Полный текст (8 687 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.
стр. 6861
حسن: رواه الدارقطني (٣/ ٢٧١) والبيهقي (٧/ ١٨٣) كلاهما من طريق سيف بن عبيد اللَّه الجرمي، حدّثنا سرار بن مجشر أبو عبيدة العنزي، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر، فذكره. واللفظ للدارقطني.
وإسناده حسن من أجل سيف بن عبيد اللَّه فإنه حسن الحديث.
ورواه الترمذيّ (١١٢٨) وابن ماجه (١٩٥٣) وأحمد (٤٦٣١) وصحّحه ابن حبان (٤١٥٦) والحاكم (٢/ ١٩٢ - ١٩٣) كلهم من حديث معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، فذكر نحوه.
وقد قيل: إن معمرا وهم فيه، فإن الزهري روى قصة عمر بهذا الإسناد، كما قال البخاري وغيره، وسبق التنبيه عليه في كتاب النكاح.
وبمعناه ما روي أيضًا عن قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس الأسدي، قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "اختر منهن أربعا". رواه أبو داود (٢٢٤١) وابن ماجه (١٩٥٢) والبيهقي (٧/ ١٨٣) كلهم من حديث هُشيم، عن ابن أبي ليلى، عن حميضة بن الشمردل، عن الحارث بن قيس، فذكره.
وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف باتفاق أهل العلم لسوء حفظه، وشيخه حميضة بن الشمردل -على وزن سفرجل- ضعيف. قال البخاري: فيه نظر.
وبمعناه أيضًا ما روي عن نوفل بن معاوية الديلي، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "اختر أربعا أيتهن شئت، وفارق الأخرى" فعمدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها.
رواه البيهقي (٧/ ١٨٤) من طريق الشافعي، قال: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد، يقول: أخبرني عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية، فذكره. وفيه رجل لم يُسَمَّ.
وفي معناه أحاديث أخرى ذكرها البيهقي وغيره، والصحيح منها ما ذكرته، وهذه الشواهد تقويه.
٢ - باب قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾
النحلة: هي الفريضة من المهر، يدفعها الرجل إلى المرأة، عن طيب نفس، كما يمنح المنيحة، فإن طابت هي بعد تسميته، وأذنت له أن يأكل منه شيئًا فلا بأس بذلك لقوله تعالى: [*]
والأحاديث الواردة في ذلك لا تصح، منها ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٦٠) عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها فنهاهم اللَّه عن ذلك، ونزلت هذه الآية. وهو مرسل. стр. 6862
٣ - باب قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾
• عن عائشة في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنها نزلت في والي اليتيم إذا كان فقيرا: أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٧٥) ومسلم في التفسير (٣٠١٩) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته، واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على حديث قبله.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: ليس لي مال، ولي يتيم؟ فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف" أو قال: "ولا تفدي مالك بماله" شك حسين.
حسن: رواه أبو داود (٢٨٧٢) والنسائي (٦/ ٢٥٦) وابن ماجه (٢٧١٨) وأحمد (٦٧٤٧) كلهم من حديث حسين بن ذكوان المعلم، حدثني عمرو بن شعيب، فذكره. واللفظ لأحمد.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب.
وقوله: "لا تفدي مالك بماله" أي: لا تبقي مالك بصرف ماله في محل ينبغي فيه أن تصرف مالك.
واختلف أهل العلم في رد ما أخذه والي اليتيم إذا أيسر له، فالصحيح أنه لا يجب عليه رد ما أخذه إذا صار غنيا لأنه أخذه أجرة على عمله، إلا أن يشاء فله ذلك، كما جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت. رواه البيهقي.
وقال ابن عباس: يأكل والي اليتيم من مال اليتيم قوته، ويلبس منه ما يستره، ويشرب فضل اللبن، ويركب فضل الظهر، فإذا أيسر قضى، وإن أعسر كان في حل. رواه البيهقي.
لأننا إذا قلنا بوجوب الرد ففيه تعطيل مصالح اليتيم.
٤ - باب قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾
• عن ابن عباس قال: إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نُسِخَتْ، ولا واللَّه ما نُسِخَت، ولكنها مما تهاون الناس، هما واليانِ: والٍ يرث، وذاك الذي يُرزق، ووالٍ لا يرث، فذاك الذي يقول بالمعروف، يقول: لا أملك أن أعطيك.
стр. 6863
صحيح: رواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٥٩) عن محمد بن الفضل أبي النعمان، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه في التفسير (٤٥٧٦) من وجه آخر، واقتصر على قوله: هي محكمة وليست بمنسوخة.
هكذا رواه سعيد بن جبير وعكرمة وغيرهما عن ابن عباس بأن هذه الآية محكمة، وليست بمنسوخة.
ورواه بعض أصحابه عنه أنها كانت قبل أن تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض جعل اللَّه لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر. وبهذا قال جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم.
وإذا نسخ الوجوب بقي المستحب والمندوب، فإن طابت نفوس أصحاب الفرائض أن يرزقوا اليتامى والمساكين وذا القربى الذين ليس لهم نصيب فلهم ذلك.
٥ - باب قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾
يعني كما أن الذي يترك وراءه ذرية ضعافا يخاف عليهم فكذلك إنْ ولي اليتيم فعليه أن يخاف اللَّه في مال اليتيم ولا يأكله باطلا، لأن اللَّه تعالى حذر بعده من أكل أموال اليتامى ظلما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، فذكر منها: "وأكل مال اليتيم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٦٦)، ومسلم في الإيمان (٨٩) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد المدني، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، فذكره.
وأما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول اللَّه، حدّثنا ما رأيت ليلة الاسراء بك قال: "انطلق بي إلى خلق من خلق اللَّه كثير، رجال كل رجل منهم له مشفران كمشفر البعير، وهو موكل بهم، رجال يفكون لحى أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار، فتقذف في في أحدهم حتى تخرج من أسفله، وله خوار وصراخ، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا". فلا يصح.
رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٧٩) وفيه أبو هارون العبدي يروي عن أبي سعيد وهو عمارة بن جوين كذاب، قال ابن حبان: "كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب".
وكذلك لا يصح ما روي عن أبي برزة أن رسول اللَّه ﷺ قال: يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم
стр. 6864
تأجج أفواههم نارا، فقيل: من هم يا رسول اللَّه؟ قال: ألم تر اللَّه يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
رواه ابن حبان (٥٥٦٦) وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٧٩) كلاهما من حديث عقبة بن مكرم، حدّثنا يونس بن بكير، حدّثنا زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث، عن أبي برزة، قال: فذكره.
وزياد بن المنذر ضعيف جدا، بل نسبه ابن معين إلى الكذب، والعجب من ابن حبان أخرج حديثه هذا في صحيحه، وقال في المجروحين (٣٥٩): "كان رافضيا يضع الحديث في مثالب أصحاب النبي ﷺ ، ويروي في فضائل أهل البيت أشياء ما لها أصول، لا يحل كتابة حديثه" ثم عاد فذكره في الثقات (٦/ ٣٢٦) فسبحان من لا ينسى.
٦ - باب قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: "يقضي اللَّه في ذلك"، فنزلت آية الميراث، فبعث رسول اللَّه ﷺ إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٠٩٢)، واللفظ له، وابن ماجه (٢٧٢٠) وأبو داود (٢٨٩٢) وأحمد (١٤٧٩٨) كلهم من حديث عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
стр. 6865
قال الترمذيّ: "حسن صحيح، لا نعرف إلا من حديث عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وقد رواه شريك أيضًا عن عبد اللَّه بن عقيل".
قلت: إسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وأما أبو داود فرواه من هذا الوجه، وجعل القصة لثابت بن قيس، ثم رواه من هذا الوجه في قصة سعد بن الربيع، وقال: هذا هو أصح.
وذكر البخاري رحمه اللَّه تعالى حديث جابر بن عبد اللَّه في تفسير هذه الآية، وذكره في آخر سورة النساء في آية الكلالة أولى. وسيأتي في محله.
• عن ابن عباس قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ اللَّه من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٧٨) عن محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: فذكره.
هذه الآيات والآية التي في آخر سورة النساء هن آيات الميراث، تشتمل على جل أحكام الفرائض إلا ميراث الجدة التي لها السدس، كما ثبت في السنة مع إجماع العلماء على ذلك.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه، لا أصوله مثل الأب أو الجد أو أعلاه، ذكورا وإناثا، ولا فروعه مثل الولد وولد الولد أو أدناه ذكورا وإناثا. وروي عن أبي بكر أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمن الشيطان، واللَّه ورسوله بريئان منه، الكلالة من لا ولد له، ولا والد، فلما ولي عمر ابن الخطاب قال: إني لأستحيي من اللَّه تعالى أن أخالف أبا بكر في رأي رآه.
رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٤٧٥) من طريق عاصم الأحول، عن الشعبي قال: قال أبو بكر: فذكره. والشعبي لم يلق أبا بكر.
