← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام والصِّبيان يخذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأمّا الذي مات في فترة فيقول: ربّ ما أتاني الرّسول، فيأخذ مواثيقهم لَيُطيعُنَّه ويرسل إليهم أن ادخلوا النّار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها ما كانت عليهم إلّا بردًا وسلامًا". حسن: رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (٣/ ٩١٠ - ٩١١) بإسناده عن علي بن عبد اللَّه، نا معاذ، نا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، فذكر نحوه. ورواه الإمام أحمد (١٦٣٠٢) عن علي بن عبد اللَّه، بإسناده، وقال في آخره: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يُسحب إليها". قال البيهقيّ: "هذا إسناد صحيح. ورُوي بإسناد آخر فيه ضعف". قلت: الصّواب أنّ إسناده حسن من أجل الكلام في معاذ وهو ابن هشام الدّستوائيّ غير أنه حسن الحديث، وقد احتجّ به الشّيخان. وقتادة وإن كان مدلِّسًا إلّا أنّ سماعه من الحسن ثابت. وأمّا الحسن فعنعن عن أبي رافع وهو نُفيع الصّائغ من التابعين من أقرانه، وإنّما يُخشى من تدليسه -إذا عنعن- عن الصّحابة. وأمّا قول البيهقيّ: "ورُوي بإسناد آخر فيه ضعف". فلعلّه يشير إلى ما رواه حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أربعة كلّهم يُدلي على اللَّه يوم القيامة بحجّة وعذر. رجل مات في الفترة، ورجل أدركه الإسلام هرمًا، ورجل أصمّ أبكم، ورجل معتوه، فيبعث اللَّه إليهم ملكًا رسولًا فيقول: اتبعوه، فيأتيهم الرسول فيؤجّج لهم نارًا، ثم يقول: اقتحموها، فمن اقتحمها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لا حقَّتْ عليه كلمةُ العذاب". رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٤٠٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا الحسن بن موسى، حدّثنا حماد بن سلمة، بإسناده. وفيه علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف. ويشهد له حديث الأسود بن سريع نحوه. رواه الإمام أحمد (١٦٣٠١) عن علي، حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع، فذكر نحوه. قتادة مدلِّس وقد عنعن، فإن كان ولد في البصرة سنة (٦٠ هـ)، وتوفي الأحنف سنة (٦٧ هـ) فمن المستبعد سماعه منه. وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢١٦) -بعد أن ذكر حديث الأسود بن سريع، وحديث أبي

стр. 737

هريرة-: "هذا لفظ أحمد، ورجاله في طريق الأسود بن سريع وأبي هريرة رجال الصّحيح، وكذلك رجال البزّار فيهما". قلت: وهو كما قال لولا خشية الانقطاع بين قتادة والأحنف بن قيس لحكمتُ على حديث الأسود بن سريع بالحسن، كما حكمتُ على حديث أبي هريرة. ويشهد له أيضًا حديث أنس مرفوعًا: "يؤتى بأربعةٍ يوم القيامة: بالمولود، وبالمعتوه، وبمن مات في الفترة، وبالشّيخ الفاني كلّهم يتكلّم بحجّته، فيقول الرّبُّ ﵎ لعُنُقٍ من النّار: ابرُزْ، فيقول لهم: إنّي كنتُ أبعثُ إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه، فيقول من كُتب عليه الشّقاء: يا ربّ، أين ندخلها ومنها كُنّا نفِرُّ! قال: ومَنْ كُتِب عليه السّعادةُ يَمْضي فيقتحمُ فيها مُسْرعًا. قال: فيقول ﵎: أنتم لرسلي أشدُّ تكذيبًا ومعصية، فيُدخل هؤلاء الجنّة، وهؤلاء النّار". رواه أبو يعلى، والبزّار بنحوه. قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢١٦): "وفيه ليث بن أبي سُليم وهو مدلِّس، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصّحيح". ومن طريقه رواه البيهقي في القضاء والقدر (٣/ ٩١١). قلت: ليث بن أبي سليم هو ابن زُنيم لم أجد مَنْ وصفه بالتدليس إلّا أنّ أهل العلم مجمعون على تضعيفه. وليَّن فيه الحافظ القول فقال: "صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه فترك". فلعلّه وصفه بصدوق لصلاحه وعبادته، وإلّا فهو ضعيف الحديث مضطرب الحديث، وبعد اختلاطه يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثّقات بما ليس من حديثهم -أي من أجل الاختلاط- ولم يثبت أنه تعمّد ذلك. ورُوي أيضًا عن أبي سعيد الخدريّ. رواه البزّار، وفيه عطية، وهو ضعيف كما قال الهيثميّ. ورُوي أيضًا عن معاذ بن جبل. "رواه الطبراني في الأوسط، والكبير، وفيه عمرو بن واقد، وهو متروك عند البخاريّ وغيره، ورُمي بالكذب. وقال محمد بن المبارك الصّوريّ: كان يتبع السّلطان، وكان صدوقًا، وبقية رجال الكبير رجال الصّحيح". كذا قال الهيثميّ في "المجمع". ١٩ - باب أن اللَّه ألقى نورَه على خلقه فمن أصابه اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٢]. • عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه عزّ وجلّ

стр. 738

خلق خلقَه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النّور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٦٤٤) عن الحسن بن عرفة، حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو الشّيبانيّ، عن عبد اللَّه بن الدّيلميّ، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو، فذكر الحديث. وهذا إسناد حسن؛ لأنّ إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذه منها. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن". ورواه الإمام أحمد (٦٦٤٤)، وصحّحه ابن حبان (٦١٦٩)، والحاكم (١/ ٣٠)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٢٥٧) كلّهم من وجه آخر عن الأوزاعيّ، قال: حدّثني ربيعة بن يزيد، عن عبد اللَّه الدّيلميّ، فذكر أحاديث منها هذا الحديث. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، قد تداوله الأئمّة، وقد احتجّا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علّة". ورواه أيضًا الإمام أحمد (٦٨٥٤)، والبزّار -كشف الأستار (٢١٤٥) - بإسنادين مختلفين عن عبد اللَّه بن عمرو، ولعلّه إليه يشير الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤) بقوله: "رواه أحمد بإسنادين، والبزار والطبرانيّ، ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات". قلت: إلّا أنّ الحديث ليس على شرطه. ٢٠ - باب إخبار النّبي ﷺ أنّ الغلام الذي قتله الخَضِر طُبع كافرًا قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [سورة الكهف: ٨٠ - ٨١]. • عن أُبي بن كعب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طُغيانًا وكفرًا". صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٦١) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدّثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رقبة بن مسقلة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب، فذكره. ورواه الشيخان -البخاريّ في التفسير (٤٧٢٧)، ومسلم في كتاب الفضائل (٢٣٨٠) - كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، بإسناده في سياق طويل، سيأتي في موضعه. وجاء فيه: "فبينما هما يمشيان على السّاحل إذا غلام يلعبُ مع الغِلْمان، فأخذ الخضرُ برأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال موسى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [سورة الكهف: ٧٤] ".

стр. 739

٢١ - باب ذكر أحاديث القبضتين • عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر، والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسّهل والحزن، والخبيث والطيّب". صحيح: رواه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذيّ (٢٩٥٨) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن عوف ابن أبي جميلة الأعرابيّ، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعريّ، فذكره، ولفظهما سواء. وصحّحه ابن خزيمة، وأخرجه في كتاب التوحيد (١٠١، ١٠٢) من هذا الوجه، كما أخرجه أيضًا الحاكم (٢/ ٢٦١) من وجه آخر عن عوف، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد". وقال الترمذيّ: "حسن صحيح". قلت: وهو كما قال، وقسامة بن زهير المازنيّ البصريّ وثّقه العجليّ، وابن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وبقية رجاله ثقات. وقوله: "الحزن" أي الخشن والغليظ الطّبع. • عن أبي الدّرداء، عن النّبيّ ﷺ قال: "خلق اللَّه آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمني، فأخرج ذريّة بيضاء كأنّهم الذّرُّ، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذريّةً سوداء كأنّهم الْحُمَم. فقال للذي في يمينه: إلى الجنّة ولا أُبالي، وقال للذي في كفِّه اليسرى: إلى النّار ولا أبالي". حسن: رواه أحمد (٢٧٤٨٨) عن هيثم -وقال عبد اللَّه بن أحمد: وسمعتُه أنا منه- قال: حدّثنا أبو الرّبيع، عن يونس، عن أبي إدريس، عن أبي الدّرداء، فذكره. وإسناده حسن للكلام الذي في أبي الرّبيع. ورواه البزّار -كشف الأستار (٢١٤٤) - عن إبراهيم، ثنا الهيثم بن خارجة بإسناده، مثله. وقال: "لا نعلمه بروي بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، وإسناده حسن". وقال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٨٥): "رواه أحمد، والبزّار، والطّبرانيّ، ورجاله رجال الصّحيح". • عن أبي نضْرة أنّ رجلًا من أصحاب النبيّ ﷺ يقال له: أبو عبد اللَّه دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له: ما يُبكيك؟ ألم يقلْ لك رسولُ اللَّه ﷺ : "خذْ من شارِبك، ثم أقرَّه حتّى تلقاني"؟ قال: بلى، ولكنّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه قبض بيمينه قبضةً، وأخرى باليد الأخرى، وقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أُبالي". فلا أدري في أيّ القبضتين أنا؟ ! .

стр. 740

صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧٥٩٣، ١٧٥٩٤، ٢٠٦٦٨) من طرق عن حمّاد بن سلمة، قال: أخبرنا سعيد الجريريّ، عن أبي نَضرة، فذكر مثله. وسعيد الجريريّ -بضم الجيم، وفتح الرّاء المهملة- هو ابن إياس أبو مسعود، ثقة احتجّ به الشيخان، واختلط قبل موته بثلاث سنين، إِلَّا أنّ اختلاطه لم يكن فاحشًا. قال أبو حاتم: تغيَّر حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح، وهو حسن الحديث. "الجرح والتعديل" (٢/ ١ - ٢). قلت: وممن روى عنه قبل اختلاطه حمّاد بن سلمة، روى له مسلم من رواية حمّاد بن سلمة عنه في كتاب فضائل الصّحابة - باب فضائل أويس القرني (٤/ ١٩٦٨). وحديث الباب، ذكره الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٨٦ - ١٨٧) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصّحيح". • عن ابن عمر، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه". قال: فتفرَّق النَّاسُ وهم لا يختلفون في القدر. صحيح: رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦) عن الحافظ أبي عبد اللَّه، حدّثنا أبو النَّضر الفقيه، حدّثنا أبو جعفر محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، والحسن بن سفيان، قالا: حدّثنا إبراهيم بن سعيد، حدّثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن أيوب وإسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. ورواه أيضًا بإسناده السّابق عن النَّضر بن أحمد البغداديّ الحافظ، حدّثنا إبراهيم بن سعيد، فذكره بإسناده إِلَّا أنّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "هؤلاء اللجنّة ولا أُبالي، وهؤلاء للنَّار ولا أبالي". وذكره الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٨٦)، وعزاه إلى البزّار والطّبراني في الصّغير وقال: "رجال البزّار رجال الصّحيح". • عن هشام بن حكيم، أنّ رجلًا أتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أنبتدأ الأعمال أم قُضي القضاء؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه أخذ ذريّة آدم من ظهره، وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفّيه فقال: هؤلاء للجنّة، وهؤلاء للنَّار، فأهل الجنّة ميسّرون لعمل أهل الجنّة، وأهل النّار ميسّرون لعمل أهل النّار". حسن: رواه الفريابيّ في القدر (٢٢)، وعنه الآجريّ في الشّريعة (٣٣٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٦٨) كلّهم من حديث عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصيّ، حدّثنا بقية بن الوليد، حدّثنا الزبيديّ، حدّثني راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة النّصيريّ، عن هشام بن حكيم، فذكره.

стр. 741

وإسناده حسن من أجل عمرو بن عثمان فإنّه "صدوق"، وبقية رجاله ثقات. وبقية مدلّس، ولكنّه صرّح بالتحديث وقد تُوبع أيضًا، فرواه الفريابيّ (٢٤) من وجه آخر عن راشد بن سعد، بإسناده، مثله. ومَنْ رواه بخلاف هذا فقد أخطأ، فقد جاء الحديث عن عبد الرحمن، عن قتادة السّلميّ -وكان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه خلق آدم، وأخذ من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنّة ولا أبالي، وهؤلاء في النّار ولا أبالي". فقال رجل: يا رسول اللَّه، على ماذا العمل؟ قال: "على مواقع القدر". رواه الإمام أحمد (١٧٦٦٠)، والفريابيّ في القدر (٢٥، ٢٦)، والحاكم (١/ ٣٠) كلّهم من أوجه أخرى عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة السلميّ، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، قد اتفقا على الاحتجاج بروايته عن آخرهم إلى الصّحابة. وعبد الرحمن بن قتادة من بني سلمة من الصّحابة". ولكن نقل الحافظ ابن حجر في "التعجيل" في ترجمة عبد الرحمن بن قتادة السلميّ بأنَّه صحابيّ، نزل الشّام، ونقل عن البخاريّ: أنّ الصّواب هو عن راشد عن عبد الرحمن عن هشام". ونقل عن ابن السّكن الاضطراب في الإسناد. قلت: السّند الأوّل الذي ذكرته وهو أصح ما رُوي به هذا الحديث، وليس فيه اضطراب، والصحيح لا يُعلّل بالضّعيف. وأمّا ما رُوي عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه قبض قبضةً فقال: للجنّة برحمتيّ، ونبض قبضةً فقال: للنّار ولا أُبالي". فهو ضعيف. رواه أبو يعلى من طريق الحكم بن سنان الباهليّ، عن ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك، فذكره. ومن هذا الطّريق رواه ابن أبي عاصم في السنة (٢٤٨)، والبيهقي في القضاء والقدر (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، والعقيليّ في الضعفاء (٣١٣). والحكم بن سنان الباهليّ القِرَبيّ -بكسر القاف، وفتح الرّاء- أبو عون أهل العلم مطبقون على تضعيفه منهم: ابن معين، وابن سعد، وأبو داود والنسائيّ. وقال البخاريّ: "عنده وهم كثير". وقال ابن حبان: "ممن تفرّد عن الثقات بالأحاديث الموضوعات لا يشتغل به". وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٨٦) وقال العقيليّ: "لا يتابع عليه، وقد رُوي في القبضتين أحاديث بأسانيد صالحة". قلت: هي التي ذكرتُها قبل. وفي الباب عن عمر بن الخطّاب أنّه سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾

стр. 742

[سورة الأعراف: ١٧٢]، فقال عمر بن الخطّاب: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يسأل عنها، فقال رسول اللَّه: ﷺ : "إنّ اللَّه ﵎ خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريّة، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنّة، وبعمل أهل الجنّة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريّةً فقال: خلقتُ هؤلاء للنَّار، وبعمل أهل النّار يعملون". فقال رجل: يا رسول اللَّه، ففيمّ العمل؟ قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه إذا خلق العبد للجنّة استعمله بعمل أهل الجنّة حتّى يموت على عمل من أعمال أهل الجنّة فيدخلُه به الجنّة. وإذا خلق العبد للنَّار استعمله بعمل أهل النّار حتّى يموت على عمل من أعمال أهل النّار فيدخله به النّار". رواه مالك في القدر (٢) عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، أنه أخبر عن مسلم بن يسار الجهنيّ، أن عمر بن الخطّاب سئل، فذكره. ومن هذا الوجه رواه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١٩٦)، وصحّحه ابن حبان (٦١٦٦)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٢٦٠ - ٢٦٣)، والحاكم (١/ ٢٧) وقال: "صحيح على شرطهما". وردّه الذّهبيّ فقال: "فيه إرسال". قلت: وهو كما قال، وقال الترمذيّ: "حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر. وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلًا". قلت: قيل: إنّ الرّجل المبهم هو نعيم بن ربيعة، كما رواه أبو داود (٤٧٠٤) من وجه آخر عن زيد بن أبي أَنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عنه، قال: كنتُ عند عمر ابن الخطّاب، فذكر الحديث، وحديث مالك أتم. ومسلم بن يسار تفرّد عنه عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب كما قال الذّهبيّ في "الميزان"، وإنّما ذكره ابن حبان في "الثقات" ولم يوثقه أحد يعتدّ به، ولذا قال فيه الحافظ "مقبول". أي لين الحديث لأنّه لم يتابع. وشيخه نعيم بن ربيعة الأزديّ، قال فيه الذّهبيّ في الميزان: "لا يعرف". وإنّما ذكره ابن حبان في الثقات، هو لين الحديث أيضًا لأنه لم يتابع. ورجَّح الرّواية المرسلة ابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٤ - ٥) وقال ابن كثير: "أسقط مالكٌ نعيم بنَ ربيعة عمدًا لما جهل حاله". ولكن رجَّح الدارقطني الرواية المتصلة بذكر نعيم بن ربيعة على رواية مالك المرسلة، انظر العلل للدّارقطنيّ (٢/ ٢٢٢) وفي جميع الأحوال إسناده ضعيف، وإن كان روى معناه عن النّبيّ ﷺ من وجوه كثيرة، كما قال ابن عبد البر. وقد رُوي من وجه آخر وفيه إرسال: رواه ابن وهب في القدر (٢٠)، والفريابي في القدر (٢٩،

стр. 743

٣٠)، وابن أبي عاصم في السنة (١٦١، ١٦٢) كلّهم من طرق عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطّاب، أنه قال: يا رسول اللَّه، أرأيتَ عملنا هذا على أمر قد فُرغ منه، أم على أمر نستقبله. فقال رسول اللَّه ﷺ : "بل على أمر قد فُرغ منه". فقال عمر: ففيمَ العمل إذن؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "كلٌّ لا ينال إِلَّا بالعمل". فقال عمر: إذن نجتهد. وفيه سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر بن الخطّاب، وله طرق موصولة بذكر أبي هريرة بين سعيد بن المسيب، وبين عمر بن الخطّاب إِلَّا أنّ الدَّارقطنِيّ رجّح إرساله. وفي الباب أيضًا عن أبي قلابة، قال: "إنّ اللَّه لما خلق آدمَ ﵇ أخرج ذريّته، ثم نثرهم في كفِّه، ثم أفاضهم، فألقى التي في يمينه عن يمينه، والتي في يده الأخرى عن شماله ثم قال: هؤلاء لهذه ولا أبالي، وهؤلاء لهذه ولا أبالي، وكتب أهل النّار وما هم عاملون، وأهل الجنّة وما هم عاملون، وطوى الكتاب ورفع القلم". رواه ابن وهب في "القدر" (١٢) عن جرير بن حازم، عن أيوب السَّختيانيّ، عن أبي قلابة، فذكر مثله موقوفًا، ولم يرفعه. وأبو قلابة هو عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجرميّ، ثقة فاضل، كثير الإرسال كما في التقريب. ورواه مسدد في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (٢٩٦٧) عن حمّاد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي صالح، فذكر مثله موقوفًا، فجعل الأثر لأبي صالح، وهو باذام -ويقال: باذان- مولى أم هانئ - قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف، مدلّس". وقال الدَّارقطنيّ: "لا أدري من هو؟ ! ". وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعًا: "لما خلق اللَّه تعالى آدم ضرب بيده على شقّ آدم الأيمن، فأخرجَ ذروًا كالذّرِّ، قال: يا آدم هؤلاء ذريَّتَك من أهل الجنّة. ثم ضرب بيده على شقّ آدم الأيسر فأخرج ذروًا كالحمم ثم قال: هؤلاء ذريّتك من أهل النّار". رواه الفريابي في القدر (٤٢١) عن محمد بن مصفّي، حدّثنا بقية بن الوليد، حدّثني مبشر بن عبيد، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره. وفي إسناده مبشر بن عبيد، رماه الإمام أحمد بالوضع، وقال الدَّارقطنيّ: متروك الحديث، والرّاوي عنه بقية بن الوليد، وفيه كلام وإن كان صرَّح هنا بالتّحديث. وفي الباب أيضًا عن معاذ بن جبل. رواه الإمام أحمد (٢٢٠٧٧)، وفيه البراء الغنوي وهو: ابن عبد اللَّه بن يزيد الغنويّ ضعّفه أبو داود والنسائيّ وغيرهما. وفي الإسناد الحسن البصريّ وهو لم يدرك معاذ بن جبل. بهاتين العلّتين علَّله الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٨٧) إِلَّا أنّه لم يعزه إلى أحمد، وإنّما عزاه إلى الطّبرانيّ في "الكبير" فقط.

стр. 744

وعن أبي موسى رواه البزّار -كشف الأستار (٢١٤٣) -، والطبرانيّ في "الكبير"، و"الأوسط" قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٨٦) بعد أن عزاه إلى هؤلاء الثّلاثة: "فيه روح بن المسيب قال ابن معين: "صويلح" وضعّفه غيره". ومن طريقه أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢٠٣). قلت: روح بن المسيب هو الكلبيّ البصريّ، قال فيه ابن عدي: "أحاديثه غير محفوظة". وقال ابن حبان: "يروي الموضوعات عن الثقات، لا تحلّ الرّواية عنه". انظر "الميزان" (٢/ ٦١). وفي الإسناد شيخه يزيد الرَّقاشيّ وهو ضعيف أيضًا. وسكت عنه الهيثميّ، والتّعليل به أولى. ٢٢ - باب ما رُوِيَ أنّ اللَّه كتب كتابًا لأهل الجنّة وأهل النّار رُوِي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ فقلنا: لا يا رسول اللَّه إِلَّا أن تُخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من ربِّ العالمين فيه أسماءُ أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمِل على آخرهم فلا يُزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا"، ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من ربِّ العالمين فيه أسماء أهل النّار وأسماءُ آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمِلَ على آخرهم فلا يُزادُ فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا". فقال أصحابه: فَفِيمَ العملُ يا رسول اللَّه، إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: "سَدِّدُوا وقاربوا فإنّ صاحبَ الجنّة يُخْتَمُ له بعمل أهل الجنَّةِ، وإنْ عَمِل أيَّ عَمَلٍ، وإنَّ صاحبَ النّار يختم له بعمل أهل النّار وإنْ عَمِل أيَّ عَمَلٍ". ثم قال رسول اللَّه ﷺ بيديه فنبذهما ثم قال: "فرغ ربُّكم من العباد فريق في الجنّة وفريق في السَّعير". رواه التّرمذيّ (٢١٤١) عن قتيبة، عن ليث، عن أبي قبيل، عن شُفيّ بن ماتع، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: فذكره. ثم رواه أيضًا عن قتيبة، حدّثنا بكر بن مضر، عن أبي قبيل، نحوه. ورواه كلٌّ من الإمام أحمد (٦٥٦٣)، وابن وهب في "القدر" (١٣)، والفريابيّ في "القدر" (٤٥)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٣٤٨)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣، ٣٣٧) كلّهم من طرق عن أبي قبيل المعافريّ، بإسناده مثله. إِلَّا أنّ ابن وهب لم يُسمِّ الصّحابيّ. قال التّرمذيّ: "حسن غريب صحيح. وقال: أبو قبيل اسمه حُيي بن هانئ". قلت: أبو قبيل هذا فيه كلام من أهل العلم، وقد قيل: إنه كان يكثر النقل عن الكتب القديمة، كما في التعجيل، فمثله لا يقبل تفرده في مثل هذه الأمور العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها،

стр. 745

وإذا روى الثقة المأمون خبرا تتوفر الدواعي على نقله لا يقبل تفرده، فكيف بمن هو دونه. ورواه البيهقيّ في "القضاء والقدر" (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥) من وجه آخر عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - وكان النَّبيّ ﷺ يفضّل. عبد اللَّه على أبيه، قال: خرج علينا رسولُ اللَّه ﷺ ذات يوم قابضًا على كفيه، ومعه كتابان. فقال: "هذا كتابٌ من ربِّ العالمين" فذكر الحديث بمعناه يزيد وينقص، ومما زاد، قال: وقبل أن يستقروا نطفًا في الأصلاب، وقبل أن يصيروا نطفًا في الأرحام، إذ هم في الطّينة منجدلون، فليس زائد فيهم ولا ناقص منهم إجمال من اللَّه عليهم إلى يوم القيامة". وقال في آخره: "عدل من اللَّه ". أخرجه من طريق بشر بن زكريّا، حدّثنا سعيد بن سنان، عن أبي الزّاهرية -حدير بن كريب-، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكر مثله، إِلَّا أنّ فيه سعيد بن سنان وهو أبو مهدي الحنفيّ الكنديّ ضعيف جدًّا. قال ابن عدي: "وعامّة ما يرويه، وخاصّة عن أبي الزّاهرية غير محفوظ". وروي أيضًا عن ابن عباس، قال: خرج النبيُّ ﷺ فسمع ناسًا من أصحابه يذكرون القدر، فقال: "إنّكم قد أخذتم في شعبتين بعدتي الغور، فيهما هلك أهل الكتاب من قبلكم". ولقد أخرج يومًا كتابًا، قال وهو يقرأ: "هذا كتابٌ من اللَّه الرحمن الرّحيم، فيه تسمية أهل الجنّة بأسمائهم، وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، لا ينقص منهم أحدٌ، فريقٌ في الجنّة، وفريق في السّعير". رواه ابنُ بطّة في الإبانة (١٢٧٧)، واللالكائيّ في أصول الاعتقاد (١٠٨٣) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سلمان، عن عقيل، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر مثله. واللّفظ للالكائيّ، وأمّا ابن بطّة فلم يسق لفظه كاملًا. وفيه عبد الرحمن بن سلمان وهو الحجري الرُّعيني المصريّ وهو وإن كان من رجال مسلم فقد ذكره البخاريّ في الضعفاء وقال: فيه نظر، وقال ابن يونس: يروي عن عقيل غرائب ينفرد بها، وهذا من روايته عنه. وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عمر، قال: خرج علينا رسولُ اللَّه ﷺ قابضًا على شيء في يده، ففتح يده اليمنيّ، فقال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، كتاب من الرّحمن الرّحيم، فيه أهل الجنّة بأعدادهم وأسمائهم وأحسابهم، يُجمل عليهم إلى يوم القيامة، لا ينقص منهم أحد، ولا يُزاد فيهم أحد، وقد يُسلك بالسَّعيد طريقُ الشَّقاء حتّى يقال: هو منهم، ما أشبهه بهم! ثم يزال إلى سعادته قبل موته ولو بفواق ناقة. وفتح يده اليسرى فقال: بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، كتابٌ من الرّحمن الرّحيم، فيه أهل النّار بأعدادهم وأسمائهم وأحسابهم، يُجمل عليهم إلى يوم القيامة، لا يَنقص منهم! ولا يُزاد فيهم أحد، وقد يسلك بالأشقياء طريقُ أهل السّعادة حتّى يقال: هو منهم، وما أشبهه بهم، ثم يدرك أحدَهم شقاؤه قبل موته ولو بفواق ناقة"، ثم قال رسولُ اللَّه ﷺ : "العمل

стр. 746

بخواتيمه، العمل بخواتيمه، ثلاثًا". فهو ضعيف. رواه البزّار -كشف الأستار (٢١٥٦) - عن زياد بن يحيى أبي الخطّاب، ثنا عبد اللَّه بن ميمون المكيّ، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. ورواه اللالكائيّ في "أصول الاعتقاد" (١٠٨٨) من وجه آخر عن عبد اللَّه بن ميمون القداح بإسناده، مثله. قال البزّار: "لا نعلم رواه عن عبيد اللَّه إِلَّا عبد اللَّه بن ميمون وهو صالح". قلت: عبد اللَّه بن ميمون القداح ليس بصالح، بل أهل العلم مطبقون على تضعيفه حتى قال الحاكم: "روى عن عبيد اللَّه بن عمر أحاديث موضوعة. ومن أجله ضعّفه الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢١٢). وفي الباب أحاديث عن البراء بن عازب، وابن عباس، وعبد اللَّه بن بسر، وعلي بن أبي طالب كلها ضعيفة. ٢٣ - باب إنّما الأعمال بالخواتيم • عن سهل بن سعد، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ الرّجل ليعمل عمل أهل الجنّة، فيما يبدو للنّاس وهو من أهل النّار، وإنَّ الرّجل ليعمل عمل أهل النّار فيما يبدو للنّاس، وهو من أهل الجنّة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨٩٨)، ومسلم في القدر (١٢) هكذا مختصرًا - كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره ورواه مسلم في الإيمان (١١٢) بالتفصيل وهو عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول اللَّه ﷺ التقى هو والمشركون فاقتلوا، فلما مال رسول اللَّه ﷺ إلى عسكره. ومال الآخرون إلى عسكرهم. وفي أصحاب رسول اللَّه ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة إِلَّا اتبعها بضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما إنه من أهل النّار" فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدًا. قال فخرج معه. كلما وقف وقف معه. وإذا أسرع أسرع معه. قال فجرح الرجل جرحًا شديدًا. فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه. ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه. فخرج الرجل إلى رسول اللَّه ﷺ قال: أشهد أنك رسول اللَّه. قال: "وما ذاك؟ " قال: الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النّار. فأعظم النّاس ذلك. فقلت: أنا لكم به. فخرجت في طلبه حتى جرح جرحًا شديدًا. فاستعجل الموت. فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثديه. ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنّة فيما يبدو للناس وهو من أهل النّار. وإن الرجل ليعمل عمل أهل النّار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنّة".

стр. 747

وعند البخاريّ في القدر (٦٦٠٧) من وجه آخر عن أبي حازم: "وإنّما الأعمال بالخواتيم". • عن أبي هريرة، قال: شهدنا مع رسول اللَّه ﷺ خيبر فقال لرجل ممن يدّعي الإسلام: "هذا من أهل النّار". فلما حضر القتال قاتل الرّجلُ قتالًا شديدًا، فأصابته جراحة. فقيل: يا رسول اللَّه الذي قلتَ إنّه من أهل النّار فإنّه قد قاتل اليوم قتالًا شديدًا، وقد مات! فقال النّبيّ ﷺ : "إلى النّار". قال: فكاد بعضُ النّاس أن يرتاب فبينما هم على ذلك، إذ قيل: إنّه لم يمت، ولكنَّ به جراحا شديدًا. فلما كان من اللّيل لم يصبرْ على الجراح فقتل نفسَه، فأُخبر النبيُّ ﷺ بذلك فقال: "اللَّه أكبر! أشهدُ أني عبد اللَّه ورسوله". ثم أمر بلالًا فنادى بالنّاس: "إنّه لا يدخل الجنّة إِلَّا نفسٌ مسلمةٌ، وإنَّ اللَّه ليؤيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُل الفاجر". وفي رواية: شهدنا مع رسول اللَّه ﷺ خيبر فقال رسول اللَّه ﷺ لرجل ممن معه يدعي الإسلام: "هذا من أهل النّار". فلمّا حضر القتالُ قاتل الرّجلُ من أشدِّ القتال، وكثرت به الجراح فَأَثْبَتَتَه فجاء رجلٌ من أصحاب النبيّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أرأيت الذي تحدَّثْتَ أنه من أهل النّار قد قاتل في سبيل اللَّه من أشدّ القتال، فكثرت به الجراح فقال النبيّ ﷺ : "أما إنّه من أهل النّار". فكاد بعض المسلمين يرتاب فبينما هو على ذلك إذْ وَجد الرَّجُلُ أَلَمَ الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع منها سَهْمًا فانتحر بها فاشتَدَّ رجال من المسلمين إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه، صدق اللَّهُ حديثك قد انتحر فلان، فقتل نفسه فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا بلال قُمْ فأذِّن: لا يدخل الجنّةَ إِلَّا مؤمنٌ، وإنَّ اللَّه ليؤَيِّدُ هذا الدِّين بالرَّجُل الفاجر". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٣٠٦٢)، ومسلم في الإيمان (١١١) كلاهما من حديث عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن الزّهريّ، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره. والرّواية الثانية عند البخاريّ في القدر (٦٦٠٦) من وجه آخر عن معمر، بإسناده، مثله. وقوله: "فأثبتته" أي جعلته ساكنًا لا حركة له من شدّة جراحه. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ الرَّجلَ ليعملُ الزَّمَنَ الطّويلَ بعملِ أهل الجنّة، ثم يُخْتَمُ لهُ عملُهُ بعمل أهل النّار. وإنَّ الرجل ليعملُ الزَّمنَ الطّويلَ بعمل أهل النّار، ثم يُختم له عملُه بعمل أهل الجنّة". صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥١) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد العزيز (يعني ابن محمد)، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.

стр. 748

وأمّا ما رُوي مرفوعًا: "إنّ الرّجل ليعمل -أو قال: يعمل- بعمل أهل النّار سبعين سنة، ثم يُختم له بعمل أهل الجنّة، ويعمل العامل سبعين سنة بعمل أهل الجنّة، ثم يُختم له بعمل أهل النّار". فهو ضعيف. رواه البزّار -كشف الأستار (٢١٥٨) -، والطبرانيّ في "المعجم الأوسط" (٢٤٤٨)، عبد اللَّه ابن وهب في القدر (٤٨) كلّهم من طريق عبد اللَّه بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص ابن عاصم، عن أبي هريرة، فذكره. عبد اللَّه بن عمر وهو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، أهل العلم مطبقون على تضعيفه. وأمّا الهيثميّ فقال في "المجمع" (٧/ ٢١٧): "رواه الطبرانيّ في الأوسط، ورجاله رجال الصّحيح". لأنّ عبد اللَّه بن عمر بن حفص، أخرج له مسلم. • عن عائشة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ الرّجلَ ليعمل بعمل أهل الجنّة، وإنّه لمكتوب في الكتاب من أهل النّار، فإذا كان قبل موته تحوَّل فعمل بعمل أهل النّار فمات، فدخل النّار. وإنَّ الرّجل ليعمل بعمل أهل النّار، وإنّه لمكتوب في الكتاب من أهل الجنّة، فإذا كان قبل موته تحوَّل، فعمل بعمل أهل الجنّة، فمات، فدخل الجنّة". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٤٧٦٢)، وأبو يعلى (٤٦٦٦٨)، والبيهقي في القضاء والقدر (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣) كلّهم من طرق عن حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ورواه ابن أبي عاصم في السنة (٢٥٢)، وصحّحه ابن حبان (٣٤٦) كلاهما من وجه آخر عن هشام بن عروة، بإسناده، مثله. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢١١ - ٢١٢) وقال: "رواه أحمد، وأبو يعلى بأسانيد، وبعض أسانيدها رجاله رجال الصّحيح". • عن أنس، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا عليكم أن لا تُعْجَبُوا بأحدٍ حتّى تنظروا بِمَ يُخْتم له، فإنّ العاملَ يعمل زمانًا من عمره، أو بُرهةً من دهره بعمل صالح، لو مات عليه دخل الجنّةَ، ثم يتحوَّلُ فيعملُ عمَلًا سيِّئًا، وإنَّ العبد لَيْعُملُ البُرْهَةَ من دهرٍ بعملٍ سيء، لو مات عليه دخل النّار، ثم يتحوَّل فيعملُ عملًا صالحًا. وإذا أراد اللَّه بعبد خيرًا استعمله قبل مَوْته". قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يستعمله؟ قال: "يوفِّقه لعملٍ صالِحٍ، ثم يَقْبضُه عليه". صحيح: رواه أحمد (١٢٢١٤) عن يزيد بن هارون، أخبرنا حُميد، عن أنس، فذكره. ورواه أبو يعلى (٣٨٤٠)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٣٢٣) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، بإسناده، مثله. وإسناده صحيح.

стр. 749

وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٣٩٣ - ٣٩٨)، والبزّار -كشف الأستار (٢١٥٧) - كلاهما من طرف عن حميد، به، مختصرًا ومطوَّلًا. قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢١١): رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزَّار، والطبرانيَّ في الأوسط، ورجاله رجال الصّحيح". • عن عدي بن عدي قال: سمعتُ العرسَ -وكان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ العبد ليعمل بعمل أهل النّار، ثم تعرض له الجادة من جَوادّ الجنّة فيعمل بها حتّى يموت عليها، وذلك لما كتب. وإنَّ الرّجلَ ليعمل بعمل أهل الجنّة البُرهة من دهره، ثم تُعرض له الجادَّةُ من جوادِّ أهل النّار فيعمل بها حتّى يموت عليها، وذلك لما كتب عليه". صحيح: رواه البزّار -كشف الأستار (٢١٥٩) - عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن الجنيد، ثنا سعيد بن كثير بن عفير، ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن أبي عبلة، عن عدي بن عديّ، فذكره. ورواه ابنُ أبي عاصم في "السنة" (١١٩) من وجه آخر عن سعيد بن كثير، بإسناده، مثله موقوفًا على العرس إِلَّا أنّه قال في آخر الحديث: "أحسبه عن رسول اللَّه ﷺ ". وإسناده صحيح. وابن أبي عبلة اسمه إبراهيم السّامي من رجال الجماعة. قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢١٢): "رواه البزّار والطَّبرانيّ في الصّغير والكبير، ورجالهم ثقات". وعرس: هو ابن قيس بن سعيد بن الأرقم الكندي له صحبة، وقد ينسب إلى أمِّه "عميرة". • عن عائشة، أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "إنّما الأعمالُ بالخواتيم". حسن: رواه ابن حبان في صحيحه (٣٤٠) عن عبد اللَّه بن صالح البخاريّ ببغداد، حدّثنا الحسن ابن علي الحلوانيّ، قال: حدّثنا نُعيم بن حمّاد، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. إسناده حسن من أجل نعيم بن حمّاد وهو ابن معاوية بن الحارث الخزاعيّ أبو عبد اللَّه المروزيّ، وثقه الإمام أحمد، وابن معين، والعجليّ وغيرهم، وأُنْكرَ عليه روايته بعض الأحاديث، وقد تتبّعها ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٤٨٢ - ٢٤٨٥) وقال: "وعامّة ما أنكر عليه هو هذا الذي ذكرتُه، وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا". وحديث عائشة ليس فيما ذكره ابن عدي مما أنكر على نعيم بن حمّاد، ثم يشهد له حديث معاوية الآتي. • عن معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّما الأعمال بخواتيمها، كالدعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبُث أعلاه خبُث أسفلُه".

стр. 750

حسن: رواه ابن حبان في "صحيحه" (٣٣٩) عن الحسين بن عبد اللَّه بن يزيد القطّان، قال: أخبرنا هشام بن عمار، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا ابن جابر، قال: سمعت أبا عبد ربّ يقول: سمعت معاوية، يقول: فذكر الحديث. وابن جابر هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ أبو عتبة الشّاميّ الدَّارانيّ ثقة من رجال الجماعة. والوليد بن مسلم مدلّس إِلَّا أنّه صرّح بالتّحديث، ومن طريقه رواه ابن ماجه (٤١٩٩) إِلَّا أنه لم يذكر صدر الحديث: "إنّما الأعمال بخواتيمها". ثم تابعه عبد اللَّه بن المبارك، فأخرج في الزهد (٥٩٦) وعنه الإمام أحمد (١٦٨٥٣)، والطَّبرانيّ في الكير (١٩/ ٨٦٦). وإسناده حسن من أجل عبد ربّ وهو الدِّمشقيّ الزّاهد، روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٨١) فقال: "أبو عبد رب الزّاهد، اسمه عبد الرحمن، مولى لابن غيلان الثقفيّ، وكان روميًّا اسمه قسطنطين، فلما أسلم سمي بعبد الرحمن، يروي عن معاوية، عداده في أهل الشّام، روي عنه أهلها، وكان من أيسر أهل دمشق مالًا، فتصدَّق بماله كلّه، وكان يقول: لو أنّ بردًا سال ذهبًا وفضّة ما أتيته لآخذ منه شيئًا، ولو قيل: من مسّ هذا العمود مات لقمت إليه حتّى أمسّه". وقد عرفه غير واحد من أهل العلم وأثنوا على زهده ولم يذكروا فيه جرجا، فمثله يحسن حديثه. ٢٤ - باب أنّ بني آدم خلقوا على طبقات شتّى • عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ بني آدم خلقوا على طبقات شتي: فمنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت كافرًا. ومنهم من يولد مؤمنًا، ويحيى مؤمنًا، ويموت كافرًا. ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت مؤمنًا". صحيح: رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨) من طريق داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره. قال البيهقيّ: "إسناده صحيح". وقال: ورواه أيضًا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد في الخطبة". قلت: وهو يشير إلى ما رواه الترمذيّ (٢١٩١)، والإمام أحمد (١١١٤٣)، وأبو يعلى (١١٠١) وغيرهم من طرق عن حمّاد بن زيد، قال: أخبرنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ يوما صلاة العصر بنهار، ثم قام خطيبًا، فلم يدع شيئًا يكون إلى قيام الساعة إِلَّا أخبرنا به، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، وكان فيما قال: "إنّ الدّنيا خَضِرة حُلوةٌ، وإنَّ اللَّه مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، ألا فاتقوا الدّنيا واتقوا النِّساء". وكان فيما

стр. 751

قال: "ألا لا يمنعن رجلًا هيبة النّاس أن يقول بحق إذا علمه". قال: فبكى أبو سعيد فقال: قد واللَّه رأينا أشياء فهبنا، فكان فيما قال: "ألا إنه ينصب لكل غادر لواءً يوم القيامة بقدر غدرته ولا غدرة أعظم من غدرة إمام عامة بركز لواؤه عند استه". وكان فيما حفظنا يومئذ: "ألا إن بني آدم خُلقوا على طبقات شتّى، فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت مؤمنًا، ألا وإن منهم البطيء الغضب سريع الفيئ، ومنهم سريع الغضب سريع الفيء، فتلك بتلك، ألا وإن منهم سريع الغضب بطيء الفيئ، ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الفيئ، وشرّهم سريع الغضب بطيء الفيئ، ألا وإن منهم حسن القضاء حسن الطّلب، ومنهم سيئ القضاء حسن الطلب، ومنهم حسن القضاء سيئ الطلب، فتلك بتلك، ألا وإن منهم السيئ القضاء السيء الطلب، ألا وخيرهم الحسن القضاء الحسن الطلب، ألا وشرهم سيئ القضاء سيئ الطلب، ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمُرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحسَّ بشيء من ذلك فليلصق بالأرض" قال: وجعلنا نلتفت إلى الشّمس هل بقي منها شيء؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألا إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها، إِلَّا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه". قال الترمذيّ: "حديث حسن". وقال الحاكم (٤/ ٥٠٦): "هذا حديث تفرّد بهذه السّياقة علي بن زيد بن جدعان القرشيّ، عن أبي نضرة. والشيخان لم يحتجّا بعلي بن زيد". وقال الذّهبيّ: "ابن جدعان صالح الحديث". قلت: حمّاد بن زيد من قدماء أصحاب ابن جدعان، وحديثه عنه حسن. ٢٥ - باب إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا استعمله، ووفَّقه للإسلام • وعن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا استعمله". فقيل: كيف يستعمله يا رسول اللَّه؟ قال: "يوفّقه لعمل صالح قبل الموت". صحيح: رواه الترمذيّ (٢١٤٢) عن علي بن حُجْر، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، فذكر مثله. وإسناده صحيح. وصحّحه ابنُ حبان (٣٤١)، والحاكم (١/ ٣٤٠) كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر، بإسناده، مثله. قال الترمذيّ: "حديث صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". • عن عمرو بن الحمق الخزاعيّ، أنّه سمع النبيّ ﷺ يقول: "إذا أراد اللَّه بعبد

стр. 752

خيرًا استعمله". قيل: وما استعمله؟ قال: "يُفتح له عمل صالح بين يدي موته، حتّى يرْضى عنه مَنْ حوله". حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٩٤٩)، والبزَّار -كشف الأستار (٢١٥٥) - والطبرانيّ في الأوسط -مجمع البحرين (٣٢٦٣) -، والبيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٣٧٩) كلّهم من حديث معاوية بن صالح، حدّثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عمرو بن الحمق الخزاعيّ، فذكر مثله، واللّفظ لأحمد. وصحّحه ابن حبان (٣٤٢، ٣٤٣)، والحاكم (١/ ٣٤٠) كلاهما من طريق زيد بن الحباب بإسناده، مثله إِلَّا أنَّهم جعلوا "عسله" بدل "استعمله". قال الحاكم: "صحيح". قلت: إسناده حسن من أجل معاوية بن صالح وهو ابن حدير، فإنه حسن الحديث، وهو من رجال مسلم. وقوله: "عسله". العَسْل: طيب الثّناء، مأخوذ من العَسَل، يقال: عسَل الطَّعَام يَعسِله: إذا جعل فيه العسل. انظر: "النهاية" (٣/ ٢٣٧). كأنّه شبَّه ما رزقه اللَّه تعالى من العمل الصالح الذي طاب به ذكره بين قومه بالعسل الذي يجعل في الطّعام، فيحلو به ويطيب. انظر: "الفائق" (٢/ ٤٢٩). • عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا عسَّله". قلت: يا رسول اللَّه، وكيف يُعسله؟ قال: "يوفّقه لعمل صالح قبل موته فيقبضه عليه". حسن: رواه الطّبرانيّ في الأوسط -مجمع البحرين (٣٢٣٨) - عن عبد الرحمن بن عمرو أبي زرعة، ثنا يحيى بن صالح الوُحاظيّ، ثنا يونس بن عثمان المقرئ، عن راشد بن سعد، عن عائشة، فذكرته. قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢١٥): "ورجاله رجال الصّحيح غير يونس بن عثمان وهو ثقة". قلت: إسناده حسن من أجل يونس بن عثمان المقرئ قال فيه ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٦٤٩ - ٦٥٠): "يعتبر حديثه من غير رواية يحيى بن سعيد العطّار عنه". وهذا ليس من رواية يحيى بن سعيد العطّار عنه. وفي الباب ما رُوي عن أبي عِنبة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا عسله". قيل: وما عسله؟ قال: "يفتح اللَّه له عملًا صالحًا قبل موته، ثم يقبضه عليه". رواه الإمام أحمد (١٧٧٨٤) عن سريج بن النعمان، قال: حدّثنا بقية، عن محمد بن زياد الألهانيّ، قال: حدّثني أبو عِنبة -قال سريج: وله صحبة- قال: قال رسول اللَّه ﷺ (فذكر الحديث).

стр. 753

وأبو عنبة مختلف في صحبته، فعدَّه خليفة بن خياط، وابن سعد، والبغويّ وغيرهم من الصّحابة، وأنكر أبو حاتم الرَّازي -وهو إمام في معرفة الرّجال- أن يكون له صحبة، وعدّه من الطّبقة الأوّلى من تابعي أهل الشّام. كما أنكر أهل الشّام بأن تكون له صحبة. وفي الإسناد أيضًا بقية وهو ابن الوليد كثير التّدليس والتّسوية، ولكن رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٤٠٠)، والقضاعيّ في "مسند الشّهاب" (١٣٨٩) من طريقه، وفيه التّصريح بالتحديث. وفي الباب عن أبي أمامة، رواه القضاعيّ في "مسند الشّهاب" (١٣٨٨) وغيره مثله، وفي طريقه علي بن زيد الألهانيّ وهو ضعيف. • عن كُرْز بن علقمة الخزاعيّ، قال: قال رجل: يا رسول اللَّه، هل للإسلام من منتهى؟ قال: "أيُّما أهل بيت". وقال في موضع آخر قال: "نعم، أيّما أهل بيت من العرب، أو العجم، أراد اللَّه بهم خيرًا، أدخل عليهم الإسلام". قال: ثم مَهْ؟ قال: "ثم تقع الفتن كأنّها الظُّلَل". قال: كلا واللَّهِ إن شاء اللَّه. قال: "بلى، والذي نفسي بيده، ثم تعودون فيها أساوِدَ صُبًّا يضربُ بعضكم رقاب بعض". صحيح: رواه أحمد (١٥٩١٧)، والبزّار - كشف الأستار (٣٣٥٣)، والطَّبرانيّ (١٩/ ١٩٨)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (١/ ٣٧٧) كلّهم من طرق عن سفيان، عن الزّهريّ، عن عروة، عن كُرْز ابن علقمة الخزاعيّ، فذكره. وإسناده صحيح. وصحّحه الحاكم (١/ ٣٤) وقال: "ليس له علّة ولم يخرجاه". ثم ذكر قول الدّارقطني في إلزام الشيخين في إخراج هذا الحديث في صحيحيهما. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٣٠٥) وقال: "رواه أحمد والبزّار والطَّبرانيّ بأسانيد، واحدها رجاله رجال الصّحيح". وقوله: "كلا" لم يقله إنكارًا لذلك؛ وإنّما قاله إظهارًا لمحبّته للإسلام. وقوله: "أساود" حيّات، جمع أسود. وقوله: "صُبًّا" بضم وتشديد - أي كأنَّهم حيَّات مصبوبة على النَّاس من السّماء. ٢٦ - باب أنّ اللَّه لا يُعطي الإيمان إِلَّا من يحبّ • عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإنَّ اللَّه يُعطي الدُّنيا مَنْ يحبُّ ومن لا يحبّ، ولا يعطي الإيمان إِلَّا من يحبّ". صحيح: رواه الحاكم (١/ ٣٣ - ٣٤) من طرق عن أحمد بن جناب المصّيصيّ، نا عيسى بن يونس، عن سفيان الثّوريّ، عن زبيد، عن مرّة، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.

стр. 754

ومن طريقه رواه البيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٦٢٥) وقال: "زاد جنيد بن حكيم في روايته: "فمن ضَنَّ بالمال أن ينفقه، وخاف العدوَّ أن يجاهده، وهاب اللّيل أن يكابده، فليكثرْ من قول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلّا اللَّه، واللَّه أكبر". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، تفرّد به أحمد بن جناب المصيصيّ، وهو شرط من شرطنا في هذا الكتاب أنّا نخرجُ أفراد الثّقات إذا لم نجد لها علّة، وقد وجدنا لعيسى بن يونس فيه متابعين: أحدهما من شرط الكتاب، وهو سفيان بن عقبة أخو قبيصة". ثم رواه من طريق سفيان بن عقبة أخي قبيصة، عن حمزة الزّيات. وسفيان الثوريّ، عن زبيد، عن مرّة، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النّبيّ ﷺ ، فذكر الحديث. وقال: "وأمّا المتابع الذي ليس من شرط هذا الكتاب فعبد العزيز بن أبان، والحديث معروف به، فقد صحّ بمتابعين لعيسى بن بونس، ثم بمتابع الثوريّ عن زبيد وهو حمزة الزيّات". انتهى كلامه. ونقل البيهقيّ بعض كلام الحاكم ثم قال: وقد رُوي من وجه آخر عن عبد الرحمن بن زيد (ابن الخطّاب)، عن أبيه، مرفوعًا. ورُوي من وجه آخر عن مرة، عن عبد اللَّه، مرفوعًا. وراه المسعوديّ، عن أبيه موقوفًا". انتهى كلام البيهقيّ. ورواه أيضًا الإمام أحمد (٣٦٧٢) من وجه آخر عن الصّباح بن محمد، عن مرة الهمدانيّ، عن عبد اللَّه بن مسعود، مرفوعًا، إِلَّا أنّ الصَّبَّاح بن محمد الهمدانيّ ضعيف. ورواه عبد الرحمن بن مهديّ، ومحمد بن كثير، عن الثوريّ، عن زبيد فوقفوه. وكذلك رواه محمد بن طلحة، وزهير بن معاوية. فصحّح الدَّارقطنيّ في "علله" (٥/ ٢٧٠ - ٢٧١) الموقوف. وهو محتمل، ولكن لا يمنع من صحة رفعه لكثرتهم، ولكونه مثل هذا لا يقال بالرَّأي، فإنّ حبَّ اللَّه وكرهه أمر شرعي لا اجتهاد فيه، فلعلّ ابن مسعود كان يرفع مرة، ويوقف أخرى لأمر ما كما هو معروف عنه في كثير من الأحاديث. ٢٧ - باب في حِجاج آدم وموسى ﵉ • عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "احتجّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدمُ أنت أبونا خيّبْتنا وأخرجْتنا من الجنّة! . قال له آدم: يا موسى، اصطفاك اللَّه بكلامه، وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدَّره اللَّه عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحجَّ آدم موسى، فحجَّ آدمُ موسى". ثلاثًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في "القدر" (٦٦١٤)، ومسلم في "القدر" (٢٦٥٢) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس. قال: سمعتُ أبا هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "احتجّ آدمُ وموسى. فقال له

стр. 755

موسى: أنت آدم الذي أخرجتْكَ خطيئتُك من الجنّة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك اللَّه برسالته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قدِّر عليَّ قبل أن أُخلق؟ ! ". فقال رسول اللَّه ﷺ : "فحجَّ آدمُ موسى" مرّتين. متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٩٠٣٤)، ومسلم في القدر (٢٦٥٢: ١٥) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "تحاجَّ آدمُ وموسى، فحجَّ آدمُ موسى. قال له موسى: أنت آدم الذي أغويتَ النَّاسَ وأخرجتهم من الجنّة؟ ! فقال له آدمُ: أنت موسى الذي أعطاك اللَّه علمَ كلِّ شيء، واصطفاك على النّاس برسالته؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أمر قد قدِّر عليَّ قبل أن أُخلق". صحيح: رواه مالك في القدر (١) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه مسلمٌ في القدر (٢٦٥٢: ١٤) عن قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، بإسناده، مثله. • عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "التقى آدمُ وموسى، فقال موسى لآدم: أنت الذي أشْقيتَ النَّاسَ، وأخرجْتهم من الجنّة؟ قال له آدم: أنت الذي اصطفاك اللَّه برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم. فوجدتها كُتب عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم. فحجّ آدمُ موسى". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٣٦) عن الصّلت بن محمد، حدّثنا مهدي بن ميمون، حدّثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، واللّفظ له. ورواه مسلم في القدر (٢٦٥٢: ١٥) من وجه آخر عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، إِلَّا أنّه لم يسق لفظه، وإنّما أحاله على ما سبق. ولعلّه يقصد به حديث يزيد بن هرمز وعبد الرحمن الأعرج كلاهما عن أبي هريرة، كما سيأتي. • عن أبي هريرة، قال قال رسول اللَّه ﷺ : "احتجّ آدمُ وموسى ﵉ عند ربِّهما. فحجَّ آدمُ موسى. قال موسى: أنت آدمُ الذي خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من رُوحه، وأسْجدَ لك ملائكته، وأَسْكتَك في جنّته، ثم أَهْبطْتَ النّاس بخطيئتكَ إلى الأرض؟ فقال آدمُ: أنت موسى الذي اصطفاك اللَّهُ برسالته وبكلامه، وأعطاكَ الألواحَ فيها تبيان كلِّ شيء، وقرَّبك نَجيًّا، فبِكَمْ وجدْتَ اللَّهَ كتب التوراة قبل أن أُخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدمُ: فهلْ وجدْتَ فيها: وعصى آدمُ ربَّه فغوى؟ قال: نعم. قال: أفتلُومني على أن عملْتُ عملًا كتبه اللَّه عليَّ أن أعمله

стр. 756

قبل أن يخلُقَني بأربعين سنة؟ ". قال رسول اللَّه ﷺ : "فحجَّ آدمُ مُوسى". صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٢: ١٥) عن إسحاق بن موسى بن عبد اللَّه بن موسى بن عبد اللَّه بن يزيد الأنصاريّ، حدّثنا أنس بن عياض، حدّثني الحارث بن أبي ذُباب، عن يزيد (وهو ابن هرمز) وعبد الرحمن الأعرج قالا: سمعنا أبا هريرة، قال (فذكر الحديث). • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "احتجّ آدمُ وموسى، فقال موسى لآدم: يا آدم، أنت الذي أدخلتَ ذريَّتَك النّار؟ فقال آدمُ: يا موسى، اصطفاك اللَّه برسالته، وبكلامه، وأنزل عليك التّوراة، فهل وجدت أنِّي أُهْبط؟ قال: نعم. قال: "فحجّه آدم". صحيح: رواه عبد الرزّاق (٢٠٠٦٧) عن معمر، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٧٦٣٥) عن عبد الرزّاق، به. وإسناده صحيح. رواه البيهقيّ في "القضاء والقدر" من عشرة وجوه عن أبي هريرة. • عن أبي هريرة أو أبي سعيد، عن النّبيّ ﷺ قال: "احتجّ آدم وموسى صلى اللَّه عليهما، فقال موسى لآدم: أنت آدم الذي خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه -أحسبه قال: وأمر الملائكة فسجدوا لك- أخرجت ذريَّتَك من الجنّة؟ قال: فتجده عليَّ مكتوبًا؟ قال: نعم، فحجّ آدمُ موسى". صحيح: رواه البزّار -كشف الأستار (٢١٤٨) - عن عمرو بن علي، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو أبي سعيد، فذكر الحديث. هكذا شكّ فيه أبو معاوية، ورواه غيره عن الأعمش، عن أبي صالح بدون شكّ بأنه من مسند أبي هريرة. كما رواه الفضل بن موسى، عن الأعمش بدون شك بأنه من مسند أبي سعيد، كما سيأتي. • عن أبي سعيد الخديّ، عن النّبيّ ﷺ قال (فذكره بنحو حديث أبي معاوية). صحيح: رواه البزّار -كشف الأستار (٢١٤٧) - عن محمد بن المثنى، ثنا معاذ بن أسد، ثنا الفضل بن موسى، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكر الحديث غير أنّه لم يسق لفظه، وإنّما قال: بنحو حديث أبي معاوية. قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٩١): "رواه أبو يعلى والبزّار ورجالهما رجال الصّحيح". ولكن رواه وكيع عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد موقوفًا عليه. رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (١٤٢) عن أبي موسى ومحمد بن عبد اللَّه بن نمير قالا: حدّثنا وكيع، بإسناده، مثله. وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولكن حكمه الرّفع، والذي يظهر أنّ أبا صالح كان يروي هذا

стр. 757

الحديث من وجهين، مرة عن أبي هريرة، وأخرى عن أبي سعيد الخدريّ، وكلاهما صحيح، فإنّ أحدهما لا يُعِلُّ الثاني. ولحديث أبي سعيد أسانيد أخرى لا تصح، منها ما رواه الدَّارميّ في "الرّد على الجهميَّة" (٢٩٣) عن أبي سلمة، ثنا حمّاد بن سلمة، ثنا أبو هارون، عن أبي سعيد، عن النّبيّ ﷺ ، مثله، وزاد: "يا موسى، أرأيتَ ما علم اللَّهُ أنه سيكون بدٌّ من أن يكون؟ ! ". وأبو هارون هو عمارة بن جوين العبديّ "متروك" كما في "التقريب". • عن عمر بن الخطّاب، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "التقى آدمُ وموسى، فقال موسى: أنتَ الذي خلق اللَّه بيده، وأسجد لك ملائكته، ونفخ فيك من روحه، وأمرك بأمر فعصيته، فأخرجتنا من الجنّة؟ فقال له آدم: قد أتاك اللَّهُ التّوراة، فهل وجدتَ فيها: كتب عليَّ الذّنب قبل أن أعمله؟ قال: نعم. قال: فحجَّ آدمُ موسى، فحجّ آدم موسى ﵉". حسن: رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٦٢) عن أحمد بن عبدة الضّبيّ، قال: أخبرنا حمّاد ابن زيد، عن مطر الورّاق، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: "لما تكلّم معبد الجهني في القدر" فذكر الحديث بطوله. قال ابن خزيمة: قد أمليته في "كتاب الإيمان" وفي الخبر قال عبد اللَّه بن عمر، حدّثني عمر بن الخطّاب، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في مطر الورَّاق غير أنه حسن الحديث. وهذا الإسناد ساقه مسلم في كتاب الإيمان (٨: ٢) ولم يذكر لفظه، وإنّما أحال على حديث كهمس، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن عبد اللَّه بن عمر، عن عمر بن الخطّاب، قال: "بينا نحن عند رسول اللَّه ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجلُ شديد بياض الثّياب. . . " فذكر حديث جبريل. قال مسلم: وفيه بعض زيادة ونقصان أحرف. فلعلَّه يقصد هذه الزّيادة التي ذكرها ابن خزيمة. • عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ موسى قال: يا ربّ أَرِنَا آدمَ الذي أخرجنا ونفسَه من الجنّة، فأراه اللَّه آدم، فقال: أنت أبونا آدم؟ فقال له آدم: نعم. قال: أنت الذي نفخ اللَّه فيك من روحه وعلَّمك الأسماءَ كلَّها، وأمر الملائكةَ فسجدُوا لك؟ قال: نعم. قال فما حملك على أن أخرجتنا ونفسَك من الجنّة؟ فقال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت نبيُّ بني إسرائيل الذي كلمك اللَّه من وراء الحجاب لم يجعل بينك وبينه رسولًا من خلقه؟ قال: نعم. قال

стр. 758

أفما وجدتَ أنّ ذلك كان في كتاب اللَّه قبل أن أُخلق؟ قال: نعم. قال: فبِمَ تلومني في شيء سبق من اللَّه تعالى فيه القضاء قبلي؟ ". قال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: "فحَجَّ آدمُ موسى، فحَجَّ آدمُ موسى". حسن: رواه أبو داود (٤٧٠٢) عن أحمد بن صالح، حدّثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطّاب، قال (فذكره). والحديث أخرجه ابن وهب في القدر (٣)، ومن طريقه الفريابيّ في القدر (١١٧)، وابن أبي عاصم في السنة (١٣٧)، وابن خزيمة في التوحيد (٢٧٨)، والدَّارميّ في الرد على الجهمية (٢٩٤). وإسناده حسن من أجل هشام بن سعد فإنه مختلف فيه، فضعّفه ابن معين والنسائيّ، ومشّاه الآخرون، وهو "صدوق له أوهام" كما قال الحافظ في "التقريب". وفي الباب عن جندب بن عبد اللَّه، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "احتجّ آدمُ وموسى، فقال موسى: أنت آدمُ الذي خلقك اللَّه بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنّته، فأخرجتَ النَّاسَ من الجنّة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي كلّمك اللَّه نجيًّا، وآتاك التوراة تلومني على أمر قد كتب عليَّ قبل أن يخلقني؟ ! قال رسول اللَّه ﷺ : "فحجّ آدم موسى". وفي رواية: قال يعني آدم: "فأنا أقدم أم الذّكر". رواه الإمام أحمد (٩٩٩٠)، وأبو يعلى (١٥٢٨)، والطَّبرانيّ (١٦٦٣) كما رواه أيضًا الفريابي في "القدر" (١١٩)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١٤٣)، واللالكائيّ في "الاعتقاد" (١٠٣٦) كلّهم من طرق عن حمّاد بن سلمة، عن حُميد، عن الحسن، عن جندب بن عبد اللَّه، فذكر الحديث. والحسن مدلّس وقد عنعن، ولم أقف على التصريح بالتحديث. وأمّا قول الهيمثيّ في المجمع (٧/ ١٩١): "رواه أبو يعلى وأحمد بنحوه، والطَّبرانيّ، ورجالهم رجال الصّحيح". فليس فيه دليل على اتصال الإسناد. وبعض الرّواة أدخلوا بين الحسن والجندب: "أنس بن مالك" كما هو عند الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٣٤٩)، وهذا وهم منهم. والخلاصة أنّ حديث حجاج آدم وموسى ﵉ ثابت بالاتفاق، رواه أبو هريرة وعنه جماعة من التابعين، تتبعه الحافظ ابن حجر فقال: "وقع لنا من طريق عشرة عن أبي هريرة". وعن أبي سعيد الخدريّ وعمر بن الخطّاب وغيرهم. والحافظ ابن حجر عزا حديث جندب بن عبد اللَّه إلى النسائيّ، وحديث أبي سعيد إلى البزّار، ولم يحكم عليهما، ولكنه نقل عن ابن عبد البر أنه قال: "وروي عن النّبيّ ﷺ من وجوه أخرى من رواية الأئمة الثّقات الأثبات". انظر "الفتح" (١١/ ٥٠٦).

стр. 759

٢٨ - باب ما جاء في وهب آدم أربعين سنة من عمره لداود ﵉ ونسيانه ذلك • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما خلق اللَّه آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كلُّ نسمة هو خالقها من ذريّته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كلِّ إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أيْ ربّ، مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريِّتُك. فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه. فقال: أيْ ربِّ، مَنْ هذا؟ فقال هذا رجُلٌ من آخر الأمم من ذريّتِك يقال له: داود. فقال: ربّ كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أيْ ربِّ، زِدْه من عمري أربعين سنة. فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم فجحدتْ ذريَّتُه، ونَسِي آدمُ فنسيتْ ذرِّيَّتُه، وخَطئَ آدمُ فخطئت ذريَّتُه". حسن: رواه الترمذيّ (٣٠٧٦) عن عبد بن حميد، حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. وصحّحه الحاكم (٢/ ٣٢٥)، ورواه من طريق أبي نعيم، به، مثله. وقال: "صحيح على شرط مسلم". ومن هذا الطّريق رواه الفريابي في "القدر" (١٩). وقال الترمذيّ: "حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة". قلت: فيه هشام بن سعد مختلف فيه، فضعَّفه ابن معين وأحمد والنسائيّ، وغيرهم ومشّاه بعضهم، وهو "صدوق له أوهام" كما في التقريب. وأمّا الوجه الآخر الذي أشار إليه الترمذيّ فهو ما رواه ابن وهب في كتاب "القدر" (٨)، وعنه الفريابي (٢٠)، وأبو يعلى (٦٣٧٧) من طريق ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكر مثله. وقد سئل أبو زرعة عن هذين الطّريقين فقال: "حديث أبي نعيم أصح، وَهِمَ ابنُ وهب في هذا الحديث". "العلل" لابن أبي حاتم (٢/ ٨٨). • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما خلق اللَّه آدم ونفخ فيه الرُّوح عَطَسَ، فقال: الحمد للَّه، فحَمِدَ اللَّه بإذنه، فقال له ربُّه: يرحمُك اللَّهُ يا آدم، اذهبْ إلى أولئك الملائكةِ -إلى ملإ منهم جلوس- فَقُل السّلام عليكم، قالوا: وعليك السَّلامُ ورحمة اللَّه، ثم رجع إلى ربِّه فقال: إنّ هذه تحيَّتُك وتحيَّةُ بنيك

стр. 760

بينهم، فقال اللَّه له -ويداه مقبوضتان- اخْتَرْ أَيَّهُما شِئْتَ؛ قال: اخْترتُ يمين ربّي -وكلتا يدي ربي يمين مباركة- ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريّتُه، فقال: أيْ ربّ ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذُريّتُك، فإذا كلُّ إنسان مكتوب عمره بين عينيه، فإذا فيهم رَجلٌ أضوؤهم أو من أضوئهم. قال: يا ربّ من هذا؟ قال: هذا ابنُك داودُ، قد كتب له عُمْرَ أربعين سنةً. قال: يا ربّ زدْه في عمره، قال: ذاك الذي كتبُ له. قال: أيْ ربِّ فإنّي قد جعلتُ له من عُمْري ستين سنةً. قال: أنت وذاك. قال: ثُم أُسْكن الجنّةَ ما شاء اللَّه ثم أُهْبِط منها، فكان آدمُ يَعُدُّ لنفسه. قال: فأتاه ملك الموت، فقال له آدم: قد عَجَّلْتَ، قد كُتِب لي ألْفُ سنةٍ. قال: بلى ولكنّك جعلتَ لابنِك داود ستين سنة. فجَحَدَ فجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُه، ونَسِي فَنَسِيَتْ ذُرِيَّتُه. قال: فَمِنْ يومئذٍ أُمِرَ بالكتاب والشّهود". حسن: رواه الترمذيّ (٣٣٦٨) عن محمد بن بشّار، حدّثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا الحارث ابن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكره. وصحّحه ابن خزيمة، وأخرجه في كتاب التوحيد (١٠٧) من هذا الوجه - وعنه ابن حبان في صحيحه (٦١٦٧). وأخرجه الحاكم (١/ ٦٤) من وجه آخر عن صفوان بن عيسى. وقال: "صحيح على شرط مسلم، فقد احتجّ بالحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وقد رواه عنه غير صفوان، وإنّما خرّجته من حديث صفوان لأنّي علوتُ فيه". وقال الترمذيّ: "حسن غريب من هذا الوجه". قلت: إسناده حسن من أجل كلام يسير في الحارث بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن سعد بن أبي ذباب، غير أنّه حسن الحديث، وقد توبع. فقد رواه ابنُ أبي عاصم في السنة (٢٠٤) من هذا الوجه، ومن وجه آخر (٢٠٥) ولم يسق لفظه كاملًا، ولكن فيه مبارك بن فضالة "صدوق يدلِّس ويسوِّي". كما في التقريب، وقد ضعّفه النسائيّ وغيره، إلا أنه لا بأس به في المتابعات، وساق له الحاكم إسنادًا آخر قائلًا: "وله شاهد صحيح، قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن علي الفقيه الشّاشيّ في آخرين، قالوا: ثنا أبو بكر عروية، ثنا مخلد ابن مالك، ثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن الشّعبيّ، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، نحوه". انتهى. وذكر هذا الحديث الدارقطني في العلل (١٤٦٧) من طرق عن أبي هريرة وجعله محفوظًا عنه، إلا أن النسائي رجح رواية محمد بن عجلان عن سعيد، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن سلام موقوفًا

стр. 761

عليه. (السنن الكبرى (٩٩٧٦)). وقد رُوي عن ابن عباس، أنه قال: لما نزلت آيةُ الدَّيْن. قال رسولُ اللَّه ﷺ : إنّ أوّل مَنْ جَحَدَ آدمُ ﵇ -أو: أوّل مَنْ جَحَد آدمُ- إنّ اللَّه لما خلق آدمَ، مسح ظهرَه، فأخرجَ منه ما هو ذارئٌ إلى يوم القيامة، فجعل يَعْرِضُ ذُرِّيَته عليه، فرأى فيهم رجلًا يَزْهر، فقال: أيْ ربِّ، مَنْ هذا؟ قال: هذا ابنُك داودُ. قال: أيْ ربِّ، كم عُمرُه؟ قال: ستّون عامًا، قال: ربِّ زدْ في عمره. قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألفَ عامٍ، فزاده أربعين عامًا، فكتب اللَّه عليه بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة، فلما احتُضِر آدمُ، وأتته الملائكةُ لِتقبضه، قال: إنّه قد بقي من عمري أربعون عاما. فقيل: إنّك قد وهبتَها لابنك داود. قال: ما فعلتُ. وأبرز اللَّه عليه الكتاب، وشهدتْ عليه الملائكةُ". رواه الإمام أحمد (٢٢٧٠، ٢٧١٣)، وأبو يعلى (٢٧١٠)، والطّبرانيّ في الكبير (١٢٩٢٨) كلّهم من طريق حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف، عن ابن عباس، فذكره. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في "السنة" (٢٠٤) مختصرًا جدًّا، وإسناده ضعيف من أجل علي بن زيد وهو ابن عبد اللَّه بن زهير بن عبد اللَّه بن جدعان التيمي البصريّ، وأهل العلم مطبقون على تضعيفه إلّا الترمذيّ فإنّه قال: "صدوق". ورواية إعطاء آدم ﵇ أربعين سنة من عمره لداود ﵇ أرجح على رواية إعطائه إياه ستين سنة، فإن رواية الأربعين جاءت من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا، وقد قال الإمام أبوداود: "هشام بن سعد أثبت النّاس في زيد بن أسلم"، والإمام الترمذيّ لما أخرج رواية إعطاء آدم ﵇ أربعين سنة من عمره لداود ﵇ قال: "هذا حديث حسن صحيح" ولما أخرج رواية إعطائه ستين سنة قال عقبه: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" انظر: تحفة الأحوذي (٨/ ٣٦٥). ٢٩ - باب أن اللَّه يصرف القلوب كيف يشاء • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: إنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ قلوب بني آدم كلَّها بين أصبعين من أصابع الرّحمن كقلب واحد، يصرِّفه حيث يشاء". ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهمّ مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك". صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٤) من طرق عن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، حدّثنا حيوة، أخبرني أبو هاني، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبليّ، أنه سمع عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكره. وبقية الأحاديث بهذا المعنى انظرها في كتاب الأذكار والأدعية.

стр. 762

٣٠ - باب كلّ شيء بقدر • عن طاوس أنه قال: أدركتُ ناسًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يقولون: كلّ شيء بقدر. قال: وسمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "كلّ شيء بقدر، حتّى العجز والكَيْس، أو الكَيْس والعجز". صحيح: رواه مالك في القدر (٤) عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس اليمانيّ، قال (فذكره). ورواه مسلم في القدر (٢٦٥٥) عن عبد الأعلى بن حمّاد، قال: قرأتُ على مالك بن أنس، فذكر مثله. والكيّس: ضد العجز وهو النّشاط والحذق بالأمور. ومعناه: أنّ العاجز قدر عجزه، والكيس قدر كيسه. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تسأل المرأةُ طلاق أختها لتستفرغ صحْفتها، ولتنكح، فإنّما لها ما قُدر لها". صحيح: رواه مالك في القدر (٧) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاريّ في القدر (٦٦٠١) عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بإسناده، مثله. قال ابن عبد البر: وهذا الحديث من أحسن أحاديث القدر عند أهل العلم؛ لما دلّ عليه من أنّ الزّوجَ لو أجابها، وطلَّق من تظنُّ أنّها تزاحمُها في رزقها، فإنّه لا يحصل لها من ذلك إلّا ما كتب اللَّه لها سواء أجابها أو لم يجبْها، وهو كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [سورة التوبة: ٥١] ". • عن أبي هريرة، قال: جاء مشركوقريش يخاصمون رسول اللَّه ﷺ في القدر. فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر: ٤٨ - ٤٩]. صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٩) من طرق عن وكيع، عن سفيان، عن زياد بن إسماعيل، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي، عن أبي هريرة، فذكره. والقَدَر: بتحريك الدال هو المقدور. • عن أبي بردة، قال: أتيتُ عائشة، فقلت: يا أمّتاه، حدِّثيني شيئًا سمعتيه من رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الطّير تجري بقدر". وكان يعجبُه الفأل الحسن. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٥٩٧٢)، والبزّار - كشف الأستار (٢١٦١) كلاهما من حديث

стр. 763

حسان بن إبراهيم، قال: حدّثنا سعيد بن مسروق، عن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبي بردة، فذكره. قال البزّار: "لا نعلم رواه إلَّا عائشة، ولا له إلّا هذا الإسناد". وصحّحه ابنُ حبان (٥٨٢٤)، والحاكم (١/ ٣٢) وقال: "قد احتجّ الشّيخان برواة هذا الحديث عن آخرهم غير يوسف بن أبي بردة، والذي عندي أنّهما لم يهملاه بجرح ولا بضعف، بل لقلّة حديثه، فإنّه عزيز الحديث جدًّا". قلت: وهو كما قال؛ فإنّ يوسف هذا روى له اثنان، وذكره ابنُ حبان في "الثقات" (٧/ ٦٣٨)، ووثّقه العجليّ، وصحّح حديثه ابنُ خزيمة، وقال الذّهبي في "الكاشف": "ثقة". فمن المحتمل أن يكون حسن الحديث. وأمّا قول البزّار: "ولا له إلّا هذا الإسناد". فهو متعقّب؛ لأنّ الطّحاويّ رواه في "مشكله" (٢/ ٣٤٢) بإسناد آخر عن الرّبيع بن سليمان الأزديّ، ثنا يحيى بن مسلمة بن قعنب، ثنا حسان بن إبراهيم، عن سعد بن إبراهيم، عن سفيان الثوريّ، عن أبي بردة، قال: "سئلت عائشة: ما كان رسول اللَّه ﷺ يقول في القدر؟ فقالت: كان يقول: "كلّ شيء بقدر". وكان يعجبه الفأل". وهذا رجال إسناده ثقات غير يحيى بن مسلمة، فقال فيه العقيليّ (٢٠٦٠): "لا يتابع على حديثه، وقد حدَّث بمناكير". قلت: وليس الأمر كما قال، فقد تُوبع يحيى بن مسلمة في الإسناد الأوّل. تنبيه: إسناد الطّحاويّ اختلف تمامًا في النّسخة المحقّقة (٥/ ١٠١) والأمر يحتاج إلى التأكّد. ٣١ - باب ما قدر اللَّه على ابن آدم حظَّه من الزِّنا • عن ابن عباس، قال: ما رأيتُ شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبيّ ﷺ : "إنّ اللَّه كتب على ابن آدم حظّه من الزِّنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النّظر، وزنا اللّسان المنطق، والنّفس تمنّى وتشتهي، والفرْج يصدِّق ذلك أو يكذّبه". وفي رواية: "كُتب على ابنِ آدم نصيبُه من الزِّنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النّظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللّسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرّجل زناها الْخُطَا، والقلب يَهْوى ويتمنَّى، ويصدّق ذلك الفرْجُ ويكذّبه". متفق عليه: رواه البخاريّ في القدر (٦٦١٢)، ومسلم في القدر (٢٦٥٧) كلاهما من حديث عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عباس، فذكره. والرواية الثانية عند مسلم من وجه آخر عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة،

стр. 764

فذكره مرفوعًا. قوله: "ما رأيت شيئًا أشبه باللَّمم" معناه تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [سورة النجم: ٣٢]، ومعنى الآية واللَّه أعلم: الذين يجتنبون المعاصي غير اللّمم يغفر لهم اللّمم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة النساء: ٣١] فمعنى الآيتين: أنّ اجتناب الكبائر يسقط الضّغائر وهي اللّمم. وفسّره ابنُ عباس بما في هذا الحديث من النّظر، واللّمس ونحوهما، وهو كما قال، وهذا هو الصّحيح في تفسير اللّمم. أفاده النّوويّ ﵀. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "العينان تزنيان، واللّسان يزني، واليدان تزنيان، والرِّجلان تزنيان، ويحقِّقُ ذلك الفرْجُ أو يُكذِّبه". صحيح: رواه البغويّ في شرح السنة (٧٦) عن أبي عبد اللَّه الحرقي، نا أبو الحسن الطّيْفوني، أنا عبد اللَّه بن عمر الجوهريّ، نا أحمد بن علي الكشميهني، نا علي بن حُجْر، نا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. قال البغويّ: "هذا حديث صحيح. والعلاء: هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي مولى الحرقة، ورقة من جُهينة، يقال: مات العلاء سنة ثنتين وثلاثين ومائة". انتهى • عن ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ ، قال: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرِّجْلان تزنيان، والفرْجُ يزني". حسن: رواه الإمام أحمد (٣٩١٢)، وأبو يعلى (٥٣٦٤)، والبزّار -كشف الأستار (١٥٥٠) - كلّهم من طريق همّام بن يحيى العوذيّ، حدّثنا عاصم بن بهدلة، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة فإنه حسن الحديث. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ٢٥٦) وقال: "رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزّار، والطّبراني، وإسنادهما جيِّد". وفي الباب عن أنس في حديث طويل رواه أبو داود (٤٩٠٤) عن أحمد بن صالح، حدّثنا عبد اللَّه بن وهب، حدّثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي عمياء، أنّ سهل بن أبي أمامة، حدّثه أنّه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فذكر القصّة وفيها: "والعين تزني، والكفّ والقدم واليد واللسان والفرْج يصدِّق ذلك أو يكذّبه". ورواه أبو يعلى (٣٦٩٤) من طريق عبد اللَّه بن وهب به، وفيه بعض الزّيادات. وفي الإسناد سعيد بن عبد الرحمن بن أبي عمياء روى عنه اثنان، ولم يوثقه إلّا ابن حبان، ولذا قال الحافظ في "التقريب": "مقبول" أي عند المتابعة، وإلّا فلين الحديث. ولم أجد له متابعًا.

стр. 765

واعتمد الحافظ الهيثمي على توثيق ابن حبان له فقال في "المجمع" (٦/ ٢٥٦): "رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصّحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي عمياء وهو ثقة". ولم يُشر كعادته إلى رواية أبي داود وإلّا فليس على شرطه. ثم إنّ لفظ الحديث ليس بمرفوع، إلّا أن يقال: إنّه في حكم الرّفع؛ لأنّ مثل هذا لا يقال بالرّأي. ٣٢ - باب قول اللَّه : "خلقتُ عبادي حنفاء " • عن عياض بن حمار، عن النّبيّ ﷺ فيما يرويه عن ربِّه ﵎ أنه قال: "خلقتُ عبادي حتفاء كلّهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزل به سلطانًا". صحيح: رواه مسلم في كتاب التوبة (٢٨٦٥) من طرق عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن مطرِّف بن عبد اللَّه بن الشخّير، عن عياض بن حمار المجاشعيّ، فذكره في حديث طويل، سيأتي في موضعه. ٣٣ - باب أن كلّ مولود يولد على الفطرة • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تُنتجون البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟ ". قالوا: يا رسول اللَّه، أفرأيتَ من يموت وهو صغير؟ قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". متفق عليه: رواه البخاريّ في القدر (٦٥٩٩)، ومسلم في القدر (٢٦٥٨: ٢٤) كلاهما من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همّام بن مُنبِّه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ ، فذكر أحاديث، منها هذا. ومعنى الحديث كما قال حماد بن سلمة: "هذا عندنا حيث أخذ اللَّه عليهم العهد في أصلاب آبائهم حيث قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢] ". أخرجه أبو داود (٤٧١٦) بإسناده عنه، وحسَّن هذا المعنى الخطّابي فقال: "معنى قول حمّاد في هذا حسن، وكأنه ذهب إلى أنه لا عبرة للإيمان الفطري في أحكام الدّنيا، وإنّما يعتبر الشّرعي المكتسب بالإرادة والفعل، ألا ترى أنه يقول: "فأبواه يهودانه وينصّرانه" فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافِرَيْن". انتهى. انظر القضاء والقدر للبيهقيّ (٣/ ٨٧١). • عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه، كما تُنتج البهيمةُ ببهيمة جمعاء، هل تُحسُّون فيها من

стр. 766

جدعاء؟ ". ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة الروم: ٣٠] ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٥٩)، ومسلم في القدر (٢٦٥٨) كلاهما من حديث يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أنّ أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، أنّ أبا هريرة، قال (فذكره). ورواه مالك في الجنائز (٥٣) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر مثله، ولم يذكر قول أبي هريرة وهو: "واقرؤا إن شئتم. . . ". ولكن زاد فيه: "قالوا: يا رسول اللَّه: أرأيتَ الذي يموت وهو صغير؟ قال: اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". وهذه الزّيادة ليست في رواية ابن شهاب، وقد روى هذا الحديث عبد اللَّه بن الفضل الهاشميّ شيخ مالك، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصّرانه، ويمجسانه كالبهيمة تُنتج البهيمة، هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها". إلى هنا انتهى حديثه، ولم يذكر ما في حديث مالك قوله: "أرأيت يموت وهو صغير" إلى آخر الحديث. هكذا رواية ابن شهاب لهذا الحديث ليس فيها قوله: "أرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". انتهى بما في التمهيد (١٨/ ٥٨ - ٥٩). قلت: قوله ﷺ : "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". وهو في حديث الزّهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، كما سبق. ولكن لا يبعد أن يكون أبو هريرة ذكر هذا في الحديثين كما في الحديث الآتي. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه". فقال رجل: يا رسول اللَّه، أرأيتَ لو مات قبل ذلك؟ قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٨: ٢٣) عن زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه من وجه آخر عن ابن نمير، وأبي معاوية - كلاهما عن الأعمش بهذا الإسناد. إلّا أنّ في حديث ابن نمير: "ما من مولود يولد إلّا وهو على الملّة". وفي حديث أبي معاوية: "إلّا على هذه الملة حتى يُبَيّن عنه لسانه". وفي رواية عنه: "حتّى يعبّر عنه لسانه". • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "كلّ إنسان تلده أمُّه على الفطرة، وأبواه بعدُ يهوِّدانه، وينصّرانه، ويمجِّسانه، فإن كانا مسلمَيْنِ فمسلم، كلّ إنسان تلده

стр. 767

أمُّه يلكزه الشّيطان في حِضْنَيْه إلّا مريم وابنَها". صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٨: ٢٥) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد العزيز (يعني الدّراورديّ)، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وقوله: "حِضْنَيْه" تثنية حِضن وهو الجنب، وقيل: الخاصرة. وأمّا ما رُوي عن الأسود بن سريع: "أنّ رسول اللَّه ﷺ بعث سريّة يوم حنين فقاتلوا المشركين، فأفضى بهم القتلُ إلى الذّريّة، فلما جاءوا قال رسول اللَّه ﷺ : "ما حملكم على قتل الذريّة"؟ قالوا: يا رسول اللَّه، إنّما كانوا أولاد المشركين. قال: "أَوَ هَلْ خياركم إلّا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمّد بيده ما من نسمة تُولد إلّا على الفطرة، حتى يُعرب عنها لسانُها". فهو منقطع. رواه الإمام أحمد (١٥٥٨٨)، والطبرانيّ في الكبير (٨٢٦، ٨٢٨)، وفي الأوسط (٢٠٠٥)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٣/ ٨٦٣) كلّهم من طرق عن الحسن، عن الأسود بن سريع، فذكره. والحسن هو ابن أبي الحسن البصريّ الإمام المشهور، إلّا أنّه كان يدلِّس، وقد أكَّد أهلُ العلم أنه لم يسمع من الأسود بن سريع. قال علي بن المديني: "لم يسمع من الأسود بن سريع؛ لأنّ الأسود بن سريع خرج من البصرة أيام علي ﵁، وكان الحسن بالمدينة". انظر: تحفة التحصيل (ص ٧١). وقال أبو عبيد الآجريّ: سألت أبا داود: الحسن سمع من الأسود بن سريع؟ قال: "لا، قال: الأسود بن سريع لما وقعت الفتنة بالبصرة ركب البحر، فلا يدري خبره. قال أبو داود: ما أرى الحسن سمع من الأسود بن سريع. سؤالات الآجري (٧٢٧). وأمّا ما جاء التّصريح بالتحديث من الحسن في بعض الرّوايات، منها ما ذكره البخاريّ في "التاريخ الكبير" (١/ ٤٤٥)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ١٢٣)، والبيهقيّ في "القضاء والقدر" (٣/ ٨٦٧) فهو مؤوّل على معناه حدّث أهل البصرة، كقوله: "خطبنا ابن عباس". وهو لم يدركه، فتأولوا: أي خطب أهل البصرة؛ لأنّ الحسن لم يعرف عنه التّعمد في الكذب، وقد أكّد أيضًا البيهقيّ بأنّ الحفّاظ لا يُثْبِتون سماع الحسن من الأسود بن سريع. وكذلك ما رُوي عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كلُّ مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب عنه لسانُه، فإذا أعربَ عنه لسانه إمّا شاكرًا وإمّا كفورًا". رواه الإمام أحمد (١٤٨٠٥) عن هاشم، حدثّنا أبو جعفر، عن الرّبيع بن أنس، عن الحسن، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. وأبو جعفر هو الرّازيّ المشهور بكنيته، واسمه عيسى بن أبي عيسى مختلف فيه، فوثّقه ابن معين وأبو حاتم وابن سعد، وقال أحمد: ليس بقوي، وقال النسائيّ: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير، لا يُعجبني الاحتجاج بحديثه إلّا فيما وافق الثقات".

стр. 768

وفي الإسناد أيضًا الحسن وهو البصّري مدلِّس وقد عنعن. وأورده الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢١٨) وقال: "رواه أحمد، وفيه أبو جعفر الرّازيّ وهو ثقة، وفيه خلاف، وبقية رجاله ثقات". ٣٤ - باب أنّ ذراري المشركين في حكم آبائهم في الدّنيا • عن الصّعب بن جثَّامة قال: مَرَّ بي النبيُّ ﷺ بالأبواء أو بودَّان، وسُئل عن أهل الدّار يُبيِّتون من المشركين، فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ قال: "هم منهم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٣٠١٢)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٤٥) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن الزّهريّ، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن الصّعب بن جثّامة، فذكره. ورواه مسلم من حديث عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، بإسناده وفيه: "هم من آبائهم". فهذا يدلُّ على أنّ حكمهم في البيات حكم آبائهم، وأمّا في الآخرة فيرجع أمرهم إلى قوله: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". انظر: البيهقي: القضاء والقدر (٣/ ٨٧٩). ٣٥ - باب سئل النبيّ ﷺ عن ذراري المشركين في الآخرة فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين ". • عن أبي هريرة، قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن ذراري المشركين، فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". وفي رواية: "من يموت منهم صغيرًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في القدر (٦٥٩٨)، ومسلم في القدر (٢٦٥٩) كلاهما من حديث ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، فذكره. والرواية الثانية عند مسلم من طريق سفيان، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن أطفال المشركين من يموت منهم صغيرًا؟ فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". • عن ابن عباس، قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". وفي رواية: "اللَّه إذْ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين". متفق عليه: رواه البخاريّ في القدر (٦٥٩٧)، ومسلم في القدر (٢٦٦٠) كلاهما من حديث أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.

стр. 769

والرّواية الثانية عند البخاريّ أيضًا (١٣٨٣). وفي قوله: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". أي إن اللَّه علم ما كان، ويعلم ما يكون، وما لا يكون. • عن ابن عباس، قال: أتي عليَّ زمانٌ، وأنا أقول: أولاد المسلمين مع المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين، حتّى حدّثني فلانٌ، عن فلان، أنّ رسول اللَّه ﷺ سئل عنهم فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". قال: فلقيت الرّجل، فأخبرني فأمْسَكتُ عن قولي. صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٠٦٩٧، ٢٣٤٨٤) من وجهين عن عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابنُ أبي عاصم في "السنة" (٢١٤). • عن ابن عباس، قال: كان رسول اللَّه ﷺ في بعض مغازيه فسأله رجل، فقال: يا رسول اللَّه، ما تقول في اللاهين؟ فسكت فلم يردّ عليه، فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوه -أو عدوه- وظهر عليهم طاف، فإذا هو بصبي قد سقط من محفّة، فإذا هو يبحث في الأرض، فأمر مناديًا: أين السّائل عن اللاهين؟ فجاء الرّجلُ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فنهى رسول اللَّه ﷺ عن قتل الأولاد، فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". حسن: رواه الفريابي في القدر (١٧٧)، والبزّار -كشف الأستار (٢١٧٣) - كلاهما عن أبي كامل الجحدريّ، حدّثنا أبو عوانة، عن هلال بن خبّاب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. ورواه الطّبرانيّ في الكبير (١١/ ٣٣٠) من طريق أبي عوانة، به، مثله. قال البزّار: "لا نعلمه عن ابن عباس إلّا من هذا الوجه، ولا حدّث به عن هلال إلّا أبو عوانة". قلت: إسناده حسن من أجل هلال بن خبّاب فإنّه حسن الحديث، وقد وثّقه الإمام أحمد، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وتكلّم فيه ابنُ حبان بلا حجّة. ولذا قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢١٨): "رواه البزّار، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وفيه هلال بن خبّاب، وهو ثقة، وفيه خلاف، وبقية رجاله ثقات". وقوله: "اللاهين" قيل: هم البله الغافلون، وقيل: الذين لم يتعمّدوا الذّنوب، وإنّما فرط منهم سهوًا ونسيانًا، وقيل: هم الأطفال الذين لم يقترفوا ذنبًا. انظر: النهاية (٤/ ١٢٨٣). • عن عائشة، قالت: قلتُ: يا رسول اللَّه، ذراري المؤمنين؟ فقال: "هم من آبائهم. فقلت: يا رسول اللَّه، بلا عمل؟ ! قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". قلت: يا رسول اللَّه، فذراري المشركين؟ قال: "من آبائهم". قلت: بلا عمل؟ !

стр. 770

قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". صحيح: رواه أبو داود (٤٧١٢) عن عبد الوهاب بن نجدة، حدّثنا بقية ح. وحدّثنا موسى بن مروان الرّقيّ وكثير بن عبيد المذحجي، قالا: حدّثنا محمد بن حرب -المعنى- عن محمد بن زياد، عن عبد اللَّه بن أبي قيس، عن عائشة، فذكرته. وإسناده صحيح. ومحمد بن حرب هو الخولانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة، من رجال الجماعة. وأمّا ما رُوي عن علي بن أبي طالب، قال: سألتْ خديجةُ النَّبيَّ ﷺ عن ولَدين ماتا لها في الجاهليّة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هما في النّار". قال: فلمّا رأى الكراهيّة في وجهها قال: "لو رأيتِ مكانهما لأبغضتهما": قالتْ: يا رسول اللَّه، فولدي منك؟ قال: "في الجنّة". قال: ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ المؤمنين أولادهم في الجنّة، وإنّ المشركين أولادهم في النّاره. ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [سورة الطور: ٢١] ". فهو ضعيف. رواه عبد اللَّه في مسند أبيه (١١٣١) عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا محمد بن فُضيل، عن محمد ابن عثمان، عن زاذان، عن علي بن أبي طالب، فذكره. وفيه محمد بن عثمان مجهول. قال الذّهبيّ في "الميزان" (٣/ ٦٤٢): "لا يدري من هو؟ فتشتُ عنه في أماكن، وله خبر منكر". ثم ساق هذا الحديث عن عبد اللَّه بن أحمد بهذا الإسناد. ومن هذا الوجه أخرجه ابنُ أبي عاصم في "السنة" (٢١٣)، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢١٧). والنكارة في هذا الحديث قوله بأن أولاد المشركين في النّار لمخالفته لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: ١٥]، فإذا كان اللَّه لا يعذِّبُ العاقل لكونه لم تبلغه الدّعوة فلأن لا يعذِّب غير العاقل من الأولاد من باب أولى، ولمخالفته أيضًا العديد من الأحاديث الدّالة على أنّ أولاد المشركين في الجنّة فضلًا من اللَّه ورحمة. من إفادات الشيخ الألبانيّ رحمه اللَّه تعالى في تعليقه على "السنة" لابن أبي عاصم (١/ ٩٥). وأمّا ما رُوي بأنّ أطفال المشركين خدم أهل الجنّة فلم يثبت بسند يعتمد عليه، وقد رُوي من حديث أنس بن مالك، وفي إسناده مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أنس. ومن طريقه رواه البزّار - كشف الأستار (٢١٧٠، ٢١٧١) مرفوعًا وموقوفًا. ومبارك بن فضالة، وعلي بن زيد وهو ابن جدعان كلاهما ضعيفان. ورواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرَّقاشيّ، وهو ضعيف. ورُوي أيضًا من حديث سمرة بن جندب، وفيه عباد بن منصور، ضعيف. رواه البزّار -كشف الأستار (٢١٧٢) -. قال البزّار: "ولا نعلم روى هذا الحديث عن النّبيّ ﷺ إلا سمرة، ولا عنه إلّا أبو رجاء".

стр. 771

قلت: كذا قال! وقد أخرجه أيضًا عن أنس، كما سبق، ولكن كلّه ضعيف. ٣٦ - باب ما جاء أنّ أولاد المسلمين في الجنّة قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الطّور: ٢١]. • عن أبي حسّان، قال: قلت لأبي هريرة: إنّه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول اللَّه ﷺ بحديث تُطَيِّبُ أنفسنا عن موتانا؟ قال: قال: نعم: "صغارهم دَعاميص الجنّة، يتلقَّى أحدُهم أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بثوبه -أو قال: بيده- كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا يتناهى -أو قال: فلا ينتهي- حتّى يدخله اللَّه وأباه الجنّة". صحيح: رواه مسلم في البر والصّلة (٢٦٣٥) من طرف عن المعتمر، عن أبيه، عن أبي السليل، عن أبي حسان، فذكره. وقوله: "دعاميص". جمع دُعموص -وهو من صغار أهلها- أصل الدّعموص دُويبة تكون في الماء لا تفارقه، أي أن هذا الصغير في الجنّة لا يفارقها. وقوله: "صنفة ثوبك". أي طرف ثوبك، ويقال: صَنيفة. • عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "ذراري المسلمين في الجنّة يكفلهم إبراهيم". وفي رواية: "أولاد المسلمين في جبل في الجنّة يكفلهم إبراهيم ﵇ وسارة، فإذا كان يوم القيامة دُفعوا إلى آبائهم". حسن: رواه الإمام أحمد (٨٣٢٤) عن موسى بن داود، حدّثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء ابن قرّة، عن عبد اللَّه بن ضَمْرة، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ فيما أعلم -شكّ موسى- قال (فذكر الحديث). وإسناده حسن من أجل الخلاف في عبد الرحمن بن ثابت وهو ابن ثوبان العنسيّ ضعّفه النسائيّ، وقال ابن معين: لين، ووثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما. وقد صحّحه ابنُ حبان (٧٤٤٦)، والحاكم (٢/ ٣٧٠)، وروياه من هذا الوجه. والرواية الثانية أخرجها البيهقيّ في القضاء والقدر (٣/ ٨٩٨) بإسناد آخر صحيح عن أبي هريرة، وأشار البيهقيّ بأنه رُوي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا، فلعلّه أشار إلى الإسناد الأوّل. وللحديث أسانيد أخرى، وهذه أصحّها.

стр. 772

٣٧ - باب أنّ أولاد المسلمين والمشركين في الجنّة • عن سمرة بن جندب، قال: كان النبيّ ﷺ مما يُكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ ". ثم إنّه قال ذات غداةٍ: (فذكر الرّؤيا) وفيه: "وأمّا الرّجل الطّويل الذي في الرّوضة فإنّه إبراهيم ﵇، وأما الوِلْدان الذين حوله فكلُّ مولود مات على الفطرة". قال: فقال بعضُ المسلمين: يا رسول اللَّه، وأولاد المشركين؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "وأولاد المشركين". متفق عليه: رواه البخاريّ في التعيير (٧٠٤٧) مطوّلًا، ومسلم في الرؤيا (٢٢٧٥) مختصرًا، كلاهما من حديث أبي رجاء العُطارديّ، عن سمرة بن جندب، فذكر الحديث بطوله، وسيأتي في موضعه. ورؤيا الأنبياء حقّ؛ ولذا ذهب جمهور المحققين إلى أنّ أولاد المؤمنين والمشركين في الجنّة، ولعلّ هذا آخر الأمرين. وأمّا ما رُوي عن عائشة أنّها ذكرت لرسول اللَّه ﷺ أطفال المشركين فقال: "إن شئتُ أسمعتُكِ تَضاغِيهم في النّار" فهو ضعيف جدًّا. رواه الإمام أحمد (٢٥٧٤٣) عن وكيع، عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل، عن بُهَيَّة، عن عائشة، فذكرته. وإسناده ضعيف جدًّا، فإنّ أبا عقيل يحيى بن المتوكّل متروك. قال الإمام أحمد: "يحيى بن المتوكل يروي عن بُهيَّة أحاديث منكرة، وهو واهي الحديث". ورواه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٦٦٤) وقال: "هذه الأحاديث لأبي عقيل، عن بُهيّة، عن عائشة غير محفوظة، ولا يروي عن بُهيَّة غير أبي عقيل هذا". وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢١٧). وبُهيّة أيضًا مجهولة، انفرد بالرّواية عنها أبو عقيل. وقوله: "تضاغيهم". من ضغا إذا صاح. وكذلك لا يصح ما رُوي عن سلمة بن يزيد الجعفي، قال: انطلقتُ أنا وأخي إلى رسول اللَّه ﷺ ، قال: قلنا: يا رسول اللَّه، إنّ أمَّنا مُليكة كانت تصل الرّحم، وتَقْري الضّيف، وتفعل وتفعل، وهلكتْ في الجاهليّة، فهل ذلك نافعُها شيئًا؟ قال: "لا". قال: قلنا: فإنّها كانت وَأَدَتْ أُختًا لنا في الجاهليّة، فهل ذلك نافعُها شيئًا؟ قال: "الوائِدةُ والموؤودة في النّار، إلَّا أن تدرك الوائدةُ الإسلام فيعفو اللَّهُ عنها". وفي رواية: فإنّها وَأَدَتْ أُخْتًا لنا في الجاهليّة، فهل ينفع ذلك أختنا؟ . قال: "لا، الوائدةُ والموؤودة في النّار، إلّا أن ندرك الوائدةُ الإسلامَ فتسلم". فلما رأى ما دخل عليهما، قال: "وأمّي مع أمِّكما" رواه الإمام أحمد (١٥٩٢٣)، والطّبراني في الكبير (٦٣١٩)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٣/

стр. 773

٨٨٤) كلّهم من طريق داود بن أبي هند، عن الشّعبيّ، عن علقمة بن قيس، عن سلمة بن يزيد، فذكره. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (١/ ١١٩) وقال: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح، والطّبرانيّ في الكبير بنحوه". قلت: وهو كما قال، إلّا أنّ في متنه نكارة، فإنّ الموؤدة -وهي البنت التي تُدفن حيّة- تكون غير بالغة بأيّ ذنب تدخل النّار؟ ! وقد قبَّح اللَّه هذا العمل الشّنيع، فقال: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [سورة التكوير: ٨ - ٩]. فإذا كانت الموؤدة قتلت بدون ذنب فكيف تدخل النّار؟ ! . وقد استدلّ ابنُ عباس بهذه الآية الكريمة بأنّ اطفال المشركين في الجنّة، فقال: "من زعم أنّهم في النّار فقد كذب، يقول اللَّه : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ قال ابن عباس: هي المدفونة". أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره. ويشهد لذلك حديث حسناء بنت معاوية الصريمية قالت: حدّثنا عمّي، قال: قلت للنّبيّ ﷺ : "من في الجنّة؟ ". قال: "النبيُّ في الجنّة، والشّهيد في الجنّة، والمولودة في الجنّة، والموؤدة في الجنّة". رواه أبو داود (٢٥٢١) عن مسدّد، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا عوف، حدّثتنا حسناء بنت معاوية بن سُليم، فذكرته. وعرف هو الأعرابيّ ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٠٥٨٣) إلّا أنّ حسناء، ويقال: خنساء مجهولة؛ لأنها لم يرو عنها سوى عوف الأعرابيّ، ولم يوثقها أحد. وعمَّها اسمه أسلم بن سُليم. قال الحافظ في الإصابة (١/ ٣٩) في ترجمة أسلم بن سليم الصريمي هو: "عمّ خنساء بنت معاوية بن سُليم، سمّاه ابنُ منده، وقال أبو نعيم: لا يصح ذلك - يعني وإنما يروي عن خنساء، عن عمّها غير مسمّى". انتهى. قلت: حسناء أو خنساء وإن كانت مجهولة، وقال الحافظ في التقريب: "مقبولة". وحسَّن إسنادها في الفتح (٣/ ٢٤٦) إلّا أنّ الحديث له شواهد صحيحة تذكر في مواضعها. وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن مسعود مرفوعًا: "الوائدة والموؤدة في النّار". رواه أبو داود (٤٧١٧) عن إبراهيم بن موسى الرّازيّ، حدّثنا ابن أبي زائدة، حدثني أبي، عن عامر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ (فذكر الحديث). قال يحيى بن زكريا: قال أبي: فحدّثني أبو إسحاق، أنّ عامرًا حدّثه بذلك عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ . وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد اللَّه السّبيعيّ كان قد اختلط بآخره، وابن أبي زائدة سمع منه بعد الاختلاط، والمتن فيه نكارة، فإنّ الموؤدة لا يقطع لها بالنّار؛ لأنّه لا تكليف قبل البلوغ.

стр. 774

٣٨ - باب الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة باللَّه وتفويض المقادير للَّه • وعن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحبّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف. وفي كلّ خير، احْرِصْ على ما ينفعك واستعنْ باللَّه ولا تعجزْ، وإنْ أصابك شيء فلا تقلْ: لو أنّي فعلتُ كان كذا وكذا. ولكن قل: قدرُ اللَّهِ، وما شاء فعل، فإنَّ لَوْ تفتحُ عمل الشّيطان". صحيح: رواه مسلم في القدر (٦٦٤٤) من طرق عن عبد اللَّه بن إدريس، عن ربيعة بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ٣٩ - باب إذا قُدِّر للعبد منزلة ولم يبلغها بعمله ابتلاه اللَّه حتى يبلغه إياها • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الرجل لتكون له عند اللَّه المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال اللَّه يبتليه بما يكره حتَّى يُبلِّغه إيِّاها". حسن: رواه أبو يعلى (٦٠٦٩) عن أبي كريب، حدَّثنا يونس بن بكير، حدَّثنا يحيى بن أيوب، حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا أبو هريرة، فذكر مثله. وأورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٩٢) وقال: "رواه أبو يعلى وفي رواية له: "يكون له عند اللَّه المنزلة الرفيعة". ورجاله ثقات". قلت: وهو كما قال، فقد رواه ابن حبان في "الصحيح" (٢٩٠٨) عن محمد بن العلاء بن كريب (وهو أبو كريب الكوفي المشهور بكنيته)، والحاكم (١/ ٣٤٤) من طريق أحمد بن عبد الجبار - كلاهما عن يونس بن بكير بإسناده مثله. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ولكن ردَّه الذهبي فقال: "يحيى وأحمد ضعيفان، وليس يونس بحجَّة". قلت: يحيى هذا هو ابن أيوب بن أبي زرعة البجلي، وثّقه أبو داود، والبزار، وقال ابن معين: "ليس به بأس". فمثله يحسن حديثه، ولا يُضعَّف، وإن كان ابن معين قد ضعّفه في رواية عنه؛ ولذا قال فيه الحافظ: "لا بأس به". وأحمد بن عبد الجبار (وهو العُطاردي) وإن كان ضعيفًا؛ فقد قال فيه الدارقطني: "لا بأس به". على أنّه لم ينفرد كما رأيت. وأمّا يونس بن بكير (وهو الشيباني) فهو وإن لم يكن حجَّة، فإنّه لا ينزل عن مرتبة "صدوق"؛ وقد قال الذهبي نفسه في "الميزان" في ترجمته: "أحد أئمَّة الأثر والسير". ثمَّ قال: وقد أخرج مسلم ليونس في الشواهد، لا في الأصول، وكذلك ذكره البخاري مستشهدًا به، وهو حسن الحديث". انظر بقية أحاديث هذا الباب في كتاب الجنائز.

стр. 775

٤٠ - باب ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلَّا هي كائنة • عن ابن محيريز، أنّه قال: دخلتُ المسجد، فرأيتُ أبا سعيد الخدريّ، فجلستُ إليه. فسألته عن العزْل؟ فقال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبيًا من سبي العرب، فاشتهينا النّساء، واشتدّ علينا العُزْبة، وأَحْبَبْنا الفداءَ، فأردنا أن نعزل، فقلنا: نعزل ورسولُ اللَّه ﷺ بين أظهُرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك، فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلّا وهي كائنة". متفق عليه: رواه مالك في الطّلاق (٩٥) عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، فذكره. ورواه البخاريّ في العتق (٢٥٤٢) عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بإسناده. ورواه مسلم في النكاح (١٤٣٨) من وجه آخر عن إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني ربيعة بإسناده مثله، وفيه كان مع ابن محيريز أبو صرمة وهو الذي سأل أبا سعيد. وفي رواية عندهما - البخاريّ في النكاح (٥٢١٠)، ومسلم عن عبد اللَّه بن محمد بن أسماء الضُّبعي، حدّثنا جويرية، عن مالك، عن الزّهريّ، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد الخدريّ قال: أصبنا سبيًا، فكنا نعزل، فسألنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "أوَ إنَّكم لتفعلون؟ أَوَ إنّكم لتفعلون؟ أَوَ إنّكم لتفعلون؟ ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلّا هي كائنة". ولم يذكر الجوهري في "مسند الموطأ" رواية جويرية. وفي مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد مرفوعا: "لا عليكم أن لا تفعلوا، فإنّما هو القَدَر". • عن جابر، أنّ رجلًا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إنّ لي جاريةً هي خادمنا وسانيتُنا، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل؟ فقال: "اعزلْ عنها إن شئتَ، فإنّه سيأتيها ما قُدِّر لها". فلبث الرّجلُ، ثم أتاه، فقال: إنّ الجارية قد حَبِلتْ؟ فقال: "قد أخبرتُك أنّه سيأتيها ما قُدِّر لها". صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٤٣٩) عن أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، حدّثنا زهير، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. وفي رواية: "إنّ ذلك بن يمنع شيئًا أراده اللَّه". قال: فجاء الرّجل، فقال: يا رسول اللَّه، إنّ الجارية التي كنتُ ذكرتُها لكَ حملتْ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنا عبد اللَّه ورسوله". وفي رواية عند ابن ماجه (٨٩) من وجه آخر عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، وفيه: "ما قُدِّر لنفس شيء إلا هي كائنة".
следующие страницы →