← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

سمع أبا هريرة، يقول: فذكره، ولفظهما سواء. ٤١ - باب قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ هم المنافقون الذين يقولون بلسانهم للرسول ﷺ : إنا آمنا بك فمرنا نطيعك وهم يبطنون الكفر. وقوله: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ أي: فإذا خرجوا. وقوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: قدّروا في الليل غير ما قالوا في النهار، وكل ما قدِّر في الليل فهو تبييت. وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: اصفح عنهم، ولا تعاقبهم، وقيل: لا تخبر بأسمائهم؛ لأنهم قد يحدثون فتنة وشغبا بين المؤمنين. ٤٢ - باب قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ والتدبر هو التفكر والنظر، ودبر كل شيء آخره. قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ أي: تناقضا وتفاوتا واضطرابا لأنه تنزيل من حكيم حميد. وقيل: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ﴾ أي في الأخبار عن الغيب بما كان، وبما يكون اختلافا كثيرا. والخلاصة فيه أن القرآن لا يعارض بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا كما جاء في الحديث الآتي: • عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أُحِبّ أنّ لي به حُمْرُ النعم، أقبلتُ أنا وأخي، وإذا مشيخةٌ من صحابة رسول اللَّه ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرّق بينهم، فجلسنا حَجرةً، إذ ذكروا آيةً من القرآن، فتماروا فيها، حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول اللَّه ﷺ مُغضَبًا، قد احمرّ وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: "مهلا يا قوم، بهذا أُهلكت الأمم مِن قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكُتُب بعضها ببعض، إنّ القرآن لم ينزل يُكذّب بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا، فما عرفتم منه، فاعملوا به، وما جهلتم منه، فرُدّوه إلى عالمه". حسن: رواه أحمد (٦٧٠٢) عن أنس بن عياض، حدّثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره.

стр. 6897

وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب؛ فإنّه حسن الحديث، وكذا أبوه. وقد حذّر النبي ﷺ من الاختلاف في القرآن الكريم كما في الحديث الآتي. • عن أبي عمران الجوني قال: "كتب إليّ عبد اللَّه بن رباح الأنصاري أنّ عبد اللَّه ابن عمرو قال: "هجّرتُ إلى رسول اللَّه ﷺ يومًا". قال: "فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية. فخرج علينا رسول اللَّه ﷺ يعرف في وجهه الغضب فقال: "إنّما أهلك مَن كان قبلكم باختلافهم في الكتاب". صحيح: رواه مسلم في العلم (٢٦٦٦) عن أبي كامل فضيل بن حسين الجحدري، حدّثنا حماد ابن زيد، حدّثنا أبو عمران الجوني فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب العلم. ٤٣ - باب قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ المراد بالشّفاعة هنا السعي بين الناس بالخير، ومن السعي أن يشفع ذو جاه لمن دونه وقد جاء في الصحيح: • عن أبي موسى قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أتاه طالب حاجة، أقبل على جلسائه فقال: "اشفعوا فلتؤجروا، وليقْضِ اللَّه على لسان نبيه ما أحب". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٣٢)، ومسلم في البر (٢٦٢٧)، كلاهما من حديث أبي بردة بريد بن عبد اللَّه، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره. قال مجاهد: "نزلت هذه الاية في شفاعات الناس بعضهم لبعض". وقوله: أي حفيظا. وقيل: من القوت، أي إنّ اللَّه هو المقيت والرزاق، والشفاعة هي الوسيلة فقط. ٤٤ - باب قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ والتحية هي دعاء الحياة، والمراد بالتحية هنا السلام. وقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته. فإذا قال: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، فالأفضل أن يرد عليه كذلك ويقف عند قوله: "وبركاته". واختلف في الزيادة على بركاته فلم يثبت فيه شيء مرفوعا، وإنّما ورد فيه آثار من الصحابة بالجواز وبالمنع. • عن عمران بن حصين قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم. فردّ

стр. 6898

عليه، ثم جلس. فقال النبي ﷺ : "عشر" ثم جاء آخر فقال: "السلام عليكم ورحمة اللَّه". فرد عليه، فجلس فقال: "عشرون" ثم جاء آخر فقال: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته". فرد عليه، فجلس فقال: "ثلاثون". حسن: رواه أبو داود (٥١٩٥)، والترمذي (٢٨٨٤)، وأحمد (١٩٩٤٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٣٧) كلهم عن محمد بن كثير، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن عوف -وهو ابن أبي جميلة الأعرابي- عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين فذكره. وقال الترمذيّ: "حسن غريب". وهو كما قال: فإنّ إسناده حسن من أجل جعفر بن سليمان وهو الصُّبعِي البصري فإنّه حسن الحديث. وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٦): "إسناده قوي". ونحوه روي عن معاذ بن أنس ولكن زاد في آخره: ثم أتى آخر فقال: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ومغفرته". فقال: "أربعون" وقال: "هكذا تكون الفضائل". رواه أبو داود (٥١٩٦) عن إسحاق بن سويد الرملي، حدّثنا ابن أبي مريم، قال: "أظن أنّي سمعت نافع بن يزيد، أخبرني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، فذكره". وإسناده ضعيف فيه أبو مرحوم وهو عبد الرحيم بن ميمون المدني المعافري، مختلف فيه. فقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: "ضعيف الحديث". وقال أبو حاتم: "يُكتَب حديثه ولا يحتج به". وقال النسائي: "أرجو أنه لا بأس به". ولم يُتابَع على قوله: "ومغفرته" وضعّفه أيضًا الحافظ في الفتح. • عن أبي هريرة، أنّ رجلا مرّ على رسول اللَّه ﷺ ، وهو في مجلس، فقال: "سلام عليكم". فقال: "عشر حسنات". ثم مرّ رجل آخر فقال: "سلام عليكم ورحمة اللَّه". فقال: "عشرون حسنة"، فمرّ رجل آخر فقال: "سلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته". فقال: "ثلاثون حسنة". فقام رجل من المجلس ولم يسلِّم، فقال النبي ﷺ : "ما أوشك ما نسي صاحبكم! إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلّم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، فإن قام فليسلّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة". صحيح: رواه البخاريّ في الأدب المفرد (٩٨٦) عن عبد العزيز بن عبد اللَّه قال: حدثني محمد ابن جعفر بن أبي كثير، عن يعقوب بن زيد التيمي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره. وصحّحه ابن حبان (٤٩٣)، وأخرجه عن عمر بن محمد الهمداني، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل البخاري فذكره. وإسناده صحيح. ٤٥ - باب قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ

стр. 6899

تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾ • عن زيد بن ثابت قال: "لما خرج النبي ﷺ إلى أحد، رجع ناس من أصحابه. فقالت فرقة: "نقتلهم". وقالت فرقة: "لا نقتلهم". فنزلت. ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وقال النبي ﷺ : "إنّها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد". متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل الصحابة (١٨٨٤)، ومسلم في الحج (١٣٨٤) كلاهما من حديث شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد اللَّه بن يزيد قال: سمعت زيد بن ثابت فذكره واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم مختصر. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي أوقعهم في الخطأ. وقيل: أهلكهم. أي بعصيانهم ومخالفتهم لأمر رسول اللَّه ﷺ . ٤٦ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ • عن سعيد بن جبير قال: "آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس، فسألته عنها". فقال: "نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شيء". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٠)، ومسلم في التفسير (٣٠٢٣) كلاهما من طريق شعبة، حدّثنا مغيرة بن النعمان، قال: سمعت سعيد بن جبير قال: فذكره. • عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى، قال: سل ابن عباس عن هاتين الآيتين، ما أمرهما ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [سورة الإسراء: ٣٣]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ فسألت ابن عباس، فقال: لما أنزلت الّتي في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرم اللَّه، ودعونا مع اللَّه إلها آخر، وقد آتينا الفواحش، فأنزل اللَّه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠] فهذه لأولئك، وأما الّتي في النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل، فجزاؤه جهنم". فذكرته لمجاهد فقال: "إلّا من ندم". صحيح: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٨٥٥) عن عثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا جرير، عن منصور، حدثني سعيد بن جبير -أو قال: حدثني الحكم-، عن سعيد بن جبير قال: فذكره.

стр. 6900

• عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ فسألته فقال: "لم ينسخها شيء". وعن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] قال: "نزلت في أهل الشرك". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٦٦)، ومسلم في التفسير (٣٠٢٣/ ١٨) كلاهما من طريق شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: "ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ ". قال: "لا". قال: "فتلوتُ عليه هذه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] إلى آخر الآية، قال: "هذه آية مكية، نسختها آية مدنية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٦٢)، ومسلم في التفسير (٣٠٣٢/ ٢٠) كلاهما من طريق ابن جريج، حدثني القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. • عن زيد بن ثابت قال: "لما نزلت هذه الآية الّتي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] عجبنا للينها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت التي في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ أي ثم نزلت الغليظة بعد اللينة. فنسخت اللينة. وأراد بالغليظة هذه الآية وباللينة آية الفرقان. حسن: رواه النسائي (٧/ ٨٧)، وأبو داود (٤٢٧٢)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٣٧، ١٣٦)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٣٤٩) كلهما من حديث أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه فذكره. وأدخل بعضهم بين أبي الزناد وبين خارجة "مجالد بن عوف" والإسنادان محفوظان، والرواة عن أبي الزناد ليسوا كلهم ثقات، ولكن يقوي بعضهم بعضا، وبهم صار الحديث حسنا. في هذه الآية تهديد شديد، ووعيد أكيد لمن قتل مؤمنا متعمدا، وقد قرنه اللَّه تعالى بالشرك باللَّه في غير ما آية في كتابه الكريم، ولذا ذهب ابن عباس إلى أنّه لا توبة للقاتل عمدا. ونقل ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١٠٣٧) نحو هذا عن زيد بن ثابت، وأبي هريرة وابن عمر، وأبي سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، والضحاك، وقتادة فقالوا: "ليس له توبه". والآية محكمة.

стр. 6901

وذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف إلى أنّ القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه . فإن تاب وأناب، وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، يُبدّل اللَّه سيئاته حسنات. وعوض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن طلابته (ابن كثير). وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٤٨] وهي عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وأما الآية الكريمة: فقد قال أبو هريرة: "هو جزاءه إن جازاه". ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره وروي ذلك أيضًا عن غيره. وقوله: أي المكث الطويل لما ثبت في الأحاديث المتواترة أن الخلود الدائم لا يكون إلّا لمشرك وكافر. ٤٧ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ • عن ابن عباس قال: لقي ناس من المسلمين رجلا في غُنيمةٍ له. فقال: السلام عليكم، فأخذوه فقتلوه، وأخذوا تلك الغُنيمَة. فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩١)، ومسلم في التفسير (٣٠٢٥) كلاهما من طريق سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: فذكره. • عن عبد اللَّه بن أبي حَدْرد، قال: "بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى إِضَم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن رِبعيٍّ ومُحَلِّم بن جَثَّامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إِضَم، مرّ بنا عامرٌ الأشجعي على قعود له معه مُتَيِّع ووَطبٌ مِن لبن، فلمّا مرّ بنا، سلّم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه مُحَلَّم بن جَثّامة فقتله بشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومُتَيِّعه، فلما قمنا على رسول اللَّه ﷺ ، وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. حسن: رواه أحمد (٢٣٨٨١)، وابن أبي شيبة (٣٨١٦٨)، وابن الجارود (٧٧٧) كلهم من

стр. 6902

طريق محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيط، عن القعقاع بن عبد اللَّه بن أبي حَدْرَد، عن أبيه عبد اللَّه بن أبي حدرد، فذكره. وإسناده حسن من أجل القعقاع بن عبد اللَّه. فقد روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد اللَّه بن قُسيط وذكره ابن حبان في ثقاته. واختلف في صحبته، والصواب أنه لا صحبة له، وأما محمد بن إسحاق فقد صرح بالتحديث كما عند أحمد. ٤٨ - باب قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ • عن البراء قال: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول اللَّه ﷺ زيدا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم، فشكا ضرارته، فأنزل اللَّه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٣)، ومسلم في الإمارة (١٨٩٨) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: فذكره. وأما ما رواه الطبراني في الكبير (٥/ ١٩٠)، والطبري (٧/ ٣٦٨) كلاهما من طريق أبي سنان الشيباني، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم نحوه. فهو خطأ عن زيد بن أرقم، والمحفوظ عن أبي إسحاق، عن البراء كما قال أبو زرعة وابن حجر. انظر: علل ابن أبي حاتم (٩٩٢)، وفتح الباري (٨/ ٢٦١). وقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ والضرر هو النقصان سواء كان بالعُمى أو بالعرج أو المرض، أو كان بسبب عدم الأهلية. • عن زيد بن ثابت أن رسول اللَّه ﷺ أملى عليه: لا يستوي القاعدون من المؤمنين، والمجاهدون في سبيل اللَّه فجاء ابن أم مكتوم وهو يُمِلُّها عليّ. قال: يا رسول اللَّه، واللَّهِ لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل اللَّه على رسوله ﷺ ، وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خِفتُ أن تَرُضّ فخذي، ثم سُرِّي عنه، فأنزل اللَّه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٢) عن إسماعيل بن عبد اللَّه قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: حدثني سهل بن سعد الساعدي، أنه رأى مروان ابن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: فذكره. ورواه مسلم في الإمارة (١٨٩٨) من وجه آخر، ولم يسق لفظه، وإنما أحال على حديث البراء ابن عازب قبله.

стр. 6903

• عن مقسم مولى عبد اللَّه بن الحارث، أن ابن عباس أخبره: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر، والخارجون إلى بدر. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٥) من طرق عن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم (وهو الجزري)، أن مقسما مولى عبد اللَّه بن الحارث أخبره: فذكره. • عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال: هم قوم كانوا على عهد رسول اللَّه ﷺ لا يغزون معه لأسقام، وأمراض، وأوجاع. وآخرون أصحاء لا يغزون معه، وكان المرضى في عذر من الأصحاء. صحيح: رواه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٦٥) من وجهين: عن أبي عقيل الدورقي، عن أبي نضرة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. وأبو عقيل الدورقي هو بشير بن عقبة الناجي من رجال الصحيح. أبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قُطعة. قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٩): "رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما ثقات". • عن الفَلَتان بن عاصم قال: "كنا عند النبي ﷺ فأنزل عليه. وكان إذا أنزل عليه رام بصره، مفتوحة عيناه. وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من اللَّه. قال: "كنا نعرف ذلك منه، فقال للكاتب: "أكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين، والمجاهدون في سبيل اللَّه" قال: فقام الأعمى، فقال: يا رسول اللَّه! ما ذنبنا؟ فقلنا للأعمى: إنه ينزل على النبي ﷺ فخاف أن يكون ينزل عليه شيء مِن أمره. فبقي قائما يقول: أعوذ باللَّه من غضب رسول اللَّه. قال: فقال النبي ﷺ : "أكتب: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ". حسن: رواه أبو يعلى (١٥٨٣)، وعنه ابن حبان (٤٧١٢)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٨٠)، والبزار - كشف الأستار (٢٢٠٣)، كلهم من حديث عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن الفَلَتان فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب وأبيه فإنهما حسنا الحديث. وقوله: ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ لأنهم لأعذارهم لم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وإنما كانت لهم النية فقط فلهم أجر النية فقط بخلاف المجاهدين فإنهم يُفضَّلون عليهم درجة. وقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي على القاعدين من غير عذر، حتى لا يحصل التكرار. وقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي المجاهدون والقاعدون أولو الضرر. والحسنى: أي الجنة.

стр. 6904

٤٩ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم ُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ • عن محمد بن عبد الرحمن قال: قُطِع على أهل المدينة بَعْثٌ، فاكتُتِبتُ فيه، فلقيتُ عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشدّ النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يُكثِّرون سواد المشركين على عهد رسول اللَّه ﷺ يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضرَب فيُقتَل، فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٦)، عن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، حدّثنا حيوة وغيره، قالا: حدّثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: فذكره. • عن ابن عباس قال: كان ناس من أهل مكة أسلموا، وكانوا مستخفين بالإسلام، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم مكرَهين، فأُصيب بعضهم يوم بدر مع المشركين، فقال المسلمون: أصحابنا هؤلاء مسلمون أخرجوهم مُكرِهين، فاستغفروا لهم. فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، فكتب المسلمون إلى من بقي منهم بمكة بهذه الآية، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ظهر عليهم المشركون وعلى خروجهم، فلحقوهم فردّوهم، فرجعوا معهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فكتب المسلمون إليهم بذلك فحزنوا، فنزلت هذه الآية ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] فكتبوا إليهم بذلك. صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٢٢٠٤) عن عبدة بن عبد اللَّه، ثنا أبو نعيم، ثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. قال البزار: "لا نعلم أحدا يرويه عن عمرو بن دينار إلّا محمد بن شريك". قلت: إسناده صحيح، ومحمد بن شريك أبو عثمان المكي ثقة وثّقه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وغيرهم. وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٩): "روى البخاري بعضه ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح". ٥٠ - باب قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾

стр. 6905

• عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قال: كنتُ أنا وأمي ممن عذر اللَّه. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨٨) عن سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة فذكره. ٥١ - باب قوله ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ أي يتجاوز اللَّه عنهم على ترك هجرتهم، و ﴿عَسَى﴾ من اللَّه واجب، لأنّه للإطماع، واللَّه تعالى إذا أطمع عبدا في شيء أوصله إليه. • عن أبي هريرة قال: بينا النبي ﷺ يصلي العشاء، إذ قال: "سمع اللَّه لمن حمده". ثم قال قبل أن يسجد: "اللهم نَجِّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نجِّ سلمة بن هشام، اللهم نَجِّ الوليد بن الوليد، اللهم نَجِّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٨)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٧٥: ٢٩٥) كلاهما من طريق شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: فذكره. واللفظ للبخاري. ومسلم لم يسق لفظه كاملا بهذا الإسناد، وإنما ساق أول الحديث وأحال البقية على ما قبله. ٥٢ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ وقوله: أي متحولا يتحول إليه. وهذا خاص بالمسلم الذي يعيش في دار الكفر، ولا يستطيع أن يعبد اللَّه وحده، ولا يؤدّي شعائر الإسلام، فيجب عليه أن يهاجر منها فإن أرض اللَّه واسعة، يجد فيها مراغما كثيرة كما وعد اللَّه بخلاف الّذي في دار الكفر وله حرية في العبادة وأداء شعائر الإسلام فلا يجب عليه الهجرة منها. بل قد يكون البقاء فيها خير له للدعوة إلى اللَّه . • عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ كان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر، وكان مريضا فقال لأهله: أخرجوني من مكة، فإني أجد الحرّ. فقالوا: أين نخرجك؟ . فأشار بيده نحو المدينة فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخر الآية.

стр. 6906

صحيح: رواه ابن أبي حاتم في التفسير (٣/ ١٠٥٠) عن أحمد بن منصور الرمادي، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٣٨١) بهذا الإسناد وسياقه أطول، وليس فيه قصة ضمرة من بني بكر. ورواه أبو يعلى (٢٦٧٩)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٧٢)، وابن أبي حاتم كلهم من وجه آخر عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "خرج ضمرة بن جندب إلى رسول اللَّه ﷺ ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى المدينة، فنزلت: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وأشعث هو: سوار الكندي، النجار، ضعيف باتفاق أهل العلم. ٥٣ - باب قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الجناح يستعمل في الرخص لا يكون فيه حتما؛ لأن الأصل إتمام الصلاة فالقصر رخصة في السفر. ولكن قول عائشة كما مضى في الصلاة: "فرضت الصلاة ركحتين ركحتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر". وقول عمر بن الخطاب: "صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، والفطر والأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان رسول اللَّه ﷺ " يدل على أن ركعتين في السفر ليس بقصر. ولذا ذهب بعض أهل الحلم إلى أن القصر المراد منه قصر الكيفية لا الكمية؛ لأن أصل الصلاة في السفر هي الثنتان فكيف يكون المراد بالقصر هنا قصر الكمية بأن تكون واحدة واحدة. وقال غيرهم: قصر الصلاة بمعنى تخفيف الكمية من صلاة الحضر أي من أربع ركعات إلى ركعتين. وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء فقط دون التخفيف في الصبح والمغرب، وفي حال الخوف ركعة كما في حديث ابن عباس: • عن ابن عباس قال: فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٨٧) من طرق عن أبي عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره. وفي رواية: "إنّ اللَّه فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعا،

стр. 6907

وفي الخوف ركعة". قوله: "وفي الخوف ركعة" خرج مخرج الغالب وإلا فيجوز القصر في حال الأمن كما يجوز في حال الخوف. ولذلك أشكل ذلك على بعض الصحابة. • عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس. فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه. فسألتُ رسول اللَّه ﷺ عن ذلك. فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٦٨٦)، من طرق عن عبد اللَّه بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد اللَّه بن بابيه، عن يعلى بن أمية فذكره. • عن أبي حنظلة قال: سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر، قال: "الصلاة في السفر ركعتان". قلنا: إنّا آمنون. قال: سنة النبي ﷺ . حسن: رواه أحمد (٤٧٠٤) عن يحيى (بن سعيد القطان)، عن إسماعيل (ابن أبي خالد)، عن أبي حنظلة فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي حنظلة وهو حكيم الحذاء كما عند أحمد (٥٥٦٦) من وجه آخر وجاء فيه: سمعت ابن عمر، سئل عن الصلاة في السفر فذكر مثله. وأبو حنظلة من رجال التعجيل (١٢٦٠)، ذكره ابن خلفون في الثقات. وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: "حديثه في الكوفيين". قال الحافظ ابن حجر: "إنه معروف. ولا أعرف فيه جرحا". وفي معناه أحاديث أخرى في كتاب الصلاة وفيها دلالة واضحة على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف. ٥٤ - باب قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ • عن أبي عيّاش الزُرقي قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلّى بنا النبي ﷺ الظهر". فقالوا: "قد كانوا على حال لو أصبنا غِرّتهم". ثم قالوا: "تأتي عليهم الآن

стр. 6908

صلاة هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم". قال: "فنزل جبرئيل ﵇ بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاة﴾. قال: "فحضرتْ، فأمرهم رسول اللَّه ﷺ فأخذوا السلاح". قال: "فصفَفْنا خلفه صفين". قال: ثم ركع، فركعنا جميعا، ثم رفع فرفعنا جميعا، ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مَصافِّ هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعا، ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلس جلس الآخرون، فسجدوا، ثم سلّم عليهم، ثم انصرف، قال: "فصلّاها رسول اللَّه ﷺ مرتين: مرةً بعسفان، ومرة بأرض بني سُلَيم". صحيح: رواه أبو داود (١٢٣٦)، والنسائي (٣/ ١٧٧ - ١٧٨)، وأحمد (١٦٥٨٠) -واللفظ له- وصحّحه ابن حبان (٢٨٧٦)، والحاكم (١/ ٣٣٧ - ٣٣٨) كلهم من حديث منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي فذكره. وإسناده صحيح. واختلف في سماع مجاهد من أبي عياش. والصواب أنه سمع منه. صلاة الخوف لها أنواع كثيرة، فإنّ العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صوبها، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها رجالا وركبانا. والأحاديث المروية في ذلك كثيرة سبق ذكرها في صلاة الخوف. قال الإمام أحمد: "كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف، فالعمل به جائز. روي فيها ستة أوجه أو سبعة أوجه". وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ حمل السلاح في صلاة الخوف واجب لظاهر الآية، وهو أحد قولي الشافعي. ورخّص اللَّه في وضعها في حال المطر أو المرض. • عن ابن عباس: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قال: "عبد الرحمن بن عوف، كان جريحا". صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٩٩)، عن محمد بن مقاتل أبي الحسن، أخبرنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ٥٥ - باب قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ أي إذا انتهيتم من الصلاة المفروضة فاذكروا اللَّه بالتسبيح والتحميد والتهليل والتمجيد على

стр. 6909

كل حال. • عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يذكر اللَّه على كل أحيانه". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٧٣) من طرق عن ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن البَهِيّ، عن عروة، عن عائشة فذكرته. وذكره البخاري تعليقا. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي مفروضا، كما قال ابن عباس. وقال ابن مسعود: "إنّ للصلاة وقتا كوقت الحج". ٥٦ - باب قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾ قيل: نزلت هذه الآية في أحد وذلك أنّ أبا سفيان وأصحابه لمّا رجعوا يوم أحد، بعث رسول اللَّه ﷺ طائفة في آثارهم، فشكوا ألم الجراحات. فقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي لا تضعفوا في طلب أبي سفيان وأصحابه. وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي الكفار. وإليه تشير أيضًا آية سورة آل عمران (١٣٩): ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن صرتم على جراحاتكم فتكون لكم العاقبة بالنصرة والظفر. وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ٥٧ - باب قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ قوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي بما ألهم اللَّه إليك. وذكر في سبب نزوله قصة بني أبيرق رُوي عن قتادة بن النعمان قال: "كان أهل بيتٍ منَّا يقال لهم: بَنُو أُبَيْرق: بِشْرٌ وبشير ومبَشِّرٌ، وكان بشير رجلا منافِقا، يقول الشِّعْرَ يَهْجُو به أصحاب النبي ﷺ ، ثم يَنْحَلُهُ بعض العرَب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أَصحابُ رسول اللَّه ﷺ ذلك الشِّعْرَ، قالوا: واللَّهِ، ما يقول هذا الشِّعْرَ إلا هذا

стр. 6910

الخَبيثُ -أو كما قال الرجل- وقالوا: "ابنُ الأُبَيْرق قالها، وكانوا أهلَ بيتِ حاجةٍ وفاقةٍ في الجاهلية والإسلامِ، وكان النَّاسُ إنما طعامهم بالمدينة التمرُ والشَّعِيرُ، وكان الرجلُ إذا كان له يَسارٌ فقدمت ضافِطةٌ من الشام، من الدَّرمَك، ابتاع الرجلُ منها، فخصَّ بها نفسه، وأما العيالُ: فإنما طعامهم التمرُ والشعيرُ. فقدمت ضافِطَةٌ من الشام، فابتاع عَمِّي رِفاعَةُ بنُ زيد حِمْلا من الدَّرمك، فجعله في مَشْرَبةٍ له، وفي المشربة سلاحٌ: دِرْعٌ وسيف، فَعُدِي عليه من تحت البيت فَنُقِبَتِ المشربةُ، وأُخذَ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عَمِّي رِفاعَةُ، فقال: يا ابن أخي! إنه قد عُدِيَ علينا في ليلتنا هذه، فنُقِبتْ مَشرَبتُنا، فذُهِبَ بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحَسّسْنَا في الدارِ، وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أُبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنُو أُبيرق قالوا -ونحن نسأل في الدَّار-: واللَّه ما نَرِى صاحبكم إلا لَبِيدَ بنَ سَهْلٍ -رجل منَّا له صلاحٌ وإسلامٌ- فلما سمع لبيدٌ اختَرط سيفه. وقال: أَنا أَسرِق؟ فَواللَّه ليخالطنَّكم هذا السيف، أَو لتُبَيِّنُنَّ هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار، حتى لم نَشُكَّ أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيْتَ رسول اللَّه ﷺ فذكرتَ ذلك لَهُ؟ قال قتادة: فأتيتُ رسول اللَّه ﷺ فقلتُ: إن أهل بيت منَّا، أَهلَ جفاءٍ عَمَدُوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقَّبُوا مَشْرَبَة لهُ، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليَرُدُّوا علينا سلاحنا، فأمَّا الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال النبيُّ ﷺ : "سآمرُ في ذلك". فلما سمعَ بَنُو أُبَيْرِقَ أَتَوْا رجلا منهم، يقال له: أسِير بن عروة. فكلَّموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناسٌ من أَهل الدار، فقالوا: يا رسول اللَّه! إن قتادة بن النعمان وعمَّهُ عمدا إلى أَهل بيت منَّا أهلِ إسلامٍ وصلاحٍ يرمونهم بالسرقةِ من غير بَيِّنَةٍ ولا ثَبتٍ. قال قتادة: فأتيتُ رسول اللَّه ﷺ فكلَّمته. فقال: "عمدْتَ إلى أَهل بيت ذُكرَ منهم إسلامٌ وصلاحٌ، ترميهم بالسرقة من غير ثبتٍ ولا بينة؟ ". قال: فرجعت، ولودِدْتُ أَنِّي خرجت من بعض مالي، ولم أكلِّم رسولَ اللَّهِ ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعةُ، فقال: يا ابن أَخى! ما صنعتَ؟ فأَخبرتُه بما قال لي رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال: اللَّهُ المستعانُ، فلم يَلْبَثْ أن نزل القرآنُ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بني أُبَيْرق ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما قلت لقتادة

стр. 6911

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [سورة النساء: ١٠٥ - ١١٠] أي: لو استغفروا اللَّه لغفرَ لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ قولهم للبَيدٍ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣) لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [سورة النساء: ١١١ - ١١٤]، فلَمَّا نزل القرآن، أتى رسول اللَّه ﷺ بالسلاح، فَرَدَّهُ إلى رفاعة، قال قتادة: لما أتيتُ عمِّي بالسلاح -وكان شيخا قد عسا، أو عشا - الشك من أبي عيسى- في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولا. فلما أتيته بالسلاح قال لي: يا ابن أخي! هو في سبيل اللَّه، فعرفتُ أنَّ إِسلامه كان صحيحا. فلما نزلَ القرآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بالمشركين، فنزل على سُلافة بنت سعد بن سُمَيَّةَ، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [سورة النساء: ١١٥ - ١١٦]، فلمَّا نزل على سُلافةَ، رماها حَسَّانُ بن ثابتٍ بأبياتٍ من شِعْره، فأخذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رأسها، ثم خرجت به فرمت به في الأبطَحِ، ثم قالت: أَهْدَيْتَ لي شِعْرَ حسَّان، ما كنتَ تأتيني بخير. رواه الترمذيّ (٣٠٣٦)، وابن جرير الطبري (٧/ ٤٥٨ - ٤٦١) كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبي مسلم الحراني، قال: ثنا محمد بن سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم ابن عمر بن قتادة، عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان فذكره. وكذا رواه ابن أبي حاتم بعضه في تفسيره (٤/ ١٠٥٩ - ١٠٦٠). قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، مرسلا

стр. 6912

لم يذكروا فيه: عن أبيه عن جده. وقتادة بن النعمان هو: أخو أبي سعيد الخدري لأمّه، وأبو سعيد الخدري: سعد بن مالك بن سنان". اهـ كذا قال! ولكن رواه الحاكم (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٦) عن أبي العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، حدثني محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده، فذكره. هكذا رواه يونس بن بكير، عن ابن إسحاق موصولا، والصحيح أنّ يونس بن بكير رواه مرسلا كما قال الترمذي، والخطأ فيه من أحمد بن عبد الجبار، فإنه خالف. كل من رواه عن يونس بن بكير، فلم يقل فيه: "عن أبيه، عن جده". فقوله هنا: "عن أبيه، عن جده" شاذ. إلّا أنّ هذه القصة رويت بأسانيد أخرى، بعضها موصولة وبعضها مرسلة. ذكرها معظم أصحاب التفسير، فإن كان يقوي بعضها بعضا كما هو معروف عند المحققين فإنّ هذه القصة تدل على أنّ لها أصلا. ٥٨ - باب قوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ قوله: ﴿النَّجْوَى﴾ هي الاسرار في كلام الناس، إن كان في خير فخير، وإن كان في شرّ فشر. قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ﴾ يعني هذه الأنواع من النجوى ممدوحة. • عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ " قالوا: "بلى". قال: "صلاح ذات البين، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة". صحيح: رواه أبو داود (٤٩١٩)، والترمذي (٢٥٠٩)، وأحمد (٢٧٥٠٨)، وصحّحه ابن حبان (٥٠٩٢) كلهم من حديث أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء فذكره. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح، ويروى عن النبي ﷺ قال: "هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين"" اهـ. • عن أبي هريرة، أنّ النبي ﷺ قال: "إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة". حسن: رواه الترمذيّ (٢٥٠٨)، عن أبي يحيى محمد بن عبد الرحيم البغدادي، قال: حدّثنا معلى بن منصور، حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر المخرمي، هو من ولد المسور بن مخرمة، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره.

стр. 6913

قال الترمذيّ: "هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه". ومعنى قوله "وسوء ذات البين" إنّما يعني العداوة والبغضاء. وقوله: "الحالقة" يقول: إنّها تحلق الدين". انتهى. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن جعفر المخرمي -بسكون الخاء وفتح الراء الخفيفة- وشيخه الأخنسي فإنّهما حسنا الحديث. ٥٩ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ قوله: ﴿يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي يتبع غير شريعته، سواء زاد فيها ما لم يأت به النبي ﷺ ، مثل أن يأخذ بالأحاديث الضّعيفة والموضوعة والمنكرة أو نقص منها مثل أن يترك الأحاديث الصّحيحة الثابتة بحجج واهية فهؤلاء جميعا ممن شاقوا الرسول ﷺ . وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والمؤمنون حقا هم الصحابة، ثم التابعون، ثم أتباعهم إلى يوم الدين. فهؤلاء هم الذين أُمِرنا باتّباع سبيلهم؛ لأنه اجتماعهم على شيء ضامن من الخطأ. • عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا يجمع اللَّه أمتي" أو قال: "هذه الأمة على الضلالة أبدا ويد اللَّه على الجماعة". حسن: رواه الحاكم (١/ ١١٥)، من وجهين: عن سلمة بن شعيب والعباس بن عبد العظيم - كلاهما عن عبد الرزاق، أبنا إبراهيم بن ميمون، أخبرني عبد اللَّه بن طاوس، أنّه سمع أباه يحدث، أنه سمع ابن عباس يحدث أن النبي ﷺ قال: فذكره. هذه رواية سلمة بن شبيب، وفي رواية العباس بن عبد العظيم: ثنا عبد الرزاق، ثنا إبراهيم بن ميمون العدني، وكان يسمي قريش اليمن، وكان من العابدين المجتهدين. قال الحاكم: "فإبراهيم بن ميمون العدني هذا قد عدّله عبد الرزاق، وأثنى عليه. وعبد الرزاق إمام أهل اليمن وتعديله حجة". وهذا الحديث رواه أيضًا الترمذيّ (٢١٦٦) عن يحيى بن موسى، قال. حدّثنا عبد الرزاق فذكره بإسناده. ولفظه "يد اللَّه مع الجماعة". وقال: "حسن غريب، لانعرفه من حديث ابن عباس إلّا من هذا الوجه". قلت: وهو كما قال؛ فإنّ إبراهيم بن ميمون الصنعاني ويقال: الزبيدي حسن الحديث. ووثّقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات". فمن خالف ما أجمع الناس عليه، سواء في الاعتقاد أو في الأعمال فهو معرض للعذاب الشديد كما قال اللَّه تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.

стр. 6914

٦٠ - باب قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بالإيمان باللَّه ورسوله وطاعتهما. ومن تلكم الأماني المجردة عن الإيمان والعمل، أماني أهل الكتاب قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [سورة البقرة: ١١١] وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [سورة المائدة: ١٨]. وروي عن ابن عباس قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، أنزل قبل كتابكم، ونبينا خير الأنبياء. وقال أهل الإنجيل مثل ذلك. وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم الأنبياء، وأُمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا فقضى اللَّه بينهم فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. الآية. وخيَّر بين أهل الأديان ففال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [سورة النساء: ١٢٥]. رواه ابن جرير الطبري (٧/ ٥١٠)، وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون. وروي نحوه عن مسروق والضحاك، والسدي وغيرهم. ومعنى الآية: إنّ الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني. وليس كل من ادّعى شيئًا، حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنّه هو المحق. سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من اللَّه برهان. وقوله: عام لكل معصية صغيرة كانت أو كبيرة من المسلمين أو من الكفار، ولكن جاء التخصيص في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [سورة النساء: ١١٦] فما بقي إلّا الشرك، فمن يشرك باللَّه، ولم يتب منه فإنّه يجز بشركه. وروي عن ابن عباس قوله: من يشرك يجز به وهو السوء، ولا يجد له من دون اللَّه وليا ولا نصيرا، إلّا أن يتوب قبل موته فيتوب اللَّه عليه. رواه ابن جرير الطبري وغيره بإسناد حسن. ٦١ - باب قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ يعني أخلص العمل لربه ، وعمل بما شرع اللَّه على لسان رسوله، واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم ﵇؛ لأنّ اللَّه اتخذ إبراهيم خليلا، أي وليا فلا يقبل بعد كل هذا إلّا الإسلام الذي هو الحنيفية.

стр. 6915

والخلة هي أرفع مقامات المحبة؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم: ٣٧] أي أنّه قام بجميع ما أمر به عن عبادة اللَّه، والتضحية في سبيل اللَّه، وبناء بيت اللَّه. • عن عمرو بن ميمون أنّ معاذا لما قدم اليمن، صلّى بهم الصبح، فقرأ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ قال رجل من القوم: "لقد قرّتْ عينُ أمّ إبراهيم". صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٤٨)، عن سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، فذكره. ٦٢ - باب قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ يعني آيات الفرائض في أول هذه السورة. وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ أي ما كانوا يورِّثون النساء والصبي حتى يحتلم فأنزل اللَّه تعالى أول سورة النساء من الفرائض. • عن عائشة: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة: "هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوّجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٠٠)، ومسلم في التفسير (٣٠١٨: ٧) كلاهما من طريق أبي أسامة، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. • عن عائشة قالت: ثم إنّ الناس استفتوا رسول اللَّه ﷺ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية. قالت: "والذي ذكر اللَّه أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال اللَّه فيها ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: ٣]. صحيح: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٧٦) قال: قرأت على محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة

стр. 6916

فذكرته. وأصله في الصحيحين. • عن عروة أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [سورة النساء: ٣] قالت: يا ابن أختي قالت: اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، يريد أن يتزوجها بأدنى من سُنّة صداقها. فنهوا أن ينكحوهن إلّا أن يُقسطوا لهن فيكملوا الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء. متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٠٦٤)، ومسلم في التفسير (٣٠١٨: ٦) كلاهما من حديث يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، قال: أخبرني عروة. واللفظ للبخاري. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ من تمام العدل باليتيمة، إن كانت صاحبة مال وجمال، أن يختار لها من هو خير منه. وإن كانت بها دمامة ولا مال لها تزوجها فإنه أحق بها. وقد روي نحو ذلك عن عمر بن الخطاب ولا يصح. ومعنى الآيتين أن الناس في الجاهلية إذا كان في حجرهم يتيمة صاحبة مال وجمال، فيتزوّجونها بدون صداق. فإن كانت دميمة صاحبة مال، لا يتزوجها ولا يزوجها حتى تموت، فيرث مالها. فجاء الإسلام وألغى هذا الظلم على اليتيمة، وأمر إن كانت صاحبة مال وجمال، ويرغب أن يتزوجها فيتزوجها بصداق أسوة أمثالها من النساء، وإن لم يرغب فيها فلا يمنعها رغبة في ميراثها. ٦٣ - باب قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي من الفراق فإنّ المرأة إن صالحت زوجها وتنازلت عن بعض حقوقها فذلك خير لها. • عن عائشة ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حِلٍّ. فنزلت الآية في ذلك. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٠١)، ومسلم في التفسير (٣٠٢١) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ورواه البخاريّ في الصلح (٢٦٩٤) من وجه آخر عن هشام بهذا السند، قالت: هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه -كبرا أو غيره-، فيريد فراقها، فتقول: أمسكني، واقسم لي ما شئت، قالت (أي عائشة): فلا بأس إذا تراضيا.

стр. 6917

وقوله: "ليس بمستكثر منها" أي في المحبة والملازمة والجماع وغيرها. • عن عائشة قالت: "لما كبرت سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة. فكان رسول اللَّه ﷺ يقسم لها بيوم سودة". متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٢١٢)، ومسلم في الرضاع (١٤٦٣) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته. • عن عروة قال: قالت عائشة: يا ابن أختي! كان رسول اللَّه ﷺ لا يفضّل بعضنا على بعض في القَسم من مكثه عندنا. وكان قلّ يوم إلّا وهو يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها، فيبيت عندها. ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنّت وفَرِقتْ أن يفارقها رسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه يومي لعائشة. فقبل ذلك رسول اللَّه ﷺ منها. قالت: نقول في ذلك أنزل اللَّه وفي أشباهها أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. حسن: رواه أبو داود (٢١٣٥)، عن أحمد بن يونس، حدّثنا عبد الرحمن -يعني ابن أبي الزناد- عن هشام بن عروة، عن أبيه فذكره. وصحّحه الحاكم (٢/ ١٨٦)، ورواه من هذا الطريق وقال: "صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد فإنّه حسن الحديث. وقد روِي مرسلا، رواه سعيد بن منصور في سننه (٧٠٢)، والموصول أصح. • عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها النبي ﷺ ، فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة. ففعل، فنزلت ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. حسن: رواه الترمذيّ (٣٠٤٠)، عن محمد بن المثنى، قال: حدّثنا أبو داود -وهو في مسنده (٢٨٠٥) -، قال: حدّثنا سليمان بن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب". قلت: بل هو حسن فقط فإنّ سليمان بن معاذ هو: سليمان بن قرم بن معاذ التيمي مختلف فيه. فضعّفه أكثر أئمة الحديث، ولكن قال ابن عدي: "له أحاديث حسان أفراد". ولعل هذا منه. وشيخه سماك بن حرب مشهور باضطرابه عن عكرمة إلّا أنه لم يضطرب في هذا الحديث لشهرته. • عن رافع بن خديج في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ قال: "كانت تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها، فأبت

стр. 6918

امرأته الأولى أن تقر على ذلك، فطلقها تطليقة، حتى إذا بقي من أجلها يسير. قال: إن شئتِ راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك. قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة. فراجعها وآثر عليها الشابة. فلم تصبر على الأثرة، فطلقها وآثر عليها الشابة، حتى إذا بقي من أجلها يسير، قال لها مثل قوله الأول. فقالت: راجعني وأصبر، قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن اللَّه تعالى أنزل فيه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾. صحيح: رواه عبد الرزاق، -ومن طريق الحاكم (٢/ ٣٠٨) -، أنبأ معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، عن رافع بن خديج فذكره. قال الحاكم: "على شرط الشيخين". قلت: وهو كما قال. ٦٤ - باب قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ وقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ أي في المحبة والميل والشهوة والجماع، وإن كان القَسم حاصلا ليلة وليلة. قوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي فإذا ملتم إلى واحدة منهن، فلا تبالغوا في الميل إليها كلية، فتبقى الأخرى كالمعلقة. وقد جاء التحذير في حديث أبي هريرة من الميل الذي يكون فيه بخس الحق دون ميل القلوب. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشِقّه مائل". صحيح: رواه أبو داود (٢١٣٣)، والترمذي (١١٧٣)، وابن ماجه (١٩٦٩)، والنسائي (٣٩٤٢)، وأحمد (٧٩٣٦)، وصحّحه ابن حبان (٤٢٠٧)، والحاكم (٢/ ١٨٦) كلهم من حديث همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده صحيح. ٦٥ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾

стр. 6919

وقوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي اشهدوا على أنفسكم ولو عاد ضررها عليكم. وفيه حث على بيان الحق ولا تأخذهم في اللَّه لومة لائم. وقوله: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ وكذلك أداء الشهادة على الوالدين والأقربين من الأولاد والإخوان وغيرهم فحكم اللَّه مقدم على جميع الحقوق. وقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ أي تحرفوا الشهادة وتغيروها لتبطلوا الحق. "واللَّي" هو التحريف وتعمد الكذب ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]. ٦٦ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ فيه إخبار عن المنافقين الذين يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، فاللَّه يَعِد المؤمنين بحسن العاقبة، ولن يكون للكافرين سبيلا على المؤمنين. وقد تحقق ذلك في عهد النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين. وإن أريد به العموم إلى يوم القيامة فالمقصود بالمؤمنين هم المؤمنون حقا. فمتى تحقق ذلك، واستقام المؤمنون على ذلك تكون لهم الغلبة والنصر كما حصل لهم في الماضي. وفيه تطمين للمؤمنين. ٦٧ - باب قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي مجازيهم على خدعتهم، لأن اللَّه لا يخادع. وقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي أنّ قيامهم إلى الصلاة، يكون متثاقلا؛ لأنهم لا يريدون وجه اللَّه وإنما يعملون رياء، ولذا إذا سنحت لهم الفرصة غابوا عن الصلاة مثل صلاة العشاء وصلاة الفجر لعدم رؤيتهم كما ثبت في الصحيح. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر. . . ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٦٥٧)، ومسلم في المساجد (٦٥٠: ٢٥٢) كلاهما من حديث الأعمش، قال: حدثني أبو صالح، عن أبي هريرة قال: فذكره. • عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد. فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ .

стр. 6920

فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فصلوا العصر. فقمنا فصلينا. فلما انصرفنا قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعا، لا يذكر اللَّه إلّا قليلا". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٢٢)، من طريق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن فذكره. ٦٨ - باب قوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ قوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يعني المنافقين، متحيرين بين الإيمان والكفر، فهم مع المؤمنين ظاهرا، ومع الكفار باطنا. فلا هم بمؤمنين مخلصين، ولا هم بمشركين مصرحين بالشرك من أجل الشك الذي لا يفارقهم، والمصالح الدنيوية التي تحول بين الإيمان والكفر وقد جاء في الصحيح: • عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة". صحيح: رواه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٨٤) من طرق عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. وقوله: "تعير" أي تتردد، وتذهب. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ قال: مجاهد: "لا إلى أصحاب محمد، ولا إلى هؤلاء اليهود". ٦٩ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ في هذه الآية تحذير من موالاة الكافرين، بعد أن وصف اللَّه المنافقين الذين هم موالون للكفار، حرم على المؤمنين موالاتهم جميعا. وقد جاء في سورة آل عمران: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [سورة آل عمران: ٢٨]. والموالاة كلمة جامعة شاملة، مدلولاتها تختلف حسب الزمان والمكان ومن لم ينته من موالاتهم، جعل إيمانه معرضا للفساد؛ لقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي حجة على فساد إيمانهم.

стр. 6921

قال ابن عباس: "كل سلطان في القرآن حجة". رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٩٧) عن أبيه، ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح. ٧٠ - باب قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ • عن الأسود قال: كنا في حلقة عبد اللَّه، فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلّم، ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم". قال الأسود: "سبحان اللَّه! إنّ اللَّه يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، فتبسم عبد اللَّه، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد اللَّه فتفرق أصحابه، فرماني بالحصا، فأتيته، فقال حذيفة: "عجبت مِن ضحكه، وقد عرف ما قلتُ، لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم، ثم تابوا فتاب اللَّه عليهم. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٠٢)، عن عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش قال: حدثني إبراهيم، عن الأسود قال: فذكره. قوله: ﴿الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فيوقد من تحتهم النار، ومن فوقهم النار. روي ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود وغيرهم بأسانيد صحيحة. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أي بدلوا الرياء بالإخلاص وهو الإيمان بالقلب، فإنّ النفاق كفر القلب. وقد روي عن معاذ بن جبل أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أخلصْ دينَك يكفك القليلُ من العمل" رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٩٩)، والحاكم (٤/ ٣٠٥) كلاهما من حديث ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن زَحر، عن خالد بن أبي عمران، عم عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي، فقال: "لا". قلت: "القول قول الذهبي فإن فيه عبد اللَّه بن زحر ضعيف، وعمرو بن مرة لم يسمع من معاذ ابن جبل". ٧١ - باب قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾

стр. 6922

قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ أي القول القبيح إلّا من ظُلم، فيجوز للمظلوم أن يخبر عن ظلم الظالم وأن يدعو عليه. وروي عن عائشة قالت: "سُرقتْ ملحفة لها، فجعلت تدعو على من سرقها، فجعل النبي ﷺ يقول: "لا تُسبِّخي عنه". قال أبو داود: "لا تُسبِّخي عنه" أي لا تُخففي عنه. رواه أبو داود (١٤٩٧)، وأحمد (١٤١٨٣) كلاهما من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن عائشة فذكرته. قال يحيى القطان: "حديث حبيب، عن عطاء ليس بمحفوظ". نقله العقيلي في الضعفاء. وذكر منها هذا الحديث. ورواه سفيان، عن حبيب واختلف عليه. فرواه وكيع عنه كما عند أحمد (٢٥٠٥٢)، ويحيى كما عند النسائي في الكبرى (٧٣١٨) كلاهما عن سفيان، عن حبيب بن أبى ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة موصولا. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عنه مرسلا رواه النسائي في الكبرى (٧٣١٩)، والموصول أصح. ٧٢ - باب قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ قوله: أي قبل موت عيسى ﵇. وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان. وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، ليوشِكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٢٢٢)، ومسلم في الإيمان (١٥٥)، كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره. وفي رواية: ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. وفي رواية: "أنه يمكث في الأرض أربعين سنة، تم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇. وقيل: الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ راجعة إلى الكتابي. ومعناه وما من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمننّ بعيسى ﵇ قبل موته. والأول أصح.

стр. 6923

٧٣ - باب قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ ينهى اللَّه تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء. فإن النصارى غلوا في عيسى ابن مريم. فرفعوه فوق المنزلة التي أعطاه اللَّه إياها. حتى جعلوه إلها من دون اللَّه. فعبدوه كما يعبدون اللَّه. ولذا نهى رسول اللَّه ﷺ أتباعه أن يغلوا فيه. • عن عمر يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده. فقولوا: "عبد اللَّه ورسوله". صحيح: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٤٤٥)، عن الحميدي، حدّثنا سفيان قال: سمعت الزهري يقول: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، سمع عمر يقول على المنبر سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: فذكره. • عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا خير البرية. فقال رسول اللَّه ﷺ : "ذاك إبراهيم". صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٦٩)، من طرق، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك فذكره. • عن أنس بن مالك أن رجلا قال: يا محمد! يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا أيها الناس عليكم بتقواكم، لا يستهوينّكم الشيطان، أنا محمد بن عبد اللَّه، عبد اللَّه ورسوله، واللَّه ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّه". صحيح: رواه أحمد (١٢٥٥١)، وصحّحه ابن حبان (٦٢٤٠) كلاهما من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح. وقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أي خلقه اللَّه بكلمته "كن". وقوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ بواسطة جبريل، فصار بشرا من غير أب. وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي روح من الأرواح، وإضافة هذا الروح إلى اللَّه تشريفا له. وقيل: الروح هو جبريل كقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] فنفخ جبريل فيها من روحه فصار عيسى ابن مريم. إذا كانت هذه حقيقة عيسى ﵇ بأنه خلق من خلقه. فلا تقولوا: ثلاثة أي الأب،

стр. 6924

والابن، وروح القدس؛ لأن اللَّه تعالى منزه عن أن يكون له ولد؛ لأن الولد يكون شريكا في ملك أبيه، واللَّه متفرد في ملكه ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. ٧٤ - باب قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ • عن البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت: ﴿بَرَاءَةٌ﴾، وآخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٠٥)، ومسلم في الفرائض (١٦١٨: ١١) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: فذكره. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، فصبّوا عليّ من وضوئه، فعقلت، فقلت: يا رسول اللَّه! إنما يرثني كلالة. فنزلت آية الميراث. فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في الوضوء (١٩٤)، ومسلم في الفرائض (١٦١٦: ٨) كلاهما من حديث شعبة، أخبرني محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: فذكره. واللفظ لمسلم. وفي رواية: فنزلت آية الميراث، وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [سورة النساء: ١١]. والكلالة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه. ولهذا فشرها العلماء: بمن يموت وليس له ولد، ولا والد. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الكلالة من لا ولد له، مستدلا بالآية الكريمة ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ولكن دلت السنة الصحيحة على زيادة والد أيضًا كما سبق تفصيله في كتاب الميراث. وهذا الذي قال به جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين وغيرهم. وقوله: أي: فإن ترك مع الأخت الابنةُ فللأخت النصف وللابنة النصف كما في الصحيح. • عن الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلما وأميرا، فسألنا عن رجل توفي وترك ابنته وأخته. فأعطى الابنة النصف، والأخت النصف. صحيح: رواه البخاري (٦٧٣٤) عن محمود، حدّثنا أبو النضر، حدّثنا أبو معاوية شيبان، عن أشعث، عن الأسود بن يزيد فذكره.

стр. 6925

ورواه أيضًا (٦٧٤١) من طريق شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول اللَّه ﷺ النصف للابنة والنصف للأخت". ثم قال سليمان: "قضى فينا". ولم يذكر على عهد رسول اللَّه ﷺ . والأعمش مرة ذكر عهد النبي ﷺ وترك أخرى. وليس فيه تردد منه. وثبت من طرق أخرى: "كان ذلك والنبي ﷺ حيّ". • عن هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن، وأخت. فقال: للابنة النصف وللأخت النصف. وائت ابن مسعود فسيتابعني". فسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى. فقال: لقد ضللت إذًا، وما أنا من المهتدين. أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : "للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت". فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام الحَبر فيكم. صحيح: رواه البخاريّ في الفرائض (٦٧٣٦)، عن آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا أبو قيس، سمعت هزيل بن شرحبيل يقول: فذكره. ٥ - تفسير سورة المائدة وهي مدنية، وعدد آياتها ١٢٠ ١ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أي بالعهود كما قال ابن عباس. رواه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٦) بإسناد حسن. وبه قال جماعة من أهل العلم. وقيل: ما أحل وما حرم، وما فرض وما حدّ في القرآن كله، فلا تغدروا، ولا تنكثوا. روي أيضًا عن ابن عباس بإسناد حسن. وقيل: معناه عقود الجاهلية يعنى الحِلْف، وفي معناه أحاديث ذكرت في مواضعها. وقوله: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ هي: الإبل، والبقر، والغنم. وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. ٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا . . .﴾

стр. 6926

• عن ابن عباس قال: قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتجرون في حجهم. فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال اللَّه ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. حسن: رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ٢٢ - ٢٣)، عن المثنى قال: أخبرنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي صالح وهو عبد اللَّه بن صالح، وعلي بن أبي طلحة فهما حسنا الحديث. وقيل معناه لا تحلوا ما حرّم اللَّه عليكم في حال إحرامكم بقرينة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا. . .﴾. ٣ - باب قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ هي التي تموت بالخنق باليد أو بالحبل أو بأيّ وجه آخر. وقوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ هي التي تُضرب بشيء ثقيل غير محدد أو ينهدم عليها شيء حتى تموت. • عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي ﷺ عن صيد المِعْراض فقال: "ما أصاب بحدّه فكل، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الذبائح (٥٤٧٥)، ومسلم في الصيد (١٩٢٩: ٤) كلاهما من حديث زكريا، عن عامر، عن عدي بن حاتم فذكره. قوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ هي التي تقع من شاهق، أو موضح عال كالجبل، أو الجدار، أو سطح فتموت بذلك وكذلك التي تتردى في بئر. وقوله: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ فعيلة بمعنى مفعولة أي منطوحة. وهي التي تنطحها غيرها فتموت. وقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي ما صاده السبع كالأسد، أو الفهد، أو النمر، أو الذئب، أو الكلب، وكذلك الطيور التي تفترس الصيود، فإنها إذا ماتت بسبب صيد السبع لها فإنها لا تحل. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة ونحو ذلك، فحرّم اللَّه

стр. 6927

ذلك على المؤمنين. وقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عائد على ما ذكر من ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن كانت فيها روح فذكي فكلوه. وقد قال غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بأن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح فهي حلال. • عن أبي أمامة -صدي بن عجلان- قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى قومي، أدعوهم إلى اللَّه ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم، فبينا نحن كذلك، إذ جاؤوا بقصعة من دم، فاجتمعوا عليها يأكلونها. قالوا: هلمّ، يا صُدي! فكُل. قال: قلت: ويحكم! إنما أتيتكم من عند محرِّم هذا عليكم. وأنزل اللَّه عليه. قالوا: وما ذاك؟ . قال: فتلوتُ عليهم هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. حسن: رواه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٧٩) والحاكم (٣/ ٦٤١ - ٦٤٢)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ١٢٦) كلهم من حديث أبي غالب، عن أبي أمامة فذكره. وأبو غالب مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث. وقوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ الأزلام: واحدها زُلَم. وقد تُفتح الزاي. فيقال: "زَلَمَ". وكانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك. وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب "افعل"، وعلى الآخر "لا تفعل"، والثالث غُفْل ليس عليه شيء. فإن خرج السهم الآمر فعله، فإن خرج السهم الناهي تركه، وإذا خرج السهم الفارغ أعاد الاستقسام. والاستقسام: مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام وكان من أعظم أصنام قريش صنم يقال له: "هُبَل". وكان في داخل الكعبة، توضع الهدايا وأموال الكعبة عنده، وكان عنده سبعة أزلام. وقد صوروا إبراهيم وإسماعيل في الكعبة ووضعوا في أيديهما الأزلام كما ثبت في الصحيح. • عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت، وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجتْ، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام. فقال النبي ﷺ : "قاتلهم اللَّه لقد علموا ما استقسما بها قط". صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٨٨)، عن إسحاق، حدّثنا عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثني أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وأما ما جاء في صحيح البخاري (٣٩٠٥) أنّ سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين. قال: "فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره (لا تضرهم). قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم إنّه استقسم بها ثانية

стр. 6928

وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره: (لا يضرهم). فكان ذلك بقدر اللَّه لا بعمل الأزلام؛ فإنّ الاستقسام بالأزلام لا يضر ولا ينفع. وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. • عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا نزلت -معشر اليهود- لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. فقال: وأيّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال عمر: إنّي لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الّذي نزلت فيه، نزلت على رسول اللَّه ﷺ بعرفات في يوم جمعة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٤٥)، ومسلم في التفسير (٣٠١٧: ٥) كلاهما من طريق جعفر بن عون، حدّثنا أبو العميس، أخبرنا قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. • عن كعب قال: لو أنّ غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أُنزِلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه. فقال عمر: أيُّ آية يا كعب؟ . فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر: قد علمت اليوم الّذي أُنزِلت فيه، والمكان الّذي أُنزلت فيه، يوم جمعة ويوم عرفة. وكلاهما بحمد اللَّه لنا عيد. حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٨٣٠)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ٨٧ - ٨٩) كلاهما من طريق رجاء بن أبي سلمة قال: أخبرنا عبادة بن نُسَيِّ قال: ثنا أميرنا إسحاق بن قبيصة، قال كعب فذكره. وإسناده حسن من أجل إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب فإنّه حسن الحديث. • عن عمار بن أبي عمار قال: قرأ ابن عباس: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ وعنده يهودي فقال: لو أنزلتْ هذه علينا، لاتخذنا يومها عيدًا. قال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين، في يوم جمعة ويوم عرفة. صحيح: رواه الترمذيّ (٣٠٤٤)، وأبو داود الطيالسي (٢٨٣٢)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٨٧)، كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار مولى ابن عباس قال: فذكره. وإسناده صحيح، وعمار بن أبي عمار وثّقه جماعة من أهل العلم، منهم أحمد وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس".

стр. 6929

قصّر الترمذيّ الحكم على الحديث بأنه حسن، والحق أنه صحيح، وقد وجدت في بعض النسخ زيادة "وهو صحيح" إلا أن هذا الأسلوب يختلف عن أسلوب الترمذيّ. وبعد يوم عرفة لم ينقطع الوحي إلى أن توفي النبي ﷺ بعد ثلاثة أشهر. فالمراد بالإكمال هنا: إكمال أصول الدين وتشريعاته الثابتة في الكتاب والسنة الصّحيحة، وإظهارها على الأديان كلها. وكان قبل هذا اليوم تشريعات الأنبياء السابقين حسب ضرورتهم في مكان مخصوص وزمان مخصوص، وبعد إكمال هذا الدين صارت الأديان كلها منسوخة وسيبقى هذا الدين الذي أكمله اللَّه يوم عرفة إلى يوم القيامة للناس أجمعين، فلا يقبل بعد هذا دعوى من يدعي النبوة، والشريعة الجديدة. ٤ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أي إنّ جدكم الأعظم إبراهيم، ثم أبنائه إسماعيل وإسحاق، ثم من أولاد إسحاق يعقوب، ومن أولاده يوسف، وموسى نفسه وهارون، هؤلاء كلهم من أنبيائكم (وإن كان بنو إسرائيل لم يعترفوا بنبوة إسماعيل ﵇؛ فإنّ موسى ﵇ كان معترفا به؛ لأصل ثابت: ومدوّنو التوراة ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ إنْ لم يشيروا إلى ذلك، فهو من تعصبهم). فيذكرهم موسى ماضي بني إسرائيل المجيد، وأنهم كانوا أفضل مَن في الأرض في زمانهم مثل اليونان ومصر والعراق والشام؛ لأنّ اللَّه لم يبعث فيهم الأنبياء مثل ما بَعَث في بني إسرائيل، ثم استمرت هذه النبوة في بني إسرائيل بعد موسى ﵇، وخُتِمت بنبوة عيسى ﵇. وقوله: ﴿مُلُوكًا﴾ أي إنّكم كنتم مملوكين لفرعون وقومه في فترة من الزمان ولكن الآن أنتم حاكمون على أنفسكم، كما أنّه في تاريخكم الماضي، كان يوسف ﵇ وزيرا لخزانة مصر، فلا يصرف شيء من المال إلّا بإذنه. وهذا التاريخ سوف يُعيد نفسه، فيكون فيكم ملوك، فعليكم أن تشكروا اللَّه ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين. ٥ - باب قوله: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ • عن ابن مسعود قال: قال المقداد يوم بدر: يا رسول اللَّه، إنّا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن امض ونحن معك، فكأنّه سُرِّي من رسول اللَّه ﷺ . صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٠٩) من طرق عن مخارق، عن طارق بن شهاب،

стр. 6930

سمعت عبد اللَّه بن مسعود قال: فذكره. ورواه في المغازي (٣٩٥٢) بالإسناد نفسه وفيه أنّه قال: ولكن نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهَه وسرَّه يعني: قولُه. • عن عبد اللَّه بن ناسح الحضرمي قال: حدثني عتبة بن عبد قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بالقتال، فرمي رجل من أصحابه بسَهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أوجب هذا". وقالوا حين أمرهم بالقتال: إذًا يا رسول اللَّه لانقول كما قالت بنو إسرائيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا، إنّا معكما من المقاتلين". حسن: رواه أحمد (١٧٦٤١) -ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٢٣) -، ويعقوب الفسوي (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠) -، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٦٢) كلهم من طرق عن حسن بن أيوب الحضرمي، عن عبد اللَّه بن ناسح الحضرمي، قال: ثني عتبة بن عبد قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل حسن بن أيوب الحضرمي. قال فيه أحمد: "لا بأس به". وذكره ابن حبان في الثقات. وعبد اللَّه بن ناسح الحضرمي مختلف في صحبته. ذكره ابن حجر في القسم الأول في الإصابة. ٦ - باب قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ قوله: ﴿ابْنَيْ آدَمَ﴾ هما هابيل وقابيل فعدا أحدهما على الآخر، فقتله بغيا عليه، وحسدا منه، ففاز المقتول برضا اللَّه وخاب القاتل. • عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ في حديث الفتنة- قال: قلت: يا رسول اللَّه! أرأيت إن دخل عليّ بيتي، وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "كن كابن آدم". وتلا يزيد: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآية. حسن: رواه أبو داود (٤٢٥٧) من يزيد بن خالد الرملي، حدّثنا المفضل، عن عياش بن عباس، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي، أنّه سمع سعد بن أبي وقاص قال: فذكره. وفيه حسين بن عبد الرحمن مجهول لم يرو عنه سوى بسر بن سعيد. ولم يوثقه غير ابن حبان، ولكنه توبع في أصل القصة، رواه ابن أبي شيبة (١٥/ ٧)، والبزار (١٢٢٣)، وأبو يعلى (٧٨٩) من طرق عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان النهدي، عن سعد بن أبي وقاص مختصرا. ورواه الترمذي (٢١٩٤)، وأحمد (١٦٠٩)، عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ليث بن سعد، عن

стр. 6931

عياش بن عباس، عن بكير بن عبد اللَّه، عن بسر بن سعيد، أنّ سعد بن أبي وقاص قال: فذكر الحديث في فتنة عثمان بن عفان وفيه: "كن كابن آدم" فأسقط فيه الواسطة. ولكن الصواب ذكره. ٧ - باب قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي كان سببا في بقاء حياته بالتداوي له، أو بالتبرع بالدم ونحوه. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: لدغت رجلا منا عقرب، ونحن جلوس مع رسول اللَّه ﷺ فقال رجل: يا رسول اللَّه، أرقي؟ قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل". صحيح: رواه مسلم في السلام (٢١٩٩) عن محمد بن حاتم، حدّثنا روح بن عبادة، حدّثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: فذكره. ٨ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ • عن أبي قلابة أنه كان جالسا خلف عمر بن عبد العزيز، فذكروا ما ذكروا، فقالوا وقالوا: قد أقادت بها الخلفاء، فالتفت إلى أبي قلابة وهو خلف ظهره فقال ما تقول يا عبد اللَّه بن زيد أو قال ما تقول يا أبا قلابة؟ . قلت: ما علمت نفسا حلَّ قتلها في الإسلام إلا رجل زنى بعد إحصان أو قتل نفسا بغير نفس أو حارب اللَّه ورسوله ﷺ . فقال عنبسة: حدّثنا أنس بكذا وكذا. قلت: إياي حدّث أنس. قال: قدم قوم على النبي ﷺ . فكلموه فقالوا: قد استوخمنا هذه الأرض، فقال: "هذه نَعَم لنا تَخرُج، فاخرِجوا فيها، فاشربوا من ألبانها وأبوالها". فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحّوا، ومالوا على الراعي فقتلوه، واطردوا النعم، فما يستبطأ من هؤلاء؟ قتلوا النفس وحاربوا اللَّه ورسوله، وخوَّفوا رسول اللَّه ﷺ . فقال: سبحان اللَّه. فقلت: تتهمني؟ قال: حدّثنا بهذا أنس، قال: وقال: يا أهل كذا، إنكم لن تزالوا بخير ما أُبقِي هذا فيكم أو مثل هذا.

стр. 6932

متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٠)، ومسلم في القسامة والمحاربين (١٦٧١: ١٢) كلاهما من طريق ابن عون قال: حدثني سلمان أبو رجاء مولى أبي قلابة، عن أبي قلابة، فذكره، واللفظ للبخاري. ولم يسق مسلم لفظه كاملا فذكر بعضه وأحال بعضه على إسناد قبله. وقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الأرض شاملة للأمصار والطرقات. وبه قال جمهور أهل العلم غير أبي حنيفة، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل، فيخدعه حتى يُدخله بيتا فيقتله، ويأخذ متاعه، إنها محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلّا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق؛ لبعده عمن يغيثه ويعينه. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ ظاهر الآية يقتضي سقوط جميع العقاب من القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض. وهذا الذي فهمه بعض الصحابة مثل علي بن أبي طالب وأبي هريرة، وقال غيرهم: العفو عما كان متعلقا بحق اللَّه، وأما حقوق الآدميين فلا تسقط. ٩ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ الوسيلة: على وزن فعيلة من قولهم: توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه. وقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي أطلبوا القربة إلى اللَّه تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهي، وأما التوسل في الدعاء فالكلام عليه مبسوط في كتاب الأدعية. ١٠ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ • عن البراء بن عازب قال: مُرَّ على النبي ﷺ بيهودي محمّما مجلودا، فدعاهم النبي ﷺ ، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم، فقال: "أنشدك باللَّه الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا، لم أخبرك، نجده الرجم. ولكنه كثر

стр. 6933

في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف، تركناه. وإذا أخذنا الضعيف، أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه". فأمر به فرُجم، فأنزل اللَّه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يقول: ائتوا محمدا ﷺ ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٤ - ٤٥، ٤٧] في الكفار كلها. صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٧٠٠) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللَّه ابن مرة، عن البراء بن عازب فذكره. ١١ - باب قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ • عن ابن عباس، قال: إن اللَّه أنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: قال ابن عباس: أنزلها اللَّه في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة، فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة، فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ المدينة، وذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول اللَّه ﷺ ، ورسول اللَّه ﷺ يومئذ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه، وهو في الصلح، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيّين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا، وفرقا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللَّه ﷺ بينهم، ثم ذكرت العزيزة، فقالت: واللَّه ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد

стр. 6934

صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيما منا، وقهرا لهم، فدُسُّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه: إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم، فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول اللَّه ﷺ ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول اللَّه ﷺ ، فلما جاء رسول اللَّه ﷺ ، أخبر اللَّه رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا﴾ إلى قول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ثم قال فيهما: واللَّه نزلت، وإياهما عنى اللَّه . حسن: رواه أبو داود (٣٥٧٦) مختصرا، وأحمد (٢٢١٢) واللفظ له، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن أبي الزناد فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث. وما قاله ابن عباس قال به غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين منهم البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وأبو مجلز، وأبو رجاء العُطاردي، وعكرمة، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، والحسن البصري، وغيرهم قالوا: "نزلت في أهل كتاب". وزاد الحسن البصري: "وهي علينا واجبة". وروي عن ابن طاوس قال: "وليس كمن كفر باللَّه وملائكته وكتبه ورسله". وقال عطاء: "هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق". وعن ابن عباس أنه قال: "وليس بالكفر الذي يذهبون إليه". رواه الحاكم (٢/ ٣١٣) بإسناده عن طاوس قال: قال ابن عباس: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كفر دون كفر. وقال: "صحيح الإسناد". ١٢ - باب قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ • عن أنس بن مالك قال: كسرت الربيع -وهي عمة أنس بن مالك- ثنية جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص، فأتوا النبي ﷺ . فأمر النبي ﷺ بالقصاص. فقال أنس بن النضر -عم أنس بن مالك- لا واللَّه لا ممسر سنها يا رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا أنس كتاب اللَّه القصاص". فرضي القوم وقبلوا الأرش. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبرّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١١) عن محمد بن سلام، أخبرنا الفزاري (وهو أبو

стр. 6935

إسحاق إبراهيم بن محمد)، عن حُميد، عن أنس فذكره. ورواه مسلم في القسامة والمحاربين (١٦٧٥) من طريق ثابت، عن أنس بنحوه. ١٣ - باب قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ • عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٤٢] قال: كان النبي ﷺ مخيرا في هذه الآية حتى نزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. صحيح: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١١٥٣)، والحاكم (٢/ ٣١٢)، والبيهقي (٨/ ٤٨) كلهم من حديث عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" وهو كما قال. لقد أمر النبي ﷺ أن يحكم بينهم، بعد ما كان قد رخص له أن يُعرض عنهم إن شاء. فنسخت هذه الآية التي كانت قبلها. وهو قول جماعة من أهل العلم. ١٤ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ • عن أبي موسى الأشعري قال: لما نزلت ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "هم قوم هذا" يعني أبا موسى الأشعري. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٦٠)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٥٢١)، وتمام في فوائده (١١٠٨)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٥١ - ٣٥٢) كلهم من حديث سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، عن أبي موسى الأشعري قال: فذكره. واللفظ لابن أبي حاتم. وفي بعض الروايات: قرأت عند النبي ﷺ : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: "هم قومك أهل اليمن". وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب؛ فإنه حسن الحديث. ولكن رواه الطبراني (١٧/ ٣٧١)، وابن جرير الطبري في تفسيره، والحاكم (٢/ ٣١٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٤٦٠) كلهم من حديث سماك بن حرب، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
следующие страницы →