ولكن رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٨٣) والحاكم (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن طاوس قال: سمعت عبد اللَّه بن عباس يقول: كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب، فسمعته يقول: القول ما قلتُ. قلتُ: وما قلتَ؟ قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وهذا قول جمع من الصحابة، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ لقد أجمع العلماء سلفا وخلفا أن الدين مقدم
стр. 6866
على الوصية، وإن كانت الوصية قدمت في الآية ذكرًا إلا أنها متأخرة عن الدين، لأن اللَّه تعالى لم يقصد منه الترتيب، وإنما قصد منه أن الشيئين يجب إخراجهما قبل تقسيم الميراث بين الورثة، والوصية لا تكون إلا من الثلث أو أقل بخلاف الدين فإنه قد يستغرق جميع ماله.
وروي فيه عن النبي ﷺ حديث ضعيف، وهو ما رواه علي بن أبي طالب قال: قضى محمد ﷺ أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدين.
رواه الترمذيّ (٢٠٩٥) وابن ماجه (٢٨٣٩) وأحمد (٥٩٥) كلهم من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم".
قلت: وهو كما قال، فإن الحارث هو ابن عبد اللَّه الأعور الهمداني ضعيف باتفاق أهل العلم، قال ابن عدي: "عامة ما يرويه غير محفوظ". وقال ابن حبان: "كان الحارث غاليا في التشيع واهيا في الحديث".
والوصية يجب أن تكون على العدل، لا على الإضرار بالورثة، فإنه يعتبر من الظلم، وقد روي عن ابن عباس موقوفًا: الاضرار في الوصية من الكبائر. وروي مرفوعًا ولا يصح.
٧ - باب قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾
كان في بداية الإسلام أن المرأة إذا زنت، وثبت زناها بالبينة، وهي أربعة شهداء كانت تحبس في بيت عقابًا لها حتى الموت، ثم جعل اللَّه لهن سبيلا في سورة النور، وهو الجلد والرجم، وهذا السبيل لا يختص بالمرأة بل يتعداها إلى الرجل أيضًا بخلاف الحبس، فإن ذلك كان للمرأة وحدها.
• عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
وفي رواية: كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه كرُب لذلك، وتربَّد له وجهه، قال: فأنزل اللَّه عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلما سُريَ عنه قال: "خذوا عني، فقد جعل اللَّه لهن سبيلا، الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة".
صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٦٩٠: ١٢) عن يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا هُشَيم، عن منصور، عن الحسن، عن حطان بن عبد اللَّه الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: فذكره.
стр. 6867
والرواية الثانية عند مسلم أيضًا من وجه آخر عن قتادة، عن الحسن بإسناده.
والخلاف معروف بين أهل العلم في الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، فذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، لأن النبي ﷺ رجم ماعزا والغامدية واليهوديين ولم يجلدهم قبل ذلك، فصار الجلد منسوخا في حقهم.
٨ - باب قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾
قوله: ﴿وَاللَّذَانِ﴾ أي: رجل وامرأة.
وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ أي بالضرب بالنعال والعصي والتعيير.
وقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ أي: أظهرا توبتهما وإقلاعهما عن الفاحشة.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أي: عن الضرب والتعيير.
هذا في حق من لم يثبت زناهما بالبينة، وهي أربعة شهداء من المسلمين العدول. وأما من ثبت زناهما بالبينة فحكم المرأة الحبس حتى الموت كما مضى، والرجل له الأذى بأنواعها.
٩ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾
قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ ليس المراد به عدم العلم بالتحريم، وإنما المراد منه عدم المبالاة بعقاب اللَّه تعالى، كان عمله عمدا أو خطأ.
روي عن قتادة قال: "اجتمع أصحاب رسول اللَّه ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره".
وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي ما لم يغرغر.
• عن عبد اللَّه بن عمر عن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٥٣٧) وابن ماجه (٤٢٥٣) وأحمد (٦١٦٠) وصحّحه ابن حبان (٦٢٨) والحاكم (٤/ ٢٥٧) كلهم من حديث ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر، فذكره، إلا أنه وقع في سنن ابن ماجه: "عن عبد اللَّه بن عمرو" وهو وهم، كما قال المزي في التحفة (٥/ ٣٢٨).
وقال الترمذيّ: "حسن غريب".
قلت: إسناده حسن من أجل ابن ثوبان وهو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي الدمشقي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
стр. 6868
• عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أُغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. قال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني".
حسن: رواه أحمد (١١٢٣٧، ١١٧٢٩) من طريقين عن ابن لهيعة، حدّثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد فذكره.
وابن لهيعة فيه كلام معروف.
ودرَّاج هو ابن سمعان أبو السمح في روايته عن أبي الهيثم ضعيف.
ولكن رواه أحمد (١١٢٤٤) أيضًا من وجه آخر عن أبي سلمة، أخبرنا ليث (ابن سعد)، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
وفيه انقطاع، فإن عمرا وهو ابن أبي عمرو القرشي لم يدرك أبا سعيد الخدري.
وبمجموع الإسنادين يكون الحديث حسنا.
١٠ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾
• عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٧٩) عن محمد بن مقاتل، حدّثنا أسباط بن محمد، حدّثنا الشيباني سليمان بن فيروز، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
• عن ابن عباس قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم اللَّه عن ذلك، ونهى عن ذلك.
حسن: رواه أبو داود (٢٠٩٠) عن أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين ابن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن حسين وأبيه فإنهما حسنا الحديث.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي الزنا يعني: إذا ثبت زناها فلكم أن تسترجعوا منها الصداق الذي أعطيتموها.
стр. 6869
وقوله: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خُلُقا رضي منها آخر".
صحيح: رواه مسلم في الطلاق (١٤٦٩) عن إبراهيم بن موسى الرازي، حدّثنا عيسى -يعني ابن يونس-، حدّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمران بن أبي أنس، عن عمر بن الحكم، عن أبي هريرة، فذكره.
وقوله: "يفرك" من فرِك بكسر الراء - إذا أبغضه. والفرك: البغض.
١١ - باب قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾
فيه جواز كثرة المهر، وإن كان الأفضل التخفيف في ذلك، وقد أراد عمر بن الخطاب أن ينهى عن كثرة المهر، ثم رجع عن ذلك، كما مرَّ ذكره في كتاب النكاح.
١٢ - باب قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾
• عن ابن عباس أنه قال: كان أهل الجاهلية يُحَرِّمون ما يحرمُ إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
صحيح: رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٥٤٩) عن محمد بن عبد اللَّه المخرمي، قال: ثنا قُرَّاد، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده صحيح، وقُراد لقب عبد الرحمن بن غزوان الضبي، وهو من رجال البخاري.
• عن ابن عباس قال: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ كل امرأة تزوجها أبوك وابنك، دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام.
حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٥٥٠) عن المثنى قال: ثنا عبد اللَّه بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن صالح وهو كاتب الليث مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ.
١٣ - باب قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ
стр. 6870
مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾
• عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه ﷺ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل اللَّه في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن.
صحيح: رواه مسلم في الرضاع (١٤٥٦: ٣٣) عن عبيد اللَّه بن عمر بن ميسرة القواريري، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري، قال: فذكره.
١٤ - باب قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾
الطول: المال الكافي من المهر والإنفاق على الزوجة.
قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: مهورهن، فإنه يجب المهر للأمة، كما يجب للحرة.
وقوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أي غير مرتبطة بأخلاء وأصدقاء للزنا.
وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ وهو التفسير الصحيح المناسب لسياق الآية. والإحصان هنا: التزويج، وبه قال ابن عباس، وأصحابه.
والتفسير الآخر: الإحصان هو الإسلام، وبه قال أيضًا جماعة من الصحابة، ورجَّحه الشافعي.
وفي مسألة حد الأمة اختلاف كثير مر ذكره في كتاب الحدود، وخلاصتها: أنها إذا زنت تجلد خمسين قبل الاحصان وبعده، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ لمزيد من التأكيد، أي: إذا كانت على المتزوجة خمسون فعلى غير المتزوجة أولى أن تكون خمسون، ولا يزاد عليه.
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: إنما يباح نكاح الإماء لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، بالشروط الآتية، وهي:
стр. 6871
١. أن لا يجد الرجل سعة في المال.
٢. أن يخاف على نفسه الوقوع في الزنا.
٣. أن تكون الأمة من المؤمنات.
٤. أن تنكح بإذن سيدها.
٥. أن تدفع لها المهر كالحرة.
٦. أن تكون من المحصنات، أي: عفائف من الزنا. وغير مسافحات ولا متخذات أخدان.
فإذا تمت هذه الشروط جاز له نكاحهن، وإن صبر فهو خير له من تزوجه الأمة، لئلَّا يكون أولاده أرقاء لسيدها.
١٥ - باب قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾
أي: أن اللَّه خفف على هذه الأمة فأجاز نكاح الأمة، الذي كان محرما في الشرائع السابقة، لما علم اللَّه من ضعف الانسان في نفسه وضعف عزمه، وخاصة في أمر النساء.
١٦ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾
قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ شامل لجميع الأموال المحرمة المكتسبة عن طريق الغصب والسرقة والقمار والربا وغيرها من المنهيات.
وقوله: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ شامل لجميع التجارات الخالية عن المحرمات الشرعية.
وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي بأكل الأموال المحرمة، وهو شامل لجميع صور قتل الانسان نفسه، ومنها فعل الأخطار المفضية إلى التهلكة، مثل قيادة السيارة بالسرعة الجنونية.
• عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول اللَّه ﷺ عام ذات السلاسل قال: فاحتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. قال: فلما قدمنا على رسول اللَّه ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: "يا عمرو، صلَّيت بأصحابك وأنت جنب؟ " قلت: نعم يا رسول اللَّه، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول اللَّه : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممتُ ثم صلَّيتُ. فضحك رسول اللَّه ﷺ ولم يقل شيئًا.
صحيح: رواه أبو داود (٣٣٤) وأحمد (١٧٨١٢) والحاكم (١/ ١٧٧ - ١٧٨) كلهم من حديث
стр. 6872
يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، فذكره. وإسناده صحيح.
وقد رواه أبو داود أيضًا وغيره، وزادوا بين عبد الرحمن بن جبير وعمرو بن العاص: "أبا قيس مولى عمرو بن العاص"، وكلا الوجهين صحيح.
ورواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى الناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول اللَّه ﷺ ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول اللَّه، خفت أن يقتلني البرد، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فسكت عنه رسول اللَّه ﷺ .
وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ حذّر اللَّه تعالى: من يقتل نفسه عدوانا وظلما أنه يدخله نارا، وقد جاء في الصحيح.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردَّى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسَّى سُمَّا فقتل نفسه فسُمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الطب (٥٧٧٨) ومسلم في الإيمان (١٠٩: ١٧٥) كلاهما من حديث سليمان الأعمش، قال: سمعت ذكوان، يحدث عن أبي هريرة، فذكره.
١٧ - باب قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾
أي: إن اجتنبتم الكبائر التي نهيتم عنها نكفر عنكم صغائر الذنوب.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول اللَّه، وما هن؟ قال: "الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٦٦)، ومسلم في الإيمان (٨٩) كلاهما من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، فذكره.
وأما ما روي عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: خطبنا رسول اللَّه ﷺ يومًا فقال: "والذي نفسي بيده" ثلاث مرات، ثم أكبَّ فأكبَّ كل رجل منا يبكي، لا ندري على ماذا حلف، ثم رفع رأسه في وجهه البشرى، فكانت أحب إلينا من حمر النعم، ثم قال: "ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، يجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة، فقيل له: ادخل
стр. 6873
بسلام". ففيه رجل مجهول.
رواه النسائي (٢٤٣٨) وصحّحه ابن خزيمة (٣١٥) وابن حبان (١٧٤٨) والحاكم (١/ ٢٠٠ - ٢٠١) كلهم من حديث سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، أخبرني صهيب مولى العتواري، أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد، قالا: فذكرا الحديث.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
قلت: فيه صهيب مولى العتواري مجهول، لم يرو عنه إلا نُعَيم الْمُجْمِر، ولم أجد من وثّقه غير ابن حبان.
وفي معناه أحاديث أخرى مخرجة في موضعها.
وقد رأى جمهور العلماء أن النص على هذه السبع لا ينفي ما عداهن، لما ثبت في الأحاديث الأخرى أنها أكثر من ذلك، مثل عقوق الوالدين، وتعلم السحر، وشهادة الزور، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، وأن تزني حليلة جارك، واليمين الغموس، ولعن الرجل والديه، وسباب المسلم وقتاله وغيرها.
وقد سئل ابن عباس: ما السبع الكبائر؟ قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وروي عنه أكثر من ذلك.
وروى ابن جرير وغيره من طرق عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
وروى ابن جرير عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: الكبائر كل ذنب ختمه اللَّه بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب.
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره بإسناده عن عائشة قالت: ما أخذ على النساء من الكبائر، قال ابن أبي حاتم: تعني قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة: ١٢].
١٨ - باب قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾
• عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل اللَّه : ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
صحيح: رواه الترمذيّ (٣٠٢٢)، وأحمد (٢٦٧٣٦) وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٩٣٥)
стр. 6874
والواحدي في أسباب النزول (ص: ٩٩) والحاكم (٢/ ٣٠٥، ٣٠٦، ٤١٦) كلهم من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة، فذكرته.
وقال الترمذيّ: هذا حديث مرسل، ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مرسل، أن أم سلمة قالت كذا وكذا.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة".
قلت: نعم، سمع مجاهد من أم سلمة، لأنه ولد سنة ٢١ هـ، وماتت أم سلمة سنة ٦٠ هـ، ومجاهد لم يتهم بالتدليس، فقوله عن أم سلمة يحمل على الاتصال.
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ قال: أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: يا نبي اللَّه، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت له نصف حسنة؛ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ فإنه عدل مني وأنا صنعته.
حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٣٥) والضياء في المختارة (١٠/ ١١٦ - ١١٧) كلاهما من حديث الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الأشعث بن إسحاق، وهو القمي، وشيخه جعفر بن أبي المغيرة، فإنهما حسنا الحديث.
وقوله: "فإنه عدل مني وأنا صنعته" أي: إنه تأكيد من اللَّه تعالى بأنه هو الذي جعل للذكر مثل حظ الأنثيين عدلا منه .
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن عمل المرأة نصف عمل الرجال، لأن اللَّه تعالى نهى أن تتمنى المرأة ما فضل اللَّه به الرجل، وكذلك نهى أن يتمنى الرجل أن يقول: ليت لي مال فلان وأهله، ولكن ليسأل اللَّه من فضله، قاله ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
١٩ - باب قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾
• عن ابن عباس: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ من النصر والرفادة
стр. 6875
والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨٠) عن الصلت بن محمد، حدّثنا أبو أسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ثم قال البخاري: "سمع أبو أسامة إدريس، وسمع إدريس طلحة".
قلت: وهو كما قال، فقد رواه في الفرائض (٦٧٢٧) عن إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لأبي أسامة، حدَّثَكم إدريس، حدّثنا طلحة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر نحوه.
ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي سعيد الأشج، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد به نحوه.
٢٠ - باب قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾
قوله: ﴿قَوَّامُونَ﴾ أي: حاكمها ورئيسها ومؤدبها، لأن اللَّه فَضَّله عليها في قوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: أن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة في إدارة شؤون الحياة لضعفها في خلقتها، وأما عند اللَّه فـ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ أي: لا تجامعوهن، كما فسره ابن عباس وغيره. وقال غيره: لا يكلمها.
وروي عن ابن عباس: لا تجامعوهن ولا تكلموهن.
وأما ما روي عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه أن النبي ﷺ قال: "فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع". قال حماد: يعني النكاح. فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٢١٤٤) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، به، فذكره.
وعلي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف باتفاق أهل العلم.
وقوله: أي: ضربا غير مبرح.
• عن جابر بن عبد اللَّه في صفة حجة النبي ﷺ قال في حجة الوداع: "فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه،
стр. 6876
ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبَرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره في حديث طويل.
وقوله: "غير مُبَرِّح"، أي: كما قال الفقهاء هو ألا يكسر لها عضوا، ولا يؤثر فيها شيئًا.
• عن عبد اللَّه بن زمعة أنه سمع النبي ﷺ خطب، فذكر في خطبته النساء، فقال: "يعمد أحدكم يجلد امرأته جلد العبيد، فلعله يضاجعها من آخر يومه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩٤٢) ومسلم في الجنة (٢٨٥٥) كلاهما من حديث هشام، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن زمعة، فذكره.
• عن عائشة قالت: ما ضرب رسول اللَّه ﷺ شيئًا قط بيده امرأة، ولا خادما.
صحيح: رواه مسلم في كتاب الرؤيا (٢٣٢٨) عن أبي كريب، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
٢١ - باب قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾
مهمة الحكمين الإصلاح بين الزوجين، ومعرفة المسيء من غيره، فإذا تبين لهما أحوالهما فلهما أن يغرما المسيء ويؤبخاه، وهل لهما الخيار في التفريق بينهما أم لا؟ فالآية لم تتطرق إلى التفريق، ولذا قال الإمام أحمد: ليس لهما الحكم بالتفريق بينهما.
وقال غيره وهم أكثر الفقهاء: أن لهما الخيار في التفريق بينهما، لأن الإصلاح قد يقتضي التفريق، وهو خير لهما.
٢٢ - باب قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾
قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.
• عن معاذ بن جبل قال: قال النبي ﷺ : "يا معاذ، أتدري ما حق اللَّه على العباد؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حقهم عليه؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "أن لا يعذبهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٧٣) ومسلم في الإيمان (٣٠: ٥٠) كلاهما عن
стр. 6877
محمد بن بشار، حدّثنا غندر، حدّثنا شعبة، عن أبي حصين والأشعث بن سليم، أنهما سمعا الأسود بن هلال، يحدث عن معاذ بن جبل، فذكره. ولفظهما سواء.
وقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يعني الذي بينك وبينه قرابة، (يعني: له حقان: حق الجار وحق القرابة).
﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الذي ليس بينك وبينه قرابة.
كلما كان الجار أقرب بابا كان آكد حقا. والجار الجنب يشمل المسلم وغير المسلم. أما المسلم فهو معروف، وأما غير المسلم فلإظهار محاسن الإسلام له. فينبغي للجار أن يحسن إلى جاره بالهدية والصدقة والكلام الحسن وعدم أذيته.
• عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦٠١٥) ومسلم في البر والصلة (٢٦٢٥) كلاهما من حديث يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: ذبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه".
صحيح: رواه أبو داود (٥١٥٢) والترمذي (١٩٤٣) وأحمد (٦٤٩٦) كلهم من حديث سفيان، عن بشير بن إسماعيل، عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث عن مجاهد، عن عائشة وأبي هريرة، عن النبي ﷺ ".
قلت: بل إسناده صحيح، فإن رجاله ثقات رجال الصحيح، وبشير بن إسماعيل قد توبع في إسناده، تابعه داود بن شابور عند أحمد وهو ثقة أيضًا.
وأما حديث مجاهد عن عائشة وأبي هريرة فهو مخرج في كتاب الأدب، والخلاف على مجاهد لا يضر، فإن مجاهدا كثير الرواية، روى عن عبد اللَّه بن عمرو، كما روي عن عائشة وأبي هريرة، وكذلك روى عنه أصحابه، واختلفوا عليه. وكله صحيح.
• عن المقداد بن الأسود، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "ما تقولون في الزنا؟ " قالوا: حرَّمه اللَّه ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: "لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره"
стр. 6878
قال: فقال: "ما تقولون في السرقة؟ " قالوا: حرَّمه اللَّه ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة. قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره".
حسن: رواه أحمد (٢٣٨٥٤) والبخاري في الأدب المفرد (١٠٣) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٥٦ - ٢٥٧) كلهم من طريق محمد بن فضيل بن غزوان، حدّثنا محمد بن سعد الأنصاري، قال: سمعت أبا ظبية الكلاعي، يقول: سمعت المقداد بن الأسود، يقول: فذكره.
وإسناده حسن فإن رجال الإسناد كلهم حسن الحديث.
وقال الحافظ ابن حجر في أبي ظبية الكلاعي بأنه "مقبول" ولكن وثّقه ابن معين والدارمي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: "ليس به بأس"، فأقل أحواله أنه في درجة الصدوق، فيُحَسَّن حديثه.
وقوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ عن علي وابن مسعود: هي المرأة.
وعن ابن عباس: هو الرفيق في السفر، أي: الذي يكون في جنبه.
قلت: والصاحب هذا يشمل الرجل والمرأة، في السفر والحضر، فعلى صاحبه لصاحبه حقوق كثيرة، ومن جملة الحقوق أن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.
وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي الأرقاء، يعني: الإحسان إليهم.
• عن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حُلَّة، وعلى غلامه حُلَّة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلا، فعَيَّرته بأمه، فقال لي النبي ﷺ : "يا أبا ذر! أعَيَّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وَلْيُلْبسه مما يلبس، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلَّفتموهم فأعينوهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٣٠) ومسلم في الإيمان (١٦٦١: ٤٠) كلاهما من حديث شعبة، عن واصل الأحدب، عن المعرور، فذكره، واللفظ للبخاري.
قوله: "خولكم" أي: خدمكم.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾
• عن مطرف قال: كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته فقلت: يا أبا ذر بلغني أنك تزعم أن رسول اللَّه ﷺ حدَّثكم أن اللَّه يحب ثلاثة، ويبغض ثلاثة، قال: أجل، فلا أخالُك، أكذب علي خليلي ثلاثًا؟ قلت: من الثلاثة الذي يبغض؟ قال: المختال الفخور، أو ليس تجدونه عندكم في كتاب اللَّه المنزل، ثم قرأ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ قلت: ومن؟ قال: المختال المنان.
стр. 6879
صحيح: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٥٠) عن أبيه، عن أبي نعيم، ثنا الأسود بن شيبان، ثنا يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير، قال: قال مطرف (بن عبد اللَّه بن الشخير) فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه أيضًا أحمد (٢١٥٧٠) والحاكم (٢/ ٨٨ - ٨٩) والبيهقي (٩/ ١٦٠) كلهم من حديث الأسود بن شيبان به مثله، إلا أن البعض ذكر الآية من سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
• عن رجل من بَلْهُجَيْم قال: قلت: يا رسول اللَّه، إلامَ تدعو؟ قال: "أدعو إلى اللَّه وحده، الذي إن مسّكَ ضُرٌّ فدعوته، كشف عنك، والذي إن ضللت بأرض قفر فدعوته ردَّ عليك، والذي إن أصابتك سَنَةٌ فدعوته، أنبت عليك" قال: قلت: فأوصني. قال: "لا تَسُبَّنَّ أحدًا، ولا تزهدنَّ في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وائتزر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك إسبال الازار، فإن إسبال الازار من الْمَخِيلَة، وإن اللَّه لا يحب الْمَخِيلَة".
صحيح: رواه أحمد (٢٠٦٣٦) عن عفان، حدّثنا وهيب بن خالد، حدّثنا خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن رجل، فذكره.
والرجل المبهم من الصحابي هو جابر بن سليم، كما في الإسناد الذي قبله.
٢٣ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾
قوله: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
أي: لا يظهرون نعمة اللَّه التي أنعم اللَّه عليهم في مأكلهم وملبسهم، وبذلها للفقراء والمساكين، وقد جاء في الحديث أن اللَّه يحب أن يُرى أثر نعمته على عبده.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٨١٩) عن الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدّثنا عفان بن مسلم، قال: حدّثنا همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، فذكره.
стр. 6880
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، وقد مضى في كتاب الزكاة من طريق همام بإسناده أطول من هذا.
وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾
الكافر هنا بمعنى الساتر لنعمة اللَّه وكاتمها، لا الكافر الخارج عن الدين، لأن الذي لا يظهر نعمة اللَّه لا يخرج من الإسلام، إلا أن يقال: إن الكتمان هنا كتمان اليهود والنصارى العلم الذي عندهم لنبوة النبي ﷺ ، فالكفر يكون بمقابل الإسلام.
وروي عن ابن عباس قال: كان كَرْدَم بن زيد -حليفُ كعب بن الأشرف- وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبَحْريّ بن عمرو، وحُيَيّ بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالا من الأنصار -وكانوا يخالطونهم، يتنصحون لهم- من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون! فأنزل اللَّه فيهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: من النبوة، التي فيها تصديق ما جاء به محمد ﷺ . ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.
رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٢٤) وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٦٤) كلاهما من حديث سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد -وهو مولى زيد بن ثابت-، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
ومحمد بن أبي محمد -مولى زيد بن ثابت- شيخ محمد بن إسحاق "مجهول، تفرد محمد بن إسحاق عنه"، كما في التقريب.
٢٤ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾
• عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللَّه ﷺ في حديث الشفاعة الطويل وفيه: "فيقول : اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه" قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوا فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾.
وفي رواية: "أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٩) ومسلم في الإيمان (١٨٣) كلاهما من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، فذكره. واللفظ للبخاري. وفي لفظ مسلم: "من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير".
стр. 6881
٢٥ - باب قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾
والشهيد هنا الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ [الزمر: ٦٩].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "اقرأ عليَّ القرآن" قال: فقلت: أقرأ عليك وعليك أُنْزِل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري"، فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ رفعت رأسي، أو غمزني رجل إلى جنبي، فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل.
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٥٥) ومسلم في صلاة المسافرين (٨٠٠) كلاهما من طريق سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: فذكره.
٢٦ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾
قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ كان قبل تحريم الخمر.
• عن علي بن أبي طالب قال: دعانا رجل من الأنصار قبل أن تحرم الخمر، فتقدم عبد الرحمن بن عوف وصلَّى بهم المغرب، فقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فالتبس عليه فيها، فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
صحيح: رواه أبو داود (٣٦٧١) والترمذي (٣٠٢٦) وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٥٨) والحاكم (٤/ ١٤٢) كلهم من طرق عن سفيان الثوري وأبي جعفر الرازي، كلاهما عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، فذكره. واللفظ للحاكم.
وقال الترمذيّ: "حسن غريب صحيح".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد اختلف فيه على عطاء بن السائب من ثلاثة أوجه، هذا أولها وأصحها" انتهى.
ثم قال بعد أن ساق الأسانيد الأخرى عن عطاء بن السائب: "هذه الأسانيد كلها صحيحة،
стр. 6882
والحكم لحديث سفيان الثوري، فإنه أحفظ من كل من رواه عن عطاء بن السائب" انتهى.
قلت: بعض الرواة قالوا: إن الإمام كان عليا، وبعض الرواة قالوا: قدموا فلانًا، هكذا مبهما، والصحيح كما قال الحاكم: إن الإمام كان عبد الرحمن بن عوف.
ثم نزل تحريم الخمر.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: أُنْزِلت فيَّ أربع آيات، فذكر منها، قال: وأتيتُ على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش -والحش: البستان-، فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزِقٍّ من خمر، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خيرٌ من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس، فضربني به فجرح بأنفي، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته، فأنزل اللَّه فيّ -يعني نفسه- شأن الخمر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (١٧٤٨: ٤٣) من طرق عن الحسن بن موسى، حدّثنا زهير، حدّثنا سماك بن حرب، حدثني مصعب بن سعد، عن أبيه، أنه قال: فذكره في حديث طويل.
• عن عمر بن الخطاب قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهمّ بَيِّنْ لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، قال: فدعي عمر، فقرئت عليهن قال: اللهمّ بَيِّنْ لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول اللَّه ﷺ إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقربَنَّ الصلاة سكرانٌ، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللَّهمّ بَيِّنْ لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت هذه الآية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال عمر: انتهينا.
صحيح: رواه أبو داود (٣٦٦٩) والترمذي (٣٠٣٩) والنسائي (٥٥٤٠) وأحمد (٣٧٨) وصحّحه الحاكم (٤/ ١٤٣) كلهم من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب، فذكره. وإسناده صحيح.
ولكن قال الترمذيّ: "وقد روي هذا الحديث عن إسرائيل مرسلًا، وقال: حدّثنا محمد بن العلاء، قال: حدّثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة (وهو عمرو بن شرحيل) أن عمر بن الخطاب قال: اللَّهم بَيِّنْ لنا في الخمر بيان شفاء، فذكره. ثم قال: "وهذا أصح من حديث محمد بن يوسف". انتهى.
стр. 6883
قلت: هكذا رواه الترمذيّ من طريق محمد بن يوسف، عن إسرائيل، ورواه إسماعيل بن جعفر، وخلف بن الوليد، وعبيد اللَّه بن موسى وغيرهم عن إسرائيل به مرفوعًا.
وقوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ أي: لا يجوز للجنب أن يمكث في المسجد جنبا، ولا بأس به أن يعبر، والعبور هو المرور.
وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
• عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليُمِسه بشره، فإن ذلك خير".
حسن: رواه أبو دا ود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (٣٢٢)، وأحمد (٢١٥٦٨) كلهم من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر، فذكره، واللفظ لأحمد.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عمرو بن بُجْدان، كما سبق تفصيل ذلك في كتاب التيمم، وقال الترمذيّ: "حسن صحيح".
• عن عمران بن حصين الخزاعي أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصلِّ في القوم، فقال: "يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ " فقال: يا رسول اللَّه، أصابتني جنابة ولا ماء. فقال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التيمم (٣٤٤) ومسلم في المساجد (٦٨٢) كلاهما من حديث أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين، فذكره.
• عن عائشة أم المؤمنين قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فذكرت القصة وجاء فيها: فنام رسول اللَّه ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل اللَّه ﵎ آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته.
متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (٩٢) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: فذكرته.
ورواه البخاريّ في التيمم (٣٣٤) ومسلم في الحيض (٣٦٧) كلاهما من طريق مالك به.
٢٧ - باب قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾
стр. 6884
قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ أي: يغيرون اللفظ، أو يؤولون الكلام على غير تأويله، أو هما جميعًا، ومن تحريفهم للفظ ذكر إسماعيل ﵇ وذريته بأبشع الصفات وأقبحها، وتحريفهم بالمعنى مثل تنزيل صفات النبي محمد ﷺ على غيره.
٢٨ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾
قوله: ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: الذنوب. ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده، أي: أن صاحب الذنوب تحت مشيئة اللَّه تعالى، أما الشرك فلن يغفر اللَّه من مات مشركا إذا لم يتب منه.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من مات يشرك باللَّه شيئًا دخل النار" وقلت أنا: من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٢٣٨) ومسلم في الإيمان (٩٢) كلاهما من حديث الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه، فذكره.
ورواه أحمد (٣٥٥٢) وغيره مقلوبا يعني أنه قال: خصلتان -يعني إحداهما سمعتها من رسول اللَّه ﷺ ، والأخرى من نفسي: "من مات وهو يجعل للَّه ندا دخل النار"، وأنا أقول: من مات وهو لا يجعل للَّه ندا، ولا يشرك به شيئًا دخل الجنة.
رواه عن هشيم (ابن بشير)، أنبأنا سيار ومغيرة، عن أبي وائل، قال: قال ابن مسعود، فذكره. وكذلك رواه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٢٥١) من وجه آخر عن أبي عوانة، عن المغيرة وحده. وإسناده صحيح.
• عن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "كل ذنب عسى اللَّه أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا".
حسن: رواه النسائي (٧/ ٨١)، وأحمد (١٦٩٠٧)، وصحّحه الحاكم (٤/ ٣٥١) كلهم من طريق صفوان بن عيسى، قال: أخبرنا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية -وكان قليل الحديث عن رسول اللَّه ﷺ قال: فذكره، واللفظ لأحمد.
وإسناده حسن من أجل أبي عون الأنصاري، فإنه حسن الحديث، وانظر للمزيد كتاب الحدود.
• عن ابن عمر قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر، حتى سمعنا رسول اللَّه ﷺ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال: "إني ادّخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي" قال فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعد ورجونا.
حسن: رواه البزار (٥٨٤٠)، وأبو يعلى (٥٨١٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٥٤) كلهم من
стр. 6885
حديث شيبان بن فروخ أبي شيبة، حدّثنا حرب بن سريج المنقري، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. والسياق لأبي يعلى.
وقال البزار: "وهذا الكلام، لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلّا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن أيوب إلّا حرب بن سريج، وهو رجل من أهل البصرة، ليس به بأس.
قلت: ومن أجله ومن أجل شيبان بن فروخ يكون الإسناد حسنا.
وقال الهيثمي: "رواه البزار، وإسناده جيد" (مجمع الزوائد: ١٠/ ٢١١)
٢٩ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾
قوله: ﴿الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ قيل: هم اليهود.
وقيل: اليهود والنصارى كما جاء في التنزيل: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الْجِبْتُ قيل: السحر، وقيل: الشيطان، وقيل: الشرك، وقيل: الأصنام، وقالوا: الجبت يطلق على الصنم والكاهن والساحر.
وروي عن قَبيصة بن المخارق قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "العيافة والطيرة والطرق من الجبت".
رواه أبو داود (٣٩٠٧)، وأحمد (٢٠٦٠٣، ٢٠٦٠٤)، والبيهقي (٨/ ١٣٩) كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن حيان أبي العلاء، عن قطن بن قبيصة، عن أبيه، فذكره.
وقال عوف: العِيافة: زجر الطير. والطرق: الخط يُخَطُّ في الارض. والجبت من الشيطان.
وفي الإسناد حيان أبو العلاء، قيل: حيان بن أبي العلاء، وقيل: حيان بن عمير، وقيل غير ذلك، ولم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في "الثقات" على قاعدته المعروفة، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي: عند المتابعة، ولم أجده.
٣٠ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾
стр. 6886
قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: بسبب نضج جلودهم، لأن الإحسان بالألم مرتبط بالجلود دون اللحوم. وقد جاء وصف جلود الكفار في النار.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ضِرْس الكافر -أو ناب الكافر- مثل أحد، وغِلَظُ جلده مسيرة ثلاث".
صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (٢٨٥١) عن سريج بن يونس، حدّثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن هارون بن سعد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره.
وقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ أي: ظلا عميقا.
• عن سهل بن سعد عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
متفق عليه: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (٢٨٢٧) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا المخزومي (وهو المغيرة بن سلمة)، حدّثنا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
ورواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٥٢) فقال: وقال إسحاق بن إبراهيم بإسناده. وظاهره معلق، وقوله محمول على الاتصال لأنه من شيوخه.
• عن أبي هريرة عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب فى ظلها مئة سنة".
صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٢٦) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وزاد في رواية من وجه آخر: "لا يقطعها".
٣١ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾
قوله: ﴿الْأَمَانَاتِ﴾ هي شاملة لجميع الأمانات الواجبة على الإنسان، سواء كانت في حق اللَّه تعالى أو في حق الآدميين، ومن الأمانات أن النبي ﷺ رد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة بعد أن وقع في يد علي بن أبي طالب، وطلب من النبي ﷺ أن يجمع لرهطه الحجابة مع السقاية.
• عن صفية بنت شيبة أن رسول اللَّه ﷺ لما نزل مكة، واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكف
стр. 6887
له الناس في المسجد.
ثم جلس رسول اللَّه ﷺ في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول اللَّه، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى اللَّه عليك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أين عثمان بن طلحة؟ " فدعي له فقال: "هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء".
حسن: رواه محمد بن إسحاق - السيرة لابن هشام (٢/ ٤١١) قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
وفي معناه ما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ١٧٠): حدّثنا القاسم قال: حدّثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، قال: نزلت في عُثمان بن طلحة، قَبض منه النبي ﷺ مفتاح الكعبة، فدخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان إليه، فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول اللَّه ﷺ وهو يتلو هذه الآية: فداهُ أبي وأمي! ما سمعته يَتلوها قبل ذلك!
والحسين هو سُنَيد صاحب التفسير، وهو ضعيف عند أكثر المحدثين، والحجاج هو ابن محمد المصيصي، وكان سُنيد يُلَقِّنُ شيخه بعد ما تغير.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
• عن أبي يونس سُليم بن جبير مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينيه.
قال أبو هريرة: رأيت رسول اللَّه ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه.
قال ابن يونس: قال المقري: يعني (إن اللَّه سميع بصير) يعني: إن للَّه سمعا وبصرا. قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية.
صحيح: رواه أبو داود (٤٧٢٨) والحاكم (١/ ٢٤) كلاهما من حديث عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، حدّثنا حرملة - يعني ابن عمران، حدثني أبو يونس سليم بن جبير، فذكره، واللفظ لأبي داود. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وقوَّى الحافظ ابن حجر هذا الإسناد، وقال: على شرط مسلم. انظر: الفتح (١ ٣/ ٣٧٣).
٣٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ
стр. 6888
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾
• عن ابن عباس: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبد اللَّه ابن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي ﷺ في سرية.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨٤) عن صدقة بن الفضل، أخبرنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه مسلم في الإمارة (١٨٣٤) عن زهير بن حرب وهارون بن عبد اللَّه، قالا: حدّثنا حجاج ابن محمد، قال: قال ابن جريج: نزل: في عبد اللَّه بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي، بعثه النبي ﷺ في سرية، أخبرنيه يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
تنبيه: ذكر المزي في ترجمة سنيد بن داود المصيصي أبي علي المحتسب، واسمه الحسين، وسنيد لقب غلب عليه، قال: روى البخاري في تفسير سورة النساء (أي: في هذا الموضع) عن صدقة، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر الآية، وقال: هكذا رواه الجماعة عن الفربري، عن البخاري. وروى أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن وحده عن الفربري، عن البخاري قال: حدّثنا سنيد، عن حجاج بن محمد، فذكره.
قال أبو محمد بن يربوع الإشبيلي: الصواب ما رواه الجماعة، وليس يبعد فإن سنيدا هذا صاحب تفسير. وذكر ابن السكن له في التفسير من الأوهام المحتملة؛ لأنه إنما ذكره في بابه الذي هو مشهور به. فهو قريب بعيد" انتهى.
والخلاصة فيه أنه إذا روى في تفسيره حديثا مرفوعًا يُنظر فيه، وإذا روى عن الصحابي أو التابعي ولم يكن فيه نكارة أو غرابة فيحسّن.
ذكرتُ هذا التنبيه لأن سُنيدًا قد يكثر ذكره في التفسير.
٣٣ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾
• عن ابن عباس قال: كان أبو بردة كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه، فتنافر إليه أناس من أسلم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾.
صحيح: رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٩٥) وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩١) كلاهما من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع، ثنا صفوان بن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
стр. 6889
٣٤ - باب قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾
فيه توجيه وإرشاد للعصاة والمذنبين أن لا يقنطوا من رحمة اللَّه تعالى، بل عليهم أن يأتوا إلى رسول اللَّه ﷺ فيستغفروا اللَّه عنده، ويسألوا الرسول ﷺ أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب اللَّه عليهم وغفر لهم، كما قال تعالى: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ هذا في حياته ﷺ ، وأما بعد مماته فانتهى هذا الأمر.
• عن يزيد بن الأسود قال: حججنا مع رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول اللَّه ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسا، واستقبل الناس بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: "ائتوني بهذين الرجلين" قال: فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ " قالا: يا رسول اللَّه، إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: "فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة". قال: فقال أحدهما: استغفر لي يا رسول اللَّه. فاستغفر له، قال: ونهض الناس إلى رسول اللَّه ﷺ ونهضت معهم، وأنا يومئذ أشب الرجال وأجلده. قال: فما زلت أزحم الناس حتى وصلت إلى رسول اللَّه ﷺ فأخذت بيده فوضعتها إما على وجهي أو صدري، قال: فما وجدت شيئًا أطيب ولا أبرد من يد رسول اللَّه ﷺ . قال: وهو يومئذ في مسجد الخيف.
صحيح: رواه أحمد (١٧٤٧٦) والسياق له، وأبو داود (٥٧٥) والترمذي (٢١٩) والنسائي (٨٥٨) وصحّحه ابن خزيمة (١٢٧٩) وابن حبان (٢٣٩٥، ١٥٦٥) كلهم من طرق عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال: فذكره. وإسناده صحيح.
وذكر النووي في المجموع (٨/ ٢٧٤) والإيضاح (ص: ٤٩٨) وابن كثير في تفسيره قصة غريبة عن العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول اللَّه، سمعت اللَّه يقول: وقد جئتك مستغفرا لذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم.
стр. 6890
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني، فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: يا عُتْبِي، الحق الأعرابي فبشره أن اللَّه قد غفر له.
وهذه قصة باطلة مختلقة مخالفة لما كان عليه الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، فإن أحدا من الصحابة ومن بعدهم لم يذهب إلى قبر النبي ﷺ مستشفعا لربه. ولو فعلوا ذلك لتواترت النقول.
والعتبي هو الشاعر الأخباري أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد اللَّه بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب الأموي، ثم العتبي البصري، لم يكن محدثا، وإنما هو أخباري فقط.
وذكر الذهبي: أنه كان يشرب، ومات سنة ثمان وعشرين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١١/ ٩٦) فمن كان هذا حاله لا يجوز النقل عنه إلا بالتعجب.
ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٣٨٨٠) فقال: "أخبرنا أبو علي الروذباري، حدّثنا عمرو بن محمد بن عمرو بن الحسين بن بقية إملاء، حدّثنا شكر الهروي، حدّثنا يزيد الرقاشي، عن محمد ابن روح بن يزيد البصري، حدثني أبو حرب الهلالي، قال: حج أعرابي فلما جاء إلى باب مسجد رسول اللَّه ﷺ أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى أتى القبر ووقف بحذاء وجه رسول اللَّه ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه جئتك مثقلا بالذنوب والخطايا مستشفعا بك على ربك لأنه قال في محكم كتابه: ، وقد جئتك بأبي أنت وأمي مثقلا بالذنوب والخطايا أستشفع بك على ربك أن يغفر لي ذنوبي، وأن تشفع في ثم أقبل في عرض الناس، وهو يقول:
يا خير من دفنت في الترب أعظمه ... فطاب من طيبه الأبقاع والأكم
نفسي الفداء بقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
وفي غير هذه الرواية: فطاب من طيبه القيعان والأكم" انتهى.
وفيه يزيد الرقاشي وهو أبان القاصّ ضعيف جدا، وفي الإسناد من لا يعرف حالهم، ولذا قال الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص: ٢٤٥ - ٢٤٧): "وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري، حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي فلما جاء إلى باب مسجد رسول اللَّه ﷺ أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، ثم ذكر نحو ما تقدم، وقد وضع لها بعض الكذابين إسنادًا إلى علي بن أبي طالب ﵁.
وفي الجملة: ليست هذه الحكاية المنكورة (أي منكرة) عن الأعرابي مما يقوم به حجة، وإسنادها مظلم مختلف ولفظها مختلف أيضًا، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم،
стр. 6891
وباللَّه التوفيق" اهـ.
٣٥ - باب قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾
• عن عروة، قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار، في شريج من الحرة، فقال النبي ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"، فقال الأنصاري: يا رسول اللَّه، أن كان ابن عمتك؟ ! فتلون وجهه، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك". واستوعى النبي ﷺ للزبير حقه، في صريح الحكم، حين أحفظه الأنصاري، كان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨٥) عن علي بن عبد اللَّه، حدّثنا محمد بن جعفر، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، قال: فذكره.
وصورته إرسال وهو متصل بالمعنى.
فقد رواه أحمد (١٤١٩) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن الزبير كان يحدث، أنه خاصم رجلا من الأنصار، فذكر القصة، وكان عمر عروة عند مقتل أبيه ثلاثة عشر عاما، ولذا جزم البخاري وغيره بسماعه من أبيه.
وقد يكون عروة سمعه أيضًا من أخيه عبد اللَّه بن الزبير، كما رواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٥٩ - ٢٣٦٠) ومسلم في الفضائل (٥٣٥٧) كلاهما من حديث الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن عبد اللَّه بن الزبير، حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير، فذكر الحديث.
ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩٣) من حديث الليث ويونس كلاهما عن الزهري نحوه.
وفيه رد على الحاكم (٣/ ٣٦٣): في قوله بعد أن رواه عن محمد بن عبد اللَّه بن مسلم الزهري، عن عمه، عن عروة بن الزبير، عن عبد اللَّه بن الزبير، عن الزبير: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، فإني لا أعلم أحدا أقام هذا الإسناد عن الزهري، بذكر عبد اللَّه بن الزبير، عن أخيه، وهو عنه ضعيف".
وأما ما روي عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم، انطلقا إلى عمر"، فلما أتيا عمر قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول اللَّه ﷺ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك، فقال: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرت إليكما فأقضي بينكما، فخرج
стр. 6892
إليهما، مشتملا على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، قتل عمر واللَّه صاحبي، ولو ما أني أعجزته لقتلني، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمنين"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فهدر دم ذلك الرجل، وبرئ عمر من قتله، فكره اللَّه أن يسن ذلك بعد، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾. فهو ضعيف.
رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩٤) عن يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد اللَّه بن لهيعة، عن أبي الأسود قال: فذكره.
وأبو الأسود لم يلق عمر، بل لم يلق أحدا من الصحابة، وإنما يروي عن أتباع التابعين.
وعبد اللَّه بن لهيعة فيه كلام معروف، وإن كانت رواية عبد اللَّه بن وهب -وهو أحد العبادلة- أعدل من غيرهم.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "هو أثر غريب، وهو مرسل، وابن لهيعة ضعيف" اهـ.
٣٦ - باب قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾
يخبر اللَّه تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروأ بقتل أنفسهم أو الخروج من ديارهم لم يفعله إلا القليل منهم، فليحمدوا ربهم أنه لم يأمرهم بالأوامر الشاقة على النفوس، بل عافاهم عن ذلك، كما قال أبو إسحاق السبيعي: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال رجل: لو أمرنا لفعلنا. والحمد للَّه الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إن من أمتي لرجالا، الإيمان أتبت في قلوبهم من الجبال الرواسي".
رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٢٠٧) وهو مرسل.
وقال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: واللَّه لقد كتب اللَّه علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا، قال ثابت: واللَّه لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا، فأنزل اللَّه تعالى في هذا ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.
رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩٦) عن أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، ثنا أحمد بن مفضل، ثنا أسباط، عن السدي، قال: فذكره.
وفيه مع الانقطاع أسباط وهو ابن نصر الهمداني، ضعَّفه جمهور أهل العلم.
والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن الكبير، وهو صدوق لا بأس به.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي: أنهم لو اقتصروا على أمر اللَّه
стр. 6893
تعالى ونهيه، ولم يطمعوا ما لم يأمرهم اللَّه تعالى أو نهى عنه لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة؛ فإن من تكلف بعمل لم يأمره اللَّه تعالى أو اجتنب من شيء لم ينه اللَّه تعالى عنه، فقد وقع في حرج شديد، ولا يستطع القيام به.
٣٧ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾
• عن عائشة قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من نبي يَمْرضُ إلا خُيِّرَ بين الدنيا والآخرة"، وكان في شكواه الذي قُبِضَ فيه أخذته بحَّةٌ شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خُيِّرَ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨٦) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٤٤: ٨٦) كلاهما من طريق سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة، قالت: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، واللَّه إنك لأحب إليَّ من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي، وأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رُفِعْتَ مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يَرُدَّ عليه النبي ﷺ حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية.
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٤٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، وعنه الواحدي في أسباب النزول (ص: ١٥٩) وابن مردويه في تفسيره (ابن كثير) كلهم من حديث عبد اللَّه ابن عمران العابدي، قال: حدّثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن الأسود، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن عمران بن رزين -بفتح الراء وكسر الزاي- العابدي المكي صدوق معمر كما في "التقريب".
قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٧): "رجاله رجال الصحيح غير عبد اللَّه بن عمران وهو ثقة". ونقل ابن كثير عن الحافظ أبي عبد اللَّه المقدسي أنه قال: "لا أرى بإسناده بأسا".
• عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول اللَّه ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال: "سَلْ"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: "أو غير ذلك؟ " قلت: هو ذاك، قال: "فَأَعِنّي على نفسك بكثرة السجود".
стр. 6894
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٨٩) عن الحكم بن موسى أبي صالح، حدّثنا هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني ربيعة بن كعب الاسلمي، فذكره.
قوله: "فَأَعِنّي على نفسك بكثرة السجود" أي: تكثر من الصلاة إن كنت تريد مرافقتي، والمعية لا تستلزم المساواة، ولذا لا يحتاج إلى تأويل، وفيه دليل لمن قال: إن كثرة الركوع والسجود أفضل من إطالة الركوع والسجود.
• عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ في ليلة الأحزاب: "ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعل اللَّه معي يوم القيامة؟ " ثلاث مرات، فلم يجبه أحد. ثم قال: "قم يا حذيفة، فأتنا بخبر القوم".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٨٨) من طرق عن جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن حذيفة، فذكره في حديث طويل.
٣٨ - باب قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾
• عن ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان وأمي من النساء.
صحيح: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٥٧) عن علي بن عبد اللَّه، قال: حدّثنا سفيان، عن عبيد اللَّه قال: سمعت ابن عباس، قال: فذكره.
• عن ابن أبي مليكة، أن ابن عباسِ تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] قال: كنت أنا وأمي ممن عذره اللَّه.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨٨) عن سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، فذكره.
٣٩ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾
لما كان المسلمون في مكة أمروا بالصلاة والصدقات -أي: غير الزكاة المفروضة، لأنها فرضت في المدينة- وأعمال البر، ولم يؤمروا بالجهاد لقلة عددهم، ولكن كان بعض المؤمنين
стр. 6895
يودون لو فرض عليهم القتال كما يدل عليه الحديث الآتي.
• عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي ﷺ بمكة، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا في عزّ، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: إني أُمِرت بالعفو، فلما حولنا اللَّه إلى المدينة أُمِرْنا بالقتال، فكفوا، فأنزل اللَّه : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾.
حسن: رواه النسائي (٣٠٨٦) والحاكم (٢/ ٦٦ - ٦٧) وعنه البيهقي (٩/ ١١) وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١٠٠٥) والطبري في تفسيره (٧/ ٢٣١) كلهم من طريق الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الحسين بن واقد، فإنه حسن الحديث.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري".
قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.
هذا قول قوم من أصحاب النبي ﷺ الذين استعجلوا القتال، فلما فرض عليهم شق عليهم، وخافوا الناس أن يقاتلوهم، وقالوا: يعني إلى موتهم الطبيعي مثل موتهم على فراشهم، فوبخهم اللَّه تعالى، ووعظهم بأن متاع الدنيا قليل، وإن الآخرة خير لهم، وقد جاء في الحديث الصحيح.
• عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول اللَّه ﷺ قال: "وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٩٢) ومسلم في الإمارة (١٨٨١) كلاهما من حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره في حديث طويل، واللفظ للبخاري، ولم يذكر مسلم هذا اللفظ.
وقيل: إن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ نزلت في اليهود، ونهى اللَّه ﵎ هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. روي ذلك عن ابن عباس، ولا يصح، والأول هو الصحيح.
٤٠ - باب قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأحكام (٧١٣٧) ومسلم في الإمارة (١٨٣٥: ٣٣) كلاهما من حديث عبد اللَّه بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه
стр. 6896
سمع أبا هريرة، يقول: فذكره، ولفظهما سواء.
٤١ - باب قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ هم المنافقون الذين يقولون بلسانهم للرسول ﷺ : إنا آمنا بك فمرنا نطيعك وهم يبطنون الكفر.
وقوله: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ أي: فإذا خرجوا.
وقوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: قدّروا في الليل غير ما قالوا في النهار، وكل ما قدِّر في الليل فهو تبييت.
وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: اصفح عنهم، ولا تعاقبهم، وقيل: لا تخبر بأسمائهم؛ لأنهم قد يحدثون فتنة وشغبا بين المؤمنين.
٤٢ - باب قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾
والتدبر هو التفكر والنظر، ودبر كل شيء آخره.
قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ أي: تناقضا وتفاوتا واضطرابا لأنه تنزيل من حكيم حميد. وقيل: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ﴾ أي في الأخبار عن الغيب بما كان، وبما يكون اختلافا كثيرا.
والخلاصة فيه أن القرآن لا يعارض بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا كما جاء في الحديث الآتي:
• عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أُحِبّ أنّ لي به حُمْرُ النعم، أقبلتُ أنا وأخي، وإذا مشيخةٌ من صحابة رسول اللَّه ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرّق بينهم، فجلسنا حَجرةً، إذ ذكروا آيةً من القرآن، فتماروا فيها، حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول اللَّه ﷺ مُغضَبًا، قد احمرّ وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: "مهلا يا قوم، بهذا أُهلكت الأمم مِن قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكُتُب بعضها ببعض، إنّ القرآن لم ينزل يُكذّب بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا، فما عرفتم منه، فاعملوا به، وما جهلتم منه، فرُدّوه إلى عالمه".
حسن: رواه أحمد (٦٧٠٢) عن أنس بن عياض، حدّثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره.
стр. 6897
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب؛ فإنّه حسن الحديث، وكذا أبوه.
وقد حذّر النبي ﷺ من الاختلاف في القرآن الكريم كما في الحديث الآتي.
• عن أبي عمران الجوني قال: "كتب إليّ عبد اللَّه بن رباح الأنصاري أنّ عبد اللَّه ابن عمرو قال: "هجّرتُ إلى رسول اللَّه ﷺ يومًا". قال: "فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية. فخرج علينا رسول اللَّه ﷺ يعرف في وجهه الغضب فقال: "إنّما أهلك مَن كان قبلكم باختلافهم في الكتاب".
صحيح: رواه مسلم في العلم (٢٦٦٦) عن أبي كامل فضيل بن حسين الجحدري، حدّثنا حماد ابن زيد، حدّثنا أبو عمران الجوني فذكره.
وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب العلم.
٤٣ - باب قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾
المراد بالشّفاعة هنا السعي بين الناس بالخير، ومن السعي أن يشفع ذو جاه لمن دونه وقد جاء في الصحيح:
• عن أبي موسى قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أتاه طالب حاجة، أقبل على جلسائه فقال: "اشفعوا فلتؤجروا، وليقْضِ اللَّه على لسان نبيه ما أحب".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٣٢)، ومسلم في البر (٢٦٢٧)، كلاهما من حديث أبي بردة بريد بن عبد اللَّه، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره.
قال مجاهد: "نزلت هذه الاية في شفاعات الناس بعضهم لبعض".
وقوله: أي حفيظا. وقيل: من القوت، أي إنّ اللَّه هو المقيت والرزاق، والشفاعة هي الوسيلة فقط.
٤٤ - باب قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾
والتحية هي دعاء الحياة، والمراد بالتحية هنا السلام.
وقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته. فإذا قال: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، فالأفضل أن يرد عليه كذلك ويقف عند قوله: "وبركاته". واختلف في الزيادة على بركاته فلم يثبت فيه شيء مرفوعا، وإنّما ورد فيه آثار من الصحابة بالجواز وبالمنع.
• عن عمران بن حصين قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم. فردّ
стр. 6898
عليه، ثم جلس. فقال النبي ﷺ : "عشر" ثم جاء آخر فقال: "السلام عليكم ورحمة اللَّه". فرد عليه، فجلس فقال: "عشرون" ثم جاء آخر فقال: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته". فرد عليه، فجلس فقال: "ثلاثون".
حسن: رواه أبو داود (٥١٩٥)، والترمذي (٢٨٨٤)، وأحمد (١٩٩٤٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٣٧) كلهم عن محمد بن كثير، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن عوف -وهو ابن أبي جميلة الأعرابي- عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين فذكره.
وقال الترمذيّ: "حسن غريب".
وهو كما قال: فإنّ إسناده حسن من أجل جعفر بن سليمان وهو الصُّبعِي البصري فإنّه حسن الحديث. وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٦): "إسناده قوي".
ونحوه روي عن معاذ بن أنس ولكن زاد في آخره: ثم أتى آخر فقال: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ومغفرته". فقال: "أربعون" وقال: "هكذا تكون الفضائل". رواه أبو داود (٥١٩٦) عن إسحاق بن سويد الرملي، حدّثنا ابن أبي مريم، قال: "أظن أنّي سمعت نافع بن يزيد، أخبرني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، فذكره".
وإسناده ضعيف فيه أبو مرحوم وهو عبد الرحيم بن ميمون المدني المعافري، مختلف فيه. فقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: "ضعيف الحديث". وقال أبو حاتم: "يُكتَب حديثه ولا يحتج به". وقال النسائي: "أرجو أنه لا بأس به". ولم يُتابَع على قوله: "ومغفرته"
وضعّفه أيضًا الحافظ في الفتح.
• عن أبي هريرة، أنّ رجلا مرّ على رسول اللَّه ﷺ ، وهو في مجلس، فقال: "سلام عليكم". فقال: "عشر حسنات". ثم مرّ رجل آخر فقال: "سلام عليكم ورحمة اللَّه". فقال: "عشرون حسنة"، فمرّ رجل آخر فقال: "سلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته". فقال: "ثلاثون حسنة". فقام رجل من المجلس ولم يسلِّم، فقال النبي ﷺ : "ما أوشك ما نسي صاحبكم! إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلّم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، فإن قام فليسلّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة".
صحيح: رواه البخاريّ في الأدب المفرد (٩٨٦) عن عبد العزيز بن عبد اللَّه قال: حدثني محمد ابن جعفر بن أبي كثير، عن يعقوب بن زيد التيمي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره.
وصحّحه ابن حبان (٤٩٣)، وأخرجه عن عمر بن محمد الهمداني، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل البخاري فذكره. وإسناده صحيح.
٤٥ - باب قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ
стр. 6899
تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾
• عن زيد بن ثابت قال: "لما خرج النبي ﷺ إلى أحد، رجع ناس من أصحابه. فقالت فرقة: "نقتلهم". وقالت فرقة: "لا نقتلهم". فنزلت. ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وقال النبي ﷺ : "إنّها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل الصحابة (١٨٨٤)، ومسلم في الحج (١٣٨٤) كلاهما من حديث شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد اللَّه بن يزيد قال: سمعت زيد بن ثابت فذكره واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم مختصر.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي أوقعهم في الخطأ. وقيل: أهلكهم. أي بعصيانهم ومخالفتهم لأمر رسول اللَّه ﷺ .
٤٦ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾
• عن سعيد بن جبير قال: "آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس، فسألته عنها". فقال: "نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شيء".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٠)، ومسلم في التفسير (٣٠٢٣) كلاهما من طريق شعبة، حدّثنا مغيرة بن النعمان، قال: سمعت سعيد بن جبير قال: فذكره.
• عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى، قال: سل ابن عباس عن هاتين الآيتين، ما أمرهما ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [سورة الإسراء: ٣٣]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ فسألت ابن عباس، فقال: لما أنزلت الّتي في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرم اللَّه، ودعونا مع اللَّه إلها آخر، وقد آتينا الفواحش، فأنزل اللَّه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠] فهذه لأولئك، وأما الّتي في النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل، فجزاؤه جهنم". فذكرته لمجاهد فقال: "إلّا من ندم".
صحيح: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٨٥٥) عن عثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا جرير، عن منصور، حدثني سعيد بن جبير -أو قال: حدثني الحكم-، عن سعيد بن جبير قال: فذكره.
стр. 6900
• عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ فسألته فقال: "لم ينسخها شيء". وعن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] قال: "نزلت في أهل الشرك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٦٦)، ومسلم في التفسير (٣٠٢٣/ ١٨) كلاهما من طريق شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
• عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: "ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ ". قال: "لا". قال: "فتلوتُ عليه هذه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] إلى آخر الآية، قال: "هذه آية مكية، نسختها آية مدنية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٦٢)، ومسلم في التفسير (٣٠٣٢/ ٢٠) كلاهما من طريق ابن جريج، حدثني القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه.
• عن زيد بن ثابت قال: "لما نزلت هذه الآية الّتي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] عجبنا للينها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت التي في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ أي ثم نزلت الغليظة بعد اللينة. فنسخت اللينة. وأراد بالغليظة هذه الآية وباللينة آية الفرقان.
حسن: رواه النسائي (٧/ ٨٧)، وأبو داود (٤٢٧٢)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٣٧، ١٣٦)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٣٤٩) كلهما من حديث أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه فذكره.
وأدخل بعضهم بين أبي الزناد وبين خارجة "مجالد بن عوف" والإسنادان محفوظان، والرواة عن أبي الزناد ليسوا كلهم ثقات، ولكن يقوي بعضهم بعضا، وبهم صار الحديث حسنا.
في هذه الآية تهديد شديد، ووعيد أكيد لمن قتل مؤمنا متعمدا، وقد قرنه اللَّه تعالى بالشرك باللَّه في غير ما آية في كتابه الكريم، ولذا ذهب ابن عباس إلى أنّه لا توبة للقاتل عمدا.
ونقل ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١٠٣٧) نحو هذا عن زيد بن ثابت، وأبي هريرة وابن عمر، وأبي سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، والضحاك، وقتادة فقالوا: "ليس له توبه". والآية محكمة.
следующие страницы →