو يعقوب ﵇، وإليه ينسب شعب بني إسرائيل، فاستمر أبناء يعقوب ﵇ وأبناء أبنائه إلى أن جاء موسى ﵇ في تحريم لحمان الابل وألبانها، وأما التوراة التي أنزلها اللَّه تعالى على موسى ﵇ فلم يحرم فيها. وإليه أشار قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. • عن ابن عباس قال: كان إسرائيل أخذه عرق النسا، فكان يبيت له زقاء، فجعل للَّه عليه إن شفاه اللَّه ألا يأكل العروق، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. صحيح: رواه عبد الرزاق (١/ ٤٠٢) وابن أبي حاتم (٣/ ٧٠٥) وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٩٢) كلهم من حديث الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن أبي جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. قال سفيان: له زقاء، قال: صياح. قلت: ومعنى الحديثين متقارب. ١٦ - باب قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ

стр. 6841

اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ • عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول اللَّه! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصلِّ فهو مسجد". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٣٦٦) ومسلم في المساجد (٥٢٠) كلاهما من حديث عبد الواحد، حدّثنا الأعمش، حدّثنا إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: سمعت أبا ذر، قال: فذكره. وقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ فيه إشارة إلى نزول آدم ﵇ في مكة لأن أول بيت وُضِعَ للعبادة لأول إنسان. وقوله: ﴿بِبَكَّةَ﴾ أي: مكة، لأن لمكة أسماء منها: بكة، سميت بذلك لأنها تبُكُّ أعناق الظلمة والجبابرة. وقيل: لأن الناس يتباكّون فيها، أي: يزدحمون. وروي عن ابن عباس: مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء. وقيل غير ذلك. ومن أسماء مكة: البلد الأمين، وأم القرى، والمقدسة، والحاطمة، والقادس، لأنها تطهر من الذنوب وغيرها. وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ أي: ما عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى، ولا يطعم، ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ • عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "أيها الناس! قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجوا". فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٧) عن زهير بن حرب، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الحج. ١٧ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)

стр. 6842

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ قال مجاهد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: كان جماع قبائل الأنصار بطنين: الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشنآن، حتى منَّ اللَّه عليهم، وألف بينهم بالإسلام. قال: فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكرهما بأيامهما والعداوة التي كانت بينهم حتى استبا ثم اقتتلا. قال: فنادى هذا قومه وهذا قومه، وخرجوا بالسلاح، وصف بعضهم لبعض، قال: ورسول اللَّه ﷺ يومئذ شاهد بالمدينة، فجاء رسول اللَّه ﷺ فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وهؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا ووضعوا السلاح، فأنزل اللَّه تعالى في ذلك القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧١٩) عن الحسن بن أبي الربيع، أنبأ عبد الرزاق، أنبأ جعفر ابن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، فذكره. • عن ابن عباس قال: كانت بين الأوس والخزرج حرب في الجاهلية، فبينما هم يومًا جلوسا إذ ذكروا ما بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٧٢٠) عن الحسين بن السكن، ثنا أبو زيد النحوي، أنبأ قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن، قيس بن الربيع الغالب عليه الضعف؛ لأن ابنه أدخل عليه ما ليس من حديثه، فحدَّث به، ولكن رواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٩٩) من وجه آخر عن سفيان الثوري، عن الأغر نحوه، فالظاهر أن هذا الحديث لم يغلط فيه قيس بن الربيع. ١٨ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ • عن مجاهد أن الناس كانوا يطوفون بالبيت، وابن عباس جالس معه محجن، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : " ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ولو أن قطرة من الزقوم قُطِرت، لأمرَّت على أهل الأرض عيشهم، فكيف من ليس لهم طعام إلا الزقوم". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٥٨٥) وابن ماجه (٤٣٢٥) وأحمد (٢٧٣٥) وابن أبي حاتم (٣/ ٧٢٣) وصحّحه ابن حبان (٧٤٧٠) والحاكم (٢/ ٢٩٤) كلهم من طرق عن شعبة، قال: سمعت سليمان الأعمش، عن مجاهد، قال: فذكره.

стр. 6843

قال الترمذيّ: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: حافظوا على إسلامكم عقيدة وعملا، حتى إذا جاء الأجل فأنتم قائمون عليه. وجاء في الأخبار الصّحيحة: • عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد اللَّه بن عمرو ابن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون عليه، وهو يحدث عن النبي ﷺ ، ومما حدث قوله ﷺ : "فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن باللَّه واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٤٤) من طرق عن جرير، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، فذكره. • عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ قبل وفاته بثلاث يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن باللَّه الظن". صحيح: رواه مسلم في كتاب الجنة (٢٨٧٧) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا يحيى بن زكريا، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكره. ١٩ - باب قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ فيه أمر من اللَّه تعالى بتكوين جماعة من العلماء والدعاة عملهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من وظيفة الحاكم، كما قال اللَّه : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] وقد اهتم حكام المسلمين من فجر التاريخ بنصب الحسبة استجابة للنداء الرباني. ٢٠ - باب قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ • عن أبي هريرة: قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٥٧) عن محمد بن يوسف، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره.

стр. 6844

ورواه في الجهاد والسير (٣٠١٠) من وجه آخر مرفوعًا بلفظ: "عجب اللَّه من قوم يدخلون الجنة في السلاسل" يعني أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس. ٢١ - باب قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي: أهل الكتاب كلهم ليسوا سواء، بل فيهم الفسقة الفجرة، كما سبق قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وفيهم من آمن باللَّه ورسوله واليوم الآخر مثل عبد اللَّه بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن سعد، وأسيد بن سعية، وغيرهم، فوصفهم اللَّه تعالى بقوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ فيه بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم لكتاب اللَّه إلى آخر ما ذكر من أوصافهم. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي: كانوا من أهل الكتاب، والآن هم مسلمون، وروي فيه عن ابن عباس نحوه، رواه ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن جرير في تفسيره (٥/ ٦٩١). وشيخ ابن إسحاق مجهول. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: أخَّر رسول اللَّه ﷺ ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: "أما إنه ليس من هذه الأديان أحد يذكر اللَّه هذه الساعة غيركم"، قال: فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. حسن: رواه أحمد (٣٧٦٠) وأبو يعلى (٥٣٠٦) والبزار - كشف الأستار (٣٧٥) وصحّحه ابن حبان (١٥٣٠) كلهم من حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النجود فإنه حسن الحديث. • عن عائشة قالت: أعتم رسول اللَّه ﷺ بالعشاء، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج فقال: "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم" قال: ولا يُصَلَّى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٥٦٩) ومسلم في المساجد (٦٣٨) كلاهما من حديث ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: فذكرته.

стр. 6845

٢٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾ قوله: ﴿بِطَانَةً﴾ أي: خاصة، وفيه نهي عن تولية غير المسلمين أعمالا حساسة في دولة الإسلام، لأنهم كما قال تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ لا يتركون فرصة لضرركم سواء من أنفسهم أو من مساعدة الأعداء عليكم. • عن أبي سعيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما بعث اللَّه من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمر بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم اللَّه". صحيح: رواه البخاريّ في القدر (٦٦١١) عن عبدان، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. وأخرجه النسائي في الكبرى (٨٧٥٥) من هذا الوجه. كما أخرجه أيضًا (٨٧٥٦) عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحوه. وكذلك أخرجه أيضًا (٨٧٥٧) عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري. فكأن هذا الحديث عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة، ولا يُعِلُّ أحدها الأخرى. وقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: الكتاب الذي أنزله اللَّه تعالى على أنبيائهم مثل صحف إبراهيم، وتوراة موسى وإنجيل عيسى، بينما هم لا يؤمنون بالكتاب الذي أنزله اللَّه تعالى على نبي الرحمة وآخر الأنبياء محمد بن عبد اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليه. ٢٣ - باب قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ المراد بهذه الوقعة يوم أحد، وقيل: الأحزاب، والأول أصح، وبه قال ابن عباس وغير واحد من التابعين. قوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: ترتبهم ميمنة وميسرة، وتجهزهم للقتال. وقوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ

стр. 6846

وَلِيُّهُمَا﴾ بنو سلمة وبنو حارثة، وما نحب أنها لم تنزل لقول اللَّه : ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٥١) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٠٥) كلاهما من طريق سفيان (هو ابن عيينة)، عن عمرو (هو ابن دينار)، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. ٢٤ - باب قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده: "اللَّهمّ ربنا لك الحمد، اللَّهمّ أَنْجِ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللَّهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف" يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: "اللَّهمّ العن فلانًا وفلانًا" لأحياء من العرب حتى أنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٦٠) ومسلم في المساجد (٦٧٥) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: فذكره، واللفظ للبخاري. • عن عبد اللَّه بن عمر أنه سمع رسول اللَّه ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر، يقول: "اللهمّ العن فلانًا وفلانًا وفلانًا" بعد ما يقول: "سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٦٩) عن يحيى بن عبد اللَّه السلمي، أخبرنا عبد اللَّه (هو ابن المبارك)، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه عبد اللَّه، قال: فذكره. وقال: عن حنظلة بن أبي سفيان، سمعت سالم بن عبد اللَّه يقول: كان رسول اللَّه ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٧٠) وهو معطوف على الحديث السابق إلا أنه مرسل وهؤلاء الثلاثة الذين سماهم سالم في حديثه قد أسلموا يوم الفتح، ولعل هذا هو السرّ في نزول هذه الآية كما قال الحافظ ابن حجر. • عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ كُسِرَت رباعيته يوم أحد، وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلُت الدم عنه ويقول: "كيف يفلح قوم شجّوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى

стр. 6847

اللَّه؟ " فأنزل اللَّه : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٩١: ١٠٤) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكره. وذكره البخاري في المغازي (٤٠٦٨) معلقا عن حميد وثابت، عن أنس به. ٢٥ - باب قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾ • عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يحدث قال: جعل النبي ﷺ على الرجالة يوم أحد -وكانوا خمسين رجلا- عبد اللَّه بن جبير، فقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" فهزموهم. قال: فأنا واللَّه رأيت النساء يشتددن، قد بدت خلاخلهن وأسوقهن، رافعات ثيابهن. فقال أصحاب عبد اللَّه بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد اللَّه بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول اللَّه ﷺ ؟ قالوا: واللَّه لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي ﷺ غير اثني عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومئة، سبعين أسيرا، وسبعين قتيلا. فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات. ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه، فقال: كذبت واللَّه يا عدو اللَّه، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: أعل هبل، أعل هبل. قال النبي ﷺ : "ألا تجيبوا له؟ " قالوا: يا رسول اللَّه، ما نقول؟ قال؟ قولوا: "اللَّه أعلى وأجل" قال: إن لنا العزى، ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ : "ألا تجيبونه؟ " قال: قالوا: يا رسول اللَّه، ما نقول؟ " قال: "قولوا: اللَّه مولانا، ولا مولى لكم". صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد (٣٠٣٩) عن عمرو بن خالد، حدّثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق

стр. 6848

(هو السبيعي)، قال: سمعت البراء بن عازب يحدث: فذكره. ٢٦ - باب قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ • عن أبي طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٦٢) عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن أبي يعقوب، حدّثنا حسين بن محمد، حدّثنا شيبان، عن قتادة، حدّثنا أنس، أن أبا طلحة، قال: فذكره. • عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس، فذلك قوله : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾. صحيح: رواه الترمذيّ (٣٠٠٧) والنسائي في الكبرى (١١١٣٤) وأبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (١٩٨٩٢) والحاكم (٢/ ٢٩٧) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ووقع النعاس أيضًا في غزوة بدر كما سيأتي في تفسير سورة الأنفال آية (١١). ٢٧ - باب قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ • عن جابر بن عبد اللَّه قال: لقيني رسول اللَّه ﷺ فقال لي: "يا جابر، مالي أراك منكسرا؟ " قلت: يا رسول اللَّه، استشهِد أبي، وترك عيالا ودينا، قال: "أفلا أبشرك بما لقي اللَّه به أباك؟ " قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: "ما كلَّم اللَّه أحدًا قط إلا من وراء حجابه، وأحيا أباك فكلمه كفاحا، فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أعطك. قال: يا

стр. 6849

رب تحييني فأُقْتَل فيك ثانية. قال الرب : إنه قد سبق مني أنهم لا يُرْجَعون"، قال: وأُنْزِلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. حسن: رواه الترمذيّ (٣٠١٠) وابن ماجه (١٩٠) وصحّحه ابن حبان (٧٠٢٢) والحاكم (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤) كلهم من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير، سمعت طلحة بن خراش، قال: سمعت جابرا، فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، وقد روى عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن جابر شيئًا من هذا، ورواه علي بن عبد اللَّه بن المديني وغير واحد من كبار أهل الحديث هكذا عن موسى بن إبراهيم". قلت: إسناده حسن من أجل موسى بن إبراهيم بن كثير، فإنه حسن الحديث إذا لم يخالف. وأما حديث عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن جابر، فأخرجه أحمد (١٤٨٨١) وأبو يعلى (٢٠٠٢)، وعبد بن حميد (١٠٣٩)، كلهم من طريق سفيان، حدّثنا محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل بإسناده، وجاء فيه: "يا جابر! أما علمت أن اللَّه أحيا أباك، فقال له: تمنَّ عليَّ، فقال: أُرَدُّ إلى الدنيا فأقتل مرة أخرى. فقال: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون". وإسناده حسن أيضًا من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. ولا تعارض بين الحديث، إنما فيه التفصيل والاختصار، وذلك راجع إلى جابر نفسه، فإنه روى مرة مفصلا، وأخرى مختصرا، وأبو جابر هو: عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاري، قُتِلَ يوم أحد شهيدا. قال جابر: جعلت أبكي، وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول اللَّه ﷺ ينهوني، والنبي ﷺ لم ينه، وقال النبي ﷺ : "لا تبكه -أو ما يبكيه- ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رُفع" أخرجه الشيخان - البخاري (٤٠٨٠) ومسلم (٢٤٧١). • عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل اللَّه أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، فقال اللَّه تعالى: أنا أبلِّغهم عنكم. قال: فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. إلى آخر الآية. حسن: رواه أبو داود (٢٥٢٠) عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن محمد

стр. 6850

ابن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ومن هذا الوجه رواه الإمام أحمد (٢٣٨٩) مع اختلاف النسخ هل هو من رواية أحمد أم من رواية ابنه عبد اللَّه، وصحّحه الحاكم (٢/ ٨٨، ٢٩٧) وقال: "صحيح على شرط مسلم". قلت: والصواب أنه حسن من أجل محمد بن إسحاق وأبي الزبير، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث في الإسناد الآتي عند أحمد رواه عن يعقوب، حدّثنا أبي - يعني إبراهيم بن سعد. والحديث في سيرة ابن هشام (٣/ ١١٩) ولكن لم يذكر فيه الواسطة بين أبي الزبير وابن عباس، وكذلك رواه معظم أصحاب محمد بن إسحاق، وهم على سببيل المثال: عبد اللَّه بن المبارك في كتاب الجهاد له (ص: ٦٢) وإبراهيم بن سعد عند أحمد (٢٣٨٨) ومحمد بن فضيل عند ابن أبي شيبة (١٩٦٧٨) وإسماعيل بن عياش عند ابن أبي عاصم في الجهاد (١٩٥) وغيرهم. ثم عبد اللَّه بن إدريس الذي ذكر "سعيد بن جبير" الواسطة بين أبي الزبير وابن عباس قد اختلف عليه أيضًا، فرواه عثمان بن أبي شيبة كما مضى بالواسطة، وخالفه يوسف بن بهلول، فرواه عنه بدون الواسطة، وحديثه عند عبد بن حميد (٦٧٩) ويوسف بن بهلول هذا ثقة. ولكن اختلف أهل العلم في سماع أبي الزبير من ابن عباس، فنفاه ابن عيينة وأبو حاتم كما في المراسيل (ص: ٩٢) وأثبته البيهقي (٥/ ١٤٤) فإنه قال: وأبو الزبير سمع من ابن عباس، وفي سماعه من عائشة نظر، قاله البخاري. وللحديث طريق آخر وهو ما رواه الحاكم (٢/ ٣٧٨) من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين". وبهذه المتابعة يرتقي الحديث إلى درجة الحسن. ويشهد له قول عبد اللَّه بن مسعود الآتي: • عن عبد اللَّه بن مسعود قال في قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا فى أجسادنا حتى نُقْتَل في سبيلك مرة أخرى". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٨٧) من طرق عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد اللَّه عن هذه الآية، فذكره.

стр. 6851

٢٨ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ • عن عائشة قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب نبي اللَّه ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: "من يذهب في أثرهم؟ " فانتدب منهم سبعون رجلا، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٧٧) عن محمد (بن سلامة)، حدّثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٨: ٥١) من وجه آخر عن هشام مختصرا. • عن ابن عباس قال: لما انصرف المشركون عن أحد، وبلغوا الروحاء قالوا: لا محمدا قتلتموه، ولا الكواعب أردفتم، وبئس ما صنعتم ارجعوا. فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد وبئر أبي عِنَبَة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. وقد كان أبو سفيان قال للنبي ﷺ : موعدك موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة، فلم يجدوا به أحدًا وتسوقوا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]. صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١١٠١٧) والطبراني في الكبير (١١/ ٢٤٧) كلاهما عن محمد بن منصور، عن سفيان، كلاهما عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٢١): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور الجواز، وهو ثقة". قلت: محمد بن منصور الجوَّاز الخزاعي ثقة، وثَّقه النسائي والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات. ولكن رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨١٨) وغيره عن سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، قال: هكذا مرسلًا. ولذا يرى الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٢٨) بأن هذا هو المحفوظ. قلت: محمد بن منصور ثقة، كما تقدم، وزيادة الثقة مقبولة عند جمهور أهل العلم، وحديث عائشة يشهد له. وخلاصة القول: أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين قصدوا الرجوع إلى بلادهم، ثم ندموا على فعلهم هذا، وعزموا الرجوع إلى المدينة لتدميرها. فلما بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم لِيُرْعِبهم ويريهم قوة المسلمين وجلدهم، ولم يأذن لأحد

стр. 6852

سوى من حضر الوقعة يوم أحد إلا جابر بن عبد اللَّه لما كلَّمه بأن أباه خلَّفه على أخواته السبعة، فأذن له بالخروج. ٢٩ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ • عن ابن عباس: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٦٣) عن أحمد بن يونس، أراه قال: حدّثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس قال: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي اللَّه ونعم الوكيل. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٦٤) عن مالك بن إسماعيل، حدّثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، فذكره. اختلف أهل العلم في قول النبي ﷺ : ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ متى قال ذلك، فأصح ما روي عن محمد بن إسحاق: قال ذلك حين كان النبي ﷺ بعد أحد بحمراء الأسد، وبلغ أن أبا سفيان جمع السير إلى النبي ﷺ وإلى أصحابه ليستأصل بقيتهم، فقال النبي ﷺ : ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. ذكره ابن إسحاق في سيرته كما في سيرة ابن هشام مفصلا عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وأما ما روي عن عوف بن مالك، أنه قال: إن النبي ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي اللَّه ونعم الوكيل، فقال النبي ﷺ : "إن اللَّه يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر، فقل حسبي اللَّه ونعم الوكيل". ففيه رجل مجهول. رواه أبو داود (٣٦٢٧)، وأحمد (٢٣٩٨٣) كلاهما من طريق بقية بن الوليد، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عوف بن مالك، فذكره. وسيف هو الشامي، مجهول لم يرو عنه سوى خالد بن معدان، قال النسائي: لا أعرفه. وقال الذهبي في الميزان: "لا يُعْرَف". وأما ابن حبان والعجلي فوثَّقاه على قاعدتهما في توثيق من لا يعرف فيه جرح، وهو مذهب مرجوح في معرفة الرجال، كما قلت ذلك مرارا.

стр. 6853

٣٠ - باب قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾ • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من آتاه اللَّه مالا فلم يؤد زكاته مُثِّلَ له ماله شجاعا أقرع، له زبيبتان، يُطَوَّقُه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزِمَتَيْهِ، -يعني بشدقيه- يقول: أنا مالك، أنا كنزك" ثم تلا هذه الآية ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى آخر الآية. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٦٥) عن عبد اللَّه بن منير، سمع أبا النضر، حدّثنا عبد الرحمن، هو ابن عبد اللَّه بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: فذكره. ٣١ - باب قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ • عن ابن عباس قال: أتت اليهود محمدا ﷺ حين أنزل اللَّه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فقالوا: أفقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ الآية. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٢٨) عن أحمد بن القاسم بن عطية، ثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، ثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل الأشعث بن إسحاق وهو ابن سعد بن مالك بن هانئ الأشعري القمي. وجعفر هو ابن أبي المغيرة مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ. ٣٢ - باب قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" وقرأ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. حسن: رواه الترمذيّ (٣٠١٣) وأحمد (٩٦٥١) وصحّحه ابن حبان (٧٤١٧) والحاكم (٢/ ٢٩٩) كلهم من حديث محمد بن عمرو، قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.

стр. 6854

قال الترمذيّ: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". قلت: إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو الليثي فإنه حسن الحديث. والشطر الأول ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وله شواهد عن أنس وسهل بن سعد، وكله مخرج في موضعه. ٣٣ - باب قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ • عن أسامة بن زيد أن رسول اللَّه ﷺ ركب على حمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مر بمجلس فيه عبد اللَّه بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد اللَّه بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد اللَّه بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمّر عبد اللَّه بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبّروا علينا، فسلم رسول اللَّه ﷺ عليهم ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى اللَّه، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد اللَّه بن أبي ابن سلول: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد اللَّه بن رواحة: بلى يا رسول اللَّه فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ : "يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب -يريد عبد اللَّه بن أبي- قال كذا وكذا". قال سعد بن عبادة: يا رسول اللَّه اعف عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء اللَّه بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيره على أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة، فلما أبى اللَّه ذلك بالحق الذي أعطاك اللَّه شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول اللَّه ﷺ وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم اللَّه، ويصطبرون على الأذى، قال اللَّه : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية وقال اللَّه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]

стр. 6855

إلى آخر الآية. وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره اللَّه به، حتى أذن اللَّه فيهم، فلما غزا رسول اللَّه ﷺ بدرًا فقتل اللَّه به صناديد كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام، فأسلموا". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٥٦٦) ومسلم في الجهاد والسير (١١٦: ١٧٩٨) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد، أخبره: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٣٤ - باب قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ • عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول اللَّه ﷺ كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللَّه ﷺ ، فإذا قدم النبي ﷺ اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٦٧) ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٧٧) كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. • عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن مروان قال: اذهب يا رافع -لبوابه- إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذَّبا لنعذَّبَنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما أنزلت هذه الآية فى أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ هذه الآية، وتلا ابن عباس: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٦٨ م)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٧٨) كلاهما من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أخبره، فذكره، واللفظ لمسلم، والبخاري لم يذكر لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على رواية قبله، وهي نحوه.

стр. 6856

٣٥ - باب قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ • عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول اللَّه ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد، فنظر إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ ثم قام فتوضأ واستَنَّ، فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٦٩) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦٣: ١٩٠) كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس، فذكره، واللفظ للبخاري، ومسلم لم يسق لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على لفظ حديث قبله. • عن عطاء بن أبي رباح قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة، فقالت لعبيد ابن عمير: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول: يا أمه كما قال الأول: زر غبا تزدد حبا، قال: فقالت: دعونا من رطانتكم هذه. قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول اللَّه ﷺ . قال: فسكتت، ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: "يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي" قلت: واللَّه إني لأحب قربك، وأحب ما سرّك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول اللَّه لم تبكي وقد غفر اللَّه لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا؟ لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية كلها. حسن: رواه ابن حبان (٦٢٠) عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سويد النخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، فذكره. وإسناده حسن من أجل يحيى بن زكريا بن إبراهيم فإنه حسن الحديث. وللحديث طرق أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها. ٣٦ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ • عن ابن عباس أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته، قال:

стр. 6857

فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول اللَّه ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول اللَّه ﷺ حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول اللَّه ﷺ ، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلق، فتوضأ منه فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي. قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول اللَّه ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح. متفق عليه: رواه مالك في صلاة الليل (١١) عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، أن عبد اللَّه بن عباس، أخبره، فذكره. ورواه البخاريّ في التفسير (٤٥٧٠) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦٣: ١٨٢) كلاهما من مالك به. ٣٧ - باب قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ • عن أم سلمة قالت: يا رسول اللَّه، لا نسمع اللَّه ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل اللَّه : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ إلى آخر الآية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا. حسن: رواه سعيد بن منصور (٥٥٢) والترمذي (٣٠٢٣) والحاكم (٢/ ٣٠٠) كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة، فذكرته. قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري". قلت: فيه سلمة ولد أم سلمة ليس من رجال البخاري غير أنه حسن الحديث، وقد تابعه مجاهد، عن أم سلمة، رواه ابن مردويه كما قال ابن كثير. وقوله: أي: لمن عمل صالحا فإن له عند اللَّه حسن الثواب عاجلا أو آجلا. قال شداد بن أوس: يا أيها الناس، لا تتهموا اللَّه في قضائه، فإنه لا يبغي على مؤمن، فإذا نزل بأحدهم شيء مما يحب فليحمد اللَّه، وإذا نزل به شيء مما يكره فليصبر وليحتسب، فإن اللَّه عنده

стр. 6858

حسن الثواب. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٤٤). ٣٨ - باب قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ • عن أنس قال: لما جاء نعي النجاشي قال رسول اللَّه ﷺ : صلوا عليه قالوا: يا رسول اللَّه، نصلي على عبد حبشي؟ فأنزل اللَّه : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١١٠٢٢) والبزار - كشف الأستار (٨٣٢) والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٣٥) والطبراني في الأوسط (٥١٤٧) والضياء في المختارة (٦/ ٦١) كلهم من طرق عن حميد، عن أنس، فذكره. واللفظ للنسائي. وفي لفظ: كيف نصلي على علج من الحبشة؟ وإسناده صحيح. وقال مجاهد وغيره: نزلت في مؤمني أهل الكتاب. ٣٩ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ المرابطة لها معنيان: أحدهما: المداومة على العبادة، والثبات عليها، مثل انتظار الصلاة بعد الصلاة كما جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "ألا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى، يا رسول اللَّه. قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط". صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٥١) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني العلاء ابن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى في كتاب الطهارة. والمعنى الثاني: مرابطة الغزاة في نحور العدو، وحفظ ثغور الإسلام عن دخول أعداء اللَّه إلى بلاد المسلمين.

стр. 6859

• عن سلمان الفارسي، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩١٣) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي، حدّثنا أبو الوليد الطيالسي، حدّثنا ليث -يعني ابن سعد-، عن أيوب بن موسى، عن مكحول، عن شرحبيل بن السمط، عن سلمان، فذكره. وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر بن الخطاب: أما بعد! فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل اللَّه بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وإن اللَّه تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾. رواه مالك في الجهاد (٦) عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى في كتاب الجهاد. وأولى المعنيين: اصبروا على الطاعة وترك المنهيات، وصابروا على أذى المشركين وأعداء الإسلام، ورابطوا أي: أنفسكم في الحفاظ على حدود ديار المسلمين، ومع هذه الأعمال الصالحة لا تنسوا تقوى اللَّه لأنها مفتاح الفلاح في الدنيا والآخرة. وأما ما روي عن داود بن صالح قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ قال: قلت: لا. قال: يا ابن أخي، إني سمعت أبا هريرة يقول: لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرَابط فيه، ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة. فهو ضعيف. رواه ابن المبارك في الزهد (٣٨٩) ومن طريقه الحاكم (٢/ ٣٠١) والواحدي في أسباب النزول (ص: ١٣٥) عن مصعب بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير، حدثني داود بن صالح، قال: فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: فيه مصعب بن ثابت ضعَّفه جمهور أهل العلم، ومع ذلك ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٧٨)، كما ذكره أيضًا في المجروحين (١٠٦٨) وقال: "ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير، فلما كثر ذلك منه استحق مجانبة حديثه". ٤ - تفسير سورة النساء وهي مدنية، وعدد آياتها ١٧٦ ١ - باب قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى

стр. 6860

وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ • عن عائشة في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالت: أنزلت في الرجل تكون له اليتيمة وهو وليها ووارثها، ولها مال، وليس لها أحد يخاصم دونها، فلا يُنْكِحها لمالها، فيضُرُّ بها ويسيء صُحْبتَها، فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يقول: ما أحللت لكم، ودَعْ هذه التي تضُرُّ بها. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٧٣) ومسلم في التفسير (٣٠١٨: ٧) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشرَكه فى ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يُقْسِط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فَنُهُوا عن أن ينكحوهن إلا أن يُقْسِطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سُنَّتِهِنَّ في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول اللَّه ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل اللَّه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]. قالت عائشة: وقول اللَّه تعالى في آية أخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته، حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فَنُهُوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٧٤) ومسلم في التفسير (٣٠١٨) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، فذكره. واللفظ للبخاري، ومسلم لم يسق لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على لفظ حديث قبله. وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: فانكحوا اثنتين أو ثلاثًا أو أربعا، وإن خفتم ألا تعدلوا فاكتفوا بالواحدة. لقد أجمع علماء الإسلام أنه لا يجوز لمسلم أن يتزوج أكثر من أربع إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع، وقال بعضهم: بلا حصر، وهذا كله مخالف لهدي النبي ﷺ ، فإن الزيادة على أربع من خصائص النبي ﷺ . • عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة، فأمره النبي ﷺ أن يمسك منهن أربعا.

стр. 6861

حسن: رواه الدارقطني (٣/ ٢٧١) والبيهقي (٧/ ١٨٣) كلاهما من طريق سيف بن عبيد اللَّه الجرمي، حدّثنا سرار بن مجشر أبو عبيدة العنزي، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر، فذكره. واللفظ للدارقطني. وإسناده حسن من أجل سيف بن عبيد اللَّه فإنه حسن الحديث. ورواه الترمذيّ (١١٢٨) وابن ماجه (١٩٥٣) وأحمد (٤٦٣١) وصحّحه ابن حبان (٤١٥٦) والحاكم (٢/ ١٩٢ - ١٩٣) كلهم من حديث معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، فذكر نحوه. وقد قيل: إن معمرا وهم فيه، فإن الزهري روى قصة عمر بهذا الإسناد، كما قال البخاري وغيره، وسبق التنبيه عليه في كتاب النكاح. وبمعناه ما روي أيضًا عن قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس الأسدي، قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "اختر منهن أربعا". رواه أبو داود (٢٢٤١) وابن ماجه (١٩٥٢) والبيهقي (٧/ ١٨٣) كلهم من حديث هُشيم، عن ابن أبي ليلى، عن حميضة بن الشمردل، عن الحارث بن قيس، فذكره. وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف باتفاق أهل العلم لسوء حفظه، وشيخه حميضة بن الشمردل -على وزن سفرجل- ضعيف. قال البخاري: فيه نظر. وبمعناه أيضًا ما روي عن نوفل بن معاوية الديلي، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "اختر أربعا أيتهن شئت، وفارق الأخرى" فعمدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها. رواه البيهقي (٧/ ١٨٤) من طريق الشافعي، قال: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد، يقول: أخبرني عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية، فذكره. وفيه رجل لم يُسَمَّ. وفي معناه أحاديث أخرى ذكرها البيهقي وغيره، والصحيح منها ما ذكرته، وهذه الشواهد تقويه. ٢ - باب قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ النحلة: هي الفريضة من المهر، يدفعها الرجل إلى المرأة، عن طيب نفس، كما يمنح المنيحة، فإن طابت هي بعد تسميته، وأذنت له أن يأكل منه شيئًا فلا بأس بذلك لقوله تعالى: [*] والأحاديث الواردة في ذلك لا تصح، منها ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٦٠) عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها فنهاهم اللَّه عن ذلك، ونزلت هذه الآية. وهو مرسل.

стр. 6862

٣ - باب قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ • عن عائشة في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنها نزلت في والي اليتيم إذا كان فقيرا: أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٧٥) ومسلم في التفسير (٣٠١٩) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته، واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على حديث قبله. • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: ليس لي مال، ولي يتيم؟ فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف" أو قال: "ولا تفدي مالك بماله" شك حسين. حسن: رواه أبو داود (٢٨٧٢) والنسائي (٦/ ٢٥٦) وابن ماجه (٢٧١٨) وأحمد (٦٧٤٧) كلهم من حديث حسين بن ذكوان المعلم، حدثني عمرو بن شعيب، فذكره. واللفظ لأحمد. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب. وقوله: "لا تفدي مالك بماله" أي: لا تبقي مالك بصرف ماله في محل ينبغي فيه أن تصرف مالك. واختلف أهل العلم في رد ما أخذه والي اليتيم إذا أيسر له، فالصحيح أنه لا يجب عليه رد ما أخذه إذا صار غنيا لأنه أخذه أجرة على عمله، إلا أن يشاء فله ذلك، كما جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت. رواه البيهقي. وقال ابن عباس: يأكل والي اليتيم من مال اليتيم قوته، ويلبس منه ما يستره، ويشرب فضل اللبن، ويركب فضل الظهر، فإذا أيسر قضى، وإن أعسر كان في حل. رواه البيهقي. لأننا إذا قلنا بوجوب الرد ففيه تعطيل مصالح اليتيم. ٤ - باب قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ • عن ابن عباس قال: إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نُسِخَتْ، ولا واللَّه ما نُسِخَت، ولكنها مما تهاون الناس، هما واليانِ: والٍ يرث، وذاك الذي يُرزق، ووالٍ لا يرث، فذاك الذي يقول بالمعروف، يقول: لا أملك أن أعطيك.

стр. 6863

صحيح: رواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٥٩) عن محمد بن الفضل أبي النعمان، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ورواه في التفسير (٤٥٧٦) من وجه آخر، واقتصر على قوله: هي محكمة وليست بمنسوخة. هكذا رواه سعيد بن جبير وعكرمة وغيرهما عن ابن عباس بأن هذه الآية محكمة، وليست بمنسوخة. ورواه بعض أصحابه عنه أنها كانت قبل أن تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض جعل اللَّه لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر. وبهذا قال جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم. وإذا نسخ الوجوب بقي المستحب والمندوب، فإن طابت نفوس أصحاب الفرائض أن يرزقوا اليتامى والمساكين وذا القربى الذين ليس لهم نصيب فلهم ذلك. ٥ - باب قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ يعني كما أن الذي يترك وراءه ذرية ضعافا يخاف عليهم فكذلك إنْ ولي اليتيم فعليه أن يخاف اللَّه في مال اليتيم ولا يأكله باطلا، لأن اللَّه تعالى حذر بعده من أكل أموال اليتامى ظلما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، فذكر منها: "وأكل مال اليتيم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٦٦)، ومسلم في الإيمان (٨٩) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد المدني، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، فذكره. وأما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول اللَّه، حدّثنا ما رأيت ليلة الاسراء بك قال: "انطلق بي إلى خلق من خلق اللَّه كثير، رجال كل رجل منهم له مشفران كمشفر البعير، وهو موكل بهم، رجال يفكون لحى أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار، فتقذف في في أحدهم حتى تخرج من أسفله، وله خوار وصراخ، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا". فلا يصح. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٧٩) وفيه أبو هارون العبدي يروي عن أبي سعيد وهو عمارة بن جوين كذاب، قال ابن حبان: "كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب". وكذلك لا يصح ما روي عن أبي برزة أن رسول اللَّه ﷺ قال: يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم

стр. 6864

تأجج أفواههم نارا، فقيل: من هم يا رسول اللَّه؟ قال: ألم تر اللَّه يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. رواه ابن حبان (٥٥٦٦) وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٧٩) كلاهما من حديث عقبة بن مكرم، حدّثنا يونس بن بكير، حدّثنا زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث، عن أبي برزة، قال: فذكره. وزياد بن المنذر ضعيف جدا، بل نسبه ابن معين إلى الكذب، والعجب من ابن حبان أخرج حديثه هذا في صحيحه، وقال في المجروحين (٣٥٩): "كان رافضيا يضع الحديث في مثالب أصحاب النبي ﷺ ، ويروي في فضائل أهل البيت أشياء ما لها أصول، لا يحل كتابة حديثه" ثم عاد فذكره في الثقات (٦/ ٣٢٦) فسبحان من لا ينسى. ٦ - باب قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ • عن جابر بن عبد اللَّه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: "يقضي اللَّه في ذلك"، فنزلت آية الميراث، فبعث رسول اللَّه ﷺ إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك". حسن: رواه الترمذيّ (٢٠٩٢)، واللفظ له، وابن ماجه (٢٧٢٠) وأبو داود (٢٨٩٢) وأحمد (١٤٧٩٨) كلهم من حديث عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.

стр. 6865

قال الترمذيّ: "حسن صحيح، لا نعرف إلا من حديث عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وقد رواه شريك أيضًا عن عبد اللَّه بن عقيل". قلت: إسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وأما أبو داود فرواه من هذا الوجه، وجعل القصة لثابت بن قيس، ثم رواه من هذا الوجه في قصة سعد بن الربيع، وقال: هذا هو أصح. وذكر البخاري رحمه اللَّه تعالى حديث جابر بن عبد اللَّه في تفسير هذه الآية، وذكره في آخر سورة النساء في آية الكلالة أولى. وسيأتي في محله. • عن ابن عباس قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ اللَّه من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٧٨) عن محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: فذكره. هذه الآيات والآية التي في آخر سورة النساء هن آيات الميراث، تشتمل على جل أحكام الفرائض إلا ميراث الجدة التي لها السدس، كما ثبت في السنة مع إجماع العلماء على ذلك. وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه، لا أصوله مثل الأب أو الجد أو أعلاه، ذكورا وإناثا، ولا فروعه مثل الولد وولد الولد أو أدناه ذكورا وإناثا. وروي عن أبي بكر أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمن الشيطان، واللَّه ورسوله بريئان منه، الكلالة من لا ولد له، ولا والد، فلما ولي عمر ابن الخطاب قال: إني لأستحيي من اللَّه تعالى أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٤٧٥) من طريق عاصم الأحول، عن الشعبي قال: قال أبو بكر: فذكره. والشعبي لم يلق أبا بكر. ولكن رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٨٣) والحاكم (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن طاوس قال: سمعت عبد اللَّه بن عباس يقول: كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب، فسمعته يقول: القول ما قلتُ. قلتُ: وما قلتَ؟ قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وهذا قول جمع من الصحابة، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ لقد أجمع العلماء سلفا وخلفا أن الدين مقدم
следующие страницы